← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

الجزية، وحدث مثل ذلك لمملكة تلمسان التي بسطوا عليها سلطانهم الفعلى. وجاء الترك فوقفوا في وجه النصارى وأنقذوا الإسلام في إفريقية، وأسسوا بقوة السلاح دولة إسلامية تشمل المغرب الأوسط بأسره على أنقاض الدويلات البربرية بعد أن قوضت أركانها الفوضى التي دامت أمدًا طويلًا. وكان مؤسسا هذه الدولة هما عَروج وخير الدين. وقد وضع عروج أساس السلطان التركى بفتح مدينة الجزائر (١٥١٦ م)، ولكن سرعان ما انتهت حياته المظفرة في غير أوانها. أما خير الدين فكان أكثر منه توفيقًا، فقد أعلن ولاء الدويلات التي يحكمها للباب العالى العثمانى، وقبل منه لقبى الباشوية والبكلربكية، فحصل بذلك على التأييد الأدبى والعون المالى الكفيلين بتحقيق أغراضه، وفي المدة بين ١٥١٨، ١٥٣٦ سوّد نفسه على أغلب مدن الساحل والتل (مثل بونة، والقالة، وشرشال، وقسنطينة)، وأجبر جانبًا من بلاد القبائل على أداء الجزية له" واستولى علي بنيون ودمرها (١٥٢٩) فاستقر له الأمر في الجزائر نهائيًا. وأتم عمله البكلربكية الذين جاءوا بعده ومن قام مقامهم، فقد صدوا هجمات الأسبان الذين حاولوا شن حروب جديدة (ومنها هزيمة شارل الخامس أمام مدينة الجزائر عام ١٥٤١ م)، واستولوا عنوة على جميع المواضع التي كانوا يحتلونها ما عدا وهران. وقد ظلت هذه المدينة في حوزة الأسبان إلى ١٧٠٧ م؛ واستعادوها عام ١٧٣٢ ولكنهم تركوها نهائيًا في أيدى المسلمين عام ١٧٩٢. وغزا خلفاء خير الدين في الغرب مملكة تلمسان وانتصروا في حروبهم مع الأشراف السعديين الذين كانوا يتنازعونهم هذا الإقليم. بل إن صلاح رئيس احتل مدينة فاس (سنة ١٥٥٣)، ونصّب مرَّة أخرى على العرش أميرًا من بنى مرين، وقام حسين باشا ومن بعده علج على بغارات موفقة حتى نفذا إلى أرباض المحاضرة المراكشية. أما في الشرق فقد بسط الترك سلطانهم على ولاية قسنطينة بأسرها، وبلغت إمارة الجزائر في نهاية القرن السادس عشر الحدود التي احتفظت بها إلى عام ١٨٣٠ م،

стр. 2802

ومع هذا فقد كانت الحدود الغربية مسرحًا للمنازعات العنيفة بين الترك والمراكشيين، وعجز مولاى إسماعيل مرتين ١٦٩١ و ١٧٠٣ م عن أن ينتزع إقليم تلمسان من الترك وعمد خلفاؤه إلى الخديعة والدهاء ليوهنوا من قوة خصومهم. وشجعوا المرابطين وجماعات الإخوان المناهضة للترك كالدرقاوة، والتجانية، وأعانوهم بالمال، فكان لدسائسهم يد في الثورة التي عكرت صفو بلاد الجزائر الغربية في نهاية القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر. وأفاد الجزائريون من اقتتال الحسينية فيما بينهم فغزوا تونس عام ١٧٥٦ ونهبوا المدينة وأرغموا باياتها على أداء جزية سنوية. وشبت حروب جديدة بين الإمارتين في صدر القرن التالي، ولم تنته إلَّا عام ١٨٢١ م، ولم يستطع الترك قط بسط سلطانهم الفعلى على سائر المنطقة بين البحر والصحراء وتونس ومراكش. ويقول رن Rinn إن المنطقة التي كانت تحت إدارتهم المباشرة لم تتجاوز مساحتها ٢٩.٠٠٠ ميل مربع؛ أي سدس الجزائر الفرنسية. أما سائر الإقليم فكانت تسكنه جماعات مستقلة أو تابعة للترك تبعية تتفاوت قوة وضعفًا. ونستطيع أن نذكر من القسم الأوَّل؛ أحلاف بلاد القبائل وأحلاف التراراس وغيرهم، وهي جمهوريات متحالفة؛ وقبائل البدو في الهضاب وفي الجنوب (الصحارى، وبنو الأغواط والشعانبة وغيرهم) وإمارات محاربة مرابطة مثل تيقَورت أو عين ماضى. وعجز الترك عن إخضاع هذه الجماعات أو إلزامها بطاعتهم، فلم يجدوا بدًا من تركهم يعيشون بجانبهم. ويتألف القسم الثَّاني من أحلاف قبلية احتفظت باستقلال قام أو يكاد؛ ولكن صلاتهم بالترك كانت تقوم على معاهدات من مصلحة الطرفين احترامها، وكان هذا حال أولاد سيدى شيخ والحَرّار والحَنَانشةَ، والعَمور وغيرهم. بيد أن السياسة التركية حرصت على أن تظل هذه القبائل مفرقة الكلمة، وبيوت الأشراف متنافرة، والصف متنازعين في الجمهوريات، وذلك منعا لكل اتحاد يكون خطرًا على حكام الإمارة. وقد عمل الترك على أن يكون لهم بين كل جماعة من هذه الجماعات أنصار

стр. 2803

مخلصون لهم، وطبقوا المبدأ نفسه، وهو مبدأ "فرَّق تسد" على السكان الخاضعين لسلطانهم المباشر. وكانوا فريقين متمايزين. قبائل مُخْضَعة؛ أي رعايا وقبائل محكومة، ومخزن. وقد فرضت على الأولى العشور والزكاة وجزية أخرى تؤدى عينًا أو نقدًا (وتسمى لازمة) أما الثَّانية فكانت معفاة من كل ضريبة مع استثناء الرسوم القانونية، ولكنهم كانوا في خدمة الحكومة، متأهبين أبدًا للقتال عند أول إشارة. وكانوا يمدون الترك بالمحاربين والحمالين والجمالين. ويجبون الضرائب، ويقومون بعمل الشرطة في البلاد. وكانوا يدهمون القبائل العاصية والثائرة بغاراتهم، ويصبون عليها نقمتهم في غير شفقة أو رحمة، واستعانت بهم الحكومة التركية في تدعيم سلطانها، فكان عونهم أجدى عليها كثيرًا من عون فرق (أوجاق) الإنكشارية، وظلت قبائل المخزن بحكم الضرورة موالية للترك، أما الأهالى فكانوا ينقمون عليهم لاستغلالهم إيَّاهم. وأنشئت قطائع الجند أي الزمول (جمع زَمالة) (١) في كل موضع له أهمية حربية. ثم إن الترك باعدوا بين كل جماعة من أهل البلاد وبين الأخرى بأراض شاسعة غير ذات زرع. بيد أن الفتن كثرت رغم هذه التحوطات كلها، وكان السبب في اندلاع معظمها راجعًا إلى ما حل بالأهلين من مظالم عمال الترك، واستمرت بلاد القبائل على تمردها طوال القرن الثامن عشر ومستهل التاسع عشر تقريبًا. وفي نهاية الحكم التركى اضطربت الأمور في ولاية وهران اضطرابًا تامًّا بفعل دسائس عمال مراكش ودعوة الدرْقاوَة والتجانيَّة. ولم يستطع الترك إخماد هذهَ الفتن إلَّا بشق الأنفس، وكانت فتنة بنى شريف التي شبت عام ١٨٠٥ م أخطرها شأنًا. أما سكان الحضر، ويعرفون بالبلدى، فقد حجبوا عن الحياة السياسية بأسرها، فلم يحركوا ساكنًا لرفع النير التركى عن كواهلهم،

стр. 2804

واستطاع القُلَغلى- وهم مولدون من رجال أتراك ونساء وطنيات- دون سواهم، أن يلقوا في قلوب الأتراك بعض الخوف في القرن السابع عشر. فأدى ذلك فيما بعد إلى حرمانهم من جميع المناصب الرفيعة. وكان الحكم وما يستتبعه من المزايا وقفًا على رجال الجيش من الترك (أوجاق) وقد أقامت هذه الجماعة التي تمكن خير الدين بفضلها من تدعيم سلطانه، أرستقراطية عسكرية صغيرة لم يتجاوز عدد أفرادها في وقت من الأوقات ١٥.٠٠٠ رجل. وكان هؤلاء يجندون من سكان مدن آسية الصغرى، ومن الأوربيين الذين خرجوا على دينهم في القرنين السادس عشر أو السابع عشر على الأقل، وقد اجتذبهم إلى الجزائر شهوة المغامرة وما تجره من مغانم، وكان هؤلاء اليُلداش، بعد أن يسجلوا في ديوان الجند، يلحقون إما بالجيش البرى وأمَّا بالسفن؛ وتزاد أعطياتهم تدريجًا؛ ولا يعتمدون على غير ضباطهم. وكانوا يرتقون في جميع الرتب المتعاقبة بحسب أقدميتهم حتَّى يصل الواحد منهم إلى مرتبة الأغا، وقد يطمعون في أرفع المناصب المدنية، وكان الذين يؤلفون الجيش الحقيقي منهم يتناوبون الخدمة سنة في الثكنات (نوبه) التي في المدن أو أهم المراكز (الجزائر، بجاية، برج سيباو، قسنطينة، المدية، مليانة، مزونة، تلمسان) وسنة أخرى في صفوف الجيش لجباية الرسوم، ويقضون السنة التي تليها في عطلة، وكانوا مشاغبين، فلم يكونوا خطرًا على الأهلين فحسب بل على الحكومة أيضًا، فسعت إلى استمالتهم بالعطايا والمنح، وكانت فتن القصر التي أسالت الدماء في الجزائر مرارًا من صنع هؤلاء الجند، وحدّ نفوذ طائفة الرؤساء، أي رؤساء القرصان، من سلطان الإنكشارية في القرن السابع عشر، ومر نظام الحكم في بلاد الجزائر بتغيرات لها شأنها إبان القرون الثلاثة من الحكم التركى. وإن استمر في جوهره كما وضعه خير الدين. ويمكننا أن نميز في هذا المقام أربعة عهود مختلفة هي: عهد البكلربكية (١٥١٨ - ١٥٨٧ م) وعهد الباشوات (١٥٨٧ - ١٦٩٥ م) وكانت مدة حكم الباشا تدوم ثلاث سنوات؛ وعهد الأغوات (١٦٥٩ -

стр. 2805

١٦٧١ م) ثم عهد الدعاة؛ أي الدايات (١٦٧١ - ١٨٣٠ م)، وكان البكلربكية خير الدين وابنه حسن وعلج على وحسن فنزيانو، يحكمون باسم الباب العالى العثمانى، ويمارسون سلطتهم بأنفسهم حينًا وينيبون عنهم الولاة أو الخلفاء حينًا آخر. ويتصرفون في البلاد تصرَّف الملوك المستقلين وإن اعترفوا بسيادة السلطان الأعظم، وقد سماهم "هايدو" Haedo " ملوك الجزائر" ولهذه التَّسمية ما يبررها، وقد طمح كل منهم في أن ينشئ لنفسه مملكة تضم المغرب جميعًا، بل إنهم حاولوا الحد من سلطان الإنكشارية العظيم بالاعتماد على الفرق المجندة من القبائل (زَوَاوَة)، بيد أن مطامعهم أقلقت بال سلاطين الآستانة، فعقدوا عزمهم على استعمال الباشوات على إفريقية، وجعلوا مدة حكم الواحد منهم ثلاث سنين. وانصرف همَّ هؤلاء أولًا وقبل كل شيء إلى جمع ثروة طائلة، ولم يكن في ذلك ما يسئ إلى السلطان. واتسع نطاق القرصنة اتساعًا كبيرًا في هذا العهد، ونشبت حوالي منتصف القرن السابع عشر فتنة عسكرية وضعت أزمة الحكم في يد الأغوات أو قادة الإنكشارية. ولم يعد للباشوات إلَّا بعض المهام التشريفية. وفي عهد الأغوات اختل الأمن وعمت الفوضى، وأدى التناظر بين الإنكشارية والرؤساء إلى معارك دموية، واغتيل الأغوات جميعًا. ثم إن الرؤساء استطاعوا اغتصاب السلطان بعد فترة دامت اثنتى عشرة سنة، ونصبوا على البلاد "دايا". وانتخب القرصان كذلك خلفاءه -أي الداى- الثلاثة. أما الآخرون فقد انتخبهم الإنكشارية الذين استطاعوا آخر الأمر استعادة سلطانهم والمحافظة عليه، ويتميز هذا العهد باختفاء الباشوات وباضمحلال سلطان الجزائر، والحقُّ إن السيادة العثمانية لم تبد إلَّا في خلع قفطان الشرف على الدايات الجدد وتسليمهم كتاب الولاية. على أن ارتياد أساطيل الدول الأوربية العظمى البحر ومظاهراتها قد أضعفت من شأن القرصنة، فلم تعد تفى بحاجة بيت المال، مع أنها كانت من قبل مصدر ثراء أهل الجزائر. فاضطر الدايات إلى نهب الأهلين، مع ما قد يجره ذلك عليهم من

стр. 2806

انتقاض أو استعانة باليهود، وكان نفوذ هؤلاء اليهود يزداد حثيثًا، وأدت الحظوة التي نالها نفتالى بزناخ ويوسف بكرى (ملك اليهود) عند الداى في أوآخر القرن الثامن عشر إلى نشوب معارك دموية عام ١٨٠٥ م. وأمعن الإنكشارية في السلب والنهب، وكان عددهم قد قل كثيرًا، وفقدوا على الأيَّام صفاتهم الحربية، وكانوا يولون الدايات ويخلعونهم وفقًا لأهوائهم، وقد قتل غيلة أربعة عشر دايا من ثمانية وعشرين تعاقبوا على الحكم من سنة ١٦٧١ إلى سنة ١٨٣٠ م، ولم يفكر على خوجه في هجر قصر الجنينة في المدينة السفلى والانزواء بماله وحرسه في القصبة حيث يأمن على نفسه شر انتقاض الجند إلَّا عام ١٨١٦. وكان الجند ينتخبون الداى، ومن ثم كان سلطانه مطلقًا، وكان يعاونه مجلس يعرف بالديوان يتألف من وزراء ولقبهم الرسمى: "القوات" وهؤلاء الوزراء هم الخزنَجى أي وزير المال، وأغا المعسكر أي القائد الأعلى، ووكيل الخرج وهو وزير البحرية؛ وبيت المالجى، أي مدير الأملاك الأميرية، وخوجه الخَول، وهو جابى الضرائب، أما شيخ المدينة فكان يشرف على الشرطة والقضاء في العاصمة. وكان الداى يحكم إقليم الجزائر الذي كان يشمل دار السلطان، بوساطة أربعة من القواد. الأتراك. وقسمت بقية الإمارة إلى ثلاث نواح أو بكويات: البكوية الغربية وكانت قصبتها مزَونَة ثم من بعدها معَسْكَر (منذ ١٧١٠) ثم وهران (منذ سنة ١٧٩٢ م)؛ والبكوية الوسطى أو بكوية تيطرى وعاصمتها المدية؛ والبكوية الشرقية وعاصمتها قسنطينة. ثم قسمت هذه البكويات إلى أوطان تضم منازل عدة قبائل؛ وتنقسم هذه القبائل أيضًا إلى دور، أي طائفة من المضارب، وعلى رأس كل بكوية بك، وكل وطن قائد إما من الترك وإما من العرب، وكل دوار شيخ، وكان الداى يعين البكوات، وجرت الحال بأن يكون ذلك لقاء مال يدفعونه ثم إن البكوات كانوا يختارون من يعملون تحت إمرتهم بالطريقة نفسها، وكان لهم سلطان عظيم في بكوياتهم بيد أنهم كانوا مسئولين عن الأمن في نواحيهم

стр. 2807

كما كان عليهم جباية الضرائب بمعاونة قبائل المخزن. وكانوا يبعثون خلفاءهم كل عام في الرَّبيع والخريف حاملين إلى الجزائر ما جمعوه من الضرائب، وكان من واجبهم أن يشخصوا إلى العاصمة كل ثلاث سنين لتسليم العوايد التي كانت تعرف بـ "دنّوش" وكانت هذه الرحلات لا تخلو من خطر على حياتهم، لأنَّ الداى كان ينتهز فرصة شخوصهم إليه فيجبرهم على رد ما سلبوه أو يتخلص منهم إذا اشتبه فيهم، ولا شك أنَّهم قد يغرون بالاستقلال بالحكم لأنَّه كان تحت إمرتهم جيش وكان سلطانهم لا رقيب عليه، وقد تصرَّف بعضهم مثل محمَّد الكبير صاحب وهران وغيره تصرَّف الملك المستقل. وكان بكوات قسنطينة مصدر قلق عظيم للحكومة الجزائرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وظلت القرصنة أهم مورد للجزائر ثلاثة قرون، وإن ظلت جباية الضرائب هي الشغل الشاغل لعمال البكوية. وكانت القرصنة في الأصل ضربًا من الجهاد ثم أصبحت عند نهاية القرن السادس عشر عملًا مربحًا أثرى منه الحكومة والأهلون جميعًا. ودفع بعض الأفراد وموظفى الحكومة المال لتجهيز السفن، وفرضت الدولة ضريبة معينة على الأسرى والأسلاب وما تبقى بعد ذلك كان يقسم بين أصحاب السفن وبحارتها. وقد أدى وجود هؤلاء الأسرى، وخاصة من كان منهم ينتمى لأسر غنية، إلى قيام تجارة رابحة. فقد كانوا يباعون ويشترون، وكان من يمتلكونهم يفاوضون في فدائهم، فكانوا في بعض الأحيان يفاوضون الأسرى أنفسهم وفي بعضها الآخر يفاوضون من ينوب عن أسرهم أو أعضاء الجماعات الدينية المختلفة (الثالوثيون، والمرتزقة، واللازرية) الذين وقفوا أنفسهم على هذا العمل الديني، وكان الأسرى أثناء هذه المساومات يعيشون إما في دور أسيادهم وإما في أماكن أعدت لهم خاصة تعرف بسجون الرقيق Bagnios . وبلغت القرصنة شأوها في النصف الأول من القرن السابع عشر، وفيه تعرضت سواحل أسيانيا ويروفانس وإيطاليا نفسها لغارات قراصنة البربر، وبقيت لها

стр. 2808

قوتها حتَّى النصف الثاني من ذلك القرن، على الرغم من المظاهرات البحرية التي قام بها الإنكليز والفرنسيون (كالمظاهرة التي قام بها بلاك عام ١٦٥٩ م؛ وحملة بوفورت على جيجل سنة ١٦٦٤، وضرب دكوسن مدينة الجزائر بالقنابل عام ١٦٨٢ و ١٦٨٣، وضرب دستريه إيَّاها عام ١٦٨٨). ثم اضمحل شأنها في القرن الثامن عشرء بعد أن أنزلت الدولتان البحريتان الكبيرتان إنكلترة وفرنسا الرعب في قلوب القرصان. أما الدول الأصغر منهما شأنًا (كالسويد، والدانمرك، وهولندا، ونابولي وغيرها) فقد قنعت بآداء جزية سنوية نقدًا أو عينًا، في مقابل ضمان القرصان لسلامة رعاياها، وهو ضمان لم يكن قط بالضمان القوى وإن اختلف ضعفه في مختلف الأوقات. وحولت حروب نايليون الأنظار عن البحر الأبيض المتوسط إلى حين، فانتهز القراصنة هذه الفرصة وانتعشت تجارتهم من جديد، ولما خبت نار الحرب أصغى رجال السياسة لدعاة السَّلام أمثال سدنى سميث وشاتوبريان، فأخذوا يفكرون في الوسائل المؤدية إلى القضاء على هذه الحال، بيد أن أهل الجزائر أبوا أن يخضعوا لقرارات مؤتمر إكس لا شابل. ولم يفد ضرب اللورد إكسموث مدينة الجزائر في إرغامهم على التخلى عن هذه التجارة. وبقيت القرصنة ما بقيت السيادة التركية على تلك البلاد، أي إلى عام ١٨٣٠. وكان فتح الجزائر والقضاء على الدولة التركية من عمل فرنسا. ذلك أن حكومة شارل العاشر قررت أن ترفع الحصار البحرى الذي ضربته على البلاد، ودام ثلاثة أعوام، وأن تنزل العقاب بالداى حسين للإهانة التي لحقت بالقنصل ديفال عام ١٨٢٧ حين وجدت أن المفاوضة معه عديمة الجدوى، ولذلك قرر الوزير بولنياك إرسال حملة على الجزائر، وضرب باعتراض إنكلترة على ذلك عرض الحائط، وسلمَ الداى في الخامس من شهر يوليه، واحتل الفرنسيون المدينة على الفور، وأجبر حسين والإنكشارية على الرحيل من البلاد. وصمم بولنياك

стр. 2809

على أن تحتفظ فرنسا بالثغور الساحلية، ولكنه رأى أن يترك مصير البلاد ليقرره مؤتمر يعقد لهذا الغرض. غير أن ثورة عام ١٨٣٠ أطاحت بالبربون قبل أن يجتمع الساسة. وكانت مشكلة الجزائر من المشاكل المعقدة التي ورثتها ملكية شهر يولية. ولم يتفق الساسة الذين تسلموا زمام الحكم وقتئذ على خطة لحلها، بل ترددوا بين أن يسلموا برغبات الاستعماريين الذين كانوا ينادون باحتلال الإمارة القديمة واستعمارها، وبين أن ينفضوا أيديهم من هذه الحرب التي كادت تبهظ كاهلهم. وظل الأمر كذلك إلى عام ١٨٣٤ حين انتهت اللجنة الإفريقية من مهمتها، وعندئذ أعلنت الحكومة عزمها على أن تبقى فرنسا محتلة لبلاد الجزائر، وحاولت في نفس الوقت ولأول مرَّة أن تنظم إدارة الممتلكات الفرنسية بشمال إفريقية، وكانت قد ظلت حتَّى ذلك الوقت خاضعة للحكم العسكرى، فأصدرت في ٢٢ يوليه سنة ١٨٣٤ مرسومًا بتأليف الحكومة العامة لهذه البلادَ، وكان المجلسان وكان الرأى العام يفضلون أن يقتصر احتلال البلاد على المدن الساحلية والأقاليم المحيطة بها على الرغم من الحملة القوية التي كان يقوم بها أنصار الاحتلال الكامل لجميع الأجزاء التي كانت تتكون منها فيما سبق إيالة الجزائر التركية، ومن هؤلاء مارشال كلوزل، وظلت البلاد الداخلية مسرحًا للفوضى من عام ١٨٣٠ م فقد وطد أحمد، باى قسنطينة السابق، أقدامه في الناحية الشرقية، وأخذ عبد القادر يعمل على إنشاء مملكة في غربي البلاد، ومن ثم كان تقدم الفرنسيين بين عامي ١٨٣٠ - ١٨٤٠ تقدمًا بطيئًا، فلم يحتلوا من عام ١٨٣٠ إلى عام ١٨٣٦ إلا بونة ووهران ومستغانم وآرزو وبجاية؛ ومهد احتلال قسنطينة عام ١٨٣٧، بعد محاولة فاشلة للاستيلاء عليها في العام السابق، السهيل إلى احتلال الناحية الشرقية الممتدة من الساحل إلى الصحراء، وفي عام ١٨٤٤ ظهر الجند الفرنسيون في بسكرة وتوغلوا في جبال أوراس. أما في الغرب فقد كان الصراع مع عبد القادر صراعًا مريرًا، لكن فرنسا شنت عليه حربًا نظامية

стр. 2810

مستعرة بقيادة بوكو استمرت من ١٨٤١ م إلى ١٨٧٤ م، وانتهت بتحطيم قوته والاستيلاء على مدن إقليم التل والهضبة جميعًا (تلمسان، مليانة، معسكر، المدية، سعيدة، بوغار، تيهرت) ثم حددت التخوم بين الجزائر ومراكش في اتفاق عام ١٨٤٥، وكان هذا الاتفاق إحدى النتائج التي أسفرت عنها معاهدة طنجة المعقودة بعد الحرب المراكشية الفرنسية التي وقعت في عام ١٨٤٤. ودان بدو الصحراء في الجنوب بالطاعة للفرنسيين بعد أن أنفذ هؤلاء الحملات إلى حدود الصحراء، وأنشأوا المعاقل على الهضبة ثم دانت واحة زيبان لسلطان الفرنسيين بعد أن أخمدت الثورة التي قام بها بوزيان واحتلت زاتشه (سنة ١٨٤٩). وكذلك أخفق الشريف محمَّد بن عبد الله الذي ثار على الفرنسيين، وحاول استنفار قبائل الصحراء، ولكن الجيوش الفرنسية هزمته واحتلت الأغواط، وتقدمت حتَّى بلغت ورجلة (١٨٥٢ - ١٨٥٤) وكان جزء من أرض القبائل قد بقى إلى ذلك العين يستمتع باستقلاله، لأنَّ الحملتين اللتين أرسلتا إلى هذا الإقليم بقيادة بوكو في عام ١٨٤٤ و ١٨٤٧ والحملات التي قام بها سانت أرنو وراندو (١٨٥١ - ١٨٥٤) لم تؤد كلها إلا إلى احتلال مبدئى لهذا الإقليم. ثم فتحت بلاد القبائل التي يسكنها البابُرْس في إقليم وادي الساحل. ولم يفدها دفاع أبو بَغْلَة كما فتح أيضًا وادي سيباو، بيد أن قبائل جرجرة المتحالفة ظلت إلى ذلك الوقت بمنأى عن الغزو، حتَّى تم إخضاعها على يد راندون عام ١٨٥٧، وطارد هذا القائد القبائل في بطن الجبل ومثل بهم حتَّى أجبرهم على إلقاء السلاح والاعتراف بسلطان فرنسا عليهم. ولكنهم احتفظوا بعاداتهم ونظمهم الإقليمية، وأنشئ حصن نايليون (ويسمى الآن بالحصن الوطني Fort National) للإشراف عليهم. وهكذا نظمت طريقة حكم القبائل، بينما كانت أعمال الغزو تشرف على غايتها، على أن البقاع المستعمرة ظلت محدودة الرقعة على الرغم من الجهود التي بذلها بوكو Bugeud لتوسيع نطاقها، وعلى الرغم من المحاولات التي قام بها المستعمرون لزراعة الأراضي قبل عام

стр. 2811

١٨٤٨. أما في البقاع الخارجة عن نطاق الاستعمار فقد وضع الأهلون تحت إمرة شيوخ مسلمين (خلفاء وأغوات وغيرهم) يشرف عليهم القائد الفرنسى والضباط العظام وتعاونهم "إدارات عربية". ويعد خضوع أرض القبائل آخر مرحلة في أعمال الغزو الفرنسى، فلم يعكر صفو الأمن منذ ذلك الحين إلَّا فتن تتفاوت قوة وضعفًا، ولكنها على كل حال لم تتخذ طابعًا عامًا، ولم تكن كذلك الاضطرابات التي قامت بها القبائل المراكشية عى الحدود، وتطلبت إرسال حملة بقيادة له مارتميراى De Martmprey علي بنى سناسّن في عام ١٨٥٩، ولا الفتنة التي آثار عجاجها أولاد سيدى الشَّيخ في جنوب ناحية وهران، ودامت ثلاث سنوات (١٨٦٤ - ١٨٦٧ م)، ووجد الثوار فيها ملاذًا ومعينًا عند بنى جيل وذوى منية وأولاد جرير من القبائل المراكشية، وهم الذين أرسل الجنرال ومفن Wimpfen لتأديبهم فتوغل في بلادهم حتَّى وادي جير، ولقد كان قمع هذه الفتن المختلفة بطيئًا صعبًا في بعض الأحيان، ولكن المستعمرة رغم ذلك لم تستهدف من جرائها خطر جسيم. على أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للثورة التي اندلع لهيبها في عام ١٨٧١. فأمَّا السبب الحقيقي لهذه الثورة فيجب أن يلتمس في ضياع هيبة فرنسا بعد غلبة ألمانيا عليها، وأمَّا السبب المباشر الذي أدى إلى اشتعال نارها واتساع نطاقها، فهو اختلال الإدارة، والإجراءات غير الحكيمة التي اتبعتها حكومة الدفاع الوطني في ذلك الوقت، وبخاصة في مسألة منح الجنسية الفرنسية لليهود الوطنيين، ثم إنقاص الحاميات العسكرية في البلاد. وقام على رأس الفتنة "مَقْرانى" أغا مجانة السابق، وهو من جماعة الأشراف الوطنيين النزاعين إلى الثأر الذين لا يرجون من الاستعمار الفرنسى إلَّا سوء المصير، وقد دفعته مآربه الشخصية إلى المعارضة في إنشاء الإدارة المدنية، كما قام عليها أيضًا في إنشاء الإدارة المدنية، كما قام عليها أيضًا اثنان من المرابطين هما الشَّيخ حداد وابنه سى عزيز، وكان لهذا الابن فيها نصيب أكبر من نصيب أبيه، وقد أخفيا مطامعهما تحت ستار

стр. 2812

الدعوة الدينية وتوسلا بذلك إلى استفتاء الإخوان الرحمانية، وعمت الثورة أرض القبائل الكبرى والصغرى، وانتشرت كذلك في جنوبي إقليم قسنطينة وبعض مناطق من إقليم مدينة الجزائر، أما الغرب فقد ظل على ولائه، وأحدثت الثورة قلقًا عظيمًا أول الأمر، فقد حوصرت المدن والحصون في أرض القبائل، ودمرت قرية بالسترو Palestro. وهدد الثائرون متيجة. بيد أن فرنسا استطاعت التغلب على الموقف بعد أن عينت حاكمًا عامًا للولاية، رجلًا قديرًا هو أمير البحر ده كيدون de Gueydon. وأنفذت إلى البلاد نجدات فرنسية. ونظم فيها جيش عقد لواؤه للقواد سوسييه Soussier ولالمان - Lalle mand وسيريز Cerez. ففك الحصار عن المدن وقتل المقرانى في إحدى المعارك عند وادي سَفلت بالقرب من أو مال (صور الغزلان) ثم خلفه على رأس الفتنة أخوه أبو مزراق، ولكنه طورد من أرض القبائل الصغرى ورُدَّ إلى الجنوب حيث أسر آخر الأمر عند الرُوَيسات في العشرين من شهر يناير عام ١٨٧٢ م. وزاد عدد الثائرين حتَّى بلغ مائتى ألف رجل، وبلغ عدد المعارك التي خاضوا غمارها ٣٤٠ معركة، وعوقبت القبائل على ثورتها بحرمانها استقلالها الذاتى، وفرض غرامة حربية عليها. واستقطاع ١.١٢٠.٠٠٠ فدان من أراضيها، خصصت للمستعمرين. أما الفتنتان اللتان نشبتا بعدئذ في العَمْرى عام ١٨٧٦ م، وفي أوراس عام ١٨٧٩ م، فلم يكن لهما شأن يذكر، وكان أخطر منهما الثورة التي أثارها المرابطى أبو عَمَامة في الجنوب من وهران (سنة ١٨٨١)، وأدى هذا كله إلى إنشاء حصون دائمة على التخوم الجنوبية من الهضبة، واستخدمت فيما بعد قواعد للأعمال الحربية في منطقة الصحراء. وكانت الأعمال الحربية إبان هذا العهد (١٨٥٩ - ١٩٠٨) المحل الثَّاني من اهتمام فرنسا، ذلك أن المشاكل الإدارية والاقتصادية كانت تتطلب منها عناية خاصة. ولقد تبدلت إدارة الجزائر العليا عدة مرات ووصل الأمر إلى إنشاء إدارة خاصة بهذه البلاد مركزها في باريس، ودامت من عام ١٨٥٨ إلى عام ١٨٦٠. ثم نشب خلاف شديد بين أنصار سيادة السلطة

стр. 2813

العسكرية وأنصار الحكم المدني. وقد استطاع هؤلاء أن يحصلوا من الحكومة الإمبراطورية على إصلاحات يسيرة في المسائل التفصيلية، ثم أصبحت لهم فيما بعد الكلمة العليا بعد سقوط نابليون الثالث، ومن ذلك الحين أصبح حاكم الجزائر- حتَّى من كان من رجال السلك العسكرى- يسمى الحاكم العام المدني Gouverneur General Civil . ولم يعهد بهذا المنصب السامى منذ عام ١٨٧٩ إلا الموظفين مدنيين، وقام خلاف آخر لا يقل عن ذلك عنفًا بين الذين يقولون بفرنسية الجزائر والذين يقولون باستقلالها الذاتى. وكان من رأى الأولين أن الجزائر ليست إلَّا امتدادًا لفرنسا، ومن ثم وجب أن تخضع للنظام السياسي والإدارى والاقتصادى الذي تخضع له فرنسا نفسها، وكان الآخرون يرون عكس هذا، فكان من رأيهم أن تمنح البلاد نظما تلائم أحوال أهلها، أو أن تعدل النظم الفرنسية على الأقل بحيث تلائم حاجات الأهلين، وكانت مراسيم عام ١٨٨١ التي حدّت من سلطان الحاكم العام، والتي ضمت المصالح الجزائرية المختلفة إلى الإدارات المماثلة لها في فرنسا انتصارًا لآراء الطائفة الأولى. على أن الإصلاحات التي تمت منذ سنة ١٨٩٦ قد أوحت بها كلها المبادئ التي كانت تنادى بها الطائفة الأخرى، وأهم عمل قامت به الحكومة في تاريخ الجزائر خلال نصف القرن الأخير هو استغلال الأرض، فقد امتد نطاق الاستعمار على منطقة التل بأسرها، بل تعداها إلى منطقة الهضبة من ورائها. وقد أضيفت إلى زراعة الحبوب (وهي التي جرت العادة بزراعتها في إفريقية من أقدم الأزمان) زراعات جديدة أهمها الكروم وكشفت مناجم (الحديد والخارصين والفوسفات) واستغلت وأنشئت مشروعات عامة جديدة كالطرق والسكك الحديدية، ومشروعات الري واستخدام قوة المياه، وتضاعف عدد السكان الأوربيين منذ عام ١٨٧٠ م، وخطّت مدن جديدة في كل مكان. وليس من غرضنا في هذا المقام التوسع في وصف هذا الانقلاب، وحسبنا أن نقول إنه كان أثرًا من آثار ابتكار الأوربيين ورءوس الأموال الأوربية. أما الوطنيون فكل ما فعلوه

стр. 2814

أنهم رضوا به ولم يعملوا عى إحداثه وتيسيره (١). (حـ) سكانها بلغ عدد سكان الجزائر وفق تعداد عام ١٩٠٦ (٥.٢٣١.٦٥٠ نسمة) يمكننا أن نقسمهم على الوجه الآتي: ١ - الأوربيون ٦٥٨.٥٦٧ نسمة رعايا فرنسيون ٤٩٢.٣٦٩ فرنسيون ٢٨٨.٩٧٦ أجانب أصبحوا مواطنين بمقتضى قانون عام ١٨٨٩ ١٤٨.٧٤٨ يهود وطنيون أصبحوا مواطنين وفق مرسوم ١٣ أكتوبر عام ١٨٧٠ وأبناؤهم ٦٤.٦٤٥ أجانب ١٦٦.١٩٨ أسبان ١١٧.٤٧٥ طليان ٣٥.١٥٣ مالطيون ٦.١٢٧ من جنسيات أخرى ٩.٣٥٢ ب - الأهالي المسلمون ٤.٤٧٧.٧٨٨ رعايا فرنسيون ٤.٤٤٧.١٤٩ أجانب (مراكشيون وتونسيون وغيرهم) ٢٠.٦٣٩ ويتبين من هذا أن عدد السكان المسلمين الذي لم يكن في عام ١٨٣٠ يتجاوز ٢.٥ مليون نسمة، يبلغ الآن نحو تسعة أعشار السكان جميعًا. على أن هؤلاء أبعد ما يكونون عن الانسجام، وقد جرت العادة أن تقسم طوائفهم المختلفة كما يلي: (١) البربر وبعضهم من أخلاف القوم الذين كانوا يسكنون شمالي إفريقية عندما رسخت قدم الإسلام في هذه الربوع (٢) العرب وبعضهم من أخلاف الفاتحين الذين قدموا إلى هذه البلاد في القرن السابع الميلادي، لكن كثرتهم من أخلاف الغزاة الهلالية الذين قدموا في القرن الحادي عشر الميلادي وقد اختلطوا جميعًا بالسكان الأصليين. (٣) المغاربة أو الحضر وهم الذين يسكنون الحواضر، وقد انحدروا من شعوب إفريقية مختلفة انضمت إليهم عناصر أجنبية، واخعلط بهم في القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر مهاجرو الأندلس. ثم انضم إليهم في القرنين السادس عشر والسابع عشر من أسلم من الأوربيين. (٤) القُلُغْلى: وهم مولدون آباؤهم من الترك وأمهاتهم

стр. 2815

وطنيات. (٥) الترك الذين ظلوا في البلاد بعد عام ١٨٣٠ (٦) الزنوج الذين جئ بهم إلى بلاد المغرب عبيدًا وكانوا من نسل العبيد. وهذا التقسيم الذي درج الباحثون عليه لا يطابق الحقيقة الواقعة، فقد امتزجت هذه الأجناس جميعًا، واليوم أصبح هذا الامتزاج تامًّا يكاد يتعذَّر على المرء معه أن يفرق بين الأجناس المختلفة. بل إن الطائفتين الرئيسيتين، وهما البربر والعرب، لا يمكن تمييز إحداهما من الأخرى، فلا اللغة ولا طرائق المعيشة يمكن أن يستخلص منها أساس لمثل هذا التقسيم. ذلك بأن البربر المستعربة قد انصرفوا عن لغتهم وعادتهم، بل نسوا أرومتهم، ومن هؤلاء مثلًا الحَرَاكْتَة والنَمَامشة في ولاية قسنطينة، فهم يدعون أنهم عرب، على الرغم من أنهم في الواقع من بربر هُوَارة، ومنهم اغواط كسل الذين انحدروا من كتامة، وبنى وَسين على تخوم مراكش. أما القبائل العربية فلم يبق منها سوى أسمائها، ذلك أن تسرب البربر المستعربة قد غيرهم كل التغيير. وحدث هذا الاستعراب في نواحى الجزائر الجزائر كلها، ولكنه كان في إقليم وهران أعم منه في أي موضع آخر. والخلاصة: أن تبدد العشائر العربية قد صحبه تبدد لا يقل عنه قوة في العشائر البربرية، ولقد ساعد تجاور الجنسين منذ القرن الرابع عشر على أن يبتلع البربر العرب، وأن يتبدل البرابرة أنفسهم حتَّى لم يعد بين الجنسين فرق ما في هذه الأيَّام. هذا من حيث أصولهم، فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى طرائق معيشتهم وجدنا عادات الطائفتين متشابهة، فليست البداوة من خصائص العرب وحدهم، ولا الحضارة من سمات البربر دون غيرهم، ففي خارج المدن يجد المرء عربا من الحضر وبرابرة من البدو. وعلى الرغم من هذا الامتزاج العام، فإن بعض الجماعات البربرية التي فرت إلى الجبال حيث لا يستطيع الغزاة أن يصلوا إليها، قد احتفظت بلغتها وعاداتها، ومن هؤلاء رجال القبائل وشاوية أوراسوتَراراس ندرومه وبنى سنوس في بلاد تافنة، وبنى مناصر في شرشال، وبعض قبائل أطلس بليدة، ثم المزابية وهم نسل الزناتية الأباضية [ومزاتة وغيرها ومن العرب]. الذين احتفظوا بعادات

стр. 2816

أسلافهم ولهجاتهم، كما احتفظوا على ما يظهر بخصائصهم الجثمانية، ولم يوضع بعد إحصاء دقيق لمختلف طوائف اللغات، وحسبنا أن نقول إن عدد الذين يتكلمون لهجة بربرية قد قدر عام ١٨٥٩ بثمانمائة وخمسين ألف نسمة، وأن عددهم اليوم يبلغ قرابة سدس السكان جميعًا. أما من حيث الخصائص الجسمية فقلما يجد المرء طوائف احتفظت بالصفات الواضحة التي تميز البربر عن غيرهم. ولقد فرض العرب في كل مكان نظمهم ولغتهم على القبائل التي أدخلوها في الإسلام. نعم إن العرب الفاتحين قد تأثروا من بعض الوجوه بالسكان الأصليين الذين كانوا يشبهونهم شبها كبيرًا في طرائق معيشتهم من بعض الوجوه (ومن ذلك أن البربر كانوا يعيشون على الرعى كالعرب كما يقول بعض المؤلفين الآخرين) ولكن الفاتحين كانت لهم دون شك الغلبة على الأفارقة، فأدى ذلك إلى امتصاص العرب للبربر، واندماج هؤلاء فيهم، والواقع أن إطلاق كلمة العرب على جميع سكان الجزائر دليل قاطع على هذا التطور الأخير. أما من حيث طرق العيش ففي وسعنا أن نقسم أهل الجزائر الوطنيين على أساسها إلى طائفتين: قبائل مقيمة، وأخرى ظاعنة. وثم فروق واضحة بين الأولين، فسكان المدن لا يشبهون سكان قرى القبائل كما أنهم لا يشبهون أهل القصور وفلاحى التل. ذلك أن هؤلاء قد استوطنوا منذ قرون عدة مدن الساحل والتل، كالجزائر، وبليدة، والمدية وقسنطينة، وبجاية، ووهوان، وندرومة، وتلمسان. وهم الآن يؤلفون طبقة من التجّار والصناع والأدباء، وهم مواطنون وادعون، وقد زاد عددهم منذ الفتح الفرنسى بمن انضم إليهم من الأجراء عمال المياومة وأصحاب الحرف اليدوية، وغيرهم ممن هم أدنى منهم، وهم يعيشون عشائر متفرقة، ويبدو أنهم إذا اتصلوا بالأوربيين ينزعون إلى اتخاذ العادات الغربية. أما أهل القبائل فيجتمعون في قرى كبيرة تتألف من طائفة من المنازل الحجرية. يأوى إليها السكان والماشية جميعًا، وهي تبنى في صفوف على المرتفعات البارزة بين الوديان، ونحن إذا نظرنا إلى هذه القرى من حيث عدد السكان الذين

стр. 2817

يعيشون فيها رأينا أن معظمها خليق بأن يسمى مدنًا، وفي جبال الجنوب (الفجج، القصور، وجبل عمور) يسكن المقيمون من الأهالى قرى محصنة تسمى "قصورًا" تبنى من اللبن وتتخذ فضلًا عن ذلك مخازن للأقوات وأسواقًا وحصونًا، وفي سهول التل نجد الفلاح يحيا حياة مستقرة أيضًا، فهو يعيش في "كربى"، وهي كوخ من العساليج مغطى بالديس (وهو نوع من القصب) ويحيط به على مسافة منه سور من الحسك أو "الزريبة"؛ فإذا تجمعت طائفة من هذه الأكواخ المصفوفة على شكل دائرة سميت بالدوَار. أما في غير سهول التل فالفلاح يبنى بيتًا من الحجر أو مشتى في حجم الكربى وعلى طرازه، تحيط به بيادر تستعمل في أيَّام الحصاد، وأهراء تخزن فيها الغلال. على أن الفلاح ليس مستقرًا استقرار الحضرى: فهو يحب العيش في خيمة كما يحب العيش في الكربى، ويغير مسكنه في يسر. ومن الفلاحين من يقضي الشتاء في الكربى والصيف في الخيمة، ومنهم ينقلون خيامهم مرات متعددة في السنة لكى يستغلوا أراضى نائية، وهم يزرعون عادة القمح والشعير، ولا تزال أدواتهم وطرق الزراعة عندهم بدائية، وتكثر الحاصلات أو تقل حسب وفرة المطر أو ندرته، وكلما بعد المرء عن إقليم التل، قلت ملاءمة الأحوال المناخية للزراعة، فتحل محلها رعاية الماشية، وبهذه الوسيلة تتحول الحياة المستقرة أو الشبيهة بالمستقرة- وهي الحياة الغالبة في التل- إلى الحياة البدوية السائدة في الهضبة، ويحدث هذا التحول تدريجا. ومن العسير أن نورد بيانًا دقيقًا عن البدو، ذلك لأنَّ غالبية قبائل الأفارقة يأخذون بنصيب من البداوة والحضارة معًا. ويذهب فيو villot إلى أن خير طريقة لتقسيم الأهلين المعروفين بالعرب هي أن نقسمهم إلى طائفتين: عرب يقل نزوعهم إلى الظعن: وعرب رحل. وهؤلاء هم البدو بحق. أما برنار Bernard . ولاكروا lacroix فيقسمانهم إلى الأقسام التالية (١) الرعاة الذين لا يظعنون إلَّا قليلًا جدًّا (من ١٥ إلى ٣٠ ميلًا) وهؤلاء يتجولون على تخوم التل في أوقات من السنة طلبًا لمراع جديدة

стр. 2818

ترعاها ماشيتهم. (٢) الرعاة الذين لهم مشات ومصايف مختلفة ولا تبعد إحداهما عن الأخرى إلَّا قليلًا: وبعض هؤلاء الرعاة يقضون الشتاء في الجنوب، وبعضهم يقضونه شمالي أطلس الصحراء. (٣) الرعاة الخلص وهم يقضون الشتاء في الصحراء حتَّى إذا ما حل الرَّبيع تركوا مهاجرهم في الجنوب سعيًا وراء الكلأ والمال بين قبائل التل التي تبيح لهم حق ورودهما "فأرباع" الأغواط- مثلًا- يتقدمون حتَّى ثنية الأحد، أما قبائل زيبان وعرب شراقة فيتقدمون حتَّى شاتودان دو روميل rhummel Chateaudun du بين قسنطينة وسطيف، بل إن قبائل أخرى في جنوب قسنطينة تتقدم حتَّى القالة le calle على الساحل وتعرف الهجرة في سبيل المرعى بالرحلة، وتقوم بها عشائر يقودها شيوخها وفق قواعد معروفة، وتتبع طرقًا معينة، وقد أدت الرحلات في الزمن الماضي إلى تبادل كثير في السلع داخل المدن التي تقوم على حدود التل والهضبة، وقد عنى الترك، وكانوا يجبون من الرعاة إتاوة تسمى بالعوسة، بتوطين قبائل المخزن بجوار هذه الأسواق، لكى يضمنوا تحصيل هذه الإتاوة أو إكراه النَّاس على دفعها إن لزم الأمر. وكان أهم ما يتجرون فيه الصوف والبلح يستبدلون بهما الحبوب، ويجب أن يضاف إليهما في هذه الأيَّام عدد معين من السلع المصنوعة في أوروبا، بعد أن أصبحت هذه من ضرورات الحياة عند الرعاة، أما صناعتهم فجد بدائية وتزاولها النساء عادة، وهي تتألف من صناعة الفليج (وهي شرائح من الصوف ووبر الإبل، تخاط بعضها إلى بعض وتصنع منها الخيام) والملابس الصوفية، والأبسطة وبعض الأدوات المنزلية. وحياة البداوة وحياة الاستقرار تعتمدان كلتاهما على الأحوال الجغرافية والمناخية، وقد تاثرتا فوق ذلك بنتائج الأحداث التاريخية والانقلابات الاقتصادية، فلما غزا العرب الهلالية- مثلًا- بلاد إفريقية وضربوا في أرضها اضطرت بعض القبائل البدوية إلى الاستقرار، وأحدث الاحتلال الفرنسى نتائج مشابهة لهذه أو مغايرة لها بما نشره من الأمن والرخاء النسبى في البلاد. ويلاحظ في مواضع متعددة،

стр. 2819

وبخاصة فيما بين التل والهضبة، اتجاه واضح بين الأهلين لبناء المشاتى، ونزوعهم الصادق إلى حياة الاستقرار، ومع ذلك فثمة قبائل في مواضع أخرى عمل البؤس والخوف فيها عملهما، فتآلفت فيما بينها واتخذت منازل ثابتة، فلما تحسنت أحوال البلاد في الوقت الحاضر، هجرت حياة الاستقرار، وتركت المنزل إلى الخيمة، وربت قطعانًا جديدة، وعادت إلى حياة الرعى والبداوة. ولعل هذه هي الحال في ناحية القصور. ولا يزال النظام الاجتماعى للأهلين يقوم على الأبوة الخالصة، ولا تزال الأسرة دعامة المجتمع هناك، وللأب فيها سلطان مطلق. أما المرأة، وقد حرمت في أغلب الأحيان الحقوق التي يخولها لها الشرع الإسلامي، فتعيش في ظروف غير طيبة، فالبنات يتزوجن في سن مبكرة، على الرغم مما بذلَ من الجهود لمنع زواج الفتيات قبلَ سن البلوغ، وتجبر المرأة عادة على القيام بأشق الأعمال، على أنها مع ذلك قد ظل لها أثر قوى بفضل ما تثيره في نفوس الرجال وتعدد الزوجا نادر، ذلك أن قلة الدخل تمنع الرجل من البناء بأكثر من زوجة، ويستدل من إحصاء سنة ١٨٩١ على أن المتزوجين بأكثر من واحدة يبلغون بالنسبة إلى مجموع المتزوجين واحدًا إلى ستة (١٤٩.٠٠٠ من ٩٥٠.٠٠٠) وتتمتع الأسرة باستقلال يكاد يكون تامًّا، فهي تفعل ما تشاء بأملاكها الثابتة والمنقولة. بل إنها تستطيع أن تهجر القبيلة التي تنتسب إليها وتندمج في سواها. وتضم هذه القبائل التي تندمج فيها الأسر، أبناء الجد الذي تسمى القبيلة باسمه حقيقة كان ذلك أو وهمًا، كما تضم موالى هذه الأسر وأبناءهم، وقلما نجد قبيلة تستطيع أن ترد نسبها إلى أجدادها العرب أو البربر دون أن تختلط بدم دخيل، ذلك بأن أغلب هذه القبائل قد نشأ من امتزاج شعوب مختلفة امتزاجًا حدث في خلال قرون طويلة، ففي العهد التركى مثلًا تكونت بالفعل قبائل من أفراد ذوي أصول مختلفة كانوا يعيشون ذول القطائع العسكرية، وحدث مثل هذا في جوار أقدس الزوايا، فقد نشأت بجوار هذه الأماكن قبائل

стр. 2820

تسمى قبائل المرابطين يذكر أفرادها أنهم أشراف من نسل ولى من أولياء الله الصالحين، ويسمون أنفسهم أولاد سيدى (س). ويدعون لأنفسهم بهذه الوسيلة ضربًا من الشرف الديني، ومن هؤلاء أولاد سيدى الشَّيخ، وتمتلك القبيلة أرضًا خاصة بها (تسمى عرشًا وتعرف في ناحية وهران بالسابقة) وهي أملاك شائعة لا يتصرف فيها، وليس المالكون إلَّا مستغلين فحسب. وكانت البكوية قبل الفتح الفرنسى تعد مالكة لأرض العرش، وكان في وسعها أن تطالب بها وأن تتصرف فيها كما تشاء، وكل ما كان يستطيعه كل فرد من أفراد القبيلة هو أن يستمتع بغلة الأرض. وقد استحال حق الانتفاع هذا بمقتضى قانون سنة ١٨٦٣ إلى حق ملكية للقبيلة مجتمعة، وكثر الأخذ والرد في هذا القانون وكان غرض واضعيه أن يمهدوا السبيل إلى تحويل الملكية الجماعية إلى ملكية فردية، وتيسير المعاملات بين الأهلين والأوربيين، وقد أدى تنفيذه إلى تحديد أملاك القبيلة، وإلى إنشاء مراكز أهلية تعرف بالدواوير (جمع دوار) لكل منها جماعة من الأعيان، من حقهم أن ينوبوا عن أفراد الدوار كلهم في المسائل الخاصة بالملكية. ولكن النتائج المرجوة لم تتحقق، فقد ظلت الملكية الجماعية قائمة جنبًا إلى جنب مع الملكية الفردية، وأدت رغبة الحكومة في وضع نظام لحجج الملكية الفردية إلى إنشاء سجل لأهل البلاد، وإلى إصدار قانون لتحقيق هذا الغرض في عام ١٨٨٣ نفذ في جميع الجهات الخاضعة للحكم المدني، وما وافت سنة ١٨٩٦ حتَّى بلغ عدد الأفراد الذين سجلوا بمقتضى هذا القانون منسوبين إلى أسرهم ٣.٠٦٩.٣٦٨ شخصًا. والرابطة الدينية من أبرز الخصائص التي يمتاز بها أهل الجزائر الوطنيين. ذلك أن دين الإسلام الذي جاء به الفاتحون في القرن السابع بعد الميلاد قد محا أو كاد يمحو من بلاد المغرب كلها الديانتين المسيحية واليهودية، ديانتى قبائل [بعض] البربر، والمذاهب السنية هي المذاهب المنتشرة في البلاد، وإن كانت لا تخلو مع ذلك من الخوارج والصوفية والشيعة، وهي الفرق التي

стр. 2821

أخذت تهاجم أهل السنة منذ البداية، وقد استطاعت الإباضية وحدها أن تبقى في إقليم مزاب. والمالكية هي المذهب الذي تستمسك به الكثرة الغالبة من أهل البلاد، ويلوح أن هذا المذهب قد أصبح منذ القرن الحادي عشر الميلادي هو المذهب السائد في جميع بلاد المغرب بعد أن حل محل المذهب الحنفي الذي كانت له السيادة فيها قبل ذاك، وصار أتباع هذا المذهب الآن مقصورين على بعض بقايا الأسر التركية التي أدخلته إلى الجزائر من جديد في القرن السادس عشر. ولم يعد استبدال مذهب مالك بالمذهب الحنفي في شمالي إفريقية على هذه البلاد بالنفع، وتدرس مبادئ المذهب المالكي في مختصر خليل بن إسحاق (سيدى خليل) وهو أهم المراجع في الشريعة الإسلامية في أرض الجزائر. على أن انتشار المذهب المالكي في شمالي إفريقية بأكمله لم يقض على الخرافات التي يتشبث بها الأهلون، ولا يزال للشعوذة والسحر مكانة في قلوب الأهلين، ولقد تركت الفترة القصيرة التي انتشر فيها مذهب الشيعة بين البربر كلهم آثارها في بلاد الجزائر، ومن هذه الآثار عقيدة المهدية، فالجزائريون ينتظرون قدوم "مولى الساعة" في يوم من الأيَّام ليطرد النصارى من البلاد. وقد استعان بهذه العقيدة منذ عام ١٨٣٠ معظم الذين حاولوا إثارة الفتنة في البلاد، ولم تستطع الحكومة استئصال شأفتها من العقول أو إضعاف شأنها على الرغم مما باءت به من الخيبة آنا بعد أن: وثمة ظاهرة أخرى لا تقل عن المهدية شأنًا عند أهل الجزائر المسلمين، وهي تقديس الأولياء ويعرف هؤلاء الأولياء باسم المرابطين. وقد وجدت هذه العادة في بلاد الجزائر، كما وجدت في سائر بلاد المغرب، تربة صالحة لنموها وازدهارها، وسبب ذلك أن أهل تلك البلاد كانوا من أقدم الأزمان شديدى الميل إلى تقديس بنى الإنسان، ويدعو الأولياء في بلاد المغرب أنفسهم بالمرابطين، وسواء كان هؤلاء رجالًا

стр. 2822

أو نساءً، فإنهم لا يكادون يؤثرون في عقول الأهلين حتَّى يصبحوا موضع الإجلال والتكريم، وينتقل ما حباهم به الله من تركة إلى أبنائهم، ويصبح قبر الواحد منهم "المرابطى" مزارًا، وتجنى أسرة المتوفى أو قبيلته من وراء ذلك خيرًا كثيرًا. ذلك بأن تعظيم النَّاس لهؤلاء الأولياء يتطلب منهم إقامة الموالد لهم في كل عام، وفيها تؤدب المآدب ويطعم الطَّعام، وتنحر الذبائح تبعًا لمراسم خاصة ويقبل الزوار من جهات نائية، ويقدمون النذور نقدًا أو عينًا لسدنة هذه القبور، وإذا حلت بالبلاد وأهلها كارثة من جدب أو وباء أو نحوهما وفد النَّاس إلى هذه القبور وقدموا لها النذور، ومن مواردها غير ما ذكرنا ضروب من "الصدقات والهدايا والغفارات" يجمعها المرابطون الجوالون، ولهؤلاء في البلاد شأن عظيم، ومن أجل هذا كان الأتراك يعملون على كسب رضاهم بما يقدمونه إليهم من مراسم التعظيم، ومن الهدايا الكثيرة، وبإعفائهم من الضرائب. ومع ذلك فإن نفوذ المرابطين لا يتعدى الإقليم الذي يسكنون فيه. أما نفوذ رجال الطرق فينتشر في أقاليم متسعة الرقعة، ويقول ديبون Depont وكيولانى Coppolani أن في بلاد الجزائر وحدها ما لا يقل عن ثلاث وعشرين من هذه الطرق ينضوى تحت لوائها ٢٩٥.١٨٩ من الأعضاء، ويشرف على أعمالها سبعة وخمسون شيخًا وستة آلاف عامل يقومون فيها بأعمال مختلفة وهم مقدمون ووكلاء ونواب وغيرهم). ولهذه الطرق ٣٤٩ زاوية، وهي تجمع في كل عام حوالي سبعة ملايين من الفرنكات من الأعضاء أو "الإخوان"، وأوسعها انتشارًا طريقة "الرحمانية" وهي تضم ١٥٦.٠٠٠ عضو منهم ثلاث عشرة ألف امرأة. وهذه هي الطريقة الجزائرية الحقة، ومؤسسها سيدى محمَّد بن عبد الرحمن أبوقبرين، وهو شيخ من الأتقياء الصالحين، عاش في القرن السابع عشر الميلادي، ويضم رفاته- حسب الرّواية المتواترة- قبران منفصلان

стр. 2823

أحدهما وسط "أيت إسماعيل" في أرض القبائل، والآخر في "الحامة" خارج مدينة الجزائر. وتتفرع الطريقة الرحمانية إلى فروع عدة، ويمتد نفوذها إلى جميع أنحاء الجزائر، وبيوتها الكبرى منفصلة بعضها عن بعض، ويقوم بينها النزاع أحيانًا، وهذه البيوت هي شتودان دو رومل chateaudun du Rhumel بالقرب من سطيف setif (وتضم ٤٠.٠٠٠ عضو)، والهامل (وتضم ٤٣.٠٠٠) ونقطة Nefta (وتضم ١٣.٠٠٠)، وطولقا tolga (وتضم ١٦.٠٠٠) وقسنطينة (وتضم ١٠.٠٠٠) وأقبو Akbou (وتضم ٩.٠٠٠). ويلى الرحمانية في الأهمية طريقة "التجانية" ويسكن شيخها في "عين ماضى" وينتشر أتباعها البالغ عددهم ٢٦.٠٠٠ في الصحراء وفي جنوب وهران، ومنها أيضًا القادرية (وتضم ٢٤.٠٠٠ عضو)، والطيبية (وتضم ٢٢.٠٠٠) وشيخها شريف وزان في مراكش، والشيخية (أولاد سيدى الشَّيخ) وهي جماعة سياسية أكثر منها دينية وأتباعها يبلغون عشرة آلاف، والدرقاوة (وتضم ٩٠٠٠) وهم طائفة كانت لها يد في جميع الثورات التي نشبت في البلاد على الأتراك والفرنسيين ودامت مائة وخمسين عامًا، ومنها أيضًا طريقة العمارية (وتضم ٦.٠٠٠) والعيسوية (وتضم ٣.٥٠٠)، ومنها الحنصالية وأتباعها من المنشقين على الطريقة الشاذلية، وينتشرون في أنحاء ولاية قسنطينة، ويبلغون نحو ٤٠٠٠ ومنها الزيانية (٣٠٠٠) والزرواقية (٢.٧٠٠) والكرزاسية والشبيبية والمدنية واليوسفية، وهم أتباع سيدى أحمد بن يوسف ولى مليانة، وآخر ما نذكر من هذه المطرق السنوسية، ولا يكاد أتباعها يبلغون ألفًا. ويساعد المرابطون ورجال الطرق على بقاء التعصب منتشرًا في الجزائر بين جميع القبائل، وليس من الصواب في شيء أن يميز المرء بين العرب والبربر في تعصبهم للدين، فالمزابية، وهم بربر، أكثر سماحة في الدين من

стр. 2824

سائر المسلمين، في حين أن القبائل تؤمن أشد الإيمان بالمرابطين. وتبالغ في الثقة بهم إلى أقصى حد، وفي ذلك يقول وال M.wahl: " إذا شاهد المرء الزوايا المنتشرة فوق الجبال كلها وقبور المرابطين التي لا يخلو منها مكان، والتي تنال الشيء الكثير من ضروب الإجلال والتعظيم، خيل إليه أنَّه يرى الأندلس في عهد المسلمين": وإذا ما أراد المرء أن يوازن بين مقام المرابطين ومقام رجال الدين الرسميين رأى هؤلاء أصغر من أولئك مكانة وأقل هيبة، والنظام الذي يعيشون في كنفه من عمل الحكومة الفرنسية. ذلك أنها لما ضمت الحبوس- الأوقاف- إلى أملاك الدولة أخذت على عاتقها إصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من المساجد، ودفع المرتبات لرجال الدين، ويشمل هؤلاء ٢٥ مفتيًا (منهم واحد حنفى) يقومون بخدمة المساجد الكبيرة، والأئمة الذين يؤمون المصلين في أيَّام الجمعة، والمدرسون الذين يعلمون النَّاس الدين و "الحزاب" الذين يتلون القرآن، والمؤذنون الذين يدعون إلى الصَّلاة، ويبلغ عدد هؤلاء كلهم ٥٧٣ عاملًا يقومون بالخدمة في ١٧٤ مسجدًا، ويؤخذون من المدارس الثلاث القائمة في الجزائر وقسنطينة وتلمسان. د- نظام البلاد في الوقت الحاضر الحكومة: ينص دستور عام ١٨٤٨ على أن بلاد الجزائر جزء لا يتجزأ من البلاد الفرنسية. بيد أن حكم البلاد يختلف في كثير من الوجوه عن حكم بلاد فرنسا الأصلية. ذلك أن التفاوت الكبير في عدد السكان الأوربيين والوطنيين، وما بين هؤلاء وأولئك من اختلاف في الدين والحالة الاجتماعية، قد حالًا دون تطبيق النظم الفرنسية في البلاد كما كان ينادى بذلك الداعون إلى الامتزاج التَّام بين الوطنيين والمستعمرين، وتقوم دواوين الحكومة الكبرى في مدينة الجزائر، وتتركز السلطة في يد الحاكم العام، وهو يمثل في بلاد الجزائر كلها حكومة

стр. 2825

الجمهورية الفرنسية، ويشرف على المصالح المدنية على اختلاف أنواعها ما عدا القضاء بين الطوائف والخزانة العامة. ومن حقه أن يتخذ جميع الإجراءات لضمان الأمن في الداخل وحماية البلاد من الاعتداء الخارجى، وليس للضباط العسكريين والبحريين الموكلين بتنفيذ هذه الإجراءات أن يخاطبوا الوزراء المختصين إلَّا عن طريق الحاكم العام؛ وللحاكم فوق ذلك أن يخاطب رأسًا المقيم الفرنسى في تونس والمقيم الفرنسى في مراكش في جميع شئون بلاد الجزائر المتصلة بهذين البلدين وبخاصة ما يتصل من هذه الشئون باستتباب السلم على التخوم؛ ويعاون الحاكم العام مجلس حكومى يتألف من رؤساء الإدارات المدنية، ويشترك معه في تحضير الميزانية "مجلس أعلى" مكون من كبار الموظفين ومن مندوبين عن الجمعيات الانتخابية الفرنسيين، ويسمى أعضاء الجمعيات الانتخابية بالمندوبين الماليين وتتألف كل جمعية منها من أربعة أقسام: المستعمرين وغير المستعمرين والعرب والقبائل؛ ويستطيع دافعو الضرائب الفرنسيو الأصل، والرعايا الفرنسيون أن يبدوا آراءهم عن طريق هذه الجمعيات في الشئون المالية، وأن يشيروا أثناء بحث الميزانية إلى الإصلاحات التي يرون أنها ضرورية للبلاد، ويختار المواطنون الفرنسيون عنهم ثلاثة شيوخ واربعة نواب يمثلونهم في البرلمان الفرنسى. وتنقسم بلاد الجزائر- فضلًا عن التقسيم السالف الذكر- إلى منطقة مدنية وأخرى عسكرية. وتشمل الأولى منطقة التل بأسرها والجزء الأكبر من الهضبة، وقد اتسع نطاقها كثيرًا بعد عام ١٨٧٠ بما ضم إليها من المنطقة العسكرية. فقد كانت مساحتها في تلك السنة ١.٢٧٩.٣٦١ هكتارًا يسكنها ٤٩٣.٠٠٠ نسمة، أما في عام ١٩٠٦، فقد تضاعفت رقعتها كما تضاعف عدد سكانها عشرة أضعاف ما كانت عليه (١٤ مليون هكتار ٤.٥٦٠.٣١٧ نسمة) ولكلتا المنطقتين نظامها الإدارى

стр. 2826

الخاص، وتنقسم المنطقة المدنية إلى ثلاثة أقسام (الجزائر، وهران، قسنطينة) وهي تحكم بالأساليب التي تحكم بها فرنسا، وفي هذه الأقسام نوعان من المراكز الإدارية يختلف كل نوع منها عن الآخر، ويعرف النوع الأوَّل بالمراكز ذات السلطة الكاملة Communes de Plein exercice، وقد أنشئت في الأقاليم التي تسود فيها مصالح الأوربيين، ويتولى أمورها مجلس بلدى منتخب، والثانية هي "المراكز المختلطة" Communes Mixtes، ويبلغ عددها اثنين وتسعين مركزًا وأكثر سكانها وطنيون، وتبلغ مساحة كل مركز ١٤٦.٠٠ هكتارِ، ويسكنه ٣٦.٠٠٠ نسمة تقريبًا ويصرف أموره مراقب Administrateur يلقبه الأهالى بالحاكم، ويعاونه مجلس بلدى بعض أعضائه منتخبون، ومستشارون يسمون بالقواد في الأقاليم العربية بالرؤساء في أرض القبائل، وهؤلاء المستشارون يعينهم حكام المقاطعات، وللحاكم العام أن يعزلهم عن مناصبهم إذا شاء، وهم واسطة الاتصال بين السلطات الفرنسية وبين الأهلين، ويمنحون مرتبات تحدد بعشر الضرائب التي يدفعها الأهلون. أما المنطقة العسكرية فتشمل أجزاء من الهضبة ومن الصحراء، ومساحتها آخذة في النقصان، ويكاد لا يسكنها إلَّا الوطنيون، وحكامها هم قواد اللواءات العسكرية الثلاثة في الجزائر وقسنطينة ووهران ومساعدوهم، وهي تنقسم إلى دوائر (Cercles) يقوم عليها ضباط عظام، وإلى ملحقات Annexes " ونقط" Postes يقوم عليها ضباط صغار من "هيئة الشئون الوطنية" Affaires indigenes . وليس هذا النظام في جملته إلَّا استمرارًا لنظام الإدارات العربية Bureaux Arabes مع تغيير يسير في التفاصيل. ويتولى السلطة المباشرة الرؤساء الوطنيون وهم "الباش أغوات والأغوات والقواد والشيوخ؛ تحت إشراف الضباط، وهناك خمس مراكز عسكرية مختلطة" Communes Militaires Mixtes ومراكز وطنية. ويبلغ عدد سكان المنطقة العسكرية ٢٢٥.٢٤٢

стр. 2827

نسمة وقد نقصت مساحتها عما كانت عليه من قبل، ولم يكن ذلك لاتساع مساحة المنطقة المدنية فحسب بل كان من أسبابه أيضًا إنشاء أراضي الجنوب Territoires du Sud في عام ١٩٠٢ (من مقاطعتى توات وغراره وغيرهما) وهي أراض وضع لها نظام خاص وميزانية خاصة. مركز الأهلين القانونى: المسلمون رعايا فرنسيون ولكنهم ليسوا مواطنين فرنسيين، وقد قرر مجلس الشيوخ في ١٤ يوليو عام ١٨٦٥ اعتبارهم فرنسيين على أن يظلوا خاضعين للشريعة الإسلامية فيما يتصل بالأحوال الشخصية، وشئون الأسرة، والمواريث والأملاك الثابتة إلَّا إذا كان صاحب الحجة فرنسيًا وكان المسلم مجرد واضع يده؛ وللوطنيين مع ذلك أن يتخلوا عن امتيازاتهم في الشئون القضائية وإن اتصل الموضوع الذي يحتكمون فيه بالشريعة الإسلامية. ويسمح لهم بالخدمة العسكرية، وقد يرقون إلى مرتبة الضباط (على ألا يلقبوا إلَّا بألقابهم الوطنية إلَّا إذا تخرجوا في مدرسة خاصة)؛ وفي وسعهم أن يشغلوا بعض المناصب المدنية، بل إنهم يستطيعون أن يكونوا مواطنين فرنسيين إذا طلبوا ذلك، على أن يتخلوا في هذه الحال عن امتيازاتهم الشخصية السالفة الذكر ويخضعوا للقانون الفرنسى؛ وهو أمر قليل الحدوث لأنَّ غالبية الآهلين ترى فيه ضربًا من ضروب الارتداد عن الدين. ولم يجرد الوطنيون غير الفرنسيين من حقوقهم السياسية كلها، فهم وإن لم يمنحوا مثلًا حق الانتخاب السياسي، يتمتعون بحق الانتخاب للمجالس البلدية، وإن كان نظام الانتخاب لا يسمح بهذا الحق إلَّا لعدد قليل جدًّا. والنواب الذين يمثلونهم في المجالس المختلفة، وهي المجالس المالية والمجالس العامة والبلدية، تعينهم الحكومة أحيانًا، وينتخبهم إخوانهم في الدين أحيانًا أخرى. ولا يكون ذلك بالاقتراع العام مطلقًا. ويتراوح عدد الأعضاء المسلمين في كل مجلس بلدى وفق هذا النظام بين اثنين وستة أعضاء. وفي المجلس

стр. 2828

العام ستة من المستشارين القانونيين المسلمين، وتضم المجالس المالية واحدًا وعشرين عضوًا من العرب وأهل القبائل. ويخضع الأهلون في الشئون المالية لنظام يخالف النظام الذي يخضع له الأوربيون. فتجبى منهم ضرائب مختلفة ويتألف منها جميعًا ما يسمى "بالخراج العربي" ومن هذه الضرائب نوعان ذوا صفة عامة يجبيان من بلاد الجزائر بأسرها وفق نظام يكاد يكون واحدًا للجميع. وهذان النوعان هما: العشور: والمفروض فيها أن تكون عشر غلة الأرض، والزكاة: وتجبى على الماشية ودواب الحمل. أما الضرائب الأخرى فهي ضرائب محلية وتشمل: الحكر وكانت في الأصل هي الإيجار الذي يدفع للبكوية نظير الانتفاع بأرض العرش، ولا تزال تجبى في قسنطينة على أنها ضريبة أرض. ومنها اللزمة بأنواعها المختلفة كالتي تجبى من أفراد القبيلة الكبرى. وهي تدفع في ثلاثة عشر مركزًا من مراكزها، واللزمة ضريبة على الرءوس وهي تجبّ سائر الضرائب، ومن أنواعها لزمة المواقد وهي تجبى على كل موقد في القبيلة الصغرى؛ ومنها لزمة النخيل، وتجبى في المواضع التي يستنبت فيها الوطنيون النخيل مثل "بو سعاده" والواحات التي في جنوبي قسنطينة. وهذه الضرائب المعروفة "بالخراج العربي" هي بعينها التي كانت تجبى في العهد التركى، إلَّا أنها فقدت طابعها الديني وأصبحت تؤدى للخزانة العامة. وللنظام القانونى سمات خاصة، فالقضاء الجنائى من اختصاص المحاكم الفرنسية وحدها (محاكم الجنايات المتنقلة d'Assises Court ومحاكم الجنح Tribunaux Carrectionels ومحاكم الصلح Justices de paix في المناطق المدنية؛ والمجالس العسكرية في المناطق العسكرية) ويفضل في الجرائم التي يرتكبها الوطنيون محاكم خاصة الغرض منها تحقيق العدالة بسرعة وبأقل كلفة طبقًا لعادات الأهلين ومداركهم. فالجنح الصغيرة تنظر فيها المحاكم المعروفة بمحاكم القمع Tribunaux Repressives التي أنشئت بمقتضى مرسوم ٢٩ مارس سنة

стр. 2829

١٩٠٢ وأقرها مرسوم ١٩ أغسطس ١٩٠٣. وتعقد الجلسات في المحاضرة التي فيها "محكمة الصلح" ويرأسها قاضى الصلح Juge de paix يعاونه قاضيان آخران أحدهما فرنسى والآخر وطنى، ويختار أولهما من الموظفين وثانيهما من الأعيان. وتنظر في القضايا الجنائية محاكم الجنايات التي نظمت بمقتضى مرسوم ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٠٢. وهي تعقد جلساتها في البلاد المعينة لتكون مراكز قضائية Arrondissements Judiciaires وتتألف من ثلاثة قضاة وأربعة من المستشارين بعد أن يحلفوا اليمين القانونية (ومن هؤلاء المستشارين اثنان فرنسيان واثنان وطنيان) وللحكام المدنيين والعسكرين على السواء سلطة تأديبية واسعة، تمكنهم من محاكمة الوطنين خاصة، وهؤلاء يخضعون في شئونهم العامة لقواعد معينة. فهم يكلفون مثلًا بالحصول على ترخيص للسفر في داخل البلاد، ولحيازة الأسلحة، وللقيام بفريضة الحج إلى مكّة وإقامة الحفلات الدينية ونحوها. وإلقاء الخطب العدائية لفرنسا، والإهمال في تنفيذ الأوامر المتصلة بحقوق الملكية والأحوال الشخصية والامتناع عن القيام بالسخرة إذا أمرت بها الحكومة من المسائل التي يفصل فيها الحكام الإداريون. ويبرر هذا النظام الذي اشتد فيه الجدال الحاجة إلى المبادرة بقمع ما عساه أن يكدر الأمن العام بالالتجاء إلى أخف العقوبات. أما محاكم القضاة (المحاكم الشرعيّة) فقد احتفظ بها للفصل في القضايا المدنية، ولكن اختصاصاتها أخذت تقل شيئًا فشيئًا بانتقال هذه الاختصاصات إلى المحاكم الأوربية. وفي الجزائر قاض حنفى، وللمزابية المنتشرين في "المناطق" الثلاث محاكم إباضية. ويخضع التعليم العام للأوربيين في الجزائر لما يخضع له في فرنسا. وقد أنشئت للتعليم العالى في مدينة الجزائر مدارس عليا Ecoles Superieures للقانون والطب والعلوم والآداب تفتح أبوابها للمسلمين والأوربيين على السواء. ويعنى أساتذة هذه المدارس بالشئون الوطنية بوجه خاص، فمدرسة الطب

стр. 2830

تعمل لتحسين حالة الأهلين بتدريب طائفة من المعاونين الصحيين - Aux iliaires Meticaux . في مقدورهم أن يقدموا المساعدة العاجلة. لإخوانهم في الدين، وأن ينشروا بينهم مبادئ الصحة الأولية. ويدرس الفقه الإسلامي والسنن الوطنية في مدرسة القانون. وتلقى في مدرسة الآداب محاضرات في اللغة العربية والأدب العربي، وفي اللغة العامية، واللهجات البربرية، والاجتماع الإسلامي، وفي تاريخ شمالي إفريقية وجغرافيتها، وفي وهران وقسنطينة أساتذة ثابتون لهذه المدرسة يدرسون العربية، وتقوم بالتعليم الثانوى المدارس العامة Lycees والكليات، وهي مفتحة الأبواب للوطنيين. أما التعليم الابتدائى الإسلامي، الذي ظل مهملًا زمنًا طويلًا، فقد أخذ يلقى من الحكومة كبير عناية منذ عام ١٨٨١. ونص مرسوم نوفمبر عام ١٨٨٧ على أن يكون التعليم الابتدائى في مدارس عامة يقبل فيها الأطفال من جميع الأجناس، وفي مدارس خاصة مقصورة على أبناء المسلمين، وتزود هذه المدارس التلاميذ بمعارف تلائم مقتضيات الحياة الوطنية، وفق مناهج خاصة، وتشمل معلومات في الفلاحة والصناعات اليدوية، إلى جانب اللغة الفرنسية. ويقتصر تطبيق مبدأ التعليم الإلزامى على الذكور وفي المناطق التي يعينها الحاكم العام. وتضم المدارس الوطنية اليوم، وقد أكثر عددها في منطقة القبائل بنوع خاص، حوالي ٣٠.٠٠٠ صبى. أما التعليم الديني بمعناه الحقيقي فيكون في مدارس تحفيظ القرآن (مسيد) وفي حلقات الدين التي يعقدها المدرسون في المساجد الكبرى، ثم أعيد تنظيم "المدارس" عام ١٨٠٥ ليكون في مقدورها أن تخرج موظفين يقومون بأعباء الوظائف العامة قانونية كانت أو دينية، وذلك بتزويدهم بنصيب من القانون الفرنسى والتاريخ والجغرافيا والآداب والعلوم فضلًا عن الشريعة والدين الإسلامي، ويرجى أن يكون للطلاب الذين يتخرجون في هذه

стр. 2831

المدارس شأن كبير في تقريب وجهات النظر بين الأوربيين والوطنيين. أما أن هذا التقريب مستطاع أو غير مستطاع، فمن المسائل التي كانت موضع البحث منذ عام ١٨٣٠، وهي مسألة طال فيها الجدل وأجيب عنها أحيانًا بالإيجاب وأحيانًا أخرى بالنفى؛ وقد تبددت منذ أمد بعيد تلك الأوهام التي جالت برؤوس المتحمسين الأولين الذين كانوا يعتقدون أن في الإمكان إدماج الأوربيين والوطنيين لتتكون منهم أمة واحدة بقوة النظم والقوانين دون غيرها، وقد أدى إخفاقهم في هذا السعي إلى إذكاء النظرية المناهضة لها التي تقول بأن الإسلام يحول بين تبادل الوئام بين الأوربيين والوطنيين، وأن الصلات بين الشعبين قد كتب عليها أن تظل أبد الدهر صلات الغالبين بالمغلوبين. ولعل الحقيقة تتوسط هذين الرأيين المتطرفين، فإذا كان مزج الشعبين يعد وهمًا من الأوهام فإن سياسة إخضاع الأهلين وعزلهم لا تساير مقتضيات العصر الحديث. ولا معدى عن الأخذ بسياسة التوفيق القائمة على وحدة المصالح المادية؛ وإن فيما طرأ على أساليب الزراعة من إصلاح وفيما أنشئ من الجمعيات الأخوية التي نمت وزاد عددها على مر الأيَّام، وفي الترحيب الذي قوبل به إنشاء الصيدليات والملاجئ، إن في هذا كله لدليلًا على أن المسلمين لا ينفرون من هذه السياسة، ويضاف إلى هذا أننا وإن قطعنا الرجاء في تغيير عقلية الوطنيين تغييرًا أساسيًا فليس من الأوهام الخيالية البعيدة التحقيق أن نطمع في تطور الحضارة الإسلامية في نطاق أسسها ومبادئها العامة. ولسنا ننكر أن تحقيق هذا الغرض يتطلب كثيرًا من الصبر والعمل المتواصل، وأن ثماره لن تظهر للعيان إلَّا بعد وقت طويل. المصادر: عن جغرافيتها: (١) ابن حوقل، مقتطفات منه تتعلق ببلاد البربر، ترجمة ده سلان في المجلة الأسيوية، السلسلة الثالثة، جـ ١٣. (١) البكرى: المسالك (Description de l' Afrique septentr ترجمة ده سلان،

стр. 2832

(٤) Leo Africanus الحسن بن محمَّد الوزَّان الزياتى: l'Afrique Description de طبعة شيفر، جـ ٣. (٥) Marmol Caravajal: Description de' Africa، غرناطة سنة ١٥٧٣ - ١٥٩٩، جـ ٢، ص ٢١٤ ب وما بعدها. (٦) Travels and Observations: Shaw أكسفورد سنة ١٧٣٨. (٧) d'Alger: Schaler L' Etat باريس سنة ١٨٣٠. (٨) Documents geo-: R . Basset , graphiques sur Afrique Septentr, باريس سنة ١٨٩٨. (٩) Mouv. Geogr. Uni-: E. Reclus verselle، جـ ١١. (١٠) L'Algerie: Wahl الطبعة الخامسة، باريس سنة ١٩٠٨. (١١) L'Algerie,: Battendier and Trabut les habitants le sol,، باريس سنة ١٨٩٨. (١٢) Les re- A. Bernard & Ficheur I'Algerie gions naturelles de في Annales de geographie سنة ١٩٠٢. عن تاريخها: (١) ابن خلدون: العبر. (٢) ابن المجازرع: القرطاس. (٣) ابن عذارى: البيان المغرب، ترجمة فانيان، الجزائر سنة ١٩٠١ - ١٩٠٤. (٤) الزركشي: تأريخ الدولتين، تونس سنة ١٢٨٣ هـ، ترجمة فانيان، قسنطينة سنة ١٨٩٥. (٥) المراكشى: المعجب، ليدن سنة ١٨٤٧، ترجمة فانيان، الجزائر سنة ١٩٠٣. (٦) ابن أبي دينار القيروانى: المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تونس سنة ١٢٨٣ هـ، ترجمة Pelissier & Remusat في l'Exploration scientifique l'Algerie de، باريس سنة ١٨٤٥، جـ ٨. (٧) الوفرانى: نزهة الحادي، طبعة هوداس باريس سنة ١٨٨٩. (٨) السلاوى: كتاب الاستقصاء، القاهرة سنة ١٣١٢ هـ. (٩) Fondtion: Sander-Rang & Denis d'Alger de la Regence, باريس سنة ١٨٣٧ م. (١٠) بو رأس: غرائب الأسفار (انظر Revue africaine جـ ٢٧).

стр. 2833

(١١) d'Oran Chronique du beylik. ترجمة Rousseau، الجزائر سنة ١٨٥٧. (٢٢) l'Afrique: Mercier Histoire de septentrionale، باريس سنة ١٨٨٨ - ١٨٩١. (١٣) Histoire de: Faure Biguet l'Afrique septentrionale، باريس سنة ١٩٠٥. (١٤) revolutions du: Masqueray Les Nord في l'Histoire generale تأليف Lavisses و Rambaud, جـ ٤، فصل ٢٠. (١٥) Les Berbers: Fournel باريس سنة ١٨٧٥ - ١٨٨٨. (١٦): A. Bel Les Benou chaniya باريس سنة ١٩٠٣. (١٧) L'etablissements des A. Cour -cherifs au Moroc et leur ri dynasties des valite avec les Turcs de la Regence d'Alger، باريس سنة ١٩٠٤. (١٨) d'Alger: de Grammont Histoire sous la domination turque, باريس سنة ١٨٨٦. (١٩) الكاتب نفسه: Etudes: La course, la redemption , algeriennes l'esclavage في Revue historique سنة ١٨٤٤ - ١٨٨٥. (٢٠) Topografia e historia: Haedo general de Argel, بلد الوليد سنة ١٦١٢، الترجمة الفرنسية في Rev- Af- ricaine- جـ ١٤، ١٥. (٢١) الكاتب نفسه Epitome de los ١٨٨٣ - ١٥٧٩ France باريس سنة ١٩٠٠. (٢٢) Correspondance: de Grammont des consules de France, la Barbarie et de , ses corsaires باريس سنة ١٦٣٧. (٢٣) De la dom-: Walzin Esterhazy ination turque dans l'ancienne regence d'Alger، باريس سنة ١٨٤٠. (٢٤) Playfair: Relation de la Grand Bretagne avec les Etats barbaresques في Revue africaine جـ ٢١ - جـ ٢٥. (٢٥) Africae illustratae: Gramaye , libri decem تورناى سنة ١٦٦٢. (٢٦) Docu-: E. de la Primaudaie - l'occunation es ments sur L'histoire de pagnole Africaine، جـ ١٩ - جـ ٢١. (٢٧) Mission bib liographique: Cat en Espagne، باريس سنة ١٨٩١.

стр. 2834

(٢٨) La domination espagnole: Ruff comte a Oran sous le gouvernement de d'Alcaudete. (٢٩) Masson: : Hist. des etablissemen -commerce francais dans l'afrique bar du baresque، باريس سنة ١٩٠٣. (٣٠) conquete: Nettement His. de la d'Alger، باريس سنة ١٨٧٩. (٣١) Annales: Pellissier de Raynaud Algeriennes. الطبعة الثَّانية، باريس سنة ١٨٥٤. (٣٢) Rousset L'Algerie de ١٨٣٠: C. a ١٨٤٠، باريس سنة ١٨٨٧. (٣٣) الكاتب نفسه: La Conquete de ١٨٥٧ - ١٨٤١ l'Algirie، سنة ١٨٨٩. (٣٤) Hist, de la conquete de: Fillias ١٨٦٠ - ١٨٣٠ l'Algerie، باريس سنة ١٨٦٠. (٣٥) Rinn: Histoire. de ١٨٧١ l'insurrection de، الجزائر سنة ١٨٩١. (٣٦) Lamartiniere & Lacroix: - Docu ments sur le nord -ouest africain، ليل من غير تاريخ. (٣٧) Le gouvernement: Jules Ferry Algerie de l'؛ باريس سنة ١٨٩١. (٣٨) L'Algerie en ١٨٩١: Burdeau باريس سنة ١٨٩٢. (٣٩) LA Colonisation de: Baudicour ses elements , l'AIgerie، باريس سنة ١٨٥٦. (٤٠) الكاتب نفسه: L'histoire de la Colonisation de L'Algerie, باريس سنة ١٨٦٠. (٤١) الكاتب نفسه Gouvernment: I'Algerie general de. (٤٢) الكاتب نفسه: Enquete sur les rerultats de la colonisation officielle de ١٨٩٥ - ١٨٧١. الجزائر سنة ١٩٠٦. عن عاداتهم ودينهم ونظمهم: (١) coutumes et in-: Villot , Moeurs l'Algerie situtions des indigenes de الجزائر سنة ١٨٨٨. (٢) Islam algerien en: E. Doutte'L؛ ١٩٠٠. الجزائر سنة ١٩٠٠. (٣) Les saints de I'Islam: Trunelet. باريس سنة ١٨٨١.

стр. 2835

(٤) الكاتب نفسه: L'Algerie le- gendaire، الجزائر سنة ١٨٩٢. (٥) Rinn: Marabouts et Khouans الجزائر سنة ١٨٨٤ م. (٦) Les con-: Depont & Copolani religieuses musulmanes freries الجزائر سنة ١٨٩٧. (٧) محمَّد بن شنب Proverbes arabes de l'Algerie et du Maghreb. باريس سنة ١٩٠٥ - ١٩٠٧. (٨) A. Bernard & N. Lacroix evolution du nomadisme'L. الجزائر- باريس سنة ١٩٠٦. (٩) La propriete fonciere: pouyanne en Alglerie، الجزائر سنة ١٩٠٣. (١٠) Larches: Traits elementaire de legislation algerinne. الجزائر سنة ١٩٠٣. (١١) Ismael Hamet: Les musulmans du Nord de l'Afrique. باريس سنة ١٩٠٦. (١٢) La Question indigene en: Brunel Algerie، الجزائر سنة ١٩٠٦. (١٣) L'Art en Algerie: Marcais الجزائر سنة ١٩٠٦. (١٤) De la civilisation du: Richard peuple arabe، الجزائر سنة ١٨٥٠. (١٥) الكاتب نفسه: Les mysteres du peuple arabe، كل باريس سنة ١٨٦٠. وارجع أيضًا إلى: (١) A Bibliography of: R. L. Playfair Algeria في ملحق Papers of the Roy- Geogr. Soc (٢) المراجع السنوية في Annales de geographie، القسم الثَّاني Geographie re- gionale و Afrique- Berberie (٣)Bulletin de la Saciete de geo- l'Afrique du Nord d'Alger et de graphie, الربع الأخير من كل سنة. (٤) فهارس Revue des deux Mondes و Revue Afric- (٥) Corpus des inscriptions: G. Colin l'Algerie arabes et turques de. جـ ١، في Bbliotheque d'archeologie africaine (٦) inscriptions: Mercier Corpus des I'Algerie arabes et turques de

стр. 2836

(٧) Traite de paix et: de Mas Latrie de commerce entre Chretiens et Arabes au moyen age, باريس سنة ١٨٦٦. (٨) Correspondance des: Plantet - de reyes de Ar deys d'AIger avec la Cour gel، ترجمها de crammont في Revue ricaine. جـ ١٤ - جـ ١٥. (٩) Exploration scientifique de l'Algerie، باريس سنة ١٨٤٤. (١٠) Txbleau des etablissements franfais de l'Algerie، سنة ١٨٣٨ - ١٨٨٦. (١١) Statistique gnerale de l'Algerie، منذ عام ١٨٦٦. (١٢) Moniteur universel (١٣)Journal officiel [إيفر G. Yver] + الجزائر، بلاد Algerie (وبالعربية: برّ الجزائر): المصطلح الحديث الدال على الجزء الأوسط من شمالي إفريقية، بين مراكش في الغرب وبلاد تونس في الشرق. (أ) جغرافيها. (ب) تاريخها. ١ - حتَّى القرن السادس عشر. ٢ - في العصر التركى. ٣ - بعد عام ١٨٣٠. (جـ) سكانها. (د) نظمها. (هـ) لغاتها. (أ) جغرافيتها تشمل بلاد الجزائر القطاع الأوسط من شمالي إفريقية (يسمى أيضًا بالمغرب، وبلاد البربر، وإفريقية الصغرى، وإقليم أطلس، وجزءًا كبيرًا من الصحراء، وتبلغ مساحته ٢.١٩١.٤٦٤ كيلو مترًا مربعًا، وهي تقع بين خطى عرض ٣٧ و ١٩ شمالًا، وتحدها مراكش وساقية الحمراء الأسبانية من الغرب، وإفريقيا الغريبة الفرنسية وإفريقيا الاستوائية من الجنوب، وليبيا وبلاد تونس من الشرق. وتمتد بلاد الجزائر، بمعناها الصَّحيح، إلى المنحدرات الجنوبية لأطلس الصحراء على وجه الإجمال، وهي تشغل ١٤.٦ % فحسب من هذه المساحة، أي ٣٢٠.٠٠٠ كيلو متر مربع. ويبلغ طولها ١٠٠٠ كيلو متر، ١.٣٠٠

стр. 2837

كيلو متر من الساحل، ويبلغ عرضها ٣٥٠ كيلو مترًا عند الحد المراكشى، و ٢٤٠ كيلو مترًا عند الحد التونسى، وتمتد من عرض ١٣٢ إلى عرض ١٣٥ غربًا، ومن عرض ٩٣٤ إلى ١٣٧ شرقًا. وتقع تلمسان وواحة بسكرة على خطأ عرض واحد. وبلاد الجزائر، عينها، هضبة متوسطة الارتفاع إذ يبلغ ارتفاع ٩٠٠ متر، تقطعها جبال أطلس التي هي فرع جنوبي من سلسلة جبال الألب، وتمتد في سلسلة من الثنيات التي ترجع إلى العصر الثلاثى وبداية العصر الرباعي على حافة القاعدة الصلبة الصحراوية الإفريقية. وتنقسم هذه الجبال إلى مجموعتين رئيسيتين: أطلس المطر في الشمال وأطلس الصحراء في الجنوب، وتلتقى هاتان المجموعتان في الشرق وتكتنف سهولًا مرتفعة. التل: وأطلس المطر تمثل صورة مركبة بحكم بنيانها المسرف في ثنياته، وعواهل التعرية الواسعة النطاق التي تحدثها أمطار البحر المتوسط، وقرب ساحلها في مستواه من مستوى البحر، وتنهض رؤوس الجبال المتعاقبة موازية للساحل أو على زاوية قائمة منه، وتقطعها وديان عميقة مستعرضة، وتفصلها في الغرب أغوار طولية. وإلى الجنوب من تلال ساحل وهران والظهرة وبنى مناصر، وجبال زَكّار (١.٥٧٩ مترًا في الارتفاع) يمتد غور طوله ٣٥٠ كيلو مترًا يساير امتداد سبخة وهران والسهول الوطيئة المتبطحة للمقطع والمينا، ووادي شلَف الأدنى. وتحد هذا الغور من الجنوب سلسلة من التلال لا تجاوز في الإرتفاع مائة المتر إلَّا فيما ندر وهي جبال: تسالة وأولاد على وبنو شكْران والكتلة الجبلية الكبرى ونشريس التي تقوم بين وادي شلَف الوديان المرتفعة. وإلى الغرب من وادي المنيا تسيطر على الوديان الداخلية التي إلى الجنوب تكوينات تشبه المائدة من الحجر الجيرى والرملى ترتفع ما بين ١٠٠٠ مترو ١٥٠٠ متر، وهذه هي هضاب وهران. وإلى الشرق من مدينة الجزائر وتلال الساحل يزداد ارتفاع التكوينات

стр. 2838

الجبلية وتزداد ضخامتها. ولا يوجد بين سهول متيجة وبونة أي غور هام إلا وادي ساحل سومَّم وامتداده الغربيّ. وجبال بلاد القبائل، بين متيجة وأيدوغ، ضخمة تسيطر عليها سلسلة من الحجر الجيرى مكونة من الجرجرة (أعلى قننها لالَّه خديجة ويبلغ ارتفاعها ٢.٣٠٨ مترًا؛ ) وبابور (ارتفاعها ٢.٠٠٠٤ مترًا) وأعلى قنن السلسلة النوميدية. وإلى الجنوب من جبال متيجة ومديّة تقوم سلاسل جبال البيبان، وجبال قسنطينة ومجردة المكونة من مادة من الصلصال اللين وحجر الشيست ومعالمها رقيقة بعض الشيء مخددة تخديدًا شديدًا. أما الأرض المناوحة للساحل فوعرة صخرية في منواحيها تقريبًا، ولا تهيئ للناس إلَّا ملجأ طبيعيًا ضئيلًا حيال العواصف الشمالية الغربية. وتواجه الشرق أجوان المرسى الكبير وهران، وآرزو ومدينة الجزائر وبجاية وبونة. السهول العالية: والسهول العالية -التي تسمى خطأ بالهضاب العالية- أراض فسيحة يملها النظر، ققطعها أسنمة من الصخر قائمة برأسها تشبه جبال أطلس الصحراء. وهي- بحكم موقعها أسفل تل أطلس وتعرضها لجو قارى- تكوَّن سلسلة من الوديان المغلقة: وتصب الوديان طميها ومياهها في سبخة (أو زاغز) يتألق سطحها في الصيف بالملح، على حين يغطى شطآنها غطاء من النباتات التي تحب الملح. وتصب الوديان العالية في الغرب، بما فيها الشاطئ الغربيّ والشاطئ الشرقي (ارتفاعه ١٠٠٠ متر) وزا عز (ارتفاعه ٨٠٠ متر) وحوض الحضنة النحل (ارتفاعه ٤٠٠ متر)، بعض مياهها في البحر. وإلى الشرق من جبال الحضنة (ارتفاعها ١.٨٩٠ مترًا) وبلزمة (٢.٠٩٤ مترًا) تكثر في سهول قسنطينة العالية (ارتفاعها بين ٩٠٠ و ١١٠٠ متر) الكتل الجبلية التي هي امتداد لسلاسل جبال الحضنة وبلزمة وأوراس. أطلس الصحراء: وتتكون أطلس الصحراء، من مراكش إلى بسكرة، من

стр. 2839

مجموعة غير متناسقة من جبال صغرى تتجه من الجنوب الغربيّ إلى الشمال الشرقي، وهي ركام سلسلة من الجبال الالتوائية المتوسطة الالتواء؛ وتفصلها أغوار كبيرة ونصفها مطمور تحت ركامها. وتهبط جبال قصور (ارتفاعها ٢.٢٣٦ مترًا) وعمور (وارتفاعها ٢.٠٠٩ مترًا) وأولاد نائل وزيبان (أو الزاب) تجاه الشمال الشرقي، ومن السهل ارتقاؤها. وجبال أوراس إلى الشرق من بسكرة، أضخم وأعلى كتلة جبلية جزائرية (جبل شلية وارتفاعه ٢.٣٢٩ مترًا) وهي سلسلة من القنن والأغوار تتجه من الجنوب الغربيّ إلى الشمال الشرقي. الصحراء: وأرض إقليم أطلس المختلفة تقابل تلك الفسحة الممتدة من الصحراء التي تبعث على الملالة الشديدة، والشاهد على ذلك هضابها القاسية (حماده) وسهولها المترامية الأطراف التي تكوَن أحواضًا مغلقة يغطى بعضها حصباء رملية متنقلة، ثم أخيرًا عرقها وهو مجموعة مترامية الأطراف من الكثبان الرملية تغطى خمس سطحها فحسب. والمناخ هو مناخ البحر المتوسط في أطلس التل، ولكنه يسوء في السهول العليا وفي أطلس الصحراء حيث يصبح قاريًا دون أن يصير بالفعل مناخًا صحراويًا. أما على الأرض المناوحة للساحل فإن الاختلاف قليل في درجات حرارة الشهور المعتدلة الحرارة، وذلك بسبب الرطوبة، والمناخ آخذ في التنوع. واشتهرت الأغوار الأمنة من رياح البحر بالحرارة الزائدة. والبرد يسود الجبال والسهول العليا في أشهر الشتاء. وفي كل مكان، فيما عدا الأرض المناوحة للساحل، يأتي الجو الخانق (الشهيلى) بدرجات من الحرارة تبلغ ١٠٤ درجة فهرنهيت وأزيد من ذلك في عدة مواسم من السنة. على أن الجليد يغطى في الشتاء أهم الكتل الجبلية من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. والصيف جاف، فيما عدا قليل من العواصف والمطر يسقط أساسًا من أكتوبر إلى مايو، ويسقط المطر على الكتل الجبلية لأطلس التل إلى الشرق من مدينة الجزائر بما يزيد مقداره عن ٣١ بوصة. ويربى أحيانًا على ٣٩

стр. 2840

بوصة ويبلغ المطر الذي يهطل على سهول الغرب والحضنة ما يقرب من ٧ إلى ١١ بوصة، فيما عدا حدودها الشمالية، ويبلغ على أطلس الصحراء ما بين ١١ - ١٥ بوصة في منحدراتها الشمالية. أما الصحراء فيسقط عليها مطر أقل من سبع بوصات. والأنهار الرئيسية في أطلس التل هي وحدها التي يجرى ماؤها طوال السنة بل أن جريانها في الصيف قليل، وهذه هي سيول البحر المتوسط وطوفانها مفاجئ عنيف، مثال ذلك تافنة والمقطع (المكوّن من التقاء السج بالهَبْرَة) وشلَف وسباو، ووادي ساحل، والوادي الكبير، وسيبوس، ومجردة وفرعه وادي ملَّاق (والمجريان الأدنيان للنهرين يتبعان بلاد تونس)، وما من نهر من هذه الأنهار يصلح للملاحة، وبعضها يستخدم في الري. ولا نجد في السهول العالية لأطلس الصحراء وديانًا فيها ماء إلا في جزء من السنة فحسب، وحتى في هذه الحالة يقتصر الماء على مجاريها العليا. وكثير منها لا يغاديه الماء إلَّا بعد الأمطار الغزيرة. وقد أتى الإنسان على النبات كثيرًا. وما زالت غابات ضئيلة من أشجار دائمة راتينجية تغطى التل وبعض الكتل الجبلية الأخرى الماحلة (١). وثمة أشجار من الفلين فيجبال بلاد القبائل الرملية الجيدة الري وفي إقليم بونة. وتقوم أشجار بلوط دائمة الاخضرار تنمو في آية تربة حتَّى في جبال أوراس. وتنمو أشجار الصنوبر في الحجر الجيرى في الأقاليم الرطبة وعلى الجبال الجافة من قبل. وتنمو أشجار الثويا البربرية والجيدار في تل وهران، كما ينمو العرعر الذي يبذر متفرقًا على المنحدرات الأكثر جفافًا. وما زال قليل من القنن الجيدة الري يغذى مزروعات من شجر الشربين. وقد أدى التوسع الزراعى والحاجة إلى الخشب وفحم الخطيب إلى إنحسار الغابات، ذلك أن المساحة المزروعة قد زادت زيادة جوهرية على حساب الحراج الكثيفة من أشجار الزيتون البرى والمصطكى وهي من خصائص التربة الثقيلة الجيدة الري، وأشجار
следующие страницы →