سليم. تزوجت من أحد موالى بنى الحارث بن الخزرج، ونزلت معه بالسَّنْح بالقرب من المدينة. ويقال إنها تعلمت الموسيقى والغناء في حداثتها على المغني سائب خاثر، فكانت تسترق السمع إليه. وجدير بنا أن نذكر من حيث الترتيب التاريخي للحوادث أن سائب خاثر هذا، وقد تتلمذت عليه المغنية المشهورة عزة الميلاء، لقى حتفه في وقعة الحرَّة عام ٦٣ هـ الموافق عام ٦٨٢ - ٦٨٣ م (الأغانى، ج ٧، ٠ ص ١٨٨). وقد تخرج في مدرسة جميلة مغنون ومغنيات كثيرون، أشهرهم: معبد وابن عائشة وحبَابة، وسَلَّامة وغيرهم، ذلك أن جميلة كانت من أبعد أساتذة الغناء صيتًا. ويقال إنها كانت صديقة لبثينة صاحبة جميل. وكان يجمعها بكثير من مشاهير الشعراء- مثل عمر بن أبي ربيعة والأحوص وغيرهما- صلات ود وثيقة.
وقد حجت إلى مكة؛ وتقول رواية مشكوك فيها كثيرا إن حجتها كانت بمثابة موكب من مواكب الظفر والانتصار.
المصادر:
١ - الأغانى، الطبعة الأولى، ج ٧، ص ١٢٤ - ١٤٨.
٢ - الأغانى، طبعة Kosegarten، ص ١٦ وما بعدها من المقدمة.
[شاده Schaade].
الجنابة
هي ما يقال له الحدث الأكبر، ويسمى المرء وهو على هذه الحالة جُنُبا، وإنما يطهر بالغسل. على أن الشرع قد نص على الوضوء فقط إذا كان المسلم في حالة الحدث الأصغر.
والجنابة هي حالة الدنس التي وصفت في الآية السادسة من سورة المائدة "يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
стр. 3187
فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حَرَج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون". ونص الشرع كذلك على أن خروج المني بأي وسيلة يعد في حكم الجماع.
ولا تصح صلاة الجنب شرعًا، كما لا يجوز له الطواف حول الكعبة، ولا المكوث في المسجد إلا في حالات الضرورة، والجنب ممنوع من أن يمس القرآن، أو أن يتلو آيات منه إلى أن تزول عنه الجنابة.
ويطلق على الجنابة أيضًا اسم الحدث الأكبر، وهو يقابل الحدث الأصغر.
المصادر:
١ - انظر الفصول الخاصة بالطهارة في كتب الحديث والفقه.
٢ - Zahiriten: Goldziher Die ليبسك ١٨٨٤، ص ٤٨ - ٥٢.
[جوينبول Th. W. Juynboll].
جناب شهاب الدين
(سنة ١٨٧٠ - ١٩٣٤): شاعر وكاتب تركى، وهو واحد من الممثلين الثلاثة لمدرسة "ثروت فنون" في الأدب (الاثنان الآخران هما توفيق فكرت وخالد ضيا).
ولد جناب في مناستير، ولما لقى أبوه الضابط مصرعه في معركة بلونة (سنة ١٨٧٦) استقر جناب في استانبول هو وأمه والتحق طالبا داخليا بمدارس عسكرية عليا شتى، وتخرج في مدرسة الطب العسكرية سنة ١٨٨٩ طبيبا عسكريا.، وقضى أربع سنوات في باريس يكمل دراساته الطبية. ولما عاد إلى تركية خدم في عدة مكاتب صحية في الولايات وفي إستانبول. وحاول بعد دستور سنة ١٩٠٨ وأثناء الحرب العالمية الأولى أن يدخل في الحياة السياسية فلم يصادف في ذلك نجاحا. ولما اعتزل خدمة الحكومة التحق بهيئة التدريس في كلية الفنون بجامعة استانبول (سنة ١٩١٤). ولكنه اضطر إلى الاستقالة
стр. 3188
سنة ١٩٢٢ نتيجه لاحتجاج قدمه طالب حول موقف جناب العدائى من الحركة الوطنية في الأناضول. ولا قامت الجمهورية سنة ١٩٢٣ بذل محاولة لكسب رضا الحكومة الجديدة في أنقرة، ثم عاش حتى وفاته عيشة اعتزال تقريبا يكتب مقالات ويقرض شعرا بين الحين والحين للمجلة الأدبية التي عادت إلى الحياة "ثروت فنون".
وقد وقع جناب وهو في باكورة شبابه تحت تأثير الجماعة الهامة الأخيرة لأنصار المدرسة القديمة في الأدب، وقد جرت أشعاره الأولى على السنة القديمة. ولكنه سرعان ما حرر نفسه من هذا التأثير وبدأ ينظم قصائد استلهم فيها بقوة آثار المجدد التركى الكبير عبد الحق حامد ورجائى زاده إكرم.
ولما عاد من باريس حيث واتته الفرصة الكبيرة لدراسة الأدب الفرنسى المعاصر، استقر رأيه استقرارا على اختيار المدرسة الجديدة التي كان يتولى زمامها رجائى زاده إكرم وتوفيق فكرت، وكانت هذه المدرسة آنذاك تلتف حول الجلة الأدبية "ثروت فنون". ودعى جناب إلى الانضممام إلى هذه المجلة التي أسبغت اسمها على الحركة الأدبية وقت انسلاخ القرن التاسع عشر. وأصبح جناب- بعد فكرت- أنجح شاعر من شعراء الحركة وأكثرهم قربا من قلوب الناس.
وبعد سنة ١٩٠٨ غطى الناثر فيه على الشاعر وأصبح الجيل كله يعده الإمام المتألق للنثر التركى بفضل مقالاته العديدة، ومناظراته السياسية والأدبية، وموضوعاته، ونقداته وملاحظه في رحلاته.
وظل جناب ملتزما بمذهب "الفن للفن" متجاهلا تجاهلا تاما جميع النزعات الجديدة التي قصد بها إلى إحداث انقلاب في الشعر التركى واللغة التركية. وكان جناب متأثرا في اختيار ألفاظه وعنايته بالوزن والصور العجيبة باليارناسيين الفرنسيين إلى حد كبير، وبالرمزيين الأولين إلى حد أقل. وقصائد جناب القليلة نسبيا (جمعها
стр. 3189
بعد موته سعد الدين نزهت أرغون، انظر المصادر) محدودة في تنوعها تدور جميعا حول موضوعين: الطبيعة والحب. وبالرغم من عقدته من ناحية الوزن واختيار الألفاظ التي تواتيه في كثير من الأحيان بالكشف عنها في بطون اللغة العربية وبخاصة في بطون المعاجم الفارسية، فإنه لا يعد أستاذا من أصحاب الأساليب، على أن تردده، وغلظته كثيرا في الأسلوب، لم يمنعاه من أن يقول في بعض الأحيان شعرا أصيلا سائغًا إلى حد عجيب. فيه أخيلة عجيبة وإيقاع في بنيته كقوله: "سقط ندى فضى على ورقة الليل المظلمة، واختلج القمر كقطرة الندى على أديم الليل".
ونثر جناب أكثر زخرفا، وهو نفيس جدا حافل أيضًا بالكلمات العربية والفارسية النادرة. على أنه سرعان ما أصبح لا يناسب الزمن لعجزه عن رؤية التطور السريع الذي لم يكن عنه محيص في اللغة والأسلوب الأدبى التركى بعد سنة ١٩١٠. وقد خاض جناب، مؤيدا بمعجبيه، معركة خاسرة مع جيل الكتَّاب الشباب أنصار "اللغة الجديدة (يكى لسان) الذين كان يقودهم كاتب القصة القصيرة عمر سيف الدين، وكان عمر هذا قد استقر عزمه على تخليص اللغة التركية من سيطرة النحو العربي والمفردات العربية وإدخال لغة الحديث التركى (التركية الحية)، كما كانوا يسمونها، في الأدب. ولما أدرك جناب خطأه سنة ١٩٢٠ بدأ يجرب "اللغة الجديدة"، ولكن الوقت كان قد فات، وكانت أيامه في الكتابة قد ولت. وجمع جناب بعض كتاباته الصحفية الكثيرة ومقالاته في كتاب "أوراق أيام" (إستانبول سنة ١٩١٥) وكتاب "نثر حرب" و"نثر صلح " (إستانبول سنة ١٩١٨) كما جمع مذكراته عن رحلاته في "حج يولونده" (إستانبول، سنة ١٩٠٩، ١٩٢٥) وفي " أوربا مكتوبلرى" (إستانبول سنة ١٩١٩). وكتب جناب أيضًا مسرحيتين: "يالان" سنة ١٩١١ , " قوره به" سنة ١٩١٧. وكان كتابه الأخير دراسته لوليام شيكسبير سنة ١٩٣١.
ويدين جناب بمكانته الهامة في
стр. 3190
تاريخ الأدب التركى لإسهامه المشهود سنة ١٨٩٠ في المدرسة الجديدة للشعر التركى، التي أتمت الانفصال عن جميع تقاليد شعر الدواوين تقريبا، وأقامت إلى غير رجعة الأسلوب الغربي للشعر التركى. ودور جناب في هذا هو الدور الأول بعد توفيق فكرت مباشرة.
المصادر:
(١) روشن أشرف: ديورلر كى، إستانبول، سنة ١٩١٨، ص ٨١ - ٩٣ وفي مواضع مختلفة.
(٢) سعد الدين نزهت أرغون: جناب شهاب الدين حياتى وسجمه سيرلرى، إستانبول سنة ١٩٣٤.
(٣) على جانيب يونتم في آيلك أنسيكلوبيدى، إستانبول سنة ١٩٤٥، ج ١، ص ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٤) Bati tesirinde: Kenan Akyuez Antoloiisi Tuerk الطبعة الثانية، أنقرة سنة ١٩٥٨، ص ٢٦٥ - ٢٩٦.
خورشيد [أفاخر إيز Fahir Iz].
جناح، محمد على
(مرادف هندى باكستانى لجناح؛ والرسم الإنكليزى: Jinnah): محمد على؛ ومحمد على جناح الذي لقَّبه مواطنوه بلقب "قائد أعظم" هو مؤسس دولة الباكستان. وقد نظَّم وقاد حركة باكستان وأصبح أول حاكم عام للدولة الجديدة.
ومن المسلم به بصفة عامة أنه ولد في ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٧٦، ولو أن بعض السجلات تذكر لذلك عام ١٨٧٥ وعام ١٨٧٤؛ وكان أبوه تاجرا متوسط الثراء، وعضوا في أسرة من الخوجات تعيش في كاراتشى. وتلقى محمد تعليمه الأول في بومباى، ثم في مدرسة الإسلام السندية وفي المدرسة العليا لجماعة المبعوثين المبشرين في كاراتشى. ولما حصل على إجازة القبول في الجامعة بعث إلى إنكلترة سنة ١٨٩٢ حيث نال شهادة القانون سنة ١٨٩٦ من كلية لنكولن.
وعاش في لندن في الأيام الأخيرة للأحرار على مذهب غلادستون، وأظهر
стр. 3191
في هذه الأثناء اهتماما شديدا بالحياة العامة، وكان معجبا ونصيرا لدادا بهائى نوروجى أول هندى انتخب في مجلس العموم. وفي هذه المرحلة أيضًا اتخذ سمة الإنكليز في الظاهر. وقد جرى حتى السنة الأخيرة من حياته على لبس اللباس الإنكليزى الخالص والنظارة ذات العين الواحدة، وقد ألقى جميع أحاديثه الهامة بالإنكليزية حتى الكلمة التي ألقاها في الإذاعة في ٣ يونيه سنة ١٩٤٧ بمناسبة قبول خطة التقسيم، تم ترجمها آخرون إلى الأوردية. وصفوة القول أنه كان قد أصبح "مستز جناح".
وعاد محمد على إلى الهند سنة ١٨٩٦ وبدأ في السنة التالية يمارس مهنة المحاماة في بومباى. ولم يلبث بعد عدة سنوات عجاف أن أصبح من أئمة رجال المحاماة في بومباى. وكانت عقليته دائما عقلية المحامى، وكان حديثه يتوخى الدقة أكثر من البلاغة، وكان قليل الصبر مع أولئك الذين يستخدمون الكلمات رموزا لإثارة الانفعالات. وكان يخاطب الحكومة البريطانية أو الأقلية الهندية المتعلمة، فإذا تحدث إلى الجماهير تحدث بالإنكليزية باللغة نفسها التي كان يستخدمها في كتابة ملخص. وإذا استجابت الجماهير فإنها كانت تستجيب لجدية الرجل واستقامته وليس لحرارة كلماته.
وكانت أول صغامرة لجناح في السياسة الهنذية هي عضويته للمؤتمر الوطنى الهندى، وقد حضر دورة انعقاد سنة ١٩٠٦ بوصفه كاتب سر خاص لنوروجى الذي كان آنئذ رئيسا للمؤتمر. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أي في يناير سنة ١٩١٠، اتخذ مقعده عضوا في أول مجلس تشريعى إمبراطورى، وقد انتخب ليمثل مسلمي بومباى، وكان أول عضو غير رسمى يحقق سن قانون تشريعى، وكان في هذه الحالة قانونا يصحح وضع الأوقاف الإسلامية.
وفي سنة ١٩١٣ انضم جناح إلى الرابطة الإسلامية وهو باق شخصية مؤثرة في المؤتمر الإسلامي. وقد قدر له، كما قال كوكهاله أن يكون "سفيرا للوحدة الهندية الإسلامية". وقد كان له
стр. 3192
الدور الأكبر في التفاوض بشأن "ميثاق لكهنو" الذي اتفق فيه المؤتمر والرابطة الإسلامية على خطة في الإصلاح الدستورى تنطوى على ضمانات لحقوق المجتمع الإسلامي. وقد رأس جناح سنة ١٩١٦ دورة اجتماع الرابطة التي أقرت هذه القترحات.
وقد جلبت السنوات التي أعقبت سنة ١٩١٨ موجة من التطرف والعنف إلى السياسة الهندية، فقد أحس جناح بتوكيده الدائب على ما يسمى "الأسس الدستورية" أنه هو نفسه قد اقتلعه المتطرفون. وفي سنة ١٩١٩ استقال من المجلس التشريعى احتجاجا على توسيع سلطة الشرطة في القمع. وفي العام التالي افترق عن المؤتمر في مسألة عدم التعاون. وبالإضافة إلى فرقته للمؤتمر نجد أن جناح قد أرضى نفسه مفترقا عن كثير من إخوانه السلمين الذين كانوا أضارا متحمسين لحركة الخاوفة، وتضاءلت أهمية الرابطة الإسلامية وانقسمت على نفسها من الداخل.
وكان جناح قد تزوج للمرة الأولى وهو بعد طفل قبل رحيله إلى إنكلتره سنة ١٨٩٢، ولكن زوجته توفيت وهو في خارج البلاد، وكان زواجه الثاني من ابنة سرى من سراة اليارسيين، وقد وقع هذا الزواج سنة ١٩١٨. ولم يكن زواجا موفقا فانفصل الطرفان قبل أن تتوفى الزوجة بعد ذلك بعشر سنوات. وكانت أخته فاطمة ترعى شئونه المنزلية معظم حياته.
ولعب جناح دورا في الحياة الهندية العامة ما بين سنتى ١٩٢٠ و ١٩٣١. ولكن لا نستطيع أن نقول إنه لم يكن من الشخصيات المتصدرة للصفوف. ولا شك أنه لم يكن المتحدث الوحيد أو الرئيسى عن المسلمين الهنود. وقد انتخب في جمعية مركزية وكان مندوبا في المؤتمرين الأولين للمائدة اللمستديرة (سنة ١٩٣٠ - ١٩٣١). وفي هذه المرحلة بدأ يعمل في المجلس الخاص للمحامين وأقام دارا في لندن، وأصبح لا يزور الهند إلا زيارات متقطعة.
وكانت عودته الأخيرة سنة ١٩٣٥ بعد تنفيذ الأحكام الدستورية الجديدة
стр. 3193
لقانون حكومه الهند، وقد بدأ على الفور تقريبا في التحرك نحو السيطرة على الرابطة الإسلامية وتطورها من حيث هي الأداة الرئيسية للقومية الإسلامية. وفي سنة ١٩٣٦ أصبح رئيس المكتب البرلمانى للرابطة، وهي اللجنة التي نهضت بالحملة الانتخابية. وكان غرض أعضائها تنفيذ برنامج للاتصال الجماهيرى، ولكنهم لم ينجحوا نجاحا مشهودا كما يتبين من الفوز الضئيل الذي سجلته الرابطة في انتخابات سنة ١٩٣٧. وهنالك تسنم المؤتمر الذي أبلى بلاء حسنا، السلطة في معظم الولايات، وطهر أنه حقق دعواه في أنه الوارث الوحيد للسلطة البريطانية. وعندئذ بادر جناح، الذي كان وقتذاك رئيسا للرابطة، إلى منازعة المؤتمر هذا الزعم: مقررًا أنه لا يمكن إتخاذ خطوات دستورية أخرى دون موافقة الأمة الإسلامية ممثلة في الرابطة.
وكان أول خط دفاع في حجته أن المسلمين لا يمكن أن يتوقعوا عدالة كاملة في مجتمع سياسى أغلبيته من الهندوس، وعنيت الرابطة عناية كبيرة بمظالم المسلمين من وزارات المؤتمر الإقليمية. وفي سنة ١٩٣٩، أي بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، استقالت حكومات المؤتمر. واستطاع جناح، الذي عاون في المجهود الحربى بحذر، أن يقوى مؤسسته وأن يحقق، في سنوات هذه الحرب، مشاركة الرابطة في حكومة عدة ولايات.
وهنالك ألقى بالحجة الثانية الكبرى، وهي تقوم على توكيد أن قيام كيان مستقل لمسلمى الهند أمر ممكن وضرورى. وكان محمد إقبال قد اقترح مثل هذه الخطة سنة ١٩٣٠, ولكنها لم تتخذ برنامجا سياسيا حتى اجتماع الرابطة الإسلامية بلاهور في مارس سنة ١٩٤٠، وكان ذلك هو القرار الباكستانى.
ومع ذلك فإنه لم يكن هن الواضح بعد هل يمكن أن يزعم جناح أنه يتحدث باسم الرأى العام الإسلامي؟ ذلك أن الرابطة في البنغال والبنجاب، والسند وولاية الحد الشمالي الغربي التي كانت هي المناطق التي للمسلمين فيها الأغلبية، كانت عاجزة عن أن تمارس سيطرة فعالة دائبة، ومهما يكن من
стр. 3194
شيء فإن الرابطة في انتخابات سنة ١٩٤٦، قد كسبت جميع مقاعد المسلمين تقريبا، ولم يستطع أحد إنكار موقف جناح من حيث هو المتحدث باسم الأغلبية الساحقة.
وقد اشترك جناح اشتراكا فعالا في المفاوضات التي لم أدت إلى قيام مشروع التقسيم، وكان لا يكف عن الإلحاح بأن المسلمين يجب أن يسمح لهم بأن يختاروا لأنفسهم دولة مستقلة. وفي يونيه سنة ١٩٤٧ تحقق غرضة وقامت دولة باكستان في منتصف ليلة ١٤ - ١٥ أغسطس سنة ١٩٤٧. وتولى هو منصب الحاكم العام لها ورئيس الجمعية التاسيسية. وقد وجه جناح جهود الأولى نحو إنهاء سفك الدم والحقد الجماعى. وما وافى هذا الوقت حتى كان جناح قد بلغ السبعين من عمره، وكانت صحته تبدو عليها أمارات الانهيار. ومع ذلك فقد رأس إقامة الجهاز الحكومى وكان مسيطرا سيطرة فعالة على تدبير الأمور. وفي خلال سنة ١٩٤٨ ازدادت صحته وهنا على وهن وأدركته المنية في ١١ سبتمبر.
وكان جناح رجلا غيَّر مجرى التاريخ، صحيح أنه كان ثمة شعور قومى إسلامي قبله، لكنه اسبغ عليه الثقة بالنفس وأفاء عليه النظمام، وكان جناح رجلا نزيها لا يحيد، وربما كان من العسير على المرء أن يحبه، غير أنه يحمل المرء على الإعجاب به. كان وطنيا مسلما وإن لم يكن في أعماقه رجل دين. وعنده أن التراث الإسلامي حضارة. وثقافة وكيان قومى. ثم هو قد أسس دولة ثابتة الأركان كما فعل بابر.
المصادر:
(١) H. Bolito: J innah، لندن سنة ١٩٥٤.
(٢) Mo-: Matlubul Hasan Sayid hammad Ali Jinnah، لاهور سنة ١٩٥٣.
(٣) Jamilud in Ahmed (الناشر): Writings of Mr. Jinnah Speeches and، في مجلدين، لاهور سنة ١٩٤٢، ١٩٤٧.
خورشيد [كالارد R.Callard]
стр. 3195
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«جن - حرب»
[الجزء الحادي عشر]
стр. 3196
جن
في نظر المسلمين: أجسام هوائية أو نارية، عاقلة خفية تتشكل بأشكال مختلفة، ولها قدرة على الأعمال الشاقة (انظر تفسير البيضاوى لسورة الجن، الآية الأولى؛ وانظر الدميرى: كتاب الحيوان، هذه المادة). "وخلق الجان من مارج من نار" (سورة الرحمن، الآية ١٥). أما سائر الكائنات العاقلة فهي الإنسان والملائكة، خلق الإنسان من صلصال، والملائكة من نور. على أن الجن يثابون؛ فقد بعث الله النبي [ ﷺ ] إلى الجن كما بعثه إلى الإنس؛ فبعضهم إلى الجنة، وبعضهم إلى النار؛ وصلة الجن بإبليس (أي الشيطان) وصلتهم بالشياطين غامضة. فقد جاء في سورة الكهف، الآية ٥٠، أن إبليس كان من الجن، ولكن الآية من سورة البقرة يفهم منها أن إبليس كان من الملانكة (١)، ومن هنا كثر الخلط ونشأت عدة أساطير، وافترضت عدة فروض (ويمكن الرجوع في ذلك إلى تفسير البيضاوى لهذه الآية وتفسير الرازي لها في كتابه مفاتيح الغيب، طبعة القاهرة سنة ١٣٠٧ هـ، ج ١، ص ٢٨٨ وما بعدها). ويميل أصحاب المعاجم من المسلمين إلى اشتقاق كلمة جن من الاجتنان أي الاستتار (انظر Lane، هذه المادة، والبيضاوى في تفسير سورة اليقر ة، طبعة Fleischer، ج ١، ص ٢٢) غير أن هذا الاشتقاق بعيد للغاية، كما أن القول
стр. 3197
كما أن القول باشتقاقها من كلمة genius لا يستبعد كثيرا. والقول بأن لكل مكان إلها خاصا به: - Naturalem deem uni uscuiusque loci (Serv. Verg ج ١، ص ٣٠٢) يعبر ادق تعبير عن شدة ارتباط الجن بأماكنهم الخاصة بهم (١) (انظر Noeldeke: المعلقات، ج ١، ص ٧٨، ٦٤؛ ج ٢، ص ٨٩، ٦٥) وأنهم كانوا في بلاد العرب في عهدها القديم أشبه بالآلهة (Religion: Robertson Smith of Semites ص ١٢١).
ومفرد جنَّ جِنِّى، وتستعمل كلمة "جان" مرادفة لكلمة "جن" (Lex-: Lane icon، ص ٤٩٢ والغول والعفريت والسعلاة من الجن. وثمة رأى إثيوبى يقول بوجود ارتباط بين الجنِّ والغول والعفريت والسعلاة (Neue: Noeldeke Beitraege، ص ٦٣).
ودراسة الجن تنقسم بطبيعة الحال ثلاثة أقسام، وإن كانت بالضرورة تتداخل بعضها في بعض:
١ - كان الجن في رأي عرب الجاهلية حوريات الصحراء وغيلانها، ذلك الجانب من حياة الطبيعة الذي يصيب الإنسان بالشر ولم يستطع بعد أن يخضعه لسلطانه (انظر عن هذا الكتاب Robertson السابق ذكره؛ وانظر Noeldeke عن العرب القدماء في Hass- of Religion and Ethics: stings . Encycl, ج ١، ص ٦٦٩ وما بعدها؛ : Wellhausen Daemonen . bei d.: Van Vloten Reste alt Arabern في Wiener Zeitschr. f. Kunde . V des Morgenl ج ٧، ٨ , وقد أفاد مما ورد في كتاب الحيوان للجاحظ). أما في عهد النبي [ ﷺ ] فقد أخذوا ينظرون إليها نظرة غامضة خفية، [ومن قبله] جعل المكيون بين الجن والله نسبا (انظر سورة الصافات، الآية ١٥٨)، وجعلوا لله شركاء الجن .. (سورة الأنعام، الآية ١٠٠) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا (سورة الأنعام،
стр. 3198
الآية ١٣٦)، ويعوذون بهم (سورة الجن، الآية ٦).
٢ - واعترف القرآن بوجود الجن اعترافا كاملًا كما هي الحال إلى يومنا هذا، وبذل الجهد للوصول إلى النتائج المترتبة على هذا الاعتراف، فبلغوا بها أقصاها. فقد نوقشت الحالة الشرعية للجن من جميع نواحيها ووضعت لها الحدود، كما درس كل ما يمكن أن يكون بين الجن والإنس من علائق كالزواج والملكية (١). ومن الواضح أن قصص غرام الجن والإنس كانت دائما مثار اهتمام الناس، ويسوق صاحب الفهرست لم سماء ست عشرة قصة من هذه القصص (ص ٣٠٨) وهي تذكر في مجموعات الأقاصيص كافة (مثل تزيين الأسواق لداود الأنطاكى، ص ١٨١ وما بعدها، طبعة القاهرة سنة ١٣٠٨ هـ؛ وكتاب مصارع العشاق للسرَّاج، ص ١٨٦ وما بعدها، طبعة الآستانة سنة ١٣٠١). وهناك أيضًا قصص متعددة عن العلاقات بين الأولياء والجن Religious: Macdonald) Attitude and life in Islam، ص ١٤٤ وما بعدها).
وهناك تصنيف جيد لكل هذه الموضوعات هو كتاب "آكام المرجان في أحكام الجان " لبدر الدين الشبلى المتوفى عام ٧٦٩ هـ وهذا الكتاب مطبوع بالقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ (وأنظر أيضًا Noeldeke في Zeitschr. d. Deutsch. .Morgeni. Gesell ج ٦٤، ص ٤٣٩ وما بعدها).
أما من تجاسر على الشك في وجود الجن فهم قلة حتى بين المعتزلة، وإنما قال هؤلاء بآراء مختلفة في طبيعة الجن وأثرهم في الماديات. وحاول الفلاسفة
стр. 3199
المتقدمون -وفيهم الفارابى- تجنب البحث؛ فعرَّفوا الجن بتعريفات غامضة، ولكن ابن سينا عند تعريفه لكلمة "جن" أكد في غير مواربة أنه ليست هناك حقيقة واقعة وراء هذه الكلمة، وتخلص الفلاسفة المسلمون المتأخرون من هذه المسألة أيضًا فلجأوا حينا إلى التفاسير وحينا إلى الميتافيزيقا. فابن خلدون مثلًا يجعل الآيات القرآنية التي تشير إلى الجن من الآيات المتشابهات وعلمها عند الله وحده (سورة آل عمران، الآية ٧). وقد درست هذه المذاهب المختلفة دراسة جيدة في كشاف اصطلاحات الفنون (ج ١، ص ٢٦١ وما بعدها؛ وانظر مفاتيح الغيب للرازى، سورة الجن).
٣ - الجن في الأدب الشعبي.
من الطبيعي جدا أن يكون الانتقال إلى هذا الباب قد جاء عن طريق استخدام الجن في السحر. فقد أقر الفقه الإسلامي دائما مثل هذا الاستخدام، وإن كان الاختلاف في شرعيته. فصاحب الفهرست يتتبع الأنواع المباحة وغير المباحة إلى الأزمنة القديمة، ويذكر مصادره اليونانية والحرَّانية والكلدانية والهندية. واليوم تعد الكتب التي تتناول ارتباط الجن بالأعمال السحرية جزءًا هاما من أدب الشعب. فالجميع يعرفون هذه الكتب ويقرأونها ولا تخفى خافية منها على المشتغلين بالسحر، وللجن شأن هام أيضًا في القصص الشعبي، على خلاف قصص أئمة الأدباء. وهذا ما نشاهده في ثنايا كتاب ألف ليلة وخاصة في القصص الدينية الشعبية التي نشر فايل Weil قصتين منها في ترجمته لهذا الكتاب، وهما قصة جودر الصياد، وقصة على وظاهر الدمشقي. وأقرب من هذا إلى آراء الجماهير مجموعة Marchen وهي التي جمعها عن طريق الرواية أرتين Artin وأويستروب Oes- trup وسبيتا وستومه Stomme وغيرهم. ففي هذه المجموعات تطغى الخصائص الشعبية للأجناس المختلفة على الطابع الإسلامي العام. فالروح الظاهرة فيها أقرب إلى روح أهل شمال إفريقية والمصريين والشاميين والفرس والترك منها إلى الروح العربية
стр. 3200
أو الإسلامية. ونجد -إلى جانب ذلك- المعتقدات الشائعة والعادات المتداولة المتصلة بالجن، وهي لم تجمع بعد جمعا كاملًا، وفي ثنايا هذه القصص جميعا مسائل تتفق ورأى الإسلام في الجن. فنجد مثلًا أن الاعتقاد الشائع عند المصريين هو أن الشخص الذي يقتل يصبح عفريتا يحوم في المكان الذي قتل فيه (انظر Spoken Arabic of: Willmore Egypt، ص ٣٧١، ٣٧٤) بينما نجد أن المذاهب الإسلامية تنص على أن مرتكب الكبيرة يصير بعد الممات جنًا وذلك في عالم البرزخ (انظر كشاف اصطلاحات الفنون، ج ١، ص ٢٦٥). وأورد ويلمور تفصيلات أخرى عن الجن في مصر (وانظر فيما يختص ببلاد العرب الحبنوبية: عبد الله منصور: The Land of Uz، ص ٢٢، ٢٦، ٢٠٣، ٣١٦، ٣٢٠؛ وأنظر أيضًا R. C. Thomson في Proc. of .Soc. of Bibl Arch ج ٢٨، ص ٣، وما بعدها؛ Sayce في Folklore. سنة ١٩٠٠، ج ٢، ص ٣٨٨ وما بعدها Lydia Einsz- ler في Zeitschr. d. Deutsch. pal. Vereins ج ١٠، ص ١٧٠ وما بعدها؛ Mrs. H. H. Spoer في Folklore ج ١٨، ص ٥٤ وما بعدها؟ ؛ Aspects of: Macdonald Islam، ص ٣٢٦ وما بعدها).
والمجال لا يزال متسعا للدراسات الخاصة بهذا الموضوع.
المصادر:
(١) الدميرى: حياة الحيوان، مواد: جن، وسعلاة، وعفريت، وغول وكذلك الترجمة التي قام بها Jayakar لهذا الكتاب، لندن وبومباى سنة ١٩٠٦ - ١٩٠٨.
(٢) عجائب المخلوقات للقزوينى، ص ٣٦٨ وما بعدها. طبعة فستنفلد.
(٣) Modern Egyptians: Lane، مادة جن في الفهرس.
(٤) Arabian Nights: Lane المقدمة، تعليق رقم ٢١، فصل ١، التعليقات، ١٥، ٢٤.
(٥) Arabische Philologie: Goldziher، ج ١، الفهرس.
(٦) Vorlesungen: Goldziher ص ٦٨، ٧٨ وما بعدها.
стр. 3201
(٧) Magie et Religion: Doutte
(٨) Religious Attitude: Macdonald Life in Islam and, فصل ٥، ١٠، والفهرس.
[ماكدونالد D. B. Macdonald]
+ في الأدب الشعبي التركى: من الكلمات المستعملة للدلالة على الجن نجد أن Cin (جن) هي أشيعها، أما "إجنّى" فرواية في جن. وأما كلمة "إن " التي لاتستعمل إلا في صيغة "إن جن " فإن لها في بعض الأحوال معنى الجن. وهي تحريف لكلمة "إنس" جاء من العبارة الجامعة "الإنس والجن" التي ترد كثيرا في القرآن. وفي الحديث اليومى وكذلك في قصص المغامرات ذات التهاويل والحكايات التي تروى الخوارق ترد الكلمة "يارى" مرادفة لكلمة جن، وكثيرا مايلتبس بين هذين المصطلحين حتى في الروايات، على أن المصطلح الثاني مع ذلك ينتمى حقا إلى عالم حكايات الخوارق حيث يقل شيوع كلمة جنى. وفي أجزاء من شرقي الأناضول (في توقات وأرضروم مثلًا؛ وانظر عن أرضروم: سامى آقالين: أرضروم بيلمجه لرى، إستانبول سنة ١٩٥٤، الحاشية) تستعمل كلمة "مكير" للدلالة على مخلوق من الخوارق له كل خصائص الجن. ويحدث أحيانا، حين يكون المرء حريصا على أن يتحاشى أي ضرر يلحق به منهم، أن يستبدل بكلمة جن- بحكم تحريم لغوى- عبارة "إييى سآته أولسونلر" ("أرجو أن يكونوا في لحظة سعادة" ومعنى ذلك: "مخلوقات أرجو أن يكونوا معتدلى المزاج ميالين إلينا"). ومن المعتقد أن ثمة جنا مسلمين وجنا وثنيين، والجن الوثنيون يعدون أكثر شرا وأصعب قيادا.
وينظر إلى الجن على اعتبار أنهم مخلوقات من الجنسين وأنهم يعيشون جماعة، ولهم رئيسهم، أو "بادشاه " كما غلب القول عليه. ويدور نشاطهم كله ليلا وينتهى بصياح الديك أو بالآذان لصلاة الصبح. وتسمى الروايات والحكايات وقصص الخوارق من جميع الأنواع الأماكن التي يعيشون فيها أو يؤمونها كثيرا والأمكنة المختارة للقائهم للتسلية، وهذا يكون دائما في الليل:
стр. 3202
وهي الطواحين والحمامات والخرائب، ودور المجانين والمقابر وبعض الخانات (وخاصة حين تهجر أو تتداعى) وبعض الأماكن في الريف وخاصة في قاعدة الأشجار الكبيرة. وثمة بعض الدور الخاصة التي اشتهرت بأن الجن يزورونها وخاصة "حجر الضيافة" في القرى. وتقول الرواية المحلية في استانبول أن هناك عددا من الأماكن في داخل المدينة وخارجها اشتهرت بأن مثل هذه المخلوقات الخارقة تسكنها. ويقال إن مأموى ملك جن البحر أمام برج لياندر في البوسفور. وثمة أسطورة واحدة تفسر لماذا يؤم الجن مسجدا في ديمتوقه (في الرومليِّ) ليلا، بل إن الإحتياطات تتخذ حتى في النهار بالنسبة لبعض الأماكن مثل دورات المياه والأركان البعيدة التي تكوَّم فيها القمامة أو تطفح بالماء القذر مثل قواعد الأشجار، والأركان القذرة الهادئة على ضفاف الأنهار وقاعدة جدران المجارى، والأماكن المظلمة المسورة (مثل حجرات سقط المتاع) وغير ذلك من الأماكن.
وتظهر الجن للناس بأشكال مختلفة، والغالب أن يكون ذلك في صورة حيوان مثل: قطة سوداء (تخلو تماما من آية علامات بيضاء) أو معزى (نعجة أو جديا)، أو كلب أسود، أو بطة، أو دجاجة مع فراخها، أو جاموسة، أو ثعلب، أو تظهر في صورة بشر إما على هيئة إناس من الحجم الطبيعي أو أقزام، وتظهر أحيانا في صورة بشر عمالقة الجسم (وهناك كثيرون من الناس الذين زعموا أنهم رأوهم يصفونهم بأنهم بيض كل البياض نحفاء وطوال في طول المئذنة أو عمود البرق). وهم يظهرون أيضًا وعليهم سمات الطفل في قماطه. وفي فنون السحر التي يمارسها الزنوج في تركية تعد الحية الحيوان الذي تتجسد فيه الجن .. والذئاب والطيور هي- دون سواها- الحيوانات الأخرى التي لا تتاثر الجن بهجماتها.
وتصرَّف الجن حِيال الأناسى على ثلاثة أنواع: إذا استطاع الناس تجنب إثارتهم فإنهم لا يؤذونهم: فهم لا يبالون بهم، أو إنهم- في بعض
стр. 3203
الأوقات- يكتفون بممارسة ألاعيب شتى غير مؤذية. أما الأناسى التي تستاهل فعالهم بعض المكافأة فإن الجن يجلبون لهم فوائد عظيمة. وهم يعاقبون الغافل الوقح من الإنس بابتلائه بالمرض أو العجز. وتسوق بعض الحكايات، وخاصة الحكايات الأسطورية، بيانات بما يحدث عندأماكن بعينها تذكر فيها أسماء أشخاص بعينهم لقوا فيها معاملة عجيبة على يد تلك المخلوقات الخارقة. (انظر عن الحكايات التي من هذا القبيل: Typen tuer-: Eberhard-Botrav kischen Volksmaerchen فيسبادن سنة ١٩٥٣، نماذج رقم ٦٧، ٣٦٧، ٥٦٧، ١١٨، وأنظر أيضًا الكلمات Geister و Peri و Teufel وفي الفهرس؛ ملاحت صبرى: جنلر في خلق بلكيسى خبرلرى، ج ٣، ص ١٤٣ - ١٥١؛ ونقلت هذه المقالة بنصها في M.Halit Jstanbul Fokdoru: Bayri إستانبول سنة ١٩٤٧، ص ١٧٦ - ١٨١؛ ا. جعفر أوغلى: أورطه أناطولى أغيزلرندن درلمه لر، إستانبول سنة ١٩٤٨، ص ٢٠٩ - ٢١٠). ومن هذه الحكايات الخارقة بعض تروى كيف يقدم الإنس التماسات بشخصهم أو بوسيط إلى ملك الجن وهو في مجلس المشورة. ومن السمات المميزة للهبات التي يهبها الجن لأولئك الذين يرضون عنهم أن هذه الهبات تكون على هيئة البصل والثوم المقشور، ويستحيل البصل قطعا من الذهب والثوم فضة.
والأمراض التي يبلون بها الناس أنواع مختلفة: الشلل النصفى، وأشكال مختلفة من الشلل النصفى والتواء الأطرف، وهذا هو الغالب. وهم أحيانا يتدخلون في الحياة العائلية ويفسدون الزيجات. ويحدث ذلك نتيجة لقيام الشاب أو المرأة بإثارة الجن على أي وجه. وهناك سبب آخر هو أن يكون واحد أو واحدة من الأناسى محبوبا أو محبوبة ويعدها الجنى أو الجنية خطيبة له أو خطيبا لها بحسب الظروف.
وطرق تحاشى الجن وفعالهم الضارة يمكن أن ندرجها تحت فئتين: فئة تتعلق بالإجراءات الوقائية التي يمكن أن يتخذها المرء بشخصه، والإجراءات التي تتخذ في حالات
стр. 3204
تقتضي الرجوع إلى مختص. وبعض الإجراءات الوقائية الخاصة بتحاشى إثارة الجن هي: أن يتجنب المرء قدر الإمكان الأماكن التي يغشونها وألا "يدنس"، هذه الأماكن (بتلطيخها أو البصق عليها أو التبول فيها إلخ) على أن يبسمل دائما أو يقول "دستور" (وهذه الكلمة معناها "بعد إذنك") قبل أن يفعل أي شيء وقبل أن يحرك أي شيء، وألا ينسى قط أن ينطق بهذين القولين: أي في كل مرة يدع فيها المرء أي شيء أو مليس في صندوق أو حين يضع أي مؤن في مخزن إلخ حتى لا يأتي عليها الجن.
وفي حالات المرض أو العجز الخطيرة التي يظن أن السبب فيها هي الجن يجب الرجوع إلى مختص، ويكون هو "الخوجة" أو "المشايخ" أو حتى من البسطاء الذين لا يحملون أي لقب علمي الذين هم وسطاء الجن (وهم يسمون "خدملى") ويعد الجن خدما أو عبيدا يخضعون خضوعا تاما لهؤلاء. والإجراءات المتبعة في الرقى والتعازيم تتخذ أشكالا شتى، ولكن المبدأ واحد لا يتغير: فالساحر (ويسمى أيضًا بأسماء من قبيل "جندار" أو "جنجى" أي مسخر الجن) يستحضر الجن أو الجنى الذي يظن أنه مصدر المتاعب أو ذلك القادر على كشفها، وحين ينجح في استحضار الجنى المذنب يتفاوض معه إما بالاعتذار له أو بتهديده حتى يحرر فريسته من أذاه ويبرئها. وبعض هذه الرقى والتعازيم تقام في غيبة المريض أو من أدركه الأذى؛ وبعضها الآخر يقتضي حضوره، كما هي الحال في فنون السحر الخاصة بالأتراك الزنوج (سكان إفريقية)، وهم أولئك الذين أقاموا قبل سنة ١٩٢٠ وخاصة في المدن الكبيرة مثل استانبول وأزمير، نقابات من العرافين في ظل "كديات " وهم زعماؤهم الروحيون. وقد اعترف السكان البيض أيضًا بكفاءة طبهم السحرى (انظر عن هذا الموضوع: . A Pratiche magishe africane: Bombaci في Folklore، ج ٣، رقم ٣ - ٤، سنة ١٩٤٩ , نابلى، ٣ - ١١؛ Boratav .P.N: The Negro in the Turkish Folklore في Journal of American Folklore، ج ٦٤، سنة ١٩٥١، رقم ٢٥١، ص ٨٣ , ص ٨٨ - Boratav P.N.:
стр. 3205
- Les Noirs dans le folklore turc et le folk lore des Noirs de Turquie في Journal de la Societe des Africanistes, ج ٢٨، سنة ١٩٥٨، ص ٧ - ٢٣).
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة فإن كاتبها أفاد من المواد التي حصلها من دراساته هي ونصوص الحكايات والأساطير والقصص ذات التهاويل في مجموعته من المخطوطات. أما الافتقار إلى وجود أي كتاب شامل في هذا الموضوع فثغرة في دراسة الأدب الشعبي التركى.
خورشيد [بوراتاف P.N. Boratav]
الهند- يلقى المرء في الهند ثلاثة تصورات متميزة للجن، هي: تصور سلفى محافظ يعتمد على تفاسير القرآن التي تقوم على ظاهر اللفظ؛ وخرافات تتجلى في الخرافات الشعبية؛ وأفكار عقلانية تماثل ما حاوله السير سيد أحمد خان وغيره من مدرسته في التفكير.
١ - في الأخبار السلفية أو المحافظة يظهر الجن في صورة مخلوق خلق من نار، وهو يختلف عن الإنسان الذي خلق من صلصال. والجن غير مرئيين أثيريون (لغة القرآن لعبد الرشيد نعمانى، ج ٢، ص ٢٥٤ - ٢٥٦)، ويكاد يكون جميع علماء الهنود في التفسير يرون هذا الرأى. ويذكر عنايت الله ثلاثة أنواع من الجن (١) مخلوقات أثيرية ليس لها أي شكل مادى. (٢) مخلوقات شبيهة بالحيات. (٣) أولئك الذين سيخضعون للحساب الإلهى يوم القيامة مثلهم في ذلك مثل الإنس. (٤) مخلوقات لها سمات تشبه البهائم (مصباح الفرقان في لغة القرآن، دلهى سنة ١٣٥٧ هـ، ص ٨٥) وقد عدَّهم بعض الفقهاء مخلوقات حقيقية جديرة بأن تنظر في المشاكل الفرضية التي تنشأ من زواج الإنس بالجن، بالرغم من اعتقاد هؤلاء الفقهاء بأن الجن من الخوارق.
(ب) من المعتقد بعامة أن الجن مخلوقات لا ترى، لها قوى خارقة عظيمة وأن تنظيما لهم يرأسه ملك.
стр. 3206
وهذه الفكرة كانت شائعة في العصور الوسطى حتى بين أوساط المتعلمين في المجتمع الإسلامي. وفي عهد إيلتمش اشتهرت بقعة في جوار "حوض شمس" بدلهى بأنها مأوى الجن (مفتاح الطالبين، مخطوط في مجموعتى الخاصة). ويشير جمالى إلى دار- ضيافة أقامها إيلتمش (سنة ٦٠٧ - ٦٣٣ هـ = ١٢١٠ - ١٢٣٥ م) عرفت باسم "دار الجن" لأنه كان من المعتقد أن الجن يؤمونها. وقد أسكن شيخ الإسلام في دلهى، وهو سيد نجم الدين صفره الشيخ جلال الدين تبريزى في دار ليمتحن قواه الروحية. وقد بعث هذا الشيخ بخادمه ليضع نسخة من القرآن في هذه الدار قبل أن يشغلها هو (سير العارفين، دلهى سنة ١٣١١ هـ.، ص ١٦٥ - ١٦٦) وقد بعث هذا اعتقاد يقضى بأن توضع في كل دار قبل سكناها نسخة من القرآن لتطرد منها الجن. ومنذ أن أعتقد بأن الجن يمكن أن تؤذى الإنس وتصيبهم بعلل خطيرة، فإن كثيرا من الكتاب الدينيين أخذوا يتناولون الأدعية والأوراد التي تفسد أعمال الجن الشريرة. وقد اقترح شاه ولى الله المتوفى سنة ١٧٦٣ طرائق لطرد الجن من الدور (قول الجميل، كانيور سنة ١٢٩١ هـ ص ٩٦، ٩٧).
(ج) وقد بذل سيد أحمد خان محاولة لإسباغ العقلانية على فكرة الجن بتجريدها من كل العناصر الخارقة الخرافية، فذهب إلى أن كلمة جن في القرآن تشير إلى القوم غير المتحضرين وقد فسر عبارة "الإنس والجن" التي جاءت في القرآن أربع عشرة مرة والنصوص المختلفة التي استعمل القرآن فيها كلمة "جن" بأنها إشارات إلى صفات وخصائص مختلفة لهؤلاء "القوم" (تفسير القرآن، ج ٧، عليكره سنة ١٨٨٥، ص ٧٩ - ٨٩)، ولكن هذا الرأى وضعه العلماء موضع النقد.
المصادر:
علاوة على المصادر السابقة والتفاسير المختلفة التي كتبها العلماء المسلمون الهنود انظر:
(١) مولانا محمد زمن: بستان الجن؛ مدارس سنة ١٢٧٧ هـ.
стр. 3207
(٢) صادق على: ماهية الملاك والجن والإنسان على ماثبت من التدبُّر في آيات القرآن، راولبندى سنة ١٨٩٩.
(٣) أسلم جيراكيورى: تعليمات القرآن، دلهى سنة ١٩٣٤، ص ٣٧ - ٣٨.
(٤) مولوى أبو محمد عبد الحق حقانى: البيان في علوم القرآن، دلهى سنة ١٣٢٤ هـ، ص ١١٩ - ١٢٨.
خورشيد [أنظامى K.A. Nizami] .
إندونيسيا: عرف الإندونيسيون المسلمون الجن العربي بصفة عامة من الكتب العربية وفروعها. وقد انتقلت كلمة "جن" إلى لغات إندونيسية شتى (الملايو، كايو إلخ. جن، والجاوية جن أو جم، ولغة مننكباو: جهن، ولغة آشى: جَن إلخ) بل إلى اللغة الفصحى لقوم غير مسلمين مثل البتَك (أو جم). ويستعملها الملاويون مرادفا مهذبا لي "كانتو" أي الروح الشريرة؛ وتستعمل في لغات أخرى (مثل كايو) اسما عاما لجميع أنواع الأرواح الوطنية.
خورشيد [فورهوف P. Voorhoeve].
الجنة
هي الإسم الذي يطلقه القرآن والحديث غالبًا على الفردوس الذي هو مقام المقربين. وقد ذُكرت مرة واحدة في القرآن بالاسم الفارسى "فردوس" (١)، ومرة أخرى بصيغة جمعت بين لفظتى "جنات الفردوس"، ومرات عدة باسم "جنات عدن" (انظر
стр. 3208
تسميتها في التوارة باسم جن عيدن (١) سفر التكوين: إصحاح ٢، آية ١٥).
وقد عرف أن فكرة محمد ﷺ عن الجنة مادية حسية (٢)؛ وقد صورت هذه الفكرة في سور كثيرة تتصل بالفترة الأولى من دعوته مثال ذلك: (سورة محمد؟ الآية ١٥) "مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وانهار من عسل مصفَّى، ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. ."؛ وسورة الرحمن (الآيات ٤٦ - ٥٧) "ولمن خاف مقام ربه جنتان. فباى آلاء ربكما
стр. 3209
تكذبان. ذواتا أفنان. فباى آلاء ربكما تكذبان. فيهما عينان تجريان. فباى آلاء ربكما تكذبان. فيهما من كل فاكهة زوجان. فبأى آلاء ربكما تكذبان. متكئين على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان. فبأى آلاء ربكما تكذبان. فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. فباى آلاء ربكما تكذبان "؛ وسورة الواقعة (الآيات ١٦ - ٣٩): "متكئين عليها متقابلين. يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون عنها ولا ينزفون. وفاكهة مما يتخيرون. ولحم طير مما يشتهون. وحور عين. كأمثال اللؤلؤ المكنون. جزاءً بما كانوا يعملون. لا يسمعون فيها لغوًا، ولا تأثيما. إلا قيلا سلامًا سلامًا. وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين. في سدر مخضود. وطلح منضود. وظل ممدود. وماء مسكوب. وفاكهة كثيرة. لا مقطوعة ولا ممنوعة. وفرش مرفوعة. إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارًا. عُربًا أترابًا. لأصحاب اليمين. ثلة من الأولين". (سورة الرحمن: الآية ٧٢) "حور مقصورات في الخيام".
وفي سورة الرحمن، الآية ٤٦ وما بعدها، وهي السورة التي صيغت في قالب أنشودة لها لازمة، يتحدث محمد [ ﷺ ] عن الجنتين اللتين أعدتا لمن خاف مقام ربه، وما لهما من أفنان، وما فيهما من "عينان تجريان"، ومن كل فاكهة زوجان. وهو يذكر في السورة نفسها (الآيات ١٧ - ١٩) المشرقين والمغربين والبحرين وليس تفسير هذه الأثنينية يسيرًا إلا إذا كانت من أجل البحرين. وقد يقال إن النبي [ ﷺ ] قد التزم في هذا المقام صيغة المثنى (١).
وعلى الجملة فإن الفردوس- في جوهره - روضة فيها حور عين، وأرائك ممدودة، وفُرشُ مرفوعة، وشراب مسكوب، وفاكهة كثيرة.
وقد تمثلت الجنة في عصر متأخر
стр. 3210
في صورة هَرَم أو مخروط له طبقات ثمان، وهو يزيد طبقة على ما في جهنم من طبقات، ذلك أنه كان يعتقد أن المقربين سيكونون أكثر عددًا من المغضوب عليهم. وكلما تصاعدت هذه الطبقات، زادت المادة التي بُنيت منها نفاسة. ولكل طبقة باب؛ وفي القمة سدرة المنتهى التي ورد ذكرها في سورة النجم الآية ١٤ من القرآن، والتي تظلل أغصانها الهرم كله، وتحفظ في الجنة الكتب التي تسجل فيها أعمال الناس، كما يحفظ فيها أصل القرآن "الكتاب المبين" (سورة يونس، الآية ٦١)، و"اللوح المحفوظ" (سورة البروج، الآية ٢٢)، أو "أم الكتاب " (سورة الرعد، الآية ٣٩)، وإلى جانبه القلم الذي يكتُب على اللوح، وللكعبة في الجنة أيضًا أصل يعرف باسم "البيت العتيق"، وفيها أشياء تستخدم عند الحساب كالميزان لوزن أعمال الناس، وكراسلٍ للأنبياء ورايات" وتُرفع راية النبي محمد [ ﷺ ] أو قل أصلها السماوى- على جبل يقال له جبل الظفر، ويقوم على جانب الهرم الفردوسى.
وهذه الجنة -بما فيها كله- فوق الأفلاك السماوية حيث تدور الكواكب، وهي تستقر على أنوع من البحار لها أسماء مجردة كبحر البقاء "المنقسم"، وبحر الخلود، وبحر "الرب " ويمتد فوق الهرم عالم (الملكوت " وعالم (الجبروت) وعرش الله ودار المقربين (١).
وقد سلَّم علم التوحيد الإسلامي السنى- الذي يمثله الغزالى والأشعرى بنوع خاص- بأن للحواس لذات في الجنة، مع ملاحظة أن هذه اللذات لا يبدأ حصولها إلا بعد البعث. ويلحق بهذه اللذات لذات المخيَّلة والعقل. ويرى الغزالى أن الشيء الملذ، الذي يتخيله المقربون، يتم تحققه مباشرة، وهذا
стр. 3211
التحقق، وإن لم يكن على وجه موضوعى تام، إلا أنه فيما يتعلق بالبصر والحواس الأخرى على الأقل، ضرب من الوهم الذي يحيا فيه المقربون حياة دائمة. فالجنة أشبه ما تكون بسوق عظيمة تشترى فيها الصور، وتقترن فيها اللذات العقلية باللذات الحسية، وتوجد في متاع العلم والملك والسيطرة، وفي تذوق السعادة الحقة، إلا أن رؤية الله هي السعادة القصوى التي تحصل للمقربين.
وقد أقر علم التوحيد الإسلامي السنى مشاهدة الوجه الكريم أو رؤية الله: فالغزالى يقول إن الله سُيَرى من غير هيئة أو صورة. وهذا الاعتقاد يبدو غير متمش مع القرآن؛ لأن الله في القرآن يكاد يكون محجوبًا دائمًا، فهو يدعو آدم. دون أن أن يظهر له؛ وهو لم يره نوح؛ ولم ير إبراهيم "خليله " إلا ملائكته. وسأل موسى ربه أن يتجلَّى، فلما تجلَّى ربه للجبل خرَّ موسى صعقًا، حتى إذا أفاق من صعقه تاب وأناب. ولم ير محمد [ ﷺ ] نفسه الله، بل هو قد رأى جبريل ﵇، وذلك في حالة الغشيان المذكورة في سورة النجم، الآية ١٦ من القرآن، ولم يدرك سدرة المنتهى "إذ يغشى السدرة ما يغشى" وقد ورد في خبر ذكر في (مختصر العجائب) ص ٩، أن النبي [ ﷺ ] سأل جبريل ﵇: "هل رأيت ربك؟ " لأ فتململ الملك وأجاب: "أي محمد! إن بينى وبينه سبعين ألف حجاب من النور، إذا قربت من أحدهما احترقت" (١).
ولا يظهر الله في وصف القرآن للجنة، ولكنه مع ذلك حاضر يوم الحساب.
стр. 3212
ويدل أيضًا بألفاظ الجنة والفردوس وعدن على جنة الأرض (١).
وفيما يتعلق بصورة الجنة انظر معرفت نامه (٢)؛ وقد أعيد طبع صور هذا الكتاب في Frag-: Carra de Vaux Musulmane ments d'Eschatologie, بروكسل سنة ١٨٨٥.
خورشيد [كارا ده فو B. Carra De Vaux]
الجهاد
نَشْرُ الإسلام بالسيف فرض كفاية على المسلمين كافة، وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا من أركان الدين أو فرض عين؛ ولا شك أنه مازال كذلك عند سلالة الخوارج. وقد بلغ الجهاد هذا الشأن تدريجًا ومن غير أن يقتضي ذلك وقتا طويلا، فقد دعت السور المكية إلى الصبر على العدوان، ولم يكن إلى غير ذلك من سبيل. أما في المدينة فقد تبين الحق في رد العدوان، ثم غدا هذا الحق شيئًا فشيئًا فرضًا يقضى على المسلمين بقتال أهل مكة أعدائهم وإخضاعهم. وأن محمدًا ﷺ رأى أن موقفه يقتضي حرب الكفار حتى يدخلوا في الإسلام. والأحاديث صريحة في هذا الأمر، وآيات القرآن تتحدث دائما عن الكفار الذين يجب إخضاعهم حديثها عن معتدين جاحدين، ولكن قصة كتابة النبي ﷺ إلى حكام البلاد المحيطة به تبين أن هذا الموقف حيال الناس جميعا كان يخالجه، وأنه تطور على التحقيق عقب وفاته [ ﷺ ] مباشرة عندما زحفت الجيوش الإسلامية إلى خارج جزيرة العرب. فغدا الجهاد فرض كفاية على كل مسلم بالغ حر صحيح العقل والجسم توفرت له أسباب بلوغ جيش المجاهدين، لا فرض عين على كل مسلم إقامته بل فرض كفاية يلزم جميع المسلمين ويسقط بإقامة البعض، ومن ثم وجب الاستمرار في الجهاد إلى أن يدخل الناس في حكم الإسلام، ويجب أن
стр. 3213
يتولى الجهاد أو يقوم عليه حا كم مسلم أو إمام، ولما كان إمام الشيعة مستترًا فلا جهاد لهم حتى يظهر.
ثم إن شرط الجهاد يتوفر إذا قام الإمام بغزوة مرة كل عام، بل إنه يتوفر عملا إذا تجهز الحاكم لمثل هذه الغزوة كل سنة. ويجب أن يدعى الناس إلى الإسلام قبل أن يعلن عليهم الجهاد، فإذا أبوا خيروا بين القتال وبين الدخول في حكم الإسلام، ويصبحون ذميِّين يؤدون الجزية والخراج ويؤمنون على حياتهم وذويهم وأموالهم، ولكنهم يكونون قطعا دون المسلمين مرتبة، ليس لهم الحقوق المدنية المتواضع عليها، وإنما يصبح شأنهم شأن الذين في ولاية غيرهم، فإذا اختاروا القتال وأصبحت أموالهم غنيمة للمسلمين بأخذ الجيش الغازى أربعة أخماسها. وإذا أسلموا، وسبيل ذلك ميسر لهم حتى وقوف الجيشين وجهًا لوجه، دخلوا في الجماعة الإسلامية لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين من واجبات، ومن ارتد عن الإسلام قتل.
أما إذا غزا الكفار بلدًا مسلمًا استنفر الإمام كل من فيه من المسلمين، فإذا ما اتسع نطاق الخطر ازداد الاستنفار حتى يعم العالم الإسلامي بأسره. فإذا قتل مسلم في سبيل الله مات شهيدًا له الجنة وله فيها من المتاع ما ليس لغيره من المؤمنين. وكانت الشهادة بين الأجيال الأولى من المتقدمين خير مآل يختم به الرجل الصالح حياته. وما زال هذا المآل في بعض الأحوال حافزًا قويًّا يدفع الناس إلى الشهادة، فلما توقف الإسلام عن الفتح لم تعد الشهادة المطمح الذي ليس وراءه مطمح. على أن أي حرب تقوم الآن بين المسلمين وغيرهم يجب أن تعد جهادًا، له مرغباته وله ثوابه. وتنكر الحركات الحديثة بطبيعة الحال هذا الرأى (١) مثل الحركة المعروفة بحركة المعتزلة في الهند
стр. 3214
وحركة حزب تركية الفتاة في تركية. ويحاول أصحاب هذه الحركات أن يخرجوا بها عن معناها الأصيل. على أن جمهور المسلمين ما زالوا يلبُّون النداء المجمع عليه من الفقهاء.
المصادر:
(١) Handb. d, Islam Ge-: Juyboll setzes؛ ص ٥٧ و ٣٣٦ وما بعدها وخاصة تقسيم الغنائم.
(٢) Dictionary of Islam: Hughes، ص ٢٤٣ وما بعدها، وفيه بيان واف عن القرآن والحديث وتفصيل المذهب الحنفي.
(٣): Snouck Hurgronie Politique Musulmane de la Hollande، ص ١٦ وما بعدها وخاصة صفة الجهاد الدائمة في الإسلام.
(٤) الأحكام السلطانية للماوردى (طبعة القاهرة، سنة ١٢٩٨ هـ) ص ٥٤ وما بعدها.
[ماكدونالد L. B. Macdonald]
جهاد: معناه لغة الجهد يوجه إلى غرض معين والمجاهدة أو الجهاد أيضًا هو جهد يوجه إلى نفس المرء لبلوغ الكمال الخلقى أو الدينى. وثمة كتَّاب، وخاصة بين أولئك الذين على مذهب الشيعة، يصفون الجهاد بأنه "الجهاد الروحى" وهو "الجهاد الأكبر" ويقابله الجهاد الذي هو ما يعنينا هنا ويسمى "الجهاد المادى" أو "الجهاد الأصغر". على أنه في الاستعمال الأشيع للجهاد يدل اللفظ على الجهاد بمعناه الأخير.
وفي الفقه، وفقا للمبدأ العام والرواية التاريخية، فإن الجهاد يقوم على العمل الحربى بغرض نشر الإسلام، والدفاع عنه إذا اقتضت الحاجة.
وتخرج الفكرة من المبدأ الأساسي الذي يقول إن الإسلام دين الكافة، ذلك أن هذا الدين هو والسلطان الزمنى الذي يتضمنه، يجب أن يعم العالم كله، على أن هذا المبدأ يجب أن يقترن في بعضه بمبدأ آخر يسمح بأن يوجد بين الجماعة الإسلامية نفسها أتباع "الأديان ذات الكتب السماوية" أي النصارى واليهود. والجهاد فيما يختص بهؤلاء يتوقف بمجرد أن يرضوا بالخضوع للسلطان
стр. 3215
السياسي لإسلام وأداء الجزية والخراج. وما دامت هذه المسألة يمكن في الواقع أن تظل قائمة، فإن الخلاف حولها يقوم (يحسم بعامة برد سلبى) حول مسألة هي: هل كان نصارى ويهود الجزيرة العربية خليقين بأن يعاملوا هذه المعاملة من حيث المبدأ؟ وهذا الحل الوسط بالنسبة للمشركين بصفة خاصة، لا ينطبق في رأى الأغلبية، فإن دخولهم في الإسلام فرض لأنهم معرضون للقتل أو الاسترقاق.
ومن حيث المبدأ فإن الجهاد هو الصورة الوحيدة للحرب التي يجيزها الإسلام، ذلك أن الإسلام، من حيث النظر، يجب أن يكون جماعة واحدة منظمة تحت سلطان واحد، وأى نزاع مسلح بين المسلمين محرم.
على أنه أعقب تفكك وحدة المسلمين ومظهرهم اللذين بدآ في منتصف القرن الثاني الهجرى (الثامن الميلادي) قيام عدد متزايد من الدول المستقلة، فقامت عندئذ مسألة هي: كيف تصنف الحروب التي نشبت بينها؟ ذلك أنها لم تدخل قط في نطاق فكرة الجهاد بمعناها الدقيق، حتى في حالة قيام حروب بين دول تدين بعقائد دينية مختلفة، وهذا على الأقل في رأى النظرية السنية العامة، وإنما يساء استعمال اللغة فيطلق على هذه الحروب أحيانًا مصطلح الجهاد، في حين أن الكتاب الذين يلتمسون مصطلحًا دقيقًا يسمونها القتال أو المقاتلة فحسب، بل إن ثمة ترددا في الإشارة إلى قتال الجماعات المرتدة في الإسلام بالجهاد. ورأى المبدأ الشيعى ليس هذا، ذلك أن الشيعة يرون أن رفض الانتماء إلى تعاليمهم يعادل "الكفر". ويصدق هذا بالأحرى على مذهب الخوارج.
والجهاد فرض، وقد تقرر هذا المبدأ في جميع المصادر. صحيح أنه توجد في القرآن نصوص مختلفة بل متشابهة، وقد صنفت هذه النصوص من حيث المبدأ إلى أربع فئات متعاقبة مع بعض خلافات في التفصيل: النصوص التي اقتضت العفو عن الآثام وتشجيع الدعوة إلى الإسلام بالإقناع السلمى؛ والنصوص التي أمرت بالقتال لرد العدوان؛ والنصوص التي قضت
стр. 3216
بالبدء بالقتال شريطة أن لا يكون ذلك في الأشهر الحرم؛ والنصوص التي أوصت بالبدء بالقتال بإطلاق، في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن. وصفوة القول أن هذه الخلافات تنطبق على المراحل التي مر بها تطور فكر النبي [ ﷺ ] وتغيير سياسته نتيجة لظروف معينة. فالعهد المكي الذي قصر فيه محمد ﷺ نفسه بصفة عامة على التعاليم الخلقية والدينية، غير العهد المديني الذي استطاع فيه محمد ﷺ ، بعد أن أصبح زعيم جماعة سياسية دينية، أن ينهض فيه بالقتال (١). والمبدأ يقول إن النصوص المتأخرة تنسخ النصوص المتقدمة المتشابهة (نظرية النسخ) إلى حد أن نصوص الفئة الأخيرة هي التي تبقى صحيحة بلا شك، ومن ثم فإن القاعدة يمكن صياغتها بالعبارة الآتية "الجهاد فرض حتى إذا لم يبدأ الكفار بالقتال".
على أنه قد بذلت محاولات، في رأيين قائمين بذاتهما، لتخفيف القاعدة في بعض النواحى؛ ففي رأى منهما ينسب إلى عطاء المتوفى سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ - ٧٣٣ م) أن التحريم القديم للقتال في الأشهر الحرم يبقى صحيحًا. على حين يقول الرأى الآخر الذي ينسب إلى سفيان الثوري المولود سنة ٩٧ هـ (٧١٥ م) أن الجهاد فرض في حالة الدفاع دون سواها، وهو "للندب" في حالة الهجوم. وفي رأى قال به علماء الاستشراق أن تصور النبي ﷺ للجهاد من حيث هو هجوم لا ينطبق إلا على أهل الجزيرة العربية وكان التطبيق العام للجهاد نتيجة لأجماع الأجيال اللاحقة مباشرة، وهذا يتضمن، في الأساس بطبيعة الحال، مسألة هل الإسلام دينًا لكافة البشر؟
ومن الواضح أن الجاحظ قد أخذ برأى الثوري؛ والحركة المارقة، وهي حركة الأحمدية التي بدأت حوالي نهايه القرن التاسع عشر، تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الثوري من حيث أنها تأبى الاعتراف بشرعية الجهاد حتى بصفته نشاطًا ممدوحًا.
стр. 3217
أما في المذهب العام للشيعة، فإن الاعتبار الواجب يراعى فيما يختص باعتقادهم في "غيبة الإمام"، وهو وحده صاحب الاختصاص اللازم في إعلان الحرب، ويقتضى الأمر تعليق "الجها " حتى يعود الإمام إلى الظهور، إلا أن يكون الإمام قد أقام في هذا الشأن نائبًا له. على أن الزيدية الذين لا يسلمون بهذه العقيدة يتبعون ما قال به المذهب السنى.
خصائص واجب الجهاد: الجهاد ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة هي في ذاتها "فساد" ولكنها تصبح شرعية بعقل الغرض الذي يوجه الجهاد إليه: وهو تخليص العالم من فساد أكبر، وهو "حسن لحسن غيره".
فرض ديني: وللجهاد أثر هو نشر سلطان العقيدة، وقد أمر به القرآن والنبي ﷺ . والمسلم ينذر نفسه للجهاد. ومن هذا القبيل ما جاء في أحاديث مختلفة من أن الجهاد عمل من أعمال العبادة الخالصة، وأنه باب من أبواب الجنة. وثمة جزاء سماوى عظيم مكفول لأولئك الذين ينصرفون إلى الجهاد، والذين يسقطون في الجهاد هم شهداء الدين إلخ. وجزء أساسى من العقيدة يعد الجهاد ركنا من أركان الدين هو والصلاة والصوم إلخ. وهو فرض على كل مسلم ذكر صحيح الجسم. ومن المقول- بصفة عامة- أن غير المسلمين قد يدعون لمعاونة المسلمين في الجهاد.
والجهاد " فرض كفاية" لا " فرض عين"، وفرض الكفاية هو الفرض الذي يفرض على الجماعة بإعتبارها كُلا، وإنما يصبح واجبا على كل فرد بعينه من حيث أن مشاركته في الجهاد تكون لازمة لتحقيق الغرض الذي تصوره الشرع. ومن ثم فإنه ما إن تقوم جماعة من المسلمين يكون عددها كافيا لسد حاجات قتال بعينه، حتى لا يعود واجب الجهاد يقع على الآخرين. وتقول التعاليم العامة إن واجب الجهاد يقع، في المحل الأول وبصفة شخصية ومن حيث هو "فرض عين"، على أولئك الذين يعيشون في الأرض التي هي أقرب ما تكون للعدو، ويصدق هذا أيضًا في حالة سكان مدينة يضرب
стр. 3218
عليها الحصار. على أن تقدير اللحظة الدقيقة للجهاد في الدول المنظمة التي يصبح فيها هذا الواجب فرض عين هو أمر متروك لحكمة ولى الأمر. ومن ثم فإنه في حالة التعبئة العامة يفقد الجهاد صفته من حيث هو "فرض كفاية" على جميع أفراد الجماعة، ويصبح "فرض عين".
على أن هذا كله يقتضي أن يكون الجهاد، في نظر أولئك الذين يقبضون على مقاليد السلطة وخاصة ولى الأمر، واجبًا شخصيًا لأن عملهم الشخصى لازم في كل حالة. وحيث تقوم عدة دول إسلامية مستقلة يقع هذا الواجب على حاكم الدولة التي هي أقرب ما تكون إلى العدو.
ثم إن واجب الجهاد نسبى وقائم في هذا المعنى المزدوج، من حيث أنه من ناحية لا يظهر إلا إذا كانت الظروف مواتية تحمل في طبيعتها الأمل في تحقيق النصر، ومن ناحية أخرى أن يكون من الجائز طرح هذا الواجب حين يؤدى العدو مالًا يبلغ قدرا معينا إذا ظهر أن هذه السياسة تتفق مع المصالح التي تقتضيها الساعة.
صفة الجهاد الإضافية:
لما كان الجهاد لا يعدو أن يكون وسيلة إلى تحقيق الدخول في الإسلام أو الخضوع لسلطانه، فإن ثمة فرصة واحدة للقيام به في حالة أن يكون القوم الذين يوجه إليهم قد دعوا إلى الإسلام أولًا. وقد انقلبت المناقشة حول مسألة: هل من الضرورى على هذا الأساس أن توجه دعوة رسمية إلى العدو؟ ويقول المبدأ العام أنه ما دام الإسلام قد انتشر في العالم بما فيه الكفاية، فإن جميع الشعوب من المفروض أن تكون قد عرفت أنها دعيت إلى الدخول فيه. على أنه قد لوحظ أن من المرغوب فيه أن تكرر الدعوة، إلا في الحالات التي يكون فيها أساس للاعتقاد بأن العدو الذي وجهت إليه الدعوة قد يستغل هذا التلكؤ في الإسلام لتنظيم تحصيناته تنظيما أحسن فتضيع بذلك الثمرة الحاسمة من الجهاد.
صفة الجهاد الدائمة: واجب الجهاد قائم ما دامت سيطرة الإسلام على العالم لم تتحقق بعد، إذ تقول الحكم
стр. 3219
والأمثال أن الجهاد قائم حتى يوم البعث وحتى يوم الساعة.
صفة الجهاد الهجومية والدفاعية: الجهاد أساسا ذو طبيعة هجومية، ولكنه يكون جهادًا أيضًا سواء بسواء في حالة قيام الإسلام برد عدوان. وهذا- بلا شك -هو الغرض الأساسي من الرباط الذي تقيمه جماعات قائمة بذاتها أو أفراد يعيشون على حدود بلاد الإسلام. والرباط عمل ممدوح بخاصة.
ونقول أخيرًا إنه تقوم في هذه الأيام نظرية طابعها دفاعى محض، تقول إن الإسلام يعتمد في نشره على مجرد الإقناع أو الوسائل السلمية، وأن الجهاد لا يصَّرح به إلا في حالات "الدفاع عن النفس " و "العون الواجب بذله لحليف أو أخ أعزل".
المصادر:
(١) داماد أفندى: مجمع الأنهر، طبعة أحمد بن عثمان، سنة ١٣٢٨ هـ = ١٩١٠ م، ج ا، ص ٣٦ وما بعدها.
(٢) دردير: الشرح الصغير مع حاشية الصاوى، ج ١، ص ٣٩٨ وما بعدها.
(٣) الجاحظ: رسائل، طبعة السندوبى، القاهرة سنة ١٩٣٣، ص ٥٧.
(٤) الفرَّاء: الأحكام السلطانية، القاهرة، ص ٢٥ وما بعدها.
(٥) Schi'itisches: Goldziher في Zeitschr. der Deutsch. Morg. Gesells؛ ج ٦٤، ص ٥٣١ , وما بعدها.
(٦) Ahmdaiya move-: Addison The ment في Harvard. Theological Review، ج ٢٢، ص ١ وما بعدها.
(٧) ابن عبدين؛ رد المحتار، إستانبول، سنة ١٣١٤ = ١٩٠٥ م، ج ٣ ص ٣١٥ وما بعدها.
(٨) ابن عبد الرحمن: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، القاهرة، ص ٢٩٤.
(٩) ابن جماعة: تحرير الأحكام، طبعة Kofler (في Islamica، سنة ١٩٣٤) ص ٣٤٩ وما بعدها.
(١٠) ابن قدامه: المغني، الطبعة الثالثة لرشيد رضا، القاهرة سنة
стр. 3220
١٣٦٧ هـ = ١٩٤٧ م، ج ٨، ص ٣٤٥ وما بعدها.
(١١) ابن تيمية: السياسة الشرعية، القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤ م، ص ١٥٦ وما بعدها.
(١٢) المراغى: التشريع الإسلامي، القاهرة ص ٣٠ وما بعدها.
(١٣) الماروردى: الأحكام السلطانية، القاهرة ص ٣٠ وما بعدها.
(١٤) Recueil de tois con-: Query Cernant les Musulmans chiites، باريس سنة ١٨٧١، ج ١ ص ٣٢١.
(١٥) رشيد رضا: الخلافة، القاهرة سنة ١٣٤١ هـ = ١٩٢٢، ص ٢٩، ٥١.
(١٦) السرخسى: المبسوط، القاهرة، ج ١٠، ص ٣٥.
(١٧) الشافعي: كتاب الأم، القاهرة سنة ١٩٠٣، مع حاشية المزنى، ج ٢٥، ص ١٨٠ وما بعدها.
(١٨) Gaudefroy - Demombynes: Mahomet، باريس سنة ١٩٥٧ م ص ٥٧٨ وما بعدها.
(١٩) Le droit international: Draz publie et l'Islam في Revu egyptienne de droit international public، سنة ١٩٤٩، ص ١٧ وما بعدها.
(٢٠) Das Muslimische: Haneberg Kriegsrecht في Abh der Kgl. Bayer Akad. Cl,). der Wissensch ١٨٧٠, philos - philol . XII. Bd.Il Abt، ص ٢١٩ وما بعدها.
(٢١) Handbuch: Juynboll، ص ٥٧ هـ، ٣٣٥ وما بعدها.
(٢٢) Introd. a l'etude du: Milliot droit musulman، باريس سنة ١٩٥٣، ص ٢٢ , ٣٤.
(٢٣) الصعيدى: السياسة الإسلامية، القاهرة.
(٢٤) Cajifat: Sanhoury Le، رسالة، جامعة ليون سنة ١٩٢٥، ص ١٤٦.
(٢٥) Das Staatsrech: Strothmann der Zaiditen، ستراسبورغ سنة ١٩٢٢، ص ٤٢ وما بعدها.
(٢٦) م. شديد: الجهاد في الإسلام، سنة ١٩٦٠.
(٢٧) إسلام أنسيكلوبيدياسى، مادة جهاد بقلم حليم ثابت شيباى.
خورشيد [أطيان Tyan .E]
стр. 3221
جهنم
وهي كلمة مشتقة من اللفظ العبرى جيحنون أو وادي هنوم (انظر سفر يشوع، الإصحاح الخامس عشر، الفقرة ٨) وكان واديًا بالقرب من بيت المقدس تقدم فيه القرابين إلى مولك في أيام العقوق. وكلمة جهنَّام- بألف بعد النون - معناها البئر العميق (١).
وقد تردد ذكر جهنم وفكرة جهنم كثيرًا في القرآن، على أنه لم تكن صورة محددة تمام التحديد، فالواقع أنه في بعض الآيات يتحدث عن جهنم وكأنها شيء يُحمل "وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنَّى له الذكرى" (سورة الفجر، الآيتان ٢٢، ٢٣)؛ وفي هذه الآية يمثل جهنم على صورة الحيوان، فهي أشبه بوحش هائل فغر فاه وكشف عن أنيابه وتأهب لالتهام المغضوب عليهم، وقد صوَّر أحيانًا فنانو الغرب في العصور الوسطى مطهر القديس برندان St. Brandand على هذا النحو (٢). ويفسر هذا ما ورد في آية أخرى "وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقًا وهي تفور" (سورة الملك، الآيتان ٦، ٧). ويناقش الغزالى في رسالته العجيبة في علوم الآخرة المسماة "الدرة الفاخرة" هذه الآيات الموجزة الجامعة فيقول: يأمر الله تعالى بالنار فترعب وتفزع، وتقول للمرسلين إليها من الملائكة أتعلمون أن الله خلق خلقًا يعذبنى به؟ فيقولون: لا وعزته، وإنما أرسل إليك لتنتقمى من عصاة
стр. 3222
ربك، فيأتون بها تمشى على أربع قوائم تقاد بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف حلقة على كل حلقة سبعون ألف زبانى لو أمر زبانى منهم أن يدك الجبال لدكها. وجهنم عند تحركها لها شهيق ودوى وشرر ودخان تفور حتى تسد الأفق ظلمة فإذا كان بينها وبين الخلق مقدار ألف عام انفلتت من أيدى الزبانية حتى تأتى أهل الموقف وهي تكبو من الحنق والغيظ.
على أن تصوُّر جهنم على هيئة الحيوان ليس هو الغالب في القرآن (١). ففيه أيضًا تصوُّر معمارى لها يجعلها تتألف من دوائر متحدة المركز على هيئة فوهة البركان ولهذا التصوُّر صورة القديمة، فنحن نجده في الأنهار الجهنمية عند الإغريق، وفي جهنم الأشوريين ذات الأبواب السبعة التي ذكرتها أساطير أشتر. وقد ملك هذا التصوُّر مخيلة العامة في العصور الوسطى في الشرق وفي الغرب وعبر عنه دانتى في مؤلفه أقوى تعبير.
ولم يكن لدى النبي محمد ﷺ إلا فكرة أولية عن بناء جهنم، فهو يتحدث عن أبوابها ويحدد عددها بسبعة (سورة لقمان، (٢)، سورة الحجر الآيتان ٤٣، ٤٤). وورد في الكتاب التركى معرفتنامه تخطيط لجهنم، فهي كائنة تحت قاعدة الدنيا فوق الثور والسمكة (فرس البحر والحوت الوارد ذكرهما في الكتاب المقدس) اللذين يحملان الأرض، وهي تتكون من سبع طبقات على هيئة فوهة بركان هائل وفوقها قنطرة تمتد من أقصاها إلى أقصاها، وهذه القنطرة رقيقة كحد السيف تمر فوقها الأرواح كى تدخل الجنة. وتعبرها أرواح الأولياء في لحظة، ويتفاوت الزمن الذي يستغرقه عامة الصالحين في عبور هذه القنطرة، أما
стр. 3223
الضالون فلا يبلغون الجنة بل يسقطون في الهاوية (١).
وفي أصل الجحيم شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين (سورة الصافات، الآيات ٦٢ - ٦٥) ومرجل من شوب من حميم وبئر تبلغ دركاتها.
ويختلف العذاب في جهنم المسلمين، فهو يزداد بقدر ذنوبهم، ولا يكاد القرآن يذكر شيئًا عن ألوان العذاب، ولكن بعض الكتاب وصفها، ونخص بالذكر منهم السيوطي المتوفى عام ٩١١ هـ، ولم يرض هذا التصوير المادى المسرف لبناء الجحيم وألوان العذاب فيه جميع المفكرين المسلمين، بل إن الغزالى - وهو التقى المؤمن- قد رأى بعض التأويل. فالصراط في نظره إنما يدل على معنى مجازى، فهو ليس إلا الطريق القويم الذي يسدد به الله خطى المؤمنين وهو يرمز إلى الطريق السوى، وهو وسط بين الأخلاق المتضادة، فهو الحد الفاصل بين الغلو والقصور وفيه يكون الكمال (انظر كتاب الغزالى: المضنون به على غير أهله، طبعة بومباى في آخرها ص ١٢٦ (٢)، ص ٢٥ - ٢٦ طبع بمصر). ويقول ابن سينا إن عذاب جهنم ينصب في الغالب على الأرواح المذنبة التي تحتفظ بشهواتها بعد الممات، ومن ثم فهي تتعذب أشد
стр. 3224
العذاب لأنه ليس لها أجساد ترضى بها هذه الشهوات (١).
جاء في القرآن "ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" (سورة المؤمنون، الآية ١٠٣). وجاء في سورة أخرى "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" (سورة هود، الآيتان ١٠٦، ١٠٧).
ولقد أنكر الأشعرى على المعتزلة والقدرية قولهم إن الفُسَّاق خالدون في جهنم، لأن ذلك يُيئس الناس من رحمة الله، وهذا -كما يقول الأشعرى- مخالف لما جاء في القرآن "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالل فقد ضل ضلالًا بعيدًا" (سورة النساء، الآية ١١٦). كما أن ذلك مناقض للحديث النبوى "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودَّوا، فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".
ورأى الإمام الأشعرى هو الرأى السائد في الإسلام.
المصادر:
(١) Vaux La Doctrine de: Carra de L'Islam، باريس ١٩٠٩، الفصل الثاني.
(٢) الكاتب نفسه: dEs Fragments chatologie Musulmane, بروكسل ١٩٨٥.
(٣) La Perle Pre-: Leon Gautier Cieuse de Chazali، طبعة وترجمة عام ١٨٧٨.
(٤) LHassan: A. F. Mehren Abou Ali AI'Ashari في أعمال المؤتمر الدولى الثالث للمستشرقين عام ١٨٧٦، ص ٤٧.
خورشيد [كارا ده فو B. Carra de Vaux]
стр. 3225
جهور
كان بنو جهور أسرة عربية قوية السلطان، استقرت في قرطبة من قديم. وقد أخرجت هذه الأسرة عدة علماء وفقهاء، ووزراء بصفة خاصة. وأقام الوزير الأريب أبوالحزم جهور بن محمد بن جهور وزير آخر خلفاء الأمويين نفسهه رئيسًا على قرطبة بعد سقوط الدولة الأموية (٤٢٢ - ٤٣٥ = ١٠٣١ - ١٠٤٣ م). ويقول دوزى (Histoire ج ٤، ص ٢٩٨) إن ولده أبا الوليد محمد بن جهور حكم من عام ١٠٤٣ إلى عام ١٠٦٤، بينما يذكر لين بول Mohammadan Dy-) Lane- Poole (nasties أنه حكم من عام ٤٣٥ إلى ٤٥٠ هـ (١٠٤٣ - ١٠٥٨) وأن ولده عبد الملك حكم تبعا لذلك من عام ٤٥٠ إلى عام ٤٦١ هـ (١٠٥٨ - ١٠٦٨ م).
أما ابن بشكوال المتوفى عام ٥٧٨ هـ (١١٨٣ م) فيقول في كتابه الصلة (جهور رقم ٢٩٧) إن محمد بن جهور (رقم ١٠٦٨) توفى في شلطيش في منتصف شهر شوال عام ٤٦٢ الموافق ٢٨ يولية سنة ١٠٧٠ وأن المعتمد بن عياد صاحب إشبيلية قام بدفنه، ولم يذكر ولده عبد الملك على الإطلاق. وجاء في كتاب de: Vives Y Escudero M ٠ nedas las Dinastias Arabigo-Espaniolas ص ٢٧٧) ذكر سكتين عربيتين ضربتا في قرطبة عام ٤٠٠ هـ (١٠٤٨ - ١٠٤٩) وهما تنسبان إلى بنى جهور. وقد أورد المقرتى علاوة على الإشارات المقتضية التي لا تزودنا إلا بقليل من المعلومات فقرة طويلة بعض الطول (ج ١، ص ١٩٢ - ١٩٤) عن كتاب المطمح للفتح بن خاقان (الآستانة، سنة ١٣٠٢ هـ، ص ١٤ وما بعدها) يمكن مقارنتها بالخبر الموجز الذي رواه ابن خلدون عن ثلاثة من أسرة بنى جوهر (ابن خلدون: كتاب العبر، طبعة بولاق عام ١٢٨٤ هـ الموافق ١٨٦٧ م، ج ٤، ص ١٥٩).
خورشيد [تسيبولد C.F. Seybold]
جهينة
قبيلة عربية وثيقة النسب ببلى وبهراء وكلب وتنوخ، وتنتمى مثلهم إلى قضاعة. وهي القبيلة العربية الكبيرة في