Полный текст (10 087 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
خاصة بالصلاة، ولكنه لم يسرف فى الصوم ابقاء على صحته ليقوم بخدمة الدين.
واشترك عبد الله فى كل المشاهد، وقطع فى غزوة بدر رأس أبى جهل وكان قد جرح جرحاً بليغاً، وحمله ظافراً إلى سيده. وهو واحد ممن بشّرهم الرسول بالجنة. ولما رأى أبو بكر إبان حروب الرَّدة أن الأمر يقتضى أن يعد "المدينة" للدفاع كان عبد الله بن مسعود أحد الذين وقع عليهم الاختيار لحماية الجهات الضعيفة من المدينة. وحضر كذلك وقعة اليَرْموك. ومن الطبيعى أن يكون كغيره من أتقياء المدينة غير صالح للحكم. وقد أرسله عمر إلى الكوفة ليقوم على بيت مالها وليعلم الناس أمور دينهم، وكثيراً ما كان يتردد عليه الناس يستقون من علمه الغزير بالقرآن والسنُّة. وقد أسند إليه ٨٤٨ حديثاً، ومن صفاته أنه كان إذا تحدث عن النبى ﷺ ارتعد وتصبب العرق من جبينه واحتاط فى كلامه مخافة أن يقع فى الخطأ. وأخذ الناس عنه تفسيره المتسامح لتحريم الخمر (Vorlesungen: Goldziher ص ٦٥: عيون الأخبار، طبعة بروكلمان، ص ٣٧٣، س ١٣).
وتختلف الروايات فى خاتمة حياته. ويقال: إن عثمان صرفه عن منصبه بالكوفة فلما بلغ هذا الخبر مسامع الناس أرادوا استبقاءه فقال لهم "إن له علىّ حق الطاعة ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن" (انظر Mathew، ١٨، ٧). وهكذا عاد ابن مسعود إلى المدينة، وتوفى بها عام ٣٢ أو ٣٣ هـ وقد نيف على الستين، ودفن ليلاً فى بقيع الغَرْقَد. ويقال إن عثمان لما عاده وهو على فراش الموت وسأل عن حاله وطلبه، أجابه الإجابة المأثورة عن أهل التقى من القدماء. واختار الزبير لتنفيذ وصيته، وأبدى رغبته فى أن يدفن فى حُلَّة بمائتى درهم. وتذكر روايات أخرى أنه توفى بالكوفة، وأن عثمان لم يصرفه هو وسعد بن أبى وقاص عن منصبيهما عام ٢٦ هـ.
واشتهر ابن مسعود بصفة خاصة بأنه محدث وحجة فى القرآن. وجمعت أحاديثه فى مسند أحمد (جـ ١، ص ٣١٤ - ٤٦٦). [فنسنك A.J.Wensink]
стр. 282
ابن مسكويه
أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب: فيلسوف ومؤرخ. أسماه ياقوت مسْكَويَه فقط (أى بدون ابن) وزعم أنه كَان مجوسيا اعتنق الإسلام. بيد أن هذا الزعم بعيد الاحتمال، ذلك لأننا نعرف اسم أبيه وجده، وربما كان خطأ ياقوت راجعا إلى أنه أسمى الفيلسوف "مسكويه" بينما هذا الاسم لجده، وقد يكون الجد مجوسيا حقيقة ثم أسلم. ونحن لا نعرف عن حياة صاحب الترجمة إلا القليل: نعرف أنه كان كاتب سر الوزير المهُلبى وأمين خزانة كتبه، كما نعرف أنه كان بعد ذلك صاحب الحظوة لدى ابن العميد وابنه أبى الفتح اللذين وزرا لعضُد الدولة وصَمْصام الدولة البويهيين. وكان له نفوذ كبير فى مدينة الرى.
ويظهر أنه انصرف بادئ الأمر إلى الفلسفة والطب والكيمياء، وألف كتابا فى التاريخ عنوانه "تجارب الأمم" (نشره كيتانى L. Caetani مصورا كاملا فى مجموعة كب التذكارية، جـ ٧، ونشر دى غويه عام ١٨٧١ جزءا منه فى Fragmenta Historicorum Arabicorum جـ ٢) (وقد بلغ ابن مسكويه بكتابه إلى حوادث عام ٣٦٩ هـ (٩٧٩ - ٩٨٠ م) فقط مع أنه عاش حتى عام ٤٢١ هـ (١٠٣٠). وكانت بينه وبين أبى حيّان والهمذانى رسائل أدبية. وقد أورد ابن القفطى (انظر المصادر) أسماء مصنفاته فى الطب، ولكن ابن مسكويه كان يعنى بالأخلاق خاصة، وله فيها عدة مؤلفات منها "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" (طبع فى الآستانة عامى ١٢٩٣، ١٢٩٩ هـ، وفى القاهرة عام ١٣٠٧ هـ) وله مجموعة من الحكم نقلها عن حكماء فارس والهند والعرب واليونان، اعتمد فى القسم الأول منها على الكتاب الفارسى "جاويدان خرد" (العقل الأزلى) وقد نقله إلى الفارسية محمد بن محمد الأرَّجانى للسطان المغلى جهانكير، وطبعه طبعة حجرية عام ١٣٤٦ هـ منكجى، وفى عام ١٦٤٠ م نشر إليشمان Elichman جزءا من القسم الخاص بحكم اليونان بعنوان Tabula Cebetis، وطبعه طبعة جديدة باسيه Basse بعنوان Le Tableu ds cebes , vers arabs d,ibn Miskaweih etc، الجزائر
стр. 283
١٨٩٨، ولقد ذكر لكلرك Leclerc ترجمة إسبانية للوزانو Lozano عام ١٨٩٣. أما عن الكتاب الفارسِى "جاويدان خرد" فانظر Ethe فى. Grundriss der Iran philologie جـ ٢، ص ٣٤٦، و Inostranchev فى Zapiski Vost Otd.Imp Arck.Obshch وما بعدها جـ ١٨، ص ١٨٠، وانظر أيضا الكاتب ذاته فى Sasanidskie Etiudi ص ٢٢ وما بعدها. وهناك نظرة عامة عن فلسفة ابن مسكويه فى كتاب de Boer تاريخ الفلسفة فى الإسلام، ص ١٢٨ وما بعدها.
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة انظر:
(١) ابن القفطى: تاريخ الحكماء، طبعة ليبيرت ص ٣٣١.
(٢) ياقوت: إرشاد، طبعة مركوليوث، جـ ٢، ص ٤٩ وما بعدها.
(٣) Note on the Historian: Amedroz، طبعة كيتانى، جـ ١، ص ١٧ وما بعدها.
(٤) Gesch d. arab Litt.: Brockelmann جـ ١، ص ٣٤٢.
ابن المقفع
أبو محمد عبد الله، وكان يكنى قبل إسلامه أبا عمرو: مؤلف عربى من أصل فارسى، وكان اسمه فى الأصل رُوْزبه بن دادُويه، وأبوه من مدينة جور) فيروز آباد، هَكذا يصحح اسم المدينة فى الفهرست، جـ ١، ص ١١٨ (إحدى مدن فارس، وقد وكل اليه الحجاج بن يوسف جباية الخراج فى العراق وفارس، واتهم باحتجاز شئ من مال السلطان فضرب ضربا مبرحا فتقفعت يده ومن ثم جاء لقبه. والتحق ولده المترجم له بخدمة عيسى بن على عم الخليفتين أبى العباس السفاح والمنصور، وقد تحول عن المزدكية إلى الإسلام بين يدى مولاه. ولما كلفه الخليفة المنصور أن يحرر ميثاق الهدنة بينه وبين عمه عبد الله، اتهم بتحوير بعض الألفاظ على وجه لم يرض الخليفة، فأراد أن ينتقم منه فكتب سرا إلى سفيان بن معاوية المهلبى عامله على البصرة أن يقتله لذنبه، فقطعت ساقاه وألقيت الواحدة بعد الأخرى فى النار. وكان الشك يحيط بعقيدة ابن
стр. 284
المقفع، فاتهم بأنه كان يبطن المزدكية، وكان هذا الشك من أسباب هلاكه. وحدث ذلك فى حدود عام ١٣٩ هـ (٧٥٧ م). ونقل ابن المقفع من الفهلوية إلى العربية كتاب كليلة ودمنة الذى حمله من الهند الطبيب برزويه إبان حكم الملك كسرى الأول أنوشروان (انظر مادة كليلة ودمنة) كما نقل كتاب "خداى نامه" وهو فى سيرة ملوك فارس، وعنوانه بالعربية "سير ملوك العجم"، وكان هذا الكتاب أحد مصادر شاهنامة الفردوسى (توجد منه نبذ كثيرة فى كتاب ابن قتيبة: عيون الأخبار). وصنف بالعربية "كتاب الدرة اليتيمة فى طاعة الملوك" (طبع القاهرة طبعة أولى غير مؤرخة [١٨٩٣؟ ] ثم طبع عام ١٣٢٦، ١٣٣١ هـ) وكتاب "الأدب الصغير" (طبع بالقاهرة عام ١٩١٢، وترجمه الى الألمانية O.Rescher، شتوتكارت، سنة ١٩١٥) وهو فى الأخلاق، وله إلى ذلك رسائل صغيرة طبعت فى نفس الوقت الذى طبع فيه كتاب الدرة، وصنف أيضا كتاب "الأدب الكبير" نشره أحمد زكى باشا، القاهرة عام ١٣٣٠ هـ (١٩١٢ م).
المصادر:
(١) الفهرست، جـ ١، ص ١١٨.
(٢) ابن خلكان رقم ١٨٦، ترجمة ده سلان، جـ ١، ص ٤٣١.
(٣) خزانة الأدب، جـ ٣، ص ٤٥٩.
(٤) محمد كرد على: رسائل البلغاء، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٣٣١ هـ = ١٩١٣ م، ص ٦ وما بعدها.
(٥) Calila et Dimna: de Sacy سنة ١٨١٦ م، ص ١٠ وما بعدها.
(٦) litt: Brockelmann.Grsck der arab، جـ ١، ص ١٥١.
(٧) Burzoe,s Einleitung: Th. Noldeke ستراسبورغ سنة ١٩١٢ م.
(٨) Litteraturearabe: Cl. Huart، ص ٢١١.
(٩) المجلة الأسيوية، السلسلة العاشرة، المجلد السابع عشر سنة ١٩١١ م، ص ٥٥٤.
[إيوار Cl.Huart]
стр. 285
ابن منظور
جمال الدين أبو الفضل محمد ابن مكَروم الخزرجى الإفريقى: عالم من علماء اللغة، ولد عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ م) وهو مصنف المعجم المشهور باسم "لسان العرب". طبع ببولاق عام ١٢٩٩ - ١٣٠٨ هـ فى عشرين مجلدا.
المصادر:
Gesch.etc,Brockelmann جـ ٢، ص ٢١.
تعليق على مادة "ابن منظور"
هو محمد بن جلال الدين مكرم بن نجيب الدين ابى الحسن على بن أحمد بن أبى القاسم بن حبقة ابن محمد بن منظور بن معافى بن خمير بن ريام ابن سلطان بن كامل بن قرة بن كامل بن سرحان ابن جابر بن رفاعة بن جابر بن رويفع بن ثابت ابن سكن بن عدى بن حارثة الأنصارى، من بنى مالك.
اشتهر بنسبته الى جده السابع منظور، إذ عنده يقف أكثر من ترجموا له، ثم يرفعونه بعد ذلك الى رويفع جده الأعلى. لم يذكر هذه السلسلة متصلة غير ابن منظور نفسه نقلا عن جده الأدنى نجيب الدين فقال فى كتابه لسان العرب "جرب": "رويفع ابن ثابت هذا هو جدنا الأعلى من الأنصار، كما رأيته بخط جدى نجيب الدين والد المكرم". ثم مضى يذكر النسب على النحو الذى مر بك.
وعلى حين لم يذكر حول هذا النص المكتوب بخط الجد خلاف ما حول الأسماء ذكر السيوطى فى كتابه "البُغْية" شيئا من هذا الخلاف، ويكاد يكون هو الوحيد من بين المترجمين المعتد بهم فى هذا الصدد الذى استطرد فى سرد نسب صاحب هذه الترجمة الى أن بلغ به جده منظورا، فنجده ينقل "محمد ابن مكرم بن على- وقيل رضوان" كما نجده لا يذكر بين "حبقة" و"منظور" محمدا، وقد تكون هذه الأخيرة من سبيل الاختصار، ولكن الأولى للفت النظر لانفراد السيوطى بها ولخلو نص الجد منها.
ورويفع هذا الذى ينتسب اليه ابن منظور نزل مصر وولاه معاوية
стр. 286
طرابلس، أمره عليها سنة ٤٦ هـ، وفى سنة ٤٧ خرج رويفع فغزا إفريقية ثم عاد من سنته.
ويذكر ياقوت فى كتابه "معجم البلدان، فى رسم (جربه) نقلا عن حنش الصنعانى يقول: "غزونا مع رويفع بن ثابت قرية بالمغرب يقال لها: جربه، فقام فينا خطيبا فقال: "أيها الناس لا أقول لكم إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ يقوله لنا يوم خيبر، فإنه قام فينا خطيبا فقال: "لا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ما زرعه غيره ". يعنى إتيان النساء الحبالى، ويقول ابن عبد البر فى كتابه "الاستيعاب": إنه- أعنى رويفعا- مات ببرقة، وكان يليها من قبل مسلمة بن مخلد.
ويزيد ابن منظور فيما نقله عن جده، "وقبره بها" كما يزيد رواية أخرى عن مكان موته فيقول: "إنه مات بالشام فيما يقال".
ومحمد هذا، صاحب هذه الترجمة، .يكنى: أبا الفضل، ويلقب "جمال الدين". وقد أجمع المترجمون له على أن مولده كان سنة ٦٣٠ هـ.
وقال ابن شاكر الكتبى فى كتابه "فوات الوفيات" (جـ ٢، ص ٣٣١): "فى أولها".
وقال السيوطى فى كتابه "البغية" وابن حجر فى كتابه "الدرر الكامنة" (جـ ٤، ص ٢٦٢): " فى المحرم". وقال الصفدى فى كتابه "أعيان العصر": ومولده فى أول سنة ثلاثين وستمائة، ثم زاد فقال نقلا عن شيخه "أسير الدين" قال: ولد المذكور يوم الاثنين الثانى والعشرين من المحرم من السنة المذكورة. وقد اقتصر الصفدى على هذه الرواية الأخيرة فى كتابه "نكت الهميان" ص ٢٧٥، وهذا ما ذكره أيضا ابن تغرى بردى فى كتابه "المنهل الصافى".
وبعد هذا الإجماع على مولد ابن منظور نرى أحمد فارس فى مقدمته على لسان العرب، يذكر أن مولد ابن منظور كان فى المحرم سنة ٦٩٠ هـ.
ولم يعرض لمكان مولد ابن منظور غير "الزركلى فى الأعلام" حيث قال: "ولد بمصر وقيل بطرابلس الغرب" وما نراه نقل ما نقل عن مرجع بل نراه قد
стр. 287
اجتهد فى الاستنباط فالمراجع لم تذكر شيئا صريحا عن البلد الذى ولد فيه ابن منظور.
غير أن المعتمد من هذه المراجع -أعنى "أعيان العصر"، و"النكت" و"الفوات" و"الدرر" و"المنهل الصافى"و"البغية، تقول: "إنه خدم بديوان الإنشاء بمصر وولى قضاء طرابلس الغرب. ولعل هذه العبارة هى التى أوحت بهذا الاستنباط يرى فيها كل رأيه.
ولكنا إذا قرأنا لابن منظور مقدمة كتابه "نثار الأزهار" الذى اختصر فيه كتاب "فصل الخطاب فى مدارك الحواس الخمس لأولى الألباب "لشرف الدين أحمد بن يوسف التيفاشى نجده يقول: وكنت فى أيام الوالد ﵀ أرى تردد الفضلاء اليه، وتهافت الأدباء عليه، ورأيت الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشى العبسى فى جملتهم، وأنا فى سن الطفولة لا أدرى ما يقولونه، ولا أشاركهم فيما يلقونه، غير أنى كنت أسمعه يذكر للوالد كتابا صنفه أفنى فيه عمره، واستغرق دهره، وأنه سماه "فصل الخطاب فى مدارك الحواس الخمس لأولى الألباب" وأنه لم يجمع ما جمعه فيه كتاب ... وكنت شديد الشوق الى الوقوف عليه. وتوفى الوالد ﵀ فى سنة خمس وأربعين وستمائة، وشغلت عن الكتاب. وتوفى شرف الدين التيفاشى بعده بمدة. فلقد كانت وفاة التيفاشى سنة ٦٥١. وابن منظور فى هذا الذى أورده يشير إلى مركز أبيه فى مصر، ويشير إلى مدة استقراره بها تلك المدة التى امتدت بعد أن ولى الإنشاء بمصر إلى أن مات.
وفى تلك المدة كان يختلف إليه التيفاشى وغيره. ونحن نعرف أن ابن منظور ولد سنة ٦٣٠ هـ وعرفنا من تصريحه هذا الذى مر بك أن أباه مات سنة ٦٤٥ هـ ومن هنا نفيد أن عمر ابن منظور كان يوم مات أبوه نحوا من خمسة عشر عاما، من هنا نستطيع إن نجد ما يفيد -دون قطع- أن ميلاد ابن منظور كان بمصر.
والذين يقولون إن مولده كان بطرابلس يذكرون اختلاف أبيه اليها
стр. 288
لولاية قضائها، ولا يجدون ما يدفع أن يكون ميلاد ابن منظور سبق مجئ الأب إلى مصر، فالأمر كما يحتمل الأولى يحتمل الثانية. ولكنا إلى الأولى نميل لهذا الذى ذكره ابن منظور عن طفولته.
وليس عندنا بعد هذا الكثير عن تنشئة ابن منظور، ولكنا نكاد نلمح شيئا فى تلك الكلمة التى قدم بها لكتابه "نثار الأزهار"، فلقد عرفنا بطفولته وأنها كانت طفولة مشغولة بالعلم والتحصيل، وعلى ما كان عليه الأب وكان عليه الجد نشأ ابن منظور، جذبته هذه الحركة العلمية التى صخب بها بيته منذ أن دب. ولقد كان فى ذا البيت قبل ابن منظور جده الأول نجيب الدين والد المكرم، وقد ذكر لنا هذا البيت، وحدثتك أنا حديث الأب أو بعضه وحسبه أنه كان يلقب. جلال الدين. وبعد هذا الذى ذكره ابن منظور عن تطلعه إلى التحصيل يذكر لنا الذين حدثونا عنه شيوخا له سمع منهم لا يكادون يختلفون فيهم، هم: ابن المقبر ومرتضى بن حاتم، وعبد الرحمن بن الطفيل، ويوسف بن المخيلى، والغريب أن ابن منظور لم يعرض لواحد منهم بتعريف أو إشارة، وهو يستطرد فى ثنايا المواد اللغوية. كما أنه لم يفسح لهم مكانا فى مقدمته التى قدم بها "اللسان"، والتى كانت تتسع لهذا دون غيرها من مقدمات أخرى كثيرة قدم بها كتبا اختصرها.
وابن منظور الذى أهمل شيوخه لم يهمله تلاميذه، فالمؤرخون لابن منظور يذكرون من بينهم السبكى والذهبى.
يقول الصفدى فى "أعيان العصر"و"النكت": وكتب عنه شيخنا شمس الدين الذهبى. ويزيد السيوطى واحدا آخر فيقول فى "البغية": وروى عنه السبكى والذهبى. وما من شك فى أن الذهبى أفرد لشيخه ابن منظور مكانا فى تاريخه، أشار إلى ذلك الصفدى فى "أعيان العصر" والسيوطى فى "البغية" وتكاد تكون نُقول المراجع جميعها عن الذهبى، على الرغم من إهمال بعضها الإشارة إلى ذلك. ونقرأ فى هذا الذى خص به الذهبى أستاذه الإنصاف له حين يقول عنه: تفرد فى العوالى وكان عارفا بالنحو واللغة والكتابة.
стр. 289
وبعد هذين التلميذين نجد ذكرا لثالث، هو قطب الدين، ولد ابن منظور هذا، وكان قطب الدين كاتب الإنشاء بمصر. وذكروا له أنه روى عن أبيه شيئا.
والغريب أن ابن تغرى بردى لم يشر إلى ابن منظور فى كتابه "النجوم الزاهرة" عند ذكر وفيات سنة ٧١١ هـ على حين أفرد له ترجمة فى كتابه "المنهل الصافى" وكان كل ما كتبه عنه المقريزى فى "السلوك" ٢: ١١٤: "ومات جمال الدين أبو الفضل محمد بن الشيخ جلال الدين المكرم ابن على فى ثالث عشرى المحرم عن بضع وثمانين سنة ودفن بالقرافة وكان من أعيان الفقهاء الشافعية ورؤساء القاهرة وأوائل كتاب الإنشاء ومن رواة الحديث".
وقد دخل علينا المقريزى بهذا القليل الذى رواه عن ابن منظور بجديدين:
أولهما: أنه جعل وفاته فى المحرم وفى ثالث عشره، على حين جعلها من ترجموا لابن منظور جميعا فى شعبان.
وثانى الجديدين: أنه كان شافعيا، وكان هذا يعنى أن يترجم له تاج الدين السبكى فى طبقاته، وابن منظور أستاذ والده، ولكنا لم نجد لابن منظور ذكرا فى طبقات الشافعية لتاج الدين السبكى.
وما نظن أنه كان للمقريزى مرجع نقل عنه غير الذهبى ثم الصفدى من بعده، لكنا نراه يذكر ما لم يذكراه ومالم يذكره معاصر له وهو ابن حجر.
وتكاد مؤلفات ابن منظور تملى علينا نهجه وتحدد غرضه. يقول الصفدى فى "أعيان العصر": "واختصر كتبا وكان كثير النسخ ذا خط حسن، وله أدب ونظم ونثر". ويقول أخرى: "وكان فاضلا وعنده تشيع بلا رفض، خدم فى ديوان الإنشاء بالقاهرة وأتى بما يخجل النجوم الزاهرة، وله شعر غاص على معانيه وأبهج به نفس من يعانيه. وكان قادرا على الكتابة لا يمل من مواصلتها ولا يولى عن مناضلتها. لا أعرف فى الأدب وغيره كتابا بطوله إلا وقد اختصره وروق عنقوده واعتصره،
стр. 290
تفرد بهذه الخاصة البديعة، وكانت همته بذلك فى بدر الزمان وشيعة".
ويقول ابن حجر: وكان مغرما باختصار كتب الأدب المطولة والتواريخ، وكان لا يمل من ذلك، وينقل الصفدى عن ولده- أى ولد ابن منظور قطب الدين -أن والده- أى ابن منظور-ترك بخطه خمسمائة مجلد.
وإليك ما نقله الينا المؤرخون من كتب اختصرها ابن منظور:
١ - الأغانى لأبى الفرج على بن الحسن الأصفهانى (٣٥٦ هـ) فى عشرين جزءا، اختار منه ابن منظور مختارا وسمى اختياره: "مختار الأغانى فى الأخبار والتهانى" وقد رتبه على حروف الهجاء. على حين لم يراع مؤلفه أبو الفرج فيه ذلك بل رتبه على حسب الأصوات، يملى الصوت الترجمة وتملى الحادثة الواقعة والخبر ..
٢ - زهر الآداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على بن تميم الحصرى القيروانى (٤٥٣ م) فى أربعة أجزاء، ولم نقع على اختصار ابن منظور لهذا الكتاب كما لم نقرأ أن إنسانا آخر غير ابن منظور عنى نفسه باختصاره.
٣ - يتيمة الدهر فى شعراء أهل العصر، للثعالبى أبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابورى (٤٢٩ م) ولقد عنى باليتيمة مؤلفون آخرون أتموا وذيلوا ولكن جهد ابن منظور كان غير جهد هؤلاء، جهد تيسير وتذليل لا جهد إضافة وتكميل.
٤ - نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة "جامع التواريخ" للتنوخى أبى على المحسن بن على (٣٨٤ هـ).
٥ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر أبى القاسم على بن أبى محمد الحسن بن عبد الله (٥٧١ هـ) وهو كتاب كبير يقع فى نحو من ٤٨ مجلدا.
٦ - تاريخ بغداد للسمعانى أبى سعد عبد الكريم ابن محمد (٥٦٢ هـ).
٧ - صفوة (صفة) الصفوة لابن الجوزى أبى الفرج عبد الرحمن بن على (٥٩٧ هـ).
٨ - مفردات ابن البيطار ضياء الدين عبد الله ابن أحمد المالقى (٦٤٦ هـ) وهو كتاب فى الطب جامع لمفردات الأدوية والأغذية. وأنت ترى أن مؤلفه
стр. 291
لم يبعد كثيرا عن عصر ابن منظور بل لقد أدركه ابن منظور.
٩ - فصل الخطاب للتيفاشى أحمد بن يوسف (٦٥١ هـ) اختصره ابن منظور فى كتاب كبير سماه "سرور النفس بمدراك الحواس الخمس، وجعل الجزء الأول منه فى كتاب سماه "نثار الأزهار فى الليل والنهار وأطايب أوقات الأصائل والأسحار وسائر ما يشتمل عليه من كواكب الفلك الدوار".
١٠ - الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة -يعنى جزيرة الأندلس- لابن بسام أبى الحسن على (٣٠٣ هـ) وقد اختصر هذا الكتاب ابن منظور وسمى مختصره "لطائف الذخيرة".
١١ - الحيوان للجاحظ أبى عثمان عمرو بن بحر (٢٥٥ هـ) ويقال إن ابن منظور اختصره إذ لم يجمع على هذا من ترجموا له.
هذه جملة من الكتب الأدبية والتاريخية التى قام ابن منظور باختصارها وما نظن هذا هو ما اختصره ابن منظور كله، وإلا فأين المجلدات الخمسمائة التى ذكرها ابنه قطب الدين؟
١٢ - لسان العرب والرجل الذى فعل هذا المجهود الكبير كله فعل شيئا يعدل هذا كله، وهو كتاب "لسان العرب" وتكاد تكون الفكرة التى أملت هذا كله هى الفكرة التى أملت لسان العرب، ونخال الرجل حين دخل إلى صنع لسان العرب دخله بالفكرة نفسها التى دخل بها إلى غيره. ولكنه حين طالعته الفكرة، أعنى فكرة صنع لسان العرب، وجد نفسه بين تيارات أخرى اضطرته إلى تعديل كثير. وهكذا كان نمط ابن منظور فى اللسان نمطه فى غيره: لم يخرج عن النقل من الكتب اللغوية التى اعتمد عليها ثم تبويب ما نقل وعرضه فى صورة ميسرة.
ولكن هذا لم يمض على إطلاقه بل لقد دخل على هذا الإطلاق ما قطعه شيئا، فلقد رأينا ابن منظور فى مادة "جرب" ينقل فى هذه المادة كلاما يتصل بنسبه كما مر بك، وكما زاد ابن منظور فى هذه زاد فى مواضع أخرى غيرها، ولكن النقل كان هو الطابع الغالب.
وما نرى ابن منظور ادعى غير هذا، فهو يقول فى مقدمته على لسان العرب:
стр. 292
"وأنا مع ذلك لا أدعى فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت أو فعلت أو صنعت أو شددت أو رحلت أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهرى وابن سيده لقائل مقالا".
ثم يقول: "وليس فى هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها سوى أنى جمعت فيه ما تفرق فى تلك الكتب من العلوم".
ثم يقول أخيرا ليضع نفسه مكانها وليخليها من تبعات: "وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص، فليقيد من ينقل عن كتابى هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة".
ولكنه على هذا ترك لنا كتابا فى اللغة لا يزال هو المرجع الأم، كما لا تزال كتبه التى اختصرها تدل على أصولها وتكاد تغنى عنها.
إبراهيم الأبيارى
ابن النفيس
علاء الدين أبو العلاء على ابن أبى الحزم القرشى الدمشقى (والحرم والقرشى قراءتان خاطئتان): طبيب عربى من أهل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، ونحن إذا استثنينا تاريخ وفاته فإنه لم يسجل من وقائع سيرته إلا القليل النادر، وشاهد ذلك أن ابن أبى أصيبعة، الذى كان من معاصريه، لم يذكر ابن النفيس فى كتابه عن تاريخ الأطباء. ولد ابن النفيس فى دمشق حوالى عام ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م) ودرس بها الطب فى المستشفى الذى أنشأه نور الدين بن زنكى فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) وهو المعروف بالبيمارستان النورى، وكان أول أساتذته هو مهذب الدين عبد الرحيم ابن على المعروف بالدخوار (توفى عام ٦٢٨ هـ = ١٢٣٠ م) الذى جاء من مدرسة ابن التلميذ التى انتقلت من بغداد إلى الشام وقام بتعليم عدد كبير من التلاميذ. ودرس ابن النفيس إلى جانب الطب، النحو والمنطق والفقه، وأصبح حجة مشهورا فى الفقه الشافعى. وانتقل بعد ذلك إلى القاهرة حيث عين رئيسا لأطباء مصر، والراجح
стр. 293
أنه عمل فى المستشفى الناصرى وقام بتعليم عدد من التلاميذ من أشهرهم ابن القف صاحب كتاب فى الجراحة (انظر مادة الجراح)، ودرس ابن النفيس الفقه فى المدرسة المسرورية بالقاهرة، وكان حجة مبرزا فى اللغة العربية، وموضع التقدير البالغ من معاصره بهاء الدين محمد بن النحاس. وتوفى ابن النفيس بالقاهرة فى الحادى والعشرين من ذى القعدة عام ٦٨٧ هـ (١٨ ديسمبر سنة ١٢٨٨ م) بالغا من العمر نحو ثمانين عاما (بالسنوات القمرية) وورث بيته ومكتبته للمستشفى المنصورى الذى أنشأه السلطان قلاوون، وكان قد تم بناؤه حديثا (٦٨٣ = ١٢٨٤ م). ونشاط ابن النفيس فى ميدان التأليف على جانب كبير من الأهمية، فقد كان أصلا يشتغل بشرح الكتب وتفسيرها ولكنه كان مستقل الفكر واسع المعرفة جدا، ويقال إنه كتب معظم مصنفاته من ذاكرته دون الرجوع الى الكتب، - وأكبر مصنفاته الطبية "كتاب الشامل فى الطب" وكان فى ثلثمائة مجلد وقد ظل ناقصا لم يتم ولم يصل إلينا منه شئ. وله كتاب على جانب كبير من الأهمية فى أمراض العين يسمى "كتاب المهذب فى الكحل" وهو محفوظ بالفاتيكان Arabo) رقم ٣٠٧). على أن أكثر كتبه انتشارا هو (الموجز) لقانون ابن سينا وقد اختصره لأغراض عملية، طبع لأول مرة عام ١٨٢٨ م. وقد وضعت شروح وحواش عدة لهذا الكتاب على مر القرون، وأقبل الأطباء الهنود على دراسته بشغف حتى عهد قريب، ونذكر أول ما نذكر من شروحه شرحه لمباديء أبقراط الذى شاع استخدامه فى المشرق، وهو منتشر فى كثير من المخطوطات، وقد طبع فى فارس عام ١٢٩٨ هـ (١٨٨١ م)، وله شرح لأوبئة أبقراط محفوظ بإستانبول (آيا صوفيا رقم ٣٦٤٢). وهناك مجموعة كاملة من الشروح الموسعة لقانون ابن سينا محفوظة بصفة خاصة فى المتحف البريطانى. ويوجد فى ليدن شرح على كتاب "سائل فى الطب" لحنن ابن إسحاق انظر هذه المادة، مخطوط رقم ١٢٩٦، وقد بقى من كتب ابن النفيس الدينية كتاب فى سيرة الرسول هو "الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية" وهو محفوظ فى مكتبة القاهرة وكتاب آخر فى أصول الحديث هو"مختصر
стр. 294
فى علم اصول الحديث" وله رسالة فى الكلام تسمى "فاضل ابن ناطق" عارض فيها كتاب ابن سينا "حى بن يقظان " وهى محفوظة فى إستانبول (وقد عرفنا بها H.Ritter) وكتب ابن النفيس فى الفقه شرحا على "التنبيه" للشيرازى والظاهر أنه لم يصل إلينا. ويقال إن ابن النفيس كتب فى الفلسفة شرحا لكتاب "الإشارات، وآخر لكتاب "الهداية فى الحكمة" لابن سينا ولم يصل إلينا أى منهما.
واكتشف أخيرا طبيب مصرى شاب أن ابن النفيس فى كتابه "شرح تشريح ابن سينا" (وهو مخطوط لم يطبع بعد) وصف الدورة الصغرى أو الدورة الدموية الرئوية وصفا صحيحا يخالف وصف ابن سينا وجالينوس كل المخالفة وذلك قبل أن يكتشفها الأوربيون بثلثمائة سنة تقريبا ونعنى بهم ميكويل سرفيتو Miguel Serveto(١٥٥٦ م) وريالدو كولومبو Realdo Colombo (سنة ١٥٥٩ م) ومع ذلك فإن اكتشاف ابن النفيس لم يعرف فى أوربا، ذلك أنه لم يترجم له إلى اللغة اللاتينية إلا شرح واحد من شروحه.
المصادر:
(١) الذهبى: تاريخ الإسلام (مخطوط بالقاهرة تاريخ رقم ٤٢، مجلد ٢٢).
(٢) العمرى: مسالك الأبصار (مخطوط بالقاهرة م تاريخ رقم ٩٩، جـ ٧).
(٣) الصفدى: الوافى بالوفيات (مخطوط بالمتحف البريطانى، رقم ٦٥٨٧، ورقة ٢٠ - ٢١).
(٤) السبكى: طبقات الشافعية، القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ، جـ ٥، ص ١٢٩.
(٥) Gesch d. arab Arzta und: Wustenfeld Naturforscher كوتنكن سنة ١٨٤٠، ص ١٤٦.
(٦) Hi st. de La medec. arabe: L.Leclerec باريس سنة ١٨٧٦، جـ ٢، ص ٢٠٧ - ٢٠٩.
(٧) G.A.L.: Brockelmann جـ ١، ص ٤٩٣.
(٨) Introduction to the Hist.: G.Sarton of Science بلتيمور سنة ١٩٣١، جـ ٢، ص ١٠٩٩ - ١١٠١ (وبه أسماء مصادر كثيرة.
стр. 295
(٩) محيى الدين التتاوى: - Der Lun genkreislauf nach el-Koraschi فريبورغ جـ ١، رسالة جامعية سنة ١٩٢٤ (نسخ منها خمس مخطوطه فقط! ).
(١٠) seine: M.Mey- und Hafis-Ibn an erhof Theotie des Lungenkreislaufs Quellen und Studien zz. Gesch. d.Na- turw. u.d. Med., جـ ٤، برلين سنة ١٩٣٣، ص ٣٧ - ٣٨.
(١١) الكاتب نفسه: Ibn al- Nafis and his Theory of the Lesser Circulation فى Isis ى جـ ٢٢، بروج Brugge سنة ١٩٣٥.
[ماكس مايرهوف Max Meyerthof]
ابن هشام
عبد الله بن هشام بن أيوب الحِميرى البصرى: نجوى عربى، ولد بالبصرة، وتوفى فى الفسطاط بمصر فى الثالث عشر من ربيع الثانى عام ٢١٨ م (مايو ٨٣٤ م). وتذكر روايات أخرى أنه توفى عام ٢١٣ هـ. وصنف علاوة على تهذيبه لسيرة النبى- ﷺ -التى كتبها ابن إسحاق انظر هذه المادة كتابًا فى قصص الأنبياء وملوك عرب الجنوب أسماه "كتاب التيجان". (انظر- Ahl Verzeichnis der arab. Hdss. zu: wardt Berlin رقم ٩٧٣٥: Rieu ملحق فهرس المخطوطات العربية، المتحف البريطانى، رقم ٥٧٨ - ٥٧٩؛ تونس رقم ٤٩٥٣؛ إستانبول، عاصم رقم ٦٩١؛ الزيات: خزائن الكتب فى دمشق، ص ٧٢؛ رقم ١٢: - Manuscrils de la cullection Land berg رقم ٧١٧).
المصادر:
(١) ابن خلكان: طبعة فستنفلد، رقم ٣٩٠ (طبعة القاهرة ١٢٩٩ هـ، جـ ١، ص ٣٦٥).
(٢) السيوطى: بُغيَة الوعاة، ص ٣١٥.
стр. 296
(٣) Geschichtschreiber: Wustengeld der Araber رقم ٤٨.
(٤) De propheticis: M.Lidzbarski quae dicuntur legendis arabicis، ليبسك ١٨٩٣، ص ٥ وما بعدها.
(٥) M.Lidzbarski بحثه فى Zeitschr F.Assyrioligie، جـ ٨: ص ٢٧١ وما بعدها.
[بروكلمان Brockelmann]
ابن الهيثم
أبو على الحسن بن الحسن (أو الحسين) بن الهثيم، ويعرف عادة فى مصنفات الغربيين فى العصور الوسطى باسم ألهازن Alhazen كان من أهم علماء العرب فى الرياضيات والطبيعيات وكانت له إلى ذلك مشاركة فى الطب وفى علوم الأوائل الأخرى وخاصة فى فلسفة أرسطو. ولد حوالى عام ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م) بالبصرة، ومن ثم أطلق عليه فى بعض الأحيان أبو على البصرى. وقد نزح إلى مصر فى كهولته حيث التحق بخدمة الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله، وقد عرض على الخليفة مشروعات ينظم به جريان النيل، ولكنه سرعان ما اضطر إلى التخلى عن هذا المشروع. وبعد وفاة الحاك، كان ابن الهيثم يعيش من نسخ مصنفات الرياضيات حوالى نهاية عام ٤٣٠ هـ (١٠٣٩ م) أو بعد ذلك بقليل كما تقول المصادر. وذكر له ابن أبى أصبيعة ما يقرب من مائتى كتاب ورسالة فى الرياضيات والفلك والطبيعيات والفلسفة والطب. ونحيل القارئ الذى يريد معرفتها إلى المصادر المذكورة بعد وخاصة (إلى جانب أبن أبى أصيبعة) فويكه. E Woeocke، و، فيدمان wieman. E. وأهم تصنايفه فى الطبيعيات (كتاب المناظر) وقد نشر رسنر F.Risner ترجماته اللاتينية عام ١٥٧٢ فى مدينة بال مع رسالة فى الشفق بعنوان
стр. 297
Opticae thesaurus Alhazeni Arabis libri septem nunc primum editi.Eiusdem liber de crepusculis et nubium ascensionigus etc. وكان قد نقل هذه الرسالة الأخيرة إلى اللاتينية جيرار القرمونى Gerard de Cremone وليس من المؤكد أنه نقل أيضا كتاب المناظر وإن كان ذلك محتملا. وكان لكتاب المناظر أثر بالغ فى معارف الغربيين لهذا العلم فى العصور الوسطى من روجر بيكون Roger Bacon حتى كيلر Kepler. وقد بقى لنا شرح مستفيض على كتاب المناظر كتبه كمال الدين أبو الحسن الفارسى المتوفى فى حدود عام ١٣٢٠ م (فيما يختص بكتاب المناظر وشرح كمال الدين عليه، انظر أبحاث فيدمان. E.Wiedmann. المذكورة فى المصادر).
ونذكر من مصنفات ابن الهيثم التى طبع بعضها بالعربية ولا يوجد بعضها الآخر إلا مترجما - الكتب الآتية زيادة على ما ذكرته المصادر.
(١) "فى كيفيات الأظلال". نشر له فيدمان Wiedmann ترجمة ألمانية مختصرة فى- Beitrage z. Sit zungsberichite جـ ١٣ - Gesch.d.Na turwissensch der phys-mediz. So- zietat in Erlangen جـ ٣٩، عام ١٩٠٧، ص ٢٢٦ وما بعدها).
(٢) "فى المرايا المحرقة بالقطوع"، نشره بالألمانية هيبرغ Heiberg وفيدمان فى Biblioth mathem السلسة الثالثة المجلد العاشر سنة ١٩١٠، ص ٢٠١ - ٢٣٧.
(٣) "فى المرايا المحرقة بالدوائر"، نقله إلى الألمانية فيدمان فى السلسلة نفسها، ص ٢٩٣ - ٣٠٧.
(٤) "فى مساحة المجسم المكافئ"، ترجمه وشرحه سوتر H.Suter فى السلسلة نفسها، المجلد الثانى عشرسنة ١٩١٢، ص ٢٨٩ - ٣٣٢.
(٥) وقد نشر فيدمان فقرات من رسائله: "فى المكان" و"فى مسألة عددية" و"فى شكل بنى موسى"و "فى أصول المساحة" مترجمة الى الألمانية فى. ietrage z. Gesch. d المجلد السابع عشر Sitzungsberichte der Naturwissensch Phy-mediz. Sozietat in Erlangen ٣ (مجلد ٤١، سنة ١٩٠٩، ص ١ - ٢٥).
стр. 298
المصادر:
(١) ابن أبى أصيبعة، طبعة ميلر، جـ ٢، ص ٩٠ - ٩٨.
(٢) ابن القفطى، طبعة ليبيرت ص ١٦٥ - ١٦٨.
(٣) Ibon al-Haitham, ein: E.Wiedemann arabischer Celehrter.
(٤)Zu Ibn al- Haithams: E.wiedemann optic
(٥)L,algebre d,Omar: Woepcke Alkhayyam باريس عام ١٨٥١، ص ٧٣ - ٧٦.
(٦) Notice sur un ouvrage: Steinschneider astronomique inedit d,Ibn Haitham فى Bolletino di biblioge.delle scienze mat. e fis جـ ١٤، سنة ١٨٨١، ص ٧٢١ وما بعدها، جـ ١٦، سنة ١٨٨٣، ص ٥٠٥ وما بعدها.
(٧) Gesch. d. arab. Litt.: Brockelmann جـ ١، ص ٤٦٩.
(٨) Gesch.d.mathem: Suter Abhandl.z wissensch جـ ١٠، ص ٩١ - ٩٥، جـ ١٤، ص ١٦٩ - ١٧٠. [سوتر H.Suter]
أبها
قصبة الإقليم السعودى عسير الذى يقع فى وادى أبها (على خط عرض ١٨° و ١٣ تقريبا شمالا، وخط طول ٤٢° و ٣٠ شرقا) وعلى ارتفاع ٢٢٠٠ متر تقريبا. وربما كان يقطنه عشرة آلاف نسمة جلهم شافعية يعيشون فى عدة قرى تنمو سويا وإن كانت كل قرية تحتفظ باسمها المتميز عن الأخرى، وأكبر هذه القرى هى "مناظر"ويقال أحيانا إن هذا الاسم هو التسمية القديمة للمكان. وغفل الهمذانى (جـ ١، ص ١١٨) عن ذكر مناظر، ولكنه يذكر أبها باعتبارها منزلا لقبيلة كانت تعرف بعسير. وينتسب بنو مُغَيْد، الغالبون على أبها الحديثة، إلى عسير.
أما الجماعات الأخرى فهى: "القزا"وربما كانت أكبرها، و"مقابل" وهى ترتبط بالجماعة الكبرى بجسر من الحجر فوق وادى أبها، و"نعمان" و"الربوع"، و"النصب" حيث يقوم المسجد الجامع، و"الخشع" و"المفتاحة"، ومحور الحياة الحضرية رحبة واسعة
стр. 299
مكشوفة، حيث تقام سوق كل ثلاثاء، هى والقلعة الحجرية الملاصقة لها "شدا" وهى مركز الإدارة الإقليمية. ومعظم الدور لها أسوار من الطين ذات طنف متعددة من الحجر المسطح تحميها من التآكل بفعل المياه. ويبلغ مقدار ما يسقط عليها من مطر حوالى ٣٠ سنتيمترا فى السنة تقريبا يضاف إليه ما يروى بالعديد من العيون فتنمو بفضل ذلك الحبوب والفاكهة والخضروات فى قطع من الأرض على شرفات. وتتوج القلاع التركية المرتفعات التى للتف بالبلدة. وقد رممت قلعتان منها يستخدمهما الآن الجيش السعودى، وهما ""ذرة" أعلى المدينة بمائة وخمسة وعشرين مترا إلى جنوب الجنوب الشرقى، و"شمسان" إلى الشمال. وتربط طرق السيارات بين أبها ومكة مسافة ٨٤٠ كيلو مترا تقريبا إلى الشمال مارة بـ "بيشة" و"الظهران" و"نجران" إلى الجنوب والجنوب الشرقى، ووسائل النقل تقتصر على الدواب لهبوط المنحدر الوعر إلى ثغرى البحر الأحمر "القنفذه" و"جيزان".
ولا نعرف إلا القليل عن تاريخ أبها حتى الوقت الذى طغى فيه المذهب الوهابى عابرا الجبال حوالى سنة ١٢١٥ هـ (١٨٠٠ م)، وقد جلبت الحملات التركية المصرية جيشا يضم عدة أوروبيين إلى مناظر، فاحتلها حوالى شهر فى سنة ١٢٥٠ هـ الموافقة سنة ١٨٣٤ م (ويذكر تامسييه Tamisier قرية بالقرب منها تدعى "أفا")، ثم حكم آل عايض، شيوخ قبيلة مغيد، من القصبة أبها، ونالوا بعد البركة من الوهابيين الذين بعثوا إلى الحياة مرة أخرى تحت إمرة فيصل بن تركى. وفى سنة ١٢٨٧ هـ (١٨٧١ م) كان الترك مشغولين فى احتلال اليمن مرة أخرى، وهنالك هاجمهم محمد بن عايض فى المنخفضات، لكنهم لم يلبثوا أن قهروه واحتلوا أبها وقتلوه، وأصبحت هذه البلدة مركز قضاء فى ولاية اليمن وظلت تابعة للترك حتى بعد هدنة سنة ١٩١٨، فيما عدا عدة أشهر سنة ١٣٢٨ - ١٣٢٩ هـ (١٩١٠ - ١٩١١ م) حين انتزعها أدارسة (انظر هذه المادة) صبيا من سليمان شفيق الوالى التركى. وأنفذت حملة لنجدتها بقيادة شريف
стр. 300
مكة حسين وصلت فى جمادى الآخرة سنة ١٣٢٩ هـ (يونية سنة ١٩١١) لتجد أبها فى يد سليمان مرة أخرى.
ولما انسحب الأتراك عاد آل عايض إلى حكمها منفردين، ولكن سلطانهم لم يلبث أن تحداه المتحدون فى شخص محمد الإدريسى أولا، ثم فى شخص السعوديين الذين أدت الحملتان اللتان شنوهما الى كسر شوكة آل عايض (كانت الحملة الأولى سنة ١٣٣٩ هـ = ١٩٢١ م، وكانت الحملة الثانية سنة ١٣٤٠ - ١٣٤١ هـ بقيادة فيصل بن عبد العزيز). ومن يومها أصبحت أبها مقر حكم وآل سعودى، وزاد شأنها بحصول السعوديين على أراض إدريسية سنة ١٣٤٥ هـ - (١٩٢٦ م). وكانت القوة التى قادها سعود بن عبد العزيز فى حرب اليمن سنة ١٣٥٥ هـ (١٩٣٤ م) تتخذ أبها قاعدة لها. ووجد فيلبى Philby هذا المكان بعد ذلك بسنتين ما يزال يعانى من التخريب الذى سبق أن أصابه حين كان الاضطراب يسوده، ولكن الرخاء يعود إلى ربوعه الآن فى ظل الحكم الذى يستند إلى الأمن والسلام.
خورشيد [مويلر H.C.Mueller]
أبو الأسود الدؤلى
أو الديلى فى لغة أهل المغرب، نسبة إلى دئل بن بكر، وهى عشيرة من بنى كنانة): مولى على. واسمه: ظالم بن عمرو ونسبه غير محقق، وأمه من عشيرة عبد الدار بن قصى القرشية، والراجح أنه ولد قبل الهجرة ببضع سنين، وقد شخص إلى البصرة فى خلافة عمر، وعاش أول الأمر بين أفراد قبيلته، ثم بين بنى هذيل، كما عاش روحا من الزمن أيضا بين بنى قشير أهل زوجه المحبوبة، على أن ميوله الشيعية وعناده وبخله نفرت قلوب جيرانه منه. ومن المشكوك فيه أن يكون ابو الأسود قد تولى أى منصب فى عهد عمر أو عهد عثمان: ، وبرز شأنه فى خلافة على ويقال إنه اشترك فى المفاوضات الخائبة مع عائشة عقب وقعة الجمل، كما حارب فى صفين مع على، وعمل فى البصرة قاضيا أو كاتبا لواليها عبد الله بن عباس، بل يقال إنه تولى أمر جنود فى الحروب التى شنت على الخوارج. ولما أخذ نجم على فى الأفول، وراح عبد الله بن عباس -فى رواية المدائنى- يدبر أمر الرحيل عن
стр. 301
البصرة حاملا معه أموالها، أراد أبو الأسود أن يوقفه عن فعل ذلك وأبلغ الأمر إلى على فأقامه واليا على البصرة. وتولى أبو الأسود هذا المنصب مدة قصيرة، إن كان قد تولاه على الإطلاق. ولما قتل على نظم قصيدة (رقم ٥٩ فى ترقيم ريشر Rescher) ألقى فيها مسئولية قتله على عاتق الأمويين. ولكن ميوله هذه لم يكن لها صدى لأن الشيعة كانوا أقلية فى البصرة (الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ١١، ص ١٢١). ولم يدرك أبو الأسود أنه فقد كل سلطان، وكان له ما يبرر شكواه من ممثل معاوية عبد الله ابن عامر الذى كانت تربطه به من قبل علاقات طيبة (القصيدتان ٢٣, ٤٦) وقد حاول من غير طائق أن ينال رضا نائب الخليفة زياد بن أبيه. وقد كانت العلاقات بينهما قد توترت بالفعل فى خلافة على، حين كان زياد يلى أمر ديوان الخراج (الأغانى، الطبعة الأولى، ب ١١، ص ١١٩). وتحسر على مقتل الحسين سنة ٦١ هـ (٦٨٠ م)، القصيدة رقم ٦١) ونادى بالثأر (قصيدة رقم ٦٢). وآخر واقعة ذكرها فى شعره هى شكواه إلى أمير المؤمنين ابن الزبير من ممثله فى البصرة حوالى سنة ٦٧ هـ (٦٨٦ م، ابن سعد جـ ٥، ص ١٩).
وتوفى أبو الأسود، فى رواية المدائنى، بالبصرة فى الطاعون الجارف الذى حدث عام ٦٩ هـ (٦٨٨ م).
وتوجد مجموعة من أشعاره جمعها السكرى، ولكن لم ينشر إلا جزء منها. وهذه الأشعار ضعيفة لغة وأسلوبا، قليلة الشأن من الناحية الفنية والتاريخية، ويتناول معظمها أمورا صغيرة مما يجرى فى الحياة اليومية، ومن الواضح أن بعض أشعاره موضوع. ويصدق هذا على القول الشائع الذى اخترعه بعض فقهاء لغة المذهب البصرى، وهو أن أبا الأسود أول من وضع قواعد النحو العربى وابتدع ضبط القرآن.
المصادر:
(١) Brockelmann , جـ ١، ص ٣٧، قسم ١، ص ٧٣.
(٢) Abriss: ٠. Rescher . جـ ١، ص ١٣١ - ١٣٣.
стр. 302
(٣) zeitsch: d Th . Noldeke . deutsch. Morgenl. Gesells , سنة M-ki ص ٢٣٢ - ٢٤٠.
(٤) Rescher: فى viener Zeitscher Fur Die Kunde De Morgenlandes, سنة ١٩١٣, ص ٣٧٥ - ٣٩٧.
(٥) ابن سعد، جـ ٧، ص ١، ٧٠.
(٨) ابن قتيبة: الشعر، ص ٣٥٧.
(٧) ابن قتيبة: المعارف، ص ٢٢٢.
(٨) الأغانى، الطبعة الأولى، ب ١١، ص ١٠٥ - ١٢٤.
(٩) السيرافى: أخبار، ص ١٣ - ٢٢.
(١٠) Arabiya: J. W. Fuck , ٦. خورشيد [فوك J. W. Fuck]
أبو البركات
هبة الله بن مَلْكا البغدادى البلدى: فيلسوف وطبيب، لقب بأوحد الزمان، ولد فى ضيعة اسمها "بلد" من ناحية الموصل حوالى سنة ٧٤٠ هـ (١٠٧٧ م) على أكثر تقدير.
كان أبو البركات يهودى الأصل، تللمذ على أبى الحسن سعيد بن هبة الله، وأصبح طبيبا مشهورا مارس صنعته فى خدمة خلفاء بغداد، حيث كان يقيم، وفى خدمة السلاطين السلاجقة. وتكشف الحكايات التى رواها من ترجموا له (ابن أبى أصيبعة وابن القفطى، والبيهقى) عن المتاعب التى كان يلاقيها فى كثير من الأحيان
فى صلاته بأولياء نعمته المختلفين ورجال بلاطهم فلما تقدمت به السن اعتنق الإسلام، دفعه إلى ذلك، فيما سيرته الأقاويل المختلفة التى ساقها كتاب سيرته، كرامته التى امتهنت، أو ما داخله من خوف نشأ من وفاة زوجة السلطان محمود التى كان قد طببها، أو من أسره بعد هزيمة جيش الخليفة المسترشد على يد السلطان مسعود، مما جعل حياته مهددة.
وكف بصر أبو البركات فى آخر حياته، وتوفى فى بغداد سنة ٥٦٠ هـ (١١٦٤ - ١١٦٥ م) فيما يظهر. وكان الطبيب النصرانى "ابن التلميذ" منافسا له، ومن بين تلاميذه إسحاق بن
стр. 303
ابراهيم بن عزرا الذى كان الى ذلك صديقا له مدحه بقصيدة باللغة العبرية.
وأهم مؤلف لأبى البركات هو "كتاب المعتبر" الذى يتناول المنطق والطبيعيات (بما فى ذلك علم النفس) والإلهيات، وقد طبعه فى حيدر آباد شريف الدين التكاى سنة ١٣٥٨ (١٩٣٩ م).
وكتب باللغة العربية تفسيرا مفصلا لسفر الجامعة له شأن كبير من الناحية الفلسفية. و، لم يطبع من هذا التفسير إلا النزر اليسير. ومن الرسائل الصغيرة التى تنسب إليه: "رسالة فى سبب ظهور الكواكب ليلا واختفائها نهارا" (ابن أبى أصيبعة، جـ ١، ص ٢٨٠) ترجمها فايدمان (Wiedmann فى Eders Zahrbuch Fur Photographic ١٩٠٩. ص ٤٩ - ٥٤) وقد نسبت هذه الرسالة الى ابن سينا بعنوان يخللف قليلا عن هذا العنوان "رؤيا الكواكب بالليل لا بالنهار" (انظر الأب ج، شحاته قنواتى: Essai de Bibliographic Aviceniemne رقم ١٦٢). وفى المعتبر الذى ينهج فى جزء كبير منه نهج كتاب الشفاء لابن سينا، يأخذ أبو البركات أحيانا بقضايا من هذا الكتاب وينقلها حرفيا، ولكنه يجرح فى الوقت نفسه قضايا غيرها فى غاية الأهمية: وهو إذ يعارض ابن سينا، يتفق كثيرا، فى ميدان الطبيعيات، مع المأثور الذى يحمل فى البلاد الإسلامية اسم المذهب الأفلاطونى، وهو المأثور
الذى اتبعه أبو بكر الرازى. ومذهبه فى علم النفس، من بعض جوانبه، أوثق صلة بعلم النفس الأفلاطونى الحديث من كتاب الشفاء، أو قل إن وثاقة هذه الصلة به أظهر وأبين. على أن منهج أبى البركات فى الفلسفة لا يتمشى فى يسر مع سلطان التقليد، ويتجلى هذا فى عنوان الكتاب "كتاب الاعتبار" ذلك أن مفهومه فى مصطلح أبى البركات شئ يقرب من هذا: "الكتاب الذى يتناول ما يقرره التأمل الشخصى". والواقع أن هذا المنهج يتميز قبل كل شئ بالركون الى الحقائق الواضحة فى ذاتها، أى اليقينيات الأولية، التى تدحض القضايا المكتسبة للفلسفة التى
стр. 304
كانت سائدة فى ذلك العهد. ويرفض أبو البركات أن يفرق بين اليقينيات القائمة على العقل التى يسلم المشاؤون بصحتها والقضايا المعتمدة على الوهم التى ينكرها هؤلاء.
وهذا المنهج. بالأخص، هو الذى يؤدى بأبى البركات إلى القول بوجود حيز ذى ثلاثة مقادير مخالفا بذلك أشياع المذهب الأرسطى. وهو يتفق مع يوحنا النحوى John Philoponus فى دحض القضية التى تنكر إمكان الحركة فى الخلاء. وقد بين بطلان براهين المشائين التى تقول بعكس ذلك، ثم اثبت لا نهائية المكان باستحالة أن يتصور الإنسان مكانا محدودا.
وكذلك فإن لجوء أبى البركات إلى العلم الأولى للعقل الإنسانى هو الذى أتاح له أن يوضح مشكلة الزمان، وحلها الصحيح، فى نظره، أدخل فى الميتافيزيقا منه فى الطبيعيات، ومن ثم فقد بين أن إدراك الزمان، والوجود، والذات أسبق فى النفس من إدراك أى شئ آخر، وأن مفهوم الوجود ومفهوم الزمان يرتبطان ارتباطا وثيقا. والزمان، بحسب تعريفه، هو مقدار الوجود، لا مقدار الحركة كما يقول المشاؤون، وهو لا يسلم بما يقول به ابن سينا وغيره من الفلاسفة من اختلاف المراتب الزمانية، وتفاوت الزمان، الدهر، السرمد، فالزمان فى رأيه يتعلق بوجود الخالق كما هو يتعلق بوجود المخلوق.
وهو يوحد بين المادة الأولى والجسم من حيث هو جسم دون نظر إلى أى مميز آخر، ذلك أن الجسمية هى امتداد يمكن قياسه، وفى رأيه أن الأرض هى دون سواها من العناصر الأربعة، مكونة من جزيئات لا تتجزأ لصلابتها.
وعندما يعرض أبو البركات لحركة المقذوفات فإنه يأخذ فى شئ هن التعديل بنظرية ابن سينا ويهتدى آخر الأمر بآراء يوحنا النحوى فيما يظهر، فيقول بأن علة هذه الحركة "ميل قسرى" أى قوة (أسماها العلماء اللاتين من بعد: impetus) يمد بها القاذف المقذوف. وهو يعلل سرعة وقوع الأجسام الثقيلة بأن مبدأ "الميل الطبيعى" (وهو اصطلاح فلسفى شائع) الموجود فيها يمدها بميول متتالية. ومتن
стр. 305
كتاب المعتبر الذى يعالج هذا الموضوع هو الأول من نوعه، فيما نعلم الآن، الذى يجد المرء بين دفتيه القانون الأساسى للديناميكا الحديثة، وهو أن القوة الثابتة تولد حركة ذات سرعة.
والمذهب النفسى بخاصة، عند أبى البركات، هو الذى يوضح بأجلى بيان ما للركون إلى البديهيات من شأن فى فلسفته. فالواقع أن نقطة الانطلاق فى هذا المذهب هى وعى الإنسان بنفسه، وهذا الوعى موسوم بسمة اليقين، سابق لكل معرفة أخرى، ويكون هذا الوعى كائنا فيه وإن لم يشعر بالأشياء الحسية. وقد أفاد ابن سينا من هذه المعطيات الأولية التى وجد صعوبة كبيرة فى أن يكمل بها مذهبه فى النفس الذى يحمل طابع المشائين، أما أبو البركات فقد قادته هذه المعطيات إلى حقائق نفسية أخرى ثابتة وثيقة بحكم بديهيتها. مثال ذلك أن شعور الإنسان المحقق بأنه واحد وأنه هو نفسه، حين يرى ويسمع ويفكر ويتذكر أو يرغب أو يؤدى أى فعل نفسى آخر، كاف، فى رأى أبى البركات، لدحض النظريات المختلفة التى تقول بتعدد ملكات النفس. وثمة مثال آخر هو أن اليقين الذى يتأتى للمرء أثناء البصر إذ يدرك أن ما رأى هو نفس الذى أدركه، وأن هذا الشئ قائم فى نفس المكان الذى يقوم حقا فيه، وليس صورة موجودة فى المخ كما تذهب بعض المذاهب، هذا اليقين يثبت فى ذاته صحة الانطباعات التى يحققها، ومن هنا فإن المذهب النفسى الذى بين أيدينا يقوم، فى جزء منه، على مجموعة من البديهيات، تغلب عليها إلى حد ما فكرة الشعور (والشعور مصطلح يصطنعه ابن سينا لمدلول مشابه). وهو ينكر التفرقة التى يقررها المذهب الأرسطى بين العقل والنفس، والحق إن النفس، فى قول أبى البركات، هى التى تقوم بما يسمونه "التعقلات"، إذ ينقد أبو البركات هذه النظرة. وكذلك هو ينكر وجود العقل الفعال الذى يقول به المشاؤون.
ولعل بعض الآثار الأفلاطونية والأفلوطينية تظهر فى تعريف أبى البركات للنفس بأنها جوهر لا جسدى يفعل فى الجسد وبالجسد، وهذه الآثار
стр. 306
توائم حقا حدسه الشخصى. ويأخذ أبو البركات هذه اللاجسدية بمعنى ضيق جدا لم يكن شائعا على الإطلاق، مثال ذلك نظريته فى الذاكرة، فالنفوس الإنسانية عنده علتها النفوس الفلكية، وهى تعود بعد الموت إلى عللها.
ومعرفة الله، وهى علة العلل، تأتى فى نهاية معرفة الموجودات ومعرفة الوجود، ونحن ندركه بشعورنا الأولى الذى يقسم الوجود إلى واجب وممكن، على أن الحكمة التى تتجلى فى نظام الطبيعة تثبت وجود خالق. زد على ذلك كله أن هناك اتصالات مباشرة بين الله والإنسان. ويتمشى أبو البركات فى هذه النقطة مع ما أثر عن ابن سينا فلا يقبل القول بان الحركة برهان على وجود الله.
وهو يرى أن صفات الله الذاتية تتعلق بماهيته تعلق مساواة الزوايا الثلاث فى كل مثلث لزاويتين قائمتين بماهية المثلث.
وفى رأيه أن من الممكن أن يكون علم الله متعددا، وهذا يصدق على معرفة الجزئيات. وأراد أن يدحض الحجج المخالفة لذلك فلجأ إلى مذهبه فى النفس الذى يثبت أن صور الأشياء المدركة المختزنة فى النفوس الإنسانية غير مادية مثل الكائن الذى أدركها. وبهذا يبدو العلم الإلهى شبيها إلى حد ما بالعلم الإنسانى.
وينكر أبو البركات مذهب الفيض الذى يقول به الفلاسفة، ويرى أن الأشياء خلقت بسلسلة من الارادات الإلهية، أزلية أو محدثة، أول هذه الإرادات، وهى صفة لذات الله، خلقت أول موجود، أى أعلى طبقة من الملائكة فى المصطلح الدينى.
والنزعة الشخصانية فى تصور أبى البركات لله تقربه إلى حد ما من مذاهب علم الكلام. ومهما يكن من شئ فإن هذا لا يبرر بالضرورة الانتهاء إلى القول بأن علم الكلام قد أثر فى تفكيره.
أما فيما يخص مسألة قدم العالم فإن أبا البركات قد تعرض لنظريات من يقولون به ونظريات من ينكرونه، ولا يذكر صراحة ما انتهى إليه من نتائج، وإن كان يلمح إلى أن من فهم عرضه لهذه المسألة لن يعجزه أن يجد الجواب الصحيح. وصفوة القول أن
стр. 307
الحل الصحيح الذى ارتآه أبو البركات فيما يظهر هو الحل الذى يقول بقدم العالم.
وقد استعان بحجية أبى البركات عالم يهودى من العراق اسمه صموئيل بن إليا فى مناظرته لابن ميمون، وكان من بين أشياعه المسلمين علاء الدولة فرامرزبن على أمير يزد الذى دافع عن أبى البركات وعن أقواله فى كتاب عنوانه "مهجة التوحيد" وفى مناظرة له مع عمر الخيام (انظر البيهقى تتمة صوان الحكمة: طبعة شفيع، ص ١١٠ - ١١١). ويظهر أن أثر أبى البركات فى شخصية فخر الدين الرازى الفذة كان جازما ويتجلى بخاصة فى "المباحث المشرقية" وهو من كتب فخر الدين العمدة، وكان له شأن تاريخى عظيم. والحق إن الملاحظة التى أبداها محمد بن سليمان التنكبونى، وهو مؤلف فارسى من أعيان القرن التاسع عشر، بقوله ما يفيد أن مأثور ابن سينا أوشك أن ينهار تحت ضربات أبى البركات وفخر الدين قبل أن يحييه نصير الدين الطوسى (قصص العلماء، طبعة حجرية، سنة ١٣٠٤ هـ, ص ٢٧٨) هى ملاحظة تشير الى أزمة فى التفكير الإسلامى أحدثها أبو البركات وظلت ذكراها حية فى أذهان الدارسين الإيرانيين لابن سينا.
المصادر:
(١) ابن القفطى، طبعة ليبيرت، ص ٣٤٣ - ٣٤٦.
(٢) ابن أبى أصيبعة، طبعة ميلر Muller جـ ١، ص ٢٧٨ - ٢٨٠.
(٣) البيهقى: تتمة صوان الحكمة، طبعة شفيع، ص ١٥٠ - ١٥٣.
(٤) S. Poznanski فى Zeitschrift fur hebraische Bibliograhie، سنة ١٩١٣، ص ٣٣ - ٣٦ (وقد نشر الكاتب بعض صفحات من تفسير سفر الجامعة).
(٥) شرف الدين فى ترجمة تركية كاملة لإلهيات المعتبر مع مقدمة، إستانبول سنة ١٩٣٢.
(٦) دراسة سليمان الندوى عن أبى البركات فى نهاية المجلد الثالث من طبعة المعتبر ص ٢٣٠ - ٢٥٢.
стр. 308
(٧) Beitrage zur islamisxhen: S. Pines Atomlehre. برلين سنة ١٩٣٦، ص ٨٢ - ٨٣) وقد نقل هذا البحث إلى العربية الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريده بعنوان "مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود، القاهرة، مكتبة النهضة سنة ١٩٤٦).
(٨) الكاتب نفسه: - Etudes sur Awhad al Zamdan Abu'l-Barakat Al Baghdadi فى Revue des Etudes Juives، جـ ١٠٣، سنة ١٩٣٨، ص ٤ - ٦٤,
جـ ١٠٤، سنج ١٩٣٨، ص ١ - ٣٣.
(٩) الكاتب نفسه: Nouvelles Etudes Sur Abu'١ Barakat Al Baghdadi فى - Re vue des Etudes Juires سنة ١٩٥٣.
الأب قنواتى [بينيس S. Pines]
" أبو بكر" أول خليفة
١ - اسمه، وأسرته، وحياته الأولى:
ولد أبو بكر على الأرجح بعد سنة ٥٧٠ م بقليل، فلقد قيل عنه إنه كان يصغر عن محمد (ص) بأعوام ثلاثة، وأبوه أبو قحافة (عثمان) بن عامر، من عشيرة من تيم من قبيلة قريش، وكان لهذا يعرف أحيانا بابن أبى قحافة، وكانت أمه أم الخير (سلمى) بنت صخر من عشيرته نفسها.
وكما عرف بأبى بكر عرف بعبد الله وعتيق (العبد المعُتْقَ)، غير أن الصلة بين هذه الأسماء بعضها إلى بعض ودلالتها الأولى غير بينة. وإلى محمد (ص) فيما يبدو بعزى تلقيبه بعتيق، لقوله إنه عتيق من النار. ولقد عرف بعد بالصديق، أى الذى لا يقول إلا الصدق، المستقيم، أو الذى لا يعتد إلا بالحق، وهذا المعنى الأخير مستمد من الخبر القائل بأنه هو وحده صدق لتوه قصة محمد عن الإسراء به ليلا. ولقد تزوج فى حياته أربع زوجات: (١) قتيلة بنت عبد العزى، من عامر العشيرة المكية، وهى التى ولدت له عبد الله وأسماء (التى تزوجت الزبير ابن العوام). (٢) أم رومان بنت عامر من قبيلة كنانة، وهى
стр. 309
التى ولدت له عبد الرحمن "وكان اسمه أصلا عبد الكعبة أو عبد العزى) وعائشة. (٣) أسماء بنت عميس من قبيلة خثعم وهى التى ولدت له محمدا. (٤) حبيبة بنت خارجة، من عشيرة الحارث بن الخزرج المدنية، وهى التى ولدت له أم كلثوم، وكانت ولادتها بعد وفاة أبيها.
والزيجتان الأخيرتان كانتا بعد أن تقدمت به السن، وكانتا دون شك لأسباب سياسية, فلقد كانت أسماء بنت عميس أرملة لجعفر بن أبى طالب الذى قتل فى السنة الثانية من الهجرة (٦٢٩ م) والزيجتان الأوليان كانتا على الأرجح فى وقت واحد إذ أن عبد الرحمن كان أكبر أبنائه. وكانت أم رومان هى الوحيدة التى صحبته فى هجرته إلى المدينة.
ولا يعرف إلا القليل عن حياة أبى بكر قبل إسلامه, فلقد كان تاجرا تقدر تجارته بأربعين ألف درهم مما يدل (فى قول Lammens: La Mecque a la de ١'Higire Veille، بيروت سنة ١٩٢٤, ص ٢٢٦ - ٢٢٨) على أن تجارته كانت غير ذات أهمية نسبيا. ولم يذكر أنه سافر إلى الشام أو إلى أى مكان آخر، ولكنه كان من الحذاق بأنساب القبائل العربية.
٢ - منذ إسلامه إلى موت محمد (ص):
كان أبو بكر يعد صديقا لمحمد من قبل نبوته ومن قبل إسلام أبى بكر نفسه. وتقول بعض الأخبار إنه كان أول مسلم ذكر بعد محمد (ابن سعد جـ ٣, قسم ١، ص ١٢١, الطبرى، جـ ١، ص ١١٦٥ - ١١٦٧) غير أن هذا قد يكون مرده فى يسر إلى أثر مكانته فيما بعد. إذ أن هذه الدعوي نفسها قيلت عن على وزيد بن حارثة. وشبيه بهذا ما ذكر من أن أبا بكر كان إليه إسلام عثمان ابن عفان والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله، وهذا
مشكوك فيه لأن هؤلاء الخمسة هم وعلى كانت إليهم الشورى، أى مجلس اختيار خلف لعمر. والشئ المؤكد أنه قبل الهجرة بقليل كان أبو بكر أبرز عضو بين جماعة المسلمين بعد النبى محمد.
стр. 310
ولقد بقى بمكة حين هاجرت كثرة من المسلمين إلى الحبشة، وكانت هذه مسالة غامضة، فلقد كان يظن أن المهاجرين كانوا يعارضون سياسة فريق من المسلمين كان يتزعمهم أبو بكر. وعلى أية حال فالخبر المأثور هو أن المهاجرين رحلوا فرارا من الاضطهاد، وقد تكون عشيرة أبى بكر من تيم التى كانت تنتمى إلى تلك الجماعة المعروفة بحلف الفضول، شأنها شأن العشائر الأخرى لم تكن تضطهد من أسلم من أفرادها وعلى أية حال فإنه ليبدو أنها كانت تعوزها أيضا الإرادة أو القوة للدفاع عنهم، ذلك أنها سمحت لأبى بكر وتابع له من عشيرته هو طلحة بأن يدخلا معا فى ذمة رجل من عشيرة مكية من أسد. وفى وقت متأخر عن ذلك ترك أبو بكر مكة، وإنما عاد إليها لتسلمه الأمان (الجوار من أبى الدغنة) رئيس جماعة من البدو الرحل كانوا على حلف مع قريش. وكان أبو بكر يشترى الأرقاء ويطلق سراحهم، نخص بالذكر منهم عامر بن فهيرة وبلال اللذين أوذيا فى أبدانهما. وشراء من أسلم من الأرقاء، وإن دل على إخلاص أبى بكر للدعوة، لا يبرر التبرير كله نقصان ثروته إلى ٥٠٠٠ درهم عند الهجرة. والقول بأنه كان ثمة ضغط اقتصادى مارسه كبار تجار مكة أمر مشكوك فيه.
ولقد اختاره محمد (ص) ليصحبه فى هجرته إلى المدينة، وهى حادثة أشار إليها القرآن (سورة التوبة، الآية ٤٠) وسرعان ما تبعته أسرته وكانوا فيما يظن أم رومان وعائشة وأسماء، وربما عبد الله. وعلى أية حال فلقد بقى أبو قحافة فى مكة وحارب عبد الرحمن بن أبى بكر المسلمين فى بدر وأحد ثم أسلم قبل فتح مكة. وفى المدينة وجد أبو بكر منزلا فى حى السنح. وغدا مركزه الخاص فى الجماعة ملحوظا بزواج النبى من ابنته عائشة. وكان شريكا فى جميع الحملات التى قادها محمد (ص)، وكان دوما إلى جانبه على استعداد لأن يساعده بالنصيحة والرأى.
وفى اللحظات الدقيقة كان ثابتا كالصخرة ولم يفقد قلبه، ويظهر أنه كان
стр. 311
ثمة توافق مشهود بين القائد وتابعه، ذلك أنه عندما ناقش آخرون (ومنهم عمر الذى كان لا ينفصل عن أبى بكر) محمدا قراره الأخذ بالسلم فى الحديبية والعدول عن حصار الطائف، بذل له أبو بكر كل ما يملك من عون قلبى عن طيب خاطر، وكان أول من عرف الغرض الحقيق للحملة التى غزت مكة سنة ٨ هـ (٦٣٠ م)، وبعبارة أخرى فلقد كان الناصح الأول لمحمد، ولم تكن له قط إمارة حربية مفردة غير إمارته لجماعة صغيرة كانت فرقة من حملة أكبر فى سنة ٦ هـ - ٦٢٧ م) ثم إمارته لبعثة أقل عددا ضد قبيلة هوزان سنة ٧ هـ (٦٢٨ م). وفي سنة ٨ هـ (٦٢٩ م) عمل هو وعمر تحت قيادة أبى عبيدة، ومن الراجح أن هذا كان لتذليل عقبات سياسية. وكان فى تعيينه لقيادة الحج فى السنة التاسعة بعد الهجرة، وفى إمامته لجمهور المصلين فى المدينة أثناء مرض النبى الأخير وغير ذلك من دلائل على مكانة أبى بكر، كان هذا كله يشير إلى أنه هو من سيخاف النبى.
٣ - خلافته: ١١ - ١٣ هـ (٦٣٢ - ٦٣٤ م).
كان يوم موت محمد (ص) (١٣ من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة = ٨ يونيه سنة ٦٣٢ م) يوما حرجا للدولة الإسلامية الفتية، فقد اجتمع الأنصار لاختيار قائد من بين أنفسهم، غير أن عمر وآخرين أقنعوهم بقبول أبى بكر، وتلقب بخليفة رسول الله، وبعد وقت قصير انتقل الى منزل وسط المدينة.
وخلافته التى جاوزت السنتين بقليل شغل معظمها بشئون الردة، وهذه الظاهرة كما يدل الاسم الذى سماها به موْرخو العرب، كانت تعد فى نظرهم حركة تقوم اساسا على الدين, غير أن العلماء المحدثين من الأوربيين لاسيما فلهوزن (und Vorarbeiten- Wellhausen Skizzen، جـ ٦، برلين سنة ١٨٩٩. ص ٧ - ٣٧) وكايتانى (Annali: Caetani del'Islam جـ ٢، ص ٥٤٩ - ٨٣١) قد دللا على أنها كانت فى جوهرها حركة سياسية، والأكثر رجحانا أنها كانت قد أصبحت مركزا لنظام اجتماعى سياسى كان الدين جزءا له كيانه الذاتى فيه، وعلى توالى الأيام كان حتما أن تكون
стр. 312
وجهة أى خروج على هذا النظام دينية. وكانت ثمة مراكز ستة رئيسية لهذا الخروج، كان القائد فى أربعة منها له مسلك دينى، وكان كثيرا ما يسمى المتنبئ: الأسود العنسى فى اليمن، ومسيلمة فى قبيلة حنيفة فى اليمامة، وطليحة فى قبيلتى أسد وغطفان، والمتنبئة سجاح فى قبيلة تميم. وكان مظهر الردة فى كل مركز يختلف باختلاف الأحوال البيئية، وكان ينطوى على الامتناع عن إرسال الضرائب إلى المدينة وعن طاعة العمال المرسلين من المدينة. وقد ابتدأت الردة فى اليمن قبل موت محمد (ص)، وحين تسلم أبو بكر زمام الأمور كان قد ظهر مكان الأسود
قيس بن (هبيرة بن عبد يغوث) المكشوح.
وكان كان يحتمل أن ثمة حركة فى أمكنة أخرى ضد حكم المدينة ما لبثت بعد موت محمد أن أصبحت ثورة علنية. وفى أثناء تغيب الجيش الإسلامى الرئيسى فى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد حاولت بعض القبائل المجاورة أن تباغت المدينة، ولكنها هزمت أخيرا أبو بكر عند ذى القصة. وبعد رجوع حملة الشام أنفذ جيش كبير بقيادة خالد بن الوليد لحرب العصاة فهزم طليحة أولا فى معركة بزاخة وردت أرضه الى حظيرة الإسلام. ثم سرعان ما تخلت تميم بعد ذلك عن سجاح وخضعت لأبى بكر، وكانت أشهر معارك الردة معركة اليمامة عند عقرباء (حوالى ربيع الأول فى السنة الثانية عشرة للهجرة = مايو ٦٣٣) وكانت تسمى حديقة الموت لكثرة من قتل فيها من كلا الجانبين، ثم ما لبث مسيلمة، وهو أعظم مناهض للمسلمين خطرا، أن هزم وقتل وعاد وسط الجزيرة العربية إلى حكم المسلمين، واختير قادة ثانويون ليكونوا مددا لعمليات فى البحرين واليمن (بما فيها مهرة) على حين أعاد خالد الأمن إلى اليمامة قبل تحركه إلى العراق، وقضى على الردة فى اليمن وحضر موت على يدى قائد آخر هو المهاجر بن أبى أمية. ولقد أبدى أبو بكر فى معاملته للقادة المأسورين كثيرا من الصفح وأصبح كثير منهم مناصرين نشطين لقضية الإسلام. والخبر المأثور هو أن الردة أخمدت قبل نهاية السنة
стр. 313
الحادية عشرة بعد الهجرة (مارس ٦٣٣ م) غير أن كايتانى يرى أن الأحداث تحتاج إلى فسحة أطول وأنه من المحتمل أن تكون قد امتدت الى سنة ١٣ هـ (٦٣٤ م).
وإن اتساع حملات النبى محمد على الطريق الى الشام ليدل على أنه كان قد أدرك ضرورة الفتوح إذا أريد للإسلام أن يستتب بين القبائل العربية. وكان أبو بكر مدركا لهذا المبدأ الاستراتيجى. وفى الأيام الأولى من خلافته لم يسكت على تهديد العصاة فى الجزيرة العربية، وأصر تنفيذا لخطة محمد (ص) على إرسال جيش كبير تحت قيادة أسامة إلى الشام، وما إن زال خطر مسيلمة فى وسط الجزيرة العربية، حتى بادر أبو بكر دون إبطاء إلى إنفاذ خالد إلى العراق، وهكذا بدئ بإرشاد أبى بكر عصر الفتوح الكبرى. ولقد راجع العلماء الأوربيون الأخبار المأثورة عن الفتوح وتسلسلها التاريخى مراجعة جوهرية وصححوها بنقدهم لمصادرها Wellhausen: كتابه المذكور ص ٣٧ - ١١٣ , Memoire sur la: De Goege conguete de syrie الطبعة الثانية، ليدن سنة ١٩٠٠. Palestina: N.A. Miednikoff سانت بطرسبرغ، سنة ١٨٩٧ - ١٩٠٧، بالروسية Annali: Caetani,٢, ٣) وعند وفاة أبى بكر كانت الحال تبدو كما يلى: خالد منضما الى قوة من بنى بكر بن وائل تحت قيادة المثنى بن حارثة يتقدم غانما فى العراق مهددا الحيرة التى دفعت ٠٠٠, ٦٠ درهم لتترك وشأنها، وعلى حين بقى المثنى فى للك الجبهة خرج خالد فى مسيرة مشهورة إلى دمشق وانضم إلى ثلاث كتائب تحت قيادة يزيد بن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص كانت تلاقى نجاحا فى فلسطين، غير انها كانت آنئذ تتقهقر امام جيش بوزنطى يفوقها، فرد جيش المسلمين الموحد العدو عند أجنادين (من الراجح أن تكون محرفة عن الجنابتين) بين بيت المقدس وغزة فى نهاية جمادى الأولى) يولية سنة ٦٣٤ م) وهكذا بدأ أبو بكر التوسع فى الإمبراطورية الفارسية، غير أنه ظل يصرف جل عنايته الى الشام، وعلى أية حال فإننا
стр. 314
لا نستطيع أن نحدد المرحلة التى اتخذ فيها القرار بعدم الاقتصار على الإغارة على هذه البلاد بل تجاوز ذلك إلى فتحها.
ومات أبو بكر فى الثانى والعشرين من جمادى الآخر سنة ١٣ هـ (٢٣ أغسطس سنة ٦٣٤) ودفن الى جانب النبى محمد (ص). وإن بساطته العظيمة فى حياته مع تعففه عن كل ثراء وأبهه وتظاهر أصبح بعد حديثا يروي ذلك فلقد كان لهذا دون شك أصل من الحقيقة. أما التأكيد بأنه هو الذى بدأ فى جمع القرآن فلقد أصبح الآن مجانبا للصواب إذ أن الرأى الغالب يرد ذلك الى عمر.
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة:
(١) ابن هشام، فى مواضع مختلفة.
(٢) الواقدى، (ترجمة فلها وزن، برلين سنة ١٨٨٢) فى مواضع مختلفة.
(٣) ابن سعد، جـ ٣، قسم ١، ص ١١٩ - ١٥٢, ٢٠٢.
(٤) الطبرى، جـ ١، ص ١٨١٦ - ٢١٤٤ (عن خلافته).
(٥) البلاذرى: فتوح البلدان، ص ٩٦، ٩٨، ١٠٢، ٤٥٠.
(٦) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٤، ص ١٧٣ - ١٩٠.
(٧) ابن حجر الإصابة، جـ ٢، ص ٨٢٨ - ٨٣٥, ٨٣٩.
(٨) ابن الأثير: أسد الغابة، ب ٣، ص ٢٠٥ - ٢٢٤.
(٩) Aishah the beloved of: N. Abbott Mohammed . شيكاغو، سنة ١٩٤٢, انظر الفهرس.
(١٠) Mohammed: W. Montgomery Watt Mekka at أوكسفورد سنة ١٩٥٣، انظر الفهرس.
(١١) The Expansion o f the: C. Becker -Saracens, Cambridge Medieval His tory سنة ١٩١٢, جـ ٢، ص ٣٢٩ - ١١ Islam Studien = (لييسك سنة ١٩٢٤, جـ ١، ص ٦٦ - ٨٢).
الأبيارى [مونكومرى وات - W. Mont gomery Watt]
стр. 315
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«أبو بكرة - إرم ذات العماد»
[الجزء الثاني]
стр. 316
أبو بكرة
(أى صاحب البكرة) هي الكنية التي عرف بها عامة صاحب رسول الله ﷺ نُفَيْع بن مَسْروح، وهو حبشي كان مولي لثقيف الطائف، ولما حاصر النبي هذه المدينة سنة ٨ هـ (٦٣٠ م) انضم إلي المسلمين إذ تدلى ببكرة من الحصن فأعتقه النبي ﷺ .
وأقام أبو بكرة من بعد في اليمن وشارك في تأسيس البصرة حيث أقام حتي أدركته منيته بها سنة ٥١ أو ٥٢ هـ (٦٧١ - ٦٧٢ م). ويقال أنه قد جلده عمر لأنه شهد علي المغيرة بن شُعْبَة عندما اتهم بالزنا، ومن ثم لم يشارك في السياسة بنصيب واعتزل أثناء وقعة الجمل. وقد صرف همه إلى زرع الضياع التي أعطاه له عمر وإلى رواية الحديث، وقد كان في قول أهل العلم حجة فيه.
ويقول من ترجموا له إن أمه هي "سُمَيَّة" ومن ثم عدّ أخا لزياد بن أبيه من ناحية أمه، علي أنه خاصم زيادا عندما انضعم الى حزب معاوية.
وقد خلف أبو بكرة ذرية وافرة العدد، منها سبعة أبناء هم: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، ورَوّاد، ويزيد، وعُتْبَة والذين كان لهم نصيب في رواية الحديث. وقد أثر هؤلاء الأبناء من استغلالهم للحمامات العامة وشملهم زياد برعايته فأصبحت لهم مكانة بين الطبقة الوسطي في البصرة أو قل بين طبقة الوجهاء، ووضعوا لأنفسهم نسبا زاعمين أن أبا بكرة كان ابن الحارث ابن كلّدَة "حكيم العرب" فلما ولي المهدي الخلافة لم يعترف بهذا النسب وردّهم إلي وضعهم بين موالي النبي ﷺ (ابن الطقطقى: الفخرى، طبعة درنبورغ، ص ٢٤٥، المقدسى: البدء والتاريخ، طبعة إيوار، جـ ٦، ص ٩٤ - ٩٥.] Goidziher Muh. Stud، جـ ١، ص ١٣٧ وما بعدها). وكان القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة من سلالة هذه الأسرة (١٨٢ - ٢٧٠ هـ = ٧٩٨ - ٨٨٤ م، وانظر ابن خلكان رقم ١١٥).
стр. 317
المصادر:
(١) ابن قتيبة: المعارف، القاهرة سنة ١٣٥٣، ص ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) ابن سعد: الطبقات، جـ ٧، قسم ١، ص ٨ - ٩, ١٣٨, ١٣٩.
(٣) البلاذرى: فتوح البلدان، ص وما بعدها.
(٤) الطبرى: جـ ١، ص ٩، ٢٥ وما بعدها. جـ ٣، ص ٤٧٧ وما بعدها.
(٥) ابن الفقيه، ص ١٨٨.
(٦) الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٢، ص ٤٨، جـ ٧، ص ١٤١, جـ ١١، ص ١٠٠، جـ ١٤, ص ٦٩.
(٧) النووى: تهذيب، ص ٣٧٨ - ٣٧٩, ٦٧٧ - ٦٧٨.
(٨) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ١، ص، ٣٨، ١٥١,, جـ ٢، ص ٢١٥.
(٩) ابن حجر: الإصابة، رقم ٨٧٩٤.
(١٠) ياقوت، جـ ١، ص ٦٣٨ - ٦٤٤, وفى مواضع مختلفة.
خورشيد [هوتسما وبلا Houtsma - Pellal]
أبو تمام
حبيب بن أوس: شاعر عربى من أصحاب المجاميع الشعرية، يذكر ابنه تمام أنه ولد عام ١٨٨ هـ (٨٠٤ م)، وفى قول عن أبى تمام نفسه أنه ولد عام ١٩٠ هـ = ٨٠٦ م (انظر كتاب أخبار أبى تمام، ص ٢٧٢ - ٢٧٣) فى بلدة "جاسم" بين دمشق وطبرية. ويروى ابنه أنه توفى سنة ٢٣١ هـ (٨٤٥ م)، وفى رواية آخرين أن وفاته كانت فى الثانى من المحرم سنة ٢٣٢ هـ (٢٩ أغسطس سنة ٨٤٦ م، انظر الكتاب المذكور). وشاعرنا أبوه نصرانى اسمه "ثاذوس" (ثديوس، ثيودوسيوس؟ ) كان خمارا بدمشق، وغير ابنه اسم ابيه فجعله "أوس" (كتاب أخبار أبى تمام، ص ٢٤٦) , ولفق لنفسه نسبة تصله بقبيلة طيئ، وسخر شعراء به من أجل هذه النسبة وقالوا فى هجائه أبياتا (أخبار أبى تمام، ص ٢٣٥ - ٢٣٨). علي أن هذه النسبة حازت فيما يظهر القبول من بعد، ومن ثم كان يقال لأبى تمام فى كثير من الأحيان: الطائى أو الطائى الكبير. وقضى شبابه مساعدا لنساج
стр. 318
فى دمشق (ابن عساكر، جـ ٤، ص ١٩)، ثم شخص الى مصر وأخذ يقتات من سقى الناس بالمسجد الجامع، على أنه آنس أيضا فرصة لدراسة الشعر العربى وقواعده. ومن العسير أن نستعيد بدقة التواريخ التى مرت بها مراحل حياته، وهذا يصدق على كل حال حتى تثبت الوقائع التى ذكرت فى شعره وسير الرجال الذين مدحهم ثباتا لا بلبلة فيه، وقد جاء فى رواية أنه نظم مدائحه الأولى بدمشق فى محمد بن الجهم أخى الشاعر على بن الجهم (الموشح ص ٣٢٤). على أن هذه الرواية يتعذر الأخذ بصحتها، لأن محمدا هذا لم يقمه المعتصم واليا على دمشق الا سنة ٢٢٥ هـ فحسب (خليل مردم بك فى مقدمته لديوان على بن الجهم، ص ٤) ويقول الشاعر نفسه (كتاب أخبار أبى تمام، ص ١٢١) إن أول شعر قاله كان بمصر فى مدح صاحب الخراج عياش بن لهيعة (البديعى، ص ١٨١). ولكن عياشا خيب ظنه فرد له الصاع، كما جرت الحال فى كثير من الأحوال، بقصائد فى هجائه (البديعى، ص ١٧٤ وما بعدها).
ويروى الكندى فى كتابه عن ولاة مصر وقضائها (Governors and Judges of Egypt, طبعة غست Guest، ص ١٨١، ١٨٣, ١٨٦, ١٨٧) بعض أبيات لأبى تمام تشير الى حوادث وقعت فى مصر بين سنتى ٢١١ - ٢١٤ هـ.
وعاد أبو تمام من مصر إلى الشام، وإلى هذا الوقت ترجع فيما يظهر قصائد المدح والهجاء التى قالها فى أبى المغيث موسى بن إبراهيم الرافقى. ولما عاد المأمون من حملته على الروم (٢١٥ - ٢١٨ هـ) سعى إليه أبو تمام مرتديا زى البدو الذى كان يؤثره طوال حياته، وقدم إليه قصيدة، إلا أنها لم ترق للخليفة لأنه وجد أنه مما يخالف طبيعة الأشياء أن يقول بدوى شعرا فى حياة الحضر (أبو هلال العسكرى، ديوان المعانى، جـ ٢، ص ١٢٠). وربما كان هذا الوقت هو الذى اتصل فيه البحترى الشاب بشاعرنا فى حمص (أخبار أيى تمام. ص ٦٦، وانظر ص ١٠٥).
"وبلغ أبو تمام مرتبة الشهرة أول ما بلغ وأصبح معروفا بين الناس فى
стр. 319
خلافة المعتصم، ولما دمرت عمورية سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٨ م) بعث به قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد المعتزلى إلى سر من رأى ليمثل بين يدى الخليفة. وتذكر الخليفة صوت الشاعر الأجش، وكان قد سمعه بالمصيصة، فلم يسمح له بالمثول فى حضرته إلا بعد أن استوثق أنه قد صحب معه راويا حسن النشيد (أخبار أبى تمام، ص ١٤٣ - ١٤٤)، وهنالك أخذ أبو تمام يتبوأ مكانته كأشهر مداح فى عصره. ولم تقف قصائده عند مدح الخليفة بل تجاوزت ذلك الى مدح أكابر أعيان زمنه، ومن بين هؤلاء أحمد بن أبى دؤاد، وإن كان أغضبه إلى حين بقصيدة كال فيها المديح لعرب الجنوب الذين تنتسب اليهم قبيلة طيئ وانتقص من قدر عرب الشمال الذين كان قاضى القضاة يربط نسبه بهم. ولم يكن بد من أن يقول الشاعر قصيدة أخرى فى مولاه يعتذر بها عن هذه السقطة حتى يرده إلى سابق عطفه (أخبار أبى تمام، ص ١٤٧ وما بعدها) وثمة شخصيات أخرى مدحها أبو تمام نذكر منها على سبيل المثال: القائد أبا سعيد محمد بن يوسف المروزى الذى كان أبلى بلاء حسنا فى حرب الروم وفى الحملات التى شنت على بابك الخرمى، وابنه يوسف الذى قتله الأرمن سنة ٢٣٧ هـ وهو يلى أمر أرمينية، وأبادلف القاسم العجلى المتوفى سنة ٢٢٥، وإسحق بن ابراهيم المصعبى صاحب جسر (أى صاحب الشرطة) بغداد من سنة ٢٠٧ إلى سنة ٢٣٥ هـ وكان الحسن بن وهب كاتب الوزير محمد بن عبد الله الزيات من المعجبين بأبى تمام خاصة.
وارتحل أبو تمام عسدة مرات ليزور ولاة الأقاليم أمثال والى الجبل محمد بن الهيثم (أخبار أبى تمام، ص ١٨٨)، وخالد بن يزيد والى أرمينية فى خلافة الواثق المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (أخبار أبى تمام ص ١٨٨ وما بعدها) وغيرهما. وكان شخوصه إلى عبد الله بن طاهر فى نيسابور أشهر رحلاته, على أنه لم ينل من عبد الله ما كان يرجوه من عطاء كما أن الجو البارد لم يلائمه فأسرع بالعودة أدراجه، ولكن الثلج احتجزه فى همذان فاستغل الوقت المتاح له وصنف أشهر دواوينه "الحماسة"
стр. 320
مستعينا بمكتبة أبى الوفا بن سلمة، وقد عنى الحسن بن وهب بأبى تمام قبل وفاة الشاعر بنحو سنتين فولاه بريد الموصل. ويظن أن الفيلسوف الكندى تنبأ له بالموت المبكر من شدة الفكر (ومن الواضح أن ابن خلكان قد نقل عن الصولى، ومع ذلك فإن الفقرة المناسبة قد سقطت، وانظر أخبار أبى تمام, ص ٢٣١ - ٢٣٢)، وفى الموصل أدركت المنية أبا تمام. وقد بنى أبو نهشل بن حميد، أخو محمد الذى هلك سنة ٢١٤ هـ فى الحملة على بابك، قبة على قبر أبى تمام زارها ابن خلكان. وكان أبو تمام أسمر طوالا يرتدى زى الأعراب حلو الكلام فصيحا، منكر الصوت جدا، يعانى حبسة قليلة فى لسانه ولذلك فإن شعره كان ينشده راويه صالح (أخبار أبى تمام، ص ٢١٠).
وتتناول قصائد أبى تمام الحوادث التاريخية الهامة مثل فتح عمورية، والحملة على بابك وقتله سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٧ - ٨٣٧ م) وقتل الإفشين سنة ٢٢٦ هـ (٨٤٠ م) الذي كان الشاعر نفسه مدحه من قبل، وغير ذلك. وتكمل القصائد فى نواح معينة رواية المؤرخين (انظر الطبرى - The reign of al Mu'tasim. ترجمة وتعليق مارتن. E Martin نيوهافن سنة ١٩٥١، الفهرس؛ Les allusions a la guerre byz-: M. Canard Tammam et antine chez les Pontes Abu Buhturi في Vassiliev. Byzance et: A.A les Arabes جـ ١ - La Dynastie d'Am corium بروكسل، سنة ١٩٣٥, ص ٣٩٧ - ٤٠٣).
وقد اختلفت الآراء فى القيمة الجمالية لشعر أبى تمام حتى فى حياته؛ قال الشاعر دِعْبِل، الذى كان يُخشى من سلاطة لساَنه، إن شعر أبى تمام ثلثه سرقة، وثلثه غث، وثلثه صالح (اخبار أبى تمام، ص ٢٤٤)؛ وقال تلميذه البحترى الذى كان يقدره أعظم التقدير، إن جيد شعر أبى تمام خير من جيده، وردئ البحترى خير
من رديئه (أخبار أبى تمام، ص ٦٧)؛ وكان الشاعر على بن الجهم المتوفى سنة ٢٤٩ هـ (أخبار أبى تمام، ص ٦١ - ٦٢) صديقًا لأبى تمام معجبًا به.
следующие страницы →