صدق الرؤيا ثم تقول الرواية إن جبريل أتاه بالبراق بعد هذه الرؤيا.
والظاهر أن النبي ﴿ ﷺ ﴾ عرف جبريل من خبر البشارة الواردة في الإنجيل، ولكنه لم يكن في مقدوره أن يعرف الإنجيل من غير وساطة، ولعله سمع ذلك الخبر من أفواه بعض الفلاسفة أو الباحثين في الأديان أو من أحد الحنفية وقد وصلهم هذا الخبر مشوها (١). وفي رأى النبي ﴿ ﷺ ﴾ أن الله بعث بروحه إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا (سورة مريم، الآية ١٧ و ١٩). ولم يذكر اسم الروح في هذه الآية ولكنه قال لمريم إنه رسول من ربها يهب لها غلاما. ويذكر النبي ﴿ ﷺ ﴾ في سورة التحريم أن مريم قد أحصنت فرجها وأن الله قد نفخ فيه من روحه، فقد جاء في الآية ١٢ من هذه السورة ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. وتذهب الرواية إلى أن جبريل قد اقترب من مريم ونفخ في حضنها فحملت.
ونمت هذه القصة نموًا كبيرًا بين المسلمين، ويلاحظ ذلك لأول وهلة كل من يطالع كتاب "مختصر العجائب" (ترجمة كارَا ده فو باسم Abrege des Merveilles) أو من المجلد الأول من تاريخ الطبري الخاص بأخبار فارس (ترجمة زوتنبرغ). وقل من الأنبياء من لم يوح إليه هذا الرسول السماوى أو يؤيده: وقد واسى جبريل آدم بعد خروجه من الجنة وأوحى له بالصحائف الواحدة والعشرين كما علمه زراعة الحنطة وعمل الحديد حروف الهجاء وأخذه إلى مكة حيث علمه مناسك الحج. وجبريل أيضًا هو الذي علم نوحًا كيف يبنى الفلك كما أنه حفظ إبراهيم من حر النار (سورة الأنبياء الآية ٦٩). وكانت له مع هذا الجد صلات كثيرة أخرى. وأعان جبريل موسى على سحرة مصر. وظهر عند خروج بنى إسرائيل من مصر على رمكة بيضاء ليحض المصريين على خوض البحر الأحمر لتطبق عليهم
стр. 2627
أمواجه. كما ظهر لشمويل وداود وعلمه صناعة الدروع، وقد واسى هذا النبي وأحضر له عشر صحائف بها عشر مسائل حلها سليمان. وجاء في الإنجيل أن جبريل أتى زكريا ليبشره بولادة القديس يوحنا.
ولجبريل شأن هام في إعداد التعاويذ والتمائم، فاسمه يكتب كثيرًا على هوامش المربعات السحرية مع أسماء الملائكة الكبار الآخرين: ميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل (١).
[كازاده فو Carra de Vaux]
الجبرتى
عبد الرحمن بن حسن الحنفي: ولد بالقاهرة عام ١١٦٨. (١٧٥٤) وهو من أسرة حبشية من الجبرت، استقرت بالقاهرة منذ سبعة قرون. وهي أسرة من العلماء أخرجت كثيرين من شيوخ رواق الجبرتية بالأزهر، ولعل أعظمهم هو والد صاحب الترجمة، وقد اشتهر بأنه آخر من درس علم الهيئة بالجامع الأزهر. ويرجع في تاريخ الأسرة إلى كتاب "عجائب الآثار" (حوادث سنة ١١٨٨ هـ، ج ١، ص ٣٨٦ - ٤٠٨ من طبعة عام ١٢٩٧ هـ) وإلى ملخصه الوارد في كتاب الخطط الجديدة (ب ٨، ص ٧ - ١٣) ويرجع في شأن رواق الجبرتية إلى كتاب الخطط الجديدة (ج ٦، ص ٢٣). وسار الجبرتى على سنة أسرته، فقد كان من كبار علماء القاهرة ومعاصرًا لأواخر بيكوات المماليك وشاهد عيان يقظ للاحتلال الفرنسى.، وقد نقد في هدوء، الأعوام السبعة عشر الأولى من حكم محمد على نقدًا لاذعًا. وعين نابليون الجبرتى عضوا في ديوان الأعيان، وهو الديوان الذي حاول أن يحكم به مصر. وكان الجبرتى في أواخر سنى حياته موقتًا للصلاة ولرؤية هلال رمضان وهلال شوال في بلاط محمد على. وقتل غيلة في شارع شبرًا في أثناء عودته إلى
стр. 2628
القاهرة في الليلة السابعة والعشرين من رمضان سنة ١٢٣٧ (٢٢ يونية ١٨٢٢) وتلقى تبعة ذلك دائمًا على محمد على، لأنه عرف بعض رأى الجبرتى في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" كان يقوم بتأليفه إذ ذاك؛ وهو أعظم تواريخ مصر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة، والمحقق أن طبعه قد حرم أمدًا طويلًا، فلم ينشر إلا عام ١٢٩٧ هـ (١٨٨٩ - ١٨٩٠ م) وقد صودرت نسخة منه سابقة لهذا التاريخ وأعدمت، بل إن الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب التي قام بها علماء من المصريين قد تركت ولم تصل (القاهرة سنة ١٨٨٨ - ١٨٩٤) هلم يبق منها بالعربية سوى المجلد الرابع، وهو الذي يبدأ بعام ١٢٢١ هـ وينتهى بذى القعدة من عام ١٢٣٦، ويتناول الكلام عن عهد محمد على. وتاريخ الجبرتى بعضه في الأخبار وبعضه في تراجم الوفيات، وله قيمة اجتماعية كبيرة، لأنه صورة مفصلة لحياة أهل المشرق. ومن ثم أفاد منه لين Lane في الحواشى التي كتبها على طبعته لكتاب ألف ليلة وليلة. ولتاريخ الجبرتى مقدمة تليها الأخبار مبتدئة بحوادث عام ١٠٩٩ هـ. ويعتمد المؤلف في أخباره حتى عام ١١٧٠ هـ -على ذكريات المتقدمين في السن والوثائق العامة والكتابات التي على شواهد القبور. أما من عام ١١٧٠ وما يليه فدعواه أنه يعتمد على ذكرياته الخاصة. ومن عجب أن يذكر المؤلف حوادث مرت به وهو حدث صغير. ويفصل الكلام عن الحوادث ابتداء من عام ١١٩٠ هـ. ولذلك كان لكتابه شأن الجريدة المعاصرة لأنه دون فيه كل الحوادث التي شاهدها. ولا شك في نزاهة أحكام الجبرتى، فهو من بيت علم يعرف قدر الرواية المحكمة إذا رواها شاهد عيان، وناصر الجبرتى الفرنسيين ثم محمدًا عليًّا من بعدهم، ولكنه كان في الحالتين حر الرأى نافذه، وله كتاب آخر عنوانه مظهر التقديس، وهو جريدة مفصلة عن الاحتلال الفرنسى لم يطبع بعد بالعربية ولكن ظهرت ترجمته التركية وترجمته الفرنسية (باريس سنة ١٨٣٨) التي قام بها كاردان Cardin. وفي رأى كريمر Von Kremer أن هذه الترجمة الفرنسية
стр. 2629
ناقصة جدًّا (Egypten، ج ٢، ص ٣٢٦). والجبرتى أيضًا نقل من كتاب "سلك الدرر" للمرادى (Brockelmann. ج ٢، ص ٢٩٤) ولعل هذا الكتاب قد أوحى له بالناحية الخاصة بتراجم الوفيات من كتابه عجائب الآثار، وله أيضًا موجز لتذكرة داود الأنطاكى (Brockelmann ج ٢، ص ٣٦٤ (ويرجع في شأن هذه المصنفات كلها إلى المصادر المفصلة الواردة في كتاب بروكلمان (ج ٢، ص ٤٨٠) وذكر لين Lane في طبعته لكتاب ألف ليلة وليلة (فصل ٢، تعليق ١٩) أن الجبرتى تلهى بكتابة نسخة أخرى من ألف ليلة وليلة، والظاهر أنها فقدت. وكان والد الجبرتى مغرما كذلك بالقصص والأغانى الشعبية (الخطط الجديدة، ج ٨، ص ١١، ج ٢، ص ٣ وما بعدها).
المصادر:
نذكر إلى جانب المصادر الواردة في صلب المادة:
(١) Merveilles biograph. et hist. du Shaikh.-، al-Diabarti، القاهرة سنة ١٨٨٨. Notice cur In vie .. de ١'auteur
(٢) Modern Egyptians: Lane، الفهرس تحت كلمة عبد الرحمن.
(٣) Beitraege zur arab: Von Kremer Lexicographic فينا سنة ١٨٨٣ - ١٨٨٤ وهو رسالة في لغة كتاب عجائب الآثار.
[ماكدونالد D.B. Macdonald]
+ الجبرتى: عبد الرحمن بن حسن، المؤرخ: ولد عام ١١٦٧ هـ (١٧٥٣ م)، وتوفى عام ١٨٢٥ أو أوائل عام ١٨٢٦ م، وهو سليل أسرة حنفية من الجبرت. ويقول الجبرتى إن أهل هذا الإقليم كانوا متشددين في أمور دينهم، ينزعون إلى الزهد والتقشف. وانطلق الكثيرون منهم إلى الحجاز سيرًا على الأقدام، إما لأداء فريضة الحج واما مجاورين. ولهم ثلاثة أروقة خاصة بهم: أحدها في مسجد المدينة، والثاني في المسجد بمكة، والثالث في الجامع الأزهر بالقاهرة. وجد الفرع المصري من أسرة الجبرتى، واسمه عبد الرحمن، كان "الجد السابع" للجبرتى، وقد ذهب أولًا إلى مكة والمدينة حيث درس بهما وقتا طويلا، ثم وصل إلى
стр. 2630
مصر والتحق برواق الجبرت بالأزهر في مستهل القرن العاشر الهجرى (نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أو مستهل القرن السادس عشر الميلادي). وهناك أصبح شيخ الرواق وزعيم جماعة الجبرت. وانتقل منصب شيخ الرواق بالوراثة من الأب إلى الابن في أسرة الجبرتى، ويوصف كل من شغلوا هذا المنصب بأنهم قوم متدينون وزهاد صالحون.
وظهر من هذه الأسرة مؤرخ عظيم، كان بلاشك ظاهرة فريدة في فن تدوين التاريخ الإسلامي لأن فترة الحكم العثمانى في مصر (٩١٨ - ١٢٢٦ هـ = ١٥١٢ - ١٨١١ م تقريبًا) معروفة بندرة مصادرها التاريخية التي كتبها سكان البلد المعاصرون، وهي تخللف في ذلك اختلافًا مشهودًا عن عهد سلاطين المماليك (٦٤٨ - ٩١٨ هـ = ١٢٥٠ - ١٥١٢ م) الذي يزخر بوفرة من مصادر المعلومات البالغة التفصيل والدقة التي لا يدانيها كما وكيفا أي مصدر للمعلومات في أي بلد آخر من بلاد الإسلام. ولا شك أن النهضة المحدودة التي حدثت في تدوين التاريخ بمصر حوالي ختام القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادي) لم تغيرفى طبيعة هذه الحال تغييرا جوهريا. وكانت دراسة التاريخ، بشهادة الجبرتى نفسه، قد لقيت من معاصريه التجاهل التام والاستخفاف. والظاهر أن معرفته بالتاريخ المصري والإسلامى حتى عام ١١٠٠ هـ (١٦٨٨ م، وهو العام الذي يستهل به أخباره) كانت محدودة جدًّا، ومع ذلك فإنه على الرغم من هذه العقبات وأنه لم يكتب إلا تاريخًا محليًا لا يخرج عن نطاق ولاية تابعة لإمبراطورية أوسع، فقد وُفق في تدوين تاريخ يعد من أهم تواريخ البلاد العربية في العصر الإسلامي.
وأهم مصنفات الجبرتى كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الذي يستوعب الحوادث من سنة ١١٠٠ هـ إلى ١٢٣٦ هـ) (١٦٨٨ - ١٨٢١ م). وهو يسوق روايتين عن تصنيفه، ويبدو من الرواية الأولى، وهي غير واضحة كل الوضوح، أنه بدأ
стр. 2631
في تدوين مذكرات لكتابه بانتظام من عام ١١٩٠ إلى عام ١٢٢٦ - ١٢٢٧ هـ. أما الرواية الثانية فتذهب إلى أن المرادى -المؤرخ الدمشقي، وصاحب معجم في تراجم أعيان القرن الثاني عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادي)، وهو "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر" -كان الدافع الأكبر إلى تصنيف كتاب التاريخ في صورته الحالية. وقد طلب المرادى من محمد المرتضى الزبيدى صاحب تاج العروس، الذي عاش في مصر، أن يعاونه في تصنيف كتابه فلبى طلبه. ولقى المرتضى معاونة في أداء مهمته من تلميذه الجبرتى. فلما توفى المرتضى في شعبان عام ١٢٠٥ (أبريل عام ١٧٩١) طلب المرادى من الجبرتى أن يحل محل أستاذه بعد وفاته. على أن المرادى توفى في صفر عام ١٢٠٦ هـ (أكتوبر من العام الميلادي نفسه)، مما ثبط همة الجبرتى في متابعة جمعه مادة كتابه. ومع ذلك فإن دافعًا من نفس الجبرتى ("باعثا من نفسى"، كما يقول المؤلف)، دفعه إلى أن يستانف عمله، ويضيف تاريخ الأحداث التي وقعت "بترتيبها الحالى". ويتضح مما سبق أن الجبرتى طوال عمله للمرتضى والمرادى قد جمع مادة للتراجم فحسب، وأنه لم يبدأ أيضًا في جمع المادة التاريخية بمعنى الكلمة إلا بعد مرور وقت طويل على عام ١٢٠٦ هـ (١٧١٩ م) وهنالك قرر أن يستمر في عمله بمفرده، وهذا يفسر وجود النسبة الكبيرة جدًّا من التراجم في تاريخه كما يفسر أيضًا لم ركز الجبرتى على أحداث القرن الثاني عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادي)، ذلك أن معجم التراجم للمرادى قد خصص لأعيان ذلك القرن نفسه. وعلى آية حال فإنه ليس من قبيل المصادفة المحض أن يسمى تاريخ الجبرتى باسم "التراجم والأخبار"، لأن التراجم تحتل المقام الأول على حين يحتل الخبر المحل الثاني. وهذه الحقيقة ذات مغزى كبير يضاف إلى ما سبق، إذا تذكرنا أن كتاب الجبرتى هو الوحيد، من دون تواريخ مصر العثمانية، الذي يضم تراجم في مصنف تاريخي. وقد ظهر في عهد سلاطين المماليك عدد وافر جدا من التراجم لا نظير له في أي بلد أو إقليم إسلامي آخر. وذوى هذا الضرب
стр. 2632
من التدوين التاريخي تمامًا في مصر أيام العثمانيين حتى أحياه الجبرتى وحده نتيجة لأثر شآمى. وثمة مسألة هي: هل تأثر الجبرتى أيضًا بكتب التراجم المملوكية؟ ولكن التحقق من ذلك ليس ميسورًا في ضوء ما لدينا الآن من معلومات.
وقد كتب الجبرتى المجلدات الثلاثة الأولى من أخباره في صورتها النهائية خلال عام ١٢٢٠ هـ ومستهل عام ١٢٢١ هـ (١٨٠٥ - ١٨٠٦ م) وألف المجلد الرابع والأخير فيما يظهر، خلال الفترة التي تستوعبها هذه المدة، أي في الأعوام من ١٢٢١ - ١٢٣٦ هـ (١٨٠٦ - ١٨٢١ م). وليس من شك في أنه كان يعتزم المضى في كتابة تاريخه بعد المجلد الرابع وقد نتبين ذلك من ملاحظته التي وردت في نهاية ذلك المجلد. ولا يمكن القول على وجه التحقيق هل مضى في كتابته أم لم يمض.
وظل نشر كتاب عجائب الآثار محرمًا في مصر مدة طويلة بسبب الهجمات الشديدة التي حمل بها الجبرتى على محمد على ونظام حكمه. ويسوق أ. فون كريمر A.von Kremer شاهدًا كاشفًا على محاولة حكومة مصر منع نشر الكتاب) Aegypten، ج ٢، ص ٣٢٦) ولم يرفع الحظر عن نشره إلا حوالي نهاية السبعينات من القرن التاسع عشر. وكانت أول مرة ينشر فيها أي جزء منه دون تدخل من سلطات الحكم عام ١٨٧٨, (حين نشرت جريدة مصر، وهي إحدى صحف الإسكندرية القسم الخاص بالاحتلال الفرنسى، وقد نشره أديب إسحاق وأطلق عليه اسم "تاريخ الفرنسوية في مصر". وفي عام ١٢٩٧ هـ (١٨٧٩ - ١٨٨٠ م)، أي بعد ارتقاء الخديو توفيق العرش بقليل، نشر تاريخ الجبرتى كاملًا لأول مرة في مطبعة بولاق وهذه الطبعة هي العمدة. وفي عام ١٣٠٢ هـ (١٨٨٤ - ١٨٨٥ م) نشر هذا- التاريخ مرة أخرى في المطبعة الأزهرية على هامش كتاب الكامل لابن الأثير" ونشر عام ١٣٢٢ هـ (١٩٠٤ - ١٩٠٥ م) في كتاب مستقل بالمطبعة الأشرفية في القاهرة. ونشرت ترجمة فرنسية لكتاب عجائب الآثار
стр. 2633
باسم - Merveilles biographiques histo riques, ou chronique du CHeikh Abd-El Rahman El-D % abarti في القاهرة بالمطبعة الأهلية Imprimeri Nationale خلال السنوات ١٨٨٨ - ١٨٩٦، وهي ترجمة غير دقيقة وسيئة للغاية ومن الخطر الاعتماد عليها.
وتاريخ الجبرتى له أهمية عظمى بالنسبة للفترة التي يستوعيها بأسرها. أما بالنسبة للجزء الأول من تلك الفترة فإن من الصعب أن نجزم، في ضوء ما لدينا بعد من معلومات، إلى أي حد اعتمد الجبرتى على مصادر أقدم لم يذكرها. كذلك ربما يكون قد أخطأ في ذكر وقائع بعينها، بعضها مهم. ومع ذلك فإن الصورة العامة التي يرسمها عن ذلك الجزء المبكر من هذه الفترة تعكس تاريخ مصر في تلك الآونة بأوضح وأصدق وسيلة. وبالنسبة للجزء المتأخر من تلك الفترة، وبخاصة عهد الاحتلال الفرنسى وأوائل عهد محمد على، فإنه، ولاريب، أحسن ما وصل إلينا من المصادر (وانظر فيما يختص بإحصاء وتقويم الموضوعات التي يتناولها هذا التاريخ The: D.Ayalon hisorian al-jabart and his background في BSOAS، مجلد ٢٣، ج ٢، سنة ١٩٦٠، ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
وثمة تاريخ آخر كتبه الجبرتى، يسمى "فظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس" يستوعب السنوات القليلة التي دام فيها الاحتاول الفرنسى لمصر. وقد انتهى من. تأليفه في آخر شعبان عام ١٢١٦ هـ (نهاية ديسمبر عام ١٨٠١ م أو مستهل يناير عام ١٨٠٣ م) وحاول الجبرتى فيه أن يتملق العثمانيين بالثناء عليهم من جهة، وتشويه سمعة الفرنسيين من جهة أخرى. وقد نشره حديثًا (عام ١٩٥٨؟ ) محمد عطا بعنوان "يوميات الجبرتى" (في مجلدين صغيرين صدرا في العددين رقم ٥٩ ورقم ٦٠ من سلسلة "اخترنا لك"، دار المعارف بالقاهرة). وترجمه مرتين إلى التركية المؤرخ عاصم والطبيب بهجت مصطفى. ونشرت الترجمة الأخيرة باسم "تأريخ مصر" في إستانبول عام ١٢٨٢.
وقام الجبرتى أيضًا بكتابة موجز لرسالة داود الأنطاكى الطبية "تذكرة
стр. 2634
الألباب، ويقول لين Lane أيضا أنه هذب لغة "ألف ليلة وليلة" وأضاف "كثيرًا من الطرائف مما يعرفه ومما سمعه من غيره من الأدباء". والظاهر أن هذه النسخة قد فقدت.
وكانت معرفة الجبرتى بالتاريخ الإسلامي محدودة جدًّا، كما أنه لم يكن له اتصال شخصى بأى مؤرخ مسلم، ومع ذلك فقد كان في موقف يتيح له) ن يحصل على الخبر المباشر عن الحوادث التي وقعت في مصر وبخاصة في القاهرة. وكانت لأسرته، وبخاصة والده حسن، صلات عديدة وثيقة بالطبقة الحاكمة (من المماليك) والعثمانيين) وبطبقة العلماء. وكان لأبيه أيضا النصيب الأكبر في بناء شخصيته وتكوين نظرته للأمور. ويبدو أنه ورث عنه مزيجا من التقوى المأثورة في الإسلام والعلم والفهم اللذين يؤتاهما رجل الدنيا. ومن الأشخاص الآخرين الذين لهم أثر عظيم في الجبرتى، المرتضى الزبيدي الذي أسلفنا ذكره وحسن العطار وإسماعيل الخشاب.
المصادر:
أولا: خطوط المؤلفين:
(١) من شاء مثالا للعجائب في مكتبة متحف العراق فليرجع إلى Revue de I'Institut des Manusrits Arahe.c ج ١، سنة ١٩٥٥، ص ٤٥.
(٣) وبالنسبة لخط المؤلف في كتاب مظهر التقديس، بمكتبة جامعة كمبردج، انظر Handlist: E.G.Browne، سنة ١٩٠٠، ص ٢٠٧ رقم ١٠٥٨،
ثانيا: مصنفات ومراجع باللغة العربية:
(٣) على مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة، في مواضع مختلفة.
(٤) جرجى زيدان: تأريخ آداب اللغة العربة، القاهرة سنة ١٩١٤, ج ٤، ص ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٥) ب. ل. شيخو: الآداب العربية في القرن التاسع عشر، بيروت سنة ١٩٢٤، ص ٢١.
стр. 2635
(٦) سركيس: ج ١ , عمود ٦٧٦.
(٧) خليل شيبوب: عبد الرحمن الجبرتى، القاهرة سنة ١٩٤٨ (رقم ٧٠ في سلسلة اقرأ).
(٨) محمود الشرقاوى: دراسات في تاريخ الجبرتى، مصر في القرن الثامن عشر، ٣ مجلدات، القاهرة سنة ١٩٥٥ - ١٩٥٦.
(٩) محمد أنيس: الجبرتى بين مظهر التقديس وعجائب الآثار، مجلة كلية الآداب، القاهرة سنة ١٩٥٦، العدد ١٨، ص ٥٩ - ٧٠.
(١٠) جمال الدين الشيال: التأريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر، القاهرة سنة ١٩٥٥، ص ١٠ وما بعدها.
ثالثا: مؤلفات ومراجع باللغات الأوربية:
(١١): D.B. Macdonald صدر هذه المادة.
(١٢) Brockelmann، ج ٢، ص ٣٦٤ القسم ٢، ص ٧٣٠.
(١٣) Supplement to the catalogue of the Arabic mss. of the British Museum, لندن سنة ١٨٩٤ رقم ٥٧١.
(١٤) Index de Djabarti: G.Wiet (العنوان العربي: فهرس عجائب الآثار)، القاهرة سنة ١٩٥٤.
(١٥) Geschichtschrei-: Fr. Babinger her، ص ٣٤٠.
(١٦) Reisen: Seetzen, برلين سنة ١٨٥٤، ج ٣، ص ١٢٨ - ١٢٩.
(١٧) Description of: E.W.Lane في Egypt: مخطوطة بالمتحف البريطانى، ملحق رقم ٣٤٠٨٠، مجلد ١، ورقة رقم ٢١٥.
(١٨) الكاتب نفسه: Manners and customs of the modern Egyptians.) نشر لأول مرة سنة ١٨٣٦) طبعة ص ٢٢٢ Everyman's Libarary.
(١٩) الكاتب نفسه The Thousand J and one Nights لندن سنة ١٨٨٩، ج ١، ص ١٦، تعليق رقم ٢٨، ص ٦٦، إلى الفصل الأول؛ ص ٢٠١ تعليق رقم ٨٥.
стр. 2636
(٢٠) Giornale: Giambatista Brocchi، tto delle osservazioni fatte ne'viagi in Egi nella Siria nella Nubia، بسانو Bassano سنة (١٦٤١ - ٣, ج ١، ص ١٥١.
(٢١) Journal: A.Cardin d'Abdurrahman Gabarti pendant , ١'occupation Francaise en Egypte باريس سنة ١٩٣٨.
(٢٢) Scientifique et militaire في Histoire de ١'Expedition Francais en Egypte, باريس سنة. ١٨٣٠ - ١٨٣٤، ج ١، ص ١٠ وفي مواضع مختلفة.
(٢٣) Aegypten: A.von Kremer ليبسك ١٨٦٣. ج ٢، ص ٣٢٥ - ٢٣٦.
(٢٤) الكاتب نفسه: Beitrage zur Ar tabischen Lexikog raphie فينا سنة ١٨٨٣ - ١٨٨٤.
(٢٥) Merveilles b iographiques et this toriques، القاهرة سنة ١٨٨٨، ج ١ المقدمة.
(٢٦) Litterature arabe: Cl. Huart، باريس سنة ١٩٠٢، ص ٤١٥ - ٤١٦.
(٢٧) Introduc-: J.Heyworth-Dunne tion to the history of education in modern Egypt، سنة ١٩٣٨
(٢٨) الكاتب نفسه: Arabic Liter Lure in Egypt in the nineteenth century في BSOS، ج ٩، سنة ١٩٣٨. ص ٦٧٥ - ٦٨٩.
(٢٩) Gibb-Bowen. ج ١، القسمان الأول والثاني.
(٣٠) Chronique: Nicolas Turc d' Egypt سنة ١٧٩٨ - ١٨٠٤، تحقيق وترجمة G. Wiet، القاهرة سنة ١٩٥٠ (وبخاصة مجموعة الشروح، ص ٢٨٩ - ٣١٤, والتعليقات على الترجمة الفرنسية، حيث يستخدم في الغالب تاريخ الجبرتى).
(٣٠) جمال الدين الشيال: - Al Jabarti y su escuela في- Revista del insti tuto de estudios islamicas en Madril ج ٤) سنة ١٩٥٨) ص ١٩ - ١٠١.
(٣٢) The historian Al-: D.Ayalon Jabarti and his background في BSOAS مجلد ٢٣، ج ٢ سنة ١٩٦٠، ص ٢١٧ - ٢٤٩.
آدم [د. أيالون D.Aryalon]
стр. 2637
الجبرية
يطلق هذا الاسم في تاريخ الفرق الإسلامية على الذين ينكرون الاختيار مخالفين في ذلك القدرية. ومن ثم لا يفرقون بين الإنسان والجماد من حيث إنه مجبر على أفعاله؛ وشيخ الجبرية جهم بن صفوان، وتعد النَجّارِية والضرارية والكُلّابية والبكرية من الجبرَية أيضًا. على أَن كتاب المعتزلة يأخذون على أهل السنة والأشعرية خاصة بانهم من الجبرية: وفي ذلك القول مجافاة للواقع كما لاحظ الشهرستانى بحق، ذلك أن الأشاعرة يثبتون للعبد كسبا في الفعل وإن كانوا ينكرون حرية الإرادة.
المصادر:
(١) الشهرستانى: الملل، طبعة Curteton ص ٥٩ مابعدها.
(٢) Die Philosa rpieschen: Horten Systeme den spekulaliven thel. in Islam، ص ٥٤ وما بعدها.
+ الجبرية: أو المُجْبرة: الاسم الذي يطلقه خصوم الجبرية على من يزعمون أنهم يمسكون بمذهب الجبر، أي أن الإنسان لا يد له حقا فيما يفعل، بل الله هو الذي يسيره. وقد استخدم هذا المصطلح فيما بعد المؤرخون لأصحاب البدع، لوصف طائفة من الفرق، وأطلقه المعتزلة، في صيغة مجبرة بصفة عامة، على المحدثين وعلى المتكلمين الأشاعرة وغيرهم، ممن أنكروا مذهب القدر أو "الإرادة الحرة" (الخياط: كتاب الانتصار، ص ١٨، ٢٤, ٢٦ وما بعدها، ص ٤٩ وما بعدها، ٦٧ , ٦٩, ١٣٥، وما بعدها؛ ابن قتيبة: كتاب تأويل مختلف الحديث، ص ٩٦؛ ابن المرتضى: كتاب المنية، طبعة أرنولد، ص ٤٠، ٧١ - لفخر الدين الرازي؟ الأشعرى مقالات: الإسلاميين، ص ٤٣٠؛ الملطى: التنبيه، ص ١٤٤ Brockelmann. القسم الأول ص ٣١٥ وما بعدها). ويقول الماتريدى صاحب شرح الفقه الأكبر) حيدرآباد سنة ١٣٢١ هـ، ص ١٢) أن الأشعرية يتمسكون بمذهب الجبر، على الرغم من أنه يستخدم في موضع آخر لفظ
стр. 2638
"مجبرة" للدلالة على الجهمية (ص ١١، إلخ) ورأى الأشعرية أن مذهبهم: "الكسب" وسط بين الجبر والقدر، وأن الجبر هو بعينه مذهب الجهمية.
وفي تصنيف الشهرستانى للمذاهب يقول إن مذهب هؤلاء "جبرية خالصة" أما النجار وضرار فيقولان إنه "جبرية معتدلة" (كتاب الملل، لندن، ص ٥٩ وما بعدها).
فلما ازداد تعقيد المناقشات المتأخرة لأفعال الإنسان، أهملت فكرة الجبر بل فكرة الكسب إلى حد كبير.
المصادر:
غير ما ورد في صلب المادة:
(١) ابن حزم، ج ٣، ص ٢٢ - ٣٥.
(٢) A Shi'ite creed: A.A.A. Fayzee لندن سنة ١٩٤٧، ص ٣٢.
(٣) A commentary on the: E.E. Elder creed of Islam (التفتازانى)، نيويورك سنة ١٩٥٠، ص ٨٢، ٨٤.
(٤) Passion: Massignon' ج ٢، ص ١١٠ - ٦١٥.
(٥) Free will and predestina-: Watt، tion in early Islam , لندن سنة ص ٩١ - ٩.
آدم [مونتجمرى وات W.Montgomery]
جبل طارق
شبه جزيرة من الصخر الجيرى كانت تابعة لبريطانيا، وهي إلى الجنوب الشرقي من إقليم قادس الأسيانى وتكاد تكون في الطرف الجنوبي الأقصى لأسبانيا. وتمتد ثلاثة أميال من الشمال إلى الجنوب، وأقصى ما يبلغه عرضها ميل واحد ومساحتها ميلان مربعان، وأعلى قننها ٤٣٩، ١ قدما. وبها مدينة ومرفا يحملان الاسم نفسه، وهما يسايران السفح الغربي، وهو أقل من الشرقي انحدارًا، وعدد سكانهما ٢٨ ألفا من الأسيان والإنكليز واليهود والمراكشيين بما في ذلك الحامية وعدد رجالها سبعة آلاف.
وجبل طارق مفتاح البحر المتوسط، ولذلك حصَّن تحصينًا منيعًا تتخلله المدافع. وكان في جون جبل طارق أو
стр. 2639
الجزيرة الخضراء في الأزمنة الغابرة عمود هرقل الأوربى (هرقل ويعادل هذا الاسم في الفينيقية اليونية Melgart وهو مأخوذ من Malkqart أي ملك المدينة) الذي سمى أيضًا كالبه Calpe أو أبيلا مونز Abyla Mons , تجاه (١٥ ميلا) العمود الإفريقى المعروف بعمود أبيلا Abyla أو أبنا Abenn، وهي سبتة الآن بما في ذلك القلعة a Castillo والجبل del Acha (ارتفاعه ٦٠٠ قدم) والمينا Punta de la Almina (ولكن هذه المستعمرة لم تكن تساير المضيق مثل جبال بويونس Sierra Bullones . كما يزعم بدكر Baedeker إلى الآن أو مثل جبل موسى المنسوب إلى موسى بن نصير).
والظاهر أن مدينة كارتيا Carteia الضاربة في القدم على الطرف الشمالي الأقصى من خليج جبل طارق شرقي مصب وادي الرنك أصلها إيبيرى على الرغم من اسمها الفينيقى، وكان لها بوصفها فرضة شأن في التاريخ أيام القرطاجنيين: وفي عام ١٧١ ق. م نزلها أول من استعمر شبه الجزيرة من الرومان وسميت في عهد العرب قرطاجنة مثلها في ذلك مثل كارثاكو Carthago وكارثا كونوفا ((Cartagena كان البرج الذي بنى على خرائب المدينة مازال يسمى كرتاجنة Cartajena أو كرتاكنه في القرن السابع عشر الميلادي، وقد عرف حديثًا باسم Torre del Rocadillo على، Farm el Roca- dills وعنده اكام من الخرائب غير مرتفعة. ويسيطر جبل طارق من الشمال الغربي على المجاز بأسره الذي يفصل بين أوربة وإفريقية وبين البحر المتوسط والمحيط الأطلنطى، وجرى الجال بتسميته مجاز جبل طارق، وهو يعادل Estrecho j Strasse von Gibraltar و Detroit de Gibraltar' وكان يعرف في الأزمنة القديمة باسم: كليريتيدس بيلاى Fretum Gaditanum (نسبة إلى قادس) أو Herculeum، وبالعربية (خليج) الزقاق. وعرفه العرب بعد عام ٧١١ باسم جبل طارق نسبة إلى المكان الذي نزل فيه طارق بن زياد أول ما نزل، وقد بادر طارق بتحصينه، وهو يعرف أيضًا بجبل الفتح. ولا يقال أبد، جبل الطارق بالتعريف كما يتردد حتى في أيامنا، لأن ذلك خطأ. وإنما يستملح الأسبان زيادة الراء عليها
стр. 2640
فيقولون Gibraltar بدلا من tar (انظر , estrella وهي من اللاتينية la Priego وبالعربية بيغة وانظر الرسم الإيطالى الصحيح Gibilterra (كما يزيدون الراء على Tanger هي بالعربية طنجة. وانظر أيضا قلعة مالقة Castillo de Gilralfarc وهي مأخوذة من جبل فارو، في حين أن Cilraleon شمالي ولبة مأخوذ من العربية جبل العيون. وما الـ El Jahaleon, وهو شمال غربي بازة في الشمال الشرقي لكورة غرناطة، إلا رسم آخر لجبل العيون (انظر Monte Jabalcuz جنوبي غربي جيان وهو بالعربية جبل كوز). وكان للمرفأ والمدينة والقلعة) The Moorish Castle) في الشمال الغربي للصخرة شأن متصل خلال العهد العربي باسره، ذلك أنها كانت قاعدة قوية للأسطول. أما الجزيرة الخضراء قبالتها فقد أصبحت شيئًا فشيئا القصبة الزاهرة للجزء الجنوبي من الأندلس. وفي عام ١٣٠٩ استولى ألونسوبيريز كزمان البوينو قائد فرديناند الرابع صاحب قشتالة على جبل طارق، لكنه انتقل إلى حوزة مرينييى مراكش عام ١٣٣٣ ثم انتزعه منهم يوسف الثالث أبوالحجاج النصرى الغرناطى عام ١٤١٠ استولى عليه أخيرلم الكونت كزمان وهو من مدينة شذونة لصالح هنرى الرابع صاحب قشتالة، وكان ذلك في العشرين من أغسطس عام ١٤٦٢. ثم غدا منذ عام ١٤٦٢ هو ومعسكر جبل طارق الجبلى بأسره في الشمال الغربي لجبل طارق (أي Sierra de los G? azulec بأسره) إقطاعا لقزمان مدينة شذونة حتى عام ١٥٤٠، ثم انتقل في ذلك العام إلى أملاك التاج. ونهب القرصان خير الدين الجزائرى جبل طارق عام ١٥٤٠، ولكن شارل الخامس حصنه تحصينا عظيما حتى عام ١٥٥٢. ومن هنا أقلع أمير البحر دون جوان ده مندوزا بالمبعدين من عرب الأندلس قافلا إلى إفريقية. ثم استولى الإنكليز على جبل طارق عام ١٧٠٤ في أثناء حرب الوراثة الأسبانية، ومن ثم توالى عليه الحصار الشديد، وخاصة عام ١٧٧٩ - ١٧٨٣ فكان يدفع عنه الجنرال إيليوت الفرنسيين والأسبان.
стр. 2641
المصادر:
(١) الإدريسي، الأصل، ص ١٧٧, الترجمة بعنوان Description de L'Afrique et de l'Espagne. ص ٢١٣.
(٢) أبو الفدا، الأصل ص ٦٨ والترجمة بعنوان Geographie d'Aboulfeda. ص ٨٥.
(٣) مراصد الاطلاع ج ٥، ص ٣٣ وما بعدها.
(٤) ابن خلدون، ترجمة ده سلان، ج ٤، الفهرس.
(٥) دائرة المعارف، ج ٦، ص ٣٨٣ - ٣٨٦.
(٦) Zur Spanish-: Seybold arabischen Geographie die Provinz Cadiz، هال سنة ١٩٠٦ م مادة قادس.
(٧) Spanien and Portugal: Baedker ' وبه خرائط.
(٨) History of the Muh.: Cayangos Dyn. in Spain ج ٣، ص ٣٥٥ "ثم انتزع محمد بعد ذلك جبل طارق من بنى مرين، وكان يلقب بالغنى بالله" وانظر في الفهرس مادة جبل طارق - Jebal Tank " استرده محمد الرابع" وقد أخطأ جايانجوس هنا في فهم ما جاء في المقرى، ج ١، ص ٣٩٥. ذلك أن المقصود في هذا المقام هو غزو محمد الخامس الجزيرة الخضراء عام ١٣٦٩.
[تسيبولد C.F. Seybold]
جحا
ويقال جحى: لقب رجل جعله الخيال الشعبي بطلا لبضع مئات من الملح والحكايات والنوادر. وأقدم إشارة أدبية لهذا الاسم ترجع إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) وقد وردت في الجاحظ الذي يسلك جحا في عداد غيره ممن اشتهروا بحماقاتهم ("رسالة في الحَكَمين"، طبعة بلا Pellat في مجلة المشرق، سنة ١٩٥٨، ص ٤٣١) ونسبت إليه مكايد عقيمة ونزعة عجيبة إلى ارتكاب الأخطاء والوقوع في المحذور. ويروى الجاحظ أيضًا (كتاب البغال، طبعة بلا، القاهرة سنة ١٩٣٥, سنة ٣٦)
стр. 2642
قصة مستقاة من أبي الحسن (المدائنى؟ ) يدلى فيها جحا بردّ ذكى مفحم غير متوقع على حِمْصى (يعد أهل حمص بلداء الفهم بخاصة؛ انظر IOOI Cantes: R. Basset، ج ١، ص ٤٢٧ - ٤٢٨، ٤٥١ - ٤٥٢). وسرعان ما أصبح جحا- بكلمة عارضة قيلت في أيام الجاحظ- الشخصيةَ الرئيسية التي تدور حولها طائفة من القصص بنيت منها مجموعة شتى مجهولة المصنف عرفت باسم "كتاب نوادر جحا" الذي ذكره كتاب الفهرست "كتب عام ٣٧٧ هـ = ٩٨٧ - ٩٨٨ م) في القرن التالي (ج ١، ص طبعة القاهرة، ص ٤٣٥) وقد استقى كتاب متأخرون من كتاب نوادر جحا، نخص بالذكر منهم الآبى المتوفى سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣٠ م) في "نثر الدرر" (مخطوط دار الكتب)، والميدانى المتوفى سنة ٨١٥ هـ (١١٢٤ م). والميدانى إذ يسجل القول المأثور "أحمق من جحا" يستشهد بثلاث نوادر ويضيف أن جحا من بنى فزارة وأنه يكنى بابى الغصن. وقد ذكر هذا أيضًا في غير ذلك من الكتب وهي "نثر الدرر"، و "صحيح" الجوهرى المتوفى حوالي سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م)، و "أخبار الحمقى والمغفلين" (دمشق [١٩٢٦]) لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ ١٢٠٠ م)، و"عيون التواريخ" (مخطوط باريس، رقم ١٥٨٨، ١٦٠) لابن شاكر الكتبى المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (١٣٦٣ م)، وحياة الحيوان" (انظر مادة "داجن" فيه) للدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٥ م)، و"القاموس" (مادة د ج ن، ج ح و، غ ص ن)، و"لسان العرب" (مادة غ ص ن)، و "مُضْحك العبوس" (مخطوط مجهول المؤلف في دار الكتب، رقم ١٠٢ وأدب). أما عن اسمه فقد اختلف باختلاف المصادر، فقد قيل: نوح، ودُجَين ي والدجين) بن ثابت ي وابن الحارث)، ثم أخيرًا عبد الله. وما من كتاب من هذه الكتب قد شك في وجوده، فنثر الدرر يقول إنه نيف على المائة، وتوفى في الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور (١٣٦ - ١٥٨ هـ = ٧٥٤ - ٧٧٥ م)، ويشير إلى نص مفقود الآن
стр. 2643
ورد في الجاحظ استشهد إلى ذلك بقصيدة لعمر بن أبي ربيعة المتوفى عام ٩٣ هـ (٧١٢ م) جاءت فيها إشارة إلى جحا (ولكن هذه القصيدة لم تظهر في ديوان هذا الشاعر) أما ابن الجوزي الذي يدافع عن وجود جحا فيقرر أنه إنما كان مغفلا وأن جيرانه الذين كان يتندر بهم هم الذين نسبوا إليه الحكايات التي نعرفها. وهو يذكر من معاصريه مكى بن إبراهيم (سنة ١١٦ - ٢١٤ أو ٢١٥ هـ = ٦٣٤ - ٨٣٠ أو ٨٣١ م؛ انظر تهذيب التهذيب، هذه المادة، وقد أخذ هذه الفقرة من ابن الجوزي صاحب كتاب نزهة الأدباء، ولكن الترجمة التي وردت في كتاب Fourberies [انظر المصادر] ص ٤ - ٥ يجب تصويبها) كما يذكر بعض النوادر التي تصله حقا بشخصيات بعينها من أعلام النصف الأول من القرن الثاني الهجرى (الثامن الميلادي) وخاصة أبى مسلم والمهدى.
ويذكر كتاب السير محدثا ضعيف الشهرة هو أبو الغصن دُجين بن ثابت اليربوعى البصري كانت أمه مولاة لأم أنس بن مالك؛ ويقال إن هذا التابعى الذي روى الأحاديث عن أنس، وأسلم (مولى عمر) وهشام بن عروة، ونقلها إلى ابن المبارك، ووقيع، بل الأصمعى، كان يعرف بجحا، ومن ثم كان يخلط أحيانا بالمترجم له. ويرفض ابن حجر العسقلانى المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٩ م) القول بأن الاثنين هما رجل واحد (لسان الميزان، مادة دجين)، ولكن فقرة أقدم وأوضح في الكتبى (كتابه المذكور) تلمح إلى حل لهذه المشكلة، فهي تقول في هذا الصدد إن دجين الملقب بجحا توفي سنة ١٦٠ هـ (٧٧٧ م) ولكنها تضيف أن ابن حبان يذكر أنه قد خلط بين رجلين، أحدهما دجين المحدث (البصري)، والآخر نوح (أي جحا الذي استقر في الكوفة) لأن الرجلين توفيا سنة ١٦٠ هـ. وهذا التوافق، على أقل تقدير، عجيب، وليس من المستحيل أن يكون محدث البصرة قد وقع فريسة لكيد أهل الكوفة، وما لم تتوفر لنا زيادة في المعرفة بهذا الموضوع فإنه ما من داع إلى الشك في الوجود التاريخي لجحا الذي ربما يكون قد سمى إلى ذلك أبا لغصن نوحا
стр. 2644
الفزارى. ويعد بعض الكتاب من الشيعة جحا شيعيا ويجعلونه محدثا هو وأبو نواس وبُهلول. والواقع أن الاستراباذى في كتابه "منهاج المقال" (طهران سنة ١٨٨٨، ص ٢٥٨) يذكر "مسند أبي نواس وجحا وبهلول. . وما رووا من الحديث" الذي كان في حوزة أبي فارس شجاع الأرَّجانى المتوفى سنة ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م؛ انظر. J - M. Breue histoire de la Litt. ar.: Ahd El Jalil باريس سنة ١٩٤٣، ص ١٦٩).
والسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ (١٥٠٥ م) الذي كانت بين يديه بلا ريب مصادر ليست في متناولنا رأى في جحا (انظر القاموس) تابعيًا سليم الطوية، وصرح بان معظم النوادر التي كان هو بطلها ليس لها سند. ويثبت هذا أن هذه الشخصية كانت معروفة في مصر حق المعرفة، ولكن السيوطي لا يلقى أي ضوء مطلقًا على المشكلة التي تبرز أمامنا اليوم، وقوامها أنه حدث في تاريخ غير محدد حوالي نهاية القرون الوسطى أن ظهر بين الأتراك شخصية رمزية أخرى باسم نصر الدين خوجه قد أخذت من بعض الوجوه، وفي تركية على الأقل، محل جحا. والحق إن أول نسخة عربية لمجموعة نوادر جحا المطبوعة على الحجر في بولاق سنة ١٨٨٠ تقريبا قد حملت العنوان غير المتوقع "نوادر الخوجه نصر الدين الملقب بجحا الرومى"، وعمد المصريون مرة أخرى إلى جعل نصر الدين وجحا شخصا واحدًا.
وعدد باسيه (Fourberies: R. Basset انظر المصادر) أن هذا الخلط نشا من أن "كتاب نوادر جحا" الأولى قد ترجم إلى التركية في القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادي) أو العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) وأن هذه النسخة التركية التي اقتبست وتوسع فيها قد ترجمت بدورها إلى اللغة العربية في القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادي)، وإذا كان هذا القول يتفق مع الحقيقة، فإن القول الأول لا يسلم بما جاء فيه كل التسليم، ولدينا كل الأسباب التي تدعونا إلى الاتفاق مع كريستنسن (Christensen. انظر المصادر) على أن
стр. 2645
"حماقات" نصر الدين كانت مجموعة مستقلة ضمت إليها حكايات جحا التي انتقلت بالرواية الشفوية. على أننا يجب أن نلاحظ هنا أن دخول شخصية جحا عند الأتراك ربما يكون قد حدث عن طريق بلاد الفرس حيث اكتشف كريستنسن (Tuhi in Parsian Litersian vented to E.G. Brownr .. كمبردج سنة ١٩٢٢ ص ١٢٩ - ١٣٦) بعض شواهد قديمة عن جحا (جحى أو جوحى) وخاصة في مثنوى جلال الدين الرومى وفي "بهارستان" لجامى المتوفى سنة ٨٩٨ هـ (١٤٩٢ م).
وهذا النهج الذي دعا إليه كريستنسن، وهو القائم على البحث عن حكايات حول جحا في الكتابات السابقة على التاريخ المزعوم لظهور نصر الدين، قد طبَّقه حديثًا عبد الستار أحمد فراج في كتابه "أخبار جحا" (القاهرة من غير تاريخ [سنة ١٩٥٤]) مستقلا عن غيره ونجح في هذا التطبيق. فقد أفاد عبد الستار من مادة نصر الدين في هذه الدائرة (الطبعة الأولى، بقلم بجراكترفج) وبدأ بحثه بنظرية رينيه باستيه دون أن يشير إلى كتب هذا المستشرق البارز، وحاول إلى حد أن يستعيد المصنف الأصلي "كتاب نوادر جحا" بتحليل مستكشف للآثار الأدبية القديمة بالعربية" وقد استطاع بهذه الطريقة أن يكتشف حوالي ١٦٦ نادرة ثلثاها (١٠٧) ظهرت في طبعة مجموعة "نوادر جحا". أما المائتان وإحدى وأربعون نادرة الأخرى لهذه الطبعة (لم يستبعدها لتوه لأن إقحامها حديثًا أمر واضح) فقد أحصى منها ٢١٧ نادرة لم يجد عليها أي شاهد قديم، و ١٧ ظهر فيها تيمورلنك (القرن الثامن الهجرى- الرابع عشر الميلادي) ثم أحصى آخر الأمر ٧ منها احتوت على ألفاظ تركية. ومن هذه الأرقام التي لا يمكن أن تكون نهائية بحال، يمكن أن نخرج بنتيجتين موقوتتين: الأولى أن نسبة النوادر التي حققت في تاريخ متقدم كبيرة بعض الشيء (٤٠ %)؛ والثانية أن الإضافات التي لا شك في أصلها التركى قليلة بعض الشيء أيضًا (% ٦) وقد أثبتنا هاتين النسبتين هنا لا لشيء إلا ما توحيان به من دلائل
стр. 2646
ذلك أن المجموعة المطبوعة التي اتخذت أساسا للإحصاء أبعد كل البعد من أن تضم بين دفتيها جميع النوادر الشائعة الملتصقة بجحا، ذلك أن هذه النوادر تنتسب في معظمها إلى الأدب الشعبي العالمى. زد على ذلك أن فراجا لم يدرس جميع الكتب، وبطبيعة الحال تلك الكتب الأكثر مما درس حداثة، وهي تضم نوادر أخرى عن جحا، سواء ظهر فيها اسم جحا أو لم يظهر، ونذكر من هذه الكتب بخاصة: ابن حجة المتوفى عام ٨٣٧ هـ (١٤٣٤ م): "ثمرات الأوراق" بولاق سنة ١٣٠٠ هـ والإبشيهى المتوفى بعد عام ٨٠٥ هـ (١٤٤٦ م): "المُستطرف"، القاهرة من غير تاريخ؛ والقليوبى: "النوادر"، القاهرة سنة ١٣٠٢ هـ (انظر Dio Geschichter und: - Kaliubi's Naw R. Rescher Anekdoten aus adir، شتوتكارت سنة ١٩٢٠)؛ والبلوى: كتاب ألف باء، القاهرة سنة ١٢٨٧ هـ و "نزهة الأدباء" وهو مخطوط بالمكتبة الأهلية بباريس رقم ٦٠٠٨، ٦٧١٠.
وأضاحيك جحا معروفة خارج العالم الإسلامي، وهي تنسب على الساحل الشرقي لإفريقيا إلى أبي نواس ولكن هذه الشخصية شائعة في النوبة (جَوْهَه) وفي مالطة (جَهَن) وفي صقلية وإيطاليا (كيوفا Giufa أو كيوكّا Giuccn)، بل إن ثمة دلائل أكثر على شيوعها في شمالي إفريقية حيث دخلت بلاشك في عصر متقدم في الزمن (يعرف الحُصْرى المتوفى ٤١٣ هـ الموافق ١٠٢٢ م أن رجلا من أعيان القرن الثالث الهجرى الموافق القرن التاسع الميلادي اشتهر ببراعة النكتة ويدعى أبا العَبَر كان يحمل خاتما نقش عليه "توفى جحا في يوم أربعاء وقد كتب يوسف بن الوكيل الميلوى في القرن الحادي عشر الهجرى الموافق السابع عشر الميلادي كتاب "إرشاد من نحا إلى نوادر جحا"، (انظر - Ar. Mss in the tale: L. Nemoy Uni .uersity Lib، نيوهافن سنة ١٩٥٦، رقم ١٢٠٣). ومن المحقق أن بعض آثار النسخة العربية الأوّلية بقيت بالعربية أو البربرية، وهي النسخة التي توسع فيها بلاشك بالاعتماد على عناصر من الأدب الشعبي استقيت من مصادر أخرى. وقد نجح موليراس) - A. Moulie eras انظر المصادر) في جمع ٦٠ نادرة
стр. 2647
في بلاد القبائل، ويمكن أن تجد بعضها في عدة دراسات للهجات البربرية (Maerchen der Berbern uon: H Stumme mazraty ليبسك سنة ١٩٠٠، ص ٣٩ - ٤٠ Zenatia du Mzab: R.Basset باريس سنة ١٨٩٢، ص ١٠٢ - ١٠٩؛ الكاتب نفسه: Manuel Kabyle. باريس سنة ١٨٨٧، ص ٣٧؛ الكاتب نفسه .. . Taxtes، الجزائر سنة ١٨٨٧، ص ٣٨؛ Gours de longue: S. Ben Sedira: kabyle الجزائر سنة ١٨٨٧. في مواضع مختلفة؟ : ninL herhere de Bet'tins S. Biarnay الجزائر سنة ١٩١١ ص ١٣٠؛ E: Dial berbere du chenous ١ Laoust باريس سنة ١٩١٢، ص ١٨٥، ١٩٠). وكانت شخصية جحا البربرى موضوع تحليل مفصل بعض التفصيل قام به باسيه Eassai sur la: R. Basset litterature Berberes (des . الجزائر سنة ١٩٢٠ ص ١٧٠) وما بعدها) وهو يصدق في معظمه على جحا العربي؛ وأغلب الكتيبات المكتوبة باللهجات العربية تنقل بعض النوادر (انظر بصفة خاصة: Ia We Araha: F. Mornand، باريس سنة ١٨٥٦، ص ١١٥ - ١٢٤ Spahis et ٣ Turgos T. Pharaon. باريس سنة ١٨٦٤ - ص ١٧٤ - ٢١٠ Mohammed: Enseigne-: Abderrahman .. .ment de I' arahe Parle. الجزائر، الطبعة الثانية سنة ١٩١٣. ص ١ - ٢٨؛ Reeunil de hen Yahia themes et: Allanua versions، مستغانم سنة ١٨٩٠. ص ١ - ٦٦، وفي مواضع اخرى: L.Machuel؟ Methode pour l'etude de ١'arabe park. الجزائر، الطبعة الخامسة، سنة ١٩٠٠، ص ٢١٠ وما بعدها؟ الإشارات الواردة في Arabe dialectal algerien et: H. Peres sahairien, bibiographie, الجز ائر، سنة ١٩٥٨، ص ١١١). أما بخصوص مراكش فإن فيها سلسلة من النوادر وردت في C hres tom a tie) G. S.Colin Maracain. باريس، الطبعة الثانية سنة ١٩٥٥، ص ١٥ في Recueil de Textes en Arabe Marocain, باريس، سنة ١٩٣٧ ص ١٥ - ٢٦). ويزعم المراكشيون أن جحا الحقيقي (زحا) اصله من فاس، وفيها طريق يحمل اسمه) Textes arabes de Ra-: L. Bruno bat، باريس سنة ١٩٣١، ص ١١٨) وفي مقابل زحا الفاسى هذا، الشرير
стр. 2648
الفكه، توجد بعض الشخصيات الثانوية تعرف أيضًا بزحا، ولكنها تجسد الريفى المغفل، ويفرق المراكشيون تفريقا فاصلا بين زحاهم الوطنى المتعدد الأشكال وبين جحا المصري الذي خلط بينه وبين نصر الدين في المجموعة المطبوعة.
وقد ظهرت شخصية جحا بطل قصة عدس A. Ades وجوسيبوفيسى - Josipovici de Goha le Sim . Le Livre) A ple، باريس في تاريخ غير معلوم: (حوالي سنة ١٩١٦) في السينما قريبا (سنة ١٩٥٩) في فيلم من نسختين عربية وفرنسية، وهي تقوم على الرواية المذكورة انفا المسماة "جحا" Goha) ولو أن الممثلين التونسيين ينطقون الاسم زحا).
وفي هذه الرواية قلما نستطيع أن نستكشف من جديد شخصية جحا الشعبية، وقد قال السيوطي عنه (فيما رواه شرح القاموس): "فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يسال الله أن ينفعه ببركاته (بوصفه تابعَيا) " وكان جحا قليل الحظ من البراعة وسرعة الخاطر، ساذجا، أخرق في بعض الأحيان، ولكنه كان أحيانا فائق البراعة، وقد تبدى من بعد بوجوه شتى كثيرة: فيندر أن يركَبُه الخرق تماما وإنما هو في الأكثر من الأحيان يتظاهر بالغباء وهو ينطوى على المكر الفائق. يتظاهر أحيانا بالسذاجة ليلعب بعقول زملائه أو يمكر بهم ويعيش على حسابهم، ذلك أن الطفيلية كانت هي حياته. وكان غباؤه المصطنع تمليه المصلحة وقلما كانت أغراضه شريفة. وكان جحا إلى ذلك خصب القريحة في تدبير الأمور، مقتدرلم بفضل مهارته في بلوغ الصواب وتخليص نفسه من أشد الىَ زق، فهو يذكرنا بيانورج (١) Panurge أكثر مما يذكرنا بكريبوى (٢) Gribo. كما تذكرنا "شيطنته" بأولنشييكل Eulenspiegel (٣) .
ومن العجيب حقا أن الأدب الشعبي قد استبقى اسم جحا من بين عدد كبير جدًّا من الشخصيات التي كانت منذ عصر متقدم مضرب المثل بين العرب
стр. 2649
نسيت الآن، وأن هذا الأدب قد جمع حول اسمه طائفة كبيرة من القصص الكثيرة التي كان هؤلاء أبطالها، وأنه قد آثره على جميع أرباب الفكاهة المحترفين (انظر Rosenthal F.: Humour in Early is dam، ليدن سنة ١٩٥٦) الذين نبه صيتهم في القرنين الثاني والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين) وتناظروا في ابتداع القصص المضحكة.
المصادر:
إن أول طبعة عربية لـ "النوادر" قد أعقبتها سنة ١٢٩٩ هـ (١٨٨٨٣ م) "نوادر جحا"، ثم "قصص جحا، بيروت سنة ١٨٩٠ ثم مسلسلة من الطبعات الشعبية على هيئة كتيبات. وقد توسع حكمت شريف الطرابلسى في ترجمة المجموعة التركية ونشرها بعنوان "نوادر جحا الكبرى" بالقاهرة في تاريخ غير معلوم؛ ويجدر بنا أن نذكر أيضًا: حسن حسنى أحمد: جحا، تاريخه، نوادره، حكاياته، علمه، خوارقه، فلسفته، القاهرة سنة ١٩٥٠؟ عطاء الله طرزى باشا: جحا القاضي، في مجلة الرسالة، رقم ٩٩٣ (٤ يولية سنة ١٩٥٢). وقد شرح باسيه Basset نظريته في مقدهة كتاب fourberies de Si Amoulidras: les Djeh'a، باريس سنة ١٨٩٢ ص ١ - ٧٩، ١٨٣ - ١٨٧, وهي تشتمل على ثبت مقارن كثير التعليقات بالنسخ التركية والعربية والبربرية. وثمة أيضًا بعض الدراسات للكاتب نفسه نشرت في Reuue des traditions populaires وفي IOOI Contes, recits et legendes arabes, باريس سنة ١٩٢٤. ج ١، في مواضع مختلفة، حيث ترجمت بعض النوادر. أما عن ترجمات النوادر فانظر Les: G? alland paroles remarquables, les bons: mots et maximes des Orientaux les، باريس سنة ١٦٩٤ والكتب التي ذكرها باسيه. R fourberies , .o Basset، ص ١٢ وخاصة Der Hodscha Naserddin: A. Wessbelski فيمار سنة ١٩١١ في مجلدين و Garcia- Cuentos de reha ... : FiRueras شريش سنة ١٩٣٤ وانظر أيضًا مصادر مادة "نصر الدين".
خورشيد [يلا Ch, Pell]
جدالة (بنو)
كان بنو جدالة من قبائل صنهاجة الملثمة السبعين، عاشوا غرب لمتونة في الصحراء الغربية على سواحل المحيط
стр. 2650
الأطلسي بالقرب من ارجوين ورأس الأسود. وقد حدث أن رجلا من جدالة يدعى يحيى بن إبراهيم كان عائدا من الحج فحبب إلى المصلح ياسين الإقامة في هذه الناحية. وكان هذا صاحب دعوة في إصلاح الإسلام، فاجبرت قبائل لمتونة وبخاصة جدالة على التمذهب بمذهبه (صفر سنة fri = اكتوبر- نوفمبر سنة ١٠٤٠). فلما توفى يحيى بن إبراهيم رفض هؤلاء الائتمام بياسين، فاضطر إلى الاعتكاف بين قبالولمتونة المجاورة. وفي المحرم من عام ٤٤٨ (مارس- أبريل سنة ١٠٩٦) حاصر ثلاثون ألف مقالر من لمتونة القائد الموحدى يحيى بن عمر في جبل لمتونة وذبحوه في العام نفسه هو وعدد كبير من أتباعه عند تبفريلى (؟ ) بين للوين وجبل لمتونة .. ولعل خليفة يحيى، أبا بكر بن عمر قد اخضعهم حوالي عام ٤٩٣ هـ (١٠٦٢ م) ثم انتقلوا هم وصنهاجة الملثمون إلى حكم يوسف بن تاشفين رأس الدولة الموحدية. وكان نصيبهم من نصيب هذا البيت، وقد اختقى ذكرهم من التاريخ منذ ذلك. وهم عين الجيتولى Gaetuli الذين ذكرهم الكتاب القدماء.
المصادر:
(١) البكرى، طبعة ده سلان، الجزائر سنة ١٨٩٧، ص ١٦٤، ١٧٢.
(٢) Le nord de: Vivien de S. Martin ١' Afrique dans I'antiquiM باريس سنة ١٨٦٣، ص ١٢٤ - ١٣٠.
(٣) ابن ابى زرع: روض القرطاس، طبعة تورنبرغ، أبسالا، في مجلدين سنة ١٨٤٣ - ١٨٤٦، ج ١، ص ٧٦ - ٨٠.
(٤) ابن خلدون كتاب العبر، بولاق سنة ١٣٨٤ هـ في ٧ مجلدات ج ٦، ص ١٨٢ - ١٨٣.
(٥) الحلل الموشية، تونس سنة ١٣٢٩ هـ، ص ٨، ٩.
[رينيه باسيه Rene Basset]
جدة
ويرسمها كتاب العرب جُدّة: قرضة عربية على البحر الأحمر على خط طول ٢١، ٢٨، ٣٠ شمالا وخط عرض ٣٩، ١٦، ٤٥ شرقا وتحيط بها صحراء. وقد اشتهرت بوخامة الهواء وقلة الماء، ومع ذلك فهي ترجع إلى العصر
стр. 2651
الجاهلى، وإن كانت تعوزنا الرواية الوثيقة المزيدة لذلك (Alte: Sprenger Giogr. Arabiens ص ٣٩)
وفي عام ٢٦ للهجرة اختارها الخليفة عثمان مرفأ لمكة، فكان ذلك أساس شهرتها في مستقبل الأيام. ذلك أن مكة، محج العالم الإسلامي جميعا، كانت منذ القدم موردا عظيما للتجارة، تزودها مصر بالمؤن بطريق جدة، ومن ثم كانت جدة مفتاحها. وقد اعتمدت البلدتان على مصر اقتصاديا فسياسيا، وكانت مكوس جدة (المقدسي، ص ٧٩، ١٠٤ التي وصفت حتى في زمن الاصطخرى بأنها بلدة رائجة للتجارة، مصدرا كبيرا من مصادر دخل ولاة الحجاز في ذلك الوقت. يضاف إلى هذا ما كانوا يجبونه على الحجيج من مكوس. فقد كان هؤلاء ونخص بالذكر منهم حجاج إفريقية الذين يركبون البحر من عَيذاب (المقدسي، ص ٢١٠) ينزلون إلى الجزيرة العربية في جدة وفي القرن الخامس الهجرى الموافق التاسع الميلادي رأى ناصر خسرو (طبعه شيفر، ص ٦٥ - ص ١٨١ - ١٨٣ من الترجمة) على جدة- وكانت آنئذ بلدة غير مسورة بلغ سكانها من الذكور نحوا من خمسة آلاف- واليا من موالى شريف مكة، وكان أهم ما وكل إليه جمع الأمو ال. ويروى الإدريسى (ترجمة جوبير Jauberi. ج ١، (أن بيت مال الشريف كان يعتدم على ما يحصله من مرفا جدة. وقد غدا هذا المرفا على الأيام مركزا من مراكز تجارة العالم، لكتقى فيه السفن القادمة من مصر بالسفن الخارجة من الهند وشرقى إفريقية.
وقد رسم ابن جبير (طبعة ده غويه، ص ٧٥ وما بعدها) صورة جلية للبلدة كما كانت تبدو عام ٥٧٩ هـ (١١٨٣) باكواخها المصنوعة من القصب وخاناتها المبنية بالحجر، واثار أسوارها ومساجدها التي يقال إن إنشاءها كان على يد عمر وهارون الرشيد، وأهلها الأشراف النسب، وأثنى على صلاح الدين لإبطاله الرسوم التي كان يجبيها أشراف مكة.
أما المكوس التي ظلت تحيى على السفن الهندية فقد أوشكت أن تكون باهظة في بعض الأحيان ثم إنها أثارت جشع أمراء الحجاز ومماليك مصر، فتولوا هم أنفسهم جمع هذه الرسوم
стр. 2652
بعد ١٥٤٢، ثم شاركوا أشراف مكة في هذه الأسلاب (- Snouch Hur gronje: Mekka ج ١، ص ٩٢ وما بعدها، ص ٩٩). وبعث السلطان قانصوه الغورى اخر الأمر واليا على مكة عام ١٥١١ م، فأحاطها بسور يحميها من غارات البدو واتخذها قاعدة بحرية لقتال البرتغال (المصدر المذكور، ج ١، ص ١٠٢). وقد اتضح بعد ذلك أن هذا التحصين كان ضروريا لأن البرتغال أغاروا عليها. عام ١٥٤١ عندما زالت تبعيتها لمصر ودخلت في ولاية تركية (المصدر نفسه، ص ١٠٤). وكان دخل مرفأ جدة يقتسم أيضًا في عهد الترك، وكان يقيم فيها وال من قبلهم (حاجى خليفة: جهاننما، الاستانة سنة ١١٤٥ هـ-ص ٥١٩؛ تجمة نوربرغ، ج ٢، ص ١٨٤) على أن هذا الدخل سرعان ما أخذ يتضاءل بطبيعة الحال، ولو أن تجارة البن والبضائع الهندية ظلت كبيرة حتى مستهل القرن التاسع عشر.
وفي عام ١٨٠٣ حاصر الوهابية الشريف غالبا في مكة فباءوا بالخيبة لمنعة أسوارها. على أنه اضطر إلى الخضوع لهم ثم ردها محمد على إلى حظيرة الترك. ووصف بوركارت جدة عام ١٨١٤ فقال إنها بلد سكانها ما بين ١٢.٠٠٠ و ١٥.٠٠٠ نسمة، وتشغل أسوارها المرممة حديثًا مساحة واسعة حافلة بالأكواخ الحقيرة المصنوعة من القصب والى جانبها بيوت مبنية من الحجر تزداد شيئًا فشيئا تحت حكم مصر. ولشد ما أدهشه أن الزحمة من السكان الذين تكتظ بهم مكة يندر بينهم أهل البلاد في حين يكثر عدد الدخلاء الوافدين من اليمن وحضر موت. وفي عام ١٨٤٠ عادت مكة إلى حكم المصريين، ورفع عنها حكم الباب العالى المباشر، وكان يمثله وال يقيم في جدة. وفي الخامس عشر من يونية عام ١٨٥٨ اغتيل القنصلان الإنكليزى والفرنسى وغيرهما من النصارى في جدة فضربت البلدة بالقنابل في الخامس والعشرين من هذا الشهر Snouck Hurgronje في Bijdragen tot de - Taal-Land en Volkenkunde van Neder landsch-Indie السلسلة الخامسة، ج ٢، ص ٣٨١ وما بعدها، ٣٩٩ وما بعدها) وحج مالتزن Maltzen إلى مكة عام ١٨٦٠ فوصف جدة بمثل ما وصفها به
стр. 2653
بوركارت تقريبا وقدر عدد سكانها بـ ١٥.٠٠٠ نسمة (قدرهو كلن Heuglin عددهم بـ ٤٠.٠٠٠ نسمة عام ١٨٦٤) وانتهى نصيب جدة في تجارة العالم بفتح قناة السويس، وكانت تجارتها آخذة في الاضمحلال قبل ذلك بسنين (Snouck Hurgronje في Verhandl. der f Gesellsch. fuer Erdkunde ج ١٤، ص ١٤١) ومع ذلك فما زالت موردًا كبيرًا للتجارة (حوالي ١.٥٠٠.٠٠٠ جنيه) فهي التي تزود الحجاز بالمؤن ولكنها لا تكاد تصدر شيئًا في مقابل هذه الواردات. ومعظم شانها الآن راجع إلى أنها مرسى الحجيج إلى مكة يهبط الجزيرة العربية بطريقها ما بين ٨٠.٠٠٠ و ٩٠.٠٠٠ حاج منهم سنويا.
ويسكن الفرضة حوالي ٣٠.٠٠٠ نسمة من العرب المخللطين بالتكارير ونحوا من ٥٠ نصرانيا. وهي مقر القائمقام منذ أن انتقل مقر الوالى إلى مكة. وتمتد صفوف المنازل البيضاء في المرفا على سفوح تل يساير الخليج الضحضاح الذي لا تستطيع السفن الكبيرة دخوله ويتخلل السور المحيط بجدة، ويبلغ ارتفاعه عشر أقدام، ثلاثة أبواب: باب الشريف عند دار المكوس في الغرب؛ وباب مكة في الشرق، والباب الجديد أو بابا المدينة في الشمال، وبقربه القنصليات الأوربية وقباله قبر حواء المشهور الذي يؤمه الناس كثيرًا.
المصادر:
ذكر علاوة على ما ذكر في صلب المادة.
(١) Erdkunde: Ritter، ج ١٣، ص ٦ - ٣٣.
(٢) Wallf ahrt nach: von Malzen Mekka. ج ١، ص ٢١٦ - ٣٣٢.
(٣) الكاتب نفسه Reise nach Sueda- rabien، ص ٤٦ وما بعدها.
(٤) Handelsberichten مجلة هولندية، رقم ٢٧٢, ٣٠ مايو سنة ١٩١٢
[هارتمان R.Hartmann]
+ جُدَّة، وينطقها أهلها جِدّة: فرضة سعودية عربية على البَحر الأحمر، تقع على خط عرض ٣١، ٢٩ شمالا وخط طول ٣٩، ١١ شرقا، وقد
стр. 2654
اشتهر جوها بالوخامة، ويكتنف الفرضة نقع في الشمال الغربي وسبخات في الجنوب الشرقي، وهي تواجه جونا في الغرب تتراكم فيه الشعاب حتى ليتعذر دخولها إلا بسلوك ممرات ضيقة. وجدة على مسيرة ٧٥ كيلو مترا من مكة بطريق مرصوف، و ٤١٩ كيلو مترا من المدينة.
ويقرر معظم جغرافي العرب ودارسيهم أن جُدة بمعنى الطريق (, Lane البكرى، ج ٢، ص ٣٧١) وهي الرسم الصحيح للمدينة، وليس جدة أو جَدة بمعنى أم الأب أو الأم كمَا زعم كوتييه Cautier وفلبى Heart) philby ج ١، ص ٢٢١) وغيرهم (يا قوت، ج ٢، ص ٤١؛ حتَّى، ووهبة) بالنظر إلى وجود (حتىَ عا م ١٩٢٨) قبر حواء غير بعيد من جدة (انظر في وصفه والصور الشمسية له Moeurs et cou-: E.F.Gautier كل n م lm كة tumes des Musu، باريس سنة ١٩٣١، ص ٦٤ - ٦٦). وترجع المدينة إلى أيام الجاهلية. ويزعم هشام بن محمد الكلبى في كتابه الأصنام أن عمرو بن لحى الخزاعى قد أدخل أصناما من جدة إلى مكة قبل الإسلام بعدة قرون (انظر الأنصاري في المصادر). ويقول ياقوت إن جُدَة بن حزم بن ريَان بن حُلْوان ابن قضاعة نسب إلى هذا الموضع الذي كان من منازل قضاعة. وقد كانت الأسباب التي رفعت شأن جدة هو اختيار الخليفة عثمان لها سنة ٢٦ هـ (٦٤٦) فرضة لمكة في مكان الفرضة القديمة الشئعَيبْة التي كانت قائمة إلى الجنوب منها بقليل (البتنونى، ص ٦؛ Nallino . ص ١٥٥). وقد أصبحت مكة، من حيث هي مثابة العالم الإسلامي، موردًا عظيمًا للتجارة تصلها الموارد من مصر والهند عن طريق جدة.
وما وافى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) حتى غدت جدة مدينة تجارية زاهرة، وكانت المكوس التي تجبيها مصدرا عظيما لدخل حكام الحجاز (المقدسي، ص ٧٩، ١٠٤) زد على ذلك أن الرسوم كانت تفرض على الحجاج في جدة، ذلك أن أولئك الذين كانوا يقدمون بالبحر منهم كانوا يرسون على الأرض العربية هناك.
стр. 2655
ويصف ناصر خسرو (طبعة شيفر، ص ٦٥، ص ١٨١ - ١٨٣ من الترجمة) المدينة بانها كانت بلدة بلا اسوار يبلغ عدد سكانها الذكور ٥.٠٠٠ ذكر يلي أمرهم وال من قبل شريف مكة، واجبه الأكبر هو جباية الأموال. ويرسم ابن جبير (طبعه ده غويه، ص ٧٥ وما بعدها) صورة للبلدة بأكواخها المصنوعة من القصب، وخاناتها المشيدة بالحجر، ومساجدها، ويثنى على صلاح الدين لأنه ألغى المكوس التي كان يجبيها الأشراف.
ولما اضمحلت الخلافة العباسية تحول كثير من التجارة التي كانت تتجه من قبل إلى البصرة إلى جدة، حيث كانت السفن الآتية من مصر حاملة الذهب والمعادن والأقمشة الصوفية من أوربا، للتقى بالسفن الآتية من الهند حاملة التوابل، ومواد الصباغة، والأرز، والسكر، والشاى والحبوب والأحجار الكريمة. وكانت جدة تفرض حوالي ١٠ % من قيمة هذه البضائع مكوسا. واستولى سلاطين المماليك في مصر بعد عام ٨٢٨ هـ (١٤٢٥ م) على حصيلة مكوس جدة إذ أثار ازدهار هذه المدينة طمعهم (كانوا من حين إلى حين يقتسمونها مع أشراف مكة) وبذلك جعلوا جدة تعتمد سياسيا واقتصاديا على مصر (ابن تغرى بردى، ج ٤، ص ٢١، ٤١؛ ج ٥، ص ٧٩).
وقدم البرتغاليون إلى مياه الشرق وراحوا يشنون الغارات على سفن المسلمين منذ سنة ١٥١٢، فجلب ذلك تهديدأ جديدا لجدة بذل المماليك ومن بعدهم العثمانيون محاولات حاسمة لردَه، وقد أقام حسين الكردى، عامل جدة من قبل السلطان قانصوه الغورى، سورأ حول مدينة جدة سنة ٩١٧ هـ (١٥٠٩ م) ويخطئ البتنونى إذ يقول إن ذلك حدث عام ٩١٥ هـ الموافق ١٥٠٩ م) وجعل هذه المدينة قاعدة لشن الهجمات على الأسطول البرتغالى. وقد ابحر لوبوسواريزده ألبركاريا البرتغالى Lopo Soares de: Alberia إلى مرفأ جدة سنة ٩٢٣ هم (١٥١٧ م) لمطاردة أسطول المماليك الذي كان يقوده سليمان رئيس، ولكنه أحجم عن مهاجمة المدينة بالنسبة إلى حصونها
стр. 2656
المنيعة) The Portogues in In-: Danvers dia، سنة ١٨٩٤، ص ٣٣٥)، وفي سنة ٤٩٥ هـ (١٥٣٨ م) زار الأسطول العثمانى جدة في طريقه إلى الهند وجمع سوارى ومدافع (- Hammer Purg Osman. Reich.: stall .Gesch. d . الطبعة الثانية، ج ٢، ص ١٥٦ - ١٥٨؛ أوزون جارشيلى: عثمانلى تاريخي، ج ٢، ص ٣٧٩ وما بعدها، ٥٣٨؛ فوزى قورد أوغلى في بلتن، ج ٤، سنة ١٩٤٠. ص ٥٣ - ٧٨؛ Stribling، ص ٨٩ - ٩٠). وفي سنة ٩٤٨ هـ (١٥٤١ م) بذل البرتغاليون آخر محاولاتهم الفاشلة للاستيلاء على المدينة، وكان يدافع عنها الشريف أبو نُمَىَ، وكافأه السلطان سليمان على ما حقق من نجاح في مقاومته البرتغاليين فمنحه نصف المكوس التي حصلت من جدة (دحلان، ص ٥٣). ولم تنته تجارة البحر الأحمر، كما ظن في وقت من الأوقات، بدوران البرتغاليين حول إفريقيا، بل ظلت قائمة في حماية العثمانيين في غضون القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي). وتشير المصادر العثمانية لذلك العهد إلى ظهور السفن القادمة من الهند على نحو منتظم في جدة، ويتحدث قنصل بندقى في القاهرة في شهر مايو سنة هـ ١٥٦ عن وصول ٢٠.٠٠٠ قنطار من الفلفل إلى جدة. ولم تقف التجارة العابرة بالبحر الأحمر إلا في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر الميلاديين (La Mediterranee et le: F.Braudel -monde Mediterraneen ٣ a ١'epoque de, Phil L inoe ll في باريس سنة ١٩٤٩، ص ٤٢٣ - ٤٣٧؛ خليل إينالجق في بلتن، ج ١٥، سنة ١٩٥١، ص ٦٦٢ وما بعدها)
لم يحدث في تاريخ جدة من الأمور الهامة إلا القليل في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين (السابع عشر والثامن عشر الميلاديين). كان الحجاز، في ظل السلطمان، تحكمه محليا الأسرة الحسنية من الأشراف الذين كانوا يتآمرون على سلطان الأتراك المتدهور تحقيقا لمصالحهم الخاصة (دحلان، الجبرتى). وكانت جدة سنجقا، وظلت إلى حين قاعدة لإيالة حبش، ثم أصبحت من بعد جزءًا من ولاية الحجاز. وتقول
стр. 2657
المصادر العثمانية إن الصدر الأعظم قره مصطفى باشا (تولى الصدارة من سنة ١٠٨٧ - ١٠٩٤ هـ-١٦٧٦ - ١٦٨٣ م) زود جدة بمسجد وخان وحمام ومورد للمياه.
وانتابت جدة في القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادي) طائفة من صروف الدهر، ففي سنة ١٢١٧ هـ- (١٨٠٣ م) حاصر الوهابيون الشريف غالبًا في جدة، ولكنهم عجزوا عن الاستيلاء على المدينة التي راحت تفاخر بأنها في مناعة جبل طارق (ابن بشر، ج ١، ص ١٢٢)، وقد سلم غالب من بعد، وخضعت جدة لحكم الوهابيين حتى سنة ١٢٢٦ هـ (١٨١١ م) وهنالك استعاد محمد على سلطان العثمانيين الاسمى عليها. وفي سنة ١٢٢٩ هـ- (١٨١٤ م) وصف بوركارت Burchart جدة فقال إنها بلدة يسكنها ما بين ١٢.٠٠٠ نسمة، و ١٥.٠٠٠ نسمة، لا يمثل عناصر السكان الأصليين منهم إلا قلة قليلة، على حين أن الأجانب القادمين من اليمن وحضر موت كانوا فيما يظهر كثيرى العدد. ويذكر كل من بيرتون Burton (ج ١، ص ١٧٩) والبتنونى (ص ٦) المرجان واللؤلؤ اللذين يستخرجان من البحر الأحمر في جدة ويصنع منهما السبح في مكة والصلبان في بيت المقدس. وفي سنة ١٢٥٦ هـ (١٨٤١ م) حل محل الحكم المصري الحكم المباشر للباب العالى يملكه وال يتولى الأمر في جدة.
وفي ٣ ذي القعدة سنة ١٢٧٤ هـ (١٥ يونية سنة ١٨٧٥٨ هـ) شهدت جدة مذبحة حرض عليها، فيما يظن، رئيس سابق من رؤساء الشرطة فيها وعدة تجار منها ساخطين، وقد قتل في هذه المذبحة حوالي خمسة وعشرين شخصا منهم القنصلان البريطانى والفرنسى وطائفة من التجار اليونان الموسرين. وهنالك ألقت الباخرة البريطانية سيكلوبس Cyclops مراسيها في المرفأ وظلت ترمى المدينة بالقنابل يومين وأعادت النظام إلى نصابه دون أن تحدث أضرارًا كثيرة (Isabel Burton، ج ٢، ص ٥١٣ وما بعدها).
وكانت جدة أول مدينة حجازية تسقط في يد الأشراف بعد أن أعلن الشريف الحسين استقلال العرب في
стр. 2658
سنة ١٣٣٤ هـ (١٩١٦ م)؛ انظر: نصيف، ص ٥٠). وسلم الأتراك المدينة في ١٥ شعبان (١٧ يونية) بعد هجوم مشترك شنه جيش الشريف الحسين وقذف الأسطول البريطانى لها ستة أيام. ومن يومها أصبحت مستودع المؤن الأكبر لقوات الأشراف التي كانت تعمل وراء خطوط الأتراك أثناء الثورة العربية.
وكانت جدة، في ظل مملكة الحجاز القصيرة العمر، بؤرة الصراع بين الوهابيين والأشراف للسيطرة على الحجاز. ولما استولى السعوديون على مكة في ربيع الأول سنة ١٣٤٤ (أكتوبر سنة ١٩٣٤) أصبحت جدة قصبة حكومة علي بن الحسين. وظلت المدينة محاصرة بالقوات الوهابية المتمركزة في التلال الساحلية على مسيرة عشرة أميال من المدينة، عاما أو نحو عام من جمادى الآخرة سنة ١٣٤٣ (يناير سنة ٩٢٥ حتى خضعت في جمادى الآخرة سنة ١٣٤٤ (ديسمبر سنة ١٩٢٥) وقد حال دون الدفاع عن جدة قصور جيش الأشراف الذي قدره فلبى (Forty Years: Philby، ص ١١٤) بألف من الجنود النظاميين مضافا إليهم المجندين من البدو، وانقسام أهل المدينة على أنفسهم، وقد أيد حزب منهم بزعامة القائمقام، التفاوض مع السعوديين وخلع على (نصيف، ص ١٥٦ وما بعدها. وقد وردت تفصيلات تاريخ المدينة في غضون هذه السنة بصحيفة "بريد الحجاز التي كان ينشرها محمد نصيف): وفي ذي القعدة سنة ١٣٤٥ (مايو سنة ١٩٢٧) التقى في جدة الملك عبد العزيز بن سعود وكلبرت كلايتون Clayton وعقدا معاهدة جدة الذي اعترف فيها البريطانيون بالاستقلال "التام المطلق" لأملاك آل سعود.
وقد وصف نلينو Nallinn جدة سنة ١٩٣٨, وذكر موقع قبر حواء الذي دمره السعوديون في غير ما جلبة سنة ١٩٢٨. والجبانة المعروفة بالجبانة الأوربية التي قيل إنها ترجع إلى عام ١٢٣٥ هـ (١٨٢٠ م) وتضم رفات بعض اليهود والأسيويين، والقرى القائمة وراء السور، وتشمل هذه القرى
стр. 2659
الهندوية إلى الجنوب والنُزْلة إلى الجنوب الغربي، والبغدادية والرؤيَس إلى الشمال، والناكتَو، ومحلة من القصب يسكنها التكارير وقد أصبحت جميع هذه القرى جزءًا من المدينة النامية.
ويختلف في تقدير عدد سكان المدينة الآن بما يتراوح بين ١٠٦.٠٠٠ و ١٦٠.٠٠٠ نسمة، ويحكمها قائمقام (وهو الحاكم المحلى الوحيد في السعودية العربية الذي لا يزال يحتفظ باللقب التركى) تحت السلطان الإدارى لمحافظ مكة، ولجدة مجلس بلدى منتخب، وقد لم صابت جدة، منذ الحرب العالمية الثانية، نجاحا تجاريا باهرًا، ودمر سورها سنة ١٩٤٦ - ١٩٤٧، وامتدت المدينة في ثلاثة اتجاهات: شرقا على طول الطريق إلى مكة؛ وشمالا على طول الطريق إلى المدينة، وجنوبا على طول طريق الميناء. وقد أزيل كثير من مجموعات الدور المرجانية الماثورة بشرفاتها ذات المشربيات لإفساح المكان لإقامة العمائر الحديثة لادارات الحكومة وقد عرفت جدة بسكانها الخليط: بخارئة ويمنية وحضارمة وبعض الجماعات القبلية وخاصة حرب، وهم لا يزالون يعيشون في أحياء مستمَلة من جدة.
وفي جدة عدد من الصناعات الخفيفة، كمصنع الأسمنت وعدة ورش لقطع الرخام. وثمة شبكة جديدة للمياه تمت سنة ١٩٤٨؛ وهي تمد المدينة بنيف و ٢.٥٠٠.٠٠٠ جالون من المياه يوميا، ومعظم هذه المياه تمتد في أنابيب تأخذ من عيون في وادي فاطمة. ويقوم مرفأ حديث في الطرف الجنوبي للمدينة مجفز برصيف ذي مرسيين طوله ١.٣٠٠ قدم، يتصرف في ٨٠.٠٠٠ طن من الشحن كل سنة وجدة هي الميناء البحرى والجوى الرسمى لدخول الحجاج في طريقهم إلى مكة، وقد نزل في جدة منهم ١٤٧، ٠٠٠ حاج سنة ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م). وفي هذه المدينة محطة للحجر الصحى ومستشفى وعيادة للرقابة الصحية، ومحلتان للحجاج احداهما ملحقة بالرصيف والأخرى ملحقة بالميناء الجوى، وكل هذه
стр. 2660
العمائر أقيمت منذ سنة ١٩٥٠ لرعاية الحجاج.
المصادر:
(١) البكرى: معجم ما استعجم، القاهرة سنة ١٩٤٥ - ١٩٥١.
(٢) ياقوت.
(٣) أحمد بن زينى دحلان: خلاصة الكلام، القاهرة سنة ١٨٨٧.
(٤) عثمان بن بشر: عنوان المجد، مكة سنة ١٣٤٩ هـ:
(٥) حسين بن محمد نصيف: ماضى الحجاز وحاضره، سنة ١٣٤٩ هـ.
(٦) محمد لبيب البتنونى: الرحلة الحجازية، القاهرة سنة ١٣٢٩ هـ
(٧) حافظ وهبة: خمسون عاما في جزيرة العرب، القاهرة سنة. ١٩٦٠.
(٨) فؤاد حمزة: قلب جزيرة العرب، القاهرة سنة ١٩٠٤ هـ.
(٩) الجبرتى: عجائب الآثار، القاهرة سنة ١٩٠٤.
(١٠) محمد بن بليهد: صحيح الأخبار، القاهرة سنة ١٩٥١ - ١٩٥٣.
(١١) ابن تغرى بردى.
(١٢) Erdkunde: Ritter ج ١٣، ص ٦ - ٣٣.
(١٣) Walfahrt nach: Von Maltzan Mekka ج ١، ص ٢١٣ - ٢٣٢.
(١٤) الكاتب نفسه: Reise nach Sue- darabien، ص ٤٦ وما بعدها.
(١٥) Western: British Admiratly Arabia and the Red Sea، سنة ١٩٤٦.
(١٦) Scritti: C.A.Nallino . ج ١.
(١٧) The life of Cap-: Isabel Burton tain Sir Richard Burton سنة ١٨٩٣، ج ٢، ص ٥١٣ وما بعدها.
(١٨) Jiddah: Hopper في Lands East فبراير سنة ١٩٥٦.
(١٩) Forty years in: H.St.J.Philly the wilderness، سنة ١٩٥٧.
(٢٠) الكاتب نفسه: Arabian Jubi lee، سنة ١٩٥٢.
(٢١) الكاتب نفسه Sa'udi Arabia سنة ١٩٥٥.
стр. 2661
(٢٢) الكاتب نفسه , Arabian Days: سنة ١٩٤٨.
(٢٣) Mekka: Snouck Hugronje ج ٢، سنة ١٨٨٨.
(٢٤) الكاتب نفسه في Bijdragen tot - de Taaland-en vnikenkunde van Neder landsch-Indic السلسلة الخامسة، ج ٢، ص ٣٨ وما بعدها، ٣٩٩ وما بعدها.
(٢٥) الكاتب نفسه في Verhndl N . Gesell. fuer Erdkunde ج ١٤، ١٤١.
(٢٦) عبد القدوس الأنصاري: جدة عبر التاريخ، في المنهل، جدة يناير- فبراير سنة ١٩٦٢.
وانظر عن العصر العثمانى:
(٢٧) فريدون: منشآت السلاطين، إستانبول سنة ١٢٦٥ هـ. ج ٢، ص ٦ وما بعدها.
(٢٨) أوليا جلبى: سياحتنامه، ج ٩، ص ٧٩٤ وما بعدها.
(٢٩) حاجى خليفة: جهاننما، ص ٥١٩.
(٣٠) أ. ح: أوزون جارشيلى: عثمانلى تاريخي، مجلد ٣، ج ٢، أنقرة سنة ١٩٣٤، ص ٤٤ - ٤٥.
(٣١) G.W.F.Stripling: The Ottoman ١٨٧٥ - ١٥١١ Empire and the Arabs أوربانا سنة الفهرس.
خورشيد [فيب آن مار Phebe Ann Marr]
الجد والهزل
جمع شائع بين مصطلحين متضادين لهما رنين خاص في علم الأخلاق عند المسلمين وفيما يعرف في العربية بالأدب. ولا يرد في القرآن إلا اللفظ الثاني دون أن ينطوى على مفهوم ضمنى من أي نوع، ومع ذلك فإن المعنى المضاد للهزل وهو الجد، والمعنى المرادف للهزل وهو المزاح، لا يردان فيه إطلاقا، والقرآن لا يحدد صراحة الجد أو ينص على اجتناب المزاح، ومع ذلك فإن الإسلام -دون أن يوحى ضرورة بالحزن والدموع برغم نظرته المتشائمة إلى هذه الحياة الدنيا التي سنوضحها فيما بعد- يدعو على الأقل المؤمنين في اهتمام إلى تدبر
стр. 2662
وعود ربهم وتحذيراته، وأن يعدّوا أنفسهم في هذه الحياة الدنيا للحياة الباقية التي تنتظرهم. ومن ثم تجد مقابلة بين نظرة الوثنى التي تتصف بالخفة وعدم المبالاة وإنكار خلود النفس والبعث وجنوح إلى التنعم بمتع الدنيا كلها دون خشية من عقاب، وبين نظرة الإسلام التي فيها صرامة يمليها الانشغال الدائم بما يحقق مثوبة الله. ثم إنه إذا كان "الحلم" ركنًا أسياسيًا في علم الأخلاق عند المسلمين، فإنه يتضمن بصفة خاصة شرف النظرة التي تستبعد كل احتمال للاستسلام إلى الضحك والمزاح. وقد أوحى؛ الذي عانى منه المسلمون الأولون ورسل الله السابقون بنفور من السخرية التي هي إلى ذلك منهى عنها في القرآن (سورة الحجرات، الآية ١١)، بل من مجرد الضحك الذي هو في ذاته مستنكر. ذلك أن الله هو الذي يضحك ويبكى "وأنه هو أضحك وأبكى" (سورة النجم، الآية ٤٣)، ولسوف يبكى كثيرًا في الحياة الآخرة أولئك الذين ضحكوا في الحياة الدنيا قليلا "فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون (سورة التوبة، الآية ٨٢) والضحك هو مسلك أعداء الله (سورة المؤمنون الآية ١١٠ - ١١٢؛ سورة الزخرف، الآية ٤٦؛ سورة النجم، الآية ٦٠؛ سورة المطففين، الآية ٢٩. على أن المؤمنين سيجزيهم الله في الدار الآخرة فنرى وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة (سورة عبس، الآية ٣٨ - ٣٩).
والمسلم إذ يدرك شرف دينه وكرامته، وجدّية أفعاله هو مهما بلغ نصيبها من العادية ومراعاته التوسط في كل أمر، فإنه إن لم يجد نفسه لا يملك إلا البكاء مدرارا يحس بأنه يجب عليه أن يكون أساسًا شخصًا جادًا وأن يتجنب أي مسلك لا يتمشى مع السلبية التي عليها الحلم، وخاصة الضحك والمزاح. وقد وجد هذا الإحساس الذي يقوم على تفسير ضيق لأخلاقيات القرآن، مبررا آخر في بعض الأحاديث والأقوال المأثورة التي لم يغفل الكتاب المتأخرون بعض الشيء للكتب الأخلاقية ودوائر المعارف العامة جمعها في أبواب خاصة. وهكذا نجد الغزالى (الإحياء، الكتاب ٢٤) يصرح بأن المزاح منهى عنه مذموم، ويستشهد بأحاديث مختلفة تؤكد حكمه، ومع ذلك
стр. 2663
فإنه يسمح بالمزحة المعتدلة. ويعقد الإبشيهى (المستطرف، حـ ٢، ص ٣٠٨) بعد الفصل المخصص لتحريم الخمر مباشرة فقرة للنهى عن المزاح، ولكنه لم يغفل عن أن يستشهد بالروايات المناسبة في إسهاب أكثر ويردد عددا من النوادر المضحكة.
والحق إن أنصار المزاح لم يعجزوا عن الإدلاء ببراهينهم، ذلك أن الأفكار الأساسية التي يمكن أن يستند إليها في تبرير الذم الكامل للمزاح تناقضها في الحق بعض، الأحاديث وأنظار حكماء المسلمين، ومن اليسير أن يلتمس السند عند النبي نفسه، فقد كان يمزح في مناسبات مخلتفة، وكذلك عند السلف الصالح الذين كانوا فيما يظهر يكادون لا يستمسكون بظاهر الأحكام القرآنية الناهية عن الضحك والمزاح، وسرعان ما اتخذ مَثَل ما انتهجه أئمة فقهاء المدينة سابقة، ولا يستطيع المرء أن ينسى للك الواقعة العجيبة. وإن كان من الممكن تفسيرها) من أيام القرن الأول الهجرى (الثامن الميلادي) التي حدثت في مكة والمدينة، وخاصة المدينة، وهي قيام مدرسة حقيقية من أصحاب الفكاهة كانت صنعتهم الإضحاك، وقد ساعدوا على إقامة النادرة ورفعها إلى مصاف القوالب الأدبية. ولم ينج العراق من آثار هذه الحركة، وإنما الأمر يقتضي المرء أن يقلب النظر في كتاب الفهرست (طبعة القاهرة، ص ٢٠١ وما بعدها، ٤٣٥) ليخرج بفكرة عن وفرة مجموعات النوادر سواء كان جامعوها معروفين أو مجهولين، أجل مجموعات النوادر التي كانت شائعة في عهد متقدم يرجع إلى أيام ابن النديم، ومن الراجح جدًّا أن أصحاب الفكاهة هؤلاء وزبائنهم من الطبقة الأرستقراطية -بقدر ما يكون لهم وجود تاريخي، ومن المعلوم أن بعضهم كان له وجود حقًّا- قلما كانت تزعجهم النواهى التي كان غيرهم يعدونها نواهى مطلقة. وقد اختفى معظم المجموعات التي من هذا القبيل والتي كانت على التحقيق عظيمة الشيوع مثلها مثل الكتابات الخيالية التي ظهرت وفرتها من كتاب الفهرست، والراجح أن السبب في اختفائها هو ردّة إلى التشدد والتطهر، ولكن بعضها استوعبته مجموعات أحدث، وقد حفظ الأدب مختارات منها تشهد بتذوق
стр. 2664
القراء العرب للنادرة اللاذعة بله المفحشة التي تخدش الحياء وهو تذوق باق وإن لم يعترف به.
وبصرف النظر عن الناحية الأخلاقية بمعنى الكلمة للنادرة، فإن العنصر الفكاهى يثير حقًّا مشكلة أدبية، يبرز فيها الجاحظ للمرة الثانية في الميدان فيكون هو أول من حددها تحديدًا واضحًا. ذلك أن الجاحظ، وقد ورث تراثًا دينيًّا وأدبيًا قديمًا، صدمته النظرة المتشددة في غير موجب لبعض معاصريه، وقد انبرى من أول الأمر إلى تبرير الضحك الذي جعله مقترنًا بالحياة، وتبرير المزاح، مبرزا مزاياه ما دام لا يسرف، ومظهرًا أن الإسلام دين متحرر لا يفرض بأية حال التحفظ والتشدد، ومن هنا راح يحمل على الجمود الذي تنطوى عليه معظم الكتابات التي هي في رأيه مسرفة في التشدد، وقد اقترح إباحة القليل من الهزل حتى في أشد الأنظار تشددًا. وكان في بعض الأحيان لا يتردد عن قطع حجة دارسة ليستشهد ببعض النوادر على حساب التهوين من بقية كتابه، ولكنه نجح في مزج الجد بالهزل مزجًا منسجمًا في عديد من كتاباته، ومن بينها "كتاب التربيع والتدوير" الذي هو بلا جدال أكمل مثال على ما نقول. وصفوة القول أنه أراد أن يكون الأدب مثقفًا ومسليًا في آن. والظاهر أنه نجح بعض النجاح في هذا الباب، ذلك أنه قد قلده كثيرون في المشرق والمغرب. وذهب إلى أبعد من هذا فسبق من غير وعى منه الشعار الذي يقول بإصلاح العادات والسلوك بالسخرية منها، وكتب "كتاب البلغاء" الذي اتخذ فيه الضحك عنصرًا في خطة للتهذيب. على أن نجاحه في هذه الحالة مشكوك فيه أكثر، وابن الجوزي هو فيما يبدو الكاتب الآخر الوحيد الذي نجح على تفاوت حين حاول أن يتخذ الضحك بلا قيد لتحقيق مثل هذا الغرض (أخبار الحمقى والمغفلين، دمشق سنة ١٣٤٥ هـ، ص ٢ - ٣).
ونستطيع أن نقول بصفة عامة أن الكتابات الفكاهية بل الفكاهيات المسرحية المعاصرة (تسمى الكوميديات هزلية) لا ينظر إليها أبدًا إلا على اعتبار أنها لا تعدو أن تكون تحولا مقبولا بلا أي مغزى خلقى.
стр. 2665
الجرجاني
إسماعيل بن الحسين أبو الفضائل: طبيب عربي توفى عام ٥٣٠ هـ (١١٣٥ م) ألف كتابين في اصول الطب أحدهما اهداه لعلاء الدين على ارسلان وعنوانه "التذكرة الأشرفية في العناية الطبية" (انظر Cata-: de Slane logue des Mss Arab de la Bible. Nat، رقم ٢٩، ٢٩٩٥٥) والآخر لخوارزمشاه، وقد سماه "ذخيرة خوارز مشاه" (يكى جامع كتبخانه سنده محفوظ كتب موجودنك دفترى، ٩١٥، ٩٢٦). وله أيضًا رسائل في الطب.
انظر أيضًا Arab Arzte: Wuestenfeld رقم ١٦٥: Gesch. d.: Brockelmann Arabhitc جـ ١، ص ٤٨٧.
[بروكلمان C.Brockelmann]
+ الجرجانى إسماعيل بن الحسين زين الدين أبو الفضائل الحسينى، ويعرف في كثير من الأحيان بالسيد إسماعيل: طبيب من الأشراف مشهور كتب بالفارسية والعربية، وقد شخص إلى خوارزم ليعيش فيها سنة ٥٠٤ (١١١٠ م)، واتصل حبله بقطب الدين محمد خوارزمشاه (٤٩٠ - ٥٢١ هـ = ١٠٩٧ - ١١٢٧ م) وأهداه تذكرته، وبأتسز بن محمد خوارزمشاه (٥٢١ - ٥٥١ هـ = ١١٢٧ - ١١٥٦ م) الذي عهد إليه كتابة موجز أصغر عنوانه "الخُفَى العلائى"، وقد سمى بهذا الاسم لأن المجلدين اللذين يحتويهما المختصر كانا من الصغر بحيث يستطيع الأمير أن يضعهما في خفّه في رحلاته. ثم نزح إسماعيل إلى مرو قصبة السلطان المنافس لمولاه سنجر بن ملكشاه، وتوفى فيها سنة ٥٣١ هـ (١١٢٦ م). وكتابه "ذخيرة خوارزمشاهى" هو فيما يرجح أول دائرة معارف طبية كتبت بالفارسية وتضمنت حوالي.٤٥٠.٠٠٠ كلمة، وهي أهم كتاب في هذا النوع من التأليف. وهي توجد أيضًا بالعربية، وقد ترجمت إلى التركية، كما ترجمت مختصرة إلى العبرية. وقد كتب الجرجانى، علاوة على الذخيرة والخفّى، حوالي اثنى عشر كتابًا آخر، بعضها أساسى، ومعظمها في الطب والفلسفة. ومعظم تواليفه التي مدحها