وكانت نزلت فى هذه الأثناء، وقد حرم الحج فى هذه الآيات على المشركين إلا الذين عاهدهم النبى [ ﷺ ] عهدًا خاصًا.
فلما كانت سنة عشر للهجرة حج النبى [ ﷺ ] نفسه بالناس، وفى الحديث روايات كثيرة عن هذه الحجة التى تسمى حجة الوداع، ويتفق ما جاء فى هذه الأحاديث عن المناسك التى أداها النبى [ ﷺ ] فى جوهرها مع ما جرى عليه المسلمون بعد ذلك، على أن ما اتخذه محمَّد [ ﷺ ] فى هذه المناسبة له شأنه فى تاريخ الحج وخاصة إبطاله النسئ واتخاذه السنة القمرية البحتة وهو أمر ذكره القرآن كما يلى:
"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين، إنما النسئ زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا" (سورة التوبة الآية ٣٦ وما بعدها)، أما أحكام النبى [ ﷺ ] الأخرى فى هذه المناسبة فانظر عنها ما يلى:
٣ - الحج فى الجاهلية:
إن البحث فى أصل معنى المادة "حج" لا يعدو أن يكون من قبيل النظريات، ومع ذلك فإن بعضها جائز (٢١). وقد فسر لغويو العرب الحج بأنه "القصد". ويتفق هذا ومعنى الحج (عند النصارى) على أنه من الواضح أن هذا المعنى اصطلاحى كالفعل العبرى، ولعل المادة التى معناها فى اللغات السامية الشمالية والجنوبية "يطوف" أو "يدور" لها صلة بالمعنى الذى أسلفنا، ولكن هذا لا يقدمنا كثيرًا فى البحث الذى نحن بصدده. ذلك أننا لم نصل حتى إلى معرفة هل الطواف جزء من الحج (٢٢) الأصلى؟ والذى نعرفه أنه كان يقام فى الجاهلية كل عام سوقان فى شهر ذى القعدة أحدهما فى عكاظ والآخر فى مجنَّة، وكان يتلوهما فى الأيام الأولى من ذى الحجة سوق ذى
стр. 3432
المجاز (٢٣) ولا يعرف الإِسلام شيئًا عن الطواف فى عرفات ولا نعرف نحن من أمره إلا القليل (٢٤).
ولم يك هذا الحج إلى عرفات أمرًا اختص به العرب. فالحج إلى معبد من المعابد عادة سامية قديمة جعلت حتى فى الأجزاء القديمة من أسفار موسى الخمسة فرضًا يجب أداؤه، فقد ورد فى سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين، الآية الرابعة عشرة: "ثلاث مرات يعيّد لى فى السنة" وفى الآية الثالثة والثلاثين من الإصحاح الرابع والثلاثين "ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله إسرائيل" وربما كان فى بلاد العرب أيضًا أماكن كثيرة للحج حيث كانت تقام شعائر شبيهة بالحج إلى عرفات (٢٥) والظاهر أن شهر أجاثلبيث (Aggathalbaeith) الذى ذكره أبيفانيوس (Epiphanius) كان ينبئ فيما ينبئ به عن وجود معبد فى الشمال.
وكان الحج إلى عرفات يقع فى التاسع من ذى الحجة، وكانت شتى قبائل العرب تشترك فيه. وإنما كان يتيسر ذلك فى أيام السلم، ولذلك فإن الشهور الثلاثة وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم كانت أشهر حرمًا تدفن فيها الأحقاد ويلقى بالسلاح جانبًا فى الأرض الحرام.
ولعل من المقطوع به أن الحج كان يقع فى زمن النبى [ ﷺ ] فى الربيع، ومع ذلك فإن فلهاوزن قد أظهر أنَّه من المحتمل أن وقت الحج فى الأصل كان فى الخريف، فإذا كان شهر النسئ قد قصد به كما هو محتمل الإبقاء على هذا الفصل من السنة فإن إلحاق هذا الشهر بها لا يكون قد أدى الغرض المقصود منه، ونحن لا نعلم علة ذلك، فإذا كان الحج وقع أصلا فى الخريف، فمن الطبيعى عند البحث فى معناه الأصيل أن نوازن بينه وبين عيد الخريف عند ساميى الشمال وهو عيد المظال (أو يوم الاستغفار) وهو أمر نجد له ما يؤيده أيضًا من أن عيد المظال فى التوراة غالبًا ما يطلق عليه للايجاز اسم "حج" (انظر
стр. 3433
سفر القضاة، الاصحاح ٢١، الآية ١٩، سفر الملوك الأولى، الإصحاح الثامن الآية ٢ و ٦٥) وسنجد بينهما فى الواقع بعض سمات متشابهة.
اقترنت الأسواق العظيمة التى تقام فى ختام موسم جنى البلح بالحج، ولعل هذه الأسواق كانت أهم شئ عند معاصرى محمد [ ﷺ ] وظل هذا شأنها عند كثير من المسلمين، ذلك أنَّه حتى فى هذا الوقت كانت الشعائر الدينية قد فقدت أهميتها عند الناس. وإنا لنسوق فى هذا المقام ما يلى: إن الوقوف فى سهل عرفات من أهم مناسك الحج، فالحج بدون الوقوف باطل فى الإِسلام، وإنما يفسر هذا الأمر بأنه أثر لفكرة جاهلية، وقد وازن هوتسما (Houtsma) بين الوقوف وبين إقامة بنى إسرائيل على جبل سيناء. فهؤلاء يعدون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء (سفر الخروج، الإصحاح ١٩، الآية ١٥) وبغسل ثيابهم (سفر الخروج، الإصحاح ١٩ الآية ١٥) وبغسل ثيابهم (سفر الخروج، الإصحاح ١٩ الأية ١٠ و ١٤) وبذلك يقفون أمام الرب (١١ و ١٥) وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق (وقف) فى سفح جبل مقدس.
ويروى أن النبى [ ﷺ ] قال فى حجة الوداع "عرفات كلها موقف وكله منحر"، وقد قال Snouck Hurgronje إن المقصود من هذه الكلمات أن تفقد هذه الأماكن الخاصة التى كانت تؤدى فيها قبل ذلك الشعائر الوثنية أهميتها، ولا نعرف إلا القليل عن تلك الأماكن فى المزدلفة ومنى.
وليس من المحقق ما إذا كان يوم عرفات هو يوم صوم، وجاء فى الحديث مرارًا وبلهجة التقرير أن صحابة محمَّد [ ﷺ ] لم يعرفوا رأيه فى هذا الشأن فدعى إلى الشرب فشرب (٢٦)، ولكن اتسام أيام الحج بالتقشف ظاهر مما نهى عنه الإحرام، أما أن هذه النواهى قد امتدت حينًا فشملت الطعام والشراب فبين من
стр. 3434
تفسير النبى [ ﷺ ] إذ قال: "إن أيام التشريق (من الحادى عشر إلى الثالث عشر من ذى الحجة) أيام أكل وشرب وبعال" ومن هنا كان أولئك الذين يجنحون إلى التقشف فى صدر الإِسلام يختارون زمن الحج فيختصونه بالزهد "انظر Goldziher فى Revue de l'Histoire des Religions جـ ٣٧، ص ٣١٨، ٣٢٠ وما بعدها).
والوقوف فى الإِسلام يمتد من الزوال إلى غروب الشمس، وقد ورد فى الحديث أن النبى [ ﷺ ] أمر ألا يغادر الحجاج عرفات قبل غروب الشمس، فى حين جرى العرف من قبل على الشروع فى الإفاضة حتى قبل الغروب، على أنَّه قيل إن النبى [ ﷺ ] لم يؤخر وقت الإفاضة فحسب، بل أبطل الشعيرة كلها بنهيه عن الإسراع إلى المزدلفة وأمره بأن يكون الوصول إليها بالسير العنق (وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطئ)، ولكن يتضح من وصف الإفاضة الذى سبق أن ذكرناه إلى أى حد كانت هذه العادة متأصلة فى النفوس، ويذهب سنوك هركرونييه Snouck Hurgronje إلى أن الإفاضة شعيرة شمسية، وهو رأى زاد هوتسما (Houtsma) من تحديده فيما يتصل بصفة الحج، ونعنى بذلك أن الحج كان يعد فى الأصل ملاحقة للشمس الغاربة (٢٧).
وكان [فى الجاهلية] إله المزدلفة هو قزح إله الرعد (٢٨)، وكانت النار تشعل على التل المقدس المسمى باسمه، وهنا يكون وقوف أكثر ما يكون شبهًا بالوقوف بسيناء. ذلك أن إله الرعد فى الحالين يتجلى فى النار، ثمَّ إننا يمكن أن نذهب إلى أن العادة المتوارثة التى تقضى بإحداث أكبر ما يمكن من الجلبة والضوضاء وإطلاق أكبر ما يمكن إطلاقه من النار كانت فى الأصل تعويذة يُستَجلب بها الرعد (٢٩).
وكانت الإفاضة إلى منى فى الجاهلية تبدأ بمجرد ظهور الشمس، ولذلك أمر النبى [ ﷺ ] بأن تبدأ الإفاضة قبل شروق الشمس، ونحن هنا أيضًا بصدد محاولة لإبطال
стр. 3435
شعيرة شمسية، وروى أنهم كانوا فى العصور القديمة يتغنون فى أثناء الإفاضة بقولهم "أشرُق ثبير كيما نغير" ولا نعرف تفسير هذه الكلمات على التحقيق ولكنها تفسر أحيانًا بما يأتى: "أدخل يا ثبير فى الشروق كيما ندفع".
والظاهر أن أول ما يفعلونه إذا ما بلغوا منى هو التضحية، وما زال اليوم العاشر من ذى الحجة يعرف بيوم الأضاحى. وقديما كانت الإبل المعدة للنحر تميز بعلامات خاصة (تقليد) حتى فى طريقها إلى الحرم، كأن يوضع خفان فى رقابها، وقد ورد ذكر الإشعار أيضًا وهى عادة طعن جانب سنام الجمل حتى يظهر الدم أو شق جلده، وكثيرًا ما ذكر أن الهدى كان يغطى بأغطية خاصة.
وقد جاء فى رواية لابن هشام (طبعة Wuestenfeld ص ٧٦ وما بعدها) أن رمى الجمار إنما يبدأ بعد انحدار الشمس عن الهاجرة (٣٠)، وقد رجح هوتسما (٣١) أن الرجم كان أصلا موجهًا إلى شيطان الشمس، ويدعم هذا الرأى تدعيما قويًا أن الحج كان يتفق فى الأصل والاعتدال الخريفى، ومثل هذه العادات منتشرة فى العالم كله فى بداية الفصول الأربعة، ويمكننا أن نربط فى يسر، كما رأينا فى عيد المزدلفة، بين طرد شيطان الشمس الذى ينتهى حكمه الجائر بحلول فصل الصيف وبين عبادة إله الرعد الذى يجلب الخصب والتوسل إليه. ويمكننا أيضًا أن نفسر "التروية" تبعًا لذلك على أنها تعويذة للاستسقاء. وما زالت آثارها باقية فى سكب ماء زمزم (٣٢) ثمَّ إن لها نظائر فى عيد المظال (أو يوم الاستغفار) فليس من العسير أن نرى فى إطلاق التيس إلى عزازيل من الجبل مثالا لشيطان الشمس. كما أن سكب ماء عين شيلوة المقدسة كانت أيضًا تعويذة للاستسقاء. ذلك أن الارتباط بين عيد المظال والمطر مؤكد فى سفر زكريا (الإصحاح الرابع عشر، الآية ١٧) ونوجه النظر بعدئذ إلى إنارة المعبد فى عيد المظال وهو أمر له مقابل فى إنارة المسجد فى عرفات والمزدلفة كما نوجه النظر إلى الشأن الهام الذى للموسيقى فى العيدين (٣٣).
стр. 3436
وثمة تفاسير مختلفة أخرى للرجم ذكرها (FeestbundeL .. aan: Van Vloten Goeje, aangeboden,١٨٩١, Prof. M. J. de ص ٣٣ وما بعدها) وشوفان (Chauvin: Royale d'Arch. .Annales de l'Acad السلسلة الخامسة، جـ ٤، ص ٢٧٢ وما بعدها) أما فان فلوتن فيربط بين رجم الشيطان والتعبير القرآنى الشيطان الرجيم وبين حية كانت تسكن العقبة. وأما شوفان فيرى فى ذلك ضربًا من التحصيب Scopelism)) (٣٤) وأن الغرض من تغطية أرض الحج بالحصى ترمى به هو منع أهل مكة من زراعتها، وقد دحض هوتسما هذين الرأيين بما فيه الكفاية. وانظر أيضًا دوتيه Doutte (Magie et Religion ص ٤٣٠ وما بعدها).
ويجفف بعض الحجاج فى أيام التشريق لحوم الأضاحى فى الشمس، وتوائم هذه العادة معنى كلمة التشريق كما ذكره لغويو العرب، فهم يقولون إن التشريق هو تقديد شرائح اللحم فى الشمس. ولكن قد يشك فى أن هذا هو المعنى الأولى للكلمة، ولم نصل بعد إلى تفسير مرض لها. ومع ذلك انظر Uber die Be-: Th. W. Junyboll Wortes Taschrik Zeitchr. f. deutung des Assyr, جـ ٢٧ وما بعدها (ويجب أيضًا أن نلاحظ أن دوزى Dozy فى كتابه De Israelieten to Mekka يرد التشريق والتروية والحج كله إلى أصل يهودى. ولكننا نستطيع أن نقول إن نظريته قد دحضها دحضًا تاما سنوك هركرونييه فى مؤلفه. Het Mekaansche Feest
المصادر:
عن الموضوع كله: (١) S. Snouck Het Mekaansche Feest: Hurgronje طبعة ليدن ١٨٨٠.
(٢) الأجزاء الملائمة من الرسائل والكتب الموضوعة عن الإِسلام.
(٣) Die Chronicken: F. Wuestenfeld der Stadt Mekka, فى مواضع مختلفة عن القسم الأول: (١) G. M. Doughty: Travels in Arabia Deserta كمبردج سنة ١٨٨٨، جـ ١.
(٢) Travels of Ali Bey, لندن سنة ١٨١٦، جـ ٢.
(٣) Travels in Arabia: J. L. Burckhardt لندن ١٨٢٩.
стр. 3437
(٤) Personal Narrative: R. F. Burton of a Pilgrimage to el Medinah and Mec- cah، لندن ١٨٥٧، جـ ٢.
(٥) Six months in Meccah: T. F. Keane، لندن ١٨٨١.
(٦) Meine Wallfahrt: H. V. Maltzan nach Mekka ليبسك سنة ١٨٦٥.
(٧) Mekka: C. Snouck Hurgronje لاهاى ١٨٨٨.
(٨) الكاتب نفسه De hadjipolitick der indische rezearing فى onze Euw, جـ ٩.
(٩) الكاتب نفسه: Notes sur le mouvement du Pelerinage de la Mecque aux Indes Neerlandaises فى Revue du monde musulman, جـ ١٥.
(١٠) محمَّد لبيب البتنونى: الرحلة الحجازية، القاهرة سنة ١٣٢٩ هـ، وهو كتاب ممتع مشهور.
(١١) ابن جبير: Travels (طبعة. M. J de Goeje).
(١٢) كتب الفقه المختلفة وكتب الحجاج المعروفة باسم المناسك - وانظر فيما يتعلق بحج الشيعة قاسم زاده فى Rev. du Monde musulman جـ ١٩ (سنة ١٩١٢)، ص ١٤٤ وما بعدها.
عن القسم الثانى: سير النبى وكتب الحديث.
عن القسم الثالث: (١) De: R. Dozy Israelieten de Mekka (وبالألمانية أيضًا).
(٢) Rest Arab. Hei- dentums: J. Weihausen ص ٦٨ وما بعدها.
(٣) Het skopelisme: M. Th. Houtsma en het Steen werpem (VersL. en Meded. der Kon Akad. V. Wetenschappen Am sterdam, Afd. Letterkunde, المجموعة الرابعة جـ ٦، ص ١٨٥ وما بعدها).
(٤) Altorient. Fors-: H. Winckler chungen، السلسلة الثانية، جـ ٢، ص ٣٢٤ - ٣٥٠ - وكذلك المقالات التى كتبها V. Vloten و Chauvin وورد ذكرها فى صلب المادة.
[فنسنك Wensinck]
стр. 3438
تعليقات على مادة "الحج "
(١) وكذلك لا يجب الحج على المريض الذى لا يتحمل مشاق السفر وإن تيسر له الزاد والراحلة ولم يشترط مالك الزاد والراحلة، بل أوجبه على من يقدر على المشى والتكسب فى الطريق.
(٢) ليس هذا من مذهب الشافعى ولا غيره من الفقهاء، بل لا يقول هذا مسلم، ولعل الذى أوقع كاتب المادة فى الشبهة أنهم اختلفوا فيمن لا يقدر على الحج لمرضه أو شيخوخته، وعنده من المال ما يستطيع به إنابة غيره من القادرين، هل تجب عليه الإنابة أم يسقط عنه الحج؟ فأوجب الشافعى عليه الإنابة ولم يوجبها مالك ولا أبو حنفية، وعند الشافعى أن الذى يدركه الموت ولم يستطع أن يحج يلزم ورثته أن يخرجوا من ماله ما يحج به عنه.
فيكون ما بناه على هذا من أن معظم المسلمين أدركتهم الوفاة ولم يروا مكة خطأ بينا. على أنَّه ليس معظم المسلمين والسلاطين شافعية، بل الخلفاء والسلاطين الذين يعنيهم - وهم العثمانيون - كانوا أحنافًا متعصبين لحنفيتهم أشد التعصب.
(٣) وإنما أخذ رسول الله [ ﷺ ] بالسنة القمرية لأنَّ الله هو الذى جعل الأهلة مواقيت للناس والحج، إذ قال في سورة البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وذلك لأنها أدق الآيات وأضبطها لحساب الشهور، وهي مع ذلك أوضح العلامات وأبينها للكافة.
(٤) ليس من السنن الدينية القديمة ولا الجديدة أن يتكلف الناس في حجهم أو أي عبادة من عباداتهم ما لا يطيقون وما يشق عليهم. فإن الله تعالى يقول في سورة الحج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وفي سورة البقرة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقد ثبت أن النبي [ ﷺ ] حج راكبا ولم يرغب أحدا ممن حج معه في المشى.
على أنَّه يلاحظ أن هذه المشاق كانت أكثر وجودًا في السنين الماضية. أما اليوم فلا يحج على الرواحل إلا أهل جزيرة العرب فقط. والفقراء من البلاد
стр. 3439
التي يستعمرها الأوربيون في أواسط أفريقيا وغربها مثل الكونغو وكانو نيجريا، وهم قلة لا تذكر بجانب عشرات الآلاف التى تحملها البواخر من مصر والشام وبلاد المغرب والهند ونحوها، والذي يحج أو يقرأ رحلات الحجاج في هذه الأيام يعلم أن الحال قد تبدلت كل التبدل عما يتحدث عنه الكاتب وبالأخص في الأمن الذي شمل الجزيرة كلها بإقامة الملك ابن السعود الحدود وتنفيذ أحكام الإِسلام وشرائعه؛ حتى أصبحت أعظم أمنا من كل بلاد العالم بفضل الله.
(٥) لقد كان ذلك أيام كان حكام الحجاز وولاته أنفسهم ظلمة مضيعين لشرائع الإِسلام معتدين حدود الله منتهكين حرماته، بل كانوا أنفسهم ينبهون الحجاج وأهل البلاد ويسلبونهم أموالهم وأرواحهم ويعيثون في الأرض فسادًا. [وهذا قد تغير بعد ذلك وأصبح محلّ التقدير فى عصرنا حيث يسودها جُلّ الأمن والأمان].
(٦) هذا خطأ لم يتحر فيه كاتب المادة الوقائع الصحيحة. فإن حادثة القرامطة الزنادقة التي وقعت لم تتكرر، وأما السلطات المصرية، فإنها كانت تحرص أشد الحرص على تحسين سمعتها في العالم الإِسلامي بخدمة الحرمين الشريفين. وهذه أوقاف ملوكها وسلاطينها وأعيانها من الزمن القديم على الحرمين تدل على ذلك أوضح الدلالة، اللهم إلا في الفترات التي كانت فيها الحروب بين بني العباس والفاطميين. وقد كانت الحروب بعيدة عن الحرمين. وأين هذه الحروب مما يفيد كلام الكاتب من أن السلطات المصرية كانت تعتمد إلى قطع الطريق على الحاج وتصده عن سبيل الله.
وإنه ليبدو من كلام الكاتب أنه لا يعرف عن الوهابيين شيئًا، إذ يجعلهم والسلطات المصرية مع القرامطة والقرصان قطاعًا للطريق، لقد كان جديرا به أن يدرس أولا تاريخ الوهابيين وعقيدتهم ومبدأهم الإِسلامى الصحيح وما كان يملى عليهم من تعظيم شعائر الله وإقامة شرائع الإِسلام والوقوف عند حدوده فإنَّه لو درس غير هذه الدراسة لقال غير ذلك.
стр. 3440
(٧) إن الشرع لم يأمر الحاج بالإحرام من بلده وإنما حدد مواقيت حول مكة يحرم منها الحاج.
(٨) وهذا ليس من الإِسلام في شيء. فلم يأمر الله ولا رسوله ولا أحد من العلماء والأئمة أن يتخذ الحاج هذا الشيخ يردد أدعيته. وإنما هى عادة نشأت عن الجهل فاتبعها العوام. وقد حج رسول الله والمسلمون معه، فلم يكن يدعو وهم يرددون دعاءه، بل كان كل واحد يدعو ربه ويذكره بما يملى عليه قلبه الخاشع المخبت وحاجته التي يرجو الله أن يعطيه إياها.
والأصل في هؤلاء الأدلاء أنهم جعلوا لخدمة الحاج الغريب ومساعدته على قضاء المعيشة، ثمَّ اتخذهم الجهلة بعد ذلك على الصورة التي لا أصل لها في الشريعة.
(٩) ربما كان ذلك في الأزمنة الماضية أيام الفوضى التي كانت ضاربة أطنانها. أما اليوم فإنما يشتغل الناس بذكر الله وعبادته منتهزين فرصة هذه الأيام المباركة وساعاتها القليلة، لا يضيعون منها لحظة في لهو ولعب ينهى عنهما الإسلام ويكرهمها، فضلا عن الشعوذة وأعمال الحواة، فلقد طهرت الحكومة السعودية الحجاز من هذه المهازل. فلا ترى فيه شيئًا منها في غير أيام الحج، ولا في مشاعره ومناسكه وأيامه المباركة.
(١٠) لا أرى من أين جاء الكاتب بهذا التعبير؟ فليس في القرآن ولا في حديث النبي [ ﷺ ] شيء يشعر بهذا التفسير، ولا من بُعد، ولعله أخذه من بعض جهلة العوام الذين لا يفقهون ما يقولون. وإنما هو شيء صنعه النبي [ ﷺ ] من شعائر الحج وأمر المسلمين أن يحجوا كما رأوه ويتبعوه فيما شرع لهم. ولأن شعائر الحج كلها أشياء تعبدية ليس مما يدخل فيه التعليل ولا التفسير. فالمسلمون يعبدون ربهم كما أمرهم أن يعبدوه.
(١١) لعل ذلك كان في الأيام الأولى التي كان الجهل والفوضى يتحكمان فيها. أما اليوم فقد خصص للذبح مكان بعيد عن منازل الحاج، حتى لا تفسد الروائح العفنة الهواء ولا تعكر الجو. وفعل الجهال البعيدين عن الإِسلام لا
стр. 3441
يكون حجة على الدين. ولقد كان هذا التحرى للصخرة منهم بزعم أنها الصخرة التي ذبح عندها إبراهيم ﵇ كبش الفدية عن إسماعيل. وهذا الزعم باطل، والتاريخ لم يحدد موضع هذه الصخرة ولا جاء عن النبي [ ﷺ ] تحديد لموضعها.
(١٢) ليس في نصوص الإِسلام شيء يدل على أن من لم يقدر على التضحية يوم النحر يصوم وهذا خطأ من الكاتب، لعله نشأ عنده من أن المتمتع - الذي دخل مكة معتمرًا، ثمَّ تحلل من عمرته، ثمَّ أحرم بالحج يوم التروية - عليه ما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فلما اختلط على الكاتب الأمر عمم الحكم بالصيام لكل من لم يستطع التضحية يوم النحر في مشارق الأرض ومغاربها.
(١٣) هذا تعبير غريب نشأ عن خطأ في الفهم. فإن الحاج برميه جمرة العقبة يوم النحر ونحره لهديه وحلقه له من كان حرم عليه بالإحرام: من لبس الثياب العادية وقص أظفاره وحلق شعره والتطيب، إلا النساء فلا يحل له إتيان امرأته حتى يطوف طواف الإفاضة يوم النحر أو بعده في أيام التشريق. وبطوافه يحل له النساء أيضًا.
(١٤) إن هذه المناسك الثلاثة وغيرها قد عدها الشرع من الواجبات، لا من المسنونات. والذي في كتب الفقه: وثبت أن رسول الله [ ﷺ ] رمى في حجته الجمرة يوم النحر بعد طلوع الشمس ثمَّ نحر بدنه ثمَّ حلق رأسه ثمَّ طاف طواف الإفاضة. وأجمع العلماء على أن هذا سنة الحج ا. هـ فلعله فهم من قولهم "إن هذا سنة الحج" إن هذه الثلاثة سنة بالمعنى الاصطلاحى عند الفقهاء. وهو خطأ. فإن معنى "هذا سنة الحج" واضح أنَّه الطريق العملى الذي عمله رسول الله [ ﷺ ] وهذا هو معنى كلمة "سنة" إذا أطلقت ولم تقابل بالفرض أو الواجب.
(١٥) كان هذا مما يعمله الجهال في الأيام الأولى وليس هو من سنن الحج ولا مناسكه. ولم يكن النبي [ ﷺ ] يفعله ولا أحد من أصحابه ولا من الأئمة
стр. 3442
وعلماء المسلمين. وكذلك رمى قبر أبى لهب هو من قبيل تحرى الجهال والعوام للذبح عند الحجر المزعوم.
(١٦) ليس في شرع الرسول [ ﷺ ] شيء يسمى عمرة الوداع. وإنما هى من جهل العوام.
(١٧) قد انتهى الحج بنزول الحجاج من منى بعد رمى الجمرات في اليوم الثاني أو الثالث عشر من ذى الحجة.
(١٨) إن الشرع لم يقسم المناسك كما زعم الكاتب وإنما جعلها كلها مناسك وشعائر لا بد في إتمام الحج من أدائها كلها على الوجه المشروع.
(١٩) لم تكن مخالفة النبي ﷺ لليهود والمشركين حين هاجر إلى المدينة عن آمال عقدها على أولئك اليهود خدع فيها بعد ذلك. فقد كانت أولًا على ما رسم الله له من الخطة الحكيمة في قوله من سورة البقرة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولقد كان أبدًا يعقد آماله على تأييد الله ونصره، لا على اليهود ولا غيرهم. وكانت هذه المحالفة لإتقاء شر اليهود وكتبهم حتى يستقر للإسلام نظام حكمه وشرائعه في المدينة، التي كانت في هذا الوقت فوضى بلا نظام ولا حكم ولأجل أن يعذر إليهم - يعرف بما علمه الله - مكر اليهود وخبثهم، وشدة عدواتهم للحق وللنظام والإصلاح، وحبهم العميق للشر وإثارة الفتنة وسعيهم الحثيث في الأرض بالفساد، مما كان واقعًا في المدينة بسعاية اليهود بين الأوس والخزرج وإشعال نيران العداوة والحرب بينهم. وكان اليهود هم الذين نقضوا عهد رسول الله [ ﷺ ] وبدأوه بإعلان العداوة والحرب، أما الشقاق الدينى بين اليهود وبين رسول الله ﷺ ، فإنما كان عداوة من اليهود لله ورسوله والنبى الأمى الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويضع عنهم إصرَهم والأغلال التي كانت عليهم. فكانت صراعًا بين الحق والباطل والهدى والضلال، والصلاح والفساد.
وما فكر النبي ﷺ في فتح مكة بالسيف إلا بعد نقض أهل مكة لصلح الحديبية.
стр. 3443
وإعلانهم الحرب على حلفاء رسول الله ﷺ فيومئذ فكر في فتح مكة واتخذ لذلك أهبته ففتحها الله له. وقبل ذلك زار مكة مرتين معتمرًا، ففى سنة ست من الهجرة - بعد فشل أهل مكة وأحزابهم في غزو المدينة - ذهب معتمرًا، فمنعه أهل مكة وعقد معهم صلح الحديبية، وفي سنة سبع ذهب معتمرًا، فأتم عمرته وقضى مناسكه في ثلاثة أيام قضاها بمكة. وكان من أثر صلح الحديبية التمهيد لفتح مكة بكثرة اختلاط أهل مكة والمدينة، فانتشر الإِسلام في مكة باستعداد القلوب لسماع القرآن، وذهاب الضغائن التي كانت تمنع القلوب أن تصغى إلى دعوة الإِسلام التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور.
(٢٠) إن دين إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين ليس نظرية كما يزعم الكاتب ولكنه حقيقة واقعية أثبتها التاريخ الصحيح والحجج القطعية، ولم يبق مجال للشك في ذلك إلا في رءوس أصحاب الهوى.
(٢١) يقصد الكاتب "النظريات" الفرضية التي لم تكن حقيقة واقعة، وهذه جرأة واضحة على العلم والتاريخ الذي أثبت الحج ثبوتًا قطعيًا في الكتب اللغوية والأدبية، والدينية والتاريخية. وإذا لم يكن هذا كله كافيًا لثبوت الحج وأنه لا يزال عنده نظريات يجوز للعقل أن يصدقها كما يجوز للعقل أن يصدقها كما يجوز له أن ينفيها ويكذبها، فأى سبيل بعد ذلك إلى إثبات شيء من العلم أو حوادث التاريخ؟
(٢٢) الطواف ثابت أنَّه جزء من أهم أجزاء الحج، إذ يقول الله لإبراهيم في سورتى البقرة والحج ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ثمَّ هو ثابت في سجلات تاريخ العرب من أشعارهم وغيرها. ووصف الطواف مفصلًا في كثير من نصوص التاريخ، حتى وصفوا أنهم كانوا يطوفون بالبيت عرايا لما أحدثت لهم قريش هذه البدعة المنكرة فكيف لم يصل الكاتب بعد ذلك إلى معرفة الطواف؟
(٢٣) أما الأسواق فقد كان التجار - ولا يزالون - ينتهزون فرص الاجتماعات فيعرضون فيها بضائعهم.
(٢٤) ومن الذي قال من المسلمين:
стр. 3444
إن في عرفات طوافًا كالطواف حول الكعبة؟ إنما في عرفات وقوف من بعد الزوال إلى غروب الشمس يوم التاسع من ذى الحجة. وهذا منصوص عليه في الآية ١٩٨ سورة البقرة في قوله ﴿ .. فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .. ﴾.
(٢٥) إنَّ الذي يدرس دراسة صحيحة الديانات القديمة والحديثة، ويدرس القرآن دراسة فقه وتدبر يعلم يقينًا أن هذه الديانات كلها ترجع في أصلها الأول إلى دين سماوى صحيح، أفسده الناس على مر الأيام، بكثرة ما أحدثوا من البدع والأهواء والغلو حتى صارت إلى الوثنية والشرك. فإن الله تعالى يقول في سورة النحل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
وشرائع الله تصدر كلها عن أصل واحد، هو الوحى من عند الله وتبليغ ممن يصطفى الله من الناس رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكلهم يصدق بعضهم بعضا، والقرآن ينص على أن العبادات: من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها شرعها الله للناس قديمًا وحديثًا، وإن اختلفت في هيأتها وأوقاتها وأماكنها ومقاديرها، وللإسلام من ذلك أكمل العبادات وخير الشرائع لأنه الدين الخاتم. فالله قد شرع الحج في القديم للناس في أماكن وبقع اختارها لهم، قبل أن يقيم بيته المحرم للناس كافة، وهذا لا يمنع أبدًا أن الله قد ألغى ونسخ الحج إلى هذه البقاع كلها بعد أن رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد هذا البيت، وألزم الله الناس جميعًا على لسان إبراهيم الحج إلى هذا البيت وحده، فأصبحت هذه العبادة مقصورة على الكعبة وحدها. قال الله تعالى في الآية ٦٧، ٦٨ سورة الحج ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ والواضح الذي لا شك فيه: أن الوثنيين قد اتخذوا بما أوحى إليهم الشيطان معابد وهياكل يحجون إليها. ليس العرب وحدهم، ولا في القديم فقط، بل الناس هذا شأنهم حين تغلب عليهم الجاهلية، ويشرعون من الدين ما
стр. 3445
لم يأذن به الله. فقد أقاموا من قبور أوليائهم ومن تماثيل معظميهم الذين غلوا فيهم، فأعطوهم الآلهية، ما يحجون إليه كل عام وينسكون عنده مناسك، يسمونها اليوم أعيادًا أو موالد كشأن الجاهلية الأولى. وكل ذلك لا يصيب به تشريع الله ولا يطعن به على الإِسلام وشرائعه وعباداته إلا من حملة الهوى أو الجهل أن يركب رأسه فيقول بغير علم ولا بينة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾.
إذا عرفت هذا وتدبرته جيدًا تساقط بين يديك كل ما زعمه الكاتب من المقارنة بين مناسك الحج في الإِسلام وأعمال الوثنية في العرب وبنى إسرائيل. فمما لا يشك فيه باحث منصف أن الوثنية كانت منتشرة قد بدلت شرائع الله ودين الرسل الذي جاءوا به لإخلاص العبادة لله وحده، وأن الرسول ﷺ بعثه الله لتخليص العبادة الحقة لله وحده من براثن هذه الوثنية القديمة والحديثة.
(٢٦) إنما اشتبه على الناس صيام يوم عرفة لأنَّ النبي ﷺ قال: "صوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبله" فظن بعض الناس أن هذا يشمل يوم عرفة للحاج الواقف بعرفة. فبين لهم النبي ﷺ أن هذا الفضل لمن لم يكن حاجًا بعرفة.
(٢٧) إن توقيت الله تعالى للعبادات بحركة الشمس في زوالها أو طلوعها أو مغيبها لا دخل له في تعظيم الشمس - كما زعم الكاتب وإخوانه - ولقد حذر النبي ﷺ من تحرى أوقات طلوع الشمس وغروبها وتوسطها السماء بالعبادة خوفًا من التشبه بالوثنيين الذين يعبدون الشمس. وقال ﷺ : "إنها تطلع وتغرب بين قرنى شيطان" فكيف بعد هذا يدعى أن الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة بعد الغروب ملاحقة للشمس الغاربة إلا من غلبه الهوى وأعماه التعصب للباطل؟ ! .
(٢٨) إن الوقوف بالمزدلفة - المشعر الحرام - منصوص عليه في القرآن في سورة البقرة ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ وهو ينص صريحًا على أنه وقوف لذكر الله وحده
стр. 3446
الذي هداهم بعد أن كانوا ضالين في غياهب الوثنية. وهو منسك من مناسك الحج شرعه الله لإبراهيم، ثمَّ بدل أهل الجاهلية، فيما بدلوا وأقاموا عنده من وثنيتهم ما محاه رسول الله ﷺ وطهر الأرض منه. أما الآلة قزح فلا نعرفه في تاريخ الجاهلية. ولكن الذي نعرفه أن الجبل الذي هناك يسمى إلى اليوم قزح. ولعل ذلك لأنَّ به صخورًا مختلفة الألوان، من أحمر وأخضر، وأبيض وأسود. فسماه العرب بهذا الاسم تشبهًا له بقوس قزح. فوافق ذلك هوى الكاتب، فادعى أنَّه كان إلهًا يسمى قزح.
وتسمية هذا الوادى بوادى النار، لأنهم زعموا أن الله أنزل نارًا على قبر أبى رغال العربى الذي خان أهله ووطنه ودل أبرهة الحبشى حين جاء لهدم الكعبة. وأن الله أحرقه ليكون عبرة لكل من تغويه نفسه بخيانة وطنه وأهله ودينه بممالأة العدو.
(٢٩) ليس في الإِسلام - وهذه نصوصه من الكتاب والسنة وكتب الدين الصحيحة بين أيدى الناس - أي شبهة يتعلق بها الكاتب في أمر هذه الضوضاء والنيران. وإنما هى رعونات السفهاء وجهل الجاهلين وإنه إن أمكن للكاتب أن يتخذ من هذه الرعونات والسفاهات دليلًا على ما يهوى من طعن الإِسلام فإنَّه يمكن لكل أحد أن يطعن بما شاء من أشنع الطعون وأقذرها كل بلد تشيع الفاحشة والاستهتار فيها. وهذه حجة لا بد عند كل عاقل داحضة.
(٣٠) اختلط الأمر على الكاتب لعدم علمه، فابن هشام وغيره يقولون: إن رمى الجمرة يوم النحر لا بد أن يكون قبل الزوال. أما في الأيام الأخرى فيرمى بعد الزوال وانحدار الشمس من المشرق إلى المغرب.
(٣١) فليرجح هوتسما وغيره ما شاءوا من الترجيحات ما داموا يأخذون في بحوثهم هذه الطرق الملتوية عن العلم والحق. ولكن الذي يرجحه كل دارس منصف لنصوص الإِسلام: أن المسلمين لا يعرفون للشمس شيطانًا يرجمونه. وأن رمى الجمار شعيرة إسلامية من يوم أن شرع الله مناسك
стр. 3447
الحج لإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
وأعظم ما يهدم تدعيم هوتسما لترجيحه: أن الحج لم يكن موقتًا بالربيع ولا بالخريف وإنما كان ولا يزال موقتًا بالأشهر القمرية التي تكون في الخريف والربيع والصيف والشتاء. فلهم بعد ذلك أن يتخيلوا من الأوهام ما شاءوا ثمَّ يربطوا في عسر أو يسر بين طرد شيطان الشمس أو جلبه إن أحبوا.
(٣٢) التروية في اللغة العربية - لغة القرآن والإِسلام - مأخوذه من الرى الذي هو ضد الظمأ ومنه الرواية للقربة والرواية الناقة التي تحمل قرب الماء فيوم التروية يوم الثامن من ذى الحجة الذي كانوا يجمعون فيه الماء استعدادًا لأيام عرفة ومنى. وليساعدوا به الحجاج ويكرموهم لقلة ما كان في مكة من ماء في رشهم بماء زمزم دليلًا على أن "التروية" تعويذة لشيطان الاستسقاء.
(٣٣) إن إنارة المنارات في مزدلفة ومنى وأيام الأعياد عادة مجوسية أدخلها البرامكة في الإِسلام. والإِسلام برئ منها. ولا يعرف إلا إضاءة السرج لضرورة تبديد الظلام. فمن أعظم الظلم أن تؤخذ هذه البدع السخيفة المنافية لحكمة الإِسلام وهدايته حجة على شرائع الإِسلام، ودليلًا على أن أصله من وثنية بني إسرائيل أو غيرهم. ما يقول هذا منصف للإسلام ولا عارف به.
ونختم نقدنا لحضرة الكاتب بمؤاخذته لأنه اعتمد في دراسته على المصادر الإفرنجية، وقد كان الأجدر به أن يعني أكثر بالمصادر الإِسلامية. لأنَّ الموضوع الذي تناوله لا يمت إلى الفرنج بأى سبب وإنما هو موضوع إسلامى بحت. فمن ثمَّ جانبه الإنصاف ووقع في أخطاء كان من الممكن أن يتجنبها لو أنصف العلم والحق.
محمَّد حامد الفقي
(٣٤) استعمل الكاتب كلمة Scopel ism ومعناها رمى الحصى للتهديد أو الحيلولة دون زراعة الأرض
اللجنة
стр. 3448
حجة
كلمة عربية وجمعها حجج، ومعناها البرهان والإدلاء به: والكلمة قرآنية، وهي تطلق على أية حجة، أى من يحاول أن يثبت ما هو باطل كما تطلق على من يحاول أن يثبت ما هو حق فقد جاء في القرآن ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]؛ كما جاء فيه ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ. . . .﴾ [الشورى: ١٦]؛ سورة الجاثية، الآية ٢٥): وجاء فيه أيضا: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، و "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" (سورة الأنعام، الآية ٨٣). والحجة في معنى البيّنة قريبة كل القرب من البرهان وفي معنى المحاجّة وثيقة القرب بالدليل ولكن لما كان الدليل هو، في المحل الأول، "العلامة" و "الهادي" الذي يؤدى إلى اليقين فإن الحجة توحى بأنها الدليل القاطع الذي يفحم الخصم فلا يحير جوابًا. ولما كان "البرهان"، في المحل الأول، هو الدليل الواضح على بيّنة لا تدحض، ومن ثمَّ فهو التدليل السليم الذي يؤدى إلى البرهان، فإن الحجة تحتفظ بفكرة البينة المعارضة. وربما كان "البرهان الجدلى" هو الترجمة التي تؤدى خير أداء المعنى الأول للحجة.
على أن هذا الظل من ظلال المعنى كثيرًا ما يغيب عن الأنظار ولكنه لا يختفى اختفاءً تامًا والحجة تتخذ أيضًا معنى إصطلاحيًا دقيقًا في "علم الحديث" ثمَّ هى تصبح فوق ذلك من المراحل الأولى للمعرفة عند الإسماعيلية. وهي إذا استعملت عند المتكلمين والفلاسفة (في الرسائل الخاصة بالمنطق أو المناقشات حول المنهج) تظل، بحسب نزعات الكتاب، مشوبة بشية من عدم الدقة: واستفراغ القول في هذا المبحث طويل جدًا، وحسبنا إشارات قليلة نسوقها في هذا المقام.
ابن سينا: قد يشير "الدليل" عند ابن سينا إلى أية حجة أو بينة، وهو
стр. 3449
يدل بمعنى أضيق من هذا على برهان الإنة (أو الإن) وهو الدليل على الوجود. أما القسم من كتاب الشفاء الذي يتناول المنطق فإنَّه يعد الدليل بمعنى عام هو المحاجة، ذلك أنَّه يقسمه إلى "قياس" و "استقراء" أي مشابهة المثل بالمثل (أى التمثيل) وقد عرّفت "الحجة" في الصفحة التالية بأنها "المواقعة" أو "التصديق" (انظر الشفاء: المنطق، جـ ١، [المدخل]، القاهرة سنة ١٣٧١ هـ = ١٩٥٢ م، ص ١٨ - ١٩). ومن الأمور ذات الدلالة أن الترجمات اللاتينية قد ترجمت كلمة حجة في هذا المقام بكلمة ratio (انظر Lexique de la: A.M. Goichon langue philosophique d' lbn Sina، باريس سنة ٩٣٨، رقم ١٢٠). ونحن نجد هذه الفكرة نفسها متضمنة في صيغة الجمع "حجج" وذلك في كتاب "الإشارات"، وكذلك هذا التقسيم الثلاثى (طبعة Forget، ص ٦٤ وما بعدها). ويردد كتاب "منطق المشرقيين" أيضًا (القاهرة سنة ١٣٢٨ هـ = ١٩١٠، ص ١٠) فكرة "الشفاء" (المدخل، ص ١٩): وهي أن الحجة هى "المواقعة". على أن "الحجج" في "أقسام العلوم العقلية" (تسع مسائل، القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ = ١٩٠٨ م، ص ١١٧) يفرق بينها وبين البرهان وتتخذ المعنى الأدق وهي المحاجة الجدلية (في الجدل) المقصود بها إقناع خصم ويترجمها ألباكو Argumentatio: Alpago (انظر A.M. Goichon: كتابه المذكور)
علم الكلام: إن الغرض من علم الكلام هو الرد على المتشككين والمنكرين، وكثيرا ما تستعمل كلمة "حجة" في هذا العلم هى وكلمة "دليل" في بيان الحجج (انظر على سبيل المثل: الباقلانى: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات، طبعة - R.J. Mac Carthy بيروت سنة ١٩٥٨ الفهرس)، ولكنها قلما تبلغ قوة المصطلح الخالص. والحجة في علم الكلام هى أولا الدليل (والجمع أدلّة) أو الدلالة في عدد من نصوص المعتزلة كما هى في الأشعرى (كتاب اللُّمَع، طبعة R.J. MacCarthy, بيروت سنة ١٩٥٣، ص ٦، ١٢؛
стр. 3450
استحسان، ص ٩١). وفي المقدمات التي صدر بها كتاب "الإرشاد" (طبعة Luciani، باريس سنة ١٩٣٨، ٥/ ١٨ - ١٩) يتحدث الجوينى عن "النظر" ثم يفرد فقرة عن الحجج؛ وهو يستعمل كلمة "الأدلة" ويفرّق بين "الأدلة العقلية" و"الأدلة السمعية" ويمكننا أن نسجل شواهد أخرى كثيرة على هذا.
ويعرف الجوينى (كتابه المذكور)، والباقّلانى قبله، الدليل بأنه هو بيان ما خفى. ثمَّ إن الباقلانى يذكر في كتاب "التمهيد" (طبعة MacCarthy، بيروت سنة ١٩٥٧، ص ١٤) أن هذا الدليل، الذي يشار إليه بالدلالة وهو الشئ الذي يثبت به شئ (مُسْتَدَلّ)، هو الحجة والواقع أن بيان ما لا يعرف على الفور وبالعقل، والتعريف الحق للدليل، هو الشئ الذي يقنع خصما في سياق "الكلام" والذي يكون حجة دامغة عليه. وفي الحديث عن "الحجج العقلية" يستعمل كتاب "التمهيد" أحيانًا كلمة "أدلة" وأحيانًا كلمة "حجج" (ص ١٠٢، ١١٩). على أنَّه إذا كان الأمر أمر التفرقة الواضحة بين الحجج العقلية والحجج النقلية فإنَّه يفضل كلمة "أدلة" (التمهيد، ص ٩، ١٢، ١٤).
وفي المنهج الذي اتبعه كتاب "بيان عن أصول الإيمان" (مخطوط رقم ٥٧٧ في المكتبة العثمانية بحلب نقلا عن الشيخ الكوثرى والأب جورج قنواتى) يسير أبو جعفر السُمنانى تلميذ الباقلانى بأمانة على نهج السلف ويستعمل أيضًا "الأدلة" للدلالة على الحجج المؤيدة للكلام والحجج التي يستخدمها الكلام. على أنه يعرف الحجة العقلية بأنها "حجة العقول" وهي تسير على خمس قواعد: الاستبعاد والتثبت، والتوصيف، والتعميم، والتوصيف والتعميم معًا (انظر Introduction: Anawati et Gardet a la theologie musulmane باريس سنة ١٩٤٨, ص ٣٦٥ - ٣٦٧) والقواعد الأربع الأخيرة توصف بأنها تقوم على "القياس" بمعناه الجوهرى وهو قياس المثل بالمثل. وهذا يعد في علم الكلام، أوضح الشواهد التي لدينا عن "منطق
стр. 3451
مصطلحَيْن". ويستطيع المرء أن يقول إن الحجة في هذا المقام ينظر إليها على وجه الدقة بأنها الحجة الجدلية.
الغزالي: إن مفردات الغزالي كثيرا ما تكون كما هو شأنها ملتقى مفردات الفلسفة وعلم الكلام وهو يستعمل على القريحة كلمة "دليل" و"أدلة" بمعنى قريب جدًا من المعنى الذي يستعمله فيها ابن سينا. فقد ذكر بخاصة في أوائل كتاب المنقذ من الضلال أن الدليل (أى التدليل) يفترض الرجوع إلى المبادئ الأولى. على أننا نجد الغزالي الذي عرف رأيه الشخصى (فضلا عن تأثره بالجوينى) وشكه في الاعتماد على الدليل دون سواه، يقول "بتكافؤ الأدلة" وهو أمر يحدث بنور داخلى من طراز آخر. والحق أننا نجد أكثر من هذا أن الغزالي يترك للدليل معناه الأول وهو الشئ الهادي إلى الحقيقة الصريحة والغزالي وهو الذى قدر له أن ينعت "بحجة الإِسلام"، يستعمل الدليل على اليقين أكثر مما يستعمل الحجة للدلالة على البرهان العقلى.
على أنَّه يستعمل الحجة بمعناها العام وهو "الحجة المقنعة"، وهي تقتضى، أو يجب أن تقتضى - القبول. ثمَّ هو آخر الأمر يستعمل هذا المصطلح بمعنى أدخل في الإصطلاح حين يبسط نظريته معتمدًا على المنطق الصوري، فيردد كلمة بكلمة تقريبًا تعريفات وتفريقات مدخل الشفاء، وهي أن الحجة التي تستعمل للدلالة على أية محاجة على أنواع ثلاثة: القياس والاستقراء والتمثيل (معيار العلم، القاهرة سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٧ م، ص ٨٦؛ وانظر أيضًا La notion: Farid Jabre de Certitude selon Ghazali، باريس سنة ١٩٥٨، الفهرس، مادتى دليل وحجة).
وفي منهج الفلسفة والكلام تتخذ كلمة حجة معانى مختلفة اختلافًا غير هين، فأحيانًا تطابق - أو تكاد - كلمة "دليل" وأحيانًا تتميز عن هذه الكلمة؛ وهي طورا توحى بالمحاجة والقياس (والاستنباط) ذى الثلاثة حدود وذى الحدين، وطورًا المحاجة الجدلية التي
стр. 3452
تحير الخصم وتقنعه. والظاهر أنها في هذا المعنى الأخير قد احتفظت بمعناها الخاص والحجة كما ترجمها لاوست (La Profession de foi d' lbn: H. Laoust Batta، دمشق سنة ١٩٥٨، ص ٩٠، رقم ٢) هى السند الذي يخرج به المرء من خصمه. وهي الحجة الغالبة سواء كانت من تعاليم النبوة أو من مناقب الصحابة (انظر الكتاب المذكور، ص ١١٦)، أو من الاجتهاد الجدلى الذي يصدر عن العقل البشرى.
المصادر:
وردت في صلب المادة.
في مصطلح الشيعة:
فكرة أن شيئًا أو شخصًا كان هو "الحجة" الظاهرة على وجود الله أو أن لهذه الفكرة سوابق بين الموحدين قبل الإِسلام. والمصطلح "حجة" عند الشيعة قد استعمل ثلاث استعمالات على الأقل. فهي تدل على الأعم على الشخص الذي يصبح به الله الذي لا يدرك مدركًا، وهو الذي يقوم في أي وقت شاهدًا بين الناس على إرادته تعالى الحقة، أو من ثمَّ فإن النبي [ ﷺ ] كان حجة الله. ومنذ عهد قديم جدًا اكتسبت الكلمة معنى أخص، فهي قد دلت عند بعض الغلاة على وظيفة خاصة في نطاق الوحى، أو شئ يتمثل فيه دور سلمان شاهدًا على إمامة على وكان هذا المصطلح يستخدم أيضًا للدلالة على أى شخص في طبقة أهل الدين يصبح به الشخص العزيز الذي لا يبلغه الناس قريبًا منهم.
وفي عقائد "الاثنى عشرية" قُعَّد الاستعمال الأول لهذا المصطلح. فهو يدل على درجة من الأنبياء والأئمة معًا، يجب أن يكون فيها النبي أو الإمام حاضرًا دائمًا ليكون شاهدا على إرادة الله. ومن ثمَّ فإن القسم الذي يتناول النبوة والإمامة في كتاب الكُلينى: الكافي، عنوانه الحجة، ويدلل على ذلك "بأنّه إذا لم يكن ثمة ممثل لله بين البشر فإن الله كان خليقًا بأن يظل مجهولا ... ؛ ويجب أن يكون مثل هذا الممثل موجودًا دائمًا"، ويعتقدون
стр. 3453
بوجود مفسر معتمد. والحجة الحالى هو الإمام الثاني عشر المستتر.
أما بين الإسماعيلية فإن هذا المصطلح يدل بصفة عامة على شخص معين في طبقة رجال الدين ينظر إليه على اعتبار أن له في الوحى وظيفة. وفي أيام الفاطميين استعمل هذا المصطلح للدلالة على كبير الدعاة الذي يوجه الدعاة العاديين وفي الفقرات التي تتعلّق بعدد رجال الدين يبلغ عدد الحجج أربعة وعشرين المفروض أن اثنى عشر منهم من الدعاة والاثنى عشر الآخرين في حاشية الإمام. ويذكر حجة أكبر هو عين الداعى الأكبر. وقد احتفظ الإسماعيلية الطيبية "البهرة" بالسنة الفاطمية في عقائدهم ولكنهم لم يحتفظوا بها في تنظيماتهم. وأما عند النزارية فإنَّه كان لهذا المصطلح تطور معقد. والراجح أنَّه استعمل نعتا للحسن الصباح بصفته الرأس الظاهر للحركة حين كان الإمام مستترا. ثمَّ حدث من بعد وحين اعتبر الإمام العائد محورًا للوحى الإلهى الذاتى، أن كان ثمة حجة (يجعل هو سلمان المؤمن الأمثل) وهو وحده الذي يستطيع، بالوحى الإلهى، أن يدرك إدراكا كاملًا حقيقة الإمام. والدور الدقيق لهذا الحجة قد مر بعدة مراحل تتمشى مع تطور تعاليم النزارية آخر الأمر، ومن ثمَّ فإن الحجة أصبح بطبيعة الحال ولى عهد الإمام. وفي إثبات الحجة الحالية للنزارية (الخوجات) قد حدد لكل إمام حجة أى متحدث باسمه أو شاهد ظاهر عليه. ولا يقتضى الأمر أن يكون الحجة رجلًا أو حتى شخصًا.
المصادر:
عن موقف الاثنى عشرية انظر
(١) محمَّد الكليني: كتاب الحجة في الكافي.
(٢) أما عن الاستعمال الإسماعيلى المتقدم فليس ثمة مصدر عمدة ولكن نصير الدين الطوسي: روضة التسليم أو تصورات، طبعة و. إيفانوف (في
стр. 3454
سلسلة الجمعية الإسماعيلية، أ، رقم ٤، ليدن سنة ١٩٥٠) مفيد بصفة خاصة فى حديثه عن المدة المتأخرة (أما ترجمة هذا الكتاب فلا يعتمد عليها).
(٣) Histoire de la: H. Corbin Philosophie islamique, جـ ١، باريس سنة ١٩٦٤، وهو يتناول جميع استعمالات المصطلح (انظر الفهرس)، وأما فيما يختص بالنزارية فيكمله كتاب The Order Of the As-: H.G.S. Hodgson sassins، لاهاى سنة ١٩٥٥، وهو يتتبع التغيرات فى فكرة الحجة فى الظروف التاريخية المختلفة.
خورشيد [هودجسون M.G.S. Hodgson]
حجر
بن عدى الكندى: "أول شهداء" الشيعة، وتميل هذه الطائفة الى تلقيبه "بصاحب النبى". ولكن أقدم الثقات ينكرون ذلك، ويقول الشيعة أيضًا إنه شهد فتوح الشام الأولى حيث فتح إقليم مرج عذراء، ولكن هذا القول كسابقة لا يستند إلى سند قوى. على أنه من البين أن غرضهم من ذلك أن يربطوا من أول الأمر بين حجر وبين هذا المكان الذى استشهد فيه من بعد. وقد نصر حجر عليًا قلبًا وقالبًا منذ البداية، وحارب من أجله فى "وقعة الجمل" وفى صفين؛ ونحن نجده بعدئذ فى مصر مع محمد بن الخليفة أبى بكر، وكان يلى مصر من قبل على، ولما تنازل الحسن بن على عن حقه فى الخلافة غدا حجر اليد المحركة لكافة مؤامرات العلويين فى الكوفة، وأراد الوالى المغيرة بن شعبة أن يعيد السلام إلى نصابه فسعى إلى استمالة حجر حتى بالمال، وحاول زياد بن أبيه خليفة المغيرة أن يعيده إلى رشده، ولكن جهوده باءت بالخيبة أمام هذه النفس المتمردة التى كان صاحبها يطمح أبدًا إلى أن يكون له شأن وخطر؛ فلما توفى الحسن تفاوض حجر مع أخيه الحسين، فدعا الحسين إلى تولى زمام أتباعه فى الكوفة، وانتهز حجر غياب زياد فى البصرة فحاول أن يثير الفتنة، ولكن زيادًا عجل بالعودة ما استطاع، وحاول
стр. 3455
أن يخمد الفتنة دون إراقة الدماء، ولكن المفاوضات باءت بالخيبة، فأكره زياد على القبض على حجر وعلى أولئك الزعماء من الشيعة الذين ساهموا بأوفر نصيب فى الفتنة، ورفع الأمر إلى القضاء وأعدت ورقة الاتهام ووقعها أبرز رجال الكوفة، وأخذ حجر واصحابه آخر الأمر إلى معاوية فى الشام، وحاكمهم الخليفة من جديد، وبعد أن سأل قادة الشام رأيهم فى الأمر حكم على حجر بالموت ونفذ الحكم فيه فى مرج عذراء قرب دمشق، وفقد هذا المتشيع لعلى شجاعته تمامًا فى اللحظات الأخيرة من حياته.
وكان مقتل حجر فاتحة الاستشهاد بين الشيعة ومن هنا نشأت الأهمية التى أسبغت على هذا الحادث الذى يكاد يقع كل يوم، مع أنه لا يعد فى الواقع إلا حادثًا عارضًا فى الفتن التى كانت تنتاب العراق وقال فلهوزن - Well) (hausen إن زيادًا سلك فى هذا الحادث مسلكًا قويمًا وإن معاوية كان إلى الهوادة واللين أميل لأنه عفا عن جل شركاء حجر.
المصادر:
(١) ابن حجر: الإصابة (الطبعة المصرية) جـ ١، ص ٣١٤ - ٣١٥.
(٢) الدينورى: الأخبار الطوال (طبعة كركاس Guirgass)، ص ٣٣٣ - ٢٣٤
(٣) اليعقوبى: التاريخ (طبعة هوتسما) جـ ٢، ص ٢٢٩ - ٢٣٠، ٢٧٣ - ٢٧٥
(٤) الكندى: ولاة مصر (طبعة غست) ص ٢٥
(٥) ابن سعد: الطبقات (طبقة سخاو) جـ ٦، ص ١٥١ - ١٥٤.
(٦) الطبرى: التاريخ (طبعة ده غويه)؛ جـ ١، ص ٣٤٦٢، ٣١٥١, ٣١٥٥، ٣١٦٤، ٣٣٣٧، ٣٣٧١، ٣٤٤٧.
(٧) الأغانى؛ جـ ١٤، ص ١٤٢؛ جـ ١٦، ص ٢, ١١.
стр. 3456
(٨) Die religios: Wellhausen politischen oppositions parteien im alten lslam, وانظر عن المصادر الأخرى الكاتب المذكور: ziad ibn Abihi (فى - Ri vista degli Studi Orientali)؛ جـ ٤، ص ٧٠ - ٧٤.
خورشيد [لامنس H. Lammens].
حد
والجمع حدود بمعنى الفاصل بين شيئين؛ وحد الشئ منتهاه، والحد المنع أو القيد.
ولهذه الكلمة فى الاصطلاح العلمى معان مختلفة ففى القرآن نجدها فى صيغة الجمع دائمًا، ومعناها القيود التى فرضها الله، أى أحكام الشريعة من الأوامر والنواهى. وهى ترد بهذا المعنى فى أواخر كثير من الآيات التى تتضمن أحكامًا شرعية. ففى سورة البقرة (آية ١٨٧) جاء بعد بيان أحكام الصيام قوله تعالى "تلك حدود الله فلا تقربوها" وقد وردت بهذا المعنى أيضًا فى السورة نفسها (الآية ٢٢٩ وما بعدها) حيث بينت أحكام الطلاق وكذلك وردت فى آيات أخرى.
ويذهب كزيميرسكى فى تعليقه على أن هذا التعبير يذكر بالقيود المحيطة بالشريعة المرسومة Sepis Legis. والحد فى الشريعة الإسلامية (الجنائية) هى عقوبة مقدرة وجبت حقا لله تعالى. وهذه الحدود التى أوردها كزيميرسكى بحالات الزنا والقذف وشرب الخمر وغيره من المسكرات. وعقوبات أخرى للسرقة تختلف باختلاف الظروف.
وتعد هذه المخالفات للشريعة خطيرة، ومع ذلك فللمذنب أن يطمع فى عفو الله لأن الذنب وقع فى حق الله، وإذا ما أنكر المذنب ورد التهم التى وجهت إليه فيحسن بالقضاة ألا يغلظوا عليه وأن يعطوه كل فرصة لتبرئة نفسه". ومن أراد زيادة فى التفصيل فليرجع إلى Hand-: Juynboll
стр. 3457
buch des Islamichsen Gesetzes ص ٢٩٢ وما بعدها.
والحد فى الفلسفة التعريف، وتسمى الصفات التى تميز الشئ التعريفات. ويكون التعريف تامًا إذا تركب من الجنس والفصل القريبين كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق، وهناك نوع من الحد يضع الشئ المطلوب تعريفه بين مقدارين يكون منتهى لأحدهما ومبتدأ للآخر.
والتعريفات التى تجدها فى رأس شتى العلوم تسمى حدودًا كمقدمة علم الهندسة لإقليدس، أما المطلوبات فتسمى مصادرات (انظر Codex Leidensis ٦٩٩ Elementa Euclides, طبعة & Besthorn Heiberg سنة ١٨٩٣).
والحد فى الفلك أقسام معينة تحت كل برج ويختص كل قسم بواحد من الكواكب السيارة الخمسة.
والحد عند المتصوفة وبخاصة المحدود معناه تناهى المخلوقات بالنسبة إلى الله الذى لا حد له، فالإنسان عندهم منحصر فى الزمان والمكان.
عباس محمود [كاراده فو B. Carra de Vaux]
الحديبية (*)
واد على مرحلة من مكة، أى على بعد تسعة أميال تقريبًا منها وبعض الحديبية فى حرم مكة وبعضها فى الحل وهو أبعد الحل من البيت، وكان هذا الوادى الممحل حوالى الهجرة مركزًا لعبادة يقوم بها أهل تلك الناحية. وكان فيها بئر وشجرة مقدسة (١)، ثم نشأت قرية متوسطة فى هذا المكان، فكانت قصبة للأراضى المجاورة لها وتوافرت فى هذه الأراضى المياه الخارجة من بطن الأرض.
ولم يستطع النبى [ ﷺ ] أن يعد نفسه قابضًا على ناصية الحال إلا فى
стр. 3458
الشهور الأخيرة من العام السادس للهجرة بعد أن قضى على العشائر اليهودية وأذل المنافقين فى المدينة، ومن ثم رأى أن الوقت قد حان لفتح مكة ردًا على حصار الخندق، وهو الحصار الذى حاولته قريش، وقد اتخذ النبى [ ﷺ ] كل الأهبة لهذا الفتح بفضل السياسة التى التزمها، ولم يحد عنها، بتركيز الاهتمام على مكة أم البلاد، وقد أوحى له بتغيير القبلة وفرض الحج. ويبدو أن النبى [ ﷺ ] فكر أول الأمر فى القيام بغزوة عسكرية.
فقد كان المفروض أن يسير فى عدد يتفاوت بين ١٤٠٠ و ١٦٠٠ من الرجال المسلمين ولكنه عدل خطته وأعلن أنه انتوى العمرة. وكان المقدر أن يدخل مكة، أو أن يجبر قريشًا على مفاوضته، وكان جنده من القوة بحيث يكسب احترام المكيين، ولكن القرشيين لم يخاطروا وأخذوا الحذر فاحتلوا مشارف مكة، ودخل [ ﷺ ] فى مفاوضات معهم واقتصر فى مطالبه على طلب واحد هو أن يسمح له ولصحبه بزيارة الكعبة، ولكن هذا الطلب رفض اول الأمر وتلت ذلك مفاوضات طويلة شاقة، ولم يتح لعمر أن يسفر لمكة لمفاوضة قريش، فاختير. عثمان لهذا الغرض فقد كان له فى جاه أسرته بنى أمية أصحاب النفوذ حمى ومنعة، فلما أرجف بموته جمع محمد [ ﷺ ] صحبه تحت شجرة الحديبية وطلب إليهم مبايعته، وهى البيعة التى يطلق عليها بيعة الحديبية وتسمى أيضًا "بيعة الشجرة" أو "بيعة الرضوان" (وهى إشارة للآية ١٨ من سورة الفتح) التى تواتر انها تشير إلى هذه الحوادث (٢). وقد أطلق لقب "شجرى" فى تاريخ الإسلام على كل من اشترك فى المبايعة نسبة إلى الشجرة التى بويع النبى [ ﷺ ] تحتها (٣)؛ وبعد بضعة أيام وصل سفراء من مكة، وقد بحث العهد الذى كان مزمعًا إبرامه حكمًا حكمًا وكلمة كلمة، وقطع على نفسه العهد بأنه يرد على قريش من يأتيه منهم ولكن المكيين لم يتعهدوا برد المسلمين، أما العمرة فقد سمح
стр. 3459
للمسلمين بأدائها فى العام التالى على أن يكون معهم من السلاح السيوف فى قربها ولا سلاح غيرها.
وقد جانَب هذا العهد آمال الصحابة، فكانوا قد ضاقوا صبرًا بطول المدة التى قضوها فى سكون إلا أن النبى [ ﷺ ] فى الواقع قد كسب فى صراعه مع مكة كسبًا سياسيًا عظيما، ذلك أنه لم يتنازل من ناحيته عن أية حقوق كان كسبها اللهم إلا مطالب بسيطة كما أنه حمل أشراف قريش على مفاوضته مفاوضة الند واعترف به لأول مرة أمام العرب جميعًا بأنه أصبح من أصحاب السلطان فى البلاد، فقد دخلت قريش فى مفاوضة مع ذلكم الرجل الذى هاجر ومعه أتباعه من الآبقين الذين قطعوا كل ما كان يربطهم من صلة بمنازلهم، فأسدلت بذلك دار الندوة على الماضى ستار النسيان ومن ثم أتيح لأبى القاسم أن يستثمر ذلك إلى أقصى حد، وأن يفيد من حرية التنقل التى أباحها له هذا العهد إفادة كاملة، ولم تعد المدينة تخشى شيئًا من مكة، وما كانت لتعوز النبى [ ﷺ ] الوسيلة الى التحايل على القيود الثقيلة التى رضى بها (٤) واعتزم النبى فى الوقت نفسه أن ينحر فى الحديبية الهدى الذى جاء به، وأُضيفت.
المصادر:
(١) ياقوت: المعجم (الطبعة المصرية)؛ جـ ٣، ص ٢٣٣ - ٢٣٤
(٢) البكرى: المعجم (طبعة فستنفلد)، ص ١٢٨، ٢٧٢, ٥٢١, ٨١٣.
(٣) مسلم: صحيح؛ جـ ٢، ص ٦٤، ٦٥, ٩١, ٩٢.
(٤) ابن سعد: الطبقات (طبعة سخاو)؛ مجلد ٢، جـ ١، ص ٦٩، ٧٠ - ٧٣, ٧٦؛ مجلد ٤، جـ ٢، ص ٤٠
(٥) ابن حنبل: المسند، جـ ٣، ص ٣٥٠ (٧) , ٣٥٥, ٣٨٤, ٣٩٦, ٤٢٠, ٤٨٦, جـ ٤, ص ٤٨ - ٤٩, ص ٣٢٣, جـ ٥, ص ٣٢٦.
(٦) Annali: Caetani , جـ ٣، ص ١٣٩
(٧) ابن هشام: السيرة (طبعة
стр. 3460
فستنفلد) ص ٧٤٠، ص ٧٤٣، ص ٧٤٥، ص ٧٤٦.
(٨) الواقدى: مغازى (طبعة فلهوزن) ص ٢٤٢، ص ٢٤٤, ص ٢٦٠.
(٩) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٤، ص ٥٩.
خورشيد [لامنس H. Lammens]
تعليقات على مادة "الحديبية "
(١) هذا غير دقيق، إن لم يكن غير صحيح فإنا لم نجد فى المصادر التى أشار إليها كاتب المادة، ولا فى غيرها مما اطلعنا عليه، ما يدل على أن هذه البقعة كانت مركزًا لعبادة يقوم بها أهل تلك الجهة. وكلامه يوهم أن الشجرة التى يسميها "مقدسة" كانت بهذه الصفة فى ذلك الوقت، وليس كذلك. إنها شجرة قديمة حدباء سميت بها الناحية كما قال الخطابى، ولكن لم يكن لها أى تقديس. وكل ما فى الأمر أنه بعد أن بايع النبى [ ﷺ ] أصحابه تحتها أو تحت شجرة غيرها بيعة الرضوان، توهم بعض الضعفاء من المسلمين فى عهد عمر أن لها ميزة خاصة. فلما أن رأى عمر ذلك خشى شبهة تعظيمها، مما قد يشعر بمعنى يتصل بالوثنية من قريب أو من بعيد، والإسلام إنما جاء أولا وبالذات لتوحيد اللَّه توحيدًا مطلقًا من كل شائبة، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وحارب الوثنية الظاهرة والخفية، حربًا لا هوادة فيها. لما رأى عمر ذلك أمر بقطع الشجرة حتى اندثر أثرها وخفى موضعها على من عرفها وحضرها وعلى من لم يعرفها وجاء من بعدهم.
(٢) لا ندرى ماذا يريد هذا القائل أن يقول. إن آية سورة الفتح ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فهى إشارة إلى بيعة الشجرة إشارة صريحة لا مبهمة! أما إن كان يريد أن يوهم القارئ أن المسلمين يتواتر بينهم اْن هذه الآية نزلت قبل البيعة، وهو لا
стр. 3461
يرضى أن يسلم بصحة النبوة وبصدق القرآن، فليس فى المسلمين من يجهل أن سورة الفتح نزلت بعد بيعة الرضوان وبعد العهد الذى تم فى الحديبية مع قريش، فلم تكن إخبارًا عن مستقبل مغيب، بل كانت خبرًا عن شئ وقع فعلا.
(٣) فى هذا شئ من الصحة فى أصله! ولكن لا يعرف على إطلاقه. فإن النسبة إلى "شجرة" فى قواعد اللغة "شجرى" فما من شئ يمنع إطلاق هذه النسبة، ولكنها لم تعرف معرفة شائعة بين الناس، ولم نسمع بها إلا فى الندرة، ولم أجد من ذكره إلا كلمة لسفيان بن عيينة، نقلها الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده (ج ٥، ٣٢٦) قال: سمعت سفيان بن عيينة يسمى النقباء، فسمى عبادة بن الصامت منهم. قال سفيان "عبادة عقبى أحدى بدرى شجرى وهو نقيب". فهذا هو الموضع الواحد الذى وجدت فيه هذا الاستعمال، فما أظن بعد ذلك يستقيم قول كاتب المقال أنه يطلق "فى تاريخ الإسلام على كل من اشترك فى المبايعة".
(٤) هذه أخت تلك الماضية ما جرؤ أجرأ عدو للَّه ولرسوله. والإسلام أن يزعم أن رسول الله نقض العهد وهو أهل الوفاء وهو الآمر بالعدل، وهو الذى علم الناس الصدق والإخلاص، وهو الذى جعل من علامة المنافق أنه إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف. وهو الذى كان يسميه قومه شابًا فتيًا باسم "الأمين" وصفًا لخلقه فيهم وإقرارًا منهم بما يرونه من صدقه وأمانته. ثم عادوه وعاداه غيرهم فما أخذ عليه واحد منهم مأخذًا فى صدقه أو وفائه. ولكن الأب لامنس اليسوعى لم ير على نفسه غضاضة أن يقول ما لم يقل أحد من هؤلاء.
أما إنكاره تشريع الإسلام فى القبلة وفى الحج وادعاؤه أن رسول اللَّه "زاد بعض المناسك فى شعائر الحج" فما يستطيع أحد أن يرغمه على الإيمان، واللَّه يقول لرسوله: إنك لا تهدى من أحببت ولكن اللَّه يهدى من يشاء.
أحمد محمد شاكر
стр. 3462
الحديث (*)
لهذه الكلمة معنى عام هو الخبر أو المحادثة، دينية كانت أم غير دينية؛ (١) ثم أصبح لها معنى خاص، هو ما ورد عن النبى [ ﷺ ] ورواه صحابته من قول أو فعل. وفى هذا المعنى يطلق على جملتة عند المسلمين اسم "الحديث"، ويطلق على العلم الخاص به "علم الحديث".
١ - موضوع الحديث وصفته
كان السير على سنة الآباء الأولين (والسنة هى النهج القديم المأثور الذى يعتاده المرء فى المبادلة والأخذ والعطاء) (انظر Muhamm. Stud.: Goldziher؛ جـ ١، ص ٤١، تعليق ٨) ولما جاء الإسلام لم يُبق على القديم، وهو اتباع عادات الآباء الكفار وأحوالهم وكان لا بد للمسلمين من أن ينشئوا لهم سنة جديدة. فأصبح واجبًا على المؤمن أن يتخذ من خلق الرسول وصحابته مثلا يحتذيه فى جميع أحوال معاشه، ولهذا بذل كل جهد ممكن فى سبيل جمع أخبار النبى [ ﷺ ] وصحابته (٢).
وفى أول الأمر كان الصحابة أحسن مرجع لمعرفة سنة محمد [ ﷺ ]، فهم قد عاشروه، وسمعوا قوله بآذانهم، وشاهدوا فعله بأبصارهم. ثم كان على المسلمين بعد ذلك أن يطمئنوا إلى أخبار التابعين وهم أهل الجيل الأول بعد النبى [ ﷺ ]، وقد أخذوا الحديث عن الصحابة. واطمأنت نفوس المسلمين فى الأجيال اللاحقة إلى الوثوق بروايات تابعى التابعين أيضًا، وهم من أهل الجيل الثانى بعد النبى [ ﷺ ] وقد عاصروا الصحابة وهكذا (٣).
واحتفظت الأحاديث بصبغة الأقوال الشخصية أجيالا عدة، فكان كل حديث صحيح يتألف من شطرين: الأول عبارة عن أسماء الرواة الذين نقلوا المتن أحدهم عن الآخر، ويسمى هذا الشطر "الإسناد" أو "السند" أى البرهان على صحة الرواية. فمن يروى الحديث كان يقول: سمعت فلانًا، أو حدثنى فلان عن فلان، وهكذا يبدأ الإسناد بالمحدث، ثم
стр. 3463
يذكر سلسلة السند إلى أن يرفع الحديث إلى مصدره الأول.
والشطر الثانى من الحديث هو "المتن" أى النص أو القول المروى (انظر تفصيل ذلك فى Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٦ - ٨)
وبعد وفاة محمد [ ﷺ ] لم تستطع الآراء والمعاملات الدينية الأصلية التى سادت فى الرعيل الأول أن تثبت على حالها من غير تغير: فقد حل عهد للتطور جديد، وبدأ العلماء يدخلون شيئًا من التطور فى نظام مرتب من الأعمال والعقائد يتواءم والأحوال الجديدة. فقد أصبح الإسلام بعد الفتوح العظيمة يبسط سيادته على مساحات شاسعة، واستعير من الشعوب المغلوبة على أمرها آراء ونظم جديدة، وتأثرت حياة المسلمين وأفكارهم حين ذاك فى بعض النواحى بالاسرائيليات وغيرها.
وعلى أية حال فإن المسلمين التزموا أيما التزام المبدأ القائل بأن سنة النبى [ ﷺ ] والسابقين الأولين فى الإسلام هى وحدها التى يمكن أن تكون القانون الخلقى للمؤمنين.
وسرعان ما أدى هذا بالضرورة إلى وضع الأحاديث فاستباح البعض لأنفسهم اختراع أحاديث تتضمن القول أو الفعل ونسبوها إلى النبى [ ﷺ ] لكى تتفق وآراء العصر التالى، وكثرت الأحاديث الموضوعة وتداولها الناس منسوبة إلى النبى [ ﷺ ] بحيث تجعله يقول أو يفعل شيئًا مما كان يعد فى ذلك العصر من الأمور المستحسنة وظهرت فى الحديث أقوال مأخوذة من أقوال الرسل والأناجيل المنحولة، ومن الآراء الإسرائيلية والعقائد الفلسفية اليونانية إلخ .. تلك الآراء التى لقيت الحظوة عند فريق معين من المسلمين، ونسبت كل هذه الأقوال إلى النبى [ ﷺ ] (انظر جولدتسيهر: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٥٨٢ وما بعدها؛ Neu-: Goldziher -testamentliche Elemente in der Trad itionslitteratur der Islam فى oriens Christianus طبعة ١٩٠٢، ص ٣٩٠ وما بعدها).
ولم يتورع الناس عند ذاك عن أن يجعلوا النبى [ ﷺ ] يفصِّل على هذا النحو القصص والأساطير التى وردت
стр. 3464
موجزة فى القرآن ويدعو إلى آراء ومعتقدات جديدة إلخ .. بل جعلوا كثير من هذه الأحاديث الموضوعة تتناول أحكام: كالحلال والحرام والطهارة وأحكام الطعام، والشريعة، وآداب السلوك ومكارم الأخلاق. ثم وضعت أحاديث تتناول العقائد، ويوم الحساب، والجنة والنار، والملائكة والخلق، والوحى والأنبياء السابقين. وفى الجملة وضعت أحاديث فى ما يتعلق بالصلة بين الله والإنسان وتشتمل هذه الأحاديث الموضوعة كذلك على عظات وتعاليم خلقية نسبت إلى النبى [ ﷺ ].
ومع مضى الزمن ازداد ما روى عن النبى [ ﷺ ] من قول أو فعل شيئًا فشيئًا فى عدده وفى غزارته. وفى القرون الأولى التى تلت وفاة الرسول [ ﷺ ] عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء فى مسائل تختلف طبائعها أشد الاختلاف، وعملت كل فرقة على تأييد رأيها على قدر ما تستطيع بقول أو تقرير منسوب إلى النبى [ ﷺ ] ومن استطاع أن يرد رأيه إلى أثر من آثار النبى [ ﷺ ] فهو على الحق من غير شك. ولهذا وجدت الأحاديث الموضوعة فى سنة محمد [ ﷺ ] (٤).
وفى الخلافات الكبرى التى نشأت عن العصبية، جرى كل فريق على التوسل بمحمد [ ﷺ ] (انظر Goldziher: . Muhamm. Stud, جـ ٢، ص ٨٨ وما بعدها فمثلا نجد أنه قد نسب إلى النبى [ ﷺ ] قول تنبأ فيه بقيام دولة العباسيين. وجملة القول إنهم جعلوه يتنبأ، على نحو تمتزج فيه الرؤية بالنبوة, بما جرى بعد ذلك من حوادث سياسية وحركات دينية، بل بالظواهر الاجتماعية الجديدة التى إنما نشأت من الفتوح العظيمة (كازدياد الترف) وكان غرضهم تبرير كل ذلك فى نظر الجماعة الجديدة.
وهناك قسم خاص من هذه الأحاديث التنبئية وضعت فى صورة أقوال نسبت إلى محمد [ ﷺ ] تتعلق بفضائل أماكن متعددة ونواح فى بلاد لم يفتحها المسلمون إلا فى عصر متأخر (انظر Goldziher: نفس المصدر، جـ ٢، ص ٢٨ وما بعدها).
وعلى هذا لا يمكن أن تعد الكثرة الغالبة من تلك الأحاديث وصفًا
стр. 3465
تاريخيًا لسنة النبى [ ﷺ ]؛ بل هى تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ بعد وفاة محمد [ ﷺ ]، ونسبت إليه عند ذلك فقط (٥).
والعلم مدين دينًا كبيرًا لما كتبه جولد تسيهر Goldziher فى هذا الموضوع (انظر. Muhamm. Stud طبع هال سنة ١٨٩٠، وغيره من مؤلفاته).
وهو مدين كذلك لما كتبه سنوك هرجرونييه G. Snouck Hurgronje (انظر من بين مؤلفاته العديدة رسالته المسماة Le Droit Musulman فى مجلة تاريخ الأديان Revue de l'histoire de Religions جـ ٣٦، ص ٦ وما بعدها).
فهذان العالمان هما اللذان بيَّنا لأول مرة فى وضوح وجلاء صفة الحديث الحقيقية وأهميته التاريخية من هذه الناحية (٦).
ومع أن المسلمين كانوا يلعنون
واضعى الأحاديث ومن يذيعها بين
الناس عن سوء قصد، إلا أن ثمة
اعتبارات مخففة أخذ بها فى
بعض الأحوال وبخاصة إذا كان
الحديث الموضوع يتناول بعض
العظات أو التعاليم الخلقية (٧) راجع
التفصيلات فى (Goldziher المصدر
المذكور، جـ ٢، ص ١٣١ وما بعدها
وص ١٥٣ وما بعدها، والكاتب نفسه
فى - Zeitschr. der Deutsch Morgenl Ge sellsch جـ ٦١، ص ٨٦٠).
والعالم الإسلامى كله يجعل للحديث مكانة عظيمة تتلو مكانة القرآن. وسرعان ما تغلب المسلمون على ما قام فى بعض الدوائر من الاعتراض على جمع الحديث وإذاعته بين الناس (انظر مقال Kaempfe um die Stellung: Goldziher ,des Hadith im Islam , فى Zeitschr der Deutsch Morgenl. Gesellsch جـ ٦١, ص ٨٦٠، وما بعدها).
وفى بعض الحالات يعتقد أن "كلام الله" نفسه يوجد فى الحديث كما يوجد فى القرآن. ومثل هذا الحديث يبدأ عادة بعبارة "قال الله" ويسميه علماء المسلمين "الحديث القدسى أو الإلهى" ويطلقون على غيره اسم "الحديث النبوى". وهناك ثبت بالأحاديث النبوية فى مخطوط بمكتبة ليدن رقم ١٥٦٢ (Catal. Cod. Or جـ ٤، ٩٨).
стр. 3466
٢ - نقد المسلمين للحديث
لا يعد الحديث صحيحًا فى نظر المسلمين إلا إذا تتابعت سلسلة الإسناد من غير انقطاع وكانت تتألف من أفراد يوثق بروايتهم. وتحقيق الإسناد جعل علماء المسلمين يقتلون الأمر بحثًا، ولم يكتفوا بتحقيق أسماء الرجال وأحوالهم لمعرفة الوقت الذى عاشوا فيه وأحوال معاشهم، ومكان وجودهم، ومن منهم كان على معرفة شخصية بالآخر؛ بل فحصوا أيضًا عن قيمة المحدث صدقًا وكذبًا وعن مقدار تحريه للدقة والأمانة فى نقل المتون ليحكموا أى الرواة كان ثقة فى روايته، ويسمى نقد الرجال باسم "الجرح والتعديل" (نظر - Gold Muhamm. stud: ziher جـ ٢, ص ١٤٣ وما بعدها).
ومعرفة الرجال لا بد منها لدرس الحديث، ولهذا تتضمن جميع الشروح لمجموعات الأحاديث تفصيلات مطولة عن الرجال تتفاوت طولا وقصرا. وهناك مؤلفات معينة تقتصر على هذا الموضوع، من بينها ما يسمى بكتب الطبقات وهى تراجم مرتبة فى طبقات، وتتناول سير عدة علماء ورواة للحديث وغيرهم (نظر Ursprung und: O.Loth Bedeutung der Tabakat., Zeitschr. der .Deutsch. Morgenl. Gesellsch جـ ٣٢, ص ٥٩٣ - ٦١٤). نضرب لهذه الكتب مثلا بكتاب الطبقات لابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م)؛ وهو كتاب مشهور؛ و"طبقات الحفاظ" للذهبى المتوفى سنة ٨٤٨ هـ (١٣٤٧ م). ومن هذا النوع أيضًا ما صنف فى الرواة الضعفاء مثل "كتاب الضعفاء" للنسائى (أنظر Goldziher: المصدر نفسه، جـ ٢، ص ١٤١، وما بعدها). وكذلك سير الصحابة مثل كتاب "الإصابة فى تمييز الصحابة" لابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م) وكتاب "أسد الغابة فى معرفة الصحابة" لابن الأثير المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (١٢٣٢ م).
والحكم على قيمة المحدث قد يختلف اختلافًا بينًا، فربما كان ثقة عند قوم، ولكن غيرهم كانوا يعدونه فى منتهى الضعف فى روايته. بل أن الثقة ببعض كبار الصحابة لم تكن من الأمور المسلمة عند الجميع فى أول الأمر.
стр. 3467
ولهذا نجد أن الثقة بأبى هريرة كانت محل جدل عنيف بين كثير من الناس (٨).
وكان الحكم على محدث يختلف باختلاف وجهة نظر كل طائفة أو فرقة معينة، ونشأ عن هذا خلافات مرة. وينبغى أن نذكر فى هذا المقام أن مادة الحديث المروى كانت أيضا أصل التنازع. وإذا كانت الثقة بالمحدثين هى محل النزاع، فالغالب أن ما فى موضوع الحديث من هوى هو الذى كان يثير المعارضة دائمًا. فالحكم النهائى لم يكن مقصودًا به قيمة المحدث وإنما كان المقصود به الحكم على مادة الروايات التى يرويها (٩).
وفى عصر متأخر، وبعد أن اتخذت العقائد والعبادات والنظم السياسية والاجتماعية وضعًا محددًا فى القرنين الثانى والثالث للهجرة نشأ رأى عام معين فيما يتعلق بالثقة بمعظم رواة الحديث وقيمة رواياتهم. وقد اعتبرت أصول العقائد التى اشتملت عليها كتب مالك بن أنس والشافعى وغيرهما من العلماء صحيحة فى نظر طوائف واعتبرت ثقة على وجه خاص فيما روته من أحاديث محمد [ ﷺ ]. ومع مضى الزمن لم يجرؤ أحد على الشك فى صحة هذه الأحاديث؛ ولم يصبح فى الإمكان اعتبار رجال كأبى هريرة - الذى يرجع إليه الفضل فى تداول هذه الأحاديث - من الكاذبين. بل سلِّم على وجه عام بصحة كثير من الأحاديث التى تتضمن بعض أخطاء تاريخية شديدة الوضوح (١٠)، ولم يرفض شئ منها إلا ما كان لا يتعارض مع ما وقع الإجماع على صحته. على أن الميل على العموم كان متجها إلى الثقة بمثل هذه الأحاديث أيضًا إذا أمكن على الأقل تفسيرها بروح من التوفيق.
وعلى مر الزمن فقدت الخلافات القديمة كل أهمية عملية عند الأجيال الناشئة، ووجد أن معظم الأحاديث المتصلة بهذه الخلافات، ولو أن بعضها يعارض البعض الآخر، إلا أنه أمكن فى الغالب التوفيق بينها بفضل المهارة فى تفسير مضمونها. وعلى هذا أصبح رفض الحديث يعد عملا متطرفًا لا يلجأ إليه إلا عند اليأس من تأويله (انظر
стр. 3468
Snouck Hurgronje المصدر المذكور آنفًا)، والأحاديث العديدة (الموضوعة) المتناقضة فى موضوع بعينه، تمد المؤرخ فى الغالب بدليل لا يقوم على التطور الداخلى للإسلام.
على أن الأحاديث مع هذا لم تكن كلها متساوية القيمة عند علماء المسلمين، بل جعلوها أنواعًا متفاوتة تميزها تعريفات فنية معينة تبعًا لاكتمال الإسناد والثقة بالمحدثين، إلخ ...
٣ - تصنيف الحديث
ينقسم الحديث أولًا إلى ثلاثة أقسام:
أ - (١) "صالح" أى صحيح، ويطلق هذا الاسم على الحديث الصحيح الخالى من الخطأ، والذى لا توجد علة فى إسناده، ولا يعارض شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة.
(٢) ويسمى الحديث "حسنًا" إذا لم يكن بريئًا من الشوائب براءة تامة، كأن يكون غير متصل السند تمام الاتصال، أو كأن يقع الإجماع على الثقة براوية (١١).
(٣) ويعتبر الحديث "ضعيفًا" إذا وقع فيه شك خطير، كأن يكون ذلك فى متنه، أو كأن يكون واحد أو أكثر من سلسلة إسناده ممن لا يوثق بروايتهم، أو ممن اتهم بشئ من البدع.
ب - وقد يحدث أن تكون قيمة الرواية محل شك لأن الراوى ذكر كلامًا فى أثناء الحديث بحيث يستحيل الفصل بين قوله هو وقول الرسول [ ﷺ ]. ويسمى هذا الحديث بالحديث "المدرج".
ويسمى الحديث "متروكًا" إذا انفرد به راو واحد تعد الثقة بروايته ضعيفة. أما الحديث الذى يعتبر مكذوبًا فيسمى بالحديث "الموضوع".
جـ - ولا تتناول الأحاديث كلها أقوال النبى [ ﷺ ] وأفعاله. بل نجد منها ما يتعلق بالصحابة والتابعين. وهنا يفرق بين:
(١) الحديث المرفوع وهو ما أضيف إلى النبى [ ﷺ ].
(٢) والموقوف وهو ما أضيف إلى الصحابى من قول أو فعل.
стр. 3469
(٣) والمقطوع وهو ما لا يرتفع إلا إلى الجيل الأول بعد محمد، وقد يراد به ما أضيف إلى التابعى من قول أو فعل.
د - ويميز بين الأحاديث من ناحية الإسناد واتصاله على الوجه الآتى:
إن كان الحديث متصل السند ورواته من العدول الى أن يرتفع إلى صحابى فإنه يسمى بالحديث المسند.
وإذا اشتمل الحديث على ملاحظات تتعلق بالرواة جميعهم (كأن يقرر ضمنًا أنهم حلفوا اليمين عند روايتهم للحديث أو شبك كل واحد من رواته يده بيد من رواه عنه) فإنه يسمى "المسلسل". وفى الحالة الأولى يسمى "مسلسل الحلف"، وفى الثانية "مسلسل اليد" إلخ ...
(انظر Katal der. Arab: Ahlwardt HSS. der Kgl. Bibliothek, zu Berlin، جـ ٢، ص ٢٦٧ - ٢٧٣).
وإذا كان الاسناد متصلا قليل الرجال بالنسبة لغيره. وذلك لأن آخر رواته تلقاه عن أولهم عن أشخاص قليلى العدد، فإن الحديث يسمى "بالحديث العالى". ولهذا النوع من الإسناد فائدة عظمى. إذ أن إمكان وقوع الخطأ فيه قليل جدًا.
راجع ما يتعلق بالرواة المعمرين (Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٧٠ - ١٧٤).
ويسمى الإسناد متصلا إذا كانت سلسلة السند متصلة وكاملة، ويقابل المنقطع بالمعنى العام. على أن القاعدة هى أنه يراد بالحديث المنقطع، بالمعنى الخاص، ما سقط من رواته واحد من التابعين.
ويطلق اسم الحديث المرسل على الحديث الذى رفعه تابعى إلى النبى [ ﷺ ] ولم يكن معروفًا اسم الصحابى الذى سمعه منه.
واختلف فى الاحتجاج بالحديث المرسل، فالمتقدمون من الفقهاء مثل أبى حنيفة ومالك ابن أنس قالوا بقبوله، أما المتأخرون فقد قالوا بغير ذلك (انظر بين مصادر أخرى: Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesellsch، جـ ٢٣، ص ٥٩٥، هامش ٣).
стр. 3470
والحديث يسمى "بالحديث المعضل" إذا سقط من سنده اثنان أو أكثر سواء كان السقوط من أول السند أو من أثنائه أو من آخره. ويذهب بعض العلماء إلى القول بأن المعضل هو ما سقط اثنان أو أكثر من إسناده بالتتابع.
وإذا روى الراوى الحديث عن شيخه بلفظ "عن" لا غير، كأن يقول "عن فلان" فمن المحتمل أن يكون لم يسمع الحديث من الشيخ الذى روى عنه، وإنما سمعه من أشخاص آخرين لم يرد ذكر أسمائهم فى الإسناد، ويسمى مثل هذا الحديث بالحديث المعنعن (راجع التفصيلات الأخرى فى Goldziher: muh .stud. جـ ٢, ص ٢٤٨).
والمبهم اسم يطلق على الحديث الذى يروى عن شخص لم يذكر اسمه فى الإسناد.
هـ - وينقسم الحديث باعتبار طرق الإسناد إلى الأقسام الآتية:
١ - المتواتر: وهو ما رواه فى كل طبقة جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، وذلك من ابتدائه إلى انتهائه ولم يخالف فيه أحد.
٢ - المشهور: وهو ما رواه ثلاثة فأكثر من العدول، ويرى البعض أنه هو الذى استفاض فيما بعد ولم يكن قد رواه فى الأصل إلا واحد من الجيل الأول.
٣ - والعزيز: وهو ما رواه اثنان ولم يستفض كالأحاديث المتواترة أو المشهورة.
٤ - والآحاد: اسم يطلق على الأحاديث التى رواها واحد فقط (فى أى طبقة من طبقات الإسناد).
٥ - والغريب: فى الغالب هو الحديث النادر. والغريب المطلق باعتبار الإسناد هو ما رواه تابعى فى الجيل الثانى فقط (انظر فرد جـ ٢، ص ٦١ ب، وغريب جـ ٢، ١٤١ ب) وإذا انفرد برواية الحديث شخص من الأجيال المتأخرة فإن الحديث ليس غريبًا بالنسبة "لشخص معين". ويسمى الحديث بالغريب أيضًا إذا اشتمل متنه على عبارات نادرة أو غريبة، ويكون هذا الوصف باعتبار معناه. وهذه المصطلحات الفنية لم تكن فى الأصل متفقًا على تفسيرها بمعنى واحد بين