الحجاج أن يتزودوا قبل ذلك بالجمار، على أن بوركارت Rurckhardt بقول إنهم لا يكلفون أنفسهم هذا العناء لأنهم يستعملون الجمار التي رماها غيرهم. وكان رمى الجمار من الأغراض المحببة التي يقول شعراء الغزل من بنى أمية الشعر فيها، ذلك أن النساء كن إذا رمين الجمرات أزحن النقاب قليلا عن وجوههن (١) (انظر كتاب الأغانى، جـ ٦، ص ٣٠" ياقوت جـ ٤، ص ٢٤٧؛ الكامل للمبرد، طبعة Wright ص ١٦٦؛ س ١٣، ص ٣٧٠، س ٨ وما بعده).
ورمى الجمرات شعيرة لم يُنص عليها صراحة في القرآن، ولكنها ذكرت في سير النبي [ ﷺ ] وفي الحديث (نظر ابن هشام ص ٩٧٠؛ الواقدي، طبعة فلهاوزن، ص ٤١٧، ٧٢٨ وما بعدها؛ ابن سعده جـ ٣، ص ١، ١٢٥، جـ ٨ ص ٢٢٤ وما بعدها) وقيل أنه في أيام الوثنية، كانت لدى الجمرات -كما في رواية ابن هشام- أنصاب مخضبة بالدماء تنحر عندها الأضاحي (٢) (ابن هشام، ص ٥٣٤، س ١٧ حيث يجب أن تكون القراءة الصحيحة في هذا الموضع هي مغرى كما يقول فلهاوزن) (٣). وانظر أيضًا ما جاء في قصيدة للفرزدق من ذكر للحجارة التي كانت تعبد في المحصب (ديوان الفرزدق، طبعة , Boucher، ص ٣٠).
стр. 3152
ولاحظ بوركارت أن الغرض الذي رمى إليه المسلمون من الشعيرة هو حماية أنفسهم من الشيطان، وقد أصاب بذلك كبد الحقيقة من حيث أن الرمي بالحصى كان يعد أصلا في بلاد العرب -كما في غيرها - شعيرة تقوم على صب اللعنات (١).
وليس بواضح المقصود بهذه اللعنة، ويذهب فإن فلوتن إلى أنه شيطان المكان مستذكرًا في ذلك الرواية التي ذكرها ابن هشام (ص ٣٠٠، س ٨) أما هوتسما فيقول- تمشيا مع رأيه في أن الحج كان في الأصل من مناسك الخريف- أن المقصود باللعنة والطرد هو الشمس، وكان العرب يسمونها أحيانا الشيطان (انظر Abhandlungen Z. Arab- Philo: Goldziher, ج ١، ص ١١٣). وإنما يكون الفصل في هذه المسألة- بطبيعة الحال- عند مناقشة موضوع الحج بأسره. والاقتصار في يوم النحر، وهو يوم عيد الأضحى. على رمى جمرة العقبة في حين لا ترمى الجمرتان الأخريان إلا في المناسك الأخيرة من الحج، يوحى بأن هاتين الجمرتين ليس لهما إلا أهمية ثانوية، ويعزز هذا الرأى أيضًا وصف الواقدي (طبعة فلهاوزن، ص ٤١٧) لحجة أبي بكر، على أنه يجب علينا ألا نغفل أن ذكر الحجارة التي يضحى عندها إلى جانب الجمرات ليس مقصورًا على بيت الشعر الذي أورده ابن هشام، وقد ذكرناه آنفا، بل إن حسان بن ثابت يطلق في إحدى مراثيه للنبي على جمرة العقبة اسم الجمرة الكبرى، وهذا يدعو إلى الظن بوجود جمرات أخرى (انظر سيرة ابن هشام، ص ١٠٣، س ١٧.
المصادر:
(١) Arab. Lex.: Lane جـ ١، ص ٤٥٣.
(٢) المقدسي: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٧٦.
(٣) البكرى: Gerogr. Worterbuch طبعة فستنفلد، ص ٢٤٥.
(٤) معجم البلدان لياقوت، طبعة فستنفلد، جـ ٤، ص ٢٤٦ وما بعدها، ٥٠٨.
стр. 3153
(٥) البخاري كتاب الحج، باب رمى الجمار.
(٦) جامع الترمذي، طبعة دهلى سنة ١٣١٥ هـ، جـ ١، ص ١٠٩ وما بعدها.
(٧) الأزرقي، (طبعة فستنفلد: Chro- niken der Stadt Mekka جـ ١، ص ٤٠٢ - ٤٠٥).
(٨) Reisen in Arabien: Burchkardt . ص ٤١٤ وما بعدها.
(٩) Pilgrimage: Burton؛ فصل ٢٨.
(١٠) Het Mek-: Snuck Hurgronje kaanischek Feesi، ص ١٩٥ - ١٦١، ١٧١ وما بعدها.
(١١) V. Vloten في Feestbundel aan de Goeje سنة ١٨٩١، ص ٣٣ وما بعدها وفي Wiener Zeitschr.f.d. Kunde des Morgen جـ ٧، ص ١٧٦.
(١٢) Houtsma في Verslanen en Med- edeelingen d. Kon Akad. V.Wetensch ١٩٠٤. جـ ٦، ص ١٤٥ وما بعدها.
(١٣) Reste Arab. Hei-: : Wellhausen dentums الطبعة الثانية، ص ١١١.
(١٤) Handbuch des Is-: Juynboll damischen Gestzes ليدن سنة ١٩١٠ ص. ١٥٥ - ١٥٧.
[بول Fr. Buhl].
جمع
تهدف هذه المادة إلى أن توضح أفكارًا عامة، وأن تظهر النظام الذي يندرج تحت التعبير النحوي للجمع واسم الجمع في العربية.
وتميز اللغة العربية بين:
١ - المفرد؛ ٢ - المثنى، ٣ - الجمع ٤ - اسم الجمع. وقد بذل النحاة العرب اهتمامًا كبير، بالأنواع الثلاثة الأولى: ا- المفرد الواحد؛ والمفرد يستعمل للاسم بمفهومه البسيط) في مقابل المركب الذي يطلق على الإسم المركب) كتاب المفصّل (فقرة ٤)، ولكنه يستعمل أيضًا للمفرد، وكذلك فرد ٢ - المثنى المركب من فردين؛ ٣ - الجمع لمجموعة من ثلاثة أو أكثر مع تقسيمات فرعية: الجمع السالم، والجمع المكسر. أما فيما يختص باسم الجمع فليس ثمة كلمة
стр. 3154
متفق عليها للتعريف به، وأما فيما يختص بالاسم المفرد فقد ميزوا بين: اسم الجنس الذي يعبر عن معنى الموحدة ويتكون بإضافة التاء المربوطة في آخره مثل "تَمْر" والمفرد "تمرة"، وبين "اسم الجمع " الذي يدل على الجماعة، ولكن ليس له اسم الموحدة أو غير ذلك من الأوزان التي تصوغه صياغة غير ما أسلفنا، وهو يتجرد من اسم المفرد مثل "قوم " وإن كان اسم الموحدة يتحصل بكلمة أخرى مثل: "إبل"، والمفرد "بعير" أو بوزن آخر من الجذم نفسه مثل "رَكْب " والمفرد "راكب".
ملاحظة: درس أ. فيشر (A, Fischer: -Die Terminologie der. arabischen Kol lektinnrmnina في مجلة Zeitschr, der . Deutsch murgerl. Gesells , سنة ١٩٤٠. ص ١٢ - ٢٤) "شبه الجمع" بمعني "اسم الجمع" والجمع "أشباه الجمع" وهما مصطلحان حديثان (أخذا من صاحب "بحث المطالب") شائعان في علوم النحو عند الأوربيين، ولكن يجب إهمال هذين المصطلحين، ويمكن رد "أسماء الجمع" إلى ابن يعيش (مثال ذلك، ص ٧٣٢. س ٦؛ وانظر "أسماء الجموع" في المفصل، فقرة ٢٨٥). وقد أدى اسم الجنس (اسم الجمع) إلى مشاكلة باسم الجنس (الاسم العام).
وكان الأشمونى المتوفى سنة ٩٠٠ هـ (١٤٩٤) قد عزف في زمانه اسم الجمع باسم الجنس الجمعى، وهو مصطلح شائع الاستعمال اليوم في مصر على ما يقول فيشر (ص ٢٠).
أولًا- الجمع السالم
١ - الجمع السالم للعقلاء:
(أ) بسبب تكوين اسم الفاعل واسم المفعول من أوزان مأخوذة من أفعال غير قابلة لأن تجمع جمع تكسير، فهما يجمعان بالضرورة جمعا سالما ما دام الأمر يتصل بالعقلاء: مُفَعِّلون، مُفعَلِّات إلخ؛ أما الوزن الرابع: مُفْعَل فإنه يمكن أن يجمع جمع تكسير، ولكن المرء لا يجد إلا قليلا من الشواهد على هذا (المفصّل، فقرة ٢٥٢)، ويكون الجمع السالم هو المناسب لذلك. أما أوزان فَعَال وفَعيَل، وفُعَّال (مع استثناء واحد للقاعدة، انظر المفصل، المصدر المذكور)
стр. 3155
فإنها لا تجمع إلا جمعا سالم للعقلاء. وكذلك الصفات الموصولة فيقال "مصريون" و"مصريات" وهذه التركيبات مطردة.
(بـ) والجمع السالم للعقلاء هو الجمع الصحيح لفاعل ومفعول (اسم الفاعل واسم المفعول اللذان هما "الصفة" عند نحويى العرب بالضبط)، وذلك عن طريق وبسبب القيمة الفعلية التي يحتويانها في نظر هؤلاء النحويين؛ ويصدق هذا عليهما باعتبارهما من أسماء الأفعال. وبقدر ما يصبحان من الأسماء فإنهما يبتعدان من ثم عن أسماء الأفعال ويمكن أن يجمعا جمع تكسير. وهذه هي القاعدة التي تنجم من شرح ابن يعيش (ص ٦٢٥، وخاصة س ١٤ - ١٩) لموضوع جمع المذكر السالم (مع استثناءات أوردها المفصل، ص ٢٤٧ و ٢٥٢؛ وانظر أيضًا شرح الشافية، جـ ٢، ص ١١٦، س ٩ وما بعده).
(جـ) ويمتد ذلك إلى "الصفة المشبهة" والأوزان: فَعْل، فعْل، فُعْل، فَعَل، فَعل، فَعُل، فُعُل (المفصل، فقرة ٢٣٩؛ ابَن يعيش، ص ٦٢٥، س ٢٤؛ وانظر أيضًا ابن يعيش، ص ٦٢٦ - ٦٢٨) هي شواهد وحالات لجمع التكسير. أما عن الصفات العدة التي تأتى فيها حركة ممدودة بعد الجذم الثاني الساكن (مثل فَعول) فإن جمع التكسير هو المناسب لها (على خلاف الشواهد السابقة). ويمكن أن يأتي الجمع السالم، وخاصة في حالة وزن فَعيل للمبنى للعلوم (كريمون، كريمات) تمييزًا له من وزن فَعيل للمبنى للمجهول، فإنه لا يجمع هذا الجمع فيما يتصل بالعقلاء (انظر عن وزن أفْعَل: المفصل، فقرة ٢٤٩).
وهذا الموجز يكفى لإظهار نظرة العرب، ويبقى أن نستعين بالرسائل فنعرّف ما اصطلح عليه الكتاب أنفسهم وخاصة لمؤنث السالم لغير العقلاء مثل "وقدور راسيات" (القرآن، سورة سبأ، الآية ١٣)، و"في أيام معدودات" (القرآن، سورة البقرة، الآية ٢٠٣). وهذه الشواهد ليست شائعة، بل هي أقل شيوعًا من جمع التكسير (مثل "أيام قلائل").
ويجمع اسم المؤنث المفرد غير العاقل: "فاعلة" و"مفعولة" جمع تكسير
стр. 3156
مثل "فائدة" وجمعها "فوائد"، و"مقصورة" وجمعها "مقاصير"، ولا يثير هذا آية مصاعب. ويبقى أن ندرس الجمع السالم للأسماء التي هي أسماء فحسب (ويدخل في ذلك أسماء الأعلام). وهذه الصعوبة التي لاحظناها آنفا بالنسبة للعقلاء قد نشأت على وجه الدقة من "الصفة" التي يمكن أن تصبح "اسما".
ب - الجمع السالم للأسماء وأسماء الأعلام.
(أ) أسماء الأعلام: إن مسألة العقلاء تؤثر بطبيعة الحال في استعمال جمع أسماء الأعلام والتصغير أيضًا. أما بالنسبة لجمع أسماء الأعلام فإن سيبويه (جـ ٣، فصل ٣٥٠) يترك للمرء الاختيار بين جمع التكسير والجمع السالم حين يكون الاسم قابلا لتكوين هاتين الصيغتين، مثل زيد (اسم علم مذكر) فإنه يجمع على "زيدون" و"أزياد"، و"زيود"؛ أما هند (وهو اسم علم مؤنث) فإنه يجمع على "هندات" (في لغة تميم) أو "أهناد" ولكن الجمع يكون بالألف والتاء المفتوحة لجمع أسماء الأعلام التي تنتهي بالتاء المربوطة، مثال ذلك: طلحة فإنها تجمع على "طلحات" (وهي في قول البصريين من مسائل الخلاف، ابن الأنبارى: كتاب الإنصاف، طبعة Weil. ص ١٨ وما بعدها).
وفيما يختص بالتصغير (مثل شويعر تصغير شاعر)، فلمذكر العقلاء: شويعرون، وشويعرات للمؤنث، وتستعمل الألف والتاء المفتوحة في جمع التصغير لغير العقلاء، فيقال في كتاب، وتصغيره كتيّب: كتيبّات.
(ب) الأسماء التي هي أسماء خالصة، فإن عددًا قليلا منها يعود إلى لاحقة الواو والنون: فالأسماء الثنائية مثل سنة تجمع على "سنون " وبعض الأسماء الذاتية مثل عالم تجمع على عالمون. واللاحقة الألف والتاء المفتوحة أكثر شيوعًا في الاستعمال، وهي تلحق بما يأتي:
١ - الأسماء المؤنثة التي تنتهي باللاحقة ألف وهمزة أو بألف مقصورة، فصحراء تجمع على "صحراوات"، وذكرى تجمع على ذكريات.
стр. 3157
٢ - أسماء الحروف الأبجدية، فألف تجمع على ألفات.
٣ - أسماء الشهور الإسلامية، فرمضان تجمع على رمضانات.
٤ - مصادر الأفعال المشتقة من أوزان الفعل المستعملة أسماء: فتعريف تجمع على تعريفات.
٥ - الأسماء الدخيلة: فاصطبل تجمع على اصطبلات، وكذلك ألقاب الرجال، فباشا تجمع على باشوات. واللغة الحديثة لا تزال تحمل هذا النهج مثل تليفون وتجمع على تليفونات.
٦ - الأسماء الثنائية: فسنة تجمع على سنوات، ثمة بعض الشواهد المتفردة بعضها كالأسماء المؤنئة: أرض وتجمع أرضات، وغيرها مذكرة مثل جماد وتجمع على جمادات.
٧ - ويمكن أن ندخل في ذلك استعمالا خاصًّا هامًا هو أن اسم الفاعل واسم المفعول من جميع أوزان الفعل، والصفات التي تنتهي بالألف والتاء المفتوحة تعد في حالتها بين بين، مثل "الصالحات" (القرآن، سورة البقرة، الآية ٢٥ و ٨٢ - الخ)، و"السيئات" (القرآن، سورة النساء، الآية ١٨؛ سورة الأعراف، الآية ١٥٣ الخ)، و"المخلوقات، الخ ولا يزال هذا الاستعمال قائمًا في العربية الحديئة مثال ذلك "المشروبات، وغيرها.
وصفوة القول أن الجمع السالم للعقلاء هو الجمع الصحيح للصفات الموصولة، ولاسم الفاعل والمفعول لفاعل ومفعول، ومُفْعَل (زد على ذلك أيضًا الأوزان التي لا تقبل إلا جمع التكسير) من الأوزان فَعْال وفَعيل، وفُعّال. أما الصفات ذات الحركة القصيرة والحركتين فإن جمع التكسير هي الصيغة المتعارف عليها (القياس) ولا ينسحبّ ذلك إلى الصفات الأخرى القابلة لمزيد من التغير. ومع الأسماء، فإن وصف العقلاء لا ينطبق إلا على أسماء الاعلام وصيغ التصغير. وفي هذه الدراسة الخاصة للعقلاء نجد الإشارة إلى فئة حقيقية تفعل فعلها في العربية الفصحى، وقد كان من الضروري أن نقررها.
стр. 3158
ب- الجمع السالم، والجمع للأعداد القليلة (جمع القلَّة).
ومن الأشياء التي يؤكد عليها النحويون العرب أن الحمع السالم هو جمع قلة (المفصل، فقرة ٢٣٥، ابن يعيش، ص ٦١١ - ٦١٢؛ وهذه الخاصية يمكن أن تمتد بأثرها إلى السابقة). ومن ثم فإن ثمة طريقة لأن نشرح، في بعض الحالات، وجود الجمع السالم مع جمع التكسير جنبا إلى جنب بالنسبة للكلمة الواحدة، مثال ذلك: قريات (جمع قلة) وقرى (جمع كثرة) والمفرد قرية. وهذا فيما يظهر يلاحظ بخاصة في جمع المؤنث السالم المنتهى بالألف والتاء المفتوحة، وأنه كان له من قبل) أثر في اللهجات؛ فجمع القلة الذي وصفه ستكليف (E.F. Sutctiffe في. A. Grammar of the Maltese Language، لندن سنة ١٩٣٦، ص ٣٦) من هذا النوع، وسوف نعود مرة أخرى لمسألة الأعداد القليلة فيما يتصل بجمع التكسير.
ثانيا- جمع التكسير
نصادف جمع التكسير يأتي عرضًا (كشأنه الذي لا يزال تحت الدرس) في اللغات السامية الغربية في الشمال) ى في العبرية الآرامية) (. Brockelmann: Precis، فصل ١٦٥). واللغات السامية الغربية في الجنوب هي التي استخدمت هذا النهج، وخاصة العربية) (لم يرد في Geeg إلاصيغ عشر فحسب من جمع التكسير)، ولكن من أين تشتق جموع التكسير هذه؟ أهى جمع مفرد يعقب صلة خاصة ببنية الكلمة؟ أم هي كلمات مستقلة إنما الرابطة بينها هي الرابطة البسيطة التي تكون بين المفرد والجمع وهذه الصلة المتعلقه ببنية الكلمة لا يمكن تقريرها: حتى في حالة المفر د " فُعْلة " وجمعها "فُعَل" فإن المسألة ليست واضحة ونحن نشاهد أن بعض جموع "فُعْلان" قد حصلت من لاحقة هي الألف والنون * × أخوان > إخوان> * جاران > جيران، ولكن الكلمات التي تجمع على هذا النحو تغيب في ثنايا حشد من جموع التكسير للوزن فعْلان مستقلة عن المفرد. ومن ثم اتخذَ كثير من المستشرقين الموقف الثاني (انظر Mominallildung: Barth ص ٤١٧ - ٤١٨). ونخرج من هذا بأن جموع التكسير ينظر إليها على ضوء
стр. 3159
أنها مشتقة من أسماء جمع تتصل بكلمات مجردة (وقد عزز M.Bravmann في Orientalia، ج ٢٢، سنة ١٩٥٣، ص ٧ - ٨ الرأى المعارض لذلك ولكن قوله غير مقنع).
وجموع التكسير أسماء جموع وضحها الجمع وهو أسماء جموع عبرت عن حشد، وبهذا الاستعمال للجمع أصبحت المشخصات متميزة في الحشد (انظر ما يلي رقم ٣). ويمكن إحصاؤها (أي يمكن إحصاؤها بدقة يحسب الأرقام المختلفة) أو بقيت على خلاف ذلك مجرد عدد غامض غير محدد، ونعنى بذلك صيغة منتهى الجموع.
والعقل البشرى يستطيع في يسر أن ينتقل من مرحلة اسم الجمع إلى صيغة منتهى الجموع، ذلك أنه مع كون هذا الجمع جمعًا حقيقيًّا، فإنه يستبقى عنصرًا دقيقًا من الجمع الأول بغموض وعدم تحديد المفردات التي يحتويها. وهذا يفسر كيف يتأتى في العربية أن ينظر المرء إلى الكلمة الواحدة دون وقوع تغيير في تركيب بنيتها من الداخل أو من الخارج، مرة على اعتبار أنها اسم جمع ومرة أخرى على اعتبار أنها صيغة منتهى الجموع. وقد ساق رضي الدين الاستراباذى (شرح الشافية، ج ٢، ص ١٩٦، س ١ - ٣) مثلًا طيبا على ذلك حين قرر في وضوح) أن "ملسم الجنس" (بمعنى اسم الجمع) للاسم المفرد المنتهى بألف وتاء مربوطة يجمع باللاحقة) ألف وتاء مفتوحة للأعداد القليلة ويستعمل الصيغة نفسها من غير اللاحقة الألف والتاء المربوطة للعدد الكبير، مثال ذلك نملة، فإنها تجمع نَمْلات (للعدد القليل) ونمل (للعدد الكبير). هذا هو المثل الذي ضربه (شرحه المذكور) ولو أن ثمة جمع تكسير للعدد هو نمال. وهذا التصور لمنتهى الجموع للعدد الغامض من المفردات يضيف عنصرا من التوضيح في هذا المثل وفي غيره مثال ذلك قوم (انظر ما يلي)، والجمع الصحيح يقيم صلة ومرحلة انتقال بين اسم الجمع والجمع.
ويظهر لنا أن الصلة بين أسماء الجمع وأسماء المعاني لا يمكن إنكارها،
стр. 3160
فاسم الجمع في طريقه لأن يصبح كلمة مجردة (ولا يمكن التوسع في ذلك هنا؛ انظر بحثى Traite، فصل ٧١)، وعلى العكس من ذلك الكلمة المجردة التي تصبح اسم جمع مثل "شباب" (وهي كلمة مجردة) و"شباب" (اسم جمع). ويثبت من ذلك أن اسم الجمع هو الصلة بين الكلمة المجردة وجمع التكسير، ولكن ليس كل الجموع تشتق من كلمة مجردة , أيمكن من ذلك أن ينكر المرء على اللغة الخلق المباشر لأسماء جموع الحشود الطبيعية تقابل أسماء المفردات للدلالة على أعداد قائمة بذاتها في هذه الحشود؟ ومن الخير ونحن بصدد جمع التكسير أن ندرس تعقد اسم الجمع الذي يشتق منه جمع التكسير، وهو تعقد يزيده تعدد أوزان أسماء الجمع التي دخلت في جمع التكسير.
ونحن نتساءل كيف تقررت العاوقة بين المفرد والجمع في جموع التكسير؟ لقد اتبعت قياسات معنوية مثل "فعْلَة" للحيوانات، وقياسات بنائية مثل ما يعرف بجمع الرباعيات، وتوسعات صرفة أيضًا قيست على الشيوع البسيط للوزن. وكل ذلك قد أختلف من إقليم لغوى إلى آخر إما بتغيير حدث في أزمنة مختلفة أو في زمان واحد على امتداد رقعة الجزيرة العربية المترامية الأطراف.
ووراء جموع التكسير تاريخ طويل معقد ليس لدينا بعد الوسائل للكشف عنه. ففي العربية الفصحى تبدو جموع التكسير حصيلة صيغت على النسق العام للتغيير الداخلى في بنية الكلمة. وثمة طريقة جيدة للدخول في هذه المسألة هي دراسة هذه الحصيلة في إطار التغير الداخلى في بناء الكلمة، بحسب المجموعة التي تتناول وذلك باتباع قاعدة أولية والتوسع فيها واتخاذ ذلك ضربا من الإلمام بالموضوع. وما من شك في أن الإلمام يبسط ويهمل التيارات المتعارضة، ولكننا لا نستطيع أن نجرده من كل قيمة في استحداث تصنيف منهجى يقوم على التطور العام للغة.
وعلى هذا النحو يستطيع المرء أن يميز أربع مجموعات رئيسية تنمو من
стр. 3161
داخلها بحسب مد الحروف، والتغيير الداخلى للساكن الجذمى الثاني أو باستعمال البادئة.
مجموعة (أ): فِعِلَ، فعال، فعالة (فعال+ ة)، أفعال (= ا = فعال، أو فعال > * / عال > أفعال، انظر ما يلي)، فعْلَة (= فعال+ ة أو التركيب الثانوى المناظر لفعال).
مجموعة (ب): فُعْل، فُعُل، فُعول، فُعو لة (فعول+ ة) أفْعُل (= * ا+ فعل)، فُعْلان (فُعْل+ أن).
مجموعة (ج): فِعْل، فعل (وهذه ليست إلا أسماء جمع)، فعلة (= فعل+ ة) أفْعلَة (= * ا + فعل+ ة)، أفْعلاء) = * ا + فِعِل+ اء) فِعْلَانَ (- فِعْل+ أن).
مجموعة (د): فُعَل، فُعَلة (= فُعَل+ ة) فُعَلَة (= فُعَل+ ة)، فَعَلاء (- فعل+ اء)؟ فُعَّل، فُعَّال.
ويخرج من ذلك: فَعْلى (= فعل+ ى)، وفَعَلَة (والراجح أنها: فَعْل+ ة)، وسنتناول جموع التكسير للرباعى بعدُ. ولكن فَعَل مثل خَدَم هو اسم الجمع وكذلك فعيل (مثل حمير)؛ وفَعَل للمفرد فَعْلَة (مثل حلقة وتجمع على حلق) هو أيضا اسم الجنس.
أما فيما يختص بفُعَل (والمفرد: فُعْلَة)، وفُعَل (والمفرد: فعْلَة) فإن النحاة العرب يسلمون بلا جدال بأنهما من جمع التكسير، وتنشأ هنا مشكلة فيما يتعلق بتطور هذين الوزنين: فُعَلات، وفعَلات. ترى أيعد ذلك جمع الجمع؟ (حَل بروكلمان Grundriss: Brocklmann، ج ١، ص ٤٣٠، ملحق ٢) أم تراه مجرد جمع سالم لفُعْلَة، وفعْلة (مع حركة إضافية تلحق بالجذم الساكن الثاني: انظر s Noeldeke في Zeitschrift Fuer Assyriologie ج ١٨، ص ٧٢). وقد اقترح نحاة العرب الحل الذي اصطنعه بروكلمان، وينكر ابن يعيش هذه الأقوال (ص ٦٣٠، س ٦ - ٨): ويقول إن فُعَلات وفعَلات التي تستعمل للعدد القليل (١) لا يمَكن أن تكون جمع الجمع، وهو نوع من الجمع يصح للعدد
стр. 3162
الكبير. ويمكننا أن نناقش هذه المسألة من بعد، فالموقف ليس واضحا، ولكن الحل، فيما يرجح، يلتمس في اتجاه الجمع السالم البسيط.
جمع التكسير للقلة
هناك تفرقة بين الجمع للعدد الكبير والجمع للعدد القليل (ويدخل في ذلك الأعداد من ٣ إلى ١٠) فيما قال به نحاة العرب بصفة عامة (انظر مثلًا: المفصَّل، فقرة ٢٣٥)، ولم يبتدع النحاة ذلك، ولكن إلى أي مدى حددوا ما كان استعماله مرنا، أو فرضوا تفرقة تنأى عن لغة الحديث التي لم تبق إلا في مأثور اللغة الرفيعة (الشعر)، هذا مالا نستطيع أن نقطع به. ولا شك أن دراسة استعمال الكتاب المختلفين سيأتي لنا بنتائج هامة، ونحن نعلم من قبل أن الشعراء لم يسيروا دائما على القواعد. ثم إن اللغة نفسها لم تزودنا دائما بالسبيل إلى ملاحظة هذه الجموع، مثال ذلك: قلم، فإننا لا نجد له إلا جمعًا واحدًا وهو أقلام (جمع العدد القليل)، وكذلك رسن وتجمع أرسان، وعلى العكس من ذلك فجد أن "رجل" تجمع على "رجا"، و"سبع" على "سباع" دون اللجوء إلى جمع العدد القليل (بحسب قول ابن يعيش، ص ٦١٢، س ١٤؛ فهو مثل سيبويه لا يميز أي جمع إلا سباع، انظر لسان العرب، ج ١٠، س ١٦). وما يعرف بجموع التكسير للرباعى عاجزة عن التعبير عن هذه التفرقة، مثال ذلك: "بُرْثُن" فهي تجمع على "براثن" (لجمع القلة وجمع الكثرة). ويستطيع المرء من هذا كله أن يتبين أن ثمة تغييرًا كبيرًا يطرأ في الاستعمال. ويبقى لنا أن نقول إن نحاة العرب قد قدموا للعدد القليل الأوزان: أفْعال، أفْعلُ، أفْعلَة (مع الاقتران كثيرًا بفعَال ثمُ فعال، ثم فعْلان للعدد الكبير)، وفعْلَة (وقلما تستعمل)، هذا بالإضافة إلى الجمع السالم الملاحظ فيما سلف. وهذا التقسيم الفرعى لجمع التكسير مشهور.
وبصرف النظر عن "فعْلة" التي ذكرناها أخيرًا، فإن الأوزان الأخرى (لجمع لقلة) لها خاصية دخول الهمزة في أولها. ويبدو لي أن هذه الهمزة ليست مقطوعة الصلة بمدلول قلة العدد،
стр. 3163
وهي تفعل فعلها بالمعنى اللغوي بادئة تدخل في تكوين الكلمة (على أن "أفْعلاء" لا تعد جمع قلة). وقد عدَّها بارث من قبل (Nominalbildung: Barth، ص ٤٢٢، س ١٦ - ١٧) "الأداة الخاصة لصيغة الجمع"، ولكنه لم يهتد إلى كيفية تفسير أصلها الدقيق. والظاهر أن الأمر يقتضي قيام بحث يفصح عن إمكان أن تكون الهمزة، التي هي أصلا حركة بادئة (في فعال > * فعال > أفعال) أصبحت من بعد همزة تتدخل في تكوين الكلمة قادرة على التعميم والامتداد إلى الأوزان الأخرى.
ما يسمى بجموع التكسير للرباعى
سنتناول ما يعرف بتركيب الرباعي تناولا مستقلا عن غيره، والواقع أن له خاصية ينفرد بها، فهو لا يشمل فحسب الرباعي بالمعنى الصحيح مثل "عَقْرَب"، بل يشمل أيضًا كلمات ذات ثلاثة حروف جذمية ساكنة يضاف إليها بادئة أخرى مثل "مَكْتَب" أو كلمات أخرى كثيرة ذات حركة ممدودة بعد الحرف الساكن الجذمى الأول أو الثاني مثل "فارس" و"عجوز"، وهكذا يصبح المصطلح "رباعى" غير صحيح، ولكنه مفيد، وهو- في الحق- لا يحدث أي التباس في مدلوله. وهذا الوزن من جمع التكسير له نمط واحد مفرد أي (يدل على الثلاثة أحرف الساكنة بالنقط): الفتحة، والألف، والكسرة، ويتبع التصريف الثاني (مسألة خاصة) وإذا طبقناه على الشواهد التي سقناها آنفا فإن القاعدة تكون: عَقَارِبُ، مَكاتِبُ، فَوَارسُ، عَجائزُ. وله تلك الميزة الكبيرة المعهودة وهي أنه في إمكانك أن تحدس النتائج في أغلب الحالات، على حين أن الأوزان الأخرى (المذكورة بالترتيب آنفا) لا تتيح لك في أغلب الأحيان إلا وزنًا أو وزنين لجمع التكسير في مفرد واحد، فيضيق المجال أمامك فلا تعرف كل كلمة إلا بجمعها.
وهذه خاصية متفردة، وهي بلاشك ذات أصل فريد أيضًا، ولكن ما هي؟ إن بروكلمان (Brockelmann في Grundriss، ج ١، حاشية ٤٣٤)، قد عجز في ذلك الوقت عن أن يجد أي تفسير لذلك، واقترح برافمان (M. Bravmann في Orientalia، المصدر المذكور، ص ٢٠)
стр. 3164
حلا صوتيا مبتدئا بأفعَالت المشتقة من فَعالة، وهذا الحل ليس مرضيًا فيما يظهر؛ ويمكن استعمال فعال، ولكن على نحو آخر، وذلك في حل سأصفه في إيجاز شديد هنا ولكنى سأتوسع فيه من بعد، وهو يقوم على هذه الخطوات: اتخاذ الوزن فَعال (اسم الجمع) للرباعى قياسا على الوزن فُعَيل (للتصغير) الذي يصبح "فُعَيلل" للرباعى، واتخاذ وزن " فُعال " الذي يصبح "فُعالل" (حتى للجذوم الرباعية للنمط ١٢١٢)؛ وهكذا يصبح وزن "فَعَال" (اسم جمع) "فَعالل" (اسم جمع). وهذا يزودنا باسم جمع للرباعى ويجعل من المستطاع في هذا النسق، أن تمثل الحيوانات التي لا تفتقر العربية إلى مدلولها بالاسم الرباعي. ومن ثم كان من المستطاع بالمعنى اللغوي تفسير "فعالل" بأنه قد زيد عليها الألف في بنيتها وهي خاصية تنتقل إلى غيرها، مثل وزن "فَعْلى" وهو اسم جمع (ومن ثم جمع تكسير لفَعلان) فإنه يمكن أن يصبح "فعاليَ " مثل كسلان وجمعها كسلى وكسالى؛ ولذلك فإن وزن " فَعالى" يفتح طريقا للانتشمار. وكان من اليسير اشتقاق جمع التكسير من اسم الجمع.
صور مختلفه: "فَعاليلُ" حين يشتمل الاسم المفرد الرباعي على حركة ممدودة في المقطع الثاني: عصفْور وتجمع على عصافير؛ "فَعَاليلُ" وهو تركيب مناظر ثانوى لي"فَعاليلُ" يستعمل بخاصة في حالة الأسماء الدخيلة الأصل، مثل "تلميذ" وتجمع على "تلاميذ"و" تلامذة".
٣ - اسم الجمع
من المهم أن تكون لدينا فكرة واضحة عن اسم الجمع. وأسماء الجمع ليست جموعا، ذلك أن الجموع تدل على جماعة من المخلوقات أو الأشياء المتميزة، أما أسماء الجمع فإنها على العكس من ذلك تدل على قدر أو مجموع من أشياء عدة مأخوذة من الوحدات المكونة لها (انظر Lexique de la tenninologie linguislique بقلم - J. Ma rouzeau، باريس سنة ١٩٣٣، ص ١٤٤، ١٤٥). واسم الجمع هو الحشد الذي تطمس فيه الشخصية المستقلة لتلك
стр. 3165
الأشياء التي "حشدت بعضها مع بعض" وهذا الحشد هو الذي نتصوره والذي يكون ضربا من المفرد كأنما هو وحدة، واسم الجمع الذي ينظر إليه هذه النظرة دون سواها لا يمكن الجمع إحصاؤه إلا إذا أراد المرء أن يدل على جمعية الموحدة التي تمثل الحشد المكون لعناصر هذا الجمع، وإذا أمكن إحصاء اسم الجمع ليدل علي جمعية الحشد فإن ذلك يكون دليلا على أن اسم الجمع لم يعد يدخل في فئة اسم الجمع بكونه جمعا، ذلك أن الشخصية المستقلة للأشياء المحشودة بعضها مع بعض قد أصبحت مميزة (انظر ما ذكرناه عن صيغة منتهى الجموع) ".
شرحنا في أول هذه المادة مصطلح العرب، ويبقى لنا بعد ذلك أن ندرس مسألة الجنس وتوزيع اسم الجنس على حشود العقلاء.
قلما يتكون اسم الجنس (اسم الموحدة المنتهى بالتاء المربوطة) للحشد الطبيعي من غير العقلاء (مثل نخل جمع نخلة) إذا قصد به الأشياء التي يصفها الإنسان. والجنس يمكن اعتباره مذكرا أو مؤنثا وفقا لما جاء في القرآن مثلًا (سورة القمر، الآية ٢٠؛ سورة الحاقة، الآية ٧). وهذا هو ما قال به المفصَّل (فقرة ٢٧١) (وابن يعيش) ص ٧٠١، س ٢٠ - ٢٢) على أن الذي جاء في شرح الشافية ج ٢، ص ١٩٥، س ٢ - ٣) أن المذكر هو الغالب.
واسم الجنس (اسم الموحدة المنتهى بالياء المشددة المكسورة) يكون للعقلاء (مع استثناءات نادرة جدا) مثل يهود جمع يهودى. ولا تناقش كتب النحو مسألة الجنس. والذي جاء به القرآن أن الجمع يهود يستعمل جمعا مذكرًا أو مؤنثًا مفردًا (مثال ذلك الفعل الذي يسبق اليهود: "قالت اليهود").
واسم الجمع من غير اسم الفرد أو باسم الفرد مزودا بكلمة أخرى: يكون مذكرا أو مؤنثًا للعقلاء، مؤنثًا لغيرهم.
واسم الجمع مع اسم الموحدة مزودا بوزن آخر من الجذم نفسه، وهذا يوجد للعقلاء ولغير العقلاء. ولم يبن هويل Howell (ج ١، ص ١١٤٥) عن نفسه إبانة واضحة في هذا الصدد؛ أما رايت
стр. 3166
(Wright، ج ١، ص ١١٨١) فلم ينفذ إلى لب الموضوع نفوذا كافيًا. ويرى سيبويه (فصل ٢٤٩، ج ٢، ص ٢١٠ - ٢١١) أن المذكر هو الغالب، وهذا هو الرأى الذي اخذ به الأستراباذى (شرح الشافية، ج ٢، ص ٢٤، س ٧ - ٨). أما ابن يعيش (ص ٦٧٣، ص ٢٣ - ٢٤) فإنه كان أكثر إيجابية حتى من ذلك.
وبالنسبة للعقلاء يوجد اسم جمع هام لم يدخله نحاة العرب في مكانه بالضبط من الأنواع التي ذكروها (المفصَّل، فقرة ٢٦٧؛ ابن يعيش، ص ٦٩٥). وهو يتكون من التاء المربوطة التي تلحق باسم الفعل، مثال ذلك: السابقة، والمقاتلة، والمُسْلمة وغير ذلك، وبخاصة التي تلحق بآخر الصفات الموصولة مثل: المروانيَّة، والزبيريَّة وغيرهما. وهذه الطريقة تسمح للمرء بالإشارة إلى الفرق، والجماعات، والأحزاب، وهي تستعمل بلا قيد في اللغة الحديثة. وباستعمالها على هذا النحو تكون التاء المربوطة قد كونت اسم الجمع بعكس الطريقة التي استعملت لاسم الجنس (اسم الموحدة المنتهى بالتاء المربوطة).
ملاحظة: الوزن فَعْل (اسم جمع) يمكن أن يزودنا بنهج كامل، مثال ذلك: صَحْب (اسم جمع) بمعنى أصحاب وصاحب (اسم وحدة) وتجمع علي أصحاب (جمع قلَّة)، أو "طير" (اسم جمع) ومفردها طائر (اسم وحدة) وتجمع أيضًا على أطيار (جمع قلة) وطُيور (جمع كثرة). ولكن هذا النهج لا يمكن تعميمه، فهو ليس "قياسا" (الأستراباذى: شرح الشافية، ج ٢، ص ٣٠٣). فقد جرى المرء على القول: صاحب وجمعها أصحاب، وجالس وجمعها جلُوس وغير ذلك، ولكن جموع التكسير هذه هي من حيث الجنس تشتق من وزن "فَعْل" (اسم جمع) وليس من وزن الاسم "فاعِل".
وهنالك -على الأقل- وجهان لاسم الجمع: الموحدة الجامعة، والحشد الذي يعد نوعا من الموحدة، ومن كان الاستعمال بالمفرد ممكنا، مثال ذلك: "قوم كريم" و"الحمام المطَوَّق"، فهو شيء جماعى يجنح إلى أن يكون لا
стр. 3167
مذكرا ولا مؤنثًا، ومن ثم النزعة إلى الدلالة على الحشد المجهول الجنس بالمؤنث المفرد حتى بالنسبة للعقلاء: مثال ذلك "إبل راعية"، و"قوم سافرة". وقد ورثت جموع التكسير للأسماء من حالتها السابقة من حيث هي أسماء جمع إمكان تناولها على هذا النحو: "رجال كثيرة". ولكن إذا استردت الأجزاء المكونة للحشد شخصيتها المتميزة انتقل اسم الجمع إلى حالة منتهى الجموع فيقال "قوم كرماء" " قوم مكرمون".
وقد استطاعت هذه الاعتبارات المختلفة أن تحدث أثرها على تفاوت، وكذلك تحدث أثرها على هذا النحو، وعلى تفاوت) أيضًا، بالنسبة للعقلاء، وذلك بين مختلف القبائل في الأرجاء الشاسعة للجزيرة العربية. وقد استقر رأى نحاة العرب إلى تصوير "العربية" كلا واحدا وشقوا في سبيل إظهار وحدتها وتجانسها. وقد كان من الضرورى تبسيط هذا التنوع والتعدد، ولكن أي طريق يختارون؟ ومن هنا جاءت الخلافات في الرأى. وإنما تستطيع الرسائل الدقيقة المزودة بالإحصاءات المسندة إلى المتون أن تزودنا برأى واضح عن الموقف.
المصادر:
وردت في نص المادة، يضاف إلى ذلك الكتب التي تتناول نشأة جموع التكسير.
(١) Essai sur les: H. Derenbourg formes pluriels arabes، باريس سنة ١٨٦٧, ص ١٠٥ (مقتطف من المجلة الأسيو ية. Jour. As. " سنة ١٨٦٧).
(٢) Nouvel essai sir la: St. Guyard Formation du pluriel brise en arabe باريس سنة ١٨٧٠ , ص ٣٢ Biblioth.) , ٤ Ec. H- E., Sc. Ph. Hisst).
(٣) Les pluriels brises: Marcel Devic en Arabe، باريس سنة ١٨٨٢، ص ٢٤.
(٤) Die Nominalbildung in: J.Barth den semitischen sprachen ٢ ليبسك سنة ١٨٩٤، ص ٤١٧ - ٤٨٣.
(٥) Crundriss der: C. Brocklemann -Grammatik der semi vergleichen der tischen Sprachen، ج ١، برلين سنة ١٩٠٨، ص ٤٢٦ - ٤٣٩؛ وانظر عن
стр. 3168
الجمع السالم: المصدر المذكور، ص ٤٤١ - ٤٤٥، وتوجد قوائم بجموع التكسير في جميع كتب تعليم النحو، وخاصة كتاب.
(٦) Grammar: W. Wright Arabic الطيعة الثالثة، ج ١، كمبردج سنة ١٩٣٣، ص ١٩٩ - ٢٣٤ أو.
(٧) La Pluriel Brise بقلم محمد بن شذب، باريس سنة ١٨٩٧، ج ٨، ص ١٢١ وهو يستعمل المراجع العربية التي تتبع الطريقة العربية.
(٨) وانظر أيضًا In-: J.H Greenberg - Afroasiatic (Hamito ternal a-plurals. in (Semitic في Afrikanis tische Studien (Festschrif Wesrermann)، برلين سنة ١٩٥٥ ص ١٩٨ - ٢٠٤.
أما المصادر العربية فانظر
(٩) كتاب سيبويه (باريس)، ج ٢: جموع التكسير، الفقرات ٤١٦، ٤١٨، ٤٣١، ٤٢٩، ٤٢٧، ٤٢٦، ٤٢٤، ٤٢٢؛ إلجمع السالم، الفقرات: ٤٢٥، ٤٢٣: منتهى الجموع، فقرة ٤٢٦، جمع الثنائى ٤٢١، اسم الجمع: فقرة ٤١٧، ٤٢٩، ٤٢٠، ٤١٩.
(١٠) المفصَّل للزمخشرى، الطبعة الثانية التي قام بها J.P. Broch فصل ٢٣٤ - ٢٦١.
(١١) شرح ابن يعيش، طبعة. G Jahn، ص ٦٠٤ - ٦٨٠.
(١٢) شرح الشافية لرضى الدين الأسترباذى، القاهرة سنة ١٣٥٨ هـ = ١٩٣٩، في أربعة مجلدات، ج ٢، ص ٨٩ - ٢١٠.
وانظر عن الجمع السالم وأصله:
(١٣) W. Vycichl في Rivista degli studi orientati , ج ٢٨، ص ٧١ - ٧٨.
(١٤) S. Moscati: المصدر المذكور، ج ٢٩، سنة ١٩٥٤، ص ٢٨ - ٥٢ وخاصة ص ١٧٨ - ١٨٠
(١٥) W. Vyeichl: المصدر المذكور، ج ٣٣، وخاصة ص ١٧٥ - ١٧٩، وعن الجمع المنتهى بالألف والتاء المفتوحة ما كتبه في Aegyptus ج ٣٢، سنة ١٩٥٢، ص ٤٩١ - ٤٩٤.
(١٦) وانظر عن أسماء الجمع: H.L. Schriften: Fleischer Kleinere ج ١، ص ٢٥٦ - ٢٥٨.
стр. 3169
(١٧) وانظر عن جميع المسائل التي تناولناها في هذه المادة Traite: HJ. Fleisch de PhiloloRie arabe، بيروت سنة ١٩٦١، الفصول ٥٩ - ٦٣، ٦٥، ١٠١، ١٠٢.
الأبيارى [فلايش H. Fleisch].
الجمعة
يوم الجمعة أي يوم الجماعة، وذلك أن المسلمين يجب عليهم أداء فريضة الجمعة، وهي صلاة الظهر في غير ذلك من الأيام. وتعرف الصلاة في هذا اليوم أيضًا بالجمعة، وقد حكم بها القرآن نفسه حكما صريحا في إحدى السور المدنية "يايها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" (سورة الجمعة الآية ٩). وعلى هذا فتادية صلاة الجمعة فرض على جميع الذكور البالغين الأحرار المقيمين غير المسافرين. زد على ذلك أنه اليوم المقدس الأسبوعى عند المسلمين (١) ليس يوم راحة، وهو من ثم يختلف اختلافا جوهريا عن يوم السبت عند اليهود ويوم الأحد عند النصارى.
وصلاة الجمعة عبارة عن الصلاة المألوفة، وهي ركعتان وخطبة يلقيها الخطيب قبل الصلاة (٢). على أن صلاة الجمعة لها ثوابها، وقد جرى المسلمون على إقامة صلاة أخرى من ركعتين قبل الخطبة أيضًا (٣). ولا تصح في رأى الشافعي إلا إذا اجتمع لها ما لايقل عن أربعين مسلما يؤهلهم الشرع لعبادة الله. ويقول الشافعية ومعظم الفقهاء الآخرين إن إقامة صلاة الجمعة في أكثر من مسجد واحد في مكان واحد باطلة شرعا، اللهم إلا عند الضرورة كتعذر اجتماع السكان كلهم في مسجد واحد.
стр. 3170
على أن الحنفية والمالكية لا يتمسكون بهذا العدد، ولكنهم يقولون إن صلاة الجمعة إنما تقام في بلدة على شيء من اتساع الرقعة، أو بين جماعة ليست قليلة العدد.
ويصح أن نذهب إلى أن النبي [ ﷺ ] نفسه جرى على إقامة صلاة عامة وإلقاء خطبة على طريقة اليهود في فناء داره بالمدينة (١) في أيام الجمعة، ولعله قد جرى على إقامة الصلاة تتبعها الخطبة كما كانت عليه الحال لدى الجماعات المماثلة في الأزمنة السابقة له، إذ كانت الصلاة العامة تسبق أداء الأعمال الأخرى (٢). وبعد وفاة النبي [ ﷺ ] درج الأمويون وعمالهم عند صلاة الجمعة في معسكرات المسلمين الكبرى على الظهور أمام الملأ- وعليهم الشارات التي تدل على مراتبهم- لإمامة المصلين. وقد كان من مألوف قبائل ذلك العهد القائمة برأسها أن تجتمع في مسجد خاص بها أقيم في مضرب، ولكن الأمويين عملوا على لم شملهم في مسجد واحد. ولعل النهي عن صلاة الجمعة خارج المدينة وإقامتها في أكثر من مسجد يرجع إلى ذلك العهد (٣).
وازداد تأثر خطب الجمعة في العهد الأموى المتأخر بالطقوس النصرانية. فأذان الجمعة الذي يلقى في المسجد
стр. 3171
قبل الصلاة بعد أن يجتمع فيه المصلون، والأسلوب الفريد الذي اتخذته الخطبة من حيث انقسامها قسمين قبل صلاة الجمعة، يبدو أنه قد تأثر (بالقداس) عند النصارى (١) وقد حل الخطيب المأجور على التدريج محل الخليفة أو من يمثلونه في إمامة الصلاة (٢).
المصادر:
انظر إلى جانب أبواب الصلاة في كتب الفقه:
(١) الدمشقي: رحمه الأمة في اختلاف الأئمة: بولاق سنة ١٣٠٠، ص ٢٩ وما بعدها.
(٢) Zur Geschichte des is-: Becker (١٩١١, ١٩١٢ lamischen Kultus, (Der Islam ص ٣٧٤ وما بعدها.
(٣) الكاتب نفسه: Die Kenzel im - Kultus des alten Islam (Noeldeke Festschrift) .
стр. 3172
(٤) Die Sabbath in-: Goldziher -stitution im Islam (Gedenkbuch fuer Da vidKaufinann ص ٨٦ - ١٠٥.
(٥) الكاتب نفسه: Islamisme et Par sisme (Revue de ١'historie des religions ج ٤٣، سنة ١٩٠١) ص ٢٧ وما بعدها.
(٦) الكاتب نفسه: Muhamm Studien ج ٢، ص ٤٠ - ٤٤.
(٧) الكاتب نفسه في Zeitschr. d. . Deutsch. Morgen. Ges سنة ١٨٩٥ ج ٤٩، ص ٣١٥.
(٨) Islam and: Snouck Hurgronje Phonagraph ص ٩ - ٢٢ Tijdchr. v. h.) Bataviaasch Genootschap سنة ١٩٠٠، ج ٤٣، ص ٤٠١ - ٤٠٤).
(٩) An account of the: E. W. Lane Manners and Customs of the Modern Egyptians الفصل الثالث.
(١٠) Mnhanvned en de: Wensinck Inden to Medin، رسالة دكتوراه قدمت إلى جامعة ليدن سنة ١٩٠٨، ص ١١٠ وما بعدها.
[جوينبول Th. W. Juynboll] .
الجمل
اسم المعركة المشهورة التي وقعت في شهر جمادى الآخرة سنة ٣٦ (نوفمبر- ديسمبر سنة ٦٥٦) بالقرب من البصرة بين الخليفة علي بن أبي طالب، والسيدة عائشة زوجة النبي [ ﷺ ] وصاحبيه طلحة بن عبيد الله التيمى والزبير بن العوام، وكان هذان الصحابيان في ذلك الوقت أوسع المسلمين نفوذًا بعد على.
وكانت عائشة تتم العُمْرة في مكة عندما علمت باغتيال الخليفة عثمان بن عفان، كما علمت في عودتها من مكة إلى المدينة بمبايعة على بالخلافة وقيام الشغب في المدينة الذي أدى إلى اضطراب حبل الأمن فيها، وهنالك عادت عائشة أدراجها دون أن تفصح عن نواياها، ولما بلغت مكة ألقت بحديث ملتهب بالقرب من الكعبة تتهم فيه الغوغاء بمقتل عثمان وتطالب بدم المجرمين قائلة إن عثمان قتل "مظلومًا" (الطبري، ج ١ ص ٣١٩٨ وما بعدها)، وكانت بقولها هذا تشير إلى آية من
стр. 3173
القرآن (سورة الإسراء، الآية ٣٣) توسل بها من بعد معاوية بن أبي سفيان ونصت على القصاص فرضًا واجبًا في مثل هذه الحالة، وبذلك قررت هذه الآية "حدًّا". وكانت عائشة من معارضى عثمان (وقد اتخذ هذا حجة عليها لنقض حقها في الاحتجاج)، ولكنها لم تكن لتصفح عن مقتله وأدنت في هذا الأمر بملاحظات مشهودة (انظر الطبري، ج ١، ص ٣٠٩٧، ابن سعد، ج ٣، ص ١، ٥٧ - ٥٨). ثم هي لم تستطع أن تحتمل، بصفة خاصة، أن يستغل عليَّ، الذي كانت تكن له منذ مدة طويلة عداوة، فرصة قتل عثمان، وقد حدث بعد ذلك ببضعة أشهر أربعة أشهر فيما يقال بعد مصرع عثمان، الطبري، ج ١، ص ٣١٠٢) أن وصل طلحة والزبير إلى مكة، وقامت مناقشات حادة بينهما وبين عليَّ الذي أبي أن يقيمهما في مناصب في الحكومة، طلبا على إثرها الإذن منه بالمضى إلى مكة لأداء العمرة فسمح لهما بذلك. ودبرت مؤامرة على على اشترك فيها، علاوة على ما أسلفنا، بعض الأمويين وغيرهم من المسلمين الذين راعهم ما انقلبت إليه الحوادث، صحيح أن اغتيال عثمان كان فضيحة، نكن الأسباب الحقيقية للفتنة كانت- فوق كل شيء- هي موقف على المتساهل مع المجرمين مما أشار إلى أنهم سوف يذهبون بلاعقاب.، وحلمه حيال المنشقين الذين أصبحوا في غاية الوقاحة والخطر حتى حمل ذلك عدة أشخاص على الهرب، وما ذاع عنه من أنه يسعى إلى اتخاذ سياسة مناهضة للقرشيين، وكانت المعارضة لعلى قوية في الولايات القريبة كل القرب من الحجاز، وكان معاوية قد أبي أن يدين بالولاء لعلى، أما الكوفة فأنكرت الوالى الذي بعث به الخليفة، وآثرت من كان قائمًا بالولاية فعلا وهو أبو موسى الأشعرى. أما في غير ذلك من الأرجاء فقد تألفت أحزاب تعارض الخليفة الذي كان قد بويع منذ قريب. وحاول المفتتنون أن يختاروا المكان الذي يتيح خير الأسباب لنجاح الفتنة، فاستقر رأيهم في إجتماع لهم على المضى إلى البصرة آملين أن يجدوا فيها المال والجند اللازمين لتنفيذ مأربهم.
стр. 3174
ووافقت عائشة على الانضمام إلى هذه الحملة، وقدِّر لها أن تثير الجماهير لأن طلحة والزبير لم يكونا فيما يظهر مؤهلين كل التأهيل للقيام بهذا الدور، ذلك أنهما لم يكونا قد أمعنا في إثارة الرأى العام على عثمان حتى أصبح من الممكن اتهامهما بقتل عثمان، بل هما قد بايعا عليا أيضًا بعد انتخابه خليفة مباشرة. ومن ثم فإنهما بانتفاضهما عليه كان ينقضان عهدهما فيقتضيهما الأمر أن يدعيا تبريرًا لموقفهما أنهما كانا قد أجبرا إجبارًا على مبايعته. وكانت حفصة بنت عمر قد همت أول الأمر أن تتبع المفتتنين، ولكن أخاها عبد الله أقنعها بالعدول عن ذلك. وجمع الثوار عدة مئات من الرجال بمطياتهم (٦٠٠ أو ٧٠٠؟ ) خرجوا للقتال. وسمع على بذلك فأدرك أن الأمر يقتضيه التحرك حتى لا ينعزل في المدينة وجيش في بطء ومشقة جيشًا من سبعمائة مقاتل ثم خرج هو أيضًا للقتال (كان ذلك في رواية الطبري ج ١، ص ٣١٣٩، في آخر يوم من ربيع الثاني)، وكان غرضه أن يقطع الطريق على المتمردين، ولكنه لم ينجح في بلوغهم، وعلم وهو في الربذة أنهم كانوا قد مروا بالفعل من هذه المحطة، وأحس هو الآخر بحاجته إلى المال والجنود، فسار مرة اخرى في اتجاه العراق، وكان المتمردون في هذه الأثناء يهرعون إلى البصرة، فلما بلغوا مكانًا يعرف باسم "الحوأب" نبحت الكلاب على الجند وأوشكت عائشة أن تتخلى عن هذه المغامرة، ذلك أنها تذكرت ضربا من النذير كان قد أوجس به النبي [ ﷺ ]، ولكن المتمردين أقسموا لها بأن هذا المكان ليس هو الحوأب، فلما إطمأن بالها مضت في سبيلها (ياقوت: المعجم ج ٢، ص ٣٥٢ وما بعدها). وهذه الرواية جديرة بالذكر لا لشئ إلا أن المصادر تعلق عليها أهمية. فلما بلغ المنتفضون أرباض البصرة دخل زعماؤهم في مفاوضات وبدءوا يدعون لقضيتهم. وقد بعثت عائشة بمبعوث ورسائل إلى بعض وجهاء البصرة، محاولة إقناع البصريين بالانضمام إلى الفتنة التي كان غرضها -كما قالت- "الإصلاح". وكانت هذه الكلمة تتضمن عند المنتفضين عودة الشريعة
стр. 3175
و"الحدود" إلى نصابهما والثأر لعثمان، واستتباب النظام الاجتماعى الذي انقلب حاله ووضع السلطة بين يدي خليفة ينتخب انتخابًا شرعيًا بمجلس شورى، أما في رأى على فقد كان الأمر يتطلب إعادة السلطة له، والعودة إلى التزام سنة النبي [ ﷺ ]، وإلغاء الامتيازات، وانقسم البصريون حزبين: بعضهم اتبع الوالى الذي أقامه على وهو عثمان ابن حُنَيف الذي لم يعارض المتمردين في تصميم بل توقف منتظرًا وصول على؛ وآخرون جعلوا قضيتهم من قضية عائشة وزميليها الذين كانت قواتهم تنمو في الطريق. وفي اجتماع لهم بالمْربَد، وهي ساحة على ثلاثة أميال من البصرة، خاطب زعماء الثورة الجماهير، وكانت دعوتهم مثمرة. وأعقب ذلك قيام اضطرابات، ثم حدث عراك في "موضع الدبَّاغين"، ومعارك في الأيام التالية بالقرب من "دار الرزق" (ولا تتفق المصادر في التفصيلات)، وهناك قتل رئيس الشرطة حُكيَمْ بن جبلة، وكان هذا الرجل أصدق في نصرة على من أن يقف جامدًا لا يفعل شيئًا، ثم عقدت هدنة آخر الأمر لحسم موضوع من يتولى السلطة في مدينة البصرة، واضطر القوم إلى حين رجوع رسول بعث به إلى المدينة للتحقق من مسألة: هل أجبر طلحة والزبير حقًّا على المبايعة لعلى (ومن الواضح أن الوالى كان يحاول كسب الوقت). وفي هذه الأثناء لم يكن ليتغير الموقف: فقد استقر الأمر على أن يبقى قصر الحكم أي المسجد الكبير، وبيت المال في يد الوالى ابن حُنَيف. على أن إمامة الصلاة كان لها وزنها، ولذلك اتفق على أن يتولاها إمامان: الوالى ورجل آخر يسميه المتمردون. وتشاحن طلحة والزبير لأن كلا منهما كان يريد أن يؤم هو الصلاة، ولكن عائشة حسمت الأمر بأن يتولاها الاثنان بالتعاقب هذا يوم وذاك يوم؛ وفي رواية أخرى إن ابنيهما محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير يتوليانها كل بدوره. كانت نتيجة البحث الذي أتى به الرسول من المدينة في صالح طلحة والزبير، ولكن رسالة بلغت الوالى صرحت بعكس ذلك تماما، ومن ثم لم يكن لعثمان بن حنيف أن يترك منصبه ونشب عراك في المسجد، على أن
стр. 3176
الواقعة التي كانت أشد الوقائع خطورة هي اقتحام الثائرين بيت المال، فقد قتلوا أو أسروا (ثم قطعوا من بعد رؤوس) حراسه الذين كانوا من الزط والسيابجة؛ ولم يكتف المهاجمون بذلك بل أجبروا عثمان بن حنيف أن يترك قصر الولاية ونزعوا شعره ونتفوا لحيته. واستطاع عثمان أن يخلص نفسه وينضم إلى على بتهديدهم بالانتقام من أسرهم في المدينة، حيث كان أخوه سهل يلي أمرها وإنا لنتساءل من كان المعتدون في هذه المعارك والملاحم؟ تمتدح بعض الروايات اعتدال الثوار (يقال إن عائشة منعت رجالها من استخدام أيديهم إلا في الدفاع عن أنفسهم) ولكن من الواضح أنهم كانوا هم المهاجمين لحاجتهم إلى المؤن والمال، وخوفهم من أن يقعوا من بعد بين قوات على المتقدمة وقوات الوالى. ولما أحتل الثوار البصرة أذاعوا في الناس أمرًا، بتسليم كل من اشتركوا في حصار دار عثمان، ويعرفون في المصادر باسم "النُفار" النُفار وأطاع الناس وقتل هؤلاء وكان عددهم فيما يقال ستمائة رجل (ولم يستطع النجاة إلا حرقوص بان زهير لأن قبيلته حمته). وقد غضب بعض سكان البصرة من قيام هذه المذبحة وتوزيع طلحة والزبير الهدايا والأرزاق على أنصارهما، فخرج منهم ثلاثة آلاف لينضموا إلى على في ذي قار، ومنهم بنو عبد القيس. على أن قبيلة تميم، أهم قبيلة في البصرة، ظلت على الحياد هي وزعيمها الأحنف بن قيس.
وبينما هذه الحوادث تقع (يقال إن ذلك التجاذب مع الوالى دام ستة وعشرين يوما) كان على قد سار حتى بلغ ذا قار، ذلك أنه لم يتقدم نحو البصرة، بل آثر أن يتصل بالكوفة ليجتذب أهلها إلى قضيته. ومن سوء الحظ أن واليها أبا موسى الأشعرى- بالرغم من قوله بأن بيعة على صحيحة - قد حث الكوفيين على التزام موقف الحياد في الفتنة المقبلة حتى أن رسل على إلى الكوفة (الأشتر، وابن عباس، والحسن، وعمار بن ياسر) اضطروا إلى بذل مجهود شاق لإقناع فريق من السكان (ستة آلاف أو سبعة أو ١٢ ألف رجل؟ ) بالخروج من الكوفة للانضمام إليه وأقيل أبو موسى من
стр. 3177
منصبه، وبلغ على أخيرا أرباض البصرة وبدأت المفاوضات بينه وبين المفتتنين، صحيح أنه ما من أحد إلا كان مقتنعا بأن الاتفاق بات قريبا، إلا أن القتال نشب بين جيشى الطرفين وهنا تثور المسألة المعهودة: من الذي بدأ القتال؟ تقول بعض الروايات إن عليا أمر رجاله بألا يهجموا وأنه إنما أحس بأن الواجب يقتضيه قتال خصومه "أهل القبلة" (انظر الأغانى، ج ١٦، ص ٣٢، المسعودى: مروج الذهب، ج ٤، ص ٣١٤ وما بعدها إلخ) عندما قتل بعض أنصاره، ولكن الطبري (ج ١، ص ٣١٨١ - ٣١٨٣) يروى رواية أخرى توضح لم بدأت المعركة وكيف بدأت: يقال إن عليا أبدى عزمه بألا يحمى أولئك الذين تورطوا في مقتل عثمان، ويقال إن هؤلاء كانوا حريصين على مصيرهم فأثاروا القتال بهجمة مفاجئة لم يعلم بها على. ودارت المعركة من الصباح إلى المغرب (يقول الكتاب المنحول لابن قتيبة القاهرة سنة ١٣٧٧ هـ، ص ٧٧ إنها دامت سبعة أيام) وتختلف المصادر في يوم وقوع المعركة، وأشيع الأيام المذكورة هو ١٠ من جمادى الآخرة سنة ٣٦ (٤ ديسمبر سنة ٦٥٦)، ولكن كيتانى (حوادث سنة ٣٦ هـ فقرة ٢٠٠) يؤثر يوم ١٥ جمادى الآخرة (٩ ديسمبر).
ومن العجيب أن المقاتلين كانوا في كثير من الأحوال ينتمون إلى قبائل واحدة. وعشائر واحدة، وإلى أسر واحدة أحيانا، ومع ذلك فقد قاتلوا بعضهم بعضا غير مبالين بصلة الرحم التي تربطهم. وقد شهدت عائشة القتال على جمل في هودج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر وجعلوا دونه اللبود قد غشى على ذلك بالدروع، ولم تصب عائشة، وكل مانالها خدش أصاب ذراعها. واحتدم القتال احتداما شديدا حولها، وكان المدافعون عنها يتعاقبون واحدا بعد واحد يرتجزون، وكان الذين يسقطون يسلمون خطام الجمل لغيرهم من المقاتلين، وقتل منهم كثيرون (تختلف الأرقام التي ذكرت عددهم بين ٤٠ و ٢٧٠٠ نقاتل). وكان النصر لعلى حين نجح جنوده في عرقبة الجمل حتى أوقعوا الدابة على جانبها وعليها حملها النفيس. ولكن المعركة كان قد خسرها المفتتنون حتى
стр. 3178
قبل هذه المرحلة، إذ أصاب سهم طلحة، وتقول مصادر كثيرة إن الذي رماه به هو مروان بن الحكم فلجأ إلى دار وافاه أجله فيها، أما الزبير الذي كان قد أصبح بعد غير واثق من فوائد قضيته واحتمالاتها فقد انسحب من ميدان القتال بعد حديث دار بينه وبين على الذي ذكره بواقعة حصلت في الماضي، وببعض أحاديث رسول الله [ ﷺ ]، وقد تعقَّب بعض بنى تميم الزبير وقتلوه غدرًا، في مكان منعزل (وادي السباع). وقد اشتبه في أن يكون الأحنف بن قيس هو المحرض على هذا القتل (انظر عن مقتل الزبير أيضًا: ابن زيدون: شرح قصيدة ابن عبدون، طبعة دوزى، ليدن سنة ١٩٤٨، ص ١٥٠ - ١٥٤).
وتتحدث المصادر عن حشد من الوقائع تتعلق بالمبارزات، وشجاعة المتبارزين، والأشعار التي قالوها، ولكنها لا تفسر تطور المعركة من الناحية التكتيكية. والصورة العامة التي نخرج بها من هذا الحشد من التفصيلات هي أن المعركة كانت على مألوف العرب. سلسلة من المبارزات والقتال على طول صفوف الطرفين المتحاربين، ولكنها لم تكن قتالا عاما. وكان أحرَّ القتال بلا شك هو الذي دار حول الجمل. ومن المستحيل إحصاء عدد المقاتلين والخسائر التي أصابتهم لعظم الاختلاف بين الأرقام التي ذكرت (فهي تتراوح بالنسبة للصرعى بين ٦.٠٠٠ و ٣٠.٠٠٠ قتيل، وفي هذا الرقم الأخير مبالغة كبيرة، ذلك أن قوات على وحدها بما فيها من تبعه من المدينة، ومن انضم إليه من بعد لا يكادون يزيدون جميعا على ١٥٠٠٠ مقاتل). وأسرت عائشة، ولكنها لم يسأ إليها بحال بل عوملت باحترام كبير. على أن عليا قرر أن تعود إلى المدينة ولم يقبل في ذلك آية مراجعة، ومنح الأمان لجميع المتمردين واستطاع بعض من آثروا الحل الوسط (مروان بن الحكم مثلًا) أن ينضموا إلى معاوية في الشام. والأمر الذي أحدث ضجة بين أنصار على، هو إباؤه أن يسمح لهم بسبى نساء الأسرى وأطفالهم أو الاستيلاء على غنائمهم إلا ما وجدوه في ميدان القتال (الطبري، ج ١، ص ٣٢٢٧؛ المسعودى: مروج الذهب، ج ٤، ص ٣١٦ وما بعدها إلخ)، وتساءلوا: لم
стр. 3179
يعامل هذه المعاملة أولئك الذين استحلت دماؤهم. وقد جعل الخوارج هذا الأمر من أسباب خروجهم على علي.
ولما انتهت المعركة بايع البصريون عليا وولى عليهم ابن عباس (وإلى جانبه زياد بن أبيه) ومن ثم أثار غضب الأشتر، ذلك أن اثنين آخرين من أبناء العباس توليا منصب الولاية أحدهما في اليمن والآخر في مكة.
وكانت عائشة هي الشخصية البارزة في فتنة الجمل، وقد ظهرت في ذلك نشطة مصممة (فيما عدا لحظة بدا ترددها عند الحوأب) على بلوغ غرضها كما أن قرارتها كانت تحترم، على حين أن طلحة والزبير اللذين ائتمرا بأمرها. كانا يتشاجران فيما بينهما متعللين بأسباب واهية قوامها أنهما يدفعان عنهما تهمة الإخلال بعهدهما لعلى، وينسحبان من المعركة بدلا من أن يقاتلا حتى الموت فظهرا في ذلك بمظهر الرجال الذين تحركهم الأطماع ويفتقدون في الوقت نفسه العزيمة والثبات المؤديين إلى النجاح. ويذهب كيتانى إلى أنه كان ثمة منظم لمشروع الفتنة يختفى وراء عائشة وهو مروان الذي تبع المتآمرين. وهذه النظرية شائقة، ولكن ليس ثمة ما يثبتها. فإذا كان مروان هو حقًّا مستشار الثائرين فإنه كان يعمل في كثير من البصر والحيطة حتى أن المراجع لا تكاد تتحدث عن أفعاله.
المصادر:
(١) الطبري، ج ١، ص ٣٠٩١ - ٣٢٣٣) بالتفصيل فيما عدا وقائع: على يتأهب لقتال خصومه ص ٣٠٩١ - ٣٠٩٦؛ عائشة تثير القوم في مكة وتطالب بالثأر لعثمان، واتفاق الثوار ومسيرهم واحتلالهم البصرة: ص ٣٠٩٦ - ٣١٠٦، ٣١١١ - ٣١٣٨؛ مسيرة على ووقفته في ذي قار: ص ٣١٠٦ - ٣١١١، ٣١٤١ - ٣١٤٣، ٣١٥٤ وما بعدها؛ الموقف في الكوفة وجهود على لكسب أهلها؛ إقصاء أبي موسى: ص ٣١٤٠ وما بعدها، ٣١٤٥ - ٣١٥٤، ٣١٧٢ وما بعدها، ٣١٨٧ وما بعدها؛ مسيرة على إلى البصرة؛ ص ٣١٣٨ - ٣١٤٠؛ المفاوضات بين على والثوار: ص ٣١٥٥ - ٣١٥٨، ٣١٧٥، الحوادث التي وقعت قبل المعركة وحياد الأحنف: ص ٣١٤٣ -
стр. 3180
٣١٤٥، ٣١٦٢ - ٣١٦٩؛ المعر كة: ص ٣١٧٤ - ٣١٩٨؛ على وعائشة بعد المعر كة: ص ٣٢٢٤ - ٣٤٢٦، ٣٢٣١؛ مبايعة البصريين وإقامة العباس واليًا على البصرة: ص ٣٢٢٩ وما بعدها.
(٢) الطبري، ترجمة زوتنبرغ، ج ٣، ص ٦٥٨ - ٦٦٤ (مع بعض الإضافات).
(٣) البلاذرى: أنساب الأشراف، مخطوط، باريس ص ٤٦٧ وجه -٤٩٣ ظهر (ويشتمل على روايات أهملها الطبري: انظر G.Levi Della Vida: Il Ca- liffato di Ali secondo it Kitab Ansab al Ashraf di Al-Baladhunri في Rivista degli studi orientali، ج ٦، س ١٩١٣، ص ٤٤٠ - ٤٤٩).
(٤) اليعقوبى، ج ٢، ص ٢٠٩ - ٢١٣.
(٥) أبو جنيفة الدينورى: الأخبار الطوال، ص ١٥٠ - ١٦٣.
(٦) الكتاب المنحول لابن قتيبة المعروف باسم "كتاب الإمامة والسياسة" طبعة محمد محمود الرافعي، القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤ م، ج ١، ص ٨٨ - ١٣٣؛ الكتاب نفسه، طبعة مصطفى البابى الحلبى، الطبعة الثانية سنة ١٣٧٧ هـ ١٩٥٧ م، ج ١، ص ٥٢ - ٧٩ (أحاديث ورسائل وتفصيلات لا نجدها في غيره).
(٧) المسعودى: مروج الذهب، ج ٤، ص ٢٩٢ وما بعدها، ٣٠٤ - ٣٢٣، ٣٢٣ - ٣٣٧.
(٨) الكاتب نفس: التنبيه والإشراف، ص ٢٩٥.
(٩) ابن مسكويه: تجارب الأمم، صورة طبق الأصل من مخطوط إستانبول، ج ١، ص ٥١٨ - ٥٦٢.
(١٠) ابن الإثير: الكامل، ج ٣، ص ١٦٤ - ٢١٨ (تلخيص للطبرى).
(١١) ابن أبي الحديد: شرح على كتاب نهج البلاغة، القاهرة سنة ١٣٢٩ هـ، ج ٢، ص ٧٧ - ٨٢، ٤٩٧ - ٥٠١. (فقرة هامة بخصوص تفصيلات احتلال البصرة).
(١٢) ابن كثير: البداية والنهاية، ج ٦، ص ٢٢٩ - ٢٤٤ (مع تفصيلات لا نجدها في غيرها من الكتب).
(١٢) ابن خلدون، ج ٢، الملحق، ص ١٥٣ - ١٦١ (وهو تلخيص جيد للطبرى).
стр. 3181
(١٣) الملخصات التي وردت في ابن تغرى بردى، والذهبي وأبي الفرج ليست مهمة.
(١٤) ما التفصيلات الكثيرة عن وقعة الجمل وخاصة عن مراحلها والشعر الذي قيل فيها فإنا نجدها مبعثرة في كتب الأدب (مثل المبَّرد، والأغانى، والعقد، والبيهقي: المحاسن، وابن قتيبة: عيون الأنباء، والجاحظ: البيان والتبين إلخ، وكذلك في كتب الطبقات مثل ابن سعد؛ وابن الأثير: أسد الغابة، وابن حجر: التهذيب، وابن خلكان الخ.
(١٥) وإليك بعض الفقرات التي لها أهمية تاريخية خاصة: ابن سعد، ج ٣، ص ١، ٢٠، ج ٥، ص ٢٦؛ الأغانى، ج ١٦، ص ١٣١؛ العقد، طبعة بولاق سنة ١٢٩٣ هـ، ج ٢، ص ٢٧٥ - ٢٨٤؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، طبعة حيدر آباد، سنة ١٣١٨ - ١٣١٩ هـ، ص ٢٠٩ (الدور الذي لعبه الزبير) ص ٢١٣ وما بعدها (الدور الذي لعبه طلحة).
وعلاوة على ذلك تذكر التواريخ المعروفة لفايل، وميلر، وموير، انظر:
(١٦) Ali Som Praetendent og: Fr. Buhl kalif، كوبنهاغن سنة ١٩٢١، ص ٤٠ - ٥٥.
(١٧) Aisha the beloved: N. Abbott Mohammed of، شيكاغو سنة ١٩٤٢.
(١٨) وانظر بصفة خاصة Cae. Annali: tani، حوادث سنة ٣٦ هـ الفقرات من ٢١ - ٣٢.
خورشيد [فاكلييرى L. Veccia Vaglieri].
جملة
مصطلح في النحو العوبرى، وكلمة جملة بهذا المعنى مرادفة لكلمة "كلام"، على أن الزمخشرى يقول (المفصل، ص ٤، من ١٥ - ١٧) الكلام هو المركب من كلمتين) سندت إحداهما إلى الأخرى. ومن الجائز أن تؤلف الكلمة الواحدة جملة كاملة، حكما هي الحال في صيغة الأمر "قم". فالفاعل في هذه الجملة مضمر، تقديره أنت ويمكن الرجوع في أنواع الجملة المختلفة (جمله اسمية، فعلية، ظرفية، استفهامية. الخ) إلى كتب النحو، وخاصة البحث المفصل الوارد في كشاف اصطلاحات، الفنون Dictionary of Technical Terms) طبعة شبونكر Sprenger وغيره ج ١، ص ٢٤٥ - ٢٥٠)
[شاده A. Schaade].
стр. 3182
جميل
بن عبد الله بن معمر، وكنيته أبو عمر: شاعر عربي مشهور عاش في القرن الأول للهجرة، ولا نعرف عن حياته إلا ما ندر، وبعض ذلك راجع إلى أن جميلا لم يخلد إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ينتقل من مكان إلى مكان مع قبيلة بنى عُذْرَة التي اشتهرت بالعشق، وقصة حبه لبثنة أو بثينة مشهورة، وبثينة من بنات قبيلته، عاشت ردحًا من الزمن في وادي القرى، وقد خطبها جميل في شبابه فردَّه أبوها، ولكنه ظل مع ذلك متصلا بها في الخفاء، حتى بعد زواجها من شخص يدعى نبيها. وعند ذلك أوغر أهلها من بنى الأحب صدر والى وادي القرى (وفي رواية أخرى والى المدينة) على جميل فاضطر إلى الفرارء ويقال إنه توفى بمصر عام ٨٢ هـ (٧٠١ م) بعد أن طال تجواله. وكان قد ذهب إليها ليمدح واليها عبد العزيز بن مروان، وهو أمر ألفه شعراء ذلك الوقت. وقد عاشت بثينة بعد جميل. وامتاز جميل فوق ذلك بإجادة المديح، وشاهد ذلك أنه جوزى بسخاء على قصيدة فخر فيها بقبيلة جذام التي منها أمه، وكان الناس من ناحية أخرى يهابون هجاءه. وقد خاصم بنى الأحب خصامًا طويلًا اشتهر أمره بصفة خاصة، على أن علو كعبه في النسيب خاصة هو الذي خلد ذكره، ولا شك أن أشعار جميل، وكلها في بثينة، تعد بحق من أجمل وأرق الأشعار التي وصلت إلينا من العهد العربي الأول الذي كان الشعر فيه لا يزال خالصًا من التأثير الفارسى، وربما لم يبزه في هذا المضمار من بين معاصريه سوى عمر بن أبي ربيعة. ومن المسلم به أن كُتَّاب العرب قد أصابوا الحقيقة في كلامهم عن جميل، ذلك أنهم يقررون أنه يعبِّر في أشعاره وفي شكواه الحب عن شعور صادق. فقد امتازت أشعاره بالبساطة والبعد عن الصناعة، ولعل ذلك كان- إلى جانب جمالها الفني- السبب الذي من أجله لحنت وقام كثير من المغنين العرب بإنشادها.
ونزيد على ذلك أن جميلا كان إلى جانب قرضه الشعر راوية لأشعار هدبة
стр. 3183
بن الخَشرْمَ، وكان كثير راوية لأشعار جميل.
المصادر:
(١) الأغانى، الطبعة الأولى، ج ١، ص ٥٨ , ج ٧، ص ٧٧ - ١١٠، ج ٨، ص ٤٠، ج ٩، ص ١١٢.
(٢) ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، طبعة ده غويه، ص ٢٦٠ - ٢٦٨.
(٣) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ١٤١، ترجمة ده سلان، ج ١، ص ٣٣١ - ٣٣٧.
(٤) Gesch. d. Arab.: Brockelmann . Liter، ج ١، ص ٤٧.
(٥) وأورد Noeldeke في كتابه De- lectus شواهد من شعره، ص ٩ - ١٣، ٥٤.
[شاده A. Schaade] .
+ جميل بن عبد الله بن معمر العُذرى: شاعر عربي من أعيان القرن الأول الهجرى (السابع الميلادي) وهو في رأى الرواية الأدبية أشهر ممثل للمذهب العذرى في الشعر، بل يكاد يكون رمز هذا المذهب الذي عرف بالعفة في الحب واصطناع الصورة المثالية له. وجميل شخصية تاريخية موثوق بها كل الثقة، وإن كان لم يظهر من تفصيلات حياته إلى الضوء إلا النزر اليسير، ولد شاعرنا حوالي سنة ٤٠ هـ (٦٦٠ م) وقضى حياته في الحجاز وفي نجد، ومن المظنون أيضًا أنه فر ردحًا من الزمن إلى اليمن بتحريض والدى محبوبته، نجاة بنفسه من اضطهاد وال من الولاة الأمويين. وشخص إلى مصر قرابة أواخر حياته حيث أذاع صدت الوالى عبد العزيز بن مروان بقصائده، وهناك توفي سنة ٨٢ هـ (٧٠١ م) وهو بعد قد تجاوز الشباب بقليل، ومعظم أشعار جميل التي انتهت إلينا تدور حول موضوع الحب، إلا أننا نتبين وجوها أخرى لشخصيته وقدرته الشعرية، فقد كان جميل بارعًا في شعر الفخر والهجاء، قادرًا على الخصومة والمشاكسة مفحما في إجاباته منصرفا إلى التغنى بأمجاد أجداده وعشيرته (يؤكد النسَّابة أن قبيلة بنى عذرة)
стр. 3184
أصلها من الجنوب، على حين يتحدث جميل عن أمجاد أجداده فيقول إنهم من مَعَد). على أن الشخصية التاريخية البارزة لجميل هي شخصية شاعر الحب. فقد اشتعل قلبه من باكورة شبابه بحب بنت قبيلته "بَثْنَة"، أو "بثينة" وهذه القبيلة هي بنو الأحب العذرية، وقد خلد ذكر القصة بحبه العميق البائس في أشعاره هو وفي قصص رجال الأدب من أعيان القرن الثاني الهجرى الموافق الثامن الميلادي (يعتمد بعض هذه القصص في كثير من الأحيان على أشعار جميل). ورفض والدا بثينة أن يزوجوها له، وتزوجت رجلا آخر يدعى نبيه بن الأسود. ومضت أوقات من التصالح اعقبتها أوقات من اللوم والتأنيب، وانتهى به الأمر إلى ترك وادي القرى الذي شهد أول نار يتأجج بها حبه وله يعد إليه أبدا، وقد ذكره في أبيات مؤثره وهو على فراش الموت.
وذاع ديوان جميل ذيوعًا واسعًا في القرن الثالث الهجرى الموافق التاسع الميلادي (كان راوى جميل في حياته هو كثير عزة)، وقد درسه وأذاع صيته علماء اللغة مثل ابن الأنبارى ودريد. ولكن هذا الديوان لم يحفعل للأجيال اللاحقة، وليس في متناولنا منه إلا ما لا يزيد عن قطع ومختارات قليلة من شعر جميل التقطت من الدواوين ومن المصادر الأدبية الأخرى (ومصدرنا الأول في ذلك هو الأغانى). وتبلغ هذه القطع والمختارات نحو، من ٨٠٠ بيت، وهي تحمل طابع شخصية متفردة لا تخطئها العين ولو أن أصالته قد غشاها إلى حد ما حشد من المقلدين والتقاليد الأدبية التي سادت عصره، ولم يستطع هو أن يتجاهلها. وقصة حبه الواله كما تنبثق من شعره أقوى من المجرى المألوف لمثل هذه القصص. فقد كان أول من تحدث عن الحب من حيث هو قوة كونية لا تغيب أبدا، تجتذب المرء من أولى لحظات ولادته وتعيش بعد وفاته. وكان جميل أمينًا على سنة بنى عذرة يؤكد على نقاء الحب ونبله، وفضيلة إنكار الذات، وأن يتحمل عذاب الحب وحده، ولا نجد عنده أثرًا للحب الشهوانى والعابث الذي
стр. 3185
يذكر في معابثات عمر بن أبي ربيعة وغيره. وقد نفى جميل السنة البدوية في الحب، وأشاع فيه تجربته الشخصية العميقة، والإخلاص الصارم الذي هو فوق الشك. وسرعان ما أصبح شعره وشعر عمر شعرًا، مأثورًا (افتخر الوليد بن زيد بأنه قادر على كتابة الشعر على طريقة جميل وعمر) وقد أثبت الزمن بسند جيد أنه أكمل ممثل للشعراء العذريين الذين "إذا أحبوا ماتوا".
المصادر:
أهم المصادر هي:
(١) الأغانى، الطبعة الثانية، ج ٨، ص ٩٠ - ١٥٤.
(٢) ابن قتيبة: الشعر، ص ٢٦٠ - ص ٩٠ - ١٥٤.
(٣) ابن خلكان: رقم طبعة فستنفلد.
(٤) ابن عساكر: ج ٣، ص ٣٩٥ - ٤٠٥، طبعة بدران.
(٥) Gamil al-Udhri.: F. Gabrieli Studio critico e raccolta dei frammenti في Rivista degli studi orientali، ج ٢٧، سنة ١٩٣٧، ض ٤٠ - ٧١، ١٣٢ - ١٧٢.
(٦) الكاتب نفسه: Contributi alla in- terpretazioni di Gamil في Rivista degli stud oriental، ج ١٨، سنة ١٩٣٨، ص ١٧٣ - ١٩٨.
(٧) طبعات شرقية لقطع من شعره قام بها بشير يموت، بيروت سنة ١٩٣٤، وثمة من قام أيضًا بذلك قيامًا يفوق ذلك كثيرا، وهو حسين نصار، القاهرة سنة ١٩٥٨.
(٨) Les Principaux: R. Blachere themes de la Poesie erotique au siecle des Umauyades des Damas في Annales de -L'Institut d'Etudes Orientales de I'Uni versite d'Alger، الجزائر، ج ٥، سنة ١٩٣٩ - ١٩٤١، ص ٨٢ - ١٢٨.
خورشيد [كابرييلى F. Gabrieli].
جميلة
مغنية عربية مشهورة، عاشت في صدر العهد الأموى، وهي مولاة بنى
стр. 3186
سليم. تزوجت من أحد موالى بنى الحارث بن الخزرج، ونزلت معه بالسَّنْح بالقرب من المدينة. ويقال إنها تعلمت الموسيقى والغناء في حداثتها على المغني سائب خاثر، فكانت تسترق السمع إليه. وجدير بنا أن نذكر من حيث الترتيب التاريخي للحوادث أن سائب خاثر هذا، وقد تتلمذت عليه المغنية المشهورة عزة الميلاء، لقى حتفه في وقعة الحرَّة عام ٦٣ هـ الموافق عام ٦٨٢ - ٦٨٣ م (الأغانى، ج ٧، ٠ ص ١٨٨). وقد تخرج في مدرسة جميلة مغنون ومغنيات كثيرون، أشهرهم: معبد وابن عائشة وحبَابة، وسَلَّامة وغيرهم، ذلك أن جميلة كانت من أبعد أساتذة الغناء صيتًا. ويقال إنها كانت صديقة لبثينة صاحبة جميل. وكان يجمعها بكثير من مشاهير الشعراء- مثل عمر بن أبي ربيعة والأحوص وغيرهما- صلات ود وثيقة.
وقد حجت إلى مكة؛ وتقول رواية مشكوك فيها كثيرا إن حجتها كانت بمثابة موكب من مواكب الظفر والانتصار.
المصادر:
١ - الأغانى، الطبعة الأولى، ج ٧، ص ١٢٤ - ١٤٨.
٢ - الأغانى، طبعة Kosegarten، ص ١٦ وما بعدها من المقدمة.
[شاده Schaade].
الجنابة
هي ما يقال له الحدث الأكبر، ويسمى المرء وهو على هذه الحالة جُنُبا، وإنما يطهر بالغسل. على أن الشرع قد نص على الوضوء فقط إذا كان المسلم في حالة الحدث الأصغر.
والجنابة هي حالة الدنس التي وصفت في الآية السادسة من سورة المائدة "يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
стр. 3187
فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حَرَج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون". ونص الشرع كذلك على أن خروج المني بأي وسيلة يعد في حكم الجماع.
ولا تصح صلاة الجنب شرعًا، كما لا يجوز له الطواف حول الكعبة، ولا المكوث في المسجد إلا في حالات الضرورة، والجنب ممنوع من أن يمس القرآن، أو أن يتلو آيات منه إلى أن تزول عنه الجنابة.
ويطلق على الجنابة أيضًا اسم الحدث الأكبر، وهو يقابل الحدث الأصغر.
المصادر:
١ - انظر الفصول الخاصة بالطهارة في كتب الحديث والفقه.
٢ - Zahiriten: Goldziher Die ليبسك ١٨٨٤، ص ٤٨ - ٥٢.
[جوينبول Th. W. Juynboll].
جناب شهاب الدين
(سنة ١٨٧٠ - ١٩٣٤): شاعر وكاتب تركى، وهو واحد من الممثلين الثلاثة لمدرسة "ثروت فنون" في الأدب (الاثنان الآخران هما توفيق فكرت وخالد ضيا).
ولد جناب في مناستير، ولما لقى أبوه الضابط مصرعه في معركة بلونة (سنة ١٨٧٦) استقر جناب في استانبول هو وأمه والتحق طالبا داخليا بمدارس عسكرية عليا شتى، وتخرج في مدرسة الطب العسكرية سنة ١٨٨٩ طبيبا عسكريا.، وقضى أربع سنوات في باريس يكمل دراساته الطبية. ولما عاد إلى تركية خدم في عدة مكاتب صحية في الولايات وفي إستانبول. وحاول بعد دستور سنة ١٩٠٨ وأثناء الحرب العالمية الأولى أن يدخل في الحياة السياسية فلم يصادف في ذلك نجاحا. ولما اعتزل خدمة الحكومة التحق بهيئة التدريس في كلية الفنون بجامعة استانبول (سنة ١٩١٤). ولكنه اضطر إلى الاستقالة
стр. 3188
سنة ١٩٢٢ نتيجه لاحتجاج قدمه طالب حول موقف جناب العدائى من الحركة الوطنية في الأناضول. ولا قامت الجمهورية سنة ١٩٢٣ بذل محاولة لكسب رضا الحكومة الجديدة في أنقرة، ثم عاش حتى وفاته عيشة اعتزال تقريبا يكتب مقالات ويقرض شعرا بين الحين والحين للمجلة الأدبية التي عادت إلى الحياة "ثروت فنون".
وقد وقع جناب وهو في باكورة شبابه تحت تأثير الجماعة الهامة الأخيرة لأنصار المدرسة القديمة في الأدب، وقد جرت أشعاره الأولى على السنة القديمة. ولكنه سرعان ما حرر نفسه من هذا التأثير وبدأ ينظم قصائد استلهم فيها بقوة آثار المجدد التركى الكبير عبد الحق حامد ورجائى زاده إكرم.
ولما عاد من باريس حيث واتته الفرصة الكبيرة لدراسة الأدب الفرنسى المعاصر، استقر رأيه استقرارا على اختيار المدرسة الجديدة التي كان يتولى زمامها رجائى زاده إكرم وتوفيق فكرت، وكانت هذه المدرسة آنذاك تلتف حول الجلة الأدبية "ثروت فنون". ودعى جناب إلى الانضممام إلى هذه المجلة التي أسبغت اسمها على الحركة الأدبية وقت انسلاخ القرن التاسع عشر. وأصبح جناب- بعد فكرت- أنجح شاعر من شعراء الحركة وأكثرهم قربا من قلوب الناس.
وبعد سنة ١٩٠٨ غطى الناثر فيه على الشاعر وأصبح الجيل كله يعده الإمام المتألق للنثر التركى بفضل مقالاته العديدة، ومناظراته السياسية والأدبية، وموضوعاته، ونقداته وملاحظه في رحلاته.
وظل جناب ملتزما بمذهب "الفن للفن" متجاهلا تجاهلا تاما جميع النزعات الجديدة التي قصد بها إلى إحداث انقلاب في الشعر التركى واللغة التركية. وكان جناب متأثرا في اختيار ألفاظه وعنايته بالوزن والصور العجيبة باليارناسيين الفرنسيين إلى حد كبير، وبالرمزيين الأولين إلى حد أقل. وقصائد جناب القليلة نسبيا (جمعها
стр. 3189
بعد موته سعد الدين نزهت أرغون، انظر المصادر) محدودة في تنوعها تدور جميعا حول موضوعين: الطبيعة والحب. وبالرغم من عقدته من ناحية الوزن واختيار الألفاظ التي تواتيه في كثير من الأحيان بالكشف عنها في بطون اللغة العربية وبخاصة في بطون المعاجم الفارسية، فإنه لا يعد أستاذا من أصحاب الأساليب، على أن تردده، وغلظته كثيرا في الأسلوب، لم يمنعاه من أن يقول في بعض الأحيان شعرا أصيلا سائغًا إلى حد عجيب. فيه أخيلة عجيبة وإيقاع في بنيته كقوله: "سقط ندى فضى على ورقة الليل المظلمة، واختلج القمر كقطرة الندى على أديم الليل".
ونثر جناب أكثر زخرفا، وهو نفيس جدا حافل أيضًا بالكلمات العربية والفارسية النادرة. على أنه سرعان ما أصبح لا يناسب الزمن لعجزه عن رؤية التطور السريع الذي لم يكن عنه محيص في اللغة والأسلوب الأدبى التركى بعد سنة ١٩١٠. وقد خاض جناب، مؤيدا بمعجبيه، معركة خاسرة مع جيل الكتَّاب الشباب أنصار "اللغة الجديدة (يكى لسان) الذين كان يقودهم كاتب القصة القصيرة عمر سيف الدين، وكان عمر هذا قد استقر عزمه على تخليص اللغة التركية من سيطرة النحو العربي والمفردات العربية وإدخال لغة الحديث التركى (التركية الحية)، كما كانوا يسمونها، في الأدب. ولما أدرك جناب خطأه سنة ١٩٢٠ بدأ يجرب "اللغة الجديدة"، ولكن الوقت كان قد فات، وكانت أيامه في الكتابة قد ولت. وجمع جناب بعض كتاباته الصحفية الكثيرة ومقالاته في كتاب "أوراق أيام" (إستانبول سنة ١٩١٥) وكتاب "نثر حرب" و"نثر صلح " (إستانبول سنة ١٩١٨) كما جمع مذكراته عن رحلاته في "حج يولونده" (إستانبول، سنة ١٩٠٩، ١٩٢٥) وفي " أوربا مكتوبلرى" (إستانبول سنة ١٩١٩). وكتب جناب أيضًا مسرحيتين: "يالان" سنة ١٩١١ , " قوره به" سنة ١٩١٧. وكان كتابه الأخير دراسته لوليام شيكسبير سنة ١٩٣١.
ويدين جناب بمكانته الهامة في
стр. 3190
تاريخ الأدب التركى لإسهامه المشهود سنة ١٨٩٠ في المدرسة الجديدة للشعر التركى، التي أتمت الانفصال عن جميع تقاليد شعر الدواوين تقريبا، وأقامت إلى غير رجعة الأسلوب الغربي للشعر التركى. ودور جناب في هذا هو الدور الأول بعد توفيق فكرت مباشرة.
المصادر:
(١) روشن أشرف: ديورلر كى، إستانبول، سنة ١٩١٨، ص ٨١ - ٩٣ وفي مواضع مختلفة.
(٢) سعد الدين نزهت أرغون: جناب شهاب الدين حياتى وسجمه سيرلرى، إستانبول سنة ١٩٣٤.
(٣) على جانيب يونتم في آيلك أنسيكلوبيدى، إستانبول سنة ١٩٤٥، ج ١، ص ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٤) Bati tesirinde: Kenan Akyuez Antoloiisi Tuerk الطبعة الثانية، أنقرة سنة ١٩٥٨، ص ٢٦٥ - ٢٩٦.
خورشيد [أفاخر إيز Fahir Iz].
جناح، محمد على
(مرادف هندى باكستانى لجناح؛ والرسم الإنكليزى: Jinnah): محمد على؛ ومحمد على جناح الذي لقَّبه مواطنوه بلقب "قائد أعظم" هو مؤسس دولة الباكستان. وقد نظَّم وقاد حركة باكستان وأصبح أول حاكم عام للدولة الجديدة.
ومن المسلم به بصفة عامة أنه ولد في ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٧٦، ولو أن بعض السجلات تذكر لذلك عام ١٨٧٥ وعام ١٨٧٤؛ وكان أبوه تاجرا متوسط الثراء، وعضوا في أسرة من الخوجات تعيش في كاراتشى. وتلقى محمد تعليمه الأول في بومباى، ثم في مدرسة الإسلام السندية وفي المدرسة العليا لجماعة المبعوثين المبشرين في كاراتشى. ولما حصل على إجازة القبول في الجامعة بعث إلى إنكلترة سنة ١٨٩٢ حيث نال شهادة القانون سنة ١٨٩٦ من كلية لنكولن.
وعاش في لندن في الأيام الأخيرة للأحرار على مذهب غلادستون، وأظهر