حقا. ويقول أ. كولبيكارلى، وهو نفسه درويش مولوى سابق، إن المولوية لا يعدون طريقتهم طريقة صوفية بالمعنى الضيق. ويجنح كولبيكارلى إلى أن يربط هذه الطريقة بحركة الملامتية التي انبعثت من خراسان. بل إن المرء يدرك من قراءة مواعظ والد مولانا جلال الدين بسرور ممدوح فيها يذكره "بطيبة القلوب " عند القلندرية الذين يرتبطون بالملامتية (انظر Ritter في Oriens جـ ٨، ص ٣٦٠؛ جـ ١٠، ص ١٥). وقد عاش بعض الجلبية معيشة تشبه معيشة دراويش القلندرية مثل أولو عارف جلبى، ولم كثر منه أخوه عابد جلبى والديوانه (أي المجنون) محمد جلبى الذي استخدم في نشر الطريقة (أ. كولبيكارلى: مولانا دان صو نره، ص ١٠١ - ١٢٢). على أن هذا- بطبيعة الحال- لا يثبت شيئًا يخص مولانا نفسه. ويظهر مولانا رجلا يحب الناس جميعًا، أبعد ما يكون عن التعصب، عاطفيا شديد العاطفة، ونستطيع أن نحكم من قصائد الحب التي يخطئها الحصر في الديوان أنه كان يسهل إثارته، ويجنح إلى أن يفرغ ثورته في الذكر. أما مسألة هل أراؤه الدينية فيها شيء من الأصالة إلى جانب التقوى الصوفية العامة المأثورة عن زمانه فأمر يستبين من تحليل آثاره وهي:
(١) الديوان: ويشمل غزليات ورباعيات؛ وثمة أشعار رومية وتركية أيضًا فيها، ويدل وجودها على صلة كانت بينه وبين طوائف من العامة كما يدل كذلك على صلته بعناصر غير إسلامية من سكان قونية؛ وكان يوقع أشعاره (تخلص) باسم "خاموش". على أن هذا اللقب كان يستبدل به في معظم الأحيان اسم "شمس تبريز". وفي بعض غزلياته كان يظهر أيضًا اسم صلاح الدين توقيعًا له (تخلص). وقد حل محل بعض الانطباعات والطبعات السابقة طبعة جيدة قام بها بديع الزمان فروزانفر باسم "كليات شمس يا ديوان كبير، مشتمل بر قصائد وغزليات ومُقطَعَّات فارسى وعربى وترجيعات وملمعات أزكفتار مولانا جلال الدين محمد مشهور بامولوى"، طهران سنة ١٣٣٦ وما بعدها، وقد ظهر من هذه الطبعة حتى الآن ثلاثة مجلدات. وهناك ترجمة
стр. 3117
تركية كاملة بقلم عبد الباقي كولييكارلى عنوانها "مولانا جلال الدين كبير"، إستانبول سنة ١٩٥٧ وما بعدها، وقد ظهر من هذه الترجمة حتى الآن ثلاثة مجلدات. وهناك مختارات وترجمات أقدم من ذلك نذكر منها ما لا يزال له أهمية: Se- R. A Nicholson -lected poems from the Divani Shamsi Ta - brizi edited and translated with an intro duction, notes and appendices, كمبرج سنة ١٨٩٨؛ The Quat-: S. Bogdanov -rains of Jalalu-ddin Rumi and two hither to unknown في JASB manusripts سنة ١٩٣٥، جـ ١، ص ٦٥ - ٨٠.
(٢) "مثنوى معنوى": وهو كتاب في الشعر التعليمى من المزدوج، في ستة دفاتر (ومن المظنون أن الدفتو السابع الذي اكتشفه رسوخى إسماعيل دده مزيف). والقصيدة الطويلة قد ألهمها إياه حسام الدين جلبى الذي اقترح على مولانا أن ينظم شيئًا من قبيل المثنويين الدينيين لسنائى والعطار ومن المقول أن مولانا قد جذب على الفور من عمامته الثمانية عشر بيتا المشهورة من المقدمة مكتوبة بالفعل، أما الباقي فقد أملاه على حسام الدين. ولا نعرف تاريخ بدايته في نظم هذا الأثر، وكل ما نعرفه أنه توقف عن المنظم بين الدفتر الأول والدفتر الثاني سنتين، وكان سبب هذا التوقف وفاة زوجة حسام الدين. وبدأ جلال الدين الدفتر الثاني سنة ٦٢٢ هـ (١٢٣٦ - ١٢٦٤ م) كما قال هو نفسه (جـ ٢، ص ٧). وكان مولانا يملى أشعاره كلما هبط عليه الإلهام، وهو يذكر أو في الحمام أو واقفًا أو جالسًا أحيانًا، أو في الليل وأحيانا في الصباح؛ وهنالك يقرأ حسام ما كتب قراءة مستوعبة ويجرى عليه التصويبات اللازمة. وكانت كل أشعار المثنوى تنظم بلا أي قيد ودون أي تفكير في خطة محكمة. فالأفكار تتوارد بالتداعى الحر والحكايات المتناثرة في التضاعيف تنقطع في كثير من الأحيان ثم تكمل بعد ذلك بكثير (انظر عن أسلوب جلال الدين في المثنوى طبعة نيكولسون، ص ٨ - ١٣، ومقدمة ترجمة كولييكارلى) أما الطبعة القديمة المأثورة فهي طبعة نيكونسون (R. A Nicholson: The Mathnawi of Jelalu'ddin Rumi, edited from the oldest manuscripts, available with critical notes, translations
стр. 3118
and commentary، لندن سنة ١٩٢٤ - ١٩٤٠، مجموعة كب التذكارية، جـ ٦، ص ١ - ٨) أما آخر ترجمة تركية فهي: مولانا، مثنوى، ولد إيزبوداق طرفندن ترجمة إديلمش، عبد الباقي كولبيكالى طرفندن مختلف شرح لرله قارشيلاشدريلمش وأثره، برأجيلمه علاوة إيدلمشدر، إستانبول سنة ١٩٤٢ وما بعدها. وأما عن الترجمات الأوروبية قبل نيكلسون، فانظر ترجمته، جـ ٢، ص ١٥؛ وانظر عن الترجمات الأوردية: Catalogue of the library of India Office جـ ٢، ٤، الكتب الفارسية إعداد A.J.Arberry، لندن سنة ١٩٣٧، ص ٣١٠ - ٣٠٤، وخير ما نعرف من شروح وترجمات تركية قديمة: أنقرة لي إسماعيل رسوخى: فاتح الأبيات، إستانبول سنة ١٢٨٩ هـ , في ستة مجلدات، وبورسلى إسماعيل حقى: روح المثنوى (وهو شرح على جزء واحد من الدفتر الأول) إستانبول سنة ١٢٨٧ هـ؛ صارى عبد الله أفندى (شرح على الدفتر الأول) إستانبول سنة ١٢٨٨ هـ، في خمسة مجلدات؛ ترجمة منظومة بقلم نحيفى، القاهرة سنة ١٢٦٨ هـ؛ عابدين باشا، إستانبول، سنة ١٨٨٧ - ١٨٨٨، في ستة مجلدات. أما عن الشروح والترجمات التي صنعت وطبعت في ايران والهند، وعن أقدم الطبعات الشرقية، فانظر نيكلسون، مقدمة جـ ١ ص ١٦ - ١٨، جـ ٧، المقدمة، ص ١١ - ١٢، والفهرس المذكور آنفا لأربرى، ص ٣١٠ - ٣٠٤، وانظر عن طبعة طهران التي قام بها علاء الدين: على نقى شريعتمدارى في نقد متن مثنوى في يغما، جـ ١٢، ١٣٣٨ وانظر عن مصادر القصص الواردة في المثنوى: بديع الزمان فروزانفز: مأخذ قصص وتمثيلات مثنوى، طهران سنة ١٣٣٣ هـ Orines) جـ ٨، ص ٣٥٦ - ٣٥٨)؛ وأنظر عن الأحاديث التي استشهد بها المثنوى: الكاتب نفسه: أحاديث مثنوى مشتمل برمواردكى مولانا درمثنوى أز أحاديث إستفادة كرده آست باذكر وجوه روايت ومآخذ آنها، طهران، سنة ١٣٣٤.
(٣) "فيه ما فيه": هي مجموعة أقوال مولانا (وقد أخذ العنوان من بيت لابن العربي، انظر The: R.A Nicholson
стр. 3119
Cen- , s Table Talk of Jalalu' ddin Rumi tenary Suppl . to the J.A.S سنة ١٩٢٤ وص ١ - ٨ وانظر طبعة بديع الزمان فروزانفر، طهران سنة ١٣٣٠ هـ وانظر الترجمة التركية: مولانا جلال الدين: فيه ما فيه، جويرن تحليلنى يايان آجيقلاماسنى حاضر لايان عبد الباقي كولبيكارلى، إستانبول سنة ١٩٥٩.
(٤) "مواعظ مجالس سبعه" مولانا نكث وأوكودودور دوزلتن أحمد رمزى آق يورك، مترجمى ريزه لي حسن أفندى أو غلى، إستانبول سنة ١٩٣٧.
(٥) "مكتوبات مولانانك مكتوبلرى، دوزلتن أحمد رمزى آق يورك". إستانبول سنة ١٩٣٧؛ وانظر أيضًا شرف الدين يالتقايا في توركيات مجموعه سى، سنة ١٩٣٩ م جـ ٦، ص ٣٢٣ - ٣٤٥؛ فؤاد كوبريلى في بلتن، سنة ١٩٤٣، جـ ٧، ص ٤١٦.
المصادر:
(١) Philologika XI. Maw-: H. Ritter s lana Ghalal addin Rumi sein Rreis في Isl جـ ٢٦، سنة ١٩٤٢ (حياته ومصادر سيرته، ومخطوطات آثاره هو وآثار أبيه وشمس تبريزى).
(٢) وأهم مراجع سيرته: سلطان ولد: ابتداناهه، نشرها جلال همائى بعنوان ولد نامه مثنوى ولدى باتصحيح ومقدمه، طهران سنة ١٣١٥ هـ
(٣) فريدون بن أحمد سباه سالار: رسالة سباه سالار؛ وآخر طبعة هي: شمس الدين أحمد الأفلاكى العارفى: مناقب العارفين، طبعة تحسين يازيجى، جـ ١، أنقرة سنة ١٩٥٩ (تورك تاريخ قورومى باينلرندن)
الترجمات:
(٤) Les sainst des der-: Cl. Huart visches Tourneurs .. Recits traduist du persan et annotes في مجلدين، باريس سنة ١٩١٨ و ١٩٢٢ (وهذا الكتاب لا يعتمد عليه).
(٥) تحسين يازيجى: أحمد أفلاكى، عارفلرنك منقبه لرى (مناقب العارفين) في مجلدين، انقرة سنة ١٩٥٣، ١٩٥٤ (دنيا أدبياتندان ترجمه لر، شرق (سلام كلاسيكلرى: (٢٦).
(٦) وانظر عن أهمية أثر جلال الدين من حيث هو مرجع تاريخي. CI De la valeur historique des me-: Huart
стр. 3120
moires des devuisches tourneurs في Jour. As، سنة ١٩٢٢، ١٩، ٣٠٨ - ٣١٧؛
(٧) فؤاد كوبريلى في بلتّن سنة ١٩٤٣، ص ٤٢٢ وما بعدها.
الصفات: (٨) بديع الزمان فروزانفر: مولانا جلال الدين محمد مشهور بمولدُى، طهران سنة ١٣١٥ - ١٣١٧ هـ
(٩) H.Ritter: مقاله عن جلال الدين في إسلام أنسيكلوييدياسى (عن الأوصاف الأخرى له انظر: مولانا عبد المقتد Catalogue of the Arabic and Per- in the Oriental Public li sian manuscipts brary of Bankzpore , كلكتة سنة ١٩٠٨، جـ ١، ص ٦٣).
(١٠) قونية خلق أوى قولتوردكيسي، مولانا أوزل صاييسى، إستانبول سنة ١٩٤٣.
(١١) عبد الباقي كولبيكارلى: مولانا جلال الدين حياتى، فلسفة سى، عصر لرى عصر لريندن سجمه لر، الطبعة الثالثة، إستانبول سنة ١٩٥٩.
(١٢) الكاتب نفسه: مولانا دان صونره مولويلك، إستانبول سنة ١٩٥٣.
(١٣) الكاتب نفسه قونيه دامولانا دركاهينك أرشيوى في إستانبول أونيفرسته سى إقتصاد فاكولته سى مجموعة سى، جـ ١٧، ص ١ - ٤، ١٣٠ - ١٥٣.
أما عن معنى الأبيات الثمانية عشر من مقدمة المثنوى فانظر.
(١٤) أحمد آتش: مثنوى نك أون سكيز بيتينك معنى سه في فؤاد كويريلى أرمغانى، إستانبول سنة ١٩٥٣، ص ٣٧ - ٥٠.
(١٥) وانظر عن أبيات مولانا بالتركية: مجدود منصور أوغلى: Calaaddin Runa Tuerkische verse في Ural Altaische Jahrabuecher جـ ٢٤، سنة ١٩٥٢، ص ١٠٦ - ١١٥.
(١٦) الكاتب نفسه: مولانا جلال الدين رومى ده توركجه ببيت وعباره لر في تورك ديلى أرشد رمالرى يلليغى، في بلتّن سنة ١٩٥٤، ص ٢٠٧ - ٢٢٠.
(١٧) وانظر عن الأبيات الرومية لمولانا سلطان ولد. P. Burguilere et R Quelques vers grecs du Mlle: Mantran
стр. 3121
siecle en caracteres arabes Byzantion جـ ٢٢، سنة ١٩٥٢، ص ٦٣ - ٨٠.
خورشيد [ريتر H. Ritter]
(٢) ليس من اليسير أن نلخص تلخيصًا منهجيًا المعالم الرئيسية في فكر جلال الدين، لم يكن الرجل فيلسوفا (ورد في آثاره في كثير من الأحيان حملات على خواء الفلسفة العقلية الصرف)، وقد زعم أنه ليس شاعرًا ينهج نهج القدماء (وهو يجاهر في الديوان وفي المثنوى بكراهيته للأوزان والقوافى والصناعة الشعرية) ولكنه كان فوق كل شيء عاشقًا لله يعبر عن مشاعره على نحو شعرى متحرر عارم، فانشأ بذلك أسلوبا فريدا في الأدب الفارسى بأسره. وقد أمكن من الناحية التاريخية تتبع آثار الفكر الدينى والسياسى للغزالى وابن عربي وسنائى والعطار فيه. وريما بولغ في أهمية أثر ابن عربي فيه، والبيان التالي يلم بأوجز ما يمكن النزعات الرئيسية في فكر جلال الدين. والشواهد من المثنوى أخذناها من ترجمة نيكلسون المذكورة في المصادر:
الله: يظهر أن التعالى المطلق لله لم يتصوره جلال الدين من حيث المكان والعقل فحسب بل من حيث الأخلاق. فالله هو القيمة المطلقة والخير والشر منتسبان إليه وهما رهن مشيئته (جـ ٢، ص ٢٦١٧). والحقيقة موكلة بعالم العدم، والوهم والوجود، والجوارح والألوان (جـ ٢، ص ٣٠٩٢ - ٣٠٩٧) والله فوق العدم والوجود. وهو يصنع في العدم الذي هو مكان صنعه (جـ ٢ ص ٦٨٨ - ٦٩٠؛ جـ ٢، ص ٧٦٠ - ٧٦٢؛ جـ ٤، ص ٢٣٤١ - ٢٣٨٣) وبهذا المعنى يصعب التحدث عن وحدة حقيقية للوجود عند جلال الدين. ومهما يكن من شيء فإن السببية أمر غريب كلية عن اتجاه فكره.
الخلق: يظهر أن جلال الدين يقبل فكرة الأشعرى القائلة بعدم اتصال الزمان والخلق فالله يخلق ويهلك الكل في آنات من الزمن غير متصلة (جـ ١، ص ١١٤٠ - ١١٤٨) وهو يخلق الأشياء بأن يهمس كلمات ساحرة في آذانها وهي بعد نائمة في عالم العدم (جـ ١، ص ١٤٤٧ - ١٤٥٥)
стр. 3122
العالم: العالم غير الإنسانى شيء خلقه الله تمهيدا لخلق الإنسان. والطبيعة لمحة من الله: فكل شجرة تنبت في التربة الداكنة مادة فروعها نحو الشمس هي رمز لتحرر الروح من المادة جـ ١، ص ١٣٣٥ - ١٣٣٦، ١٣٤٢ - ١٣٤٨). على أن الخلق كان متطورا. ويلم جلال الدين في فقرة هامة (جـ ٥، ص ٣٦٣٧) بنظرية التطور الغامض (يجب ألا نخطئ فنقول إن هذا التطور هو تطور علمي دارونى). وظهور الإنسان (الذي يظل إنسانا حتى في مراحل تطوره الأولى) من مملكة الحيوان خطوة أولى تدل على رحلات أخرى إلى عالمى الملائكة والألوهية.
الإنسان: ليس الإنسان مجرد مركب من الجسم والروح، ذلك أن المركب الإنسانى مكون من جسم، وهو الجزء الظاهر من الإنسان، وروح أعمق (روح وباليونانية. بسيكى) وعقل أكبر عمقًا من ذلك ثم "روح وحي " وهي أعمق من الجميع، ولا توجد إلا في الأولياء والأنبياء (جـ ٢، ص ٣٢٥٣ وما بعدها). وعلم الإنسان الروحى عند جلال الدين لا يقبل أن يبلغ كل إنسان بلا تمييز اسمى مراتب القداسة، فالأولياء والأنبياء "مختلفون " عن الناس العاديين. ويبين جلال الدين في فقرة هامة جدا الفائدة النفعية للانحناء توقيرا للأشخاص المقدسين، فهي الطريقة الوحيدة للخروج عن كبرياء واستعلاء الإنسان الذي يعاود دائمًا (جـ ٢، ص ٨١١ وما بعدها).
والله يتحدث على لسان "رجل الله"، فالنبي أو الإنسان المقدس هو الآية الظاهرة على وحدة الله، وهو فوق المقاييس الإنسانية المألوفة (جـ ١، ص ٢٢٥ - ٥٢٧).
الأخلاق: وجلال الدين أبعد ما يكون عن لغة المفكرين الدينيين "الأحرار" المحدثين، فشعائر العبادة الظاهرة ملزمة للجميع: والسبب الذي يسوقه لذلك هو أيضًا مثل للصفة الإسلامية القائمة على المنفعة: فالشعائر الظاهرة نافعة مثل الهدايا التي يقدمها الحبيب لمحبوبه، ذلك أنه إذا كان الحب روحيا خالصًا فلم إذن خلق الله العالم المادى؟ (جـ ١، ص وما بعدها). أما مسألة الحرية والقدر فهو يلاحظ بالفعل أن ثمة فارقًا كبيرًا بين "صنع "
стр. 3123
الله، أي فعله المستمر كل لحظة، وبين نتيجة صنعه أي "مصنوعه" وبين "القضاء" "والمقضى". فالمرء يجب عليه أن يحب "صنع" الله لا "مصنوعه " كما يفعل عبدة الأصنام (جـ ٣، ص ١٣٦٠ - ١٣٧٣) المرء إذا كانت عيناه الروحيتان يقظتان، يدرك في الوقت نفسه أن الله هو الذي يسيره ويحركه (جـ ١، ص ٥٩٨ وما بعدها) وأنه حر تمامًا، حرية تعلو بما لا يقاس على الحريات الصغيرة التي للإنسان العادى (جـ ١ ص ٩٣٦ - ٩٣٩). وبلوغ هذه الحرية العميقة عند الله يقتضي بذل الجهد والعمل (كوشش؛ انظرجـ ١، ص ١٠٧٤ - ١٠٧٧). والأمثلة الكاملة على هذه الحرية العليا هي الأولياء والأنبياء (جـ ١، ص ٦٣٥ - ٦٣٧).
الحياة بعد الموت: والقرب من الله في العوالم الأخرى لا يحسه جلال الدين على أنه فناء حقيقى للإنسان في الله فلا يبقى منه شيء. فالمجازات التي يستعملها للتعبير عن الفناء في فقرة هامة من المثنوى (جـ ٣، ص ٣٦٦٩ وما بعدها) هي على سبيل المثال كما يأتي: لهيب الشمعة في وجود الشمس (على أن الشمعة تبقى مع ذلك "إذا وضعت قطنا عليها، فالقطن تأتى عليه الشرارات ") أو الأيّل في حضرة الأسد، أو ما يضربه في غير ذلك من المواضع من مثل الحديد المحمر في النار، حين يتخذ الحديد خصائص النار دون أن يفقد جوهره الذاتى. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون نارًا كما يكون حديدًا فالروح بالقرب من الله تصبح شيئًا "تعصف بمشيئته العواصف وتفيض الأنهار وتسير الكواكب بحكمته كما يشاء الباري" (جـ ٣، ص ١٨٨٥ ما بعدها). ويحكى جلال الدين في فقرة أخرى عن محب مات حين بلغ حضرة محبوبه تعالى و "طار الطائر" أي روحه، من جسده، ذلك أن الله من صفاته أنه إذا أقبل لم يبق منك شعرة واحدة" (جـ ٣، ص ٤٦١٦، ٤٦٢١) ويالها من فكرة مشجعة لدى مؤمن بوحدة الوجود! على أن جلال الدين على استعداد دائما لأن يفاجئنا بقلب المشهد. وذلك أن الخاتمة الحقيقية للقصة تروى في بعض الأبيات بعد ذلك بعنوان: "كيف دلّل المحبوب الحبيب
стр. 3124
الغائب عن حواسه حتى يعود إليها" (جـ ٣، ص ٤٦٧٧ وما بعدها). ويذهب جلال الدين إلى حد التسليم بوجود عنصر من النشاط في العالم الآخر بحيث أن المرتبة العليا في حياة الروح لا تكون "هي التحقق بل الشوق غير المحدود بعد التحقق". - وثمة سر خفى يكمن هنا في حقيقة أن موسى خرج ليجرى صوب خضر ... وهذا الرحاب الرباني هو الساحة التي لا تحدها حدود أترك مقعد الشرف وراءك، فإن الطريق هو مقعد الشرف" (جـ ٣، ص ١٩٥٧ وما بعدها).
أسلوب جلال الدين الرومى: يحكم أسلوب غزليات جلال الدين في الديوان أن الكثير منها قد تغنى به الشاعر نفسه أو قصد به أن يغنى وثمة رواية جد مشهورة تظهر لنا جلال الدين يرتجل الأغانى الشعرية وهو يذكر بلطف حول عمود في مدرسته، وهناك رواية أخرى تخبرنا كيف وجد جلال الدين واحدا من مريديه ورفاقه المحبوبين، ونعنى به الحداد صلاح الدين زركوب الذي ذكرناه آنفا، يستمع مفتونا في طريق للوقع الموزون لضربات مطرقته. وإحساسه القوى بالايقاع لا يقترن دائما بانتباه مساو للأحكام الصارمة للشعر الفارسى القديم الكمّي. وما أكثر ما شكا من التفاعيل ("مفتعلن مفتعلن مفتعلن قللتنى قتلتنى! ")، ونحن نجد في ديوانه ومثنويه في أكثر من بيت مخالفات شديدة للقواعد العروضية. ونستطيع أن نميز في ديوانه أسلوبا "غنائيًا" وأسلوبا "تعليميا". وكثيرا ما نجده في بعض غزلياته يبدأ بالأسلوب الغنائى (إيقاع قوى وايقاع مزدوج إلخ) ثم ينتقل ببطء إلى الأسلوب التعليمى والعكس بالعكس. ويمكننا أن نميز ثلاثة أساليب في المثنوى الذي هو حديث منفرد متصل ينجذب فيه المتحدث كثيرًا بكلمة لم ومجموع من الكلمات العارضة ثم ينتقل إلى موضوعات ونوادر ونوادر فرعية متجددة دائما أبدا: الأسلوب "القصصى" الخالص. على أن الذي يحدث في نهاية القصة أو أثناءها، أن تدخل التعليقات في أسلوب تعليمى. والظاهر أن الناظم هنا وهناك، في متن
стр. 3125
القصة أو في التعليق عليها، يغشاه ذهول فيحمله على استخدام أسلوبه الذي قوامه الوجد وهنالك يقرض بعضا من خير أبيات المثنوى. ويتميز كل من الأسلوب القصصى والأسلوب التعليمي ببساطة وعامية عجيبتين تكادان تكونان شيئًا فريدًا في الأدب الفارسى لذلك العهد. وتتغلغل عناصر اللغة العامية أحيانًا حتى في لغة الغزليات والأسلوب الوجدى للمثنوى الأكثر من ذلك رهافة ولطفا. وبين أيدينا بعض أبيات لجلال الدين تشمل كلمات قليلة وحملا من اللغة العامية اليونانية وقد امتاز اسلوب جلال الدين بسمات ذاتية قوية ومن ثم عز في الواقع عن التقليد، ولكنه يوضع بحق في مكان رفيع عند الفرس المحدثين (حتى أولئك الذين لا يوافقون تمام الموافقة على الآراء الصوفية) وربما كان قد أثر اثرًا معينا على حركة تبسيط الأدب الفارسى وتجديده، للك الحركة التي بدأت في القرن الماضي.
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة: في سيرته (١) أفلاكى: مناقب العارفين، وقد ترجم جزء منه في مقدمة كتاب ; The Mes-: ٧.W Redhouse -newi ... of Mevlana . Jelalu 'd - Din Mu - hammed er - Rumi- Book the first ... trans lated and the poetry versified لندن سنة ١٨٨١، ص ١ - ١٣٥.
(٢) بديع الزمان فروزانفر: رسالة تحقيق أحوال وزندكانى مولانا جلال الدين محمد، طهران سنة ١٣١٥ هـ الطبعة الثانية، سنة ١٣٣٣ وثمة كتب كتبت عن جلال الدين:
(٣) Persierns Mystikes: G. Richter Dschelhl-eddin Rumi برسلاو سنة ١٩٣٣.
(٤) The Met-: Khalifa Abdul Hakim aphysics of Rumi لاهور من غير تاريخ.
(٥) Rumi poet and: R.A. Nicholson Mystic طبعة A. J. Arberry بلندن سنة ١٩٥٠.
(٦) The Life and: Afzal iqbal thought of Rumi لاهور سنة ١٩٥٦.
خورشيد [أبوسانى A. Bausani]
стр. 3126
جلد
استعمال الجلد (جلد، أديم) مادة للكتابة معروف مشهور في الشرق الأدنى، وقد كان يستخدم من قبل في الدولة الوسطى؛ وكانت المخطوطات الجلدية معروفة من إمبراطورية مرو والنوبة إلى جنوبي مصر، ومن فلسطين إلى بلاد فارس، وفي بلاد فارس كان "الباسلكاى دفتراي". أي المحفوظات الملكية من المخطوطات الجلدية، معروفة لدى قطسياس Ctesias (في ديودور الصقلى، جـ ٢، ص ٣٢؛ انظر مادة دفتر) ولما غزا الفرس مصر مدة قصيرة في مستهل القرن السابع الميلادي ظلوا يكتبون فيها على الجلد يشهد بذلك قطع الجلد التي عثر عليها في مصر وحفظت في عدة مجموعات أوربية. ولما غزا الفرس جنوبي بلاد العرب بعيد سنة ٥٧٠ شجعوا تشجيعًا صناعة الجلد هناك. وقد اشتهر جلد جنوبي بلاد العرب مادة للكتابة على قدر خاص من اللطف والنعومة. على أن الجلد كان معروفًا في اليمن مادة للكتابة حتى قبل الاحتلال الفارسى لليمن. وقد كتبت الشهادة بالدين التي سلمها حميرى لجد النبي ﷺ عبد المطلب بن هاشم على قطعة من الجلد، وكانت هذه الشهادة محفوظة في خزانة الخليفه المأمون. ومن ثم يتبين لنا أن الجلد كان معروفًا عند العرب حتى قبل الإسلام. وقد استشهد شعراء مثل المرقش الأكبر ولبيد بوقائع تؤيد ذلك، بل أن العرب كانوا يعرفون كيف يلونون الجلد باللون الأصفر مستعملين في ذلك الزعفران، ثم اهتدوا من بعد في الكوفة إلى طريقة في تحسين معالجة الجلود ذلك بأنهم استبدلوا بالجير (الذي يجعل الجلود شديدة الجفاف) البلح حتى أصبحت الجلود التي يصنعونها ناعمة. وقد رويت لنا عدة حالات أمر النبي [ ﷺ ] فيها بالكتابة على الجلد وقد حذا حذوه خلفاؤه الراشدون، ونذكر بخاصة الخليفة عثمان الذي احتفظ بنسخة من القرآن كتبت على جلد نعامة وهي محفوظة في مكتبة عارف حكمت
стр. 3127
بالمدينة (انظر Zeitscher. d Deutsch Morg. Gesells جـ ٩٠، سنة ١٩٥٦، ص ١٠٢). وكان الجلد أيام الأمويين يستعمل لدى العرب مادة للكتابة مثال ذلك أن الشاعر ذا الرمة المتوفى سنة ١١٧ هـ (٧٣٥ - ٧٣٦ م) يذكر هذا في قصيدة من قصائده (الأغانى، جـ ١٥، ص ١١١). وقد اكتشفت سنة ١٩٣٢ رسالة كتبها على الجلد بالعربية الحاكم دوَشْتى الصغدى إلى الوالى الجراح بن عبد الله حوالي عام ١٠٠ هـ (٧١٩، Among Arabic Man- I Yu. Krachkovsky uscripts ليدن سنة ١٩٥٣، ص ١٤٢) وهذه الوثيقة لم تكن القطعة الوحيدة، ذلك أن مجموعة كتب محمد بن الحسين الذي ذكرها الفهرست لابن النديم (ص ٤٠، ٥٤) كانت تشمل أيضًا قطعًا من الجلد وورقًا وأوراق بردى. وقد حفظت عدة وثائق من الجلد في مجموعات مختلفة من أوراق البردى، وأقدم قطعة وهي شهادة تتعلق بهدية مولد تاريخها سنة ٢٣٣ هـ (٨٧٤ م، محفوظة في دار الكتب المصرية في القاهرة، الفهرس، التاريخ، رقم ١٨٧١ م) وأحدثها وتاريخها سنة ٧٢٢ هـ محفوظة في متحف الدولة ببرلين. ويجب علينا أن نذكر بصفة خاصة المخطوطات القرآنية المكتوبة على جلود الوعول، وهي التي يشير إليها البيرونى في كتابه "تاريخ الهند" (ص ٨١).
وثمة نوع خاص من الجلد هو الرق (جلد، ورق، قرطاس، رَق، رِق) وهو نوع مرقق من جلود الأغنام والماعز والعجول، وكان هذا النوع معروفا في جزيرة العرب من قبل في القرن الخامس الميلادي، ذلك أن الشاعر الحميرى قُدَم بن قادم يذكره في قصيدته، ويتحدث لبيد أيضًا عن "طِرْس ناطق". وطرس معناها الرق يمحى منه المتن الأصلي ثم يكتب ثانية. ومثل هذا الطرس الذي يحمل قطعة من الكتاب المقدس تاريخها القرن الخامس الميلادي في جانب ومتنًا شرعيًا عربيًّا من القرن الأول الهجرى (السابع الميلادي) يتخلل النص اللاتينى على الجانب الآخر، محفوظ في فلورنسة، وأمثال هذه الطروس التي تمحى منها
стр. 3128
الكتابة الأصلية، ويكتب عليها مرة أخرى لا تزال بعد نادرة. وقد استعمل الرق، هو ومواد أخرى، في كتابة أجزاء من الوحى، وقد وجدت مثل هذه القطع بين أثار النبي [ ﷺ ]، واستعمال الرق في كتابة الكتب المقدسة كان من خصائص العبريين وكان رق قراطيس التوراه معروفًا حق المعرفة لدى العرب (البكرى، المعجم، جـ ٢، ص ٥١١ الذي يستشهد ببيت لجرير المتوفى عام ١١٠ هـ الموافق ٧٢٨ م) وقد استعمل النبي [ ﷺ ] أيضًا الرق في بضعة مناسبات، وقد ذكر الرق والقرطاس في القرآن (سورة الأنعام، الآيتان ٧ و ٩١؛ سورة الطور، الآية ٣). ومجموعة من القرآن التي جمعها زيد بن ثابت، يقال أيضًا إنها كتبت على الرق (A.Sernger: Das Leben und die Lehre des Muhammad جـ ٣، ص ٤٠) وفي العصر الأموى كانوا يؤثرون في الشام الكتابة على الرق وعلى ورق البردى. أما في مصر فإن الرق كان يستخدم بصفة خاصة في كتابة نسخ القرآن، وكذلك كان الحال أيضًا في البلاد الإسلامية الأخرى، ولكن كان قلما يستخدم في النصوص الدنيوية. وفي شمال إفريقية زودنا مخزن بمسجد سيدى عقبة في القيروان ببضع مئات من المخطوطات الأدبية المكتوبة على الرق. أما في العراق فإن الرق كان سائدا في الدواوين حتى استبدل به الورق الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى. وثمة نوع خاص نفيس من الرق كان يصنع من جلود الغزال. وهذا النوع من الرق كان كثير التكليف، ومع ذلك فقد ذكر عدة مرات في أوراق البردى وكذلك في المتون الخاصة بالسحر. وتضم دار الكتب المصرية عدة مخطوطات من القرآن كتبت على رق الغزال (انظر فهرست الكتب العربية المحفوظة بالكتبخانة الخديوية، جـ ١، القاهرة، سنة ١٨٩٢ - ١٨٩٣، ص ٢) وفي مصر لم يكن للرق المصنوع من جلود الأغنام والماعز والعجول إلا شأن ضئيل جدا بالنسبة لأوراق البردى، وأقدم وثيقة من الرق فيما نعلم تاريخها سنة ١٦٨ هـ (٧٨٤ م) وهي جزء من مجموعة القنصل الألمانى السابق
стр. 3129
تاوضروس محارب في الأقصر. وثمة نوع من الرق نفيس بخاصة لونه أرجوانى، وهو معروف حق المعرفة من المخطوطات التي ترجع إلى صدر العصور الوسطى اللاتينية. وقد احتوت مجموعة مارتن F. Martin على ورق جميل أزرق اللون عليه كتابة كوفية باذخة من الذهب وكان في الأصل ينتسب إلى مخطوط للقرآن من مسجد مشهد (ببلاد فارس).
المصادر:
(١) Corpus papyrorum: A. Grohmann Raeniri Archiducis Austriae المجموعة الثالثة من Aeabica جـ ١، فينا سنة ١٩٢٤، ص ٥١ - ٥٨.
(٢) From the World of Arabic Papyri الجمعية الملكية للدراسات التاريخية، القاهرة سنة ١٩٥٢ ص ٤٤ - ٤٩، ٢٣٧.
(٣) Einfuehrung und Chrestomathie Zur arabischen papyruskunde جـ ١، براغ سنة ١٩٥٤ Monografie Archivu: Orientalinho جـ ١٣، ص ٧١ - ٧٢. خورشيد [كرومان A. Grohmann]
" جلاب "
وفي لهجة جلابة أو جلابية: رداء خارجى يليس في بعض أنحاء المغرب، وهو فضفاض رخيّ له غطاء للراس وذراعان قصيرتان، ويصنع الجلاب من قطعة من القماش لها أربعة أضلع طولها يفوق عرضها بكثير، ويخاط الضلعان القصيران معا فيصير القماش أسطوانة واسعة، ثم تخاط أيضًا الفتحة العليا ما عدا منفذا في الوسط للرأس والرقبة. وتشق من الجانبين فتحتان للذراعين. وإذا لبس الرداء امتدت الحياكة التي تصل الضلعين القصيرين بعضهما ببعض أسفل الصدر وفي وسطه. أما الحياكة التي تسد نهايتى الجزء الأعلى من الرداء فتمتد على طول الكتفين والجزء الأعلى من الذراعين، ويخرج الراس والعنق من الفتحة التي في كل جانب من الرداء. وقد يترك الساعدان عاريين إذا لم تخط الذراعان قصيرتان بجانب الفتحتين المخصصتين للذراعين. وهاتان الذراعان قصيرتان جدًّا، وعند الحافة السفلى لكل منهما فتحة (نيفك) للكوع وأخرى عند الحافة
стр. 3130
العليا يخرج منها مقدم الذراع العارى إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما في حال الوضوء. ويصنع الجلاب إما من قماش وطنى، وإما من أقمشة أوربية وذلك في المدن الغنية. والقماش الوطنى يصنع من الصوف، وقلما يصنع من القطن المخلوط بالصوف. ولم يحدث هذا إلا منذ عهد قريب جدًّا. وتصنع هذه الأقمشة بألوان مختلفة في جهات متعددة: حمراء، وسمراء، وسوداء، وبيضاء لا شارة فيها، وإما رقطاء أو مخططة. والأقمشة الأوربية سميكة زرقاء بلون البحر غالبًا أو سوداء أو رمادية داكنة.
والجلاب المصنوع من القماش الوطنى قطعة واحدة من القماش بحسب المقاس المطلوب، ولا يضاف إليها غطاء الرأس، وإنما يتألف هذا الغطاء من قطعة القماش معزولة، جوانبها مطوية معا خلف الحياكة، أما غطاء الرأس في الجلاب المصنوع من القماش الأوربى فيفصل على حدة ويلبس، وتغطى المواضع المخيطة من الجلاب بغدائر أو تزركش بعذبات أو عقد أو وريدات، ويختلف تفصيل الجلاب وشكله وغطاء الرأس والزركشة المحلى بها ونوع غزله وحياكته وبطانته اختلافًا كبيرًا في شتى البلاد. ويطلق على هذا الرداء اسم جلاب (جلابة أو جلابية) في معظم أنحاء مراكش وفي غربي الجزائر، كما يستعمل في أنحاء أخرى من المغرب كما في جنوبي الجزائر وفي مزاب، ولكنه يسمى هناك باسم آخر، وكلمة جلابية تطلق بين مسلمي الأندلس على رداء لا نعرف شكله ولا أوجه استعماله. ونجد في مصر كلمة مساوية في النطق لكلمة جلابية، ولكن بالجيم غير المعطشة، وهي تدل على رداء يختلف تمام الاختلاف عن جلاب المغرب، ولسنا نعرف أصل كلمة جلاب على التحقيق.
ويرى دوزى Dozy أن كلمة جلابية هي الصيغة الأصلية، وأن كلمة جلّاب وجلّابة تحريف لها. ويذكر أن معناها في الأصل رداء الجلّاب أي بائع الرقيق. وهذا الرأى لا يجد ما يؤيده في فقه اللغة على ما يظهر. والقريب إلى الاحتمال أن كلمة جلّاب لها صلة
стр. 3131
بالكلمة العربية "جلباب" أي الرداء الخارجى، وليس من المستغرب أن يسقط حرف الباء من هذه الكلمة ذات الأصل الدخيل (انظر Neue: Noeldeke - Beitraege zur Semitiscen Sprach wisenschafi، ص ٥٣).
وقد استعملت هذه الكلمة أيضًا خارج بلاد المغرب، بالصيغ الحديثة لكلمة جلباب فمثلا نجد في لهجة عمان كلمة جلّاب بمعنى القناع.
المصادر:
(١) Dischonnair detaille des: Dozy noms des vetements chez les Arabes ١٢٢، وما بعدها.
(٢) الكاتب نفسه: الملحق، جـ ١، ص ٢٠٤، ٢١٥، وبه مصادر عدة.
(٣) The Moors: Budget Meakin ص ٥٨ وما بعدها، ٥٩ وبها صورة.
(٤) Le Maroc inconnu: Moulieras , جـ ٢، ص ١٦.
(٥) Archives Marocaines، جـ ١٧، ص ١٢٢.
(٦) La population musulmane: Bel de Tlemcen، لوحة ١٩، شكل ١٧.
(٧) Les Industries et: Bel et Recard le travail de la lame d Temcen
[مارسيه W. Marcais]
جماعة
ومعناها اللغوي الاجتماع، وهي تدل في المفهوم الدينى عند المسلمين على "جماعة المؤمنين" ومن ثم معناها الأشيع: "الجماعة الإسلامية". وهي بهذا تكاد ترادف كلمة "أمة" على أنه يجب التفريق بين المصطلحين.
والمصطلح "أمة" قرآنى، ويستعمل بالجمع "أمم"، وقد اكتسب مدلوله الدينى بخاصة في العهد المديني (انظر على سبيل المثال ما ورد في القرآن عن "أمة"؛ وأمم سورة الأعراف، الأيات ٣٤، ٣٨، ١٥٩، ١٦٤، ١٨١). ويستعمل أيضًا المصطلح "حزب الله" في مناسبتين (سورة المائدة، الآية ٥٦؛ سورة المجادلة، الآية ٢٢)، على أنه مع
стр. 3132
كون الجذم ج م ع شائع الاستعمال كل الشيوع فإن كلمة "جماعة" لا تدخل في مفردات الكتاب الكريم، على أنها لم تلبث أن ظهرت مثلًا في "الوثائق " الديبلوماسية التي نقلها ابن سعد ونسبها إلى النبي ﷺ . فقد أرسل النبي ﷺ رسالة إلى صاحب البحرين يقول فيها: "ولتدخلن في الجماعة"، وقد قدر لهذا المصطلح أن يصبح عامًا في السّنة. وسنقتصر على حديثين صحيحين شائعين رواهما ابن عباس: "من فارق الجماعة شبرا خلع ربقة الإسلام من عنقه " "ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" (تر جمة H.Laoust).
وكثيرا ما تترجم كلمتا أمة وجماعة في اللغات الأوربية بكلمة واحدة هي " Community " والواقع أن الكُتاب المسلمين لم يجدوا صعوبة في استخدام إحداهما بدل الأخرى (ويستعمل الحديث المشهور "لا تجتمع أمتى على ضلالة" كلمة أمة؛ انظر - Wen Handbook - sinck، ١٤٨) . وإذا غضضنا النظر عن الاشتقاق، فإن المرء ليرغب في التفريق بينهما، فالأمة هي الجماعة من حيث هي تكوّن أمة على أساس دينى فقهى، أما الجماعة فهي مجموع المؤمنين توحّد بينهم عقيدة مشتركة. وكل من المصطلحين يفصح عما يفصح عنه الآخر من "الرغبة في العيش معا" (L. Massignon) وهو أمر من خصائص الإسلام طبقا لشريعة في السلوك قررها القرآن للحياة الدنيا والحياة الآخرة. ولكن رأس الأمة هو خير ما يشار إليه في دراسة البناء المثالى لهذه الجماعة كما حكمت به السياسة الشرعية، في حين أن المصطلح "جماعة" يركز انتباهنا على الرابطة التي تصوغ من طائفة من الأشخاص جماعة من المؤمنين. وقد نضيف إلى ذلك أن "الأمة" في الاصطلاح الإسلامي الشائع بل في الإحساس العام الواقعى، هي التي تعبر أولًا وبأقوى أسلوب عن قيم الموحدة والتضامن.
وقد أصبحت كلمة جماعة بما تضمنته من معنى عقائدى تحمل مدلولها الاصطلاحى الدينى، وهذه
стр. 3133
الجماعة من المؤمنين توحد بينها عقيدة ومن ثم فهي تقابل هؤلاء الذين "يخرجون، والذين "يبتدعون" وإن كان هؤلاء لم يتركوا رسميًا الأمة القائمة على هذا الأساس) وهي تجعل عين "الجملة" أي غالبية المسلمين في مقابل الفرق التي "اعتزلت" ويقول الفُضَيل إن يد الله مع الجماعة وإن الله لا ينظر إلى أهل البدع.
وأشيع تعبير مستعمل يتضمن المدلول العقائدى هو "أهل السنة والجماعة"، وفي هذا الصدد يكون السند المتكافئ هو الحديث النبوى وجماعة المؤمنين (انظر - L. Veccia Va glieri في Studi Orientalisici in onore di Giorgio Levi Della Vide، جـ ٢ ص ٥٧٣ وما بعدها). و "أهل الحل والعقد" هم من وجهة نظر مختلفة اختلافا يسيرا عن ذلك يساوون في الحجية الأحاديث والجماعة. فهم ممثلو "الأمة" من حيث هم يعبرون عن "الإجماع".
والجماعة والإجماع كلمتان من جذم واحد، ويمكن أن يقال إن الإجماع هو اتفاق الجماعة: والحديثان اللذان رواهما ابن عباس وذكرناهما آنفًا، وكذلك الحديث الخاص بالأمة هي من النصوص القدسية التي قررت الإجماع.
والحق إن مدى ماتتضمنه الجماعة قد أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقا بالمفهوم المقرر للإجماع ونحن نجد في تطور الفكر الحنبلي التزامًا خاصًّا جدًّا بالجماعة، وكان مدلول الجماعة هو السابقون إلى الإسلام دون سواهم. ومن السمات البارزة للعقيدة الحنبلية أن الإجماع الوحيد الذي له قيمة هو إجماع الصحابة. وقد عرّف البربهارى من حنابلة القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) الجماعة بأنها "الدين العتيق " الذي نستطيع به أن نفهم شعائر الصحابة وعقائدهم وعاداتهم في عصر الخلفاء الراشدين الثلاثة الأولين (أبو الحسين الفرّاء طبقات الحنابلة، جـ ٢، ص ٣٢ - ٣٣؛ فيما نقله عنه Ibn batta: H.Laoust ص ١٩، تعليق ١)، على أنه إذا كانت الجماعة بمعناها الدقيق الذي لا يحيد هي جماعة الصحابة، فإنه يبقى لنا من ذلك أنه كل مسلم ملزم خلال القرون
стр. 3134
بأن يتبع الجماعة ويعمل بما تقول. و "لزوم الجماعة" واجب على المؤمن شدد عليه الحنابلة في دأب وإصرار (انظر مثلًا ابن بَطة: الإبانة، ٥/ ١٠) وتأسيسًا على ذلك يبقى المؤمنون على "جماعة الدين العتيق " خالدين خلال العصور وفي كل حقبة يدخل في الجماعة أولئك المسلمون الذين يلتزمون الحديث كل الالتزام، وقد وصفهم ابن حنبل في العقيدة الأولى فقال إنهم "أهل السنة والجماعة والأثر" وبذلك جمع الاصطلاحين الأولين: "أثر النبي" [ ﷺ ] والصحابة (انظر Jbn Batta: H. Laoust ص ١١، تعليق ١). وقد قدر لمصطلح "أهل الحديث" أن يصبح مرادفا مقاربا في المعنى حتى ظهر اصطلاح "أهل الحق" الذي نزع من بعد إلى سيادة المصطلحات الأخرى.
وقد ظل مجرى العقيدة الحنبلية أمينا لهذه الفكرة عن الجماعة ترتكز على عقيدة أهل الدين العتيق من حيث العقيدة الوثيقة دون سواها وشاهد على ذلك أن ابن تيميه يتحدث عن الأمة والجماعة، وقد شدد على وجوب أن يتبع "أهل السنة والجماعة" "آثار النبي [ ﷺ ] في باطنهم كما في ظاهرهم وأن يتبعوا على هذا النحو سبل الصحابة (الواسطية ص ٣٤؛ انظر H. Laoust: كتابه المذكور، ص ١٠ التعليق).
وهذا الاستمساك بالجماعة عند الحنبلية الذي ينطوى على التوقير قد وصل بهم أخر الأمر على نحو من التقديس الباطنى، إلى حد أنهم تمثلوا المؤمنين الذين التفوا حول النبي [ ﷺ ] في العهد المديني، وأصبح هذا الدين العتيق يتبعه كل جيل من المؤمنين حتى قيام الساعة.
ولا يصدق هذا على غيرهم من المذاهب، وشاهد ذلك أن الاجماع بقدر ما كان مدلوله (عند المذهب الشافعي مثلًا) يفهم منه أنه إجماع الفقهاء الذين يعيشون في جيل معين، ويصبح "المصدر" الرابع (متميزا عن السنة) للشريعة الإسلامية، فإن الجماعة فقدت ارتباطها التاريخي الدقيق بالسنين الأولى للإسلام. فنحن نجد الطبري (فيما نقله عنه رشيد رضا: الخلافة، ص ١٤) قد أنكر الاجماع إذا اقتصر
стр. 3135
على جماعة الصحابة، وهو يقول إن "لزوم الجماعة" يجب أن يحدد دون الرجوع إلى وقت بعينه، بأنه أن تطيع الجماعة الإسلامية ولى الأمر الذي اختارته بنفسها، وكل من نكث بعهده مع ولى الأمر وجب أن يترك الجماعة. والفعل الذي استعمل في هذا الصدد وهو أن تطيع ولى الأمر يثير فكرة "الرجل الذي يتولى السلطة" ويجب أن نفهم من ذلك أنه يشير إلى "الإمام، وهو مرشد الجماعة وقائدها. ومن ثم وجب أن تعرف الجماعة لا بالإشارة إلى المسلمين الأولين دون سواهم، بل بالإشارة إلى كل إمام شرعي بايعته الجماعة. ومن ثم أصبحت الجماعة تبعًا لهذه النظرة حقيقة واقعية أكثر منها قيمة عقائدية في جوهرها، وهنالك جنح الأمر إلى أن تحل محلها كلمة أمة.
وهذا ملحوظ كل الملاحظة في علم الكلام. وعلى الرغم من احترام أبي الحسن الأشعرى الأكيد لابن حنبل، فقد قيض له أن يقدم عقيدتيه المشهورتين في كتابيه الإبانة ومقالات الإسلاميين في ثوب بسيط هو إجماع أهل السنة، ولا نجد عنده فكرة "الجماعة" ماثلة إلا في مسألة واحدة هي شفاعة النبي ﷺ لأصحاب الكبائر في الجماعة، ومع ذلك فقد استعمل هنا كلمة أمة (مقالات الاسلاميين، جـ ١، ص ٣٢٢). وكذلك الأمر في "اللمع " سواء كانت المسألة مسألة نظرة المعتزلة (ذمت أو خولفت) أو إجماع من حيث هو أساس الإجماع، فإن الذي ظهر في هذا المقام دائما هو كلمة أمة. ولم يكن من مهمة علم الكلام أن يفرد فصلًا للجماعة. أما من حيث الكتب التي تتناول "الفقه العام" فهي تنظر إلى "الإمامة" أو "الخلافة" من حيث ظروف السلطة، ولا تعنى بتحليل العناصر التي تتكون منها الجماعة. وقد أصبح الاصطلاح "أمة" شيئًا فشيئًا هو الذي احتوى الغيرة الجماعية للمؤمنين.
ومع ذلك فإن اصطلاح "الجماعة" بمفهومه الدال على وحدة العقيدة لم يختف تمامًا من مفردات المصطلحات، فنحن نجده في مواضع مختلفة من كتب كثيرة، وهذا أيضًا هو الذي في كتب الأيام المعاصرة لنا. وهو يرد
стр. 3136
عرضا في كتاب "ظهر الإسلام" (ص ١٩٩) فيما نقله عن المسعودى. وقد احتفظت الصفة جماعى بهذا المدلول. ولما كتب ابن عساكر في القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي) ترجمته للأشعرى التي التزم فيها الدفاع عنه، كان غرضه أن يصفه بالسنى الجماعي الحديثى، ويستطيع المرء أن يتبين في هذه الصفات الصيغة التي مروها الحنابلة. ويجب أيضًا أن نفهم كلمة "جماعى" على أنها تدل على نصير العقيدة الصادقة لأهل الدين القديم. ويبقى أن نذكر أن الأشاعرة يقولون عن أنفسهم بعامة أنهم "أهل السنة "الحق" وكلمة الحق تذكرنا بكل دقة بالمفهوم الاصطلاحى لكلمة جماعة، ولكن مع مدلولات أخرى، وهذا نستطيع أن نتبينه في يسر.
وصفوة القول أن الجماعة، إذا فهمت بأنها الاتحاد الحق للمسلمين، تنزع هنا إلى ترك المجال لاصطلاح الأمة، . وإذا أخذت على اعتبار أنها تدل على وحدة العقائد الصحيحة فإنه تستبدل بها استبدالا مناسبا كلمة "الحق".
أما عن العهد المعاصر فإننا يجب أن نذكر حركة الإصلاح للسلفية، التي استجابت بصفة عامة لمؤثرات الفكر الحنبلي، ومن ثم فإن من المنتظر أن يرجع منهجهم إلى الجماعة. والواقع، وهذا منطقى جدًّا، أن رشيد رضا في تحليله لفكرة "الإجماع، يبحث في كتابه "الخلافة" معنى الجماعة". ولكنه لم يتردد في أن يتوسع في المعنى الدقيق الذي حدده لها الحنابلة، فوافق من فوره على تعريف الطبري الذي ذكرناه أنفا وهو يجعل الجماعة هم "أهل الحل والعقد" في كل زمان، وهو يستعمل في الفقرة نفسها كلمة "أمة" بمدلول قريب لا باس به ولكنه غير مطابق بحال. وعنده أن الجماعة هي تلك الطائفة كلها من أولئك الذين يقبضون على زمام الأمور والذين يجب اتباعهم إذا اتفقوا (إجماع). والأمة هي المعرضة بالاضطرابات للانقسام. ومن ثم فإن خير ما يتبع المرء في سلوكه (حديث حذيفة ابن اليمان) هو أن يبقى مخلصا للجماعة وإمامها. ثم إن عنوان الفصل الذي عقده رشيد رضا عن سلطة الأمة
стр. 3137
ومعنى كلمة جماعة له مغزى في هذا الصدد.
ونخرج من هذا بأن الإجماع في المفهوم السلفى يمكن أن يقال في شأنه بأن الناس الذين تتكون منهم الجماعة هم أولئك المسلمون الذين يوثق في دينهم وصدقهم، ومن ثم فهم الذين يتابعون السير في الطريق القويم الذي سار عليه السلف ولهم الحق في تزكية الإمام الأعظم ومبايعته باسم الجميع، وهذا الإمام هو القائد الحق المنتخب للأمة جميعًا. والجماعة لا يكون لها وزنها الكامل إلا إذا اتحدت مع إمامها.
ويصدق هذا على المعنى الأكثر ضيقًا ومحلية للكلمة. فكل جمع من المسلمين اجتمعوا لأداء الصلاة فهم جماعة. وهذا التعريف يناسب مناسبة جلية صلاة فريضة الظهر جماعة يوم الجمعة. وهذا اليوم هو من ثم يوم الاجتماع الأمثل. والجامع هو الذي يجمع المؤمنين لأداء هذه الفريضة. وهذا يصدق أيضًا على الأعياد المقررة. وفي ضوء هذه الصلة بصلوات الجماعة يتحدث الأشعرى عن عقيدتيه فيذكر الجماعة بالمفرد في مقالات الإسلاميين (جـ ١، ص ٣٢٣) ويذكرها بالجمع في الإبانة (ص ١٢). وهذه "الجماعة" من المسلمين المتحدين في أداء الصلاة إظهارًا لعقيدتهم تكون في صيغة وطبيعة لم تحدد من حيث المبدأ التحديد الذي حددت به شروط إمام الجماعة، ومن ثم سميت "الأمامة الصغرى".
المصادر:
كما ذكرت في صلب المادة مع التخصيصات والإضافات الآتية.
(١) محمد حمد الله: الوثائق السياسية، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٩٥٢؛ تعليق ٦٧.
(٢) Mu-: W. Montgomery Watt hammed at Medina، أوكسفورد سنة ١٩٥٦، ص ٢٤٧، ٣٦٠.
(٣) Essai sur les doc-: H. Laoust - trines sociales et politiques de Taki - d Din Ahmed B. Taimiya. القاهرة سنة ١٩٣٩ (انظر الفهرست، مادة جماعة).
(٤) الكاتب نفسه La Profession de: foi, d, Ibn Batta؛ دمشق سنة ١٩٥٨. (انظر الفهرس).
стр. 3138
(٥) أبو الحسن الأشعرى: الإبانة عن أصول الدين، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٨ هـ ص ١١ - ١٢.
(٦) الكاتب نفسه: مقالات الإسلاميين، القاهرة سنة ١٣٦٩ = ١٩٥٠ م جـ ١ ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٧) ابن عساكر: تبيين كذب المفترى في ما نسب إلى الإمام أبي حسن الأشعرى دمشق سنة ١٣٤٧ (انظر A.F Expose de La reforme de l' is-: Mehren -lamisme, Travax de la ٣ e session du Con gres Intenational des Orienlaistes جـ ٢، الترجمة الإنكليزية بقلم R.J. McCarthy: The Theology of Al Ash'ari، بيروت سنة ١٩٥٣، ص ١٤٧ وما بعدها.
(٨) رشيد رضا: الخلافة والإمامة العظمى، القاهرة سنة ١٣٤١ (طبعة المنار)، ص ١٣ - ١٥) الترجمة الفرنسية بقلم Le Califat: H.Laoust dans la doctrine de Rashid Rida بيروت سنة ١٩٣٨، ص ٣١ - ٢٥).
خورشيد [كارديه L.Gardet]
(٢) وقد كانت الكلمة -ولم تزل- تستعمل في مراكش استعمالا جاريا على أوسع نطاق، وفي بلاد الجزائر توجد وثائق ترجع على الآقل إلى مائة سنة تثبت وجود جمعيات إدارية محلية تندرج تحت الاسم جماعة. وقد ثبت اختصاصها في حيازة العقارات فيما يتعلق بوراثة "الدوار"، ولكنها ألغيت سياسيًا وتشريعيًا (مرسوم ٢٥ مايو سنة ١٨٦٣؛ لائحة ٢٠ مايو سنة ١٨٦٨؛ مرسوم ١١ سبتمبر مع الإشارة بخاصة إلى بلاد القبائل). على أنه حدث، حتى قبل حرب سنة ١٩١٤ أن طالب الراى العام بتحرير هذا النظام. وكان بعض هذا هو الغرض من إصلاح عام ١٩١٩ الذي أقام "جماعات" منتخبة داخل "الناحية المختلطة". وقد حاولت الإدارة من بعد، دون حذر، أن تخرج من هذه الجمعيات الأولى بتطوير بلدى كانت هي نواته.
أما عن بلاد الجزائر، فالأقاليم البربرية فيها، وخاصة بلاد القبائل، هي بلا شك المناطق التي لاحظ أول الملاحظين فيها السمات الناطقة بهذه
стр. 3139
الجهود الجماعية، فالتجمعات (والصيغ المختلفة لهذا الاسم) التي كانت تشمل جميع البالغين ولا تحفل بالمؤثرات الشخصية أو الأسرية بل هي أشبه بمجلس للشيوخ منها بجماعة المواطنين، كانت تجتمع بانتظام وتناقش جميع الأمور التي تهم القرية وتبدى حيوية بقيت جنبًا إلى جنب مع الحياة الرسمية، حتى لقد بلغ من شأنها أنها استمرت تمارس نفوذا في بعض الحالات، عن طريق تنسيق القوانين وهي وظيفة من المعترف به أنها من شأن القانون العام.
ولكن الذي حدث في بلاد مراكش، في اطلس العليا والوسطى، أن البحث أسفر عن أن هذا النظام يعمل في أنقى صورة. وثمة موضوع مستمر للبحث القائم حتى اليوم هو استخراج الأثر الثلاثى لهذه العادات البلدية في الحياة السياسية التي أصبحت منظمة، في نطاق الأحياء، في صورة ديمقراطية فورية، وفي الحياة القضائية التي تحكمها قواعد مفصلة تفصيلا عجيبًا، وفي حيازة الملكية. وقد عرف مسيو L.Millot سنة ١٩٢٢ الجماعات بأنها "الجماعات التمثيلية على اختلاف تجمعها، من قبائل، وفروعها، والدوار، والأسرة، التي يتكون منها المجتمع الإسلامي في مراكش. وهذه التجمعات تمارس في قطائع شاسعة من الأرض حقوقًا تتميز بالعمل في ضرب من الزراعة مع ترك مساحات متناثرة على نطاق واسع من الأرض التي تستخصب بتركها بورا، والمراعى. .".
وهذه النظرة الاقتصادية التي تثير التنافس بين نظامين من نظم الزراعة هما النظام الأوربى والنظام الوطنى، نظام التركيز ونظام التوسع، قد كانت خلال العصر الاستعمارى كله مشغلة للمشرع ورجل الإدارة والقاضي بحكم آثارها الواقعية على الحياة العملية. وقد عكست التعريفات القضائية المراحل المتعاقبة للإجراءات التي اتبعت واتخذت اتجاها خاصًّا في بلاد الجزائر (أرض العرش أو السابقة) وفي مراكش (بلاد إجماعه [بلاد الجماعة]) وأخيرًا في بلاد تونس حيث بلغت الأحكام- فيما يظهر- أخر تطوراتها. على أن بلاد
стр. 3140
تونس تزودنا بالمثل الذي يكشف بأجلى بيان عن هذه الصورة من صور الملكية وخطرها، تلك الصورة التي تتعرض للفساد من كل ناحية، ويتكشف لنا ذلك من خلال التدخل الذي وقع بين الملكية الخاصة للضياع، والملكية الجماعية والمؤسسات الدينية أو الحبوس.
والمدلول الفقهى للجماعة -الذي ارتفع إلى مجلس شيوخ قبلى صغير ومجلس شيوخ حي- قد أثار في بلاد مراكش تطورًا كان يتخذ صورته في بداية الحماية وأدى إلى اكتسابه اختصاصًا لا يقتصر على الملكية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى وقت الظهير البربرى المشهور الصادر في ١٦ مايو سنة ١٩٣٠ الذي استنكرته فورًا المعارضة الوطنية يؤيدها الرأى العام الإسلامي في جميع أرجاء العالم، وعدته هجومًا على الشريعة. وكان من أول الاجراءات التي اتخذتها مراكش بعد ظفرها بالاستقلال هو من ثم إلغاء هذا الظهير، وقد كانت إقامة قضاة غير متخصصين سببًا عارضًا أسهم في التقدم نحو التجديد.
وصفوة القول أن هذه المخاطر في هذا التاريخ الطويل، أيا كانت قد ساعدت على توكيد هذه الصلة الوثيقة التي تقرن، في المغرب الريفى استعمال هذا المصطلح ببذل بعض صور الجهود التي قامت بها الجماعات وارتباطات هذه الجماعات بالأرض. وهذه الصور، التي تميزت حتى ذلك الوقت بخاصيتها التي قوامها الفوضى، قد أخذت في يومنا هذا تكيف نفسها بحاجات زراعة أكثف وإدارة لا مركزية. وهذا هو السبب، وخاصة في مراكش، الذي يجعلنا نجد الجماعة دائما هي الموضوع الجوهرى في برامج الإصلاح. ومن الممكن، بالتوفيقات الاجتماعية العجيبة، أن تعتمد بعض التطورات المعاصرة على الإمكانيات البلدية الواسعة التي تنطوى عليها، في المغرب، الجماعة، وهي كلمة قديمة وحقيقة لها ماض عريق.
المصادر:
قانون الملكية: (١) Du: P. Lescure double regime foncier de la Tunisie . سنة ١٩٠٠.
стр. 3141
(٢) Les terres collective -: L. Milot (blad Djema a) etude de le gislation marocaine، سنة ١٩٢٢.
(٣) Des droits et actions: F. Dulou sur la terre arch ou sabga en Algerie سنة ١٩٢٩.
(٤) La propriete col- A. Guillaume lective au Maroc، سنة ١٩٦٠.
الإجراءات القضائية
(٥) Les djemaas ju-: A. Ribaut diciares berberes سنة ١٩٣٠.
(٦) مقالات وكتب شتى كتبها Henri Bruno. G. Surdon etc, سجلت في الملخص البارع الذي كتبه La Justice: J. Caille coutumigre au Maroc، سنة ١٩٤٥.
الإدارة والسياسة: علاوة على الكتاب الأساسي. Letourneux و Ha- La Kabylie et les coutumes ka-: noteau byles الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٨٣: ورسالة La Forma-: Masqueray tion des Cit, etc باريس سنة ١٨٨٦، انظر: (٧).
(٧) La commune: Maxine Champ mixte algerenne سنة ١٩٣٣، ص ١٢٧ وما بعدها.
(٨) Le douar, cellule ad-: H. Bemot ministrative de L Algerie du Nord سنة ١٩٣٨.
والصلة بين هذه النظريات المختلفة تنبعث من الدراسات الاجتماعية التي أكدت الخصائص الإقليمية المختلفة في المغرب، انظر بخاصة.
(٩) Les Berberes et le: R. Montagne Makhzen سنة ١٩٣٠.
(١٠) Les Institutions ka-: L. Millot byles في REI، سنة ١٩٣٢.
(١١) Le droit coutumier: G. Marcy Zemmnur سنة ١٩٤٩.
(١٢) Justice,: G. H. Bousaquet francaise et coutumes kabiles سنة ١٩٥٠.
(١٣) Structures sociales: J. Berque du Haut - Atlas، سنة ١٩٥٥.
(١٤) الكاتب نفسه نفسه. Droit froncier et integratian au Maghreb، في Cahiers internatianaux internationaux de sociologie سنة ١٩٥٨.
[برك J. Berque]
стр. 3142
جمال الدين الأفغانى
السيد محمد بن صفدر، من أبرز أعلام الإسلام في القرن التاسع عشر. وقد كان في رأى براون Browne فيلسوفًا وكاتبًا وخطيبًا وصحفيًا معًا، على أنه كان قبل كل شيء من رجال السياسة ينظر إليه مريدوه نظرتهم إلى وطنى كبير، وينظر إليه خصومه نظرتهم إلى مهيج خطير، وكان لجمال الدين أثر كبير في الحركات الحرة والحركات الدستورية التي قامت في الدول الإسلامية إبان العقود الأخيرة من السنين السوالف. وكان يرمى من إثارة الخواطر إلى تحرير هذه الدول من النفوذ الأوربى واستغلال الأوروبيين والنهوض بها نهوضا ذاتيًا من الداخل متوسلا في ذلك بإدخال النظم الحرة إليها، كما كان يهدف إلى جمع كلمة الدول الإسلامية بما فيها فارس الشيعية تحت راية خلافة واحدة، وإقامة إمبراطورية إسلامية قوية تستطيع الوقوف في وجه التدخل الأوربى.
كان جمال الدين بقلمه ولسانه من أكبر الدعاة إلى فكرة الجامعة الإسلامية، ومن أشدهم إيمانًا بها. وتصل أسرته نسبها بالحسين بن علي من جهة على الترمذي المحدث المشهور، ومن ثم أصبح حقيقًا بلقب "السيد". ولقد ذكر هو نفسه أنه ولد في أسعد آباد على مقربة من كنار من أعمال كابل في أفغانستان عام ١٢٥٤ هـ (١٨٣٨ - ١٨٣٩ م) من أسرة حنفية المذهب. على أن روايات أخرى تذهب إلى أنه طلع إلى الحياة في أسد آباد بالقرب من همذان من أعمال فارس، وأنه أراد التخلص من الاستبداد الذي كان يسود فارس فانتحل الجنسية الأفغانية. ومهما يكن من شيء فقد قضى جمال الدين السنين الأولى من طفولته وشبابه في أفغانستان، ودرس في كابل كافة العلوم الإسلامية العالية حتى بلغ الثانية عشرة كما صرف همه إلى دراسة الفلسفة والعلوم الرياضية على الأسلوب التقليدى المأثور في الشرق الإسلامي. ثم أمضى أكثر من سنة في الهند، وحج إلى مكة عام ١٢٧٣ هـ (١٨٥٧ م)، وما إن عاد من الحج إلى أفغانستان حتى دخل في خدمة الأمير
стр. 3143
دوست محمد خان، وقد اصطحبه دوست في حملته على هراة. وتوفى هذا الأمير فخلفه أمير شير على، وكان جمال الدين من خلصاء محمد أعظم أخي الأمير الجديد، فانغمس في النزاع الذي نشب حول ولاية العرش. ولما دالت دولة مولاه، وكان وزر له مدة قصيرة، صمم على الرحيل من أفغانستان. فتذرع أنه يريد الحج مرة أخرى (١٢٨٥ هـ = ١٨٦٩ م) وسافر إلى الهند وظل بها مدة قصيرة ثم قصد إلى مصر وأقام بها أربعين يومًا اتصل في أثنائها بالأوساط الأزهرية وألقى في داره دروسًا خاصة. ثم رحل إلى استانبول فبلغها سنة ١٢٨٧ هـ (١٨٧٠ م)، وكان قد سبقه إليها صيته العريض. فاستقبله وجوه القوم فيها استقبالا حارًا. وسرعان ما عين في مجلس التعليم، ودعى إلى إلقاء محاضرات في مسجد آيا صوفيا ومسجد أحمدية. وألقى السيد على الطلبة في دار الفنون وبمحضر كثير من علية القوم محاضرة في فائدة الفنون والصناعات، فذكر فيها النبوة وعدّها من مختلف الوظائف الاجتماعية، فانتهز الفرصة شيخ الإسلام حسن فهمى، وكان ينفس على السيد ازدياد شهرته ونفوذه، فرماه بالدعوة إلى آراء هدامة، إذ جعل النبوة من الصناعات. وعرف جمال الدين بالدسائس التي حاكها له خصومه، فاستقر عزمه على مغادرة استانبول، وتوجه إلى القاهرة فتلقاه أولو الأمر والطبقات المثقفة بالحفاوة والترحاب، وأجرت عليه الحكومة المصرية ١٢.٠٠٠ قرش سنويًا دون أن تطالبه بأداء عمل رسمى معين. فغدا مطلق الحرية يعلم الشباب الذين التفوا حوله في بيته ويلقى عليهم أحاديث حرة في فروع الفلسفة والدين العالية. ويرشدهم في الوقت نفسه إلى سبيل الكتابة والتحرير. أما في ميدان السياسة فقد أثر جمال الدين فيمن حوله، وسعى إلى إيقاظ الشعور الوطنى، وإثارة الرغبة في الحصول على نظم حرة ودستورية. وكان له أيضًا أثر في الحركة الوطنية التي شبت سنة ١٨٨٢ وأدت إلى ضرب الإسكندرية بالقنابل ووقعة التل الكبير واحتلال الإنجليز لمصر. وقد أخرج هذا المهيج الملهب للخواطر من مصر قبيل
стр. 3144
ذلك، أي في سبتمبر عام ١٨٧٩، ذلك أن جهوده السياسية كانت شجى في حلق الممثل البريطانى، كما كان بعثه للدراسات الفلسفية مثيرًا لحفيظة أهل الجمود في الأوساط الأزهرية، فنفى بسعاية الإنجليز من مصر، واعتقل في الهند، في حيدر أباد ثم في كلكته، ثم سمح له بمغادرتها بعد قمع فتنة عرابى، وألف رسالته في الرد على الدهريين في أثناء إقامته في حيدر أباد وقد عرفنا من مذكرة لولفرد سكاون بلنت (S. Blunt) الذي كان معنيًا بالسياسة المصرية (في براون Browne، ص ٤٠١) أمرًا لم يذره غيره من كتاب سيرة جمال الدين، وهو أن السيد خرج من الهند قاصدًا أمريكا وبقى فيها بضعة شهور، وكان في نيته أن يتجنس بالجنسية الأمريكية، والظاهر أنه لم ينفذ هذا العزم، ونجده في سنة ١٨٨٣ في لندن، وقد أقام فيها زمنًا قصيرًا، وغادرها إلى باريس فمكث بها في صحبة صديقه وتلميذه الوفى محمد عبده الذي أصبح فيما بعد مفتى الديار المصرية، وأوقف قلمه على مناهضة التدخل الإنجليزى في مصائر الشعوب الإسلامية، ورحبت أمهات الصحف وأوسعها سلطانًا بمقالاته في سياسة روسيا وإنجلترا في الشرق وسير الأمور في مصر وتركية ومغزى الحركة المهدية التي قامت في السودان آنئذ، واهتمت الدول ذات الشأن بمقالاته هذه اهتمامًا كبيرًا.
وفي ذلك الوقت أيضًا ثارت بينه وبين إرنست رينان مناظرة بصدد محاضرة ألقاها رينان في السربون عن الإسلام والعلم زعم فيها أن الإسلام لا يشجع البحث العلمي، وأراد جمال الدين أن يرد على رينان، فكتب مقالا ظهر أولًا في "جورنال ده دبا Journal des Debats" (نشر أيضًا باللغة العربية- انظر مصادر هذه المادة) ولا باس من أن نشير في هذا المقام إلى أن محاضرة رينان قد ترجمها بُعيد ذلك إلى العربية حسن أفندى عاصم وطبعت في القاهرة على الحجر مصحوبة برد في تاريخ غير معلوم. على أن معظم نشاط جمال الدين في باريس سواء في ميدان التأليف أو السياسة كان منصرفا إلى
стр. 3145
صحيفة عربية كان يحررها بالاشتراك مع محمد عبده (المحرر الفعلى) وهي العروة الوثقى، وكانت تصدر على نفقة نفر من الهنود المسلمين وتحمل على سياسة الإنجليز في البلاد الإسلامية، وخاصة الهند وهصر، حملة شعواء، وصدر العدد الأول من هذه الصحيفة في الخامس عشر من جمادى الأولى عام ١٣٠١ هـ (١٣ مارس سنة ١٨٨٤ م) وقد صادرتها السلطات الإنجليزية في الشرق ومنعت دخولها في مصر والهند، وإنما كان يتيسر ذلك بإرسالها إلى من يراد التأثير فيهم في غلاف محكم (هكذا ذكر جمال الدين نفسه) ولم تعمر هذه الصحيفة طويلا بالنظر إلى هذه العقبات التي صادفتها، فلم يصدر منها جمال الدين ومحمد عبده إلا ثمانية عشر عددًا في ثمانية شهور، وقد صدر العدد الأخير في السادس والعشرين من ذي الحجة عام ١٣٠١ هـ (١٧ أكتوبر سنة ١٨٨٤) ومع ذلك فقد كان لها شأن عظيم في إذكاء الآراء الحرة المناهضة للإنجليز في الأوساط الإسلامية، بل يمكن أن تعد باكورة الحركات القومية في الممتلكات الإسلامية التابعة [آنئذ] فقد أخذ ساعد هذه الحركات يشتد بفضلها شيئًا فشيئًا، وظلت العروة الوثقى حافظة لشأنها إلى يومنا هذا، وشاهد ذلك أن حسين محيي الدين الحبال محرر جريدة أبابيل قد أعاد منذ عهد قريب (١٣٢٨ = ١٩١٠ م) طبعة جديدة منها بعد انقضاء ربع قرن على صدورها، وتولى طبعها نسيب أفندى صبرة.
وقد كان جمال الدين يثير الخواطر على الإنجليز علنًا وفي غير مواربة، إلا أن قادة الساسة الإنجليز قبلوا بوساطة بلنت أن يدخلوا في مفاوضات شخصية مع جمال الدين لإخماد حركة المهدي في السودان، ولكن هذه المفاوضات لم تنته إلى نتيجة عملية. وكان استيقاظ جمال الدين همم الشعوب الإسلامية قد أثر في القاصى والدانى، فما إن مضى بعض الوقت حتى تلقى دعوة بالبرق (١٨٨٦ م) تستقدمه إلى بلاط الشاه ناصر الدين في طهران، فاستقبل هناك بحفاوة بالغة وتبجيل عظيم وأسندت إليه المناصب السياسية العالية، ولكن هذه الحال لم تدم طويلا إذ سرعان ما
стр. 3146
ساورت الشاه الشكوك من نحوه وضاق ذرعًا بسلطانه الآخذ في النمو وشهرته الآخذة في الاتساع، فلم يجد جمال الدين بدا من الرحيل عن فارس متذرعًا باعتلال صحته، فذهب إلى روسيا وهناك دخل أيضًا في مفاوضات سياسية. وبقى في الروسيا إلى أن حلّت زيارته لمعرض باريس الذي أقيم عام ١٨٨٩ فقابل الشاه، الذي كان في أوربا آنئذ، في ميونخ وأغراه الشاه باصطحابه إلى فارس ولكن جمال الدين استطاع أن يبلو في هذه الزيارة الثانية كيف يتلون الحاكم الشرقي وتتقلب أهواؤه.
وقد استبان له ذلك كما لم يستبن من قبل، فقد أولاه الشاه في أول الأمر كامل رضاه وعظيم ثقته، ولكن كبير الوزراء ميرزا على أصغر خان أمين السلطان كان يطوى في صدره لجمال الدين سخيمة من السخائم، كما إنه آنس في شخص هذا العالم الغريب المستفيض الشهرة منافسًا له، فأخذ يكيد له حتى حوّل قلب الشاه عنه مستغلا في ذلك خاصة مشروعًا لجمال الدين في إصلاح القوانين، وأحسّ جمال الدين بالخطر يحدق به فأوى إلى ضريح الشاه عبد العظيم بالقرب من طهران، وكان يعد ملجأ لا تنتهك له حرمة، وأقام به سبعة شهور إلتف فيها حوله فريق من مريديه يستمعون إلى آرائه في إصاوح حال البلاد التي أذلها الطغيان، وظل على ذلك إلى أن استثار كبير الوزراء الشاه فانتهك حرمة الضريح التي كان يرعاه الناس جميعًا، وأنفذ إليه مستهل عام ١٨٩١ خمسمائة فارس مسلحين، فقبضوا عليه وكبلوه بالأغلال غير مبالين بضعف صحته، وسيق في عز الشتاء إلى بلده خانقين على التخوم بين فارس وتركية، ثم خرج من خانقين ميمما شطر إنجلترة للمرة الثانية، وتخلّف في البصرة أمدًا قصيرًا، وهناك، أي في إنجلترة، أثار بمحاضراته ومقالاته حملة شعواء على حكم الإرهاب في فارس، على أن طرد جمال الدين على هذه الصورة البشعة كان حافزًا إلى جمع صفوف حزب الإصلاح وباعثًا له على الجهاد العلنى، وهو أمر كان جمال الدين نفسه دائبًا
стр. 3147
على الدعوة إليه في رسائله التي كان يبعث بها بعد نفيه إلى الأشخاص ذوي النفوذ، وقد حفز الهمم إلى العمل تنازل الحكومة الفارسية لطائفة من الماليين الإنجليز في مارس سنة ١٨٩٠ عن حق احتكار التبغ، فحرمت البلاد موردا من موارد الدخل الهامة لصالح المستغلين الأجانب، فانتهز جمال الدين هذه الفرصة وأرسل من البصرة إلى ميرزا حسن شيرازى شيخ المجتهدين في سامراء رسالة مثيرة نبّه فيها الأذهان إلى أن الحكومة الفارسية تبدد موارد الدولة فتغدقها على أعداء الإسلام، ذلك أن المنح الهامة التي كيلت للأوربيين قد كفلت لهم السيطرة الاقتصادية على البلاد، وياليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن الحكومة شرعت تسلم لهم باحتكار التبغ في فارس، وقد أشار جمال الدين أيضًا إلى سوء الحكم في فارس وقسوته، وخاصة حكم على أصغر خان، وقد استكثر من الضرب على النغمة الدينية لإثارة هذا الشيخ الدينى الكبير وزملائه وحملهم على التدخل باسم الدين تدخلا حاسما (وهذه الرسالة منشورة في المنار، جـ ١٠، ص ٢٨٠ وما بعدها، ومترجمة إلى الإنجليزية في Browne: كتابه المذكور آنفا، ص ١٥ - ٢١)، وكانت النتيجة المباشرة لسعى جمال الدين أن أفتى المجتهد بتحريم تدخين التبغ على كل مؤمن ما لم تبطل الحكومة اتفاقها الخاص بالتبغ. واضطرت الحكومة إزاء مناهضة الشعب لهذا الاتفاق إلى إلغائه، ودفع تعويض كبير لأصحاب الامتياز، وكان من أثر تهييج جمال الدين للخواطر أيضًا أن اتسع نطاق حركة الإصلاح سريعًا، وظاهرتها الأوساط الدينية في فارس، وأدى تهييجه كذلك إلى قتل الشاه ميرزا محمد رضا بيد تلميذ من تلاميذ جمال الدين في الحادي عشر من مارس سنة ١٨٩٩.
وأقام السيد في لندن فترة قصيرة (١٨٩٢ م) كان نشاطه السياسي في أثنائها جمًا، وقد بلغته آنئذ دعوة مكتوبة من السلطان عبد الحميد على يد السفير التركى في لندن رسم باشا يطلب إليه فيها الاستقرار في الاستانة ضيفًا عليه، فقبل جمال الدين دعوة
стр. 3148
السلطان في شيء من التردد، وأجرى عليه معاش شهرى قدر ٧٥ جنيهًا تركيًا وأنزل بيتًا جميلا على ربوة نشان طاش بالقرب من قصر يلدز السلطانى، وعاش فيه منعمًا كالأمراء يلقى أولئك الذين يلتمسون حديثه الملهم، وقد قضى في هذا البيت السنوات الخمس الأخيرة من حياته "ينعم بآيات من عطف عبد الحميد ورضاه، ويشقى بأحابيل لا تحصى من دسائس كانت تحيكها حوله بطانة السلطان، وكم سعى إلى الاستئذان في الرحيل فكان يرد دائمًا، وعاش في البيت الجميل الذي أفرد له وكأنما كان هذا البيت قفصًا من ذهب": وتلكم حاله بنشان طاش في يونيه سنة ١٨٩٦ كما وصفها زائر ألمانى، أما الدسائس التي انغمس فيها أعداؤه فيمكن معرفة كنهها من قول جمال الدين نفسه لزائر ألماني آخر: "كان الخديو الشاب عباس باشا قد وفد على استانبول لأول مرة وأراد أن يتعرف إليّ ولكنهم سعوا إلى الحيلولة بينه وبينى، ولا أدرى من قال حينئذ للخديو أننى جريت على الذهاب إلى المياه الحلوة عصر كل يوم، وحضر الخديو إليها، وكأنما ساقته المصادفة إلى ذلك، فأقبل نحوى وقدم نفسه إليّ وتحدثنا ربع ساعة، ونقل ذلك إلى السلطان، وقيل له إن لقاءنا الذي تم مصادفة كان مدبرًا من قبل، وزادوا على ذلك أننى قلت في حديثى مع الخديو إنه الخليفة الحق، ومع ذلك فلم يكن السلطان لتؤثر فيه آنئذ مثل هذه السعاية"، وازداد موقف جمال الدين حرجًا وبخاصة بعد قتل الشاه، ذلك أن خصومه في فارس أذاعوا في الناس أنه هو الذي كان يدبر من استانبول المؤامرة على الشاة، وأنه هو الذي دفع القاتل إلى هذه الفعلة، وكان من أنصاره المخلصين، ولم يكن السلطان ليرضى بتسليم جمال الدين إلى أعدائه، ومع ذلك فإن وشاياتهم به وتقولاتهم عليه أخذت تحدث أثرها شيئًا فشيئًا، وكان أبوالهدى أشد خصومه خطرًا وأوسعهم شهرة، كما كان في الوقت نفسه أعظم رجال الدين في البلاط نفوذًا وأعلاهم كلمة عند السلطان، ولما توفى جمال الدين في التاسع من مارس عام ١٨٩٧ إثر سرطان أصابه أولًا في ذقنه ثم جاوزها إلى سائر
стр. 3149
وجهه- تهامس الناس بأن أبا الهدى قد حرض عليه من دس له السم، وثوى جمال الدين بمثواه الأخير بنشان طاش.
ولم يكتب جمال الدين كثيرًا في مسائل الدين الإسلامي والفلسفة الإسلامية على الرغم من تعمقه فيهما، ولنذكر له في هذا المقام رسالته في الرد على الدهريين التي نشرت بثلاث لغات؛ ولجمال الدين أيضًا رسالة موجزة ألم فيها بتاريخ الأفغان وعنوانها تتمة البيان (طبعت على الحجر بالقاهرة طبعة مجهولة التاريخ، ص ٤٥ وما بعدها)، وهو إلى ذلك صاحب مادة البابية في دائرة معارف البستانى، وقد صرف السيد معظم جهده في نشر مقالات سياسية مهيجة للخواطر، ولجمال الدين أثر آخر علاوة على العروة الوثقى، فقد ساهم في إنشاء ضياء الخافقين وهي مجلة شهرية تصدر بالعربية والإنجليزية، وضرب في تحريرها بسهم وافر، فكان يكتب المقالات باسم السيد أو السيد الحسينى، وقد حمل فيها على الشاه أعنف الحملات ودأب على التحريض على خلعه، وندد بوزرائه وسوء حكمهم تنديدًا شديدًا.
المصادر:
(١) The Persian Rev-: E.G.Browne lution of ١٩٠٥ - ١٩٠٩. كمبردج سنة ١٩١٠، وفي هذا الكتاب سيرة لجمال الدين مفصلة موثوق بها وتقدير له ومراجع وافية وصورة للسيد في مطلع هذا السفر.
(٢) وله سيرة تضمنها الجزء الأول من كتاب محمد رشيد رضا في الإمام محمد عبده (تاريخ الأستاذ الإمام) القاهرة ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٠٧ م.
(٣) Vollers في - Zeitschr. du. D. Mor genl، جـ ٣، ص ١٠٨.
(٤) Massignon في Revue de Monde Musulman جـ ١٢ (سنة ١٩١٠)، ص ٥٦١ وما بعدها.
(٥) L'Islamisme et al: Ernest Renan Science, محاضرة ألقيت في السربون في التاسع والعشرين من مارس عام
стр. 3150
١٨٨٣, وقد نشر نقد جمال الدين لمحاضرة رينان ورد رينان على هذا النقد في بال وبرنهايم عام ١٨٨٣، وكتب عن هذا النقد أنه للأفغانى , Scheik Dienzmal Eddins" (! ) وقد نشرت محاضرتان لجمال الدين عن التعليم والصناعة في جريدة مصر (الإسكندرية، ٥ جمادى الأولى عام ١٢٩٦ هـ). ونشرت له أيضًا مقالتان عن الحكومة الإستبدادية في المجلد الثالث من المنار، وثمة مادة غزيرة من مواد سيرته منشورة فيما كتب في المجلات خاصًّا بأحاديث جمال الدين ومقابلاته، ونذكر بصفة خاصة من الأوصاف التي ذكرت عنه في الألمانية المقالتين اللتين نشرتا في Berliner Tage- blatt عدد يونية سنة ١٨٩٦ (طبعة المساء) وفي BeilaRe zur Alljemeinen Zeitung (ميونخ، ١٤ يونية سنة ١٨٩٦) وقد استقينا منهما بعض الشواهد التي وردت في صلب المادة.
[كَولدتسيهر I. Goldziher]
الجمرة
الجمرة في الأصل الحصاة، وهي تطلق خاصة على أكوام الحجارة في وادي منى التي تتجمع من الجمار يرمى بها الحجيج في عودتهم من الوقوف بعرفة. وثمة ثلاث جمرات كل منها على رمية سهم من الأخرى: الجمرة الأولى (أو الدنيا) وهي إلى الشرق بالقرب من مسجد الخُيف؛ والجمرة الوسطى في الوسط؛ وجمرة العقبة عند المخرج الغربي للوادى، وتكتنف الجمرتين الأوليين أعمدة من الحجر الغليظ ويكتنف الثالتة سور، ويطلق اسم المُحَصَّب كذلك على الجمرة، وهو أيضًا اسم واد بين مكة ومنى. ويرمى الحجاج الجمرة الثالثة، أي الغربية: بسبع حصيّات يوم الأضَحى قبل النحر في العاشر من ذي الحجة. وهم يعودون ثانية إلى منى بعد الطواف بالكعبة ويرمون قبل غروب كل يوم من أيام التشريق الثلاثة سبع حصيات على كل جمرة من الجمرات الثلاث. ويقول الحجاج عند رمى كل حصاة "باسم الله، الله أكبر"، وعلى
стр. 3151
الحجاج أن يتزودوا قبل ذلك بالجمار، على أن بوركارت Rurckhardt بقول إنهم لا يكلفون أنفسهم هذا العناء لأنهم يستعملون الجمار التي رماها غيرهم. وكان رمى الجمار من الأغراض المحببة التي يقول شعراء الغزل من بنى أمية الشعر فيها، ذلك أن النساء كن إذا رمين الجمرات أزحن النقاب قليلا عن وجوههن (١) (انظر كتاب الأغانى، جـ ٦، ص ٣٠" ياقوت جـ ٤، ص ٢٤٧؛ الكامل للمبرد، طبعة Wright ص ١٦٦؛ س ١٣، ص ٣٧٠، س ٨ وما بعده).
ورمى الجمرات شعيرة لم يُنص عليها صراحة في القرآن، ولكنها ذكرت في سير النبي [ ﷺ ] وفي الحديث (نظر ابن هشام ص ٩٧٠؛ الواقدي، طبعة فلهاوزن، ص ٤١٧، ٧٢٨ وما بعدها؛ ابن سعده جـ ٣، ص ١، ١٢٥، جـ ٨ ص ٢٢٤ وما بعدها) وقيل أنه في أيام الوثنية، كانت لدى الجمرات -كما في رواية ابن هشام- أنصاب مخضبة بالدماء تنحر عندها الأضاحي (٢) (ابن هشام، ص ٥٣٤، س ١٧ حيث يجب أن تكون القراءة الصحيحة في هذا الموضع هي مغرى كما يقول فلهاوزن) (٣). وانظر أيضًا ما جاء في قصيدة للفرزدق من ذكر للحجارة التي كانت تعبد في المحصب (ديوان الفرزدق، طبعة , Boucher، ص ٣٠).
стр. 3152
ولاحظ بوركارت أن الغرض الذي رمى إليه المسلمون من الشعيرة هو حماية أنفسهم من الشيطان، وقد أصاب بذلك كبد الحقيقة من حيث أن الرمي بالحصى كان يعد أصلا في بلاد العرب -كما في غيرها - شعيرة تقوم على صب اللعنات (١).
وليس بواضح المقصود بهذه اللعنة، ويذهب فإن فلوتن إلى أنه شيطان المكان مستذكرًا في ذلك الرواية التي ذكرها ابن هشام (ص ٣٠٠، س ٨) أما هوتسما فيقول- تمشيا مع رأيه في أن الحج كان في الأصل من مناسك الخريف- أن المقصود باللعنة والطرد هو الشمس، وكان العرب يسمونها أحيانا الشيطان (انظر Abhandlungen Z. Arab- Philo: Goldziher, ج ١، ص ١١٣). وإنما يكون الفصل في هذه المسألة- بطبيعة الحال- عند مناقشة موضوع الحج بأسره. والاقتصار في يوم النحر، وهو يوم عيد الأضحى. على رمى جمرة العقبة في حين لا ترمى الجمرتان الأخريان إلا في المناسك الأخيرة من الحج، يوحى بأن هاتين الجمرتين ليس لهما إلا أهمية ثانوية، ويعزز هذا الرأى أيضًا وصف الواقدي (طبعة فلهاوزن، ص ٤١٧) لحجة أبي بكر، على أنه يجب علينا ألا نغفل أن ذكر الحجارة التي يضحى عندها إلى جانب الجمرات ليس مقصورًا على بيت الشعر الذي أورده ابن هشام، وقد ذكرناه آنفا، بل إن حسان بن ثابت يطلق في إحدى مراثيه للنبي على جمرة العقبة اسم الجمرة الكبرى، وهذا يدعو إلى الظن بوجود جمرات أخرى (انظر سيرة ابن هشام، ص ١٠٣، س ١٧.
المصادر:
(١) Arab. Lex.: Lane جـ ١، ص ٤٥٣.
(٢) المقدسي: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٧٦.
(٣) البكرى: Gerogr. Worterbuch طبعة فستنفلد، ص ٢٤٥.
(٤) معجم البلدان لياقوت، طبعة فستنفلد، جـ ٤، ص ٢٤٦ وما بعدها، ٥٠٨.
стр. 3153
(٥) البخاري كتاب الحج، باب رمى الجمار.
(٦) جامع الترمذي، طبعة دهلى سنة ١٣١٥ هـ، جـ ١، ص ١٠٩ وما بعدها.
(٧) الأزرقي، (طبعة فستنفلد: Chro- niken der Stadt Mekka جـ ١، ص ٤٠٢ - ٤٠٥).
(٨) Reisen in Arabien: Burchkardt . ص ٤١٤ وما بعدها.
(٩) Pilgrimage: Burton؛ فصل ٢٨.
(١٠) Het Mek-: Snuck Hurgronje kaanischek Feesi، ص ١٩٥ - ١٦١، ١٧١ وما بعدها.
(١١) V. Vloten في Feestbundel aan de Goeje سنة ١٨٩١، ص ٣٣ وما بعدها وفي Wiener Zeitschr.f.d. Kunde des Morgen جـ ٧، ص ١٧٦.
(١٢) Houtsma في Verslanen en Med- edeelingen d. Kon Akad. V.Wetensch ١٩٠٤. جـ ٦، ص ١٤٥ وما بعدها.
(١٣) Reste Arab. Hei-: : Wellhausen dentums الطبعة الثانية، ص ١١١.
(١٤) Handbuch des Is-: Juynboll damischen Gestzes ليدن سنة ١٩١٠ ص. ١٥٥ - ١٥٧.
[بول Fr. Buhl].
جمع
تهدف هذه المادة إلى أن توضح أفكارًا عامة، وأن تظهر النظام الذي يندرج تحت التعبير النحوي للجمع واسم الجمع في العربية.
وتميز اللغة العربية بين:
١ - المفرد؛ ٢ - المثنى، ٣ - الجمع ٤ - اسم الجمع. وقد بذل النحاة العرب اهتمامًا كبير، بالأنواع الثلاثة الأولى: ا- المفرد الواحد؛ والمفرد يستعمل للاسم بمفهومه البسيط) في مقابل المركب الذي يطلق على الإسم المركب) كتاب المفصّل (فقرة ٤)، ولكنه يستعمل أيضًا للمفرد، وكذلك فرد ٢ - المثنى المركب من فردين؛ ٣ - الجمع لمجموعة من ثلاثة أو أكثر مع تقسيمات فرعية: الجمع السالم، والجمع المكسر. أما فيما يختص باسم الجمع فليس ثمة كلمة
стр. 3154
متفق عليها للتعريف به، وأما فيما يختص بالاسم المفرد فقد ميزوا بين: اسم الجنس الذي يعبر عن معنى الموحدة ويتكون بإضافة التاء المربوطة في آخره مثل "تَمْر" والمفرد "تمرة"، وبين "اسم الجمع " الذي يدل على الجماعة، ولكن ليس له اسم الموحدة أو غير ذلك من الأوزان التي تصوغه صياغة غير ما أسلفنا، وهو يتجرد من اسم المفرد مثل "قوم " وإن كان اسم الموحدة يتحصل بكلمة أخرى مثل: "إبل"، والمفرد "بعير" أو بوزن آخر من الجذم نفسه مثل "رَكْب " والمفرد "راكب".
ملاحظة: درس أ. فيشر (A, Fischer: -Die Terminologie der. arabischen Kol lektinnrmnina في مجلة Zeitschr, der . Deutsch murgerl. Gesells , سنة ١٩٤٠. ص ١٢ - ٢٤) "شبه الجمع" بمعني "اسم الجمع" والجمع "أشباه الجمع" وهما مصطلحان حديثان (أخذا من صاحب "بحث المطالب") شائعان في علوم النحو عند الأوربيين، ولكن يجب إهمال هذين المصطلحين، ويمكن رد "أسماء الجمع" إلى ابن يعيش (مثال ذلك، ص ٧٣٢. س ٦؛ وانظر "أسماء الجموع" في المفصل، فقرة ٢٨٥). وقد أدى اسم الجنس (اسم الجمع) إلى مشاكلة باسم الجنس (الاسم العام).
وكان الأشمونى المتوفى سنة ٩٠٠ هـ (١٤٩٤) قد عزف في زمانه اسم الجمع باسم الجنس الجمعى، وهو مصطلح شائع الاستعمال اليوم في مصر على ما يقول فيشر (ص ٢٠).
أولًا- الجمع السالم
١ - الجمع السالم للعقلاء:
(أ) بسبب تكوين اسم الفاعل واسم المفعول من أوزان مأخوذة من أفعال غير قابلة لأن تجمع جمع تكسير، فهما يجمعان بالضرورة جمعا سالما ما دام الأمر يتصل بالعقلاء: مُفَعِّلون، مُفعَلِّات إلخ؛ أما الوزن الرابع: مُفْعَل فإنه يمكن أن يجمع جمع تكسير، ولكن المرء لا يجد إلا قليلا من الشواهد على هذا (المفصّل، فقرة ٢٥٢)، ويكون الجمع السالم هو المناسب لذلك. أما أوزان فَعَال وفَعيَل، وفُعَّال (مع استثناء واحد للقاعدة، انظر المفصل، المصدر المذكور)
стр. 3155
فإنها لا تجمع إلا جمعا سالم للعقلاء. وكذلك الصفات الموصولة فيقال "مصريون" و"مصريات" وهذه التركيبات مطردة.
(بـ) والجمع السالم للعقلاء هو الجمع الصحيح لفاعل ومفعول (اسم الفاعل واسم المفعول اللذان هما "الصفة" عند نحويى العرب بالضبط)، وذلك عن طريق وبسبب القيمة الفعلية التي يحتويانها في نظر هؤلاء النحويين؛ ويصدق هذا عليهما باعتبارهما من أسماء الأفعال. وبقدر ما يصبحان من الأسماء فإنهما يبتعدان من ثم عن أسماء الأفعال ويمكن أن يجمعا جمع تكسير. وهذه هي القاعدة التي تنجم من شرح ابن يعيش (ص ٦٢٥، وخاصة س ١٤ - ١٩) لموضوع جمع المذكر السالم (مع استثناءات أوردها المفصل، ص ٢٤٧ و ٢٥٢؛ وانظر أيضًا شرح الشافية، جـ ٢، ص ١١٦، س ٩ وما بعده).
(جـ) ويمتد ذلك إلى "الصفة المشبهة" والأوزان: فَعْل، فعْل، فُعْل، فَعَل، فَعل، فَعُل، فُعُل (المفصل، فقرة ٢٣٩؛ ابَن يعيش، ص ٦٢٥، س ٢٤؛ وانظر أيضًا ابن يعيش، ص ٦٢٦ - ٦٢٨) هي شواهد وحالات لجمع التكسير. أما عن الصفات العدة التي تأتى فيها حركة ممدودة بعد الجذم الثاني الساكن (مثل فَعول) فإن جمع التكسير هو المناسب لها (على خلاف الشواهد السابقة). ويمكن أن يأتي الجمع السالم، وخاصة في حالة وزن فَعيل للمبنى للعلوم (كريمون، كريمات) تمييزًا له من وزن فَعيل للمبنى للمجهول، فإنه لا يجمع هذا الجمع فيما يتصل بالعقلاء (انظر عن وزن أفْعَل: المفصل، فقرة ٢٤٩).
وهذا الموجز يكفى لإظهار نظرة العرب، ويبقى أن نستعين بالرسائل فنعرّف ما اصطلح عليه الكتاب أنفسهم وخاصة لمؤنث السالم لغير العقلاء مثل "وقدور راسيات" (القرآن، سورة سبأ، الآية ١٣)، و"في أيام معدودات" (القرآن، سورة البقرة، الآية ٢٠٣). وهذه الشواهد ليست شائعة، بل هي أقل شيوعًا من جمع التكسير (مثل "أيام قلائل").
ويجمع اسم المؤنث المفرد غير العاقل: "فاعلة" و"مفعولة" جمع تكسير