Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
رمضان سنة ٣٨٦ هـ (١٤ أكتوبر سنة ٩٩٦) , ونودى به "ولى العهد" سنة ٣٨٣ (٩٩٣ م). وكان الخليفة العزيز، وهو على فراش الموت، قد أوصى قاضيه الأكبر محمَّد بن النعمان وزعيم كُتامة الحسن بن عَمَّار بأن يناديا بابنه خليفة. ودخل الحاكم القاهرة فى اليوم الثانى لوفاة أبيه مرتديًا درّاعة من لون واحد وعمامة مزينة بأحجار كريمة وقد أمسك فى يده رمحًا وتمنطق بسيف وتقدم جثمان أبيه. وفى اليوم التالى ظهر يحف به الجلال أمام وجوه القوم فى إيوان القصر، وقد جلس على عرش من الذهب وحياه الحاضرون بلقب الإمام والحاكم بأمر الله.
وفى البداية الأولى لعهده أصرّ بربر كتامة الذين كانوا قوام أسرته، بأن يوكل أمر رئاسة الحكومة لزعيمهم الحسن بن عمار الذى اشتهر بانتصاراته على الروم (البوزنطيين) فى صقلية. وكان قد عين "واسطة" ولقب بلقب "أمين الدولة". وقد أظهر الحسن تحيزه للبربر فى الجيش على حساب العناصر الأخرى، وهى الترك والديلم والزنوج، وقتل وزير العزيز عيسى بن نَسْطورُس وتشاحن مع أتابك الخليفة الشاب المملوك الخصى بَرْجوان. وما كان من برجوان، وقد أثارت اهتمامه الخطة التى رسمها أنصار ابن عمَّار بوضع الخليفة فى قبضتهم، إلا أنَّه تحالف مع والى دمشق منكوتكين التركى. ولكن منكوتكين كان قد سار إلى مصر يصحبه حليفه البدوى مفَرِّج بن دَغْفَل بن الجرّاح وتخلى عنه برجوان وهزم قرب عسقلان على يد جنود ابن عمار بقيادة سليمان بن جعفر بن فلاح. على أن حكم ابن عمار لم يدم طويلًا، ذلك أن رجلا من أقوى البربر هو جيش بن صمصامة الذى كان قد طرد من ولايته على طرابلس، انضم إلى برجوان. وقامت ثورة على ابن عمار وهزم ففر مختفيًا، واستولى برجوان على مقاليد السلطة، وشغل منصب "الواسطة" فى آخر رمضان سنة ٣٨٧ (أول أكتوبر سنة ٩٩٧) وحمل الناس على البيعة للخليفة الشاب من جديد. وصدر العفو عن ابن عمار أول الأمر، ثمَّ اغتيل من بعد.
стр. 3362
وقدّر لحكم برجوان الذى كان يعاونه كاتبه فهد بن إبراهيم أن يواجه صعابًا جمة هى هجوم الروم (البوزنطيين) فى شمالى الشام، ونشوب فتنة فى صور على يد المغامر عَلّاقَة بمعاونة البوزنطيين، وقيام الاضطرابات فى دمشق وفى برقة من أعمال طرابلس. وقد انتهت الأمور فى الشام نهاية سعيدة بانهزام أسطول البوزنطيين أمام صور. وقد هزم جيش بن صمصامة أول الأمر خارج أفامية إلا أنَّه دأب على القتال وغزا البوزنطيين الذين كان حبلهم قد اضطرب بوفاة قائدهم دميان دلاسينوس (انظر ترجمة M. Canard لأخبار ابن القلانسى فى Revue des Etudes Byzantines, باريس، جـ ١٩، سنة ١٩٦١، ص ٢٩٧ وما بعدها). وقبيل هذه الحملة على البوزنطيين مباشرة، أراد مفرّج أن يسود على الرملة فاضطر إلى الخضوع لجيش بن صمصامة؛ وأعيد النظام إلى نصابه فى دمشق، وأعيد أيضًا إلى برقة، ولكن فشلت المحاولة التى بذلت لانتزاع طرابلس من الحاكم الزيرى لإفريقية. أما المفاوضات مع البوزنطيين التى بدأت بعد حادث أفامية وبدأها الإمبراطور بازيل. أوبرجوان. فلم تنته إلى شئ، وشرع بازيل فى شن حملة جديدة فى شمال الشام وصادفه النجاح هذه المرة. وإنما تم بعد ذلك وبعد وفاة برجوان أيضا، أن عقد هدنة مدتها عشر سنوات مع البوزنطيين سنة ٣٩١ هـ (١١٠١ م). على أن العلاقات السلمية بين بوزنطة والحاكم قدر لها أن تضطرب بتدمير كنيسة القبر المقدس سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م)، بل إن بازيل قد عمد سنة ٤٠٦ هـ - ١٠١٥ - ١٠١٦ م) إلى منع العلاقات التجارية مع مصر والشام.
ولم يكن برجوان مستوليا على مقاليد السلطة منذ ربيع الثانى سنة ٣٩٠ (أبريل سنة ١٠٠٠)، ذلك أن الحاكم الذى كانت شخصيته قد بدأت تستقر وتثبت كان قد ضاق بوصاية برجوان الذى كَفّه فى قصره. ولذلك نجده قد عمل على اغتياله بمالأة المملوك ريدان، وهو يتمشى معه. وأعقب ذلك قيام الاضطرابات، فقد خشى الترك أن يكون ما حدث انقلابًا قام به الحزب البربرى. واضطر الخليفة الشاب إلى
стр. 3363
الظهور على باب قصره ليشرح الأسباب التى أدت به إلى العمل على قتل برجوان ومطالبة رعاياه جميعا بالطاعة وبذل العون له. وقد أظهر هذا القتل وإبرامه الذى شابه تصميم لا يعرف العاطفة من قبل صبى فى الخامسة عشرة تلك الميول المتعطشة إلى الدم التى وقع فريسة لها معظم وزرائه وأكابر الأعيان من رعاياه.
ومن يومها راح الحاكم يحكم البلاد حكم الطاغية المستبد، لا يطيع إلا أهواءه ومزاجه فى الساعة التى هو فيها، سواء كان ذلك خيرا أو شرا، فيأمر باتخاذ أعجب القرارات وأشدها إسخاطا للشعب ثمَّ ينكرها أو يلغيها، ثمَّ يعود فيؤكدها، متراوحا بين الغلظة والسماحة لينتهى به الأمر إلى الجنون الذى أصابه فى السنوات الأخيرة من حكمه.
وكانت أهم السمات التى تميز حكم الحاكم هى:
(١) سلسلة من الإجراءات تنبع من قلب مسلم، شيعى بخاصة؛ والتعصب الدينى: (أ) قوانين ضد المسيحيين واليهود. (ب) إجراءات ضد المذهب السنى. (جـ) مراسيم لها الصفة الخلقية الاجتماعية (جميع الإجراءات التى ألغيت أكثر من مرة، مع أننا لا نستطيع أن نتبين منها أية أسباب واضحة تدعو إليها).
(٢) عدد كبير من الاضطهادات وآيات القسوة.
(٣) عصيان بين الشعب ومظاهرات السخط التى قام بها.
(٤) شطط الحاكم المتعدد الوجوه الذى يوشك أن يكون جنونا، ودعاواه بالألوهية.
على أن ثمة مناسبات أخرى أظهر فيها الحاكم بساطة عجيبة، وتواضعًا، وزهدًا، وسماحة، وإحساسًا بالعدل، حتى أن الحكم عليه لا يكون فى جميع الأحوال سيئًا.
وكانت الإجراءات التى اتخذت ضد المسيحيين واليهود من أبرز سمات حكمه، ولكن يجب أن نسلم بأنه كان ثمة مراسيم من هذا النوع سبق أن أصدرها الخلفاء العباسيون. ونحن
стр. 3364
نسجل الإجراءات التى اتخذها الحاكم باختصار فيما يلى:
سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٣ م). تدمير كنيسة كان قد أعيد بناؤها، وإقامة مسجد "راشدة" فى مكانها (انظر فى هذا الشأن المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٢٨٢). تحويل كنيستين أخريين إلى مسجدين؛ نقل المسيحيين الملكانيين من حيهم إلى الحمراء (انظر فى ذلك المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٢٩٨). تحريم الخمر، حتى على النصارى، والأوامر التى أصدرها بتدمير جرار الخمر وإفراغ الخمر على الأرض.
سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ م): إلزام المسيحيين واليهود بارتداء زنانير وعمائم سودًا.
سنة ٣٩٦ هـ (١٠٠٥ - ١٠٠٦ م): تحريم جديد للخمر.
سنة ٣٩٧ هـ (١٠٠٧ م): تحريم الاحتفال بأحد السعف فى بيت المقدس وغيرها.
سنة ٣٩٨ هـ (١٠٠٨ م): مصادرة أملاك الكنائس والأديرة فى مصر.
سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م): إجبار النصارى واليهود وهم فى الحمامات بتعليق شارة مميزة حول أعناقهم - صليب للنصارى، وجلاجل صغيرة لليهود؛ تدمير كنيستين فى القاهرة وكنيسة فى دمشق، وتدنيس مقابرها. إنزال التعذيب بعدد من الموظفين النصارى.
سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ - ١٠١٠ م): تدمير كنيسة القبر المقدس ببيت المقدس. ويقول ابن القلانسى أن سبب ذلك هو أن الخليفة غضب من قيام القساوسة بخدعة فى معجزة نزول النار المقدسة إلى المذبح (انظر عن هذه المعجزة: The Holy Fire: Krachkovskiy according to the accounts of al Birunie -and other Muslim Writers of the ١٣ th centuries فى Kristiansky Vostok ١٠ th بالروسية فى جـ ٣/ ٣، سنة ١٩١٥، ص ٢٢٦ - ٢٤٢).
وحدث فى السنة نفسها: تحريم إقامة عيد الغطاس فى القاهرة، وقد منعت السلطات الإِسلامية من حضور هذا العيد كما كانت تفعل من قبل؛
стр. 3365
وتدمير الدير الملكانى القصير فوق تلال المقطم وتدنيس المقبرة؛ وتدمير كنيسة فى دمياط.
سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ م) تكرار الأمر الصادر للنصارى واليهود بارتداء زنانير سود؛ وتحريم جديد للخمر واستعمالها فى القداس.
سنة ٤٠٢ هـ (١٠١١ - ١٠١٢ م): تحريم إظهار الصلبان وصوت الناقوس.
سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م) وفى المقريزى سنة ٤٠٤ خـ: أمر للنصارى واليهود بارتداء عمائم وطيلسانات سوداء، وأن يضع النصارى صليبا من الخشب حول أعناقهم؛ أمر بمنع النصارى من ركوب الخيل؛ استبدال المسلمين بالموظفين النصارى؛ وقد اشتد فى هذه الإجراءات بعد أن رفعت إليه مظلمة من النصارى، وقد اضطر عدد كبير من النصارى إلى الدخول فى الإِسلام. وكانت هذه السنة سنة الكوارث بالنسبة للنصارى، فقد دمرت كل صوامعهم وكنائسهم وصودرت كنوزهم، ولم ينج من ذلك إلا دير سيناء نتيجة لخدعة دبرها رئيسه، على أنَّه لم ينج من المصادرات ذلك أن رئيسه شكا من ذلك إلى الخليفة سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م).
ونالت هذه السياسة موافقة المسلمين بصفة عامة، ذلك أنهم كرهوا النصارى لما وقع فيه الموظفون الماليون النصارى من اختلاسات وما جنحوا إليه من محسوبيات، وأدى ذلك على سبيل المثال إلى إعدام الكاتب فهد بن إبراهيم سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٣ م) الذى كان رئيسا لهذه الشئون المالية أكثر من خمس سنوات وحبس عدة كتاب يتولون مناصب شتى حبسا مؤقتا. ويجب أن نذكر أن هذه الإجراءات ربما لم تكن تنفذ بصرامة فى جميع الأحيان وإلا لما كان ثمة داع إلى تكرارها.
على أن الحاكم سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م) سمح للنصارى واليهود، بل سمح لأولئك الذين أسلموا منهم، بأن يعودوا إلى ملتهم والهجرة إلى أرض الروم. وحين علم سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) بأن بعض النصارى الذين أسلموا كانوا يحضرون القداس فى
стр. 3366
بعض البيوت، فإنَّه لم يتخذ ضدهم أى إجراء كما اتخذ فى العام نفسه سلسلة من الإجراءات فى صالح النصارى هى: إباحة بناء دير القصير من جديد ورد ممتلكاته إليه، ومنح الحماية لجميع الكنائس وإعادة أملاكها إلى جميع الكنائس.
وإن المرء ليعجب: ترى هل كان الحاكم يستلهم فى بعض الأحيان ذكر أمه النصرانية؟
وقد صادفت الإجراءات الشيعية والمناهضة لمذهب السنة بخاصة معارضة شديدة من أهل مصر الذين كان قوامهم من أهل السنة حتى أن هذه الإجراءات قد ألغيت لذلك أو بسبب ما كان ينتاب الخليفة من إسراف فى السماحة. وقد حدث سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ - ١٠٠٣ م) أن اعتقل ثلاثة عشر شخصا وشهّر بهم وحبسوا ثلاثة أيام لأنهم أدوا صلاة "الضحى" التى كانت محرمة منذ سنة ٣٧٠ هـ، ثمَّ أبيحت مرة أخرى سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م)، كما جاء فى رواية يحيى بن سعيد الأنطاكى. وكذلك كان مباحا "القنوت" فى صلاة الجمع (وهو يعد شعيرة أدخلت فى العصر العباسى؛ انظر النعمان: دعائم، جـ ١، ص ١٢١) وصلاة التراويح فى رمضان. وقد أبيح فى الأذان لصلاة الفجر أن يذكر التثويب مرتين وفقا لما جرى عليه أهل السنة: "الصلاة خير من النوم" ولم يعد فرضا أن يقال فى الأذان "حى على خير العمل" وهى صيغة شيعية بخاصة (المقريزى، جـ ٢، ص ٢٨٧ و ٣٤٢ حيث لا تتفق التواريخ). على أنَّه جاء فى المقريزى (جـ ٢، ص ٣٤٢ سنة ٤٠٣ الموافقة ١٠١٢ م) أنَّه أمر بالعودة إلى صيغة "حى على خير العمل"، وأبطل التثويب ومنع مرة أخرى صلاة الضحى وصلاة التراويح ولعل من الأرجح أن نقول منع النسوة من العويل والنحيب فى الجنازات يعود إلى ردّة على العادة الجارية التى حرمها النبى [ ﷺ ] ولم يحرمها أهل السنة فيها يظهر بشدة وصرامة.
ومن الإجراءات التى كثيرا ما أثارت الاضطرابات سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٥ م) الاساءة إلى الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله [ ﷺ ]. وقد صدرت الأوامر
стр. 3367
بنقش هذه الصيغ اللعنَّية على جدران العمائر وكذلك على حوانيت الأسواق، وقد أثار ذلك شغبا وقت العودة من الحج. ومن ثمَّ نسخ هذا الأمر بعد ذلك بسنتين، وصدر أمر بإزالة صيغ اللعن ومعاقبة أى فرد يسئ إلى صحابة رسول الله [ ﷺ ]. وجدد هذا الأمر سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٣ م). وينتمى أيضا إلى هذا التغيير فى السياسة والعودة إلى الشعائر السنية إباحة الاحتفال بشهر الصوم. وبعيد الفطر كما كان يفعل أهل السنة حين يراعى شهود القمر الجديد، فى حين أن القانون الفاطمى قد حدد بداية الشهر طبقًا للأرصاد الفلكية؛ ونذكر أيضا إبطال الاحتفال بعيد غدير خم (المقريزى، جـ ١، ص ٣٨٩، ١٠).
والإجراءات الصارمة التى اتخذت حيال أهل السنة أثارت حماسة شديدة لمذهب الشيعة واحتشد الناس فى المحاضرات التى كان يلقيها فى المسجد قاضى القضاة عبد العزيز بن محمَّد بن النعمان حتى توفى بعضهم من الاختناق.
وكان إنشاء "دار العلم" أو "دار الحكمة" سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٥ م) من الأعمال الأخرى التى قصد بها محاربة السنية ونشر الدعوة الإسماعيلية.
وكانت المراسيم ذات الصفة الأخلاقية الاجتماعية من أغرب القرارات التى أصدرها الخليفة، وهى حين تكون بريئة من الهوى والنزوات الخالصة، فإنَّه من المستطاع أن ننسبها إلى حرص على نشر الأخلاق الفاضلة ومحاربة الخلاعة.
وقد أثر تحريم الخمر الذى أسلفنا بيانه على المسلمين والمسيحيين ولم يراع هذا التحريم فى ثورة أبى رَكْوَة. وقد نسخ هذا التحريم سنة ٣٩٦ هـ (١٠٠٦ م) حين بيّن طبيب الحاكم له أن الخمر قد تفيد الصحة. على أن هذا الأمر أعيد عدة مرات وكان الغرض من ذلك بلا ريب مراعاة الأخلاق. ومن هذا القبيل غلق البيوت المشبوهة ومنع الناس من الظهور فى الحمامات من غير ما يستر الحقوين، وتحريم بيع القيان المغنيات، وتحريم الجعة (الفُقاع) وبيع الشهد والزبيب (الذين يمكن
стр. 3368
استخدامهما لصنع المشروبات الروحية) وتحريم الآلات الموسيقية ومنع الحفلات التى يقيمها المغنون والموسيقيون. ولهذا السبب منع النسوة من التزين وإظهار المجوهرات والذهاب إلى الحمامات والجبانات، بل منعهن مرة من الخروج بإطلاق، ومنع الحذائين سنة ٤٠٥ من صنع أحذية لهن حتى أجبرهن على الاعتكاف فى دورهن. وكان بعض النسوة اللائى يذهبن إلى الحمامات رغم هذا المنع يحبسن فيها.
وكذلك حرم الحاكم جماعات اللهو على ضفاف النيل والتريض بالقوارب فى الخليج، وأمر بأن تغلق جميع الأبواب والنوافذ المطلة على الخليج، بل لقد منع الناس من التمشى ليلا أو إبقاء حوانيتهم مفتوحة بعد الغروب، ولو أنَّه كان فى بعض الأحيان يجد متعة فى التمشى فى الطرقات المنارة.
وكانت جميع هذه الإجراءات موضع سخط الناس الشديد. ولا شك أن الحاكم كان حريصا على أن يعامل بشدة فجور بعض الطبقات وفسقها، ولم يتردد فى أن يعاقب أشد العقاب كل من يخرج عن هذه النواهى.
ويمكن أن نسلم بأن الدوافع التى حدت بالخليفة إلى إصدار بعض هذه النواهى كانت جادة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يصدق على عدد من الإجراءات الأخرى التى اتخذها. ومن ذلك سلسلة من النواهى عن الغذاء، وكانت هذه النواهى تعوق التجارة وتضايق المستهلكين. فقد حرم "الملوخيّة" وهى نوع من الخضر الغروية المحبوبة جدًا، بحجة أن أبا بكر وعائشة ومعاوية كانوا يحبونها، وكذلك تحريمه الكامخ المعروف بالموَكَّلِيّة، والترمس وبعض المحار، والسمك الذى لا تغطيه قشور (وهذا يذكرنا بالتحريم الذى جاء به سفر التثنية، الإصحاح ١٤، الفقرة ٣ وما بعدها). وربما نشأ تحريمه لذبح الماشية إلا فى عيد الأضحى قد نشأ من الحاجة التى تقتضى حفظ الماشية للزراعة (قارن هذه السياسة بسياسة الحجاج).
ولكن ما قولنا فى الأمر الذى أصدره مرتين بقتل الكلاب لأن نباحها
стр. 3369
يزعج الخليفة وتحريمه لعبة الشطرنج؟ وبماذا نستطيع أن نفسر مصادرة الحاكم سنة ٣٩٩ هـ أملاك أمه وأخته وزوجاته؟
وكان الحاكم يعاقب على مخالفة هذه الأوامر بالإعدام، ذلك أن الحاكم كان يلجأ للإعدام لجميع الأسباب المختلفة، من ذلك أنَّه كان يقصد إشاعة الرعب على اعتبار أنَّه أسلوب فى الحكم. وقد كان عدد من قتل كبيرا يشمل عددا من الوزراء وكبار العمال والأفراد العاديين، وحسبنا أن نذكر من ذلك حالات قليلة هى: اغتيال برجوان، وإعدام فهد بن إبراهيم (انظر ما أسلفنا بيانه) وإعدامه سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ - ١٠٠٥ م) كل نزلاء السجون؛ والعذاب الذى أنزله سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م) بعدد من الموظفين النصارى (علقوا من أيديهم وبعضهم توفى)؛ وفى سنة ٤٠٠ هـ (١٠١٠ م) أعدم الوزير على بن الحسين المغربى والوزير السابق صالح بن على، وإعدام خلفه منصور ابن عابدين النصرانى سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ م) وحسين بن جوهر وعبد العزيز بن محمَّد بن النعمان الذى كان قد فر إلى بنى قرّة ثم عاد بعد تأمينه. وفى سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م) قطع أوصال أبى القاسم الجرجرائى والخصى الأسود غَيْن وهو من رجال القصر، كما قتل فى السنة نفسها غرقًا عدة من حظاياه. وفى سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٤ م) أعدم الوزير الحسين بن ظاهر الوزّان ووزيرين آخرين أحدهما هو الفضل بن جعفر بن الفرات. بل هو قد قتل سرًا سنة ٤٠٠ هـ (١٠١٠ م) خاله أرسينوس بطرك الإسكندرية الملكانى الذى كان قد انتخبه هو نفسه قبل ذلك بعشر سنوات، وقد بلغ أنَّه كان يغرق بالهدايا أناسًا لا يلبث أن يقتلهم.
وليس بعجيب إذن أن يصاب الشعب جميعا بالرعب خوفا من الحاكم.
ومن أقسى ما أتى من فعال كان الموحى به مجرد الرغبة فى الانتقام أمره فى نهاية عام ٤١٠ هـ (مارس سنة ١٠٢٠ م) بحرق الفسطاط نتيجة شيوع أقوال قيلت فى هجائه ورميه بأنه ترك الإسلام كلية وقوض أركانه
стр. 3370
(مثل الصوم والحج) بعد الدعوة التى قام بها الدرَزَى وحمزة وبسبب أعمال الشغب التى قامت بعد إعلان داعية من الدعاة ألوهية الحاكم فى مسجد عمرو. وقد أصدر الحاكم أوامره لجنوده السود بنهب الفسطاط وحرقه، وقد ارتكب هؤلاء الجنود فظائع ضد السكان. وأنفذ الحاكم الخصى المملوك عدى إلى الفسطاط ليعيد النظام إلى نصابه فوصف له الحالة وصفًا كريهًا فأمر به الحاكم فقتل على الفور. ولكنه اضطر إلى التدخل بنفسه لوقف القتال، ذلك أن الأتراك والبربر قد انحازوا إلى سكان الفسطاط وقاتلوا الجنود السود. وتقول بعض الروايات إن الخليفة كان منافقًا وكلبيًا إذ سأل: من أصدر الأوامر بذلك؟ وأنه راح يسلى نفسه بمراقبة حريق الفسطاط من فوق قمة تلال المقطم. ودامت الاضطرابات أسبوعًا كاملا وترك الكثير من الفسطاط أطلالا.
زد على ذلك أن عهد الحاكم قد شابه عدد من الفتن، فقد قامت أولا فتنة القبيلة العربية بنى قرة فى الإقليم القائم شرقى الإسكندرية وهو البحيرة، ولكن أخطر هذه الفتن كانت فتنة أبى ركوة وليد بن هشام، وهو أمير أموى طرد من الأندلس. وقام هذا الأمير بعدة مغامرات فى أقاليم مختلفة، شملت الشام نفسها، ثمَّ ظهر فى إقليم برقة وظفر بعون بربر زناتة. وكان قد انحاز إليه بالفعل بنو قرة الذين افتتنوا من قبل. وقد نادى بنفسه خليفة وهزم أول الأمر جيشا فى آخر سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٥ م) ثمَّ هزم جيش التركى إنال (فى رواية يحيى: قابل الأرمنى) الذى أنفذه إليه الحاكم. وهنالك ازداد هم الحاكم واستفحل كربه، ذلك لأن مصر والجنود قد ضاقوا بالتقتيل وأعمال القسوة التى أنزلها الخليفة ببنى قرة وكتامة الجيش الشآمى، فأظهروا فرحهم بما أصابه من نكبات وتمنوا أن يتخلصوا من هذا الطاغية. بل لقد بلغ الأمر فيما يظهر بالوزير حسين بن جوهر أن اتصل بأبى ركوة. وعندئذ استدعى الحاكم الغلمان الحمدانيين الذين كانوا فى الشام والبدو الطيئيين لمفرج بن دغفل وأمر عليهم الفضل بن صالح ونشبت معركة بين فصائل من
стр. 3371
الجيشين فى ضواحى الإسكندرية. ثمَّ تغلغل أبو ركوة حتى الفيوم وأنفذ بعض فصائله نحو الجيزة حيث كان الخليفة قد بعث بمدد بقيادة على بن فلّاح فهزم هذا المدد. ولكن حدث فى ذى الحجة سنة ٣٩٦ هـ (أغسطس سنة ١٠٠٦ م) أن أحرز نصرا حاسمًا على أبى ركوة فى الفيوم، وأسر أبو ركوة وهو يسرع نحو النوبة وسلمه أمير البطائح النوبية وأعدم فى القاهرة فى جمادى الآخرة سنة ٣٩٧ هـ (مارس سنة ١٠٠٧). وكان الرعب عظيما، فقد اضطر الخليفة إلى إذلال نفسه ليستعيد عطف جنوده واعتذر عن أعمال القتل التى أمضاها. بل لقد بدا فى بعض المناسبات أنَّه كان يفكر فى الهروب إلى الشام، ذلك أنَّه كان من المنتظر أن يدخل المتمرد القاهرة. وقد أدى قلق السكان إلى ارتفاع خطير فى الأسعار. وقد حدث فى سنتى هذا العصيان أن نزل الحاكم عن النواهى الخاصة بالطعام وكان هذا أيضا هو الوقت الذى أبطل فيه الإجراءات التى اتخذها حيال أهل السنة.
وقد أصاب الحاكم رعبًا آخر من جراء الفتنة التى أثارها سنة ٤٠٢ هـ (١٠١١ - ١٠١٢ م) مفرج الجراحى فى فلسطين يشجعه الحسين بن على المغربى (الوزير المغربى) الذى كان قد التجأ إلى ابنه حسن بن المفرج بعد إعدام أبيه على المغربى سنة ٤٠٠ هـ (انظر مادة "الجرّاح، بنو" إذا شئت تفصيلا عن كيف نجحوا فى جهودهم الرامية إلى إقامة مطالب بالخلافة بفلسطين فى شخص شريف مكة سنة ٤٠٣ الموافقة ١٠١٢ - ١٠١٣ م وكيف رشا الحاكم حسّانَ بخيانة الشريف الذى عاد إلى مكة وسلم نفسه للحاكم فعفا عنه).
واشتهرت الانحرافات التى انغمس فيها الحاكم حين تجرد من وصاية برجوان. فقد بدأ يتجول فى طرقات الفسطاط ودروبه ليلا بصحبة عدد قليل من صحابته. وكان إذا فعل ذلك أنار التجار حوانيتهم وبيوتهم والطرقات فتبدو كأنها فى النهار، وكان يحب أن يرى مشاهد المصارعة بين العيارين وأعمال الشغب التى تنزلق أحيانًا فتنقلب معارك دموية بين
стр. 3372
الجماعات المتنافسة. ويروى يحيى بن سعيد مشهد فتنة حدثت سنة ٤٠٧ هـ (١٠١٦ - ١٠١٧ م) حين حمل الحاكم بالفعل وهو فى الطريق رجلا من حاشيته السود بأن يجعل فاسقًا عجوزًا يتعرض إلى عراك مهين وراح يضحك وهو يشاهد هذا المشهد. وكان الحاكم يصاب فى بعض الأحيان وهو فى جولاته التى من هذا القبيل بنوبة من الجنون المطلق. وقد حدث فى يوم من الأيام وهو يمر بحانوت قصاب أن أمسك بساطور الجزار وضرب به أحد رجال حاشيته فقتله، ومضى فى سبيله دون أن يلقى بالا لجثة الرجل. ولم يجسر الناس المزدحمون أن يفعلوا شيئًا للجثة فظلت على حالها حتى أرسل الحاكم كفنًا يوارى به الجثة التراب.
وفى سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٤ - ١٠١٥ م) زادت هذه الانطلاقات، فقد شوهد الحاكم فى الطرقات عدة مرات فى يوم واحد، ولم يتخل عن الخروج إلى الطرقات حتى وهو مريض، بل كان يحمل فى هذه الحالة على محفة.
ويمكن أن نعد من انحرافاته نوبات التواضع والتقشف التى كانت تنتابه فجأة، اللهم إلا إذا ظن أنَّه كانت تنتابه دائما نزعة إلى الصوفية. ونحن نراه سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م) يمنع رعاياه من السجود أمامه. وقرع الطبول أو النفخ فى الأبواق فى جوار القصر. واهتم اهتماما كبيرا بالاحتفال بالأعياد الإِسلامية الكبرى دون أبهة ولا زينة، وقد أظهر الزهد فى كامل ما يفعل: فى الطعام وفى ملذات الجسد - وجعل شعره ينمو طويلا وراح يلبس ملابس خشنة من الصوف الأسود، ولا يركب إلا حمارا ويوزع الصدقات فى إسراف، وفى سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م)، أى بعد أن نودى بابن عمه عبد الرحمن بن إلياس وليا للعهد، وكل إليه كل شئون الدولة. . وكان ولى العهد هذا هو الذى يمتطى صهوة الجياد فى المواكب الرسمية واضعا شارة الخلافة، على حين ظل الحاكم يركب حمارًا. وحوالى نهاية عهده زاد تواضعه هذا وزهده حتى أصبح لا يغير ملابسه ويرتديها قذرة تفوح منها رائحة العرق والتراب وتلصق بجسمه. فكان يتجول فى
стр. 3373
الريف ويرقى تلال المقطم ويخرج وحيدا يتمشى بغير صحبة طويلا فى حين يأمر اتباعه أن ينتظروه على مسافة ويتخيل أنَّه يخاطب الله.
وأدى به جنونه (اللهم إلا إذا كان هذا الجنون حقا عن عقيدة دينية مطلقة، أى عن اعتقاد فى الإسماعيلية بلغ مداه) إلى قبول نظريات غلاة الإسماعيلية والتشجيع عليها، وهى القائلة بأن الله قد حل فيه. وقد ساق المؤرخون بيانات أقرب إلى الاضطراب عن الأدوار الخاصة التى لعبها دعاة الإسماعيلية في هذا الشأن، وهم حسن بن حَيْدَرَة الفرغانى الأخرم، وحمزة بن على بن أحمد الزوزانى ومحمد بن إسماعيل أنُشْتكين الدَرَزى، ومن المحقق أن عدة مراحل فى هذه الرواية قد التبس بعضها فى بعض. على أن الظاهر أن هذا الموضوع بدأت الدعوة إليه سنة ٤٠٨ هـ (١٠١٧ - ١٠١٨ م) بموافقة الخليفة. ويكاد يكون من المحقق أن حمزة دعا إليه أولًا وأن الدرزى كان تلميذه، ولو أن يحيى يجعل حمزة يظهر بعد الدرزى. زد على ذلك أنَّه كان ثمة تنافس بين الاثنين. ويقول راوية أن الدرزى قتل على يد الأتراك الذين أثارت نظرياته غضبهم، وجاء فى رواية أخرى أن الخليفة خشى على حياة الدرزى فأرسله سرًا إلى حوران. ويقال أيضًا إن الأخرم كان تابعا من أتباع حمزة، ويقال إنه قدم للقاضى وهو يحكم بين الناس فى مسجد عمرو صحيفة بدأت بعبارة "بسم الحاكم الرحمن الرحيم"، وقد أثار ذلك شغبا ذبح فيه أصحابه على حين استطاع هو الهرب. وتقول بعض الروايات إنه قتل على يد تركى من الأتراك. وجاء فى رواية أن حمزة الذى كان صاحب حظوة كبيرة لدى الحاكم وكان على صلة خاصة به، قد اضطر إلى المضى إلى حوران والاختفاء فيها. ولا نعلم ماذا انتهى إليه أمره بعد اختفاء الحاكم، ولكن المعلوم أنَّه كان مؤسس المنهج الكلامى عند الدروز.
وليس من الواضح هل كان اختفاء الحاكم نتيجة مباشرة لهذا كله وإلى أى حد تسببت هذه الدعوة فى زيادة جنون الخليفة؟
стр. 3374
وقد كانت نهاية الحاكم عجيبة على نحو ما كانت حياته، ولعل من المستحيل أن نعرف كيف كانت هذه النهاية. ففى ٢٧ شوال سنة ٤١١ هـ (١٣ فبراير سنة ١٠٢١ م) اختفى وهو يتمشى ليلا فوق تلال المقطم وعلى الهضبة التى تؤدى إلى حُلوان، ذلك أنَّه ابتعد فى تمشيه عن تابعيه اللذين كانا يصحبانه وكان قد أمرهما بانتظاره. ولم يرياه بعد وعادا إلى القصر فى صبيحة اليوم التالى. وأجرى البحث فى ذلك ووجدت ملابسه بعد خمسة أيام وقد نفذت فيها طعنات خنجر - وثمة رواية ممدوحة تقول إنه اغتيل بتحريض أخته ست الملك التى كانت قد دبت بينه وبينها وحشة: ذلك أن ست الملك كانت قد أنبّته على شططه فى خلقه وقالت إن هذا الشطط كان يهدد بقاء الأسرة، فى حين أنب هو أخته على أسلوبها الفاسد فى الحياة. وخشيت ست الملك أن يأمر الحاكم بقتلها، فسبقته ودبرت مع شيخ كُتامة سيف الدولة بن دَوّاس أمر وجوب اختفاء الحاكم. وقد راجت عدة روايات فى هذا الشأن، ليس فيها ما يصح الاعتماد عليه، فقد قيل إنه اغتيل على يد مغتال غير معروف، ويقال إنه إلتجأ إلى دير ينهى فيه حياته، ويقال ويقال. . . إلخ. ويعتقد الدروز بالغيبة (وهو قول شيعى مشهور) التى تستمر حتى رجعته. أما النظرية التى تقول بأن الحاكم توارى لأنه رأى استحالة تحقيق أفكاره فى مصر (A. Mueller) فإنها مجرد فرض من الفروض.
والصورة التى صورناها لعهد الحاكم لا تظهره بصفة عامة فى ضوء مرضى. على أنَّه لا يمكن القول بأن عهده كان عهدًا سيئًا بصفة خاصة بالنسبة لمصر. ذلك أن لهذا العهد وجوهًا أقل كآبة من المعروف.
ففى عهده لم تفقد الأملاك الفاطمية المترامية الأطراف أى أرض، بل إن الحاكم قد اعترف به فى الموصل قرواش العقيلى صاحب الموصل مدة من الزمن سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ - ١٠١١ م). وفى عهده أيضًا حدث سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٥ - ١٠١٦ م) أن خضع منصور بن لؤلؤ صاحب حلب للخلافة الفاطمية، وكان على حلب عدة ولاة فاطميين بعد اختفاء الحاكم. صحيح أن
стр. 3375
الموقف فى دمشق فى آخر عهده كان مضطربا، ففى سنة ٤١٠ هـ (١٠١٩ - ١٠٢٠ م) أقام الحاكم ولى العهد واليًا فاستحدث فيها عدة إجراءات متحررة مثل إباحة شرب الخمر، وكانت هذه الإجراءات لا تتفق وآراء الحاكم؛ وقد نصرته بعض طبقات الأهلين، وهم "الأحداث" فى حين أنكرته طبقات أخرى. وزاد ولى العهد على ذلك بأن دخل فى علاقات مع الجراحى فاستدعاه الحاكم، وصدع ولى العهد بهذا الأمر مباشرة، فرضى عنه الحاكم وبعثه ثانية إلى دمشق، ولكن قامت فيها فتنة عليه، وعملت ست الملك بعد وفاة الحاكم على اعتقاله وحمل إلى القاهرة.
وتدين القاهرة إلى الحاكم بإنشاء مسجد الراشدة (انظر ما سبق) ومسجد المقس وإتمام المسجد المعروف بالحاكم الذى كان قد بدأه العزيز. والحاكم هو الذى شيد أيضًا أول جامعة إسلامية هى "دار الحكمة" التى أسلفنا ذكرها بما فى ذلك مكتبتها الكبيرة. وقد رعى نشر العلوم والآداب وكان المؤرخ المُسَبِّحى من أقرب أصدقائه إليه، وقد كتب له الفلكى على بن عبد الرحمن كتابه "الزيح الكبير"، وكان على علاقات طيبة بالطبيب ابن مُقَشِّر، وقد استمع الحاكم لنصحه فعاد إلى شرب الخمر. ومع ذلك فصحيح أنَّه كان له طبيب آخر قتله.
وكانت نية الحاكم قد صحت فى أوائل عهده على أن يحكم بالتشاور المنتظم مع وجوه القوم فى القاهرة، ولكنه سرعان ما برم بذلك. ولا شك أن هذا كان نوبة من نوبات التواضع التى كانت كغيرها من النوبات فيها من الافتعال أكثر مما فيها من الصدق. على أن جميع المؤرخين يتفقون على أنه كان كريما وأنه بذلك أقصى ما فى وسعه لمحاربة المجاعة ببذل الهدايا ومحاولة تثبيت ثمن الطعام، وأن اهتمامه بالعدالة بلغ مبلغا جعله يحضر "الحسبة" وأنه قد أقام علاوة على رئيس الشرطة شاهدى "عدل" لا يصدر حكم إلا بموافقتهما. ويروى يحيى بأنه لم يسمح لنفسه قط بالاستيلاء على ملك أحد وأنه أبطل "المكوس" وغيرها من
стр. 3376
الرسوم المجانبة للعدل وأنه رد إلى أصحاب البضائع ما أخذ منهم ظلمًا. وقد صوره هذا الكاتب بين شعبه يجيب كل ما يلتمسون ويحاول أن يرضيهم. وقد أبطل "الخمس" (لا شك أن الخمس كان نظرية شرعية فاطمية فرضت ويجب أداؤها للخليفة عن كل ربح) و"النجوى" وهى الضريبة التى كانت مفروضة على أولئك الذين يحضرون "مجالس الحكمة" وهى مجالس العلم التى كانت تعقد فى القصر.
ونجد مدحا للحاكم بقلم كاتب يهودى فى قطعة من خبر نشره نيوباور (Neubauer فى JQR جـ ٩، ص ٢٥)، ويظهر الحاكم فى هذا الخبر محسنا إلى البلاد ويطرى الكاتب احساسه بالعدل (انظر D. Kaufmann: Beitraege zur Geschichte Aegyptens aus .juedischen Quellen Zeitschr. der Deutsch . Morgenl Gesells. ., جـ ٥١، سنة ١٨٩٧، ص ٤٤٢ - ٤٤٣؛ ولكن انظر أيضًا M. Schreiner فى REJ، جـ ٣١، ص ٢١٧ فى شأن إحراق الحاكم حيا من أحياء اليهود).
ومن أخبار سماحته أيضًا ما حفظته لنا بعض قصص ألف ليلة وليلة مثل حكاية التاجر القاهرى الذى بالغ فى إكرام الخليفة حين وقف أمام حديقته فى موكب رسمى يطالب أن يشرب، فتلقى من الحاكم مكافأة له جميع النقود التى ضربت فى دار السكة فى ذلك العام (The Arabian Nights: Lane سنة ١٩١٤, جـ ٣، ص ٥٦). وكذلك ما ورد فى حكايته وردان الجزار مع المرأة والدب (ألف ليلة وليلة طبعة القاهرة، الليالى ٣٥٣ - ٣٥٥): وخلاصتها أن دبا كان يحرس كنزا فاكتشفه الجزار الذى نحن بصدده (انظر هذه الحكاية المتشابكة). وقد اعطى هذا الجزار الكنز للحاكم الذى وفد على حماره ليرى الكنز الذى حدثه الجزار عنه. وقد احتفظ الحاكم ببعضه واعطى الباقى للجزار فاستطاع بذلك أن يبنى جميع الحوانيت فى السوق الذى نسبت إليه فقيل "سوق وردان". وقد روى هذه الحكاية ابن الدوادارى الذى زعم أنَّه قد بناها على "حل رموز فى علم الكنوز" وهو كتاب ألفه رجل يدعى محمَّد بن عبد الرزاق بن عبد الأعلى القيروانى.
стр. 3377
وأصدر المؤرخون أحكاما مختلفة أشد الخلاف حول شخصية الحاكم، وقد حاول دوزى وميلر أن يظهرا أنَّه كان يتصف بشئ من المثالية. ويظن إيفانوف (Rise: Ivanow، ص ١٢٣ وما بعدها) أنَّه كان حريصا على تحقيق مثل أهل السنة حرصه على تحقيق مثل الإسماعيلية وينتهى غرضه هذا بقمع المسيحية، كما أنَّه كان إلى ذلك يحاول دائما أن يجعل مذهب الإسماعيلية أكثر كمالا، على أنَّه كان يرى فيه أيضا رغبة فى "مخاطبة العامة" ويذهب إلى أنَّه ربما كان فيه شية من النزعة التاريخية، بل هو يحس نكهة ديموقراطية فى بعض أعماله. ولكن ما ذهب إليه إيفانوف فيه إسراف.
وقد حاول يحيى الذى كان طبيبا ومؤرخا، أن يسوق تفسيرا طبيا لجنونه، فقال إنه جمع فى مخه بين أخلاط خبيثة وفاسدة جعلته منذ صباه يعانى من نوع من الكآبة (بمعناها الصحيح) واضطراب فى العقل جعله فريسة للأوهام. وقال إنه كان يتعرض فى شبابه للنوبات وأن فساد تركيب عقله جعله يقاسى من الأرق (انظر يحيى - رشيخو، ص ٢١٨ وما بعدها) وقد يفسر هذا الأرق تمشيه ليلا.
ومهما يكن من شئ فإن شخصية الحاكم تبقى لغزا من الألغاز، والظاهر أنَّه كان عدة أشخاص تتعاقب بل تتناوب.
المصادر:
أهم المصادر التاريخية هى:
(١) يحيى بن سعيد الأنطاكى، وهو مسيحى مصرى (طبعة شيخو، ص ١٨٠ - ٢٣٤؛ طبعة وترجمة - Krachkovs kiy و Vasiliev فى. po جـ ٢٣، ص ٤٥٠ - ٥٢٠، وهذه الطبعة الأخيرة تصل إلى سنة ٤٠٤ هـ (١٠١١ م).
(٢) ابن القلانسى، ص ٤٤ - ٥٠، ٥٥ - ٧١، ٧٩.
(٣) ومن المصادر التاريخية الهامة أيضا: سبط ابن الجوزى، مخطوط بباريس رقم ٥٨٦٦، الأوراق ١٥٤ - ٢٤٢ حتى سنة ٤٠٠ هـ (١٠١٠ م).
(٤) ابن مُيَسَّر، ص ٥٢ - ٥٦، وهو لا يشمل إلا السنتين ٣٨٦ هـ و ٣٨٧ هـ.
стр. 3378
(٥) ومن المؤرخين الآخرين: أبو المحاسن بن تغرى بردى (طبعة القاهرة، جـ ٤، ص ١٧٦ - ٢٤٧، وهو يزودنا بكثير من المختارات نقلها من المؤرخين القدماء مثل هلال الصابئ، وسبط ابن الجوزى، والقضاعى والذهبى.
(٦) وانظر أيضًا الكندى: الولاة والقضاة، طبعة Guest الفهرس.
(٧) أبو شجاع الروذراورى: Eclipse of the Abbasid Caliphate جـ ٣، ص ٢٢١ وما بعدها.
(٨) ناصر خسرو: سفر نامه، ترجمة شيفر Schefer, الفهرس.
(٩) ابن حمّاد (Hist. des: (Hamadio rois Obaidides، طبعة وترجمة - Vonde rheyden ص ٤٩ - ٥٨، (الترجمة ص ٦٧ - ٨٦).
(١٠) ابن الأثير فى حوادث عام ٣٨٦ - ٤١١ هـ.
(١١) كمال الدين ابن العديم، طبعة الدهّان, جـ ١, ص ١٩٦ وما بعدها.
(١٢) ابن عذارى: البيان المغرب، ترجمة Fagnan, جـ ١، الفهرس.
(١٣) ابن الصيرفى: كتاب الإشارة ... ، القاهرة سنة ١٩٢٥ BIFAO)، ٢٥) ص ٨٧ وما بعدها والفهرس.
(١٤) ابن خلكان، طبعة بولاق، جـ ٢، ص ١٦٥ - ١٦٨ (ترجمة De Slane , جـ ٣، ص ٤٤٩ وما بعدها).
(١٥) أبو صالح The Churches and . .Monastries of Egypt طبعة وترجمة Evetts، أوكسفورد سنة ١٨٩٥، الفهرس.
(١٦) ابن العبرى: التاريخ Chroni- con، طبعة Bruns & Kirsch، ص ٢١١ وما بعدها (Chronography, ترجمة Budge، ص ١٨٠ - ١٩٠).
(١٧) المقريزى: الخطط، طبعة بولاق، جـ ١، ص ٣٨٩ وما بعدها؛ جـ ٢، ص ٣ - ٤، ٣١، ٢٧٧، ٢٨٢ - ٢٨٣، ٢٨٥ وما بعدها ٣٤١ - ٣٤٢ وفى مواضع مختلفة).
(١٨) الكاتب نفسه: إتَّعاظ ... (طبعة جمال الدين الشيال، ص ٢٦٦ والفهرس.
стр. 3379
وثمة سيرة للحاكم فى (١٩) ابن كثير: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٩ - ١١.
(٢٠) وانظر أيضا ابن الدوادارى: ... Die Chronik. des Ibn تيل ٦: - Der Be richt ueber die Fatimiden، طبعة صلاح الدين المنجد، القاهرة سنة ١٩٦١، ص ٢٥٦ - ٣١٢.
(٢١) القلقشندى: صبح الأعشى جـ ١٠، ص ٣٨٤؛ جـ ١٣، ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢٢) القيروانى: Histoire de l'Afrique ترجمة Pellissier et Remusat Explor. de l'Algerie جـ ٧) ص ١١٦ وما بعدها.
ومن الكتب الحديثة فى سيرة الحاكم.
(٢٣) Expose de la Relig-: S. de Sacy ion des Druzes جـ ١، ص ٢٧٨ وما بعدها، ولا يزال هذا أحسن ما كتب فى هذا الصدد.
(٢٤) انظر أيضا Gesch. der: Weil Fat. Chalifen ص ١٦٤ وما بعدها (وهو فى غاية الأهمية)؛ وروايته تعتمد فى بعضها على ابن ظافر: الدول المنقطعة.
(٢٥) A History of: S. Lane Poole Egypt in the Middle Ages ص ١٢٣ وما بعدها.
(٢٦) Der Islam im Mor-: A. Mueller gen, und Abendland، برلين سنة ١٨٨٥، جـ ١، ص ٦٢٩ وما بعدها.
(٢٧) A Short His-: De Lacy O'Leary tory of the Fatimid Caliphate، الفهرس.
(٢٨) محمَّد عبد الله عنان: الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، القاهرة سنة ١٩٣٧، وهو رسالة هامة جدا ومفصلة ولها فهرس بديع.
(٢٩) عبد المنعم ماجد: الحاكم بأمر الله، الخليفة المفترى عليه، القاهرة سنة ١٩٥٩.
(٣٠) Precis de l'hist. de: G. Wiet l'Egypte سنة ١٩٣٢، ص ١٨٢ - ١٨٣.
(٣١) الكاتب نفسه: L' Egypte Arabe (المجلد ٤ من - Hist. de la Nation Egyp (tienne ص ١٩٥ - ٢٠٤.
стр. 3380
(٣٢) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٩٥٨، ص ١٦٣ - ١٦٨، ٢٠٤ وما بعدها ٢١٨ - ٢٣٨، ٢٤٩ وما بعدها، ٢٥٨، ٢٧٢ وما بعدها، ٣١٠ وما بعدها ٣٣١ وما بعدها، ٣٥٢ وما بعدها، ٣٧٨ وما بعدها، ٤٢٨ وما بعدها، وفى مواضع مختلفة.
(٣٣) الكاتب نفسه: تاريخ الإسلام السياسى ... ، القاهرة سنة ١٩٤٩، جـ ٣، ص ١٦٨ - ١٧٠.
(٣٤) وانظر أيضا محمَّد كامل حسين: فى أدب مصر الفاطمية، الفهرس وثمة أيضا تفصيلات هامة فى
(٣٥) Die Renaissance des: Mez Islams, الفهرس.
(٣٦) كتاب الذخائر والتحف للقاضى الراشد بن الزبير (طبعة م. حمد الله) ص ٦٨، ١٥٠ - ١٥١، ٢٣٢ - ٢٣٣، ٢٤١.
وانظر فى تأليه الحاكم
(٣٧) The God-King: P.J.Vatikiotis Al-Hakim bi-Amrillah: idea realised فى مجلة Islamic Culture، جـ ٢٩، سنة ١٩٥٥، ص ١ - ١٨ (وثمة نسخة منقحة للكاتب نفسه: The Fatimid Theory of State، لاهور سنة ١٩٥٧، ص ١٤٩ وما بعدها).
(٣٨) Grandeur de l'Islam: G. Wiet، باريس سنة ١٩٦١، ص ١٨ - ٧٠.
(٣٩) Arabs: S.D. Goitein Jews and, نيويورك سنة ١٩٥٥، ص ٨٣ - ٨٤.
خورشيد [كانار M. Canard]
الحاكم النيسابورى
محمَّد بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله بن البَيَع: محدث مشهور ولد سنة ٣٢١ هـ (٩٣٣ م) وتوفى سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٤ م). وقد رحل إلى عدة بلاد لدراسة الحديث وسمع أحاديث من قرابة ٢٠٠٠ شيخ. وكان الحاكم يشغل منصب القاضى مدة من الزمن ولذلك لقب بالحاكم. وقد كتب عدة كتب، منها "معرفة علوم الحديث" وهو كتاب هام فى علم الحديث أقام مثلا فى طريقة تناول الموضوع. صحيح أن الحاكم
стр. 3381
كانت له مكانة كبيرة لعلمه كما زاره كثير من الدارسين، إلا أن كتاباته قد قوبلت بالنقد. فقد نعت بأنه شيعى، ولكن السبكى ينكر ذلك. ويقول عنه الذهبى فى كتابه "تذكرة الحفاظ" إنه الحافظ الكبير وإمام المحدثين، ويذكره أيضًا فى كتابه "ميزان الاعتدال" فيقول إنه وقع فى أخطاء فى كتابه "المستدرك على الصحيحين". ويلاحظ ابن حجر فى الفقرة الخاصة التى كتبها عنه فى كتابه "لسان الميزان" بأنه أجل من يذكر بين المحدثين الضعفاء، على أن بعضهم يقول إنه أصبح مهملا فى شيخوخته. وبالرغم من النقد الذى يوجه إلى الحاكم فإنَّه يحتل مكانة مشرفة بين المحدثين.
والكتب التى طبعت للحاكم هى "المستدرك على الصحيحين"، حيدر آباد سنة ١٣٣٤ - ١٣٤٢ هـ، و"المدخل فى أصول الحديث"، طبعة محمَّد راغب الطباخ، حلب سنة ١٣٥١ هـ (١٩٣٢ م)؛ ومقدمة لعلم الحديث طبعها وترجمها روبسون An Introduction to: J.Robson: the Science of Tradition لندن سنة ١٩٥٣)؛ و"معرفة علوم الحديث" طبعة الدكتور معظم حسين، القاهرة سنة ١٩٣٧.
المصادر:
(١) تاريخ بغداد، جـ ٥، ص ٤٧٣ وما بعدها.
(٢) ابن عساكر: تبيين كذب المفترى، ودمشق سنة ١٣٤٧ هـ، ص ٢٢٧ وما بعدها.
(٣) ياقوت، الفهرس.
(٤) ابن خلكان، طبعة بولاق، جـ ١، ص ٦٩١.
(٥) الذهبى: تذكرة الحفاظ، جـ ٣، ص ٢٧٧ وما بعدها.
(٦) السبكى: طبقات الشافعية الكبرى، جـ ٣، ص ٦٤ وما بعدها.
(٧) ابن حجر: لسان الميزان، جـ ٥، ص ٢٣٢.
(٨) ابن العماد: الشذرات، ٤٠٥ هـ.
(٩) حاجى خليفة، طبعة فلو كل، جـ ٥، ص ٥٢١ الخ.
(١٠) بروكلمان، جـ ١، ص ١٧٥؛ قسم ١، ص ٧٠٦.
خوريشد [روبسون J. Robson]
стр. 3382
حام
Cham ابن نوح؛ ولم يذكر حام صراحة فى القرآن الكريم ولكن ربما يكون قد أشار القرآن إليه بأنه ابن غير صالح لنوح أبى أن يتبعه وقت الطوفان (سورة هود، الآية ٤٢ - ٤٩). وقد عرفت الروايات المتأخرة القصة الواردة فى التوراة فى سفر التكوين (الإصحاح ٩، الآيات ١٨ - ٢٧، وقد جاء فيها أن ابن حام كنعان، وليس حاما، هو الذى لُعن من أجل جرم اقترفه أبوه) والزيادات الأسطورية التى توسع فيها اليهود والنصارى. ولما كانت القصة الواردة فى القرآن إذا قرنّاها بهذه التفصيلات تقتضى وجود ابن رابع لنوح فقد جعل كنعان أو ابن مبتدع هو يام يملأ هذا الفراغ. ويختلف المؤرخون فى ذكر خطايا حام، وهى صلات جسدية وقعت فى الفلك فى رواية الأكادة اليهودية، وهذه الخطايا جرم فى حق أبيه، ويعرف هؤلاء المؤرخون أيضًا أن هذه الشخصية ولدت بيضاء ثمَّ انقلبت سوداء نتيجة للعنة أبى حام. ويقال أيضًا أن عيسى بعث حاما إلى الحياة مدة (هكذا فى الطبرى، وقد قال الثعلبى أنه سام) وأن حاما ذكر للحواريين بعض مراحل الحياة فى الفلك ونهاية الطوفان. ويروى الكُتاب المسلمون أيضًا مصير أبناء نوح الثلاثة؛ على أن ثمة رواية رواها الطبرى تخفف مصير حام الذى نزل إلى مرتبة العبودية ثمَّ أفاد من تسامح إخوته (يلاحظ أن يافث فى رواية البلعمى قد حلت به اللعنة أيضًا، وقد فسر هذا بأن هذا الكاتب الإيرانى لم يكن يعطف على الأتراك والصقالبة ويأجوج ومأجوج الذين اشتهروا بأنهم من نسل يافث). ثمَّ نجد أخيرًا أن كتب التاريخ الإِسلامية احتفظت من قائمة الأمم الواردة فى الإصحاح العاشر من سفر التكوين بالعناصر التى تكيفت بالموقف الجغرافى السياسى لذلك الزمن. ويفسر هذا كيف أن آفريدون يجب أن يعد أيضًا من نسل حام على الأقل بمقتضى إشارة وردت فى كتاب "البدء والتاريخ" (جـ ٣، ص ١٤٤ - ١٤٩).
стр. 3383
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات، جـ ١، قسم ١، ص ١٨.
(٢) ابن هشام: كتاب التيجان، ص ٢٥ وما بعدها.
(٣) ابن قتيبة: المعارف، طبعة عكاشة ص ٢٣، ٢٦.
(٤) اليعقوبى: التاريخ ص ١٢ (طبعة Smit، ص ١٦).
(٥) الطبرى، جـ ١، ص ١٨٧ - ٢١٦ (Chronique de Tabari، جـ ١، ص ١١٢ - ١١٤).
(٦) المسعودى: مروج الذهب، جـ ١، ص ٧٥ - ٨٠ (طبعة Pellat، جـ ١ ص ٣٢، الفصول ٦٦ - ٦٨) جـ ٣، ص ٢٤٠؛ جـ ٦، ص ١٥٤.
(٧) الكتاب المنحول للبلخى: البدء والتاريخ جـ ١، ص ٢٦ وما بعدها، ٢٧ وما بعدها والفقرة المشار إليها آنفًا.
(٨) الكسائى: vita prophetarum ص ٩٨ وما بعدها.
(٩) الثعلبى: عرائس "المجالس، ص ٣٦ - ٣٨.
(١٠) Neue Beitraege: Gruenbaum zur: semitischen Sagenkunde، ص ٨٥ - ٨٧.
(١١) Koranische Un-: J. Horovitz tersuchungen، ص ١٠٨.
(١٢) Les origines des: D. Sidersky Legendes musulmanes، ص ٢٧.
(١٣) Biblische Er-: H. Speyer zaehulngen im koran، ص ١٠٥
(١٤) B. Heler في Handwoerterbuch des Islam ص ١٦٠ = - Shorter En cyclopaedia of Islam ص ١٢٨
[فاجدا G.Vajda]
اللغات: لقد استعملت الكلمات المشتقة من الاسم حام للدلالة على اللغات المتصلة باللغات السامية. وقد اتخذت أسرة اللغات الحامية السامية اسمها منذ سنة ١٨٨٧، ومن المعتقد بصفة عامة أنها تشمل المجموعة الحامية فى مقابل المجموعة السامية. وقد صححت هذه النظرة فى Les Langues du monde، الطبعة الأولى سنة
стр. 3384
١٩٢٤. وفى أسرة اللغات الحامية السامية أربعة فروع متميزة: السامية والمصرية القديمة هى والقبطية واللغات البريرية واللغات الكوشية. والظاهر أننا يجب أن نضيف إلى هذه الفروع لغة الحوصة (الهاوسا).
ولما كانت الفروع غير السامية لا تستبين منها أية خصائص مشتركة يمكن أن توحد بينها فى مجموعة محددة تحديدًا واضحًا، فإن الإصطلاح الحامى يجب أن نفضله. وربما كان الأرجح أن نتحدث فحسب عن المجموعة الحامية السامية بفروعها الأربعة أو الخمسة.
ويمكن أن نجد تاريخ هذه الدراسة ومصادرها فى Essai: Marcel Cohen -sur le vocabulaire et la phon comparatif etique du Chamito semitique, باريس سنة ١٩٤٧؛ وانظر أيضًا للكاتب نفسه، من الطبعة الثانية الفصل الموسوم بعنوان Langues du Monde، ، سنة ١٩٥٢ و - Resultats acquis de La gram maire coinparee فى Conferenees de l'lnstitut de Linguistique de Universite de paris، باريس سنة ١٩٣٤.
وإن شئت المقارنة التفصيلية أجناس طبيعة: والمصطلحان الحاميون (Hamiten, Chamites) والحامية (Hamistisch, Chamitique) يستعملان أحيانًا للدلالة على الشعوب الإفريقية التى تتحدث بلغات غير سامية هى حامية سامية وعلى بعض الشعوب الأخرى.
والظاهر أنها مزيج من البيض والسود. ويشار إلى هذه العناصر أيضًا بالبيض الإفريقيين والإثيوبين (من حيث علم الإنسان)؛ انظر William H.Worrell: A Study of races in the ancient Near East، كمبردج سنة ١٩٢٧ وأحدث من ذلك Le razze popoli della terra: R. Biastti الطبعة الثانية، تورين سنة ١٩٥٣ - ١٩٥٧
[خورشيد كوهين M.Cohen]
الحامدى
(١) إبراهيم بن الحسين بن أبى السعود الهمدانى: الداعى الثانى المطلق للإسماعيلية الطيبية فى اليمن؛ وقد جاء فى عُمَارة أن الملكة الصليحية السيدة
стр. 3385
أقامته سنة ٥٢٦ (١١٣٢ م) داعيًا للدعاة، ولكن لم تؤيد ذلك المصادر الطيبية، ثمَّ نقلت الرئاسة إلى أمير عدن سبأ بن أبى السعود بن زُرَيْع الذى أيد مطالبة الحافظ الفاطمى بالإمامة، وإذا كان هذا الخبر موثوقا به فإن إبراهيم ربما يكون قد أقيل بسبب تعاطفه مع دعوى الطيب. ولما توفى الداعى الخطّاب بن الحسن سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) اختاره الطيبى الأول الداعى المطلق ذؤيب ابن موسى مساعدًا. فلما توفى ذؤيب سنة ٥٤٦ هـ (١١٥١ م؛ فى الهمدانى سنة ٥٣٦ هـ = ١١٤١ - ١١٤٢) أصبح خليفة له بوصفه أعلى مرجع دينى فى غيبة الإمام. وكان موقف الجماعة الطيبية حرجًا لأنها لم تجد إلا حماية قليلة من أمراء اليمن، على حين أخذ الحكام الزريعيين لعدن يناصرون مناصرة فعالة قضية الجماعة الحافظية المنافسة للجماعة الأولى. واستقر إبراهيم فى صنعاء وكان حكامها الياميون قد تركوا الجماعة ولكنهم لم يتدخلوا فى نشاط الدعوة. وهناك توفى شعبان سنة ٥٥٧ (يولية سنة ١١٦٢ م).
والظاهر أن إبراهيم كان مؤسس منهج الحقائق الطيبى الخاص. وقد أدخل رسائل إخوان الصفاء فى كتب الجماعة واعتمد اعتمادًا عظيمًا على كتب حميد الدين الكرمانى وأخذ يفسرها وفق آرائه. وعمدة كتبه هو "كنز الولد" وقد أصبح هذا الكتاب النموذج لسلسلة من كتب "الحقائق" الطيبية المتأخرة.
(٢) حاتم بن إبراهيم (١): خلف أباه فأصبح الداعى المطلق الثالث، ونال العون من قبائل حمير وهمدان التى استولت له على حصن كَوْكبَان. وقد أثار هذا غيرة الحاكم اليامى لصنعاء على بن حاتم، فشن الحرب على هذه القبائل سنة ٣٦٤ هـ (٩٧٤ - ٩٧٥ م) وانتزع كوكبان. وأقام حاتم بعض الزمن فى بيت رَدْم ثمَّ انتقل إلى شَعاف فى الإقليم الجبلى حَراز حيث نجح فى تحويل الناس إلى الدعوة الحافظية. وغزا حاتم عدة قلاع واختار الحُتَيْب مقامًا له. فلما قتل معينه الأكبر سبأ اليَعْبُرى ومد الأيوبيون سلطانهم إلى أغلب أراضى اليمن انحصر نشاط حاتم فى التنظيم السرى للدعوة الطيبية؛
стр. 3386
وتوفى حاتم فى ١٦ محرم سنة ٥٩٦ (٦ نوفمبر سنة ١١٩٩) فى الحتيب ودفن فيها.
وقد أفاد حاتم فى كتابه الأكبر "الشموس الزاهرة" من كتب المفضّل للغلاة على حين ذم بعض أقوالهم. أما رسالته القصيرة "زهر بذر الحقائق" فقد نشرها عادل العوّاء (منتخبات إسماعيلية، دمشق ١٩٥٨).
(٣) على بن حاتم (٢): خلف أباه فأصبح الداعى المطلق الرابع. وقد انصرف عنه يعبرية حراز فاستقر فى صنعاء. ولم يتدخل الأيوبيون فى نشاطه، وتوفى فى ٢٥ ذى القعدة (مايو سنة ١٢٠٩) فى صنعاء.
المصادر:
عمدة المصادر هو (١) إدريس بن الحسن: نزهة الأفكار ولم ينشر. وقد درسه ح. ف الهمدانى: الصليحيون، القاهرة سنة ١٩٥٥، ص ٢٦٩ وما بعدها.
(٢) عمارة فى Yaman: H.C. Kay لندن سنة ١٨٩٢، ص ١٠٢
وثمة مصادر أخرى نشرها وناقشها
(٣) The Succession to: S.M. Stern the Fatimid Imam al Amir فى Oriens، جـ ٤، سنة ١٩٥١، ص ٢١٤, وما بعدها.
(٤) وانظر عن كتب الحامدية Ismaili Literature: W. Ivanow طهران سنة ١٩٦٣، ص ٥٢ وما بعدها، ٦١ وما بعدها.
خورشيد [مادلنك Madelung .W]
حايل
أو حائل: قصبة بلاد جبل شمر فى غربى نجد وسط سهل ممتد يعرف بساهلة الخمَّشية، وهذا السهل بين جبل أجأ (مئنيف) وسلمى (فتى)، وهو يرتفع عن سطح البحر نحو ٥٠٠٠ قدم. وهذه المدينة من أهم المحطات التى على طريق الحجاج الفرس إلى مكة، وتحيط بها أسوار ارتفاعها نحو عشرين قدمًا بها أبراج مستديرة ومربعة، وتنقسم أحد عشر حيا، وبها مسجد جامع وقصر حصين له برجان
стр. 3387
سامقان، وسوق هامة بها مخازن للبضائع وحوانيت تباع فيها الأطعمة كالأرز والدقيق والتوابل والبن وغيرها، وتعرض فيها الأقمشة، والملابس، والسلاح، والآلات من معاول وعتلات، والمعادن الخام من حديد وقصدير وسبائك رصاص؛ كما أن بها حدائق ومنتزهات، وهى تستورد الأقمشة من منشستر وبومباى، والملابس من الجوف وبغداد، والآلات والمعادن الخام من أوربا وتجارة حايل هامة، أما صناعاتها لا سيما تلك التى تقوم بها النساء من تطريز وتدييج فعديمة الأهمية وأصحاب الحرف من حدادين ومعدنين ونجارين قليلو العدد فى المدينة، ومنازلها حسنة البناء ومعظمها من طابق واحد، وشوارعها نظيفة. وفى خارج المدينة حدائق كثيرة وأحراج نخيل ومنازل متفرقة بعضها يملكه أعيان المدينة وبعضها خاص بأفراد البيت المالك فى شمر. ويقول بالكريف palgrave إن تعداد المدينة ٢٠,٠٠٠ و ٤٠,٠٠٠ نسمة على حين يقول داوتى Doughty إنه ٣٠٠٠ فحسب.
وضاحية حايل هى سُويَفْلَة، وقد اجتاحها وباء فى سنة ١٨٦٧ بعد مجاعة نزلت بها، وكانت المنازل خالية تقريبا فى أثناء إقامة داوتى بها، كما أن أحراج النخيل كانت مهجورة تمامًا، ولحايل ضاحية أخرى هى واسط، وقد لاحظ داوتى عند زيارته لها أنها كانت هى أيضًا مهجورة وحل بها الخراب نتيجة لهذا الوباء. وقد جفت أشجار النخيل وماتت بسبب إهمال الرى فى تلك الفترة، وقد مات فى حايل نفسها بين ٧٠٠ و ٨٠٠ شخص بسبب الطاعون، وأعقب الطاعون حمى خبيثة تفشت فى المدينة سنتين. وتقع مقبرة حايل وراء واسط؛ وشواهد قبورها عاطلة من الزخرف كما هى عادة البدو، وليس عليها إلا اسم المتوفى. وبين المقبرة والمدينة مستعمرة صغيرة للعرب الرحل وهم من بدو شمر، وبعضهم يمت بصلة القرابة للبيت المالك.
وهم لا يسكنون تلك البقعة إلا فى فصل الربيع
стр. 3388
وفى أوائل القرن الماضى كانت حكومة حايل فى يد بيت على. وحوالى سنة ١٨٢٠ حاول عبد الله ابن رشيد، وهو من أغنياء أسرة جعفر العريقة وأعيانها، أن يستولى على العرش بمعاونة أقاربه الكثيرين ذوى النفوذ، فنشبت الحرب بين الفريقين ودارت الدائرة على عبد الله فنفى، ولكنه عاد بعد عشر سنوات إلى حايل بمساعدة فيصل الزعيم الوهابى الذى أقام عبد الله أميرًا على جبل شمر اعترافًا بفضله فى فتح الأحساء. وقد طرد بيت على من المدينة وأبيد تقريبا على يد عبيد الملقب بالذئب وهو الأخ الأكبر لعبد الله. وقد بنى عبد الله القصر الكبير، وبدأت حايل تنعم بفترة رخاء فى عهد ابنه وخلفه طلال الذى حكم المدينة عشرين عاما ومات سنة ١٨٦٤. وقد أدخل طلال كثيرًا من التحسينات على حصون المدينة، وبنى المسجد الجامع والسوق وخطط الحدائق الجميلة. وأراد أن ينهض بالتجارة والصناعة فاستحضر التجار من البصرة وواسط وغيرها من المدن والصناع من المدينة واليمن ودخل فى علاقات تجارية مع مدن أخرى من بلاد العرب وفارس. وكان محمَّد بن رشيد أميرًا على حائل عندما زارها داوتى، وكان وقتذاك يملك من الخيول ثروة عظيمة لا نظير لها فى نجد قدّرها داوتى بنحو من ٢٥٠,٠٠٠ جنيه.
ويذكر الهمدانى وادى حايل فى حمى (ضَرَّيِة)، ولعل هذا الوادى هو عين مدينة حايل التى خصصناها بهذه المادة. ويقول ياقوت إن حايل واد بين جبلى طيى (أجأ وسلمى) وإنها أرض واسعة يزعم البعض إنها أرض اليمامة نفسها، وينزلها بنو قُشَيْر أو بنو نُمَيْر وبنو حِمان من بنى تميم، ويقول شيرنكر Sprenger إن حايل هى "أرّى كمى" فى بطلميوس.
المصادر:
(١) الهمدانى: صفة جزيرة العرب، ص ١٤٥، س ٢٢؛ ص ١٤٨، س ٧، ١٩، ٢٤؛ ص ١٨٢، س ١٤، ١٥
(٢) ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ١٩١
стр. 3389
(٣) Erdkunde: C. Ritter جـ ١٣، ٣٤٣، ٣٥٢، ٣٥٣، ٦٤٨
(٤) Histoire des Wahabis: Corancez باريس سنة ١٨١٠، ص ١١٨، ٢١٤
(٥) Die Alte Geo-: A. Sprenger graphie Arabiens، ص ١٧١
(٦) Narrative etc.: W. Palgrave، الفهرس
(٧) Travels in: Ch. M. Doughty Arabia Deserta، كمبردج سنة ١٨٨٨، جـ ١، ص ٥٩٣، ٦١٣، ٦١٤ - ٦١٩؛ جـ ٢، ص ١ - ٤، ٥ - ٦، ٧ - ٨، ٩، والفهرس
(٨) Tagebuch einer Reise: J. Euting im Inner - Arabien، جـ ١، ص ١٧٣ - ٢٤٠
[شليفر. J. Schleifer]
+ حايل أو حائل: قصبة إقليم جبل شمر (بلغ عدد سكان هذه القصبة عام ١٣٨٥ هـ الموافق ١٩٦٥: ٢٠,٠٠٠ نسمة) فى جزيرة العرب الوسطى، وكانت من قبل قصبة أسرة الرشيدى فى نجد، ثمَّ غدت بعد سنة ١٣٤٠ هـ (١٩٢١ م) قصبة إقليمية لمملكة سعود الموسعة (منذ سنة ١٣٥١ هـ = ١٩٣٢ السعودية العربية). وجبل شمر الذى يحد من الشمال بحوض النفود الكبير، هو الحد الشمالى الغربى لنجد، مع أن سكانًا لمنطقة حائل يشيرون فى بعض الأحيان إلى القاسم على اعتبار أنَّه أقصى النواحى شمالا فى إقليم نجد عينه.
وتقع حايل على ارتفاع ٩٧٩ مترًا قرب الحافة الشرقية لكتلة جبل أجا الجرانيتيه، وهى تقوم فى قلب ديرة شمَّر وهى القبيلة المسيطرة فى هذه المنطقة. ويحد تل سَمْرَة، الذى يعرف أيضًا عند الأهلين باسم "المَوْقِدَة"، المدينةَ من الشرق. ويقوم أخدود أم أرْقَب حاجزًا فى الشمال. وقد أطلق الاسم حائل أول ما أطلق على الوادى الذى يجرى بالقرب من حافة المحلة، وكانت هذه المحلة نفسها تعرف بالقُرَيّة
стр. 3390
فحسب. وقد ذكر حائل الشاعران امرؤ القيس وطرفة بن العبد. ويقول شبرنكر إن حائل هى عين أره كومه فى بطلميوس.
وقد خضع أهل حائل الشمرية للحكم الوهابى سنة ١٢٠١ هـ (١٧٨٦ - ١٧٨٧)، وعرفت السنوات الأولى من القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادى) بالنزاعات التى قامت بين بيتى ابن على وابن رشيد فى سبيل السيطرة على هذه النواحى. وقد فرضت القوات التركية المصرية لحملة إبراهيم باشا التأديبية الجزية على حائل بعد سقوط الدرعية سنة ١٢٣٣ هـ (١٨١٧ م). ودخلت جنود الاحتلال المدينة مرة أخرى سنة ١٢٥٣ هـ (١٨٣٧ م). وفى سنة ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م) مكّن أفراد بيت رشيد لأنفسهم حكاما على حائل فى ظل آل سعود. وقد بلغ جبل شمر المستقل أوج سلطانه فى عهد محمَّد بن رشيد أمير حائل بين سنتى ١٢٨٩ - ١٣١٥ هـ (١٨٧٢ - ١٨٩٧ م). وكان عدد سكان المدينة وقتذاك حوالى ٢٠,٠٠٠ نفس يسكنون أربعة أحياء حول ميدان السوق المَسْحَية. وكان حصن بَرْزان يقوم فى الشمال الشرقى، وقد بدئ فى إنشائه على يد محمَّد على فى مستهل القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادى). وكان حى لُبْدَة فى الجنوب وحى "المقيظة" فى الغرب، وحى "أفنان" فى الشمال الغربى. وكانت التجارة فى يد ٨٠ من أسر التجار من النجف فى العراق، وكانت تقوم فى مسجد برزان مدرسة الشريعة المسماة المَرْشَدى، وكان فى حى لبدة مدرسة من هذا القبيل. وقد اشتهر محمَّد بن بانى، وهو صانع سلاح من حائل وقتذاك، فى جميع أنحاء الجزيرة العربية بصنع الأسلحة المزخرفة. وقد نزل الوباء بحائل وأرباضها حوالى سنة ١٢٨٨ هـ (١٨٧١ م) فتوفى كثير من أهلها. وقدر داوتى عدد سكانها بنحو ٣٠٠٠ نفس فحسب حين زارها سنة ١٢٩٤ هـ (١٨٧٧ م). ولما توفى محمَّد سنة ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ م) دمر كثير من
стр. 3391
أجزاء المدينة أيام النزاعات التى دارت حول الحكم بين الأسر مما أضعف بيت رشيد. وتلقى خلفاء محمَّد معونة فعالة من الترك لمناهضة عبد العزيز آل سعود، على أن عبد العزيز استطاع آخر الأمر الاستيلاء على حائل فى غرة ربيع الأول سنة ١٣٤٠ (٢ نوفمبر سنة ١٩٢١).
ويقوم اقتصاد حائل على الزراعة والتجارة على نطاق صغير. وكانت المحصولات تنمو منذ أمد طويل فى المنطقة مثل البلح والحبوب، تكملها أنواع مختلفة من الخضراوات والموالح. وتقوم حائل على طريق الحجيج من العراق، ولكن المنافع الاقتصادية المتحصلة من هذا الطريق كانت فى كثير من الأحيان تتبدد نتيجة لاضطراب الأمن فى الإقليم قبل سنة ١٣٤٠ هـ (١٩٢١ م). أما نقل الحجاج بالبر فقد تحول حوالى سنة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٣ م) إلى الشمال عن طريق إقليم الجوف وقد اشتهر محمَّد بن رشيد بخيله الجياد، وكان يحتفظ بحوالى ٥٠٠ رأس من الخيل فى منطقة حائل للفروسية والرياضة. ولم تعد الخيول تربى فى أعداد مذكورة سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٦ م).
وثمة أحياء هامة فى المدينة الحديثة، علاوة على ما سبق أن ذكرنا وهى: الجُدَيِّدَة، والزَبَارة، والوسيْطى. أما ضاحية البساتين السوُيَفلة فهى الآن ملاصقة لحائل، وقد زرعت البقعة الممحلة المعروفة بالنُعْرة بين حائل وقُفار. وكان أمير حائل سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٦ م) هو عبد العزيز بن مُساعَد ابن جلوى الذى أقامه حوالى سنة ١٣٤١ (١٩٢٣ م) عبد العزيز بن سعود، وهو يحكم منطقة تبلغ نحوًا من ١٦٠,٠٠٠ كليو متر مربع بما فيها مدن قبا وتْيما، وخيبر.
المصادر: غير ما ذكر
(١) ابن بشر: عنوان المجد، القاهرة سنة ١٣٧٣ هـ
(٢) A Pilgrimage: Lady Anne Blunt to Nejd، لندن ١٨٨١
стр. 3392
(٣) ابن غَنّام: روضة الأفكار، بومباى سنة ١٣٣٧ هـ
(٤) Journal d'un voyage: C. Huber en Arabie، باريس سنة ١٨٩١
(٥) J . G. Lorimer: مادة " Hail" فى Gazetteer of the Persian Gulf Oman and Central Arabia، كلكته سنة ١٩٠٨ - ١٩١٥
(٦) Northern Neghd: A. Musil, نيويورك سنة ١٩٢٨
(٧) Saudi Arabia: H. Philby لندن سنة ١٩٥٥
(٨) Saudi Arabia in: R.B. Winder the Ninteenth Century، نيويورك سنة ١٩٦٥
خورشيد [ماندافيل J. Mandaville]
حبة
معناها اللغوى قمحه أو نواة، وهى فى نظام الموازين العربى عبارة عن جزء غير معين الوزن، ومعظم كتاب العرب يقولون إن الحبة تعادل ١/ ٦٠ من وحدة الوزن المعتبر؛ و ١/ ١٠ من الدانق. والدانق عند العرب يعادل ١/ ٦ الوحدة. وهناك تقديرات أخرى للحبة تتراوح بين ١/ ٤٨ و ١/ ٧٢ من الدانق، ومن هذا نرى أن الحبة تمثل شيئًا يختلف اختلافًا كبيرًا باعتبار وحدة الوزن. فهناك حبَّة بمعيار الفضة وأخرى بمعيار الذهب، وحبة من المثقال، وغيرها من الدرهم إلخ.
وباعتبار المثقال أقدم وحدة للوزن عند العرب وزنته ٤,٢٥ من الجرام وهو يعادل ٦٥,٥ من الحبات، فإن الراجح هو أن الحبة فى صدر الإِسلام كان وزنها يعادل حوالى ٧٠ - ٧١ ملليجرام، وهى تتفق تقريبًا مع وحدة وزن العقاقير فى أوروبا المسماة كرانوم - gra num وكانت شائعة الاستعمال إلى أقرب العصور الحديثة، والحبة فى نظام الموازين الإنكليزى تساوى ٦٤,٨ ملليجرام.
والروايات الخاصة بأجزاء الحبة ومضاعفاتها تختلف أيضًا:
وهى تنقسم عادة إلى حبتين من شعير وأربعة من الأرز وإلى حوالى
стр. 3393
مائة خردل. ويعادل القيراط أحيانًا ثلاث حبات وأحيانًا أربعة.
وكان فى الآستانة الحبة وهى ربع القيراط فى وزن الحجارة الكريمة والجواهر، والعقاقير الطبية تعادل ٥٠,٠٤ ملليجرام ويعادل الدرهم ٦٤ حبَّة أى ٣,٢٠٢٥ جرامًا أو ٤٩,٤٢٣٥ من الحبات الأوروبية. والحبة فى القاهرة ثلث القيراط وهى وحدة ثابتة الوزن، وتعادل ٦٤,٣٤١٧ ملليجرامًا، ويعادل الدرهم ٣,٠٨٨٤ جراما أو ٤٧,٠٦٦ من الحبات.
المصادر:
(١) Notices sur les Poids: S. Bernard Arabes (Description de L'Egypte, Etat Moderne) جـ ١٦، طبعة قطع الثمن، ص ٧٣ - ١٠٦،
(٢) Essai sur les: Don Vas Queipo -systemes metriques et monetaire des an ciens Peuples، باريس ١٨٥٩.
(٣) The Arabian: S. Lane - Poole -Historians on Mohammedan Numismat .ics, Num. Chon المجموعة الثالثة، جـ ٤، ١٨٨٤)
(٤) Manners and: Edward W. Lane Customs of the Modern Egyptians سنة ١٨٤٦، جـ ٣، ص ٢٣٠
(٥) Materiaux pour: H. Sauvaire servir a l'histoire de la Numismatique et de la Metrologie musulmanes, باريس ١٨٨٢، وله أيضا، Arab Metrology فى مجلة الجمعية الأسيوية الملكية، ١٨٧٧ - ١٨٨٤.
(٦) Traite pra-: Dedour Demanche tique des Poids et Mesures des Peuples anciens et des arabes، باريس ١٩٠٩
(٧) وله أيضا: Sur les Misqals et Di- rhems Arabes, باريس ١٩٠٨
(٨) Lois de la: Nu-: C. Mauss .mismatique musulmane etc، باريس ١٨٩٨
(٩) انظر أيضًا كتب الموازين مثل Muenz, Mass-und Ge-: F. Noback wichtsbuch
(١٠) Universal Cambist.: Kelly
[زامباور E. V. Zambaur]
стр. 3394
حبيب بن مسلمة
مكى من بنى فهر وهو من أعظم قواد الخليفة معاوية. ويسلم الجميع بأنه من صحابة النبى اللهم إلا مدرسة المدينة فإنها لا تسلم بذلك متأثرة بما تضمره من عداء للأمويين وإن كان التاريخ يثبت ذلك. ولا بد أنه كان فى الخامسة عشرة من سنة عند وفاة النبى [ ﷺ ]، ومن ثمَّ فليس ثمت سبب يدعو إلى افتراض أنَّه لم يكن يعرف النبى [ ﷺ ]، معرفة شخصية. وقد اشترك فى صباه فى حرب الشام الأولى وأبلى فى الدفاع عن قضية الأمويين بلاء حسنا. وقد برز فى غاراته الكثيرة فى آسية الصغرى وأرمينية على وجه خاص فى ولاية معاوية وفى إبان خلافته. وتنسب إليه الروايات أنَّه فاتح أرمينية. ويطلق عليه أيضًا اسم "حبيب الروم" لكثرة الحروب التى شنها على أراضيهم. وكان أيضًا "مجاب الدعوة" ولا شك أنَّه توفى عندما بلغت سنه حوالى الخامسة والخمسين فى صدر خلافة معاوية أو على الأقل لم يكن له ذكر فى التاريخ بعد هذا التاريخ
المصادر:
(١) ابن حجر، الإصابة (الطبعة
المصرية) جـ ١، ص ٣٠٩. وله ترجمة
مستفيضة فى كتابى المسمى: . Etudes sur la regne du Calife Omaiyade Mo'awia ler
[لامانس H. Lammens]
حبيب النجار
ولى أنطاكية، سمى العرب باسمه جبل سلبيوس لأنَّ به قبرا يقال إنه قبره، ويزار كثيرًا. وهذا الوالى المسلم ليس رجلًا آخر غير أغابوس المذكور فى سفر أعمال الرسل، الإصحاح الحادى عشر، الفقرات ٢٧ - ٣٠ والإصحاح الحادى والعشرين الفقرة ١٠ وما بعدها. وقصته المروية فى سورة يس آية ١٣ وما بعدها، وإن لم يرد فيها اسمه تدل على أنَّه من أصل نصرانى. فعندما بعث الله - كما جاء فى السورة - اثنين من الرسل يقول المفسرون إنهما يحيا ويونس، ثمَّ عززهما بثالث هو "شمعون" ليدعوا الناس إلى الإيمان،
стр. 3395
توعدوهم بالقتل إن لم يكفوا عن دعوتهم، وعندما جاء رجل من أقصى المدينة يسعى وحث قومه على اتباع الرسول [ ﷺ ]، وأظهر إيمانه بدعوته، غضب قومه ووثبوا عليه فقتلوه، وكانوا وهم يقتلونه يستهزئون به ويصيحون: الآن ادخل أنت الجنة. على أن حبيبًا كانت تغمره السعادة لنواله شرف الاستشهاد فى سبيل الله. وأهلك الله هؤلاء الكفار جميعًا من غير أن ينزل جنودًا لقتالهم، وإنما أخذتهم صيحة واحدة من السماء فإذا هم خامدون.
ويقول المفسرون إن هذا الرجل هو حبيب النجار، ويروى أنَّه كان يصنع الأصنام، ثمَّ آمن عندما شاهد معجزات الرسل. وكما نجد فى سرد القرآن لقصته أنَّه كان فخورًا باستشهاده حتى بعد موته، نجد الدمشفى (طبعة مهرن، ص ٢٠٦) يروى قصة من نسج الخيال فيقول إن حبيبًا أخذ رأسه المقطوع شماله ثمَّ وضعها فى يمينه، ومشى ثلاثة أيام بلياليها فى المدينة على هذا الوضع، ورأسه يرتل فى صوت مرتفع الآيات القرآنية التى اشتملت على القصة.
المصادر:
كتب التفسير، سورة يس وانظر أيضًا المصادر الخاصة بمادة "أنطاكية"
الحجاب
هو ما يحجب بين الشيئين، ومن ثمَّ جاء المصطلح الطبى الحجاب الحاجز (أبو عبد الله الخوارزمى: مفاتيح العلوم ص ١٥٦ Trois Traites d' Anatomie: P. de Koning ص ٣٥٠، ٨١٦). أما فى القرآن فللفظ معنى "الستر"، فقد جاء فى سورة الأحزاب (الآية ٥٣) "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب" وسيفصل فى الآخرة حجاب بين أصحاب الجنة وأصحاب النار (سورة الأعراف، الآية ٤٤) والظاهر أن اللفظ فى هذا المقام مرادف للأعراف ولذلك فسر من قديم بأنه "سور" (الطبرى التفسير جـ ٨، ص ١٢٦، البيضاوى: جـ ٢، ص ٣٢٦) إشارة لما ورد فى سورة الحديد (الآية ١٣) وجاء فى سورة فصلت (الآية ٥) أن الكافرين
стр. 3396
قالوا للنبى [ ﷺ ]، "ومن بيننا وبينك حجاب" وجاء فى سورة الشورى (الآية ٥١) " "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب" كما كانت الحال مع موسى (أسباط فى رواية السدى؛ الطبرى: التفسير، جـ ٢٥، ص ٤٥).
والحجاب عند المتصوفة "كل ما يستر المطلوب" ومعناه انطباع الصور الكونية فى القلب المانعة لقبول تجلى الحق (الجرجانى: التعريفات، ص ٨٦، عبد الرازق: كشاف اصطلاحات الفنون، ص ٣٥، رقم ١١٦) والنفس هى السبب الرئيسى فيما يعرض من ظلمات، غير أن لكل جارحة شهوة معينة من شأنها أن تولد حجابًا خاصًا: فالجواهر والأعراض والأركان (العناصر) والأجسام والصور والصفات، كل أولئك حجب كثيرة تحول دون كشف الأسرار الإلهية. والحق الأعلى محجوب عن الناس جميعًا، اللهم إلا عن الأولياء وحدهم. وضد الحجاب الكشف، ويطلق على الحال الأولى القبض، كما يطلق على الحال الثانية البسط. ويثير الوجد ما يعترضه من عقبات فى المشاهدة. وقد استعيرت هذه العبارات من العارفين (Pistis Sophia فى E. de Faye: Gnostique et gnosticisme ١٩١٣ م، ص ٢٦٩).
المصادر
(١) على بن عثمان الجلابى الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون Nicholson فى مجموعة كب التذكارية، ص ٤٨، ١٤٩، ٣٢٥، ٣٧٤، ٤١٤.
(٢) New Researches: Hirschfeld، into the Exegesis of the Qoran، ص ٤٣.
[إيوار Cl. Huart]
+ الحجاب (من الفعل "حجب"): يستعمل للدلالة على كل ستر يوضع أمام شخص أو شئ ليحجبه عن الرؤية أو يعزله، وهو فى الطب غشاء يفصل بعض أجزاء من الجسم العضوى مثل "الحجاب الحاجز" أو "حجاب الجوف" (diaphragm)، و"الحجاب المسْتَبْطِن" (pleura) و"حجاب البكورية" أي البكارة (التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون؛ لسان العرب؛ Suppl.: Dozy).
стр. 3397
ولا نكاد نعلم شيئًا عن الاستعمال الجاهلى لهذا اللفظ، على أن القرآن، وإن ورد فيه هذا اللفظ سبع مرات، فإنَّه يزودنا بمعلومات قيمة عن معناه الأصلى والمجازى، كما يزودنا إلى حد ما بمعلومات قيمة عن تطوره. والحجاب فى القرآن يدل على الاعتزال: فهو الستر والستارة التى اعتزلت وراءها مريم أسرتها (سورة مريم، الآية ١٧)؛ ثمَّ هو أيضًا السكن المستقل (السكن الداخلى من بعد) الذى فرض على أزواج النبى [ ﷺ ] (سورة الأحزاب، الآية ٥٣؛ وانظر السورة نفسها الآية ٣٢، ٣٣) وقد تم هذا فيما يظهر بناء على مشورة عمر. ولسوف يفصل بين أصحاب الجنة وأصحاب النار يوم القيامة حجاب، فسره المفسرون بأنه سور وقد استنبطوا هذا التفسير من القرآن (سورة الواقعة، آية ١٣) "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ... " (سورة الشورى، الآية ٥١) وهو حجاب المقصود منه فيما يظهر حجب المصطفين عن النور المنبعث من وجه الله. والحجاب آخر الأمر هو نوع من الستر يحجب بالفعل (الشمس التى تتوارى وراء ستار الليل، سورة ص، الآية ٣٢) أو يحجب - بمعنى صوفى - الناس والأشياء.
وهذا المعنى الأخير جدير بالالتفات خاصة. فالكافرون يقولون للرسول ... قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون" (سورة فصلت الآية ٥). وجاء فى القرآن "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا" (سورة الإسراء، الآية ٤٥)، ولا يتفق المفسرون فى تفسير معنى هذه العبارة. وقد رؤى أن هذا الحجاب إما أن يكون ستارًا محجوبًا بعث به الله ليخفى الرسول [ ﷺ ] عن أعين أولئك الذين سعوا إلى قتله (تفسير الجلالين) وأما حجابًا يطمس على المرتدين فيعجزون عن فهم ما تتلوه عليهم من القرآن (تفسير البيضاوى). وهذا التفسير الأخير يقارن بالآية ١٤ وما بعدها من سورة المطففين إذ جاء فيها أن المعتدين قد ران على قلوبهم ما يكسبون وأنهم عن ربهم لمحجوبون.
стр. 3398
وجاء فى حديث رواه أبو ذر أن الحجاب يستعمل مرادفًا لستار الموت، إذ روى عن الرسول ﵇ "أن الله يغفر للعبد ما لم يقع الحجاب. قيل: يا رسول الله وما الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهى مشركة ... ".
وفى الإِسلام القديم والمعاصر يبدو أن الحجاب قد تطور فى أربعة اتجاهات مبتدئًا فى كثير من الأحيان من أسسه التى وردت فى القرآن.
١ - الحجاب الذى فرض أولا على زوجات الرسول ﵇ ثمَّ توسع فيه من بعد حتى شمل جميع النساء المسلمات الأحرار. وليس الحجاب هو الانتقال من الطفولة إلى البلوغ، ومن العزوبة إلى الزواج. والحق إن الأداة التى استخدمت فى تغطية الرأس والوجه قد عرفت عادة بالأسماء: "لثام" و"قناع" و"برقع" (Dict des: Dozy Vetements). على أن الحجاب إذ يدل أيضًا على القناع نفسه فإنه يشير بخاصة إلى نظامه.
ويدل الشعر الجاهلى العربى على أن سنة الحجاب كانت مرعية من قبل مجئ النبى ﵇، ذلك أن الحجاب كان ميزة النساء من درجة خاصة، وكان يشار إليه بأسماء "نصيف" و"سِتْر" و"سجف" وغير ذلك (على الهاشمى: المرأة فى الشعر الجاهلى، ص ٧٩ - ٨٠، ١٤٦). ولعل آيتى القرآن اللتين أمرتا زوجات النبى [ ﷺ ] وبناته "يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .... " (سورة الأحزاب، الآية ٥٩) و"وقل للمؤمنات .... وليضربن بِخُمُرِهنَّ على جيوبهن .. " (سورة النور، الآية ٣١) ترجعان إلى السنة الخامسة للهجرة (ابن سعد: الطبقات، جـ ٨، ص ١٧٣ - ١٧). ومع ذلك فإن عائشة يقال إنها لبست الحجاب من وقت زواجها بالنبى ﵇ (الطبقات، جـ ٨، ص ٥٥) وقد حدث هذا الزواج فى شوال من السنة الأولى للهجرة (البلاذرى: أنساب الأشراف، جـ ١، ص ٤٠٣)
ومن المحقق أن سُنْة الحجاب لم تكن مرعية فى المدينة إلا فى القليل النادر. ويبرر القرآن ذلك فى الواقع على
стр. 3399
أساس أن ذلك " ... أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ... " (سورة الأحزاب، الآية ٥٩). على أنَّه لما اتسعت رقعة الإِسلام انتشرت هذه السُنة بسرعة فى جزيرة العرب وغيرها من الأقطار. وقد التزمتها كل النساء فى الحضر، وخاصة النساء اللائى ينتمين إلى الطبقات الخلية. ولكن هذه السُنة لم تراعها كل المراعاة نساء البدو أو الفلاحات أو النساء العاملات. وارتداء الحجاب الذى هو عام فى الحضر حيث تطورت الحركات العقلية وانتشرت، أسهم إلى حد كبير فى إبقاء النساء المسلمات فى نوع من العزلة. على أنَّه حدث فى نهاية القرن التاسع عشر فى عهد الخديوى إسماعيل الذى أقام فى القاهرة حوالى سنة ١٢٩٥ هـ (١٨٧٣ م) أول مدرسة للبنات، أن هجر بعض النسوة المصريات الحجاب. غير أن النصير الحقيقى لحركة المرأة كان هو قاسم أمين. وقد استنكر فى كتابه "تحرير المرأة" الذى يتضح فيه أثر تفسير محمَّد عبده المتحرر للقرآن، إبقاء المرأة فى حالة خضوع، وقرر حقها فى التعلم ومع ذلك فإنَّه لم يطالب بإلغاء الحجاب كلية، وإنما اقترح ببساطة أنَّه يجب ألا يتمشى إلا مع فروض الدين الحقة. وقد قرر، وهو الفقيه، بأنه لا يوجد فى الشريعة الإِسلامية حقا نص يبرر استعمال الحجاب على النحو الذى كان شائع الاستعمال وقتذاك. وقد كان ذلك إيذانًا بفتح باب المعركة لتحرير المرأة، وعاد قاسم أمين إلى استئناف هجومه فى كتابه الآخر "المرأة الجديدة". وقد هز هذان الكتابان مصر وصدماها وثارت المشاعر حولهما وقاد طلعت حرب معارضة حركة قاسم أمين، وكتب فى الرد عليها كتابين طالب فيهما أيضًا باسم الدين الالتزام بالنظام القديم للتعليم. ومن الواضح أن النساء كانت فى صف قاسم أمين وقد قامت ملك حفنى ناصف - المعروفة أكثر باللقب باحثة البادية - بنشر نسائياته، وكتبت مى زيادة سلسلة من المقالات حول هذه المسألة وأهدتها إلى زميلتها. وفى سنة ١٩٢٥ ولدت الحركة النسائية المصرية، وقد نبذت رئيستها السيدة هدى شعراوى باشا الحجاب سنة ١٩٢٦، وائتست
стр. 3400
بذلك أعداد متزايدة من النساء الأخريات.
٢ - والحجاب يدل أيضًا على الستار الذى كان يحتجب وراءه الخلفاء والحكام عن أعين أهل بيتهم. وهذه السنة التى كانت فيما يظهر مجهولة عند السكان الأولين للحجاز، قد استنها فى الإِسلام الأمويون، ولعلهم فعلوا ذلك بتأثير الحضارة الفارسية. وهذا الحجاب يعرف أيضًا بالستارة والستر، ولكن السُنة هى هى، وقد تطورت آخر الأمر إلى نظام (يجب التمييز بينها وبين الحجابة التى تسمى فى بعض الأحيان أيضًا "حجاب" وهى تدل على منصب الحاجب).
وفى رواية الكتاب المنحول للجاحظ أن معاوية ومعظم خلفائه كان يحجبهم عن آل بيتهم "ستارة" حتى لا يستطيع أحد من آل هذا البيت أن يرى أفعال الخليفة وهو تحت تأثير الخمر عاجزا عن أن يسيطر على نفسه (كتاب التاج = livre de la couronne Le، ترجمة Pellat، ص ٥٩). وكان سلوك الخلفاء العباسيين فى بعض الأحيان أقل من ذلك رصانة: فالأمين بخاصة كان يؤثر صحبة حاشيته وخاصته على الاعتكاف وراء حجاب (الكتاب نفسه: ص ٧٠).
وقد أدخل هذا النظام فى بلاد الأندلس وشمالى إفريقية ومصر وأصبح هناك أكثر تعقيدًا إذ تطورت حياة البلاط، وخاصة عند الفاطميين. ويجب أن نذكر أنَّه بالرغم من أن هذا النظام كان هو هو عند الفاطميين الذين تأثروا كشأنهم بالآراء الشيعية فى طبيعة الإمام (انظر المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٤٥٦) فإنَّه يظهر أن النظام قد عززته اعتبارات أخرى وأنه قد استجاب لحاجات مختلفة. فالخليفة الذى يعد جوهر العقل الفعّال للعالم أصبح يكاد يكون المقصود بالعبادة. ومن أجل هذا كان من المنتظر منه أن يستتر بقدر الاستطاعة عن عيون أتباعه المخلصين الذين يحرمون لذلك من نور وجهه.
وكان العامل المسئول فى القاهرة عن الستر يدعى "صاحب المجلس" (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٤٨٥؛ المقريزى: الخطط جـ ١، ص ٣٨٦). وهذه الوظيفة وظيفة مختلفة
следующие страницы →