← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

قالوا للنبى [ ﷺ ]، "ومن بيننا وبينك حجاب" وجاء فى سورة الشورى (الآية ٥١) " "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب" كما كانت الحال مع موسى (أسباط فى رواية السدى؛ الطبرى: التفسير، جـ ٢٥، ص ٤٥). والحجاب عند المتصوفة "كل ما يستر المطلوب" ومعناه انطباع الصور الكونية فى القلب المانعة لقبول تجلى الحق (الجرجانى: التعريفات، ص ٨٦، عبد الرازق: كشاف اصطلاحات الفنون، ص ٣٥، رقم ١١٦) والنفس هى السبب الرئيسى فيما يعرض من ظلمات، غير أن لكل جارحة شهوة معينة من شأنها أن تولد حجابًا خاصًا: فالجواهر والأعراض والأركان (العناصر) والأجسام والصور والصفات، كل أولئك حجب كثيرة تحول دون كشف الأسرار الإلهية. والحق الأعلى محجوب عن الناس جميعًا، اللهم إلا عن الأولياء وحدهم. وضد الحجاب الكشف، ويطلق على الحال الأولى القبض، كما يطلق على الحال الثانية البسط. ويثير الوجد ما يعترضه من عقبات فى المشاهدة. وقد استعيرت هذه العبارات من العارفين (Pistis Sophia فى E. de Faye: Gnostique et gnosticisme ١٩١٣ م، ص ٢٦٩). المصادر (١) على بن عثمان الجلابى الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون Nicholson فى مجموعة كب التذكارية، ص ٤٨، ١٤٩، ٣٢٥، ٣٧٤، ٤١٤. (٢) New Researches: Hirschfeld، into the Exegesis of the Qoran، ص ٤٣. [إيوار Cl. Huart] + الحجاب (من الفعل "حجب"): يستعمل للدلالة على كل ستر يوضع أمام شخص أو شئ ليحجبه عن الرؤية أو يعزله، وهو فى الطب غشاء يفصل بعض أجزاء من الجسم العضوى مثل "الحجاب الحاجز" أو "حجاب الجوف" (diaphragm)، و"الحجاب المسْتَبْطِن" (pleura) و"حجاب البكورية" أي البكارة (التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون؛ لسان العرب؛ Suppl.: Dozy).

стр. 3397

ولا نكاد نعلم شيئًا عن الاستعمال الجاهلى لهذا اللفظ، على أن القرآن، وإن ورد فيه هذا اللفظ سبع مرات، فإنَّه يزودنا بمعلومات قيمة عن معناه الأصلى والمجازى، كما يزودنا إلى حد ما بمعلومات قيمة عن تطوره. والحجاب فى القرآن يدل على الاعتزال: فهو الستر والستارة التى اعتزلت وراءها مريم أسرتها (سورة مريم، الآية ١٧)؛ ثمَّ هو أيضًا السكن المستقل (السكن الداخلى من بعد) الذى فرض على أزواج النبى [ ﷺ ] (سورة الأحزاب، الآية ٥٣؛ وانظر السورة نفسها الآية ٣٢، ٣٣) وقد تم هذا فيما يظهر بناء على مشورة عمر. ولسوف يفصل بين أصحاب الجنة وأصحاب النار يوم القيامة حجاب، فسره المفسرون بأنه سور وقد استنبطوا هذا التفسير من القرآن (سورة الواقعة، آية ١٣) "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ... " (سورة الشورى، الآية ٥١) وهو حجاب المقصود منه فيما يظهر حجب المصطفين عن النور المنبعث من وجه الله. والحجاب آخر الأمر هو نوع من الستر يحجب بالفعل (الشمس التى تتوارى وراء ستار الليل، سورة ص، الآية ٣٢) أو يحجب - بمعنى صوفى - الناس والأشياء. وهذا المعنى الأخير جدير بالالتفات خاصة. فالكافرون يقولون للرسول ... قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون" (سورة فصلت الآية ٥). وجاء فى القرآن "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا" (سورة الإسراء، الآية ٤٥)، ولا يتفق المفسرون فى تفسير معنى هذه العبارة. وقد رؤى أن هذا الحجاب إما أن يكون ستارًا محجوبًا بعث به الله ليخفى الرسول [ ﷺ ] عن أعين أولئك الذين سعوا إلى قتله (تفسير الجلالين) وأما حجابًا يطمس على المرتدين فيعجزون عن فهم ما تتلوه عليهم من القرآن (تفسير البيضاوى). وهذا التفسير الأخير يقارن بالآية ١٤ وما بعدها من سورة المطففين إذ جاء فيها أن المعتدين قد ران على قلوبهم ما يكسبون وأنهم عن ربهم لمحجوبون.

стр. 3398

وجاء فى حديث رواه أبو ذر أن الحجاب يستعمل مرادفًا لستار الموت، إذ روى عن الرسول ﵇ "أن الله يغفر للعبد ما لم يقع الحجاب. قيل: يا رسول الله وما الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهى مشركة ... ". وفى الإِسلام القديم والمعاصر يبدو أن الحجاب قد تطور فى أربعة اتجاهات مبتدئًا فى كثير من الأحيان من أسسه التى وردت فى القرآن. ١ - الحجاب الذى فرض أولا على زوجات الرسول ﵇ ثمَّ توسع فيه من بعد حتى شمل جميع النساء المسلمات الأحرار. وليس الحجاب هو الانتقال من الطفولة إلى البلوغ، ومن العزوبة إلى الزواج. والحق إن الأداة التى استخدمت فى تغطية الرأس والوجه قد عرفت عادة بالأسماء: "لثام" و"قناع" و"برقع" (Dict des: Dozy Vetements). على أن الحجاب إذ يدل أيضًا على القناع نفسه فإنه يشير بخاصة إلى نظامه. ويدل الشعر الجاهلى العربى على أن سنة الحجاب كانت مرعية من قبل مجئ النبى ﵇، ذلك أن الحجاب كان ميزة النساء من درجة خاصة، وكان يشار إليه بأسماء "نصيف" و"سِتْر" و"سجف" وغير ذلك (على الهاشمى: المرأة فى الشعر الجاهلى، ص ٧٩ - ٨٠، ١٤٦). ولعل آيتى القرآن اللتين أمرتا زوجات النبى [ ﷺ ] وبناته "يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .... " (سورة الأحزاب، الآية ٥٩) و"وقل للمؤمنات .... وليضربن بِخُمُرِهنَّ على جيوبهن .. " (سورة النور، الآية ٣١) ترجعان إلى السنة الخامسة للهجرة (ابن سعد: الطبقات، جـ ٨، ص ١٧٣ - ١٧). ومع ذلك فإن عائشة يقال إنها لبست الحجاب من وقت زواجها بالنبى ﵇ (الطبقات، جـ ٨، ص ٥٥) وقد حدث هذا الزواج فى شوال من السنة الأولى للهجرة (البلاذرى: أنساب الأشراف، جـ ١، ص ٤٠٣) ومن المحقق أن سُنْة الحجاب لم تكن مرعية فى المدينة إلا فى القليل النادر. ويبرر القرآن ذلك فى الواقع على

стр. 3399

أساس أن ذلك " ... أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ... " (سورة الأحزاب، الآية ٥٩). على أنَّه لما اتسعت رقعة الإِسلام انتشرت هذه السُنة بسرعة فى جزيرة العرب وغيرها من الأقطار. وقد التزمتها كل النساء فى الحضر، وخاصة النساء اللائى ينتمين إلى الطبقات الخلية. ولكن هذه السُنة لم تراعها كل المراعاة نساء البدو أو الفلاحات أو النساء العاملات. وارتداء الحجاب الذى هو عام فى الحضر حيث تطورت الحركات العقلية وانتشرت، أسهم إلى حد كبير فى إبقاء النساء المسلمات فى نوع من العزلة. على أنَّه حدث فى نهاية القرن التاسع عشر فى عهد الخديوى إسماعيل الذى أقام فى القاهرة حوالى سنة ١٢٩٥ هـ (١٨٧٣ م) أول مدرسة للبنات، أن هجر بعض النسوة المصريات الحجاب. غير أن النصير الحقيقى لحركة المرأة كان هو قاسم أمين. وقد استنكر فى كتابه "تحرير المرأة" الذى يتضح فيه أثر تفسير محمَّد عبده المتحرر للقرآن، إبقاء المرأة فى حالة خضوع، وقرر حقها فى التعلم ومع ذلك فإنَّه لم يطالب بإلغاء الحجاب كلية، وإنما اقترح ببساطة أنَّه يجب ألا يتمشى إلا مع فروض الدين الحقة. وقد قرر، وهو الفقيه، بأنه لا يوجد فى الشريعة الإِسلامية حقا نص يبرر استعمال الحجاب على النحو الذى كان شائع الاستعمال وقتذاك. وقد كان ذلك إيذانًا بفتح باب المعركة لتحرير المرأة، وعاد قاسم أمين إلى استئناف هجومه فى كتابه الآخر "المرأة الجديدة". وقد هز هذان الكتابان مصر وصدماها وثارت المشاعر حولهما وقاد طلعت حرب معارضة حركة قاسم أمين، وكتب فى الرد عليها كتابين طالب فيهما أيضًا باسم الدين الالتزام بالنظام القديم للتعليم. ومن الواضح أن النساء كانت فى صف قاسم أمين وقد قامت ملك حفنى ناصف - المعروفة أكثر باللقب باحثة البادية - بنشر نسائياته، وكتبت مى زيادة سلسلة من المقالات حول هذه المسألة وأهدتها إلى زميلتها. وفى سنة ١٩٢٥ ولدت الحركة النسائية المصرية، وقد نبذت رئيستها السيدة هدى شعراوى باشا الحجاب سنة ١٩٢٦، وائتست

стр. 3400

بذلك أعداد متزايدة من النساء الأخريات. ٢ - والحجاب يدل أيضًا على الستار الذى كان يحتجب وراءه الخلفاء والحكام عن أعين أهل بيتهم. وهذه السنة التى كانت فيما يظهر مجهولة عند السكان الأولين للحجاز، قد استنها فى الإِسلام الأمويون، ولعلهم فعلوا ذلك بتأثير الحضارة الفارسية. وهذا الحجاب يعرف أيضًا بالستارة والستر، ولكن السُنة هى هى، وقد تطورت آخر الأمر إلى نظام (يجب التمييز بينها وبين الحجابة التى تسمى فى بعض الأحيان أيضًا "حجاب" وهى تدل على منصب الحاجب). وفى رواية الكتاب المنحول للجاحظ أن معاوية ومعظم خلفائه كان يحجبهم عن آل بيتهم "ستارة" حتى لا يستطيع أحد من آل هذا البيت أن يرى أفعال الخليفة وهو تحت تأثير الخمر عاجزا عن أن يسيطر على نفسه (كتاب التاج = livre de la couronne Le، ترجمة Pellat، ص ٥٩). وكان سلوك الخلفاء العباسيين فى بعض الأحيان أقل من ذلك رصانة: فالأمين بخاصة كان يؤثر صحبة حاشيته وخاصته على الاعتكاف وراء حجاب (الكتاب نفسه: ص ٧٠). وقد أدخل هذا النظام فى بلاد الأندلس وشمالى إفريقية ومصر وأصبح هناك أكثر تعقيدًا إذ تطورت حياة البلاط، وخاصة عند الفاطميين. ويجب أن نذكر أنَّه بالرغم من أن هذا النظام كان هو هو عند الفاطميين الذين تأثروا كشأنهم بالآراء الشيعية فى طبيعة الإمام (انظر المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٤٥٦) فإنَّه يظهر أن النظام قد عززته اعتبارات أخرى وأنه قد استجاب لحاجات مختلفة. فالخليفة الذى يعد جوهر العقل الفعّال للعالم أصبح يكاد يكون المقصود بالعبادة. ومن أجل هذا كان من المنتظر منه أن يستتر بقدر الاستطاعة عن عيون أتباعه المخلصين الذين يحرمون لذلك من نور وجهه. وكان العامل المسئول فى القاهرة عن الستر يدعى "صاحب المجلس" (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٤٨٥؛ المقريزى: الخطط جـ ١، ص ٣٨٦). وهذه الوظيفة وظيفة مختلفة

стр. 3401

عن وظيفة صاحب الباب الذى يعادل رئيس التشريفات، وكان يسمى أيضًا "متولى الستر" (المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٤١١) و"صاحب الستر" (M.Canard: كتابه المذكور، ص ٣٧٤؛ ألف ليلة وليلة، جـ ١، ص ١٤٧، طبع المطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة ١٩٥٦). وكان هو كبير الخصيان، وكان يجمع فى بعض الأحيان بين وظيفة "صاحب الستر" ووظيفة الحاجب، أي التشريفاتى (M. Canard: كتابه المذكور، تعليق ٣٧٤) وكانت مهمته الخاصة فى الحفلات إخطار الوزير حين يجلس الخليفة على عرشه وأن يأمر مساعدَيْه برفع الستار التى تحجب الخليفة، ثمَّ يظهر الخليفة. جالسا على عرشه مواجها المدعوين. وإذا انتهى الحفل أسدلت الستار ثمَّ يعود الخليفة إلى مسكنه (القلقشندى: الكتاب المذكور، جـ ٣، ص ٤٩٩ وما بعدها). ويقام ستر أيضًا أمام باب قاعة الاحتفالات إذا شاء الخليفة أن يركب فى موكبه بمناسبة بدء السنة الجديدة. وينتظر الوزير ووجوه القوم فى الخارج قريبًا من الخليفة. وفى اللحظة المقررة ترفع الستار ويخرج الخليفة يتقدمه خصيانه ويركب جواده (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ١، ص ٥٠٦). وكان استعمال الحجاب شائعا فى احتفالات الفاطمين، واستعماله فى رمضان جدير بالذكر خاصة. ففى يوم الجمعة الثانى ويوم الجمعة الثالث ويوم الجمعة الرابع من هذا الشهر يؤم الخليفة المسجد. وحين يصل إلى المسجد يعتلى المنبر ويجلس تحت القبة، . ويصعد إليها الوزير بدعوة منه، ويدنو منه ويقبل أمام الملأ يديه وقدميه ويسدل الستائر. وهكذا يحتجب الخليفة كأنما هو فى "هودج". ثمَّ يتلو عظة قصيرة وبعد ذلك يرفع الوزير الأستار (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٥١١؛ المقريزى: كتابه المذكور، جـ ١، ص ٤٥١ وما بعدها). وفى يوم عيد الفطر يذكر القاضى بعد صلاة العيد أسماء وجوه القوم واحدًا واحدًا وهم الذين شرفوا بارتقاء الدرج وشغل الأماكن التى إلى يمين الخليفة وشماله. ويصدر الوزير إشارة فيحتجب كل

стр. 3402

مدعو ثمَّ يحتجب الخليفة أيضًا ويبدأ فى الحديث. وفى نهاية حديثه يرفع المدعوون أحجبتهم (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٥١٤). وفى الحفل الشيعى الذى يقام حزنا على مقتل الحسين يلقى الخليفة، وقد حجب وجهه وجلس على مقعد بلا وسادة، وجوه القوم الذين يكونون أيضًا محجبين (المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٤٣١). ويميز ابن خلدون بين عدة أنواع من الحجاب الذى تصطنعه الدولة بما يتناسب مع حاجتها المتطورة. وقد اصطنع أول حجاب حين نبذ الخليفة العادات الأولية، وأخذ يعتزل الناس ولا يسمح إلا لخاصته بولوج عتبة داره. وبنمو الدولة وتعقد أعمالها اصطنع "حجاب" آخر، وهذا الحجاب لا يسمح لأولئك الذين تمرسوا بعادات البلاط وآدابه بأن يكون لهم أية صلة بالسلطان، وكذلك أقام خاصة السلطان وبطانته حجابًا بينهم وبين الناس. ونجد أخيرًا حين اضمحلت الدولة، أن هؤلاء الوجوه الذين أقاموا على العرش ورثة الأسرة الحاكمة، قد أخذوا فى بعض الأحيان يسعون إلى الاستيلاء على مزايا السلطة، وهنالك يقيم الديكتاتور نفسه قيما على السلطان، ويعزله عن أسرته ومستشاريه بحاجب موهما إياه بأن هيبته تقتضى أن ينأى عنهم (ابن خلدون: المقدمة، جـ ٢، ص ١٠٠ - ١٠٣؛ ترجمة روزنتال، جـ ٢، ١١١ - ١١٥). ٣ - والحجاب فى نظر الصوفية "كل ما يستر المطلوب"، ومعناه انطباع الكونية فى القلب المانعة لقبول تجلى الحق (الجرجانى: التعريفات، ص ٨٦) وهو الحجاب بين المريد وبين مطلوبه وبين الرامى وهدفه. والمحجوب هو الذى أغلق قلبه دون النور الإلهى لأنَّ صحوه تهيمن عليه شهوته الحسية أو العقلية. وقد قال الحلاج إن حجاب المرء هو شهوته (Massignon: كتابه المذكور، ص ٦٩٩). والحق إن ثمة أسبابا كثيرة للحجاب. فما إن يزداد المرء التجاءً إلى الغذاء لتغذية ميوله الطبيعة قويت نفسه السفلى وانتشرت الشهوة غلابة فى جوارحه، وظهر فى كل عرق من عروقه نوع مختلف من

стр. 3403

الحجاب (الهجويرى: كشف المحجوب، ص ٣٢٥). وتحقيق الاتحاد الصوفى يعوقه على حد سواء المشاعر الباطنة التى تتركز فى النفس والعقل والروح. وحجاب النفس الشهوات والرغبات؛ وحجاب القلب الملاحظة فى غير الحق؛ وحجاب العقل وقوفه مع المعانى المعقولة (التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون جـ ١، ص ٢٧٦). وضد "الحجاب" الذى يتميز بالقبض هو "الكشف" ومعناه بالمقابلة "البسط". والقبض والبسط حالتان غير إراديتين لا يستطيع جهد إنسانى أن يحدثهما، أو يقضى عليهما، ذلك أنهما يأتيان من الله (الهجويرى: كتابه المذكور، ص ٣٧٤) على أنَّه حين تضعف النفس السفلى فلا تستطيع أن تتغلب على العقبات، وحين تنمحى الشهوة، فإن جميع الرغبات الفانية تنمحى بتجلى الحقيقة. وهنالك يتمزق الحجاب ويبلغ الذى يطلب الحق غاية مراده (الهجويرى: كتابه المذكور، ص ٣٢٥). ٤ - ونذكر آخر الأمر أن "الحجاب" هو الاعتزال الصوفى وهو اعتزال خارق للطبيعة ووقاء يسمو فوق مألوف هذا العالم، بل هو فى الحق "طلسم" يجعل حامله لا يصيبه شئ ويضمن النجاح لما يسعى إليه من أعمال. ويكتب "شيخ" أو "فقير" إشارات خفية وآيات قرآنية على صفحة من الورق يدفع بها إلى طالبها. وثمة اعتقاد فى التبرك بها وأن هذه الكتابات فعالة ولها القدرة على اجتذاب حب الأزواج، وشفاء المريض، وحبل العقيمات، بل يعتقد أن لها القدرة على حماية المرء من الرصاص. وهى تلبس حول الرقبة ويجب ألا تنزع قط (Moab: Jaussen، ص ٣٥، ٣٩١؛ ونجد هذا الاستعمال لكلمة حجاب قائمًا فى سورية وبين بدو النجف الذين كانوا حديثًا موضوع دراسة قام بها J. chel- hod) المصادر: عامة: (١) لسان العرب. (٢) Lane . (٣) Suppl.: Dozy. (٤) الكاتب نفسه: - Dict. des Vete .ments

стр. 3404

(٥) البخارى: صحيح القرآن، سورة الأحزاب الآية ٥٣. (٦) انظر أيضًا: البيضاوى والطبرى بشأن الآيات المذكورة فى صلب المادة ارتداء الحجاب. (٧) ابن سعد: الطبقات، طبعة صادر، بيروت سنة ١٩٥٧. (٨) البلاذرى: أنساب الأشراف، طبعة القاهرة سنة ١٩٥٩. (٩) على الهاشمى: المرأة فى الشعر الجاهلى، بغداد سنة ١٩٦٠. (١٠) قاسم أمين: تحرير المرأة، القاهرة سنة ١٨٩٩. (١١) باحثة البادية، القاهرة سنة ١٩٢٠. (١٢) la condition de la: M. Fahmy femme dans la tradition et l'Islamisme، باريس سنة ١٩١٣. (١٣) La: Doria Ragai (Shafik) femme et la droit religieux de l'Egypte contemporaine، باريس سنة ١٩٤٠. (١٤) Pardah: G. Vreede de stuers فى Revue des Etudes Islmiques, جـ ٣٠/ ١ (سنة ١٩٦٢) ص ١٥١ - ٢١٢ وانظر إلى ذلك مادة "مرأة". الحجاب السلطانى. (١٥) المقريزى: الخطط، بولاق سنة ١٢٧٠ هـ. (١٦) القلقشندى: صبح الأعشى، القاهرة سنة ١٩١٨. (١٧) الكتاب المنحول للجاحظ: التاج، ترجمة Le livre de la: Ch. Pellat couronne، باريس سنة ١٩٥٤. (١٨) ابن خلدون: المقدمة. (١٩) M. Canard: le ceremonial fat- imide et le ceremonial Byzantin فى Byz- antin، جـ ٢١، سنة ١٩٥١، ص ٣٥٥ - ٤٢٠. عند الصوفية (٢٠) الجرجانى: كتاب التعريفات، طبعة فلوكل ١٨٤٥. (٢١) الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون، لندن سنة ١٩١١. (٢٢) التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون، كلكتة سنة ١٨٦٢.

стр. 3405

(٢٣) Studies in Is-: R.A. Nicholson lamic Mysticism، سنة ١٩٢١. (٢٤) Passion de d'al: L. Massignon Hallaj . (٢٥) Introduction aux: T.Burchardt doctrines isoteriques de I'Islam, سنة ١٩٥٥. (٢٦) عبد الرزاق: المصطلحات: من الناحية السلالية: (٢٧) Coutumes des: A.Jaussen Arabes au pays de Moab، الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٤٨. (٢٨) Surnaturel et gueri-: J. Chelhod son dans le Neguev فى Objets et Mondes، جـ ٥/ ٣ سنة ١٩٦٥. خورشيد [شلهود J. Chelhod] الحجاز صقع فى جزيرة العرب على بحر القلزم (البحر الأحمر) ليس له حدود معينة، وإن كنا نفهم هذه الحدود من فورنا إذا تدبرنا معنى اللفظ "حجاز"، وهو يطلق فى الخطط عند العرب على جبال السراة التى تفصل المرتفعات (نجد) عن السواحل المنبسطة (تهامة). والحجاز بوصفة اسم ناحية يقتصر على ذلك القسم من الساحل الغربى الذى لا يدخل فى اليمن، أو هو - إذا تحرينا المزيد من الدقة - الأرض الممتدة على بحر القلزم من عَكْرَة إلى اللّيْث وما يناوحها. ولا تدخل نجاد عسير فى الجنوب ولا بلاد مدين القديمة وحِسْمى فى الشمال فى الحجاز بمعناه الصحيح، وإن غلب إدخالها فيه وكان الحجاز فى النظام الإدارى التركى ولاية قصبتها مكة، وقسمت هذه الولاية ثلاثة سناجق: مكة والمدينة وجدة. وهذا النظام مفيد لأنه يحدد منطقة الحجاز عينه ولو أنه لم ينفذ قط تفصيلا. وظلت النظم الإدارية والقائمون عليها موجودة على الورق فقط. على أن الباب العالى جعل سنجق المدينة متصرفية مستقلة يحكمها شيخ الحرم ومحافظ، وهو قائد الجند الترك. والحجاز قسمان مختلفان أشد الاختلاف: القسم الساحلى (تهامة) وهو منبسط ممحل حار؛ والقسم الذى

стр. 3406

يناوحه وهو جبلى؛ أما فى تهامة؛ وتكاد تكون خالية من الزرع لعدم وجود وديان كبيرة فى هذا الجزء من جزيرة العرب، فإن منازلها على الساحل اللهم إلا مكة التى تدين بوجودها للأماكن المقدسة القائمة فيها مثل بئر زمزم. وليس فى ساحل الحجاز مرافئ جيدة بالنسبة لكثرة آكام المرجان المكتنفة له، وإنما تقوم عليه مراس أمينة على تفاوت فى ذلك، وكانت السفن الصغيرة تخلد إليها فى الأزمنة القديمة أكثر مما تفعل اليوم. وأقفرت بعض هذه المراسى الآن مثل ليوككوم Leukekome - وقد تعَّرف عليها شبرنكر فقال إنها عين الحوراء - والجار بصفة خاصة، فقد ازدهرتا وأصبحتا مدينتين هامتين لنزول الحجيج فيهما. وسكان الحجاز قلة ومعاشهم بصفة عامة على السمك. وثمت أراض خصبة فى المنطقة الجبلية المناوحة للساحل مثل ناحية المدينة البركانية وواحة الطائف الجميلة بصفة خاصة، وكانت الطائف منذ القدم مصيفًا محببًا إلى قلوب أعيان مكة لكثرة فاكهتها وطيب هوائها. أما التلال نفسها (جبل كرى شرقى مكة) فتبلغ فى الارتفاع ما بين ٦٠٠٠ و ٦٥٠٠ قدم. وأعلاها تلال الطائف (٦١٦٨ قدما) وجبل رَضْوى غربى المدينة (٥٩٠٠ قدم). ولا تغل هذه المناطق شيئًا له قيمة اللهم إلا البلح. ولو لم يلجأ السكان إلى استيراد ما يكفيهم من أوربا ومصر والهند لما قامت هذه البلاد بأودهم، أما صادراتها فليست بذات غناء. وترجع قيمة الحجاز الحقيقية إلى البلدين المقدسين مكة والمدينة. ولهما مكانة خاصة فى العالم الإسلامى، وسنتناول هذه المكانة فى مواد خاصة. وقد ذكر جغرافيو العرب بلادًا أخرى فيها خلا المدن الساحلية والطائف التى ذكرناها آنفًا وهى: قَرْح، وخَيْبَر والمَرْوَة، والحوراء، والسُقْيا، والعويند، والجُحْفة، والعشيرة، ثمَّ ذكروا بلادًا أقل أهمية من هذه مثل بدر وخُلَيْص، وأمَج، والحِجْر والسُوَارْقية، والفُرع، والسيرة وجبلة ومهايع وحاذة. وثمت

стр. 3407

عدد آخر لا يستهان به من بلاد ترجع شهرتها إلى أن الإِسلام وجدها قد برئت من أن تكون أماكن للعبادات القديمة فقدسها إما لحادث تاريخى، وإما لأنه جعل منها حرما كمكة، ومن لغو القول أن نعددها هنا. ذلك أنَّه كلما وجد لها القارئ شأنًا لأسباب دينية فيمكنه أن يجد الكلام عنها فى مادتى مكة والمدينة أو المواد الخاصة. وسكان الحجاز بدو من الأعراب اللهم إلا فى المدن الكبيرة حيث اختلطت بدماءهم دماء أخرى على تفاوت فى ذلك وخاصة فى جدة وأقل منها مكة نفسها. ولأسماء القبائل العربية القديمة كثمود والأوس والخزرج فى المدينة، وقريش فى مكة، مكانها فى التاريخ، أما ثقيف وهُذَيل فما زالوا يعرفون بأنهم سكان الطائف وجنوبى الحجاز. ونذكر أيضًا بَلِىّ وجهينة وسُلَيْم وهُتَيْم وحرب. وقد فقدت شتى طرق الحجيج التى تلتقى فى مكة معظم ما كان لها من شأن لازدياد المراكب البخارية، فقد حملت هذه المراكب معظم الحجاج الذين يسافرون عن طريق جدة، وسيهجر الناس هذه الطرق أكثر وأكثر عندما تصل سكة الحديد التى تجرى الآن بين دمشق والمدينة إلى مكة (انظر Die mekkabahn: M. Hartmann في، Orient Litteraturzeintung، ١٩٠٨ م، ص ١ وما بعدها) وتاريخ الحجاز هو تاريخ مكة والمدينة ومن ثمَّ نحيل القارئ على هاتين المادتين. المصادر: (١) انظر ما ذكر فى مادة جزيرة العرب عن المؤلفات الجغرافية التى كتبت فى جزيرة العرب وانظر أيضًا مصادر مادتى مكة والمدينة. (٢) ونذكر من المراجع الدينية البتنونى: الرحلة الحجازية، القاهرة سنة ١٣٢٩ هـ. (٣) عبد المحسن: الرحلة اليمنية لصاحب الدولة حسين باشا أمير مكة، القاهرة سنة ١٣٠٠ هـ. (٤) Le Berceau de I'Is-: Lammens lam ص ٩ وما بعدها.

стр. 3408

+ الحجاز: مولد الإِسلام ولا يزال هو المركز الروحى لهذا الدين، وهو الجزء الشمالى الغربى لشبه جزيرة العرب. والحجاز من حيث هو المكان الذى تقوم فيه الكعبة، ومن حيث هو موطن النبى محمَّد ﵇، ومنزل الوحى الذى نزل عليه وقصبة الإقليم الذى كانت فيه الدولة الإِسلامية الأولى، يعد فى نظر المسلمين مثل "البلاد المقدسة" وفلسطين فى نظر اليهود والمسيحيين. والحق إن المسلمين أكثر غيرة على الحفاظ على حرمة مزاراتهم الكبرى. فالمناطق المحيطة بمكة والمدينة المنورة حرم لا يسمح بدخوله إلا للمسلمين، وما أكثر ما فرضت القيود على دخول غير المسلمين فى غير ذلك من أجزاء الحجاز. وعلى حين تتفق المراجع العربية بصفة عامة على أن الحجاز معناه "الحاجز" فإنها تختلف فى تفسير استعماله. وأشيع الآراء هو أن الحجاز هو سلسلة جبال السراة التى تفصل أسافل الغور أو تهامة على بحر القلزم عن هضاب نجد فى الداخل. وثمة رأى آخر يقول إن الحاجز يقوم بين الشام فى الشمال واليمن فى الجنوب، وقد أظهر البحث الجيولوجى الحديث بأن جبال هذين الصعقين تقوم وراء الدرع العربى الذى تنتمى إليه جبال السراة. وفكرة الحجاز من حيث هو مانع جاءت أيضًا من أن الكثير من أرضه مغطى بحَرّات التى تجعله "حجاز أسود". ومن أشهر الحرّات فى صدر الإِسلام ليلى، وواقِم، والنار، وبنو سُلَيم. ويقتضى الأمر القيام ببحث آخر لتحقيق هذه الحرات وضبط صيغ الأسماء الحديثة. وقد علم كاتب هذه المادة فى زيارة له لتبوك مثلا أن الحرات التى تقوم إلى الجنوب فيها تسمى "الرهات" (والحركات غير محققة) وعُوَيْرِض، وليست الرَحَى والعُوَيرض كما يردان كثيرًا على الخرائط. وليس ثمة اتفاق جوهرى فى تعيين الحدود الجغرافية للحجاز: ومع أن تهامة، إذا شئنا الدقة، ليست جزءًا من الحجاز فإنها كثيرًا ما تعد داخلة فيه. وقد سميت مكة فى التلال تهاميَّة،

стр. 3409

والمدينة نصف تهامية ونصف حجازية. وفى الشرق تمتد رقعة الحجاز أحيانًا حتى فَيْد بالقرب من أجأ وسلمى، ولكن هذا تفسير مشتط، شأنه شأن التفسير الذى يجعل الحجاز يمتد شمالا فيدخل فى فلسطين. وأكثر الروايات تحديدًا عن حده الشمالى تخرج مدين وحسمى فى الأرض المناوحة لها حسمى من الحجاز. وفى الجنوب كان الحجاز فى زمن من الأزمان يساير اليمن، ولكن الذى حدث فى الأزمنة الحديثة أن عسير كانت تقوم بين الاثنين. والحجاز، كما بحث فى هذه المادة، يطابق بصفة عامة المديرية الغربية للمملكة العربية السعودية الحديثة. ويمكن تقسيم الحجاز تلبية لأغراض الوصف إلى ثلاثة أجزاء: الشمالى، والأوسط والجنوبى. والجزء الأوسط، وهو أهم الأجزاء بالنسبة لتاريخ الإِسلام، سنتناوله أولا. ويمكن القول بأن هذا الجزء الأوسط تحده من الجنوب الأراضى القائمة فى جوار الطائف ومكة وجدة وتحده من الشمال الأراضى القائمة فى جوار المدينة وينبع. ومن حافة المدينة تمتد حرة مترامية الأطراف تساير جبال السراة حوالى ٣٠٠ كيلومتر حتى تكاد تبلغ مكة. وكان الطريق القديم من الطائف يسير شمالا إلى وادى "النخلة اليمانية" ثمَّ يهبط منها سائرًا تجاه مكة. وكان يقوم فى هذا الوادى "قرن المنازل" وهو الميقات الأولى للحجاج من جنوبى نجد وعمان. و"الميقات" الحالى مكان يعرف بالسيل الكبير فى الوادى نفسه. وكانت تقوم فى "النخلة الشامية" ذات عرق، وهى الميقات للحجاج القادمين من شمالى نجد والعراق مارين بدرب زبَيْدة، وهو الطريق الذى زودته زوجة هارون الرشيد بالصهاريج وغير ذلك من أسباب الراحة. وكثيرًا ما تذكر ذات عرق حدًا للحجاز فى هذا الاتجاه. ويلتف الآن طريق عام مرصوف حول الجبال من الطائف إلى مكة مباشرة، ومن ثمَّ يستطاع تفادى العقدة التى إلى الشمال. وتصب النخلتان، اللتان يكتفى اليوم بتسميتهما اليمانية والشامية، فى

стр. 3410

وادى فاطمة (يعرف فى الزمن القديم بمر الظهران) وهو المهد الخصيب الذى يقطعه الطريق من مكة إلى جدّة. وكان المسافرون من مكة إلى المدينة، فى جميع المراحل من تاريخ الإِسلام، لهم الخيار فى سلوك طريقين: الأول يساير الساحل (الطريق أو الدرب السلطانى)، والآخر الذى يسير إلى الشرق من الحرة الكبرى (الطريق أو الدرب الشرقى) مع بعض تغييرات فى سير الرحلة كل عام. والذى حدث قبل دخول السيارات ذات المحركات أن الذين جروا على اختيار الطريق السلطانى كانوا يجاوزون جدَّة توفيرًا للوقت. وعلى مسيرة ثلاث ساعات من مكة كان يقوم المسجد الذى فيه القبر المقبب لآخر زوجات النبى ﷺ "ميمونة" فى سِرِف حيث بنى بها الرسول ﷺ . وكان الطريق شمالى وادى فاطمة يسير مارًا بُعسْفان مشهد غزوة الرسول لأفراد قبيلة لِحْيان. ثمَّ يقطع الطريق منطقة خُلَيْص المزورعة التى ترتد مسافة ما من الساحل. وغير بعيد وراء القَضيمة يرى بحر القلزم. وتعد رابغ ثغرًا إلا أنَّه ليس فيها ميناء بالمعنى المفهوم، وكانت السفن ترسو على مسافة بعيدة من الساحل وتبعث ببضائعها للقوارب المحلية. وكانت رابغ ميقاتا للحجاج القادمين من الشام ومصر والمغرب، ولذلك حلت محل القرية الخربة الجُحْفَة التى تقوم فى واد يبلغ البحر جنوبى رابغ مباشرة والحجاج الذين يهبطون إلى البحر الأحمر يحرمون حين تمر سفينتهم برابغ. ويقوم شمالى رابغ القبر المشهور لأم الرسول ﷺ آمنة، فى الأبواء واسمها الآن الخُرَيْبَة. وتخرج طرق فرعية من رابغ وتسير شمالا مارة بجبال المدينة، وتهيئ أسبابًا للاتصال مباشرة وأكثر صعوبة من الطريق السلطانى الذى يستمر مسايرًا للساحل. ومن ثغر مستورة يمتد طريق بديل يعرف باسم "الملف" وهو ينثنى إلى الداخل، ولكن الطريق الرئيسى لا يفعل ذلك حتى يبلغ بدر حنين حيث أذل الرسول ﷺ قريشًا فى ساحة القتال. أما الطريق من ينبع التى حلت محل الجار باعتبارها الثغر

стр. 3411

الرئيسى للمدينة، فإنَّه سيتصل بالطريق الآتى من الجنوب عند بدر، وهنالك يعتلى الطريق السلطانى وادى الصفراء تجاه المدينة. وفى هذا الوادى أحرز عبد الله بن سعود صاحب نجد نصرًا مشهودًا على أحمد طوسون وجيشه القادم من مصر سنة ١٢٢٦ هـ (١٨١١ م) ويربط الآن شارع عام مرصوف بالأسفلت مكة والمدينة ومارًا بجدة ورابغ وبدر، ومن ثمَّ أصبح من الأسهل والأسرع ألا يتخذ المرء الطرق المباشرة المارة بعسفان والممرات الجبلية القائمة أقصى من ذلك شمالا. والمجرى المألوف للطريق الشرقى يسير شمالا هابطًا عقيق ذات عِرقْ. وهو يمر فى بعض الأحيان بالواحتين القديمتين الحاذة وصُفَيْنَة على الحافة الشرقية للحرة، ويمر فى أحيان أخرى إلى الشرق منهما بقليل. أما واحة "السُوَارقية" (حديثًا "السويرقية") التى تقوم أيضًا على الحافة الشرقية للحرة، فهى تقوم بعيدًا عن الطريق. وشمالى المنجم الحديث مهد الذهب، وهو مهجور الآن، يمضى الطريق الشرقى مسافة أسفل واد آخر يعرف باسم العقيق جنوبى شرق المدينة، وهو مختلف عن الوادى المبارك، وادى العقيق غربى المدينة. وينشعب الطريق الرئيسى من المدينة إلى نجد بعيد واحة "الحَناكِيّة"، فيستمر فرع مشرّقًا إلى القاسم، ويتجه الآخر شمالا إلى حائل. أما الطريق الرئيسى المشرّق من مكة (درب الحجاز) فهو يسير الآن من السيل الكبير مارًا بالقاعية والدوادمى إلى الرياض، حالا محلَ طريق الحجج القديم المار بالقنصلية والقُوَيْعِيَّة. والقسم الشمالى من الحجاز يمكن اعتباره امتدادا إلى الحد بين العربية السعودية والأردن، وهو يخرج من نقطة جنوبى القصبة ويعبر سلسلة جبال الطُبَيق. ومن الثغور الصغيرة نذكر حَقْل، ومَقْنَى على خليج العقبة، والمُوَيْلح، وضَبَى، والوجه، وأمْلَج (ورسَمها غير محقق) على البحر الأحمر. ويخرج من الوجه دروب تقطع الجبال لتلتقى بالطريق الداخلى العام عند العلا أو بالقرب منها.

стр. 3412

وفى القرن الماضى كانت الحركة التجارية فى الجزء الشمالى من الحجاز على أشدها فى الطرق الممتدة شرقى السراة، وأولها طريق الحجاج الشامى القديم الذى كان يمر بتبوك والعُلا ثمَّ طريق سكة حديد الحجاز التى كانت تساير فى معظم الأماكن طريق الحجاج مسايرة دقيقة. وقد تخربت السكة الحديدية فى الحرب العالمية الأولى، ولم تبدأ إعادة إنشائها إلا سنة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٤). وفى هذه الأثناء أقيم طريق عام مرصوف شمالا من المدينة إلى تبوك والحد الأردنى. ويمر هذا الطريق العام بخيبر وتيماء اللتين تقومان على مسافة كبيرة شرقى طريق الحجاج والسكة الحديدية. والجزء الجنوبى من الحجاز فيه جبال أكثر ارتفاعًا، ومطرًا أشد، وزراعة أكثف من الجزءين. وثمة طريق يسير موزايًا الساحل من جدة مارًا بثغور الليث، والقنفذة وحلى (حلى بن يعقوب) إلى القَحْمَة وهى تعد الآن بداية تهامة عسير. والأجزاء السفلى من الوديان التى تصب فى تجاه البحر تهيئ للزراعة مناطق طيبة. وثمة طريق هضبى من الطائف ويؤدى إلى واحة الخُرْمَة على الجانب الأقصى لسلسلة جبال حضن (كثيرًا ما تذكر هذه الجبال على اعتبار أنها حد الحجاز فى هذه الأنحاء). وهناك طريق هضبى آخر يربط الطائف بتُرَبَة (بضم التاء وفتحها)، وهو يمتد أيضًا على الجانب الآخر من حضن؛ وطريق ثالث يتخذ مسيرًا مباشرًا أكثر إلى بيشة التى تقوم وراءها "تثليث" على الطرف الجنوبى الشرقى للحجاز. والمسافرون المشرّقون يتخذون دروبا من مناطق الحدود إلى الرياض، ووادى دَوَاسِر وغير ذلك من الأماكن فى نجد. وفى الهضاب تتركز الزراعة فى الواحات الشرقية وعلى طول قنة السراة. وقد بينا فى خريطة مادة القبائل الكبرى فى الحجاز أيام الرسول ﵇، علاوة على قريش فى مكة والأوس والخزرج فى المدينة. وهذه القبائل الثلاث قد اختفت منذ زمن طويل من الحجاز من حيث هى مجموعات قبلية هامة، واندمج أفرادها فى الجماعات الإِسلامية الأوسع منها.

стр. 3413

وقد أصبح سكان مكة والمدينة وجدة من جميع الأجناس، وكثير من غير العرب يسكنونها، وتأخذ أهمية الارتباطات القبلية فى الانحسار. وقد ظلت بقايا متناثرة من قريش فى الحجاز، ومعظمها قبائل أو عشائر صغيرة تزعم أن نسبها يرتفع إلى النبى ﵇، واصطنع بعضها الحياة البدوية. وكانت قريش أم السلاطين والدول، منها خرج الخلفاء الراشدون، وعبد الله بن الزبير، والأمويون، والعباسيون، وعدد من بيوت الحكم الصغرى فى الحجاز نفسها، وأبرز هؤلاء القرشيين الهاشمية بمكة .. ومن أخلاف قريش الآخرين البارزين فى الحجاز بنو شيبة سدنة الكعبة الوراثيين. ولم يرد فى هذه الخريطة أيضًا ذكر للقبائل اليهودية الثلاث فى منطقة المدينة وهى بنو قَيْنُقاع وبنو قُرَيْظَة، وبنو النَضيِر، وقد اندثرت هذه القبائل جميعًا ولم يعد لها أى أثر. ومن الجزء الأوسط للحجاز نجد أن قبيلتى سُلَيْم وهلال، وهى فرع من هوازن، قد اشتركتا فى هجرة البدو الحاشدة إلى مصر ومنها إلى المغرب فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). وقد حلت محلهما حرب وهى القبيلة الغالبة فى المنطقة القائمة بين مكة والمدينة. ولا تزال توجد فى جوار مكة والطائف أربع قبائل قديمة هى: هُذَيْل التى خرج من بين صفوفها طائفة من الشعراء؛ وثقيف، وهم سادة الطائف الأولين؛ وفَهْم، قبيلة قاطع الطريق تأبط شرَّا؛ وسعد بن بكر، وهى القبيلة التى روى أنها هى التى نشَّأت محمدًا ﷺ حين كان فى حضن حليمة ومن القبائل الأحدث قبيلة الجحادلة التى تسكن على طول الساحل جنوبى جدة، وقبيلة عدوان فى الجبال القائمة جنوبى الطائف، وقد لعب شيخها عثمان المضائفى دورا هاما فى الصراع الذى نشب بين شريف مكة غالب وبيت سعود ومحمد على والى مصر فى مستهل القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادى).

стр. 3414

وفى الجزء الشمالى من الحجاز اختفت قبيلتا عُذرْةَ وجُذام وقد احتلت منازلهما الآن بصفة عامة الحُوَيْطات تجاه الساحل وبنو عطية فى الداخل. أما فزارة وسعد هُذيَم فقد انفرط عقدهما، ولكن بَلىِ وجهينة فى الهضاب بقيتا زاهرتين تعتمد الأولى على الوجه والثانية على ينبع. وأما القبائل التى ظهرت على الخريطة منسوبة إلى الجزء الجنوبى من الحجاز فقد درست وحلت محلها الأحلاف الكبرى لزهران وغامد فى الهضاب وعدد آخر من القبائل فى جوارها وفى تهامة. وتحتل مناطق الحدود بين الحجاز ونجد عناصر من القبائل الحديثة، قبائل مُطَيرْ؛ وعُتَيْبَة، والبُقوم، وسُبَيْع وقد حلت هذه القبائل محل بعض الجماعات القبلية القديمة مثل غطفان وهوازن. وتقوم فى الجنوب الأقصى القبيلة التى تحمل الاسم العتيق قحطان. ولما كان تاريخ الحجاز مرتبطا أوثق الارتباط بتاريخ مكة والمدينة وغيرها من الأماكن الكثيرة والقبائل المختلفة التى اسلفنا الإشارة إليها، فإننا لا نعود إلى التحدث عنها فى هذا المقام. وحسبنا أن نذكر أن الحجاز كان من أقدم الأزمان الاسم الرسمى لدولة مستقلة وظل هذا شأنه إلى أقل من عشر سنوات مضت فى عهد الملك حسين بن على من سنة ١٣٣٤ هـ (١٩١٦ م) إلى سنة ١٣٤٣ هـ (١٩٢٤ م) وهنالك أصبح الحجاز بأسره منذ سنة ١٣٤٤ (١٩٢٥ م) من أملاك البيت السعودى. والحجاز فى غالب أزمانه أرض فقيرة؛ وهو الآن من جميع الوجوه مقبل على أوقات أزهى وأكثر إشراقا. والقبائل السلابة التى جعلت الحج بالبر طوال عدة قرون أمرا محفوفا بالمخاطر، قد كبح جماحها الآن، ووضع حد للنزاع المتصل بين بعضها وبعض، وقد أدخلت على البلاد إصلاحات بارزة فى المواصلات برا وبحرا وجوا، وعقدت بينها وبين العالم الخارجى صلات أوثق. وأتاح الرقى بالتعليم والصحة العامة وغير ذلك من الميادين، لكثير من

стр. 3415

السكان حياة أيسر. وقد خلّصت الموارد التى تجنيها الحكومة العربية السعودية من صناعة البترول الحجاز من اعتماده السابق على معونة المسلمين التى كانت تأتيه من خارج البلاد. المصادر: (١) انظر مصادر مواد "العرب، جزيرة" و"مكة" و"المدينة" (٢) وتخطيط أرض الحجاز قد رصد فى دقة كبيرة على الخرائط التفصيلية (مقياس الرسم: ٥٠٠,٠٠٠٠١) التى نشرتها المساحة الجيولوجية للولايات المتحدة. وقد ذكرت أسماء القبائل بالحروف العربية واللاتينية، ولكن مقياس الدقة بالنسبة لهذه الأسماء لا يرتفع إلى مستوى التخطيط، والمناطق التى تناولناها فى هذه المادة تشملها الخرائط الجغرافية ١ - ٢٠٠ ب، ١ - ٢٠٤ ب، ١ - ٢٠٥ ب، و ١ - ٢١٠ ب، ١ - ٢١١ ب، ١ - ٢١٦ ب، ١ - ٢١٧ ب فى السلاسل التى عنوانها " Miscellaneous Geologic Investigations"، وهناك خرائط جيولوجية خاصة بالمطلوب. والمعلومات الواردة فى الخرائط التى مقياس رسمها ١: ٥٠٠,٠٠٠ قد لخصت فى خريطة عن شبه جزيرة العرب مقياس رسمها ١: ٢,٠٠٠,٠٠٠) أصدرت بالإنكليزية والعربية على يد USGS (الطبعة الثانية سنة ١٩٦٣). خورشيد [رنتز G.Rentz] + " الحجاز، سكة حديد": واحد من المشروعين الكبيرين للسكة الحديدية فى عهد عبد الحميد الثانى (الآخر هو سكة حديد بغداد)؛ وكان الغرض الظاهر من إنشاء سكة حديد الحجاز تيسير الحج بإقامة سكة حديدية بين دمشق ومكة والمدينة، وقد استغل إنشاؤها لتأييد سياسيات الجامعة الإِسلامية والدعوة للسلطان. وقد حققت غرضًا آخر أدخل فى الاستراتيجية العملية والأهداف العسكرية وهو نقل الجنود إلى ولايات الدولة العثمانية التى كثيرًا ما كان يثور فيها الشغب والاضطرابات ومن ثمَّ يمكن الهيمنة عليها هيمنة فعالة؛ وقد استمر التفكير فى هذا المشروع أمدًا طويلا. وفى مايو سنة ١٩٠٠ أصدر

стр. 3416

السلطان "إرادة" شاهانية بإنشاء لجنتى إشراف لجنة فى إستانبول برئاسة عزت باشا وهو دمشقى كان رجلا من رجالات البلاط، ولجنة أخرى تنفيذية فى دمشق برياسة والى الشام. وفى هذه الأثناء تبرع عبد الحميد بمبلغ ٥٠,٠٠٠ جنيه تركى ولجأ إلى جميع المسلمين فى أنحاء المعمورة للمساهمة فى تنفيذ هذا المشروع؛ ولكن لم تكن جميع التبرعات اختيارية، فقد أمر عمال الدولة العثمانية العسكريين والمدنيين بالإسهام بجزء من رواتبهم كما فرضت تمغة خاصة على جميع الطبقات والملل. وقد حققت الموازنة بصفة عامة فائضًا، ولم يعان المشروع قط عجزا في تمويله. ودخل فى المشروع خط فرعى من درعة إلى حيفا، وأعطى امتيازه إلى بيت تجارى انكليزى سنة ١٨٩٠، ولكن هذا البيت عجز عن إتمام المشروع. وقد اشترت وكالة الحجاز الأميال القليلة التى مدها فعلا هذا البيت التجارى من الخط كما اشترت أدوات التشييد، وأعدت أيضًا خطة فرعين آخرين، أحدهما من الزرقاء إلى مناجم الفوسفات القائمة قرب الصلت والآخر من معان إلى العقبة (وقد تخلى عن هذا الخط من بعد سنة ١٩٠٥ نتيجة للنزاع الذى قام على الحدود بين مصر وتركية). وفى سنة ١٩٠١ استغنى عن خدمات لابلا La Bella المهندس الإيطالى الذى وكلت إليه فى الأصل أعمال التشييد، وحل محله المهندس الألمانى ميسر Meissner وتحت إرشاده تمت أعمال التشييد، ولو أنَّه لم يستخدم فيما وراء العُلا إلا مهندسين مسلمين. وقد مسح الخط بين دمشق والمدينة على يد مختار بك وهو مهندس تركى، وقد تتبع هذا الخط بصفة عامة طريق الحجاج والقوافل القديم، ولم يحد عنه إلا فى بعض الأحيان لتحاشى التلال والأرض غير الصالحة. وإنشاء هذا الخط فى صقع يكاد يخلو من الماء قد وصفه وصفًا حيا لورنس (- T. E. Law Seven Pillars of Wisdom: rence) فقال عنه إنه منطقة "الشموس الحاشدة" و"الرياح الوبيئة" حيث تكون هجمات الزحار لعنة ملحة، وهذا هو العمل الخطير. وكان التزود بالماء هو أكبر

стр. 3417

عقبة، وقد أمكن التغلب على بعضها بحفر آبار وإدارتها بمضخات بخارية أو طواحين هواء أو يحمل الماء فى صهاريج السكة الحديدية. وقد قامت عقبات هندسية كبيرة واجهها القائمون على المشروع قرب عَمّان بمنحدراتها الوعرة (حيث لا مناص من أن يرفع القطار وهو يصعد إلى كسر فى قطاعين) وقرب العقبة الحجازية حيث يبلغ الخط ارتفاعا يربى على ٣,٧٠٠ قدم فوق مستوى البحر ثمَّ يهبط بعد ذلك مباشرة فى ثنيات حادة ببطن الجبل الوعر المعروف ببطن الغول. وقد أمكن التشييد باستخدام الجنود، فقد استعين فى ذلك بثلاث سرايا من الجنود النظامين وسريتين أدخلا فى الخدمة بالقرعة، فبلغ عدد هذه السريات ٥٦٥٠ جنديا منحوا علاوة خاصة نظير عملهم. وانحصر عمل هؤلاء الجنود فى القيام بدور الفعلة فى السكة الحديد ومد الطريق الدائم على حين وكل العمل الأصعب مثل إنشاء الجسور ومبانى المحطات والمصارف والأنفاق إلى الإيطاليين واليونان وأهل الجبل الأسود. وبلغت نقطة تموين المنشآت الحديدية الزرقاء (٢٠٣ كيلو مترات من دمشق) سنة ١٩٠٢، وقطرانة (٣٢٦ كيلو مترا) سنة ١٩٠٣، ومعان (٤٥٩ كيلو مترا) سنة ١٩٠٤، وذات الحج (٦١٠ كيلو مترات) سنة ١٩٠٦، والعُلا (٩٣٣ كيلو مترا) سنة ١٩٠٧، والمدينة (١٣٢٠ كيلو مترا) سنة ١٩٠٨. وقد تم قطاع درعة حيفا (١٠٦ كيلو مترًا) سنة ١٩٠٥. وبلغت تكاليف السكة الحديدية حوال ٤,٠٠٠,٠٠٠ جنيه إنكليزى بما فى ذلك ثمن العربات والقطر وغير ذلك من المتحركات التى تسير على القضبان وإنشاء المبانى اللازمة (تقارير القناصل). وبين سنتى ١٩٠٤ و ١٩١٧ مد قطاع درعة حيفا إلى بُصْرى، وأضيف إلى ذلك فروع من عكا إلى بلد الشيخ (١٧ كليو مترا) ومن عَفولة إلى اللد (١٠٠ كيلو متر)، ومن وادى السور إلى العوجاء (١٥٥ كيلو مترًا)، ومن التين إلى بيت هَنُم (٣٩ كيلو مترًا، Syria and Pal-: Foreign Office Handbook

стр. 3418

estine، لندن سنة ١٩٢٠، ص ٦٩). ومد الخط الرئيسى (دمشق - المدينة، ودرعة - حيفا) بمعدل ١٨٢ كيلو مترًا سنويا فى المتوسط، وهى سرعة فى التقدم لم يبلغها مد سكة حديد الأناضول نفسها، وكان هذا أسرع ما حدث فى تاريخ خطوط السكة الحديدية العثمانية. وقد اشتريت كل الأدوات اللازمة للمشروع من الخارج فيما عدا بعض عربات صنعت فى دار الصنعة البحرية. ووردت البيوت التجارية البلجيكية والألمانية والأمريكية القضبان والعوارض الخشبية، واقتصر توريد المتحركات على البيوت التجارية البلجيكية والألمانية فحسب. وقد حدد طول القطر بصفة عامة بمقدار ما تستطيع القاطرة البخارية ان تجر على المنحدرات الوعرة لوديان عَمّان واليرموك، وكانت تستخدم فى الأصل الكماحات اليدوية ولكن طريقة هاردى الخاصة بالكماحات الذاتية استخدمت (تقارير القناصل) وكانت مسافة الاتساع ١,٠٥ مترا ولم يكن مقدار حمولة السكة الحديد كبيرة قط، وكانت تنقص كثيرًا بمقدار الحاجة إلى حمل زاد من الخشب (كان الفحم يستخدم وقودا فى الأصل) والماء فى كل قطار. وقد قامت مشكلة إضافية هى أن أنابيب الغلى كانت تتلف فى كثير من الأحوال بفعل المعادن التى تحتويها مياه الصحراء. ونشأ عن هذا سنة ١٩١٤ ما جاء فى التقارير من أن خمس عشرة قاطرة بخارية فحسب كانت هى الصالحة للاستعمال (- Admiralty Hand Arabia: book، لندن سنة ١٩١٧، جـ ٢، ص ٣٧ - ٤١). ولم يكن يستخدم السكة الحديدية من الحجاج إلا نسبة صغيرة بلغت نحوا من ١٦,٠٠٠ حاج فى السنة، والأغلب الأعم منهم كانوا من الشآميين والأكراد، ذلك أن معظم حركة الحجاج كانت تمر بجدة، وكان السفر من دمشق إلى المدينة يستغرق ٦٢ ساعة، بسرعة تبلغ فى المتوسط ٢٣ كيلو مترا فى الساعة. وكانت الدرجة الثالثة تكلف ٣,١٠ جنيها إنكليزيا للمسافر (تقارير القناصل) وكانت المحطات الكبرى هى دمشق، ودرعة، وحيفا، وقطرانة، ومعان، وتبوك، وقلعة

стр. 3419

العَظَّم، ومدائن صالح، والعلا، وهدية والمدينة. وكان يفصل بين المحطات فى العادة حوالى عشرين كيلو مترا وكانت تستخدم قلاعا للحراسة، لحماية الخط الحديدى من غارات البدو المتصلة. وقد بلغت الغارات سنة ١٩٠٨ مائة وثمان وعشرين غارة. وكان البدو يقطعون أسلاك البرق ويخرجون القضبان ويتلفون مبانى المحطات. فقد كانت السكة الحديدية "ذلك الشئ الفرنجى النجس" كما كانوا يسمونه، تهدد مصالحهم التقليدية فى نقل الحجاج الذى كان مشتركا فيه الشريف الأكبر ووالى الحجاز (التقارير القنصلية). وقد أوقف امتداد السكة الحديدية عداوتهم المشتركة وثورة تركيا الفتاة والحرب بين الأتراك والطليان، ولم يستطع تنفيذ خطة مد السكة الحديدية إلى مكة، وركنت على الرف للأسباب نفسها الخطة التى كانت ترمى إلى مد خط بين جدة ومكة والذى تم مسحه سنة ١٩١١. وسكة حديد الحجاز "قد خيبت الآمال السياسية للذين خططوا لها". فقد كانت أبعد ما تكون عن أن تصبح "العمود الفقرى للأملاك العثمانية فى جزيرة العرب" وإنما حددت أقصى تخمها الشرقى. وكانت هذه السكة باهظة التكاليف فى إنشائها وعسيرة فى المحافظة عليها، ومن ثمَّ يصعب علينا أن نقول إنها أسهمت فى النهوض الاقتصادى بشبه الجزيرة أو فى زيادة السكان على مجراها أية زيادة ذات شأن (Arabia: Foreign Office Handbook, لندن سنة ١٩٢٠، ص ٢٦). على أنَّه ثبت أنها أصبحت نعمة عظيمة على حيفا وتطورها، ذلك أن حيفا كانت قبل إنشاء خط درعة حيفا، ميناء صغيرًا أخملته منافسة يافا. وبافتتاح هذا الخط نمت حيفا نموا مطردا، وحولت عن بيروت تصدير حبوب حوران وتجارة الوارد على دمشق وجزيرة العرب. وقد بلغت جملة صادرات حيفا سنة ١٩٠٧: ٢٧٠,٠٠٠ جنيه إنكليزى، وفى سنة ١٩١٢ زاد هذا المبلغ إلى ٣٤٠,٠٠٠ جنيه إنكليزى؛ وبلغت جملة واردات حيفا سنة ١٩٠٧، ويستثنى من ذلك أدوات السكة الحديدية: ٢٤٠,٠٠٠

стр. 3420

جنيه إنكليزى، ونمت سنة ١٩١٢ فأصبحت ٣٧٥,١٠٠ جنيه إنكليزى (Syria including: Admiralty Handbook Palestine، لندن سنة ١٩١٩، ص ٣٠٤، ٤٩٢). وكانت السكة الحديدية كلها تعمل حتى الحرب العالمية الأولى، وهنالك نجح لورانس فى تدمير أجزاء من القطاع الواصل بين معان والمدينة وظل من وقتها متوقفًا بلا عمل. وانتقلت ملكية السكة الحديدية بعد الحرب إلى أملاك الدولة العثمانية التى تمر فيها، فكانت الشام تملك القطاع ما بين دمشق ودرعة، وسمخ؛ وفلسطين تملك قطاع حيفا - سمخ؛ وشرقى الأردن قطاع درعة - معان، والعربية السعودية قطاعى معان المدينة (وقد تأيد هذا بقرار التحكيم الصادر فى ١٨ أبريل سنة ١٩٢٥ على يد الأستاذ السويسرى أ. أوجين بورل E. Eugene Borel الذى عينته هيئة الأمم). وقد بذلت بريطانيا وفرنسا، وهما دولتا الانتداب، جهودا بين سنتى ١٩٢٣ - ١٩٣٩ لإعادة قطاع معان المدينة إلى العمل (كانت القطاعات الأخرى تعمل بالفعل) ولكن هذه الجهود خابت لإصرار ابن سعود على النظر إلى السكة الحديدية نظرته إلى "وقف" وبذلك طالب بامتلاك الخط كله باسم المسلمين. ولما نوقشت المسألة فى يناير سنة ١٩٢٣ فى مؤتمر لوزان، أرادت بريطانيا وفرنسا أن تعترفا بالصفة الدينية للسكة الحديدية فأعلنتا استعدادهما إلى تأليف هيئة إسلامية استشارية تمثل الدول الأربع، وتوصى بما تراه فى شأن المحافظة على السكة الحديدية والنهوض بظروف الحج. وفى ٦ أغسطس سنة ١٩٢٨ عقد مؤتمر فى حيفا لمعالجة مشكلة إعادة قطاع معان المدينة إلى العمل، ولكنه فشل لأنَّ ابن سعود طالب بملكية تلك الأجزاء من القطاع التى تمر بالدول الخاضعة للانتداب تمهيدا لافتتاح هذا القطاع. وفى نوفمبر سنة ١٩٢٨ تلقت اللجنة الدائمة للانتداب عرائض من بعض مسلمى الشام وشرقى الأردن يلتمسون فيها إحالة الإشراف الكامل على السكة الحديدية وتشغيلها إلى لجنة إسلامية (- League of Nations Per manent Mandates Commission, Minutes

стр. 3421

of the Fifteenth session, ص ١٨٩، ١٩٠، ٢٦٢، ٢٧٩ - ٢٨٠). ورفض هذا الملتمس وتناول المؤتمر الإِسلامى الذى عقد فى بيت المقدس سنة ١٩٣١ هذه القضية وكرر الطلب الذى طالبت به العرائض السابقة. وفى هذه الأثناء عدل ابن سعود موقفه السابق وأظهر عزمه على مناقشة المسائل الفنية الخاصة بإعادة فتح السكة الحديدية من غير أن يتشدد فى مطالبته بملكيتها مع احتفاظه بحقوقه فى ذلك. وفى سنة ١٩٣٨ رغبت الحكومة البريطانية فى كسب ثقة ابن سعود بالنسبة للموقف الذى كان قائما فى فلسطين، وأبدت استعدادها فى الإسهام فى نفقات الإصلاحات المراد إدخالها على هذا القطاع المار فى أملاكه واقترحت عقد مؤتمر فى السنة التالية. وأدى نشوب الحرب العالمية الثانية إلى وضع هذا المشروع على الرف. وقد أعيد تشييد القطاع الذى بين معان والمدينة سنة ١٩٦٦ بعقد أبرم مع البيوت التجارية البريطانية. المصادر: (١) يوجد بيان مفصل بهذه السكة الحديدية فى تقارير القناصل المحفوظة Public Record Office، لندن" وزارة الخارجية، ٧٨، ١٩٥، ٣٦٨، ٣٧١، ٤٢٤. (٢) Hedschasbhn: Auler pasha، كوتا سنة ١٩٠٦. (٣) Die Hedschasbaln ihr: H. Guthe Damaskus nach Medina: Bau ihre von Bedeutuug، ليبسك. (Eduard Gaeblers Geographisches Institut) من غير تاريخ. (٤) The History of the: Muhammad Inshaullah Hamida Hedjaz Railway project (بالأوردية والعربية والإنكليزية) لاهور سنة ١٩٠٨. (٥) عثمان نورى: عبد الحميد ثانى ودور سلطنتى، إستانبول سنة ١٣٢٧ هـ = ١٩١١ م، ص ٧١٨ - ٧٢٣. (٦) سعيد باشا: سعيد باشا نك خاطراتى، إستانبول سنة ١٣٢٨ هـ = ١٩١٢، جـ ٢، ص ٣٧٦ - ٣٧٩. (٧) Times، الفهرس هذه المادة. خورشيد [زيدى Z. H.Zaidi]

стр. 3422

الحج (*) " الحج: إلى مكة وعرفات ومنى هو آخر ركن من أركان الإِسلام الخمسة. ١ - الحج فى الإِسلام (١) الرحلة إلى مكة: فرض الشرع الحج على كل مسلم ومسلمة يؤديه مرة فى العمر على الأقل ما دام قادرًا عليه (سورة آل عمران، الآية ٩٧)، ووفاء الشرط الأخير رهين عدة ظروف، فالمجانين والأرقاء معفون من أداء هذا الفرض وكذلك النساء اللواتى ليس لهن من أزواجهن أو ذوى محارمهن من يصحبهن، ويسقط فرض الحج أيضًا عند عدم تيسر الزاد أو توفر دواب الحمل وغيرها من المواصلات أو أمن الطريق (١) ثمَّ إن المذهب الشافعى يجيز لأتباعه إرجاء الحج إلى ما بعد الوفاة على أن يقوم عنهم فى أداء هذا الفرض نائب يستأجر من مال المتوفى، ويفسر لنا هذا كيف أن معظم المسلمين تدركهم الوفاة دون أن يروا مكة على الإطلاق. ومن الخلفاء والسلاطين أنفسهم كثيرون يظلون فى ديارهم طيلة حياتهم، فى حين يؤدى بعضهم الفريضة عدة مرات (٢). وقد أخذ محمَّد [ ﷺ ] بالسنة القمرية من غير قيد ولا شرط، ومن ثمَّ فإن الحج يحين فى وقته فى جميع فصول السنة، ذلك أنَّه قد حددت له أيام بذاتها فى النصف الأول من ذى الحجة (٣) فإذا حل صيفا فإن مشاق الرحلة تكون أشد قسوة على كثير من الحجاج، ومن هنا روى أن النبى [ ﷺ ] قال: "السفر قطعة من العذاب" (سنن ابن ماجة، باب الخروج إلى الحج)، وأكثر الحجاج تجشما للمشاق هم أولئك الذين يقصدون مكة برًا راجلين أو على ظهور الخيل، على أن تسيير البواخر بين جدة والبلاد الإِسلامية لخدمة الحجاج خاصة، وإنشاء سكة حديد الحجاز كان لهما أثر ظاهر فى الإقلال من عدد الحجاج الذين يقصدون مكة برًا، وإنما بقيت قوافل الحجاج بدافع التمسك

стр. 3423

بالسنن الدينية القديمة (٤) وإنا لنسوق فى هذا المقال ما يلى: تسلك القافلة الشآمية الطريق التجارى القديم من دمشق أو الآستانة مخترقة ما وراء الأردن، وهى موآب القديمة مارة بمعان فمدائن صالح فالمدينة، وهى أكبر القوافل (وقد قدر G.M. Doughty عدد أفراد القافلة بنحو ستة آلاف عام ١٨٧٦) ويصحب القافلة محمل وقد أقيمت معاقل فى المحطات يجد فيها الحاج طعامًا مهيئًا وشرابًا منعشًا، ويقول بوركارت (Travels: Burckhardt جـ ٢، ص ٣) إن الرحلة من دمشق إلى المدينة تستغرق ثلاثين يومًا. ويصحب القافلة المصرية أيضًا محمل معه الكسوة الجديدة للكعبة. ويقول لين (Manners and Cus-: Lane toms، لندن ١٨٩٩، ص ٤٩٣) إن هذه القافلة تخرج من القاهرة عادة فى الأسبوع الأخير من شوال، وتبلغ مكة بعد ٣٧ يومًا، سالكة الطريق المساير للساحل. وكان ثمة طريق محبب إلى قلوب حجاج مصر والمغرب يبدأ من القاهرة أو إحدى المدن الأخرى الشمالية وينتهى بمرفأ من مرافئ البحر الأحمر تجاه جدة (انظر رحلة ابن جبير، والرحلة الحجازية للبتنونى، ص ٢٧ وما بعدها). وتخرج قافلة من العراق مخترقة جزيرة العرب، ويذكر بوركارت (الذيلين الأول والثانى لرحلاته Travels محطات هذه القافلة من اليمن، كما يذكر أيضا ملاحظات جغرافية أخرى. على أن غالبية حجاج بلاد المغرب وفارس واليمن يفدون بطريق البحر، ومن باب أولى أولئك الذين يفدون من بلاد أقصى من هذه. وتتألف هذه القوافل من أناس شتى يختلفون بعضهم عن البعض كل الاختلاف فهى تضم الأمراء والفقراء والتجار ببضائعهم، والبدو راجلين أو ممتطين ظهور الخيل، ويجمع بينهم فى العادة وطن واحد. فيسافر أهل البلد الواحد معًا. ويتفق معظم الحجاج مع مقوّم يدبر لهم كل ما

стр. 3424

يحتاجون إليه فى رحلتهم نظير أجر معلوم. وقد كان خطر اضطراب الأمن فى يعض الأزمنة من مساوئ الحج، فكان من يستسلم من الحجاج للنهب ينجو بحياته فى الغالب، أما من أبى منهم التسليم، فلم يكن ينجو من الهلاك فى جميع الأحوال وأخيرًا لم تجد السلطات المكية بدأ من الاتفاق مع الشيوخ الذين تمر القوافل بديارهم على تأمين الطرق ومن ثمَّ أتيح للحجاج أن يرحلوا آمنين، وأجبرت هذه السلطات على دفع مبالغ من المال يسمى صرة لقاء ذلك (٥)، وفى تاريخ الحج أناس آخرون من ذوى السلطان كانوا يعترضون سبيل الحجاج، كالقرامطة، والسلطات المصرية، والقرصان وبعض الوهابيين (٦) *. ووصول القافلتين الشآمية والمصرية بالمحملين هو دائمًا حادث عظيم عند أهل مكة، فهم يحتفلون بمقدمهما، وتضرب القافلتان خيامهما فى أماكن معينة خارج المدينة نفسها (انطر خطة المدينة فى كتاب مكة لمؤلفه C. Sonouk- Hurgronje وإنما تصل القافلتان فى العادة قبل الحج بأيام قلائل. أما الحجاج الذين يفدون عن طريق جدة فيكاد عددهم يكون معروفًا، ذلك أن اللجنة الدولية الصحية قد أقامت فى جده مركزًا للحجر الصحى، فقد فرض على كل حاج أن يدفع مبلغًا من المال، نظير ما تقوم به من رقابة صحية، ومن ثمَّ فإن عدد القادمين يمكن معرفته على التحقيق، ونجد أن عدد القادمين فى السنوات الأخيرة قد تفاوت بين ٣٦,٠٠٠ و ١٠٨,٠٠٠ شخص وهم فى المتوسط ٧٠,٠٠٠، ولو قدر لبوركارت أن يصحب الحجاج الآن مرة أخرى لما استطاع أن يكرر ملاحظته التى ذكرها عام ١٨١٤ (Travels جـ ٢، ص ١) عن عدد الحجاج وعن غيرة المسلمين على دينهم. ويصل معظم الحجاج قبيل الحج،

стр. 3425

على أن عددًا كبيرًا منه يقضى شهر رمضان نفسه فى مكة المكرمة والمعتقد أنهم يثابون على ذلك خاصة. ويزداد عدد الحجاج عادة إذا كان من المتوقع أن يحل يوم الحج الأكبر (٩ من ذى الحجة) يوم الجمعة، ومما تجب الإشارة إليه أيضا أن بعض الشيعة يشتركون فى الحج، ولكن الرحالة يذكرون أن بعض شيعة على لا يقضون دائما أيام سلام فى المدينة المقدسة، وقد زودنا قاسم زادة ببيانات طريفة عن حج الشيعة (انظر Relation: Kasem Zadeh d' un pelerinage a la Mecque فى Revue du monde Musulman جـ ١٩، سنة ١٩١٢، ص ١٤٤ وما بعدها) ونشر هذا البحث أيضًا منفصلا. (ب) الوصول إلى مكة: تؤدى المناسك بما يناسبها من قدسية، ولذلك يحض الشرع الحاج على الإحرام بمجرد خروجه من بلده (٧)، ولما كان ذلك غير مستطاع فى معظم الأحوال، فقد جرى الحجاج على الإحرام عند اقترابهم من الأرض المقدسة، إذ يجب أن يدخل الحاج مكة وهو محرم ثمَّ يؤدى العمرة، والحجاج كلهم أو يكادون يقومون بهذه الشعيرة، كما يؤدون غيرها من المناسك يصحبهم دليل (شيخ مطوف) ينطق فى كل مناسبة بالأدعية المقررة لها فيرددها المسترشدون به (٨)، كذلك يقوم هؤلاء الأدلاء بكافة ما يحتاج إليه الحجاج، ذلك أنهم لجهلهم اللغة وعادات أهل البلاد وغير ذلك لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا تقريبًا بدون هؤلاء الأدلاء. فإذا أتم الحاج الطواف سبعا حول الكعبة والسعى سبعا بين الصفا والمروة قص شعره وتحلل من إحرامه إلى أن يبدأ الحج نفسه، غير أنه إذا كان قد أحرم للعمرة والحج (قران) فلا يجوز له ذلك. (جـ) مناسك الحج: جرت العادة بأن تلقى فى مسجد الكعبة فى اليوم السابع من ذى الحجة خطبة تهيئ الحجاج لتأدية مناسك الحج، ويبرح الحجاج مكة فى مساء اليوم نفسه أو صباح اليوم التالى، ويطلق على اليوم

стр. 3426

الثامن من ذى الحجة يوم التروية، ذلك أن الحجاج، فى قول بعيد الاحتمال يتزودون فى هذا اليوم بالماء للأيام المقبلة، ويجتمع المحملان خارج المدينة ويتقدمان الركب، ويتبعهما حشد مختلط كثيف من أناس تباينت أجناسهم راجلين أو محمولين فى محفات أو راكبين الحمير أو ممتطين صهوات الخيل يتدافعون ويتنازعون دائما، ثمَّ يصلون إلى سهل عرفات فيقفون الوقوف، ويبلغون هذا السهل عن طريق مِنى (وينطبق بها اليوم عادة مُنى، وتسمى أيضا الجمع والمشعر الحرام) والمزدلفة. وقد جرى ممثلو الخليفة على إقامة علم فى هذا السهل حل محله المحمل الآن. ويصف الرحالة المحدثون اكتظاظ الوادى بالحجيج اكتظاظًا، ويتفق وصفهم فى معظم سماته مما ذكره الكتاب الأقدمون عن الأسواق التى كان يعقدها العرب الأولون. فالخيام والمظال (انظر Bilder aus: C. Snock Hurgronje Mekka رقم ١٣ - ١٦ وكذلك ١٠ - ١٢) فى كل مكان ويعرض التجار العديدون سلعهم فى المظال كما يعرضونها فى الأسواق، ويقوم البعض بتسلية الجموع بما أوتوا من مهارة (٩) ويرتقى كثير من الحجاج الجبل المقدس (وهو جبل الرحمة، ويرددون وراء شيخهم الأدعية المقررة فى الأماكن المعينة لها، وترتفع الصيحات بالتلبية فى كل مكان وينقضى النهار على ذلك، فإذا حل المساء أضيئت الأنوار الباهرة، ويقضى الحجاج الليل فى التضرع والابتهال إلى الله. ويحل الوقوف نفسه فى اليوم التاسع، ويبدأ من الوقت الذى يميل فى ميزان الشمس إلى المغيب، ويكاد يستغرق هذا الوقت كله خطبتان يلقيهما عادة قاضى مكة، فهو يركب دابته صاعدًا إلى صخرة فى صدر جبل الرحمة، ويقرأ من كتاب أدعية مألوفة فلا يسمعه جل الحاضرين وإن سمعوه لا يفهمون ما يقرأه، ولكن ذلك لا يمنع أن تهتز مشاعرهم فترتفع أصواتهم عالية بالتلبية يرددونها مرارًا وتكرارًا،

стр. 3427

ملوحين بملابس الإحرام فى الهواء وهم يبكون وينشجون، فإذا ما غابت الشمس وراء التلال الغربية بدأت الإفاضة (أو الدفع أو النفر) وهى السعى إلى المزدلفة، فيندفع كل حاج إلى المزدلفة، ويمر الركب بالعلمين وهما حد الحرم ثمَّ لا يلبث المساء أن يحل فتوقد المشاعل وهكذا يصل الجمع إلى المزدلفة، وقلما يخلو الأمر من وقوع حوادث فى أثناء ذلك، فتؤدى فى المزدلفة صلاة المغرب والعشاء معًا، ويقضى الجمع فيها ليلته ويضاء مسجدها، وفى صبيحة اليوم العاشر (أى يوم النحر) يقف الحجاج مرة أخرى عند الجامع قبل شروق الشمس ويقوم قاضى مكة بإلقاء خطبة أخرى، وبعد صلاة الصبح يسعى الحشد إلى منى. وفى منى يؤدى الجميع مناسك تختلف كل الأختلاف عما سبقها، فعلى كل حاج فى هذا اليوم أن يرمى جمرة العقبة وهى إحدى الجمرات الثلاث بسبع حصيات يجمعها من قبل من المزدلفة لهذا الغرض، ويندفع الحجاج فى حشد كثيف نحو هذه الجمرة، وهى فى الطرف الغربى من وادى منى، وقد نشرت لها صورة فى كتاب قاسم زادة السابق لنا ذكره مقابل صفحة ٢٢٢، وإنما نص الشرع على رمى هذه الجمرة فى هذا اليوم، أما الجمرتان الأخريان فيأتى دورهما فى اليومين التاليين، وتتفق روايتا على بك وبرتون (Burton) تمام الاتفاق فى هذا الشأن، على أنه يجب ألا يفوتنا أن بوركارت (Burckhardt: فى كتابه Travels، جـ ٢، ص ٥٧٨) وكين (Keane: فى كتابه Six months in Mecca ص ١٦١) قد قررا أن الحجاج فى اليوم العاشر من ذى الحجة يرمون بسبع حصيات جلبوها من قبل من المزدلفة الجمرة الشرقية أولا (وهى الجمرة الأولى أو الصغرى) ثمَّ الجمرة الوسطى ثمَّ يرمون آخر الأمر الجمرة الغربية (الجمرة السفلى أو الأقصى أو العقبة)، ولعل ذلك خطأ وقع فيه هذان الرحالان. ويفسر المسلمون رمى الجمار بأنه

стр. 3428

فى الواقع رجم للشيطان، فقد قيل إنه ظهر لأبينا إبراهيم فطرده بأن رماه بالحصى على هذا النحو (١٠) ويقطع الحاج التلبية بعد رمى الجمار وينتهى به الحج ذاته، على أن ثمة مناسك شتى يؤديها الحاج بعدئذ أولها النحر، ومن ثمَّ جاء اسم هذا اليوم، ويحتفظ البدو والتجار فى منى بآلاف من الأضاحى معظمها من الغنم والماعز يبيعونها بأغلى الأثمان، وإنما ينحر الإبل عِلْيَةُ الحجاج، ومن لا يذبح من الحجاج الضحية بنفسه جاز له أن ينيب عنه جزارًا فى ذبحها ولم يحدد الشرع مكانًا بعينه فى منى للنحر، ولكن الحجاج جروا على إيثار صخرة فى الطرف الغربى من الوادى بالقرب من العقبة (١١) (انظر Travels: Burckhardt جـ ٢، ص ٥٩ و Burton: - A Pil grimeage، جـ ٢، ص ٤٠) ويتصدق على المساكين بلحوم الأضاحى ويترك مالا يأكلونه منها، والضحية التى ينحرها المسلمون فى هذا اليوم فى مشارق الأرض ومغاربها هى سنة من السنن ومن فاته الضحية فعليه الصوم (١٢). وجرت العادة على حلق الرأس بعد الضحية ومن ثمَّ يقوم فى منى عدد كبير من خصوص الحلاقين ويراعى كل من الحلاق والحاج قواعد معينة خلال الحلق كالاتجاه نحو القبلة وغير ذلك، ويمكن بعد ذلك التحلل من الإحرام والعودة إلى الإحلال، ولكن لا يجوز للحاج حتى هذا الوقت أن يباشر جميع الأعمال التى يؤديها الناس كل يوم (١٣). والمناسك التى عددناها وهى رمى الجمار والنحر والحلق تعد فى نظر الشرع من السنة (١٣) (المنهاج جـ ١، ص ٣٣١) , ولكن يجب أن نلاحظ أن الشرع لم يحدد وقتًا معينًا للنحر، أما المنسكان الآخران فإنما اقتصر فى تحديد ميقاتهما على وجوب وقوعهما فى اليوم العاشر. ومن المألوف أن يعود الحجاج إلى مكة فى اليوم نفسه للطواف حيث يشاهدون الكعبة للمرة الأولى مكسوة

стр. 3429

بالكسوة الجديدة، ويرتدى الحجاج ملابسهم العادية إن لم يكونوا قد ارتدوها فى منى، ويستحم الحاج ويغتسل وهو أمر جد مستحب فى الغالب بعد الإحرام، ومن المعتاد أيضا أن يشرب الحاج ماء زمزم المقدس أو يرش به، ولكنه يستطيع أن يؤدى هذا أيضًا فى أى يوم آخر. ويقال للأيام التالية، أى اليوم الحادى عشر واليوم الثانى عشر واليوم الثالث عشر من ذى الحجة، أيام التشريق (انظر تفسير معناها فيما يلى) وسماها النبى [ ﷺ ] "أيام أكل وشرب وبعال" ويقضيها الحجاج فى منى، ويجب رمى الجمار الثلاث كل جمرة بسبع حصيات كل يوم بعد الظهر. ومن المألوف أيضًا النحر عند حجر من الصوان فى منحدر جبل ثبير (١٥) (انظر Travels: Burckhardt جـ ٢ ص ٦٥، والبتنونى: الرحلة، ص ١٩٦)، ويقال إن إبراهيم هيأ ابنه للذبح هناك، ويجيز الشرع نفسه (انظر سورة البقرة، الآية ٢٠٣) مغادرة منى حتى فى اليوم الثانى عشر من ذى الحجة ويظهر من مصنفات الرحالة أن الحجاج ينتفعون بهذا الجواز فيعودون إلى مكة فى هذا اليوم، وقد جرى الحجاج أيضًا على رمى قبر أبى لهب المزعوم بالحصى، وهو فى جوار مكة، ثمَّ يؤدى الحجاج آخر الأمر عمرة الوداع (١٦) وهم لهذا الغرض يقصدون التنعيم ثمَّ يعودون إلى الإحرام، ومن ثمَّ غلب على الرحالة المحدثين القول بأن التنعيم هو أيضا العمرة، وبأداء الطواف والسعى ينتهى الحج (١٧) فتغادر القوافل بعد بضعة أيام مكة متجهة إلى المدينة لتتبرك بزيارة قبر النبى [ ﷺ ]. ويتضح مما قدمنا أن الشرع قد قسم مناسك الحج أقساما شتى (١٨)، ولكن ينبغى لنا أن نلاحظ أن المذاهب تخللف فيما بينها فى جل تفاصيل ذلك، وقد ألم البتنونى (الرحلة، ص ١٧٨) إلمامًا طيبًا بمناسك الحج على اختلاف المذاهب.

стр. 3430

٢ - أصل الحج فى الإِسلام: لقد ثار اهتمام النبى [ ﷺ ] بالحج أول مرة فى المدينة ويرجع اهتمامه إلى عدة أسباب بينها Snouck Hurgronje فى كتابه Mekkandnsche Feest، فقد دعاه نجاحه الباهر فى غزوة بدر إلى التفكير فى فتح مكة، وطبيعى أن التجهيز لهذا الفتح يكون أكثر توفيقًا إذ أثار النبى اهتمام صحابته بالأمور الدينية والدنيوية جميعًا، فقد خدع النبى [ ﷺ ] فيما كان يعقده من آمال على جماعة اليهود بالمدينة، وأدت خلافاته معهم إلى قيام شقاق دينى بينه وبينهم (١٩) لم يكن عنه محيص، وإلى هذا العهد يرد أصل نظرية دين إبراهيم (٢٠) وهو الأصل الذى قيل إن اليهودية والإِسلام أخذا عنه، فأخذت الكعبة آنئذ يعظم شأنها شيئًا فشيئًا حتى غدت محور العبادة، وقد بناها أبو التوحيد هو وابنه إسماعيل لتكون "مثابة للناس". أما الشعائر التى تقام هناك فيمكن ردّها إلى حكم الله (سورة البقرة، الآية ١٩٨، وما بعدها)، وفى هذا العهد أيضًا جعلت الكعبة قبلة (سورة البقرة، الآية ١٣٥ - ١٤٤)، وقيل عن الحج إنه فرض (لله على الناس" (سورة آل عمران، الآية ٩٧). كانت هذه هى الحال فى السنة الثانية للهجرة، وإنما استطاع النبى [ ﷺ ] أن يسعى إلى تحقيق أغراضه بعد إذ خاب أهل مكة فى حصار المدينة فى السنة الخامسة للهجرة، وكان أول مجهود بذله فى هذا السبيل هو غزوة الحديبية، وهى وإن لم تبلغه مكة إلا أن الصلح الذى عقده مع قريش مهد الطريق للعمرة فى السنة التالية؛ وفى السنة السابعة للهجرة شرّع النبى [ ﷺ ]. مناسك الحج فى الكعبة، ولكن الفرصة لم تتهيأ له لإقامة المناسك جهرا إلا بعد فتح مكة فى السنة الثامنة للهجرة، ولكنه لم ينتهز هذه الفرصة بشخصه بل أناب عنه فى السنة التاسعة للهجرة أبا بكر ليحج بالناس إلى مكة. وبينما هو فى طريقه لحقه على بن أبى طالب، وكان قد أمر بقراءة سورة براءة على الحجيج (سورة التوبة، الآية الأولى وما بعدها)

стр. 3431

وكانت نزلت فى هذه الأثناء، وقد حرم الحج فى هذه الآيات على المشركين إلا الذين عاهدهم النبى [ ﷺ ] عهدًا خاصًا. فلما كانت سنة عشر للهجرة حج النبى [ ﷺ ] نفسه بالناس، وفى الحديث روايات كثيرة عن هذه الحجة التى تسمى حجة الوداع، ويتفق ما جاء فى هذه الأحاديث عن المناسك التى أداها النبى [ ﷺ ] فى جوهرها مع ما جرى عليه المسلمون بعد ذلك، على أن ما اتخذه محمَّد [ ﷺ ] فى هذه المناسبة له شأنه فى تاريخ الحج وخاصة إبطاله النسئ واتخاذه السنة القمرية البحتة وهو أمر ذكره القرآن كما يلى: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين، إنما النسئ زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا" (سورة التوبة الآية ٣٦ وما بعدها)، أما أحكام النبى [ ﷺ ] الأخرى فى هذه المناسبة فانظر عنها ما يلى: ٣ - الحج فى الجاهلية: إن البحث فى أصل معنى المادة "حج" لا يعدو أن يكون من قبيل النظريات، ومع ذلك فإن بعضها جائز (٢١). وقد فسر لغويو العرب الحج بأنه "القصد". ويتفق هذا ومعنى الحج (عند النصارى) على أنه من الواضح أن هذا المعنى اصطلاحى كالفعل العبرى، ولعل المادة التى معناها فى اللغات السامية الشمالية والجنوبية "يطوف" أو "يدور" لها صلة بالمعنى الذى أسلفنا، ولكن هذا لا يقدمنا كثيرًا فى البحث الذى نحن بصدده. ذلك أننا لم نصل حتى إلى معرفة هل الطواف جزء من الحج (٢٢) الأصلى؟ والذى نعرفه أنه كان يقام فى الجاهلية كل عام سوقان فى شهر ذى القعدة أحدهما فى عكاظ والآخر فى مجنَّة، وكان يتلوهما فى الأيام الأولى من ذى الحجة سوق ذى

стр. 3432

المجاز (٢٣) ولا يعرف الإِسلام شيئًا عن الطواف فى عرفات ولا نعرف نحن من أمره إلا القليل (٢٤). ولم يك هذا الحج إلى عرفات أمرًا اختص به العرب. فالحج إلى معبد من المعابد عادة سامية قديمة جعلت حتى فى الأجزاء القديمة من أسفار موسى الخمسة فرضًا يجب أداؤه، فقد ورد فى سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين، الآية الرابعة عشرة: "ثلاث مرات يعيّد لى فى السنة" وفى الآية الثالثة والثلاثين من الإصحاح الرابع والثلاثين "ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله إسرائيل" وربما كان فى بلاد العرب أيضًا أماكن كثيرة للحج حيث كانت تقام شعائر شبيهة بالحج إلى عرفات (٢٥) والظاهر أن شهر أجاثلبيث (Aggathalbaeith) الذى ذكره أبيفانيوس (Epiphanius) كان ينبئ فيما ينبئ به عن وجود معبد فى الشمال. وكان الحج إلى عرفات يقع فى التاسع من ذى الحجة، وكانت شتى قبائل العرب تشترك فيه. وإنما كان يتيسر ذلك فى أيام السلم، ولذلك فإن الشهور الثلاثة وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم كانت أشهر حرمًا تدفن فيها الأحقاد ويلقى بالسلاح جانبًا فى الأرض الحرام. ولعل من المقطوع به أن الحج كان يقع فى زمن النبى [ ﷺ ] فى الربيع، ومع ذلك فإن فلهاوزن قد أظهر أنَّه من المحتمل أن وقت الحج فى الأصل كان فى الخريف، فإذا كان شهر النسئ قد قصد به كما هو محتمل الإبقاء على هذا الفصل من السنة فإن إلحاق هذا الشهر بها لا يكون قد أدى الغرض المقصود منه، ونحن لا نعلم علة ذلك، فإذا كان الحج وقع أصلا فى الخريف، فمن الطبيعى عند البحث فى معناه الأصيل أن نوازن بينه وبين عيد الخريف عند ساميى الشمال وهو عيد المظال (أو يوم الاستغفار) وهو أمر نجد له ما يؤيده أيضًا من أن عيد المظال فى التوراة غالبًا ما يطلق عليه للايجاز اسم "حج" (انظر

стр. 3433

سفر القضاة، الاصحاح ٢١، الآية ١٩، سفر الملوك الأولى، الإصحاح الثامن الآية ٢ و ٦٥) وسنجد بينهما فى الواقع بعض سمات متشابهة. اقترنت الأسواق العظيمة التى تقام فى ختام موسم جنى البلح بالحج، ولعل هذه الأسواق كانت أهم شئ عند معاصرى محمد [ ﷺ ] وظل هذا شأنها عند كثير من المسلمين، ذلك أنَّه حتى فى هذا الوقت كانت الشعائر الدينية قد فقدت أهميتها عند الناس. وإنا لنسوق فى هذا المقام ما يلى: إن الوقوف فى سهل عرفات من أهم مناسك الحج، فالحج بدون الوقوف باطل فى الإِسلام، وإنما يفسر هذا الأمر بأنه أثر لفكرة جاهلية، وقد وازن هوتسما (Houtsma) بين الوقوف وبين إقامة بنى إسرائيل على جبل سيناء. فهؤلاء يعدون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء (سفر الخروج، الإصحاح ١٩، الآية ١٥) وبغسل ثيابهم (سفر الخروج، الإصحاح ١٩ الآية ١٥) وبغسل ثيابهم (سفر الخروج، الإصحاح ١٩ الأية ١٠ و ١٤) وبذلك يقفون أمام الرب (١١ و ١٥) وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق (وقف) فى سفح جبل مقدس. ويروى أن النبى [ ﷺ ] قال فى حجة الوداع "عرفات كلها موقف وكله منحر"، وقد قال Snouck Hurgronje إن المقصود من هذه الكلمات أن تفقد هذه الأماكن الخاصة التى كانت تؤدى فيها قبل ذلك الشعائر الوثنية أهميتها، ولا نعرف إلا القليل عن تلك الأماكن فى المزدلفة ومنى. وليس من المحقق ما إذا كان يوم عرفات هو يوم صوم، وجاء فى الحديث مرارًا وبلهجة التقرير أن صحابة محمَّد [ ﷺ ] لم يعرفوا رأيه فى هذا الشأن فدعى إلى الشرب فشرب (٢٦)، ولكن اتسام أيام الحج بالتقشف ظاهر مما نهى عنه الإحرام، أما أن هذه النواهى قد امتدت حينًا فشملت الطعام والشراب فبين من

стр. 3434

تفسير النبى [ ﷺ ] إذ قال: "إن أيام التشريق (من الحادى عشر إلى الثالث عشر من ذى الحجة) أيام أكل وشرب وبعال" ومن هنا كان أولئك الذين يجنحون إلى التقشف فى صدر الإِسلام يختارون زمن الحج فيختصونه بالزهد "انظر Goldziher فى Revue de l'Histoire des Religions جـ ٣٧، ص ٣١٨، ٣٢٠ وما بعدها). والوقوف فى الإِسلام يمتد من الزوال إلى غروب الشمس، وقد ورد فى الحديث أن النبى [ ﷺ ] أمر ألا يغادر الحجاج عرفات قبل غروب الشمس، فى حين جرى العرف من قبل على الشروع فى الإفاضة حتى قبل الغروب، على أنَّه قيل إن النبى [ ﷺ ] لم يؤخر وقت الإفاضة فحسب، بل أبطل الشعيرة كلها بنهيه عن الإسراع إلى المزدلفة وأمره بأن يكون الوصول إليها بالسير العنق (وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطئ)، ولكن يتضح من وصف الإفاضة الذى سبق أن ذكرناه إلى أى حد كانت هذه العادة متأصلة فى النفوس، ويذهب سنوك هركرونييه Snouck Hurgronje إلى أن الإفاضة شعيرة شمسية، وهو رأى زاد هوتسما (Houtsma) من تحديده فيما يتصل بصفة الحج، ونعنى بذلك أن الحج كان يعد فى الأصل ملاحقة للشمس الغاربة (٢٧). وكان [فى الجاهلية] إله المزدلفة هو قزح إله الرعد (٢٨)، وكانت النار تشعل على التل المقدس المسمى باسمه، وهنا يكون وقوف أكثر ما يكون شبهًا بالوقوف بسيناء. ذلك أن إله الرعد فى الحالين يتجلى فى النار، ثمَّ إننا يمكن أن نذهب إلى أن العادة المتوارثة التى تقضى بإحداث أكبر ما يمكن من الجلبة والضوضاء وإطلاق أكبر ما يمكن إطلاقه من النار كانت فى الأصل تعويذة يُستَجلب بها الرعد (٢٩). وكانت الإفاضة إلى منى فى الجاهلية تبدأ بمجرد ظهور الشمس، ولذلك أمر النبى [ ﷺ ] بأن تبدأ الإفاضة قبل شروق الشمس، ونحن هنا أيضًا بصدد محاولة لإبطال

стр. 3435

شعيرة شمسية، وروى أنهم كانوا فى العصور القديمة يتغنون فى أثناء الإفاضة بقولهم "أشرُق ثبير كيما نغير" ولا نعرف تفسير هذه الكلمات على التحقيق ولكنها تفسر أحيانًا بما يأتى: "أدخل يا ثبير فى الشروق كيما ندفع". والظاهر أن أول ما يفعلونه إذا ما بلغوا منى هو التضحية، وما زال اليوم العاشر من ذى الحجة يعرف بيوم الأضاحى. وقديما كانت الإبل المعدة للنحر تميز بعلامات خاصة (تقليد) حتى فى طريقها إلى الحرم، كأن يوضع خفان فى رقابها، وقد ورد ذكر الإشعار أيضًا وهى عادة طعن جانب سنام الجمل حتى يظهر الدم أو شق جلده، وكثيرًا ما ذكر أن الهدى كان يغطى بأغطية خاصة. وقد جاء فى رواية لابن هشام (طبعة Wuestenfeld ص ٧٦ وما بعدها) أن رمى الجمار إنما يبدأ بعد انحدار الشمس عن الهاجرة (٣٠)، وقد رجح هوتسما (٣١) أن الرجم كان أصلا موجهًا إلى شيطان الشمس، ويدعم هذا الرأى تدعيما قويًا أن الحج كان يتفق فى الأصل والاعتدال الخريفى، ومثل هذه العادات منتشرة فى العالم كله فى بداية الفصول الأربعة، ويمكننا أن نربط فى يسر، كما رأينا فى عيد المزدلفة، بين طرد شيطان الشمس الذى ينتهى حكمه الجائر بحلول فصل الصيف وبين عبادة إله الرعد الذى يجلب الخصب والتوسل إليه. ويمكننا أيضًا أن نفسر "التروية" تبعًا لذلك على أنها تعويذة للاستسقاء. وما زالت آثارها باقية فى سكب ماء زمزم (٣٢) ثمَّ إن لها نظائر فى عيد المظال (أو يوم الاستغفار) فليس من العسير أن نرى فى إطلاق التيس إلى عزازيل من الجبل مثالا لشيطان الشمس. كما أن سكب ماء عين شيلوة المقدسة كانت أيضًا تعويذة للاستسقاء. ذلك أن الارتباط بين عيد المظال والمطر مؤكد فى سفر زكريا (الإصحاح الرابع عشر، الآية ١٧) ونوجه النظر بعدئذ إلى إنارة المعبد فى عيد المظال وهو أمر له مقابل فى إنارة المسجد فى عرفات والمزدلفة كما نوجه النظر إلى الشأن الهام الذى للموسيقى فى العيدين (٣٣).
следующие страницы →