Islamiques، سنة ١٩٦٠، ص ١٢١ - ١٤٨.
(٤) اليعقوبى، فى مواضع مختلفة (فى نهاية كل عهد).
(٥) المسعودى: التنبيه والإشراف، فى مواضع مختلفة (فى نهاية كل عهد).
(٦) هلال الصابئ: رسوم دار الخلافة، بغداد سنة ١٩٦٤, ص ٧١ - ٧٩.
(٧) الكاتب نفسه: كتاب الوزراء، طبعة Amedroz، ص ١٥٤.
(٨) الصولى: أخبار الراضى بالله، ترجمة M.Canard الجزائر سنة ١٩٤٦ - ١٩٥٠، الفهرس.
(٩) ابن تغرى بردى، جـ ٣، ص ٢٧٢.
(١٠) ابن خلدون: ترجمة ده سلان، جـ ٢، ص ٥, ٧, ١١ - ١٦.
(١١) Hist. Esp -: Levi- Provencal Mus، جـ ٢، ص ١٦٥، وما بعدها؛ جـ ٣، ص ١٨ - ٢٠.
خورشيد [سوردل D. Sourdel]
٣ - دول المشرق
كانت إدارة القصر السلطانى وبيروقراطية السامانيين تسيران على منوال ما جرى عليه الخلفاء العباسيون فى هذا الشأن كما يتبين من كتاب النرشخى: تاريخ بخارى، وكتاب الخوارزمى: مفاتيح العلوم. ومن ثم فإن الحاجب السامانى خرج من بيت الأمير نفسه، ولو أنه حدث قبيل السنوات التى فى منتصف القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، بل ربما قبل ذلك، أن الحاجب لم يعد مجرد موظف من خاصة القصر بل أصبح أولا وقبل كل شئ قائدًا عسكريًا رفيع الرتبة. ولما كان صميم الجيش السامانى من الحرس التركى المملوك فإن رئيس الحجاب (الحاجب الكبير أو حاجب الحجاب أو صاحب بزرك) أصبح يجمع بين مهام رئيس موظفى القصر والقائد الأعلى للجيش. ومن ثم أصبح هذا المنصب يشغله فى عهد عبد الملك بن نوح (٣٤٣ - ٣٥٠ هـ = ٩٥٤ - ٩٦١ م) ألب تكين أستاذ سبكتكين. ويتبين من سيرة ألب تكين العملية أن سلطان صاحب الحجاب السامانى كان من القوة بحيث
стр. 3327
مكنه من أن يطمع فى الاستحواذ على السلطة العليا فى الدولة بعد الأمير بل أتاح له أن يحاول أن يلعب دور صانع الملوك. وكان الضباط الغلمان الأتراك الآخرون فى بعض الأحيان يقامون ولاة على الأقاليم. وكان سبكتكين حتى وفاته سنة ٣٨٧ هـ (٩٩٧ م) يعد نفسه واليًا على غزنة من قبل السامانيين، وقد نقش على قبره لقب "الحاجب الأجل" (Le decor epi-: S. Flury graphique des monument de Ghazno فى Syria، جـ ٦، سنة ١٩٢٥، ص ٦٢ - ٦٣). وجاء فى وصف نظام الملك لتدريب الغلمان فى البلاط السامانى (سياستنامه، الفصل ٢٧) أن رتبة الحاجب كان ينالها المرشح بعد أن يكون قد مر برتبتى "وثاق باشى" أى قائد الخيمة، و"خيل باشى" أى قائد السرية. (وهذا الوصف بأسره يجب أن نتناوله مع ذلك فى حذر، انظر Bosworth فى. Isl جـ ٣٦، سنة ١٩٦٠، ص ٤٥).
ويدل استعمال مسكويه للمصطلح "حاجب" على أن هذا المصطلح كان معروفًا بأنه رتبة عسكرية فى الجيش البويهى، بمعنى سبق وروده، وهو القائد. والظاهر أنه لم يكن يتضمن رئاسة تنظيم قصر سلطانى، ذلك أن هذه الوظيفة لم تتطور عند البويهيين التطور الذى بلغته فى الدولتين السامانية والغزنوية اللتين كانتا أكثر من البويهيين أخذا بالنظام المركزى. ويتحدث مسكويه عن جيش عز الدولة بختيار (٣٥٦ - ٣٦٧ هـ = ٩٦٧ - ٩٧٨ م) ويتضمن كلامه الإشارة إلى رتب متصاعدة هى النقيب والقائد والحاجب إذ يقول إن الجيش يستحثه على معاملتهم كما كان يعاملهم أبوه [أى معز الدولة] فيما يتعلق برتب الحاجب والقائد والنقيب وفيما يتعلق بالترقيات" (- Eclipse of the 'Abbasid Cal iphate, جـ ٢، ص ٢٣٦، ٢٦٢، الترجمة جـ ٥, ص ٢٥١, ٢٧٩).
وانتقل منصب الحاجب من السامانيين إلى الغزنويين خلفائهم فى خراسان، ويبين البيقهى (فى كتابه تاريخ مسعودى) مدى أنتشار هذا فى المنصب فى الحياة العسكرية عند الغزنويين. وكان القائد الأعلى لجيش السلطان الغزنوى - كما كان فى عهد
стр. 3328
السامانيين - يحمل لقب "صاحب بزرك" وكان ثمت حجاب، أى قواد تحت إمرته مباشرة. وكان هؤلاء القواد العظام لهم زى متميز هو معطف أسود وحزام من طراز خاص وقلنسوة لها طرفان مدببان (كلاه أو شاخ) وكان معظمهم من الأتراك. والظاهر أن الـ "الحاجب بزرك" الغزنوى إذا قورن بنظيره السامانى، كان أبعد بخطوة عن الإشراف المباشر على التنظيم الخاص بالقصر، ذلك أن التدبير اليومى لذلك التنظيم كان فى يد "وكيل خاص". وكان المسؤول عن حرس القصر ضابطا عاما مخصوصا هو الـ "سالار غلامان سراى" (انظر The: Bosworth Ghanznauids: their empire in Afghanistan ١٠٤٠ - ٩٩٤ and eastern Iran، ص ٦٨، (١٠١، ١٣٨). على أن الحاجب بزرك كان شخصًا عظيم النفوذ والسلطان. وكان الحاجب بزرك إبان النزاع على العرش سنة (٤٢١ هـ) - (١٠٣٠ م) عقب وفاة محمود، هو على قريب أو على خِشاوَنْد قريب هذا السلطان المتوفى، وكان عون هذا الحاجب الذى صرفه من محمود إلى مسعود هو السبب فى غلبة مسعود على أخيه بلا سفك للدماء (الكرديزى طبعة ناظم، ص ٩٢ - ٩٣؛ البيهقى، طبعة غنى وفياض، جـ ١، ص ١٢ وما بعدها)، وكان السلطان - حين لا يباشر بشخصه القيادة فى الحرب - يصبح الحاجب بزرك هو صاحب المسؤولية الكبرى فى الميدان. وهكذا حدث قبيل النكبة الأخيرة التى وقعت فى دندانقان سنة ٤٣١ هـ (١٠٤٠ م) أن ترك السلطان مسعود القتال فى خراسان ضد السلاجقة الوافدين إلى قائده العام صوباشى تكين.
المصادر:
(١) Turkestan: Barthol.
(٢) Ghazna The life and Times of: Nazim Sultan Mahmud of، ص ١٤٢.
(٣) Iran: Spuler, ص ٣٣٧ - ٣٣٩
(٤) Ghaznavid military: Bosworth organisation فى Isl، جـ ٣٦، سنة ١٩٦٠، ص ٣٧ - ٧٧
(٥) م. فؤاد كوبريلى فى إسلام أنسيكلوبيدياسى، مادة "حاجب" مع تفصيل كثير نافع عن العصر الغزنوى.
خورشيد [بوزورث C. E. Bosworth]
стр. 3329
والظاهر أنه كانت فى العصر السلجوقى نزعة إلى اضمحلال أهمية منصب "أمير حاجب" بالنسبة إلى أهميته فى العصر الغزنوى. ذلك أنه لم يعد بخاصة هو قائد الجيش، وإنما أصبح أميل إلى أن يكون عاملا من عمال البلاط. وجنح القوم إلى الإشارة إلى قواد الجيش المختلفين بلقب "إسفه سالار" أو "سباه سالار". على أن الأمير حاجب كان - مثل جميع الأمراء - يشترك بطبيعة الحال فى الحملات الحربية. وكان فى بعض الأحوال يقود قسما من الجيش للسلاطين أو الملوك السلاجقة. وهكذا نجد أن على بن عمر "أمير حاجب" محمود ابن محمد مثلا، يقود طليعة الجيش الذى حارب سنجر (ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٣٨٦)، ثم أصبح آخر الأمر الصراف الأكبر للجيش (المصدر المذكور، جـ ١٠، ص ٣٩١).
ويستشهد الراوندى بالسنة المزعومة التى جرى عليها أردشير بن بابك الساسانى فيقول (ص ٩٧) إن الملك يحتاج إلى وزير ليحافظ على استقرار ملكه، ويحتاج إلى حاجب يباشر العقاب (سياست أفزايد) ونديم، وكاتب (دبير). ويصف نظام الملك مهام الحاجب فيقول إنها هى مهام عامل البلاط. ولما كان البلاط بلاطًا حربيًا فإن الأمير حاجب كان فى الواقع أميرًا تركيًا كما جرت الحال، وكان مرؤوسوه فى الغالب من الغلمان (مماليك عسكريين، ووصف السنة التى جرى عليها السامانيون التى أشرت إليها آنفًا). وكان هذا الحاجب يعنى بالنظام العسكرى والحفلات التى تقام فى البلاط. وكان هو أهم عمال البلاط تفوق رتبته رتبة أمير الحرس (أمير حرس، انظر المصدر المذكور، ص ١٢١). وكان أمير حاجب فى عهد محمد بن ملكشاه يتصرف تصرف الوسيط بين السلطان والوزير، يتلقى أوامر السلطان وينقلها إلى الوزير (البندارى، ص ١١٧). ويذكر نظام الملك أيضًا عاملا يدعوه باسم "حاجب دركاه" كان موكولا إليه التشريفات والإجراءات التى تتبع فى البلاط السلطانى (الكتاب المذكور، ص ١١١). وليس من الواضح: هل كانت هذه الوظيفة مختلفة عن وظيفة أمير حاجب، ولكن الراجح أن الاثنين كانا شيئًا واحدًا.
стр. 3330
ويذكر الراوندى فى بداية كل عهد وزراء السلطان وحجّابه، وكان بعض هؤلاء أشخاصًا يكادون يكونون مجهولين، على أن ثمة آخرين كانوا من أقوى الأمراء فى هذا الزمان مثل الأمير قماج حاجب ملكشاه وبركيارق (ص ١٢٥، ١٣٩)، وخاص بك حاجب مسعود بن محمد (ص ٢٢٥) وملكشاه بن محمود (ص ٢٤٩) وعبد الرحمن بن طغان يورك (؟ ) حاجب مسعود أيضًا (ص ٢٢٥) والأتابك أياز حاجب محمد بن محمود (ص ٢٥٩)، وأرسلان بن طغرل (ص ٢٨٢) والأتابك بهلوان حاجب أرسلان بن طغرل (ص ٢٨٢) وأتابك آى آبة حاجب طغرل بن أرسلان (ص ٣٣١). والظاهر أنه لم تكن ثمة أى نزعة لتوريث هذا المنصب، وإنما يسجل الراوندى حالة واحدة لوالد وولده شغل كل منهما منصب الحاجب وهما على بار الذى كان حاجبًا لمحمد بن ملكشاه، وولده محمد الذى كان حاجبًا لمحمود بن محمد (ص ١٥٣، ٢٠٣). وكان يوجد - علاوة على الأمير حاجب - عدد من الحجاب الأقل درجة فى البلاط (. H Die Staatsverwaltung der Gross-: Horst (١٢٣١ - Horasshahs (١٠٣ g Selguqen und, فُسيبادن سنة ١٩٦٤, ص ١٠٣، ١٠٥).
وكان للأمراء العظام وولاة الأقاليم بلاطهم الخاص بهم، كما كان لهم أيضًا حجابهم. ويذكر ابن الأثير صلاح الدين محمد اليغسيانى (؟ ) الذى كان أمير حاجب للبرسقى ثم لعماد الدين زنكى من بعده (جـ ١٠، ص ٤٥٣، ٤٥٤).
وكان لبعض الأعيان البارزين حجابهم ولم يكن هؤلاء بالضرورة من طبقة العسكريين. وكان ذلك هو الحال فى أيام التيمورية (إنظر Roeme .H.F: - Staatschreiben der Timur idenzeit، فيسبان سنة ١٩٥٢، ص ٤٢، ٥٥).
وكان الحاجب فى عهد الإيلخانية مجرد حاجب بالمعنى المعروف، وهو ينزع إلى أن يكون من الطبقات العكسرية فيما يتعلق بالبلاط السلطانى وبلاط ولاة الأقاليم. وكان الحجاب فى عصر التيمورية يذكرون من بين عمال البلاط وتأتى رتبهم بعد "النّواب حضرت" أنظر تاج السلمانى: شمس الحسن، طبعة Roemer, فيسبادن سنة ١٩٥٦، ص ٢٩). وحدث تغير فى
стр. 3331
المصطلح فى عهد الصفويين، فأصبح حاجب الحجاب يعرف باسم "إيشيك آقاسى باشى" وكانت مهامه تشبه مهام الـ "حاجب دركاه" الذى ذكره نظام الملك.
خورشيد [لامبتون A.K.S. Lambton]
٤ - مصر والشام
كان كبير الحجاب فى البلاط الفاطمى موظفًا رفيع المقام يعرف باسم "صاحب الباب" على أن مرؤوسيه كانوا حجابًا، كما كان يشار إليه هو نفسه أحيانًا باسم "صاحب الحجاب" بدلا من اللقب الأكثر شيوعًا. ويتحدث ابن الصيرفى (قانون ديوان الرسائل، القاهرة سنة ١٩٠٥، ص ١١٥، القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ١، ص ١٣٦ - ١٣٧) فى كلامه عن الديوان عند الفاطميين عن "صاحب الديوان" وكانت مهمته أن يمنع دخول الزوار غير المأذون لهم بالدخول فيحفظ بذلك أسرار الدولة. وقد أدخل حكام الشام السلاجقة منصب الحاجب العسكرى المألوف فى الشرق. وتبدو على نظم بنى زنكى والأيوبيين فى هذا الشأن وفى غيره من الشئون الأثر القوى للسلاجقة. وقد أصبح الحاجب فى ذلك الوقت ضابطًا عسكريًا له مهام عسكرية، فقد كان - على سبيل المثال - يتولى قيادة القلعة (أبو شامة: كتاب الروضتين: جـ ٢، ص ٦٩) وعمل "الشِّحْنَة" (ابن القلانسى، ص ٢٠٨، ٢٢٤، ٢٣٤) ويتولى أحيانًا السفارة (ابن القلانسى، ص ٢٩٣) أو "يشجع" الجند (ابن القلانسى، ص ١٣٢؛ المقريزى: السلوك، جـ ١، ص ١٣٣). على أن المصطلح "حاجب" ظل بعد يستعمل فى مصر أيام القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) بمعنى الحاجب المعروف (وشاهد ذلك بيت لابن النبيه المتوفى سنة ٦٨٦ هـ = ١٢٨٧ م، الذى يربط بينه وبين المصطلح الفارسى "برده دار"، وقد ذكر فى Eos طبعة A.T.Hatto، لاهاى سنة. ١٩٦٥، ص ٢٧١).
واحتفظ الحاجب فى ظل السلاطين المماليك ببعض مهام الحاجب بمعناه المعروف. وكان كبير الحجاب (حاجب الحجاب) يقدم السفراء والضيوف
стр. 3332
وأصحاب العرائض وغيرهم من المترددين على بلاط السلطان. وهو مسؤول أيضًا عن تنظيم الاستعراضات العسكرية. على أن المهام الأولى للحجاب فى عهد المماليك لم تكن تنصرف إلى التشريعات بل إلى القضاء، أى القضاء بين أعضاء الطبقة العسكرية المملوكية طبقًا لقوانين "الياسا". وتقول بعض المراجع المصرية إن هذا القضاء الخاص قد أقيم أيام بيبرس حين أصبح المماليك والمغول هم العنصر الهام فى الدولة الشآمية المصرية، وهؤلاء ظلوا رغم إسلامهم، مستمسكين بالسنة المغولية فى الأحوال الشخصية، ويقول المقريزى إنهم قد أقاموا لذلك الحاجب للحكم فيما يقوم بينهم من نزاع، وينتصف للضعيف طبقًا لأحكام "الياسا"، وهم أيضًا يكلون إليه المنازعات الخاصة بالإقطاع (الخطط، جـ ٢، ص ٢٢١؛ انظر ابن تغرى بردى، القاهرة، جـ ٧، ص ١٨٣ وما بعدها). وهكذا احتفظت محاكم الحاجب بصورة من الامتيازات الإقطاعية جعلت للمماليك حصانة من المحاكم والقوانين التى كان يخضع لها الأهالى، أى أن محاكم القاضى كانت تطبق الشريعة وليست مسؤولة إلا أمام المحاكم العسكرية الخاصة: على حين كان قضاة المماليك - وليس قضاة الأهلين - يطبقون الياسا، وهى قوانين أقوى شعوب الفيانى سطوة وأعظمهم احترامًا، وهى الشعوب التى كان يؤخذ منها معظم المماليك، وهذه المحاكم الخاصة كانت تقضى فى الأمور التى تتعلق بأفراد طبقة المماليك بما فى ذلك القضايا المتعلقة باقطاعاتهم.
وبمرور الزمن اتسع مدى ومقدار الأحكام القضائية لكبير الحجاب اتساعًا كبيرًا. وقد كان الحاجب فى أول الأمر مرؤوسًا لنائب السلطان فى مصر ويعرف بنائب السلطنة ولكن سلطانه زاد كثيرًا حين كانت وظيفة نائب السلطنة تترك شاغرة أو عندما انتهى أمر هذه الوظيفة من بعد. ويرجع المقريزى تاريخ اغتصاب سلطة القضاء الإسلامية بمعرفة الحجاب إلى منتصف القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى)، فقد نقل السلطان شعبان (٧٤٦ - ٧٤٧ هـ = ١٣٤٥ - ١٣٤٦ م)
стр. 3333
سلطة القاضى التى كان يتولاها من قبل نائب السلطنة إلى حاجب الحجاب، فأصبح هذا رئيسًا لمحكمة مستقلة تقضى فى الأمور الإدارية (السياسية). وفى عهد السلطان حاجى أعيدت سلطة نائب السلطنة وارتد كبير الحجاب إلى حالته السابقة. على أن هذه الردة كانت موقوته فحسب. ففى سنة ٧٥٣ هـ (١٣٥٢ م) تظلم جماعة من التجار من البلاد المغولية إلى السلطان طالبين الانتصاف من مدينيهم المصريين حين عجزوا عن أن يجدوا العدل عند محكمة القاضى، فأحال السلطان القضية إلى حاجب الحجاب جرجى للفصل فيها: فعذب المدينين حتى أدوا الديون التى عليهم، واستاء السلطان من القاضى ومنعه من الحكم فى القضايا التى تثور بين التجار الأجانب والتجار القاهريين. ويقول المقريزى إنه من يومها حصل الحجاب على حق الحكم التعسفى على الأهلين (الخطط، جـ ٢، ص ٢٢١ - ٢٢٢. السلوك، جـ ٢، ص ٨٦٣)، ويمضى فى قوله إنه حدث بعد اضطرابات عام ٨٠٦ هـ (١٤٠٣ - ١٤٠٤ م) أن أصبح الحجاب أكثر عددًا وأشد عدوانًا (الخطط، جـ ٢، ص ٢٢). وفى عهد المؤيد شيخ (٨١٥ - ٨٢٤ هـ = ٤١٢ - ١٤٢١ م) منحت وظيفة المحتسب نفسها للمرة الأولى لأمير حاجب بدلا من منحها إلى أحد العلماء كما كان الأمر من قبل (القلقشندى: صبح الأعشى جـ ١١، ص ٢١٠). وتشكو المصادر الإسلامية من جور الحجاب الذين كانوا يحكمون فى القضايا التى يتورط فيها المدنيون، بل هم يدعون أنهم يقضون بالحكم طبقًا للشريعة الإسلامية. وكان كثيرون من المتقاضين يؤثرون الأحكام الأسرع والأيسر فى التنفيذ التى يصدرها الحاجب على أحكام القاضى، فى حين أن الحاجب من جهته كانت له مصلحة مالية فى الفصل فى عدد أكبر من القضايا. ويتحدث المقريزى عن أمراء المماليك غير المقطعين وإن كانوا يعيشون على الرسوم والغرامات التى يتقاضونها من حيث هم قضاة فيقول: (المقريزى الخطط، جـ ٢، ص ٢١٩ - ٢٢٠) إن الحاجب أصبح اليوم قاضى القوى والضعيف على السواء سواء كانت القضية شرعية أو سياسية.
стр. 3334
وكان يوجد فى أول الأمر ثلاثة عمال كبار فى القاعدة: حاجب الحجاب، والحاجب، والحاجب الثانى، وقد رفع برقوق عددهم الى خمسة. وكان مركز حاجب الحجاب فى جدول الترتيب يختلف باختلاف الأوقات واختلاف المصادر ، ما بين المركز الثالث إلى المركز الثانى عشر بعد السلطان. وكان ترتيب حاجب الحجاب (أمير حاجب) فى مدينة إقليمية الثالث، وأحيانًا الثانى، بعد الوالى، ويمكن أن يحل الوالى محله غيره فى حالة الطوارئ. ويعمل مرؤوسًا للحاجب حجاب يختلف عددهم. ففى دمشق وحلب، وطرابلس أحيانًا، كان حاجب الحجاب أميرًا من الدرجة الأولى، وكان من الدرجة الثانية فى صفد وحماة وغزة. وفى عهد برقوق كان ثمة ستة حجاب صغار فى دمشق، وثلاثة فى حلب، واثنان أو واحد فى غير ذلك من المدن.
وقد أدخل قايتباى وظيفة جديدة باللقب الفارسى "برده دار" يقوم بمهام حاجب البلاط، وظلت هذه الوظيفة قائمة حتى نهاية سلطنة المماليك يتولاها أمير من الدرجة الثانية.
المصادر:
(١) المقريزى: الخطط، بولاق، جـ ١, ص ٤٠٢ - ٤٠٣؛ جـ ٢، ص ٥٤ - ٥٥، ٦٤ - ٦٥، ٢٠٨ وما بعدها (فيما يتعلق بالإجراء الذى كان يتخذ فى دار العدل)، ٢١٩ - ٢٢٢ (انظر Silvster de Chrestomatie Arabe: Sacy، جـ ٢، باريس سنة ١٨٢٦، ص ٥٥ - ٦٦ من النص العربى و ١٥٧ - ١٩٠ من النص الفرنسى)
(٢) ابن تغرى بردى، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ١٨٥ - ١٨٦؛ طبعة popper, جـ ٥، ٦, ٧ وفى مواضع مختلفة.
(٣) ابن خلدون: المقدمة، جـ ٢، ص ١١ - ١٥ - Rosenthal، جـ ٢، ص ١٤ - ١٩؛ جـ ٢، ص ١٠٠ - ١٠٣ = - Ro senthal، جـ ٢، ص ١١١ - ١١٣ عن المدلول التاريحى لحجب الدخول عن السلطان، والفهرس.
(٤) القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٤، ص ١٩ - ٢٠، ١٨٥ - ١٨٦. ٢١٨، ٢٣٣، ٢٣٨؛ جـ ٥، ص ٤٤٩ - ٤٥٠؛ جـ ٩، ص ١٤ - ١٦.
стр. 3335
(٥) الظاهرى: زبدة كشف الممالك، طبعة Ravaisse, ص ١١٤ - ١١٥
(٦) ابن إياس، جـ ٤، ص ٢٩ - ٣٠.
(٧) السيوطى: حسن المحاضرة، جـ ٢، ص ٩٣ وما بعدها.
(٨) La Syrie: Gaudefroy - Dembynes al' epoque des Mameloukes , باريس سنة ١٩٢٣، الفهرس.
(٩) Van Berchem فى CIA جـ ١، ص ٥٦٧ - ٥٦٨.
(١٠) Le caractere co-: A.N. Poliak lonial de I'etat mameluke فى Revue des .Etudes Islamiques سنة ١٩٣٥، ص ٢٣٥ - ٢٣٦
(١١) الكاتب نفسه: in Feudalism Egypt، لندن سنة ١٩٣٩، ص ١٤ - ١٥.
(١٢) أوزون جارشيلى: مدخل، ص ٣٧٨ - ٣٨٠.
(١٣) Studies in the: D. Ayalon Structure of the Mameluk Army ١١١ Bul- letin of the School of Oriental and African Studies، جـ ١٦، سنة ١٩٥٤، ص ٦٠.
(١٤) Egypt and Syria: W. Popper under the Circassion ... Sultans systmatic ... notes. بوكلى لوس أنجلوس، سنة، ١٩٥٥. ص ٩٢، ١٠٥.
(١٥) Histoire de . E. Tyan l'organisatiom judiciare en pays d'Islam الطبعة الثانية، لندن ليدن سنة ١٩٦٠ ص ٥٣٧ - ٥٤٤.
٥ - إفريقية الشمالية
كانت وظيفة الحاجب فى شمالى إفريقية التى وجدت من قبل فى عهد الفاطميين، قد زالت بعد ذلك، وفى عهد بنى زيرى قطعًا. أهميتها فى عهد الحفصيين. والظاهر أن نظام الحاجب قد أدخل من الأندلس إلى إفريقية، حيث كان الحاجب فى أول أمره على عهد أبى إسحق (٦٧٨ - ٦٨٢ هـ = ١٢٧٩ - ١٢٨٣ م) مجرد مشرف على القصر يعمل فى نفس الوقت "بين السلطان والأشخاص من جميع الطبقات". وبعد عهد أبى حفص (٦٨٣ - ٦٩٤ هـ = ١٢٨٤ - ١٢٩٥ م) أبعدت الحجابة عينها عن الإشراف على حسابات القصر وزادت أهمية الحاجب حتى أن
стр. 3336
أبا بكر (٧١٨ - ٧٤٧ هـ = ١٣١٨ - ١٣٤٦ م) اتخذ حاجبه رئيسًا للوزراء، وأدخل فى تونس سنة أن يجعل أميرًا قسنطينة وبجاية حاجبيهما المحليين يديهما اليمنيين. وكان أقوى الحجاب نفوذًا ابن تفراكين الذى عمد فى النصف الثانى من عهد أبى بكر إلى جعل الحجابة - وهى المنصب ذى النفوذ - وظيفة عظيمة المسؤولية؛ "فقد أصبحت باتساع سلطاتها دكتاتورية أو تكاد، بل سرعان ما أصبحت، فى عهد سلطان شاب. وسيلة إلى وضعه تحت الوصاية وجعل جهاز الدولة كله يعمل رهن مشيئته". فكان هو على مدى نيف وعشرين سنة الذى يهيمن على حكم المملكة بأسرها ويوجه سياسته كما يشاء. وبعد أن عاد بنو حفص إلى الحكم فى الثلث الأخير من القرن الثامن الهجرى (القرن الرابع عشر الميلادى) احتفظ بلقب الحاجب، ولكن السلطات المنوطة بهذا المنصب أصبحت مرة أخرى نوعًا من الإشراف على التشريعات (انظر Zirides. H.R. Idris الفهرس؛ Hafsides: R. Bruschvig, جـ ٢، ص ٥٤ وما بعدها والفهرس؛ ابن خلدون: المقدمة، طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ٢١٠، ترجمة ده سلان، جـ ٢، ص ١٥؛ ترجمة روزنتال، جـ ٢، ص ١٨).
وأقصى من ذلك غربًا، كان الحاجب لدى المرينيين فى فاس على صلة حميمة بالحاكم، على حين أصبح فى تلمسان أيام بنى عبد الواد قيمًا على القصر ووزيرًا للمالية، ولكنه كاد يختفى فيما بعد الفترة المرينية لخلو العرش من شاغله.
خورشيد [هيئة التحرير]
حاجى خليفة
مصطفى بن عبد الله، ويلقب أيضًا بكاتب جلبى، وهو تركى من أكابر أصحاب الموسوعات، ولد بالآستانة فى ذى القعدة سنة ١٠١٧ هـ (فبراير - مارس سنة ١٦٠٨) وعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره تطوع فى فرقة الجيش المنتقاة، وهى فرقة السلحدار حيث كان أبوه يخدم أيضًا، وقد التحق فى الوقت نفسه بمكتب الأناضول للمحاسبة (أناضولى محاسبه قلمى) فى وظيفة
стр. 3337
كتابية صغيرة؛ وصحب فيما بين عامى ١٠٣٣ و ١٠٤٥ هجرية الجيوش العثمانية التى كانت تقوم بحملة على الحدود الشرقية للأناضول اللهم إلا فترتين قصيرتين تخلف فيهما عن هذه الجيوش، واشترك فيما بين عامى ١٠٣٣ و ١٠٣٨ هـ (١٦٢٤ - نهاية عام ١٦٢٨) فى الحملة التى جردت على أباظة باشا الذى انتقض على الباب العالى (وقعة قيصرية فى نهاية عام ١٠٣٣ هـ = أوائل أكتوبر سنة ١٦٢٤) كما اشترك فى قتال الفرس (حصار بغداد الذى باء بالخيبة وبدأ فى ١١ صفر إلى ٧ شوال سنة ١٠٣٥ هـ = ١٢ نوفمبر سنة ١٦٢٥ إلى ٢ يوليو سنة ١٦٢٦) وكذلك فى الحملتين الثانية والثالثة اللتين شنتا على أباظة باشا (حصار أرزن الروم الذى بدأ فى المحرم وانتهى فى ١٦ ربيع الأول سنة ١٠٣٧ = منتصف سبتمبر إلى ٢٥ نوفمبر سنة ١٦٢٧ و ٦ إلى ٢٢ من المحرم سنة ١٠٣٧ = ٥ - ٢١ سبتمبر سنة ١٦٢٨) ولم يعد إلى الآستانة مع الجيش إلا فى نهاية ربيع الثانى الموافق أوائل ديسمبر سنة ١٦٢٨, وقد توفى والده وقتئذ فى الموصل فى ذى القعدة سنة ١٠٣٥ هـ الموافق أغسطس سنة ١٦٢٥ فى أثناء هذه الحملة، عند ارتداد الجيش عن بغداد، والتحق فى ذلك الوقت بمكتب مراقبة فرق الخيالة (سوارى باش مقابلة قلمى)، وفى أوائل شوال سنة ١٠٣٨ هـ (آخر مايو سنة ١٦٢٩) اشترك مرة أخرى فى قتال الفرس صحبة الجيش الذى كان يقوده الصدر الأعظم خسرو باشا (حملة همذان فى آخر سنة ١٠٣٩ هـ = أوائل يناير سنة ١٦٣٠) وحصار بغداد الذى بدأ من ٢٢ صفر حتى ٨ ربيع الأول سنة ١٠٤٠ هـ الموافق ٣٠ سبتمبر إلى ١٥ أكتوبر سنة ١٦٣٠ هـ لم يعد إلى الآستانة إلا فى منتصف سنة ١٠٤١ هـ = نهاية سنة ١٦٣٠؛ ثم اشترك أخيرًا فى الحملة الكبيرة التي جردت على بلاد فارس من سنة ١٠٤٣ إلى سنة ١٠٤٥ هـ (سبتمبر سنة ١٦٣٨ حتى نهاية سنة ١٦٣٥) تحت إمرة مراد الرابع نفسه (فتح إريوان ٢٢ صفر سنة ١٠٤٥ هـ = ٧ أغسطس ١٦٣٥) وأتم الحج إلى مكة بينما كان الجيش يشتى فى حلب (١٦٣٣ -
стр. 3338
١٦٣٤) وقد آلت إليه بعد عودته إلى الآستانة فى رجب عام ١٠٤٥ هـ (ديسمبر سنة ١٦٣٥) ثروة كبيرة ورثها عن عدة أقارب، فاستقر عزمه على أن ينصرف إلى ميوله الطبيعية وأن يكرس حياته للدرس. ولما وجد أنه لم يرتق فى منصبه بما يتناسب مع كفايته استقال من وظيفته فى مكتب المراقبة عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤١ م) ولكن من يلوذ بهم استطاعوا بعد ذلك بثلاث سنوات أن يعينوه فى وظيفة الخليفة (المساعد) الثانى فى هذا المكتب، ومن ثم تلقب "بحاجى" خليفة؛ وتوفى بالآستانة فى ١٧ ذى الحجة سنة ١٠٦٧ هـ (أكتوبر سنة ١٦٥٧) ولما يبلغ الخمسين من عمره، وقد بينا فيما يلى كتبه مستخرجة من سيرته التى كتبها بنفسه، وفيها ذكر تواليفه مرتبة بحسب تاريخ تأليفها وقد حذف - لأسباب نجهلها - ما ذكرناه تحت رقمى ٥ و ٢٠:
١ - فذلكه: تاريخ موجز لحوالى ١٥٠ دولة، وهى فى الوقت نفسه مستخرجة من تاريخ الجنّابى المتوفى عام ٩٩٩ هـ وقد زاد عليها حاجى خليفة ذيولا من عنده. وكتبت الفذلكة بالعربية عام ١٠٥١. وقد ذكرها المؤلف عرضا فى موسوعته عن أصحاب التواليف - انظر الأرقام ٢٠٦٥ و ٢١٩٨ و ٣٤٩٦. والظاهر أنها فقدت (انظر فيما يلى رقمى ١٣ و ٢٠).
٢ - رسالة فى تفسير القرآن للبيضاوى (١٠٥٢ هـ)، والظاهر أنها فقدت.
٣ - شرح للمحمدية، وهى رسالة فى الفقه لعلى قوشجى الفلكى؛ ولم يكمل هذا الشرح، ولعله فقد أيضًا.
٤ - تقويم التواريخ، وهو جداول مرتبة ترتيبًا زمانيًا تمت عام ١٠٥٨ هـ، وقد كتبت المقدمة والملاحق (جرائد بالأسر الحاكمة والأعيان العثمانيين إلخ .. ) بالتركية. بينما وضعت الجداول نفسها التى تضمنت الوقائع التاريخية من بدء الخليقة إلى عام ١٠٥٨ هـ بالفارسية (انظر كشف الظنون تحت رقم ٣٤٩٦)، وقد طبع التقويم فى الآستانة عام ١١٤٦ هـ (١٧٣٣) مع تكملة الجداول حتى عام ١١٤٥ هـ
стр. 3339
وزيادات أخرى، وتوجد منه ترجمة إيطالية بقلم رينالدو كارلى Rinaldo) (Carli البندقى، البندقية عام ١٦٩٧ (Zenker جـ ١، رقم ٩٢٤ - وانظر عن التراجم الأخرى مثل ترجمة، Toderini Reiske وغيرهما Catalogue of: Rieu Turkish manuscriPts in the British Mu - seum ص ٣٣ Verzeichn. der: Pertsch tuerk. Handschr .. zu Berlin، رقم ١٩٥).
٥ - جهاننما وهى فى خلق العالم. الطبعة الأولى. وقد بدئت عام ١٠٥٨ هـ، وأهديت إلى السلطان محمد الرابع. وهذا هو المؤلف الوحيد الذى اقتصر حاجى خليفة على ذكره فى كشف الظنون تحت رقم ٤٣٥٥، وعد هذا المؤلف مفقودا فى عهد الطابع إبراهيم متفرقة (انظر رقم ١٠ الوارد فيما بعد).
٦ - سلم الوصول إلى طبقات الفحول، وهو معجم فى تراجم الأعيان كتبه باللغة العربية. وقد تم وضع المجلد الأول منه فى ١٠٦١ و ١٠٦٢ هـ. وتوجد وصية المؤلف الآن فى مكتبة شهيد على باشا بالآستانة.
٧ - تحفة الأخيار فى الحكم والأمثال والأشعار، وهى مجموعة أشعار تشمل بعض الأمثال والحكم والأقوال المأثورة والأشعار، رتبت على حروف المعجم، وجمعت عام ١٠٦١ أو ١٠٦٣ هـ وقد وردت فى كشف الظنون تحت رقم ٢٥٣٧؛ ووجد مخطوط من هذه المجموعة فى مكتبة أسعد أفندى بالآستانة.
٨ - كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون وهى دائرة المعارف العظيمة فى الكتب والعلوم وتعد أهم تصانيف المؤلف، وقد قضى حاجى خليفة أكثر من عشرين عامًا فى جمع موادها، وكتبها بالعربية. وتم وضع الجزء الأول منها عام ١٠٦٤ هـ، وقد نشر فلوكل Fluegel النسخة الأصلية بليبسك عام ١٨٣٥ - ١٨٥٨؛ ثم نقلت عنها طبعة بولاق عام ١٢٧٤ هـ, والآستانة عام ١٣١٠ - ١٣١١ هـ.
٩ - لوامع النور فى ظلمة أطلس مينور، وهى ترجمة تركية للمصور الجغرافى الصغير لواضعيه ميركاتور وهنديوس Mercator & Hondiues على
стр. 3340
نسق طبعة أرنهايم Arnheim المؤرخة عام ١٦٢١؛ وقد تمت الترجمة عام ١٠٦٤ و ١٠٦٥ هـ، بمعاونة الفرنسى الذى أسلم إخلاصى شيخ محمد أفندى - وتوجد منها مخطوطات فى عدة مكتبات بالآستانة:
١٠ - جهاننما؛ النسخة المنقحة لرقم ٥، وقد بنيت على أساس جديد، فقد استعان المؤلف بأمهات كتب مشاهير الجغرافيين وأصحاب الخرائط الأوروبيين التى صدرت فى هذا العهد (Mercator, Orelius, Cluverius)، ونحن لا نعرف من المصنف الأصلى الذى لم يتمه المؤلف إلا تلك الأجزاء الهامة التى تبحث فى آسية الصغرى والتى نشرها الطابع إبراهيم متفرقة:
١ - فى جهاننما، الآستانة عام ١١٤٥ = ١٧٣٣ - الجزء الأول فقط؛ أما الجزء الثانى الذى كان مفروضًا أن يشمل وصف أوربا وإفريقية وأمريكا فلم ينشر قط؛ وانظر فيما يختص بترجمات هذه النسخة قام بها - Nor berg, Armain, V. Hammer Charmoy وغيرهم، وهى ترجمات تتفاوت كمالا ونقصًا: Rieu: : كتابه المذكور، ص ١١١، وتعليقات Fluegel فى Die arab Pers . u. tuerk Handechr . der k.k.Hafbibl رقم ١٢٨٢).
٢ - فى مخطوطين بخط المؤلف أحدهما محفوظ بالمتحف البريطانى (or، ١٠٣٨) والثانى بمكتبة البلاط بفينا (انظر Fluegel الفهرس نفسه، رقم ١٢٨٢).
٣ - ولدينا وصف الولايات العثمانية فى أوربا حذف من جهاننما المطبوعة، وهو مخطوط من عدة نسخ إحداها بمكتبة راغب باشا والثانية بغلطه مولوى خانه سى ببيرا والثالثة بكتبخانه عمومى بالآستانة؛ والرابعة بمكتبة البلاط بفينا؛ والنسخة الخامسة بخط المؤلف وقد اختفت؛ وترجم فون هامر Von Hammer قسما من هذه النسخة فى كتابه (Rumeli und Bosna) طبعة فينا، سنة ١٨١٢.
١١ - ترجمة تركية لكتاب فى تاريخ الفرنجة (فرنكى تاريخ) كتبت باللاتينية، وهى ترجمة لتاريخ خلكو كونديلس، وهو مؤلف بوزنطى عاش
стр. 3341
فى القرن السادس عشر للميلاد ولم نعثر على نسخ من هذه الترجمة (١).
١٢ - رونق السلطنة - وهو ترجمة لكتاب فى تاريخ القسطنطينية، والمفروض أنه ترجمة لمصنف كتبه المؤلف فى الأصل باللغة العربية ولم نعثر عليه.
١٣ - ترجمة تركية للفذلكة (انظر رقم ١) - ويقال إن منه مخطوطًا بمكتبة أسعد أفندى بالآستانة.
١٤ - الإلهام المقدس من الفيض الأقدس، وهى رسالة فى شعائر الإسلام وقواعده التى لا يمكن مراعاتها فى بعض الأحوال - ويوجد مخطوط منه بكتبخانه عمومى بالآستانة.
١٥ - دستور العمل فى إصلاح الخلل، وهى رسالة فى الإصلاحات المالية كتبت عام ١٠٦٣ هـ, ولكنها لم تنشر إلا بعد ثلاث سنوات. وقد طبعت فى الآستانة عام ١٢٨٠ هـ (١٨٦٣ م) وترجمها إلى الألمانية Behrnauer: .Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl Geselsch, جـ ١١، ص ١١١ - ١٣٢.
١٦ - رجم الرجيم بالسين والميم، وتجمع الغريب من القضايا والفتاوى المتعلقة بها.
١٧ - ١٩ مستخرجات لحوالى ٣٠٠ مجموعة ومجلدان صغيران يشملان نوادر تاريخية وأدبية، وقد اختفت جميعًا.
٢٠ - فذلكة التواريخ: وهذه الفذلكة المشار إليها فى البندين ١ و ١٣ وضعت باللغة التركية، وتتناول تاريخ الدولة العثمانية من عام ١٠٠٠ هـ حتى أوائل عام ١٠٦٥ هـ - وقد طبعت بالآستانة عام ١٢٨٦ - ١٢٨٧ هـ.
стр. 3342
٢١ - تحفة الكبار فى أسفل البحار، وهى تاريخ البحرية العثمانية كتبت عام ١٠٦٧ هـ = ١٦٥٦ ونشرت فى الآستانة عام ١١٤١ هـ = ١٧٢٨, ١٣٢٩ = ١٩١٤. وقد ترجمها إلى الإنكليزية جيمس ميتشل - James Mitch) (ell؛ الفصول ١ - ٤، لندن، سنة ١٨٣١ (Zenker؛ رقم ٩٢٧، ٩١٣).
٢٢ - ميزان الحق فى اختيار الأحق - وهو آخر كتب المؤلف أتمه فى صفر عام ١٠٦٧ هـ (نوفمبر ١٦٥٦)، وهو يتناول مسائل مختلفة من مسائل الكلام فى ذلك العصر؛ وقد خرج المؤلف فيه على معلمه الأول قاضى زاده إمام أهل السنة.
نشر بالآستانة عام ١٢٨١ هـ وعام ١٢٨٦ هـ وعام ١٣٠٦ هـ.
المصادر:
(١) سيرة المؤلف، المشار إليها فى آخر رقم ٢٢ حرفها Wickerhauser فى Wegweiser الخ .. ، ص ١٥٩ - ١٦٧ والتعليق على السيرة فى نهاية الجزء الأول من سلم الوصول رقم ٦.
(٢) مناقب كاتب جلبى وهى تسبق التقويم رقم ٤.
(٣) السيرة ١٥٨ فى ذيل عطاء بقلم عشاق زاده (انظر Osm.: von Hammer .Gesch, جـ ٦؛ ص ٤٧).
(٤) سجل عثمانى، جـ ٤، ص ٣٩٥.
(٥) كاتب جلبى، بقلم بروسه لى محمد طاهر بن رفعت، إستانبول سنة ١٣٣١ هـ.
(٦) أشار فلوكل Flugel إلى المؤلفين الأوربيين الذين تكلموا عن حاجى خليفة ومصنفاته فى Handschr K. K. Hofbibliothek جـ ١، ص ٤٩ - وأشار إليهم Rieu فى المصدر نفسه ص ٣٣.
(٧) قارن أيضًا Die: Wuestenfeld Geschichischreiber der Araber إلخ. رقم ٥٧٠، Gesch, der Arab.: Brockelmann Litt. جـ ٢، ص ٤٢٨.
[مورتمان J. H. Mortmann]
الحارث بن جبلة
(٥٢٩ - ٥٦٩ م): أشهر ملوك غسان فى الحوليات العسكرية لجزيرة العرب وفى تاريخ بوزنطة وتاريخ مذهب
стр. 3343
الطبيعة الواحدة للمسيح فى القرن السادس الميلادى.
وقد قاد الحارث، وهو شيخ قبيلة وحليف لبوزنطة، كتيبة من الفرسان حمل بها على الفرس وحلفائهم العرب اللخميين فى الحروب التى دارت فى عهد يوستنيانوس وأبلى بلاء حسنًا فى معركتين: معركة جمنيكوم Callinicum التى دارت سنة ٥٣١ والحملة الأشورية التى وقعت سنة ٥٤١ م. وقد انتصر فى يوم حليمة سنة ٥٥٤ م انتصارًا حاسمًا على المنذر اللخمى.
وقد أحيا الحارث، وهو من القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح، كنيسة القائلين بهذا المذهب بعد أن أبطلت فى عهد يوستنيان الأول من سنة ٥١٨ - ٥٢٧ م. وقد أظل هذه الكنيسة بحمايته فى عهده الطويل ووقاها شر عداوة الخلقدونيين وسعى إلى الاحتفاظ بوحدتها حيال الحركات الانقسامية والانشقاقية مثل المذهب المتزندق القائل بالتثليث والذى كان ينادى به يوجنيوس وكونون Eugenius & Conon.
وقد اعترفت بوزنطة بخدماته وشأنه ومنحته أسمى آيات التشريف والألقاب، ذلك أنه أصبح بطريقا وصاحب المجد الأكبر.
المصادر:
(١) History: Procopius of Caesarea جـ ١٧، ٤٥ - ٤٨؛ ١٨، ٢٦، ٣٥ - ٣٧، ٢، ١, ١ - ١١؛ ١٩، ١٢ - ١٨، ٢٦ - ٤٦؛ ٢٨، ١٢ - ٤.
(٢) Anecdota، جـ ٢ ص ٢٣ - ٢٨.
(٣) ميخائيل السورى: التاريخ، الترجمة الفرنسية بقلم Chabot .J.B , باريس سنة ١٩٠١، جـ ٢، ص ٢٤٥ - ٤٨، ٢٦٩.
(٤) Arabie: R Aigrain فى Dic- tionnaire d'histoire de geographie ec clesiastiques جـ ٣، عمود ١٢٠٣ - ١٢١٣.
(٥) إيران قاوار: procopius et Are- thas في Bysantinisch Zeitschrift جـ ٥٢، سنة ١٩٥٩.
خورشيد [عرفان شهيد Irfan Shahid]
стр. 3344
الحارث بن كعب
اليشكرى، بنو: ويعرفون عادة باسم بلحارث: قبيلة عربية تنتمى إلى الأرومة اليمنية، ونسبهم: الحارث بن كعب بن عمر بن عُلىَ بن جَلدْ بن مذجح (مالك).
وكانوا يعيشون فى إقليم نجران فى جوار همدان. ومن منازلهم: العَرْش، والعاذ، وبطن الذُهاب، وذو المرَّوت، والفُرُط (وجمعها أفراط بين نجران والجوف) وحَدورَة (خدوراء) وعِيَانة، والخَصَاصَة (بين الحجاز وتهامة) وقْرَّى، وسَحْبَل، وصَمْعَر، وسوحان أو سَوْحان، ومينان أو مَيْنَان، وشَط زياد (ويتبع عشيرة زياد)؛ ووديانها هى: العَوْهَل الأعلى والعَوْهَل الأسفل، والنُضَارات، وثَجرِ.
ومياهها هى عَيْنَى، وذئب، والبَثرَى، والجَفْر، والهَرار، والحِمَى، والكواكب، وخَطْمَة (خطْمَة وهى عين فى الرمل) وخلَيَقْاء، وَالمَلَحات، وماوة، والشَليلَة (ماء لعشيرة داعر) وشِسْعَى، ويَدَمات.
ومن جبالها تُخْتمُ.
وكانت أحياء من بلحارث تعيش أيضا فى رْيدَة الصَيْعَر فى حضر موت، وفى بلدة رّداع (وقد سكنها العَنْس وخَوْلان)، وفى قرى الصَمَع وحَدَقان، وهما من قرى بَكيل، وفى الفَلَجَة بالقرب من دمشق.
وكان حى من بلحارث يعبد فى الجاهلية الصنم بَغوت، فى حين اعتنق حى آخر منها النصرانية، وقد شيد بيت عبد المَدَان بن الديَّان، وهو من أبرز بيوت بلحارث، كنيسة كبيرة فى "دير نجران" وعرفت أيضًا بكعبة نجران (وجاء فى عدة روايات أنها كانت قبة من أدم من ثلثمائة جلد).
تاريخها:
وكان الصنم يغوث السبب فى نشوب وقعة بين بلحارث ومراد، ذلك أن مرادًا زعمت أن الصنم صنمها، فاقتتل الفريقان عند الرَزم جنوبى نجران فى أرض مراد فى اليوم نفسه الذى وقعت فيه غزوة بدر (١٧ أو ١٩ رمضان سنة ٢ للهجرة) فتحالفت بلحارث مع همدان وأنزلتا بمراد هزيمة منكرة، وظل يغوث خالصًا لبلحارث.
стр. 3345
وفى يوم كُلاب الثانى فى الدهناء حاربت بلحارث يقودها نعمان بن جساس القبيلتين التميميتين رباب وسعد بن زيد مناة يقودهما قيس بن عاصم. وانحازت همدان وكندة وقضاعة وغيرها من القبائل إلى بلحارث فبلغ عددهم ثمانمائة مقاتل شديدى البأس انقسموا أربع فرق على رأس كل فرقة قائد يحمل اسم يزيد، وتأمّر على هؤلاء القواد جميعًا عبد يغوث بن صلاة. ودارت الدائرة على بلحارث وسقط قواد هذه الفرق المتحالفة فى القتال، وجرح عبد يغوث. ومن أيام بلحارث أيضًا يوم حِدْرَه فى تهامة، وكان بينها وبين أوس، وكان النضر فيه حليف هؤلاء، ويوم بطن الذهاب.
ثم إننا نجد بلحارث وقد تملكت نجران بعد إذ نزحت أزد، وكان بينها وبينهم عدة حروب - عن اليمن يقودها عمرو بن عامر مزيقياغ عقب تصدع سد مأرب. فلما سرت دعوة محمد [ ﷺ ] فى جميع أنحاء الجزيرة العربية سنة ٨ هـ (٦٣٠ م) وفد إلى النبى [ ﷺ ] فى المدينة جلة من رجال الدين ومن بينهم الأسقف أبو الحارثة، واتفقوا مع النبى [ ﷺ ] على أن يلقوه فى مكان بالقرب من المدينة، وهناك دعوا إلى المباهلة أو اللعان، ولكنهم لما عرفوا نبوته خشوا ما ينزل بهم فسألوا النبى [ ﷺ ] أن يعفيهم منها على أن يؤدوا جزية أكبر. وفى ربيع الأول من سنة عشرة للهجرة (٦٣٠ م) أنفذ محمدٌ [ ﷺ ] خالدَ بن الوليد فى ٤٠ رجلا إلى بلحارث يدعوهم إلى الإسلام؛ فأسلم الوثنيون منهم وبعض النصارى وظل خالد مقيما بينهم يعلمهم القرآن ومعالم الإسلام؛ وعاد خالد إلى النبى [ ﷺ ] بعد فترة من الزمن فى وفد من بلحارث (بينهم اثنان من أسرة عبد المدان النصرانية) فوهب محمد [ ﷺ ] كل رجل من رجال الوفد ١٠ أوقيات (٤٠٠ درهم) وأقام أحدهم وهو قيس بن الحسين أميرًا على بلحارث. وفى سنة ١١ هـ (٦٣٣ م) ظهر المتنبئ أيهب بن كعب ويعرف عادة بالأسود العنسى، فتبعته بلحارث متأثرة بدعاته. وطردوا والى نجران (عمرو بن حزم)، وظل المسلمون مستمسكين بإسلامهم فى خلافة أبى بكر وجدد النصارى ما عاهدوا النبى [ ﷺ ] عليه.
стр. 3346
المصادر:
١ - ياقوت: المعجم، الفهرس.
(٢) الهمدانى: صفة جزيرة العرب، ص ٥٥، س ٨ - ١٠، ص ٦٧، س ١٤ - ١٥، ص ٨١، س ١ - ٣, ٦ - ٩، ص ٨٣، س ٩ - ١٠ ص ٨٥، س ١٢، ص ٩١، س ٢٤، ص ٩٢، س ٦ - ٨، ١٥ - ١٧، ص ٩٧، س ١ - ٢، ص ١٠٢، س ١٣ - ١٤، ص ١٠٩، س ٢١ - ٢٢، ص ١١٦، س ١٩، ص ١١٧، س ٢٠، ص ١٢٥، س ٩، ص ١٣٠، س ٧ - ٨، ص ١٣٦، س ٣، ص ١٦٩، س ٧ - ٨، ص ١٨٩، س ٢ - ٧، ص ٢٠١، س ١٥.
(٣) الطبرى: تاريخ، طبعة ده غويه، جـ ١، ص ١٧٢٤ - ١٧٢٧، والفهرس.
(٤) الأغانى، جـ ١٠، ص ٨٢؛ جـ ١٤، ص ٢٦؛ جـ ١٥، ص ٧٣ والفهرس.
(٥) ابن هشام: السيرة (طبعة فستنفلد، ص ٩٥٨ - ٩٦٠).
(٦) Erdkunde: K . Ritter، جـ ١٢، ص ٦٨.
(٧) Genealog Ta-: Wuestenfeld beilen، جـ ١، الجدول ٨، س ١٦.
(٨) الكاتب نفسه: Register ص ٢١٠.
(٩) Essai sur: Caussin de Perceval .l'histoire des Arabes avant l'islainisme جـ ٢، ص ٢٣ - ١٢٤، ١٥٩، ٢٠٢, ٢٠٩؛ جـ ٢، ص ٥٨٢ - ٥٩١؛ جـ ٣، ص ٢٧٥ - ٣١٢، ٣٤٦، ٣٩١.
(١٠) The Life of Mohamet: W. Muir جـ ١، ص ٢٧٧، ٢٢٨؛ جـ ٩، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.
(١١) Arabien im sechten: O. Blau Jahrandert فى، جـ ٢٣ , ص ٥٨٢
خورشيد [شيلفر J. Schleifer]
حازم بن محمد
بن الـ "حسن" بن خلف ابن حازم الأنصارى القرطاجنّى أبو الحسن: شاعر ونحوى وصاحب نظريات فى البلاغة. ولد فى قرطاجنة سنة ٦٠٨ هـ (١٢١١ م) لأسرة من جد أوسى. وقد
стр. 3347
تلقى تعليمه من أبيه الذى كان قاضى قرطاجنة وكان اتجاه هذا التعليم إلى النحو، واللغة العربية، والحديث، والفقه المالكى وواصل دراسته فى مرسية ثم فى إشبيلية وغرناطة ووقع تحت تأثير الشَلَوبْين الذى ألهمه دراسة الفلسفة اليونانية مستعينًا بكتب الفلاسفة المكتوبة بالعربية وخاصة ابن سينا. وذهب إلى مراكش بعد وفاة أبيه سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٤ م) وهناك شارك فى النشاط الأدبى لحاشية الخليفة الموحدى الرشيد (٦٣٠ - ٦٤٠ هـ = ١٠٣٢ - ١٠٤٢ م)، ثم عبر إلى المغرب ليشغل منصب الكاتب فى ديوان أبى زكريا الأول الحفصى (٦٢٥ - ٦٤٧ هـ = ١٢٢٨ - ١٢٤٩ م) وكان علمه الوافر فى ميدان النحو والبلاغة ودرايته التى كانت أعمق من روايته (انظر ابن رشيد) قد أكسبته حجية بين معاصريه ومريديه ومنهم أبو حيان الأندلسى، وابن سعيد، وابن رُشَيْد، والتجانى وكثيرون غيرهم. وتوفى فى تونس فى الرابع والعشرين من رمضان سنة ٦٨٤ (٢٣ نوفمبر سنة ١٢٨٥).
وكان نشاط حازم القرطاجنى موجها إلى ثلاثة ميادين: كتاباته الشعرية التى حفظ بعضها فى مخطوط (وخاصة فى الإسكوريال، ٣٨٢، ٤٥٤) وفى الكتب المعاصرة له أو المتأخرة عنه (انظر المصادر) وتتناول الموضوعات المألوفة، وتكشف عن أثر المتنبى فيه، وهو أثر واضح كل الوضوح فى الأندلس. وهى تشمل بصفة خاصة مدائح فى سلاطين مراكش وتونس وأطولها (١٠٠٦ أبيات) وأشهرها أرجوزته المعروفة بالمقصورة والمهداة إلى المستنصر الحفصى (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ) = ١٢٤٩ - ١٢٧٧ م): "ومن الموضوعات المألوفة التى تشمل الديار المهجورة وأوصاف الزوابع والإبل، أجل بين هذه التقاليد الطويلة تنطلق احيانًا شرارة الإبداع كما لاحظ غرسيا كومز، ومدْح الخليفة الحفصى، وانتصاراته وقصوره وجيوشه فيها بعد كثير عن الدقة، ولكن فيها قوة وعظمة؛ وقد اقترن التحسر الشاب على الأندلس السجين وفزعه إلى الخليفة الذى يستطيع وحده أن ينتزعه من براثن
стр. 3348
النصارى" (انظر Hafsides: Brunschving جـ ٢، ص ٤٠٧). وقد نبه غرسيا كومز (Garcia Gomez Ob-: E. servaciones sobre la "Qasida Maqsura" Qartajanni - l-Hasan Hazim Al de Abu فى Al Andalus سنة ١٩٣٣، ص ٨١ - ١٠٣) إلى قيمة هذه القصيدة من حيث هى وثيقة تشمل حقائق هامة فى ترجمته لذاته وتفصيلات تاريخية وجغرافية. وقد كانت هذه القصيدة موضوعًا لعدة شروح لم يبق منها إلا شرح الغرناطى (رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٥ م، فى مجلدين؛ ويوجد نص المقصورة أيضًا فى مخطوط بالإسكوريال رقم ٣٨٢).
أما فى ميدان النحو فإن حازما نظم منظومة تعليمية لم تكتمل يهاجم فيها "مَقَرَب" ابن عصفور المعروف باسم "شدَّ الزُنَّار على جحفلة الحمار". وقد فقدت هذه المنظومة.
ثم نجد أخيرًا أن حازمًا يستحق بصفة خاصة الاهتمام من حيث هو كاتب فى نظريات البلاغة، ذلك أنه صنف "كتاب التجنيس" وهو رسالة فى العروض لم تصل إلينا؛ و"كتاب القوافى"، ثم أهم من ذلك كله "مناهج البلغاء وسراج الأدباء" (= المناهج الأدبية) ولم يبق منه إلا الأجزاء الثلاثة الأخيرة. وهذه الأجزاء قد أصبحت حديثًا قوام الموضوع على أساس المخطوط الوحيد المحفوظ فى الزيتونة (هى الآن مكتبة جامعة تونس) من نسخة نقدية قام عليها م. هـ. بلقوجه (تونس ١٩٦٩). أما المنهج الثالث فقد نشره من قبل ع. بدوى فى Melanges Taha Husain القاهرة سنة ١٩٦٢، ص ٨٥ - ١٤٦. وفى هذا الكتاب قسم كل جزء تقسيمًا عجيبًا إلى معالم ومعرفات ثم قسمت هذه إلى فقرات سميت على التعاقب: إضافة، وتنوير. واستخدام هذه المصطلحات المحكمة دليل على نزعة حازم إلى تقعيد منطقى دقيق متدرج، وتحليل موسع بغرض بسط نظرية أصيلة. وإذا قارنّا كتابه "منهاج البلغاء" بالرسائل الخاصة بالبلاغة العربية التى على غراره نجد أنه يتميز بالخبر الذى أفرده لأرسطو الذى عرفه حازم بصفة خاصة من الفصول
стр. 3349
الفصول الخاصة بفن البلاغة والشعر فى كتاب الشفاء لابن سينا. وبالجهود التى بذلها حازم فى تطبيق نظرية الفلسفة اليونانية على الأدب العربى. ومن هذه الناحية يمثل المنهاج مكانة خاصة جدًا فى تاريخ النقد الأدبى.
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة انظر:
(١) ابن الأبّار: التكملة، جـ ٢، ص ٦٣٣, رقم ١٦٥٠.
(٢) ابن سعيد: القدح المعلّى، القاهرة سنة ١٩٥٩، ص ٢٠ - ٢١، رقم ٣.
(٣) العبدرى: الرحلة، مخطوط بالزيتونة، تونس رقم ٥٠٩٣ ورقة ١٥٥ ب - ١٥٧ ب.
(٤) ابن رُشَيْد: الرحلة، مخطوط بالإسكوريال رقم ١٧٣٥ إلخ، فى مواضع مختلفة.
(٥) التجانى: الرحلة، طبعة عبد الوهاب، تونس سنة ١٣٧٧ هـ = ١٩٥٨، ص ١٨٤.
(٦) ابن الخطيب: الإحاطة، طبعة عنان، جـ ١، ص ٢٠٨.
(٧) الدمامنى: الحواشى الهندية، جـ ١، ص ١٨٩ - ١٩٠.
(٨) السيوطى: البغية، ص ٢١٤.
(٩) الكاتب نفسه: الإتقان، القاهرة سنة ١٢٧٨ هـ، جـ ٢: ، ص ١١٩ - ١٢٠.
(١٠) الكاتب نفسه: المزهر، جـ ١، ص ١٨٨ - ١٨٩.
(١١) الكاتب نفسه: إقتراح، دلهى سنة ١٣١٣ هـ، ص ١١.
(١٢) الزركشى: البرهان فى علوم القرآن، القاهرة سنة ١٩٥٧ - ١٩٥٩، جـ ١، ص ٥٩، ٦٠، ٣١١، ٤٩١؛ جـ ٢، ص ١٠١، ٤٠٨؛ جـ ٣، ص ٧١, ١٠٥، ٢٨٨، ٣١٤، ٤٠٧.
(١٣) ابن القاضى: درّة الحجال، طبعة Allouche , الرباط، سنة ١٩٣٤ - ١٩٣٦، جـ ١، ص ١٣٧؛ رقم ٣٨١.
(١٤) المقرى: أزهار الرياض، جـ ٣، ص ١٧١ - ١٨٢.
стр. 3350
(١٥) المقرى: نفح الخطيب = Analectes الفهرس.
(١٦) حاجى خليفة، جـ ٢، ص ٣٢٣، ٣٥٢ - ٣٥٣.
(١٧) العَيَّاشى: الرحلة، طبعة فاس، جـ ٢، ص ٢٥٤.
(١٨) الوزير السرَّاج: الحلل السندسية، تونس سنة ١٢٨٧ هـ، ص ٢١٩، ٣٠٣.
(١٩) ابن مخلوف: شجرة النور، القاهرة سنة ١٣٥٠ هـ، ص ١٩٧، رقم ٦٦٧.
(٢٠) علّام: أبو الحسن حازم القرطاجنى وفن المقصورة فى الأدب العربى فى الكتاب السنوى لكلية الآداب بجامعة عين شمس، سنة ١٩٥١، ص ١ - ٣١.
(٢١) م. هـ. بلخوجة، طبعته لمنهاج البلغاء، تونس سنة ١٩٦٦, مع مقدمة أخذت منها هذه التذكرة
خورشيد [هيئة التحرير]
الحافظ
هو الخليفة الفاطمى الحادى عشر واسمه "أبو الميمون عبد المجيد"، ولد فى عسقلان حوالى سنة ٤٦٧ هـ (١٠٧٤ م)، وليس ثمة إجماع على التاريخ الحقيقى لميلاده. وكان أبوه "أبو القاسم محمد" ابن الخليفة المستنصر قد رحل إليها، لأن المجاعة كانت أنشبت أظفارها فى مصر وقتذاك (ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٤٦٨) غير أن أبا الميمون لم يكن له شأن هام فى السياسة إلا فى خريف حياته، فقد كان على أبواب الشيخوخة عندما اغتال الحشاشون الآمر فى سنة ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م) دون أن يخلّف أبناء فبويع بولاية العهد بصفته أحق الأمراء بارتقاء العرش ولقب بالحافظ لدين الله ولم يبايَع بالإمامة فى رأى الشيعة الذى كان سائدًا فى ذلك الوقت يتوارثها الابن عن أبيه، ثم إنهم كانوا ينتظرون ولادة أرملة الخليفة المتوفى، وكانت توشك أن تضع، ولكنها وضعت بنتًا؛ وما إن تقلد الأمير الجديد مقاليد الحكم حتى انتزعت منه، إذ انتقض عليه أبو على
стр. 3351
أحمد بن الأفضل الملقب بالخليفة يظاهره الجند، فخلع وزير الحافظ عن الوزارة وتولاها هو وسجن ولى العهد فى القصر ولما كان هذا الرجل قليل الاحتفال بالحقوق الشرعية للبيت الحاكم، فقد دعا فى المساجد للإمام المنتظر وضرب السكة باسمه، وظل أبو على أحمد حاكمًا بأمره سنة إلى أن استطاع عبد المجيد أن يخلعه عن العرش وينصب نفسه خليفة مكانه. واستوزر أول ما استوزر يانس الأرمنى، ولكن سرعان ما أبدى هذا الوزير من القوة والبأس ما أحفظ عليه الخليفة فدس له السم بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه هذا المنصب، ثم أخذ الخليفة يحاول أن يحكم الدولة وحده؛ والظاهر أنه نجح فى ذلك، ولكن النزاع ما لبث أن نشب بين ولديه حسن وحيدرة مما زعزع أركان حكمه، وانتصرت فرق الجيوشية لحسن، أما فرق الريحانية فظاهرت أخاه حيدرة، إلا أن الدائرة دارت على حيدرة فأصبح حسن فى الواقع مطلق السلطان، ولكنه تمادى فى الغطرسة وأمعن فى الطغيان إلى حد إذلال أبيه فأدى ذلك إلى سقوطه فى نهاية الأمر. ووجد الحافظ نفسه مضطرًا إزاء إلحاح الجند إلى الإيعاز لطبيبه النصرانى أن يدس السم لولده. ونزل الحافظ على إرادة الجند واضطر إلى استيزار بهرام الأرمنى النصرانى. ولكن هذا الوزير الجديد أسرف فى محاباة أبناء جنسه وإخوانه النصارى فأقيل من منصبه بعد أن شغله سنتين. وباعتزال بهرام الحكم أسدل الستار على العصر الأرمنى فى عهد الفاطميين المتأخر وهو العصر الذى بدأ بظهور "بدر الجمالى".
وخلف بهرام الوزير رضوان، على أنه سرعان ما اختلف هو أيضًا مع الحافظ بسبب محاولة الوزير الاستئثار بالسلطة، فضلا عن أن تمذهب رضوان بالسنيّة يلقى شكوكًا فى أحقية حافظ فى الإمامة، ومما زاد فى سخط الخليفة أن الوزير أراد أن يخطب ود الشعب، فألغى ضرائب الأسواق فحرم الخليفة من مصدر من مصادر دخله؛ ثم قام شغب جديد أدى إلى مقتل رضوان؛ ومات الخليفة بعلة القولنج فى العام التالى (جمادى سنة ٥٤٤ هـ = أكتوبر سنة ١١٤٩) بالغًا من العمر ٧٥ عامًا
стр. 3352
فى عصر سادته الفتن والقلاقل، وقيل إنه كان ينفعه من القولنج قرع طبل من المعادن السبعة والكواكب السبعة فى إشرافها، وكان حكمه قد بدت فيه جميع الدلائل المنبئة بزوال هذه الأسرة.
المصادر:
(١) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، انظر الفهرس.
(٢) ابن خلكان، القاهرة ١٢٩٩ هـ, جـ ١، ص ٣٨٩ وما بعدها، ترجمة de Slan, جـ ٢، ص ١٧٩ وما بعدها.
(٣) أبو الفدا، طبعة Reiske, جـ ٣، ص ٤٣٨ ما بعدها.
(٤) المقريزى الخطط، جـ ١، ص ٣٥٧؛ جـ ٢، ص ١٦ وما بعدها.
(٥) القيروانى: تاريخ إفريقية، ترجمة Remusat & pellisier, ص ١٢٠.
(٦) Geschichte der: Wuestenfeld Fatimidan - Chalifen، ص ٣٠٠ وما بعدها.
(٧) A. Hitory of: S. Lane Poole Egypt in the middle Ages، ص ١٦٦ وما بعدها.
[كرايف Graefe .E]
حافظ إبرهيم
محمد: شاعر وكاتب مصرى. ولد بين عامى ١٨٦٩ و ١٨٧٢ فى دهبية راسية على النيل قرب ديروط (مديرية أسيوط). وتوفى أبوه وهو فى الرابعة من عمره فكفله خاله فى القاهرة ثم فى طنطا حيث أتيح له حضور المحاضرات القليلة التى كانت تلقى فى الجامع الأحمدى، وإن لم يكن ذلك بصفة منتظمة، والتعرّف بالشعر العربى القديم وخاصة العصر العباسى، وهو يتمرن فى مكاتب عدة محامين. وراح حافظ لا يكف عن البحث عن وظيفة لم يكن بعد قد عثر عليها؛ وضاق بالعيش على حساب خاله فترك طنطا ليلتحق بالمدرسة الحربية فى القاهرة. ولما تخرج منها التحق بخدمة الحكومة فى وزارة الحربية ثم فى وزارة الداخلية. وخدم، وهو ضابط، مدة طويلة فى شرقى السودان وقت قيام حملة اللورد كتشنر، ولكن حدث بعد شغب تورط فيه أن طلب حافظ إحالته إلى الاستيداع. وعاد إلى القاهرة سنة
стр. 3353
١٩٠٦ وأتيحت له فرصة وصل نفسه بمحمد عبده وأصبح تلميذه، وانصرف أكثر وأكثر فى حرية إلى الشعر. وكان حافظ فى هذه الفترة أيضا متصلا بالزعماء السياسيين أمثال سعد زغلول ومصطفى كامل وقاسم أمين كما كان متصلا بأهل الفكر الذين التفوا حول خليل مطران وغيره. وإنما حدث سنة ١٩١١ أن نجح فى أن يلتحق بالخدمة المدنية ورئيسًا للقسم الأدبى بالكتبخانة الخديوية (دار الكتب المصرية) فى القاهرة، وقد ظل شاغلا هذا المنصب حتى وفاته تقريبا فى ٢١ يولية سنة ١٩٣٢.
ويجب أن نعدّ حافظا من بين ممثلى مدرسة الشعر المصرى التجديدى التى كان زعيمها سامى البارودى والتى سار أعضاؤها على مقتضى نزعاتهم وطبائعهم هادفين إلى تخليص أنفسهم من إسار التقاليد. ولكنه اعتزل المتحدثين الآخرين عن الجيل الجديد باستمساكه الذى جاء عفو الخاطر بقضية الشعب وقضية الجماعة الإسلامية بصفة عامة، وقد نجح فى التعبير عن عواطفهما وأطماعهما المشروعة. والحق إن المقطوعات الواردة فى ديوانه (القاهرة سنة ١٩٣٧ فى مجلدين) تكشف عن حشد من التفصيلات والملاحظات المباشرة التى تلقى ضوءًا على عدة نواح من الحياة السياسية والاجتماعية المصرية فى العقود الأولى من هذا القرن، كما تتيح لنا أن نلحظ النظرة الممعنة فى الجدل للشاعر. ونجد بخاصة فى تلك الأبيات التى نتبين لأول وهلة أنها سياسية، أنه يكشف عن امتلاكه الكامل لناصية الموقف فى حقيقته، وهو أن السلطات الثلاث التى كانت تتنازع لكسب الرأى العام (البريطانيون والسلطان والخديوى) يجب أن تُتَملَّق وأنه يجب عليه أولا وقبل كل شئ أن يخمد نار غضبه ويأسه ويخفى أفكاره. ومن ثم نجد أن أشعاره العارضة التى اضطر فيها الشاعر إلى أن يكيف نفسه على مقتضى أسلوب المدائح والمراثى تفتقر إلى الأصالة والخيال. والشقاء والشكوى والقلق والاكتئاب هى أساس خير ما أبدع حافظ من شعر، وهو قد أدخر لها ألطف مختاراته من الصور
стр. 3354
وأفعل المفردات فعلا في النفس، وساقها فى بناء أبعد ما يكون عن تجاهل التقاليد القديمة كل التجاهل. وقد شاع شعره - الذي لا يمكن أن نضعه عل محك النقد المستقصى فى هذا المقام - بسرعة لا بأس بها فى دوائر أهل العلم فى الأزهر ونال الثناء والترحيب الجم لدى صفوة المثقفين والزعماء السياسيين فى مصر. وأصبح حافظ إبراهيم فوق كل شئ بعطفه على البائسين صدى شقاوات الشعب وآماله. ولعل هذا العطف هو الذى حمله على نقل بعض فصول من البؤساء لفيكتور هيجو (القاهرة سنة ١٩٠٣، والطبعات الأخرى)، وقد يتميز هذا النقل خاصة بنثره العربى الفخم. وثمة وجه آخر من وجوه أسلوبه القصصى يتمثل فى "ليالى سطيح" (الطبعة الأولى، القاهرة سنة ١٩٠٦؛ الطبعة الثانية من غير تاريخ) ويظهر فيها على نحو أقوى من ذلك الأهداف الخلقية التى كان يدين بها مقلدو المقامات فى نهاية القرن التاسع عشر. وتشمل هذه المقامة الطويلة إلمامة نقدية بالأخلاق المصرية ولعلها كتبت على منوال "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحى الذى ظل يفوق حافظًا فى هذا الباب. ومما يجدر ذكره أيضًا ترجمته بالاشتراك مع خليل مطران لكتاب لبول لروى بوليو Paul Leroy - Beaulieu وعنوان هذه الترجمة بالعربية "المجاز فى علم الاقتصاد" (القاهرة سنة ١٩١٣، فى خمسة مجلدات).
المصادر:
يجب أن نضيف إلى المصادر التى وردت فى بروكلمان، قسم ٣، ص ٥٧ - ٧١.
(١) حسن كامل الصيرفى: حافظ وشوقى.
(٢) أحمد الطاهر: محاضرات عن حافظ إبراهيم، القاهرة سنة ١٩٥٤.
(٣) شوقى ضيف: الأدب العربى المعاصر.
(٤) فى مصر، القاهرة سنة ١٩٥٧، ص ٨٢ - ٩٢.
خورشيد [ريتز تانو U. Rizzitano]
стр. 3355
الحاكم بأمر الله
هو سادس الخلفاء الفاطميين، وكان يلقب قبل توليه الخلافة: بأبى على المنصور. ولكى نحصل على فكرة واضحة قدر الإمكان عن خلق هذا الحاكم الغامض يجب أن نقسم حياته إلى ثلاثة أدوار متمايزة بعضها عن بعض تمام التمايز. فالدور الأول، وهو دور حداثته، يبدأ من توليه الخلافة فى الحادية عشرة من عمره وينتهى بمقتل "برجوان" فى سنة ٣٩٠ هـ (سنة ١٠٠٠ م)؛ ويبدأ الدور الثانى من تاريخ هذا الحادث حتى سنة ٤٠٨ هـ (سنة ١٠١٧ م)؛ أما الدور الثالث فهو السابق على اختفائه سنة ٤١١ هـ (سنة ١٠٢١ م).
الدور الأول سنة ٣٨٦ - ٣٩٠ هـ = ٩٩٦ - ١٠٠٠ م:
فى اليوم نفسه الذى مات فيه العزيز فى مدينة بلبيس بويع بالخلافة ابنه الوحيد "المنصور" وتلقب "بالحاكم بأمر الله"، وقد ولد المنصور فى ٢٣ ربيع الأول سنة ٣٧٥ هـ (١٣ أغسطس سنة ٩٨٥ م) من أم نصرانية، وأقيم العبد الخصى "برجوان" وصيا عليه امتثالا لرغبة أبيه. غير أن "برجوان" لم يستطع أن يخضع لسلطانه قائد الجيش "ابن عمّار المغربى" الذى كان الخليفة "الحاكم" قد منحه رتبة "الواسطة" ولقّبه بأمين الدولة. وكان لمحاباة هذا القائد بنى جنسه من الكتاميين وتفضيلهم على إخوانهم من الجنود أثر سئ أثار النفوس إلى درجة الغليان، فعمد الجنود الترك آخر الأمر إلى امتشاق الحسام لرد عدوان البربر إخوانهم فى السلاح. وانتهت هذه الفتنة بهزيمة البربر وسقوط قائدهم "ابن عمَّار" وقد عفا عنه الخليفة، إلا أنَّه سرعان ما دبر أمر الخلاص منه فاغتيل وأصبح "برجوان" عندئذ مطلق السلطان، فركبه الزهو والغرور وترك مقاليد الأمور تفلت من يده، ثمَّ انغمس فى الملذات ينعم بثروته الطائلة مهملا تثقيف الخليفة القاصر، بل تغالى فأخذ يلقبه ألقابا تجعله موضع الاستهزاء مما حزّ فى نفس الخليفة. على أن برجوان عرف حقيقة خلق الخليفة وكان يجهله من قبل؛ ففى سنة ٣٩٠ هـ (سنة ١٠٠٠ م) أمر الخليفة بقتله ولجأ
стр. 3356
الحاكم بعد هذه الفعلة التى ثار لها الناس إلى الشعب ليشد أزره فى هذه السن اليافعة التى يحتاج فيها المرء إلى كل عون. على أنَّه ما لبث أن أتى من الفعال ما يدل على استقلال خطير فى الرأى لم يعد معه فى حاجة إلى سند.
الدور الثانى من سنة ٣٩٠ - ٤٠٨ هـ = ١٠٠٠ - ١٠١٧ م:
وربما استطعنا أن نتبين خلق الخليفة من المجرى الذى سار فيه بعيد وفاة برجوان إذا عرفنا البواعث الكامنة تحت ذلكم التعصب الدينى الشديد الذى جعله يسعى جاهدا إلى التشدد فى تطبيق بعض أحكام الإِسلام بصفة عامة تطبيقا حرفيا وإشاعة آراء الشيعة الإسماعيلية بين أناس ما زالت آراء أهل السنة غالبة عليهم.
فإذا كانت هذه الظاهرة هى أبرز ما اتسمت به تصرفاته كلها فقد كان يزيدها تعقيدًا شعور مطلق بالقوة أخذ يتملك هذه الشخصية العجيبة شيئا فشيئا وأهواء قلّب لا تقف عند حد تمتزج بها امتزاجا قويا طبائع فطرت على القسوة والبطش. وقد تفسر هذه النزعات - التى ذكرناها أول ما ذكرنا - تلك الأحكام الجائرة التى أصدرها حتى سنة ٣٩٩ هـ الموافقة سنة ١٠٠٨ - ١٠٠٩ م: "كمنع شرب الخمر ومنع أكل أصناف من الطعام وفرض القيود على النساء وهكذا". ولا شك أن بعضها قد قصد به أهل السنة، كما تفسر لنا أيضا اضطهاده أهل الكتاب اضطهادا شديدًا لا رحمة فيه كإصداره المراسيم التى تحتم عليهم ارتداء زى خاص وهدم معابدهم وكنائسهم. وظل النصارى رغم هذا يشغلون أرقى مناصب الدولة، وهذا يدل على أنه كان من المستحيل حتى فى ذلك الوقت الاستغناء عن مقدرتهم وكفايتهم.
وقد دفعه تعلقه بمذهب الشيعة إلى بناء عدة عمائر، فشيد جامع "راشدة" وجامع "المقسى" والجامعة الكبيرة المعروفة باسم "دار العلم" (أو الحكمة) التى فتحت أبوابها فى جمادى الآخرة سنة ٣٩٥ هـ (مارس سنة ١٠٠٥ م) كما أتم بناء جامع "الحاكم" عام ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ م) أو سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ م)، وكان الخليفة العزيز قد بدأ فى إقامته.
стр. 3357
غير أن الحاكم أظهر طوال مدة حكمه ميلا شديدا إلى القسوة البالغة وسفك الدماء، وكانت ضحاياه على الأخص كبار رجال الدولة وقواد الجيش، وقلما مات واحد منهم فى هذه الفترة حتف أنفه. وسرعان ما ظهرت عواقب هذا الحكم البغيض القائم على العسف، ذلك أن "أبا ركوة" الأمير الأموى الأندلسى انتقض على الحاكم وهدد مصر وعاصمتها بالخراب والدمار، وبادر "بنو قرة" و"زناته" إلى مساعدته إذ ضاقوا ذرعا بقسوة الحاكم وعنفه، وعاونته كتامة بعد ذلك، وإنما استطاع القائد الباسل و"الفضل" بعد جهد جهيد أن يتغلب على هذا العدو الخطر سنة ٣٩٦ هـ (١٠٠٦ م).
ولعل الخليفة قد تأثر بهذه الأحداث وبقلة المحصول سنوات متتاليات، فلم يجد بدا من التخفف من شدته ومراضاة أهل السنة، بل لم يقتصر الخليفة على ذلك بل أبطل تلك العادات التى تدخل فى صميم الإسماعيلية وسلك السبيل المستقيم إلى السنة، وإلى هنا نستطيع أن نجد البواعث التى حدت بالحاكم إلى فعل ما فعل، ولكننا لا نستطيع ذلك بحال من الأحوال فى السنوات التالية، لأننا نتبين من ذلك الفيض من المراسيم التى كان يصدرها الخليفة ويغيرها بلا انقطاع، أنَّه كان يميل تارة مع الإسماعيلية، وتارة مع أهل السنة؛ وإنما ظل على رأيه فى اضطهاد النصارى واليهود ومعاملة عمال الدولة فى وحشية لا يفرق فى ذلك بين دين ودين.
الدور الثالث: من عام ٤٠٨ - ٤١١ هـ الموافق ١٠١٧ - ١٠٢١ م:
ومهما يكن من شئ فقد كان الخليفة يتبع تعاليم الإسماعيلية الباطنية إلى غايتها، متأثرا فى ذلك بالأخرم وحمزة الزوزنى ودرزى الداعى الباطنى، وذلك عام ٤٠٨ هـ (١٠١٧ م). أما وقد عرفنا نفسيته فليس بمستغرب أن يخطو هذه الخطوة، كما يجب ألا يغيب عن بالنا أيضا أن أباه وجدّه قد زعما من قبله فيما يظهر أنهما على الأقل قادران على الإتيان بالخوارق (Druzes: de Sacy Chalifen: Wuestenfeld Fatimiden -، ص ١٦٠). أما أن الحاكم قد أظهر آخر
стр. 3358
الأمر تسامحا عظيما فى أمور الدين فشئ يتفق تماما وعقائد الإسماعيلية التى كانت غالبة عليه إذ ذاك، فأبطل العقوبات التى سنّها، وبدأ النصارى واليهود يتنفسون الصعداء؛ والقصة التى ذكرها كوفمان (Kaufmann فى Zeitschr. der Deutsch. Morgenl Gesells جـ ٥١، ص ٤٤٢ وما بعدها) هى خير مثال على ذلك، على أن أهل البلاد المسلمين هبوا يحاربون الآراء الملحدة التى كان يدعو إليها دعاة المذهب الجديد جهرة، وكان من أثر هذا أن الحاكم حبس فى قصره وهو القصر الذى عرف أن درزى مثير الخواطر كان مختبئا فيه. ومع ذلك فقد استطاع "الحاكم" أن يمهد لدرزى سبيل الفرار إلى لبنان حيث أسس طائفة الدروز، وما زال هؤلاء يقدسون "الحاكم بأمر الله" معتقدين فيه وينتظرون عودته.
ولم يتردد الخليفة فى صب جام غضبه على مدينة الفسطاط مهد الثورة، فقامت إثر ذلك معارك طاحنة بين الترك والبربر من ناحية وبين الزنوج المتغطرسة من ناحية أخرى، فدبت الفوضى فى العاصمة وأخذت الحالة تسير من سئ إلى أسوأ، ثمَّ حلت ساعة الخلاص فجأة باختفاء الخليفة اختفاء غامضا فى ليلة ٢٧ شوال سنة ٤١١ هـ (٢٣ فبراير سنة ١٠١٢)، وقد جرى القول بأنه قتل بتحريض أخته ست الملك إلا أن هذا القول ليس له سند كاف (Druzes: de Sacy، جـ ١، ص ٤١٦ وما بعدها).
وإذا درسنا أطوار سيرته فإننا لا نستبعد ما ذهب إليه ميلر (Mueller جـ ١، ص ٦٩٣) من أن الحاكم قد عمد إلى الاختفاء عن أعين الناس لما تبين له استحالة نشر دعوته فى مصر.
وقد تأثر المؤرخون المسلمون؛ والكتّاب النصارى - المغرضون بطبيعة الحال - بادعاء الحاكم الألوهية آخر الأمر فتحيفوا عليه ولم يقدروا هذه الشخصية الفذّة فى نهجها، وعدوه حاكما طاغية مخبولا متعطشا للدماء، وبادروا فنسجوا حول شخصيته الغريبة سلسلة من الأقاصيص السخيفة التى لا تزال تفتقر إلى تمحيص دقيق. وتأثر معظم المؤرخين الأوربيين بهذا الرأى أيضًا ولم يشذ
стр. 3359
منهم إلا دوزى وتبعه فى ذلك ميلر فاجتهدا أن يحكما على شخصية الحاكم حكمًا منزها عن الهوى.
وفى رأيهما أن شخصية الحاكم قد جمعت بين المغيرة على الدين إلى حد التعصب وبين النزوع المأثور عن المشارقة إلى الاستبداد. ولكنها لا تخلو من خلة تهدف إلى المثل الأعلى. فمن البيّن أن كثيرًا من النظم التى سنّها واشتد الناس فى ذمها قد رمى بها إلى كبح جماح الفساد الذى تردى فيه شعبه؛ وقد ضرب لهم مثلا رائعًا بسلوكه الذى لا تشوبه شائبة واحتقاره لكل مظاهر الأبهة والفخفخة.
وكثيرًا ما نجد مراسيم حتى فى الطور الثانى من حكمه يحرم فيها ذكر اسمه فى الصلاة إلا فى بساطة متناهية، وقد نهى عن أن يظهر له أحد فروض الاحترام والإجلال المألوفة.
وليس من ينكر على الحاكم سماحته وجوده، وما زال التاريخ يروى مثلا مشاهد السنين التى شح فيها ماء النيل وكيف كان الحاكم يقف وسط شعبه مستجيبًا لكل رجاء دائب السعى لدفع ويلات المجاعة. ومهما يكن من أمر فإن حكم الحاكم، وخاصة فى السنين الأخيرة من عهده، إنما كان قائمًا على رأيه الذى لا ينظر إلى الأمور إلا من ناحية واحدة معرضًا لتقلبات هواه، ومن ثمَّ لا ننكر أن هذا الحكم كان على الجملة وخيم العاقبة على البلاد.
أما عن الأحداث السياسية التى وقعت خارج مصر فى عهد الحاكم، فهذه ليست لها علاقة وثيقة بما نحن بصدده من تحليل شخصيته.
المصادر:
أفضل المصادر هى:
(١) ابن خلكان، ترجمة ده سلان de Slane, جـ ٣، ص ٤٤٩ وما بعدها.
(٢) ابن العبرى Chronicon طبعة Braus، ص ٢١١ وما بعدها.
(٣) المقريزى: الخطط؛ جـ ٢، ص ٢٧٧، ٢٨٢ وما بعدها؛ ٣٤١ وما بعدها.
(٤) وقد أجمل له ساسى de Sacy البحث فى الأدب المشرقى فى مصنفه الجوهرى Expose sur la religion des Druzes، ص ٢٧٨ وما بعدها.
стр. 3360
(٥) القيروانى: تاريخ إفريقية، ترجمة Pellissier et Remusat، ص ١١٦ وما بعدها.
(٦) الكندى: ولاة مصر وقضاتها The Governors and Judges of Egypt.
(٧) Chalifen: Weil der Geschichte جـ ٣، ص ٦٦؛ جـ ٤، ص ٢٦٩.
(٨) Geschichte der: Wuestenfeld Fatimiden Chalifen، ص ١٦٤ وما بعدها.
(٩) Essai sur l'histoire de: Dozy l'Islamisme، ترجمة، Chauvin، ص ٢٨٣ وما بعدها.
(١٠) Polemische: Steinschneider und Apologetische Litteratur، ص ١٨٤, ١٩٥ وما بعدها.
(١١) Geschichte des Is -: A. Mueller lam im Morgen und Abendland، جـ ١، ص ٦٢٩ وما بعدها.
(١٢) Beitraege zur: D. Kaufmann Geschichte Aus Juedischen Quellen فى Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells, جـ ١٥، ص ٤٤٢ وما بعدها.
(١٣) Stanley Lane Poole of Egypt in the Middle Ages: A. History ص ١٢٣ وما بعدها
[كرايفه E. Graefe]
+ الحاكم بأمر الله: سادس الخلفاء الفاطميين واسمه أبو على المنصور، وهو من أشهر الخلفاء لسرفه وشططه وقسوته وما أنزله بالناس من اضطهاد وخاصة المسيحيين، والصفة الإلهية التى نسبها إليه بعض أنصاره وأصبحت من أركان عقيدة الدروز، ونهايته الغامضة. ومن العسير أن نكون فكرة دقيقة عن شخصيته، ذلك أن كثيرًا مما اتخذه من فعال كان غريبًا غاية الغرابة بل إننا لا نجد له تفسيرًا، كما كان سلوكه حافلا بالمتناقضات. وكان خلقه فى جوهره خلق الطاغية والحاكم المفرد القاسى ويتخلل ذلك نوبات من السماحة والتواضع.
ولد الحاكم سنة ٣٧٥ هـ (٩٨٥ م) وكان فى الحادية عشرة وستة أشهر فحسب حين توفى أبوه العزيز فى بلبيس فى الثامن والعشرين من
стр. 3361
رمضان سنة ٣٨٦ هـ (١٤ أكتوبر سنة ٩٩٦) , ونودى به "ولى العهد" سنة ٣٨٣ (٩٩٣ م). وكان الخليفة العزيز، وهو على فراش الموت، قد أوصى قاضيه الأكبر محمَّد بن النعمان وزعيم كُتامة الحسن بن عَمَّار بأن يناديا بابنه خليفة. ودخل الحاكم القاهرة فى اليوم الثانى لوفاة أبيه مرتديًا درّاعة من لون واحد وعمامة مزينة بأحجار كريمة وقد أمسك فى يده رمحًا وتمنطق بسيف وتقدم جثمان أبيه. وفى اليوم التالى ظهر يحف به الجلال أمام وجوه القوم فى إيوان القصر، وقد جلس على عرش من الذهب وحياه الحاضرون بلقب الإمام والحاكم بأمر الله.
وفى البداية الأولى لعهده أصرّ بربر كتامة الذين كانوا قوام أسرته، بأن يوكل أمر رئاسة الحكومة لزعيمهم الحسن بن عمار الذى اشتهر بانتصاراته على الروم (البوزنطيين) فى صقلية. وكان قد عين "واسطة" ولقب بلقب "أمين الدولة". وقد أظهر الحسن تحيزه للبربر فى الجيش على حساب العناصر الأخرى، وهى الترك والديلم والزنوج، وقتل وزير العزيز عيسى بن نَسْطورُس وتشاحن مع أتابك الخليفة الشاب المملوك الخصى بَرْجوان. وما كان من برجوان، وقد أثارت اهتمامه الخطة التى رسمها أنصار ابن عمَّار بوضع الخليفة فى قبضتهم، إلا أنَّه تحالف مع والى دمشق منكوتكين التركى. ولكن منكوتكين كان قد سار إلى مصر يصحبه حليفه البدوى مفَرِّج بن دَغْفَل بن الجرّاح وتخلى عنه برجوان وهزم قرب عسقلان على يد جنود ابن عمار بقيادة سليمان بن جعفر بن فلاح. على أن حكم ابن عمار لم يدم طويلًا، ذلك أن رجلا من أقوى البربر هو جيش بن صمصامة الذى كان قد طرد من ولايته على طرابلس، انضم إلى برجوان. وقامت ثورة على ابن عمار وهزم ففر مختفيًا، واستولى برجوان على مقاليد السلطة، وشغل منصب "الواسطة" فى آخر رمضان سنة ٣٨٧ (أول أكتوبر سنة ٩٩٧) وحمل الناس على البيعة للخليفة الشاب من جديد. وصدر العفو عن ابن عمار أول الأمر، ثمَّ اغتيل من بعد.
стр. 3362
وقدّر لحكم برجوان الذى كان يعاونه كاتبه فهد بن إبراهيم أن يواجه صعابًا جمة هى هجوم الروم (البوزنطيين) فى شمالى الشام، ونشوب فتنة فى صور على يد المغامر عَلّاقَة بمعاونة البوزنطيين، وقيام الاضطرابات فى دمشق وفى برقة من أعمال طرابلس. وقد انتهت الأمور فى الشام نهاية سعيدة بانهزام أسطول البوزنطيين أمام صور. وقد هزم جيش بن صمصامة أول الأمر خارج أفامية إلا أنَّه دأب على القتال وغزا البوزنطيين الذين كان حبلهم قد اضطرب بوفاة قائدهم دميان دلاسينوس (انظر ترجمة M. Canard لأخبار ابن القلانسى فى Revue des Etudes Byzantines, باريس، جـ ١٩، سنة ١٩٦١، ص ٢٩٧ وما بعدها). وقبيل هذه الحملة على البوزنطيين مباشرة، أراد مفرّج أن يسود على الرملة فاضطر إلى الخضوع لجيش بن صمصامة؛ وأعيد النظام إلى نصابه فى دمشق، وأعيد أيضًا إلى برقة، ولكن فشلت المحاولة التى بذلت لانتزاع طرابلس من الحاكم الزيرى لإفريقية. أما المفاوضات مع البوزنطيين التى بدأت بعد حادث أفامية وبدأها الإمبراطور بازيل. أوبرجوان. فلم تنته إلى شئ، وشرع بازيل فى شن حملة جديدة فى شمال الشام وصادفه النجاح هذه المرة. وإنما تم بعد ذلك وبعد وفاة برجوان أيضا، أن عقد هدنة مدتها عشر سنوات مع البوزنطيين سنة ٣٩١ هـ (١١٠١ م). على أن العلاقات السلمية بين بوزنطة والحاكم قدر لها أن تضطرب بتدمير كنيسة القبر المقدس سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م)، بل إن بازيل قد عمد سنة ٤٠٦ هـ - ١٠١٥ - ١٠١٦ م) إلى منع العلاقات التجارية مع مصر والشام.
ولم يكن برجوان مستوليا على مقاليد السلطة منذ ربيع الثانى سنة ٣٩٠ (أبريل سنة ١٠٠٠)، ذلك أن الحاكم الذى كانت شخصيته قد بدأت تستقر وتثبت كان قد ضاق بوصاية برجوان الذى كَفّه فى قصره. ولذلك نجده قد عمل على اغتياله بمالأة المملوك ريدان، وهو يتمشى معه. وأعقب ذلك قيام الاضطرابات، فقد خشى الترك أن يكون ما حدث انقلابًا قام به الحزب البربرى. واضطر الخليفة الشاب إلى
стр. 3363
الظهور على باب قصره ليشرح الأسباب التى أدت به إلى العمل على قتل برجوان ومطالبة رعاياه جميعا بالطاعة وبذل العون له. وقد أظهر هذا القتل وإبرامه الذى شابه تصميم لا يعرف العاطفة من قبل صبى فى الخامسة عشرة تلك الميول المتعطشة إلى الدم التى وقع فريسة لها معظم وزرائه وأكابر الأعيان من رعاياه.
ومن يومها راح الحاكم يحكم البلاد حكم الطاغية المستبد، لا يطيع إلا أهواءه ومزاجه فى الساعة التى هو فيها، سواء كان ذلك خيرا أو شرا، فيأمر باتخاذ أعجب القرارات وأشدها إسخاطا للشعب ثمَّ ينكرها أو يلغيها، ثمَّ يعود فيؤكدها، متراوحا بين الغلظة والسماحة لينتهى به الأمر إلى الجنون الذى أصابه فى السنوات الأخيرة من حكمه.
وكانت أهم السمات التى تميز حكم الحاكم هى:
(١) سلسلة من الإجراءات تنبع من قلب مسلم، شيعى بخاصة؛ والتعصب الدينى: (أ) قوانين ضد المسيحيين واليهود. (ب) إجراءات ضد المذهب السنى. (جـ) مراسيم لها الصفة الخلقية الاجتماعية (جميع الإجراءات التى ألغيت أكثر من مرة، مع أننا لا نستطيع أن نتبين منها أية أسباب واضحة تدعو إليها).
(٢) عدد كبير من الاضطهادات وآيات القسوة.
(٣) عصيان بين الشعب ومظاهرات السخط التى قام بها.
(٤) شطط الحاكم المتعدد الوجوه الذى يوشك أن يكون جنونا، ودعاواه بالألوهية.
على أن ثمة مناسبات أخرى أظهر فيها الحاكم بساطة عجيبة، وتواضعًا، وزهدًا، وسماحة، وإحساسًا بالعدل، حتى أن الحكم عليه لا يكون فى جميع الأحوال سيئًا.
وكانت الإجراءات التى اتخذت ضد المسيحيين واليهود من أبرز سمات حكمه، ولكن يجب أن نسلم بأنه كان ثمة مراسيم من هذا النوع سبق أن أصدرها الخلفاء العباسيون. ونحن
стр. 3364
نسجل الإجراءات التى اتخذها الحاكم باختصار فيما يلى:
سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٣ م). تدمير كنيسة كان قد أعيد بناؤها، وإقامة مسجد "راشدة" فى مكانها (انظر فى هذا الشأن المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٢٨٢). تحويل كنيستين أخريين إلى مسجدين؛ نقل المسيحيين الملكانيين من حيهم إلى الحمراء (انظر فى ذلك المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٢٩٨). تحريم الخمر، حتى على النصارى، والأوامر التى أصدرها بتدمير جرار الخمر وإفراغ الخمر على الأرض.
سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ م): إلزام المسيحيين واليهود بارتداء زنانير وعمائم سودًا.
سنة ٣٩٦ هـ (١٠٠٥ - ١٠٠٦ م): تحريم جديد للخمر.
سنة ٣٩٧ هـ (١٠٠٧ م): تحريم الاحتفال بأحد السعف فى بيت المقدس وغيرها.
سنة ٣٩٨ هـ (١٠٠٨ م): مصادرة أملاك الكنائس والأديرة فى مصر.
سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م): إجبار النصارى واليهود وهم فى الحمامات بتعليق شارة مميزة حول أعناقهم - صليب للنصارى، وجلاجل صغيرة لليهود؛ تدمير كنيستين فى القاهرة وكنيسة فى دمشق، وتدنيس مقابرها. إنزال التعذيب بعدد من الموظفين النصارى.
سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ - ١٠١٠ م): تدمير كنيسة القبر المقدس ببيت المقدس. ويقول ابن القلانسى أن سبب ذلك هو أن الخليفة غضب من قيام القساوسة بخدعة فى معجزة نزول النار المقدسة إلى المذبح (انظر عن هذه المعجزة: The Holy Fire: Krachkovskiy according to the accounts of al Birunie -and other Muslim Writers of the ١٣ th centuries فى Kristiansky Vostok ١٠ th بالروسية فى جـ ٣/ ٣، سنة ١٩١٥، ص ٢٢٦ - ٢٤٢).
وحدث فى السنة نفسها: تحريم إقامة عيد الغطاس فى القاهرة، وقد منعت السلطات الإِسلامية من حضور هذا العيد كما كانت تفعل من قبل؛
стр. 3365
وتدمير الدير الملكانى القصير فوق تلال المقطم وتدنيس المقبرة؛ وتدمير كنيسة فى دمياط.
سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ م) تكرار الأمر الصادر للنصارى واليهود بارتداء زنانير سود؛ وتحريم جديد للخمر واستعمالها فى القداس.
سنة ٤٠٢ هـ (١٠١١ - ١٠١٢ م): تحريم إظهار الصلبان وصوت الناقوس.
سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م) وفى المقريزى سنة ٤٠٤ خـ: أمر للنصارى واليهود بارتداء عمائم وطيلسانات سوداء، وأن يضع النصارى صليبا من الخشب حول أعناقهم؛ أمر بمنع النصارى من ركوب الخيل؛ استبدال المسلمين بالموظفين النصارى؛ وقد اشتد فى هذه الإجراءات بعد أن رفعت إليه مظلمة من النصارى، وقد اضطر عدد كبير من النصارى إلى الدخول فى الإِسلام. وكانت هذه السنة سنة الكوارث بالنسبة للنصارى، فقد دمرت كل صوامعهم وكنائسهم وصودرت كنوزهم، ولم ينج من ذلك إلا دير سيناء نتيجة لخدعة دبرها رئيسه، على أنَّه لم ينج من المصادرات ذلك أن رئيسه شكا من ذلك إلى الخليفة سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م).
ونالت هذه السياسة موافقة المسلمين بصفة عامة، ذلك أنهم كرهوا النصارى لما وقع فيه الموظفون الماليون النصارى من اختلاسات وما جنحوا إليه من محسوبيات، وأدى ذلك على سبيل المثال إلى إعدام الكاتب فهد بن إبراهيم سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٣ م) الذى كان رئيسا لهذه الشئون المالية أكثر من خمس سنوات وحبس عدة كتاب يتولون مناصب شتى حبسا مؤقتا. ويجب أن نذكر أن هذه الإجراءات ربما لم تكن تنفذ بصرامة فى جميع الأحيان وإلا لما كان ثمة داع إلى تكرارها.
على أن الحاكم سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م) سمح للنصارى واليهود، بل سمح لأولئك الذين أسلموا منهم، بأن يعودوا إلى ملتهم والهجرة إلى أرض الروم. وحين علم سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) بأن بعض النصارى الذين أسلموا كانوا يحضرون القداس فى