← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

٢ - نقد المسلمين للحديث لا يعد الحديث صحيحًا فى نظر المسلمين إلا إذا تتابعت سلسلة الإسناد من غير انقطاع وكانت تتألف من أفراد يوثق بروايتهم. وتحقيق الإسناد جعل علماء المسلمين يقتلون الأمر بحثًا، ولم يكتفوا بتحقيق أسماء الرجال وأحوالهم لمعرفة الوقت الذى عاشوا فيه وأحوال معاشهم، ومكان وجودهم، ومن منهم كان على معرفة شخصية بالآخر؛ بل فحصوا أيضًا عن قيمة المحدث صدقًا وكذبًا وعن مقدار تحريه للدقة والأمانة فى نقل المتون ليحكموا أى الرواة كان ثقة فى روايته، ويسمى نقد الرجال باسم "الجرح والتعديل" (نظر - Gold Muhamm. stud: ziher جـ ٢, ص ١٤٣ وما بعدها). ومعرفة الرجال لا بد منها لدرس الحديث، ولهذا تتضمن جميع الشروح لمجموعات الأحاديث تفصيلات مطولة عن الرجال تتفاوت طولا وقصرا. وهناك مؤلفات معينة تقتصر على هذا الموضوع، من بينها ما يسمى بكتب الطبقات وهى تراجم مرتبة فى طبقات، وتتناول سير عدة علماء ورواة للحديث وغيرهم (نظر Ursprung und: O.Loth Bedeutung der Tabakat., Zeitschr. der .Deutsch. Morgenl. Gesellsch جـ ٣٢, ص ٥٩٣ - ٦١٤). نضرب لهذه الكتب مثلا بكتاب الطبقات لابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م)؛ وهو كتاب مشهور؛ و"طبقات الحفاظ" للذهبى المتوفى سنة ٨٤٨ هـ (١٣٤٧ م). ومن هذا النوع أيضًا ما صنف فى الرواة الضعفاء مثل "كتاب الضعفاء" للنسائى (أنظر Goldziher: المصدر نفسه، جـ ٢، ص ١٤١، وما بعدها). وكذلك سير الصحابة مثل كتاب "الإصابة فى تمييز الصحابة" لابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م) وكتاب "أسد الغابة فى معرفة الصحابة" لابن الأثير المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (١٢٣٢ م). والحكم على قيمة المحدث قد يختلف اختلافًا بينًا، فربما كان ثقة عند قوم، ولكن غيرهم كانوا يعدونه فى منتهى الضعف فى روايته. بل أن الثقة ببعض كبار الصحابة لم تكن من الأمور المسلمة عند الجميع فى أول الأمر.

стр. 3467

ولهذا نجد أن الثقة بأبى هريرة كانت محل جدل عنيف بين كثير من الناس (٨). وكان الحكم على محدث يختلف باختلاف وجهة نظر كل طائفة أو فرقة معينة، ونشأ عن هذا خلافات مرة. وينبغى أن نذكر فى هذا المقام أن مادة الحديث المروى كانت أيضا أصل التنازع. وإذا كانت الثقة بالمحدثين هى محل النزاع، فالغالب أن ما فى موضوع الحديث من هوى هو الذى كان يثير المعارضة دائمًا. فالحكم النهائى لم يكن مقصودًا به قيمة المحدث وإنما كان المقصود به الحكم على مادة الروايات التى يرويها (٩). وفى عصر متأخر، وبعد أن اتخذت العقائد والعبادات والنظم السياسية والاجتماعية وضعًا محددًا فى القرنين الثانى والثالث للهجرة نشأ رأى عام معين فيما يتعلق بالثقة بمعظم رواة الحديث وقيمة رواياتهم. وقد اعتبرت أصول العقائد التى اشتملت عليها كتب مالك بن أنس والشافعى وغيرهما من العلماء صحيحة فى نظر طوائف واعتبرت ثقة على وجه خاص فيما روته من أحاديث محمد [ ﷺ ]. ومع مضى الزمن لم يجرؤ أحد على الشك فى صحة هذه الأحاديث؛ ولم يصبح فى الإمكان اعتبار رجال كأبى هريرة - الذى يرجع إليه الفضل فى تداول هذه الأحاديث - من الكاذبين. بل سلِّم على وجه عام بصحة كثير من الأحاديث التى تتضمن بعض أخطاء تاريخية شديدة الوضوح (١٠)، ولم يرفض شئ منها إلا ما كان لا يتعارض مع ما وقع الإجماع على صحته. على أن الميل على العموم كان متجها إلى الثقة بمثل هذه الأحاديث أيضًا إذا أمكن على الأقل تفسيرها بروح من التوفيق. وعلى مر الزمن فقدت الخلافات القديمة كل أهمية عملية عند الأجيال الناشئة، ووجد أن معظم الأحاديث المتصلة بهذه الخلافات، ولو أن بعضها يعارض البعض الآخر، إلا أنه أمكن فى الغالب التوفيق بينها بفضل المهارة فى تفسير مضمونها. وعلى هذا أصبح رفض الحديث يعد عملا متطرفًا لا يلجأ إليه إلا عند اليأس من تأويله (انظر

стр. 3468

Snouck Hurgronje المصدر المذكور آنفًا)، والأحاديث العديدة (الموضوعة) المتناقضة فى موضوع بعينه، تمد المؤرخ فى الغالب بدليل لا يقوم على التطور الداخلى للإسلام. على أن الأحاديث مع هذا لم تكن كلها متساوية القيمة عند علماء المسلمين، بل جعلوها أنواعًا متفاوتة تميزها تعريفات فنية معينة تبعًا لاكتمال الإسناد والثقة بالمحدثين، إلخ ... ٣ - تصنيف الحديث ينقسم الحديث أولًا إلى ثلاثة أقسام: أ - (١) "صالح" أى صحيح، ويطلق هذا الاسم على الحديث الصحيح الخالى من الخطأ، والذى لا توجد علة فى إسناده، ولا يعارض شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة. (٢) ويسمى الحديث "حسنًا" إذا لم يكن بريئًا من الشوائب براءة تامة، كأن يكون غير متصل السند تمام الاتصال، أو كأن يقع الإجماع على الثقة براوية (١١). (٣) ويعتبر الحديث "ضعيفًا" إذا وقع فيه شك خطير، كأن يكون ذلك فى متنه، أو كأن يكون واحد أو أكثر من سلسلة إسناده ممن لا يوثق بروايتهم، أو ممن اتهم بشئ من البدع. ب - وقد يحدث أن تكون قيمة الرواية محل شك لأن الراوى ذكر كلامًا فى أثناء الحديث بحيث يستحيل الفصل بين قوله هو وقول الرسول [ ﷺ ]. ويسمى هذا الحديث بالحديث "المدرج". ويسمى الحديث "متروكًا" إذا انفرد به راو واحد تعد الثقة بروايته ضعيفة. أما الحديث الذى يعتبر مكذوبًا فيسمى بالحديث "الموضوع". جـ - ولا تتناول الأحاديث كلها أقوال النبى [ ﷺ ] وأفعاله. بل نجد منها ما يتعلق بالصحابة والتابعين. وهنا يفرق بين: (١) الحديث المرفوع وهو ما أضيف إلى النبى [ ﷺ ]. (٢) والموقوف وهو ما أضيف إلى الصحابى من قول أو فعل.

стр. 3469

(٣) والمقطوع وهو ما لا يرتفع إلا إلى الجيل الأول بعد محمد، وقد يراد به ما أضيف إلى التابعى من قول أو فعل. د - ويميز بين الأحاديث من ناحية الإسناد واتصاله على الوجه الآتى: إن كان الحديث متصل السند ورواته من العدول الى أن يرتفع إلى صحابى فإنه يسمى بالحديث المسند. وإذا اشتمل الحديث على ملاحظات تتعلق بالرواة جميعهم (كأن يقرر ضمنًا أنهم حلفوا اليمين عند روايتهم للحديث أو شبك كل واحد من رواته يده بيد من رواه عنه) فإنه يسمى "المسلسل". وفى الحالة الأولى يسمى "مسلسل الحلف"، وفى الثانية "مسلسل اليد" إلخ ... (انظر Katal der. Arab: Ahlwardt HSS. der Kgl. Bibliothek, zu Berlin، جـ ٢، ص ٢٦٧ - ٢٧٣). وإذا كان الاسناد متصلا قليل الرجال بالنسبة لغيره. وذلك لأن آخر رواته تلقاه عن أولهم عن أشخاص قليلى العدد، فإن الحديث يسمى "بالحديث العالى". ولهذا النوع من الإسناد فائدة عظمى. إذ أن إمكان وقوع الخطأ فيه قليل جدًا. راجع ما يتعلق بالرواة المعمرين (Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٧٠ - ١٧٤). ويسمى الإسناد متصلا إذا كانت سلسلة السند متصلة وكاملة، ويقابل المنقطع بالمعنى العام. على أن القاعدة هى أنه يراد بالحديث المنقطع، بالمعنى الخاص، ما سقط من رواته واحد من التابعين. ويطلق اسم الحديث المرسل على الحديث الذى رفعه تابعى إلى النبى [ ﷺ ] ولم يكن معروفًا اسم الصحابى الذى سمعه منه. واختلف فى الاحتجاج بالحديث المرسل، فالمتقدمون من الفقهاء مثل أبى حنيفة ومالك ابن أنس قالوا بقبوله، أما المتأخرون فقد قالوا بغير ذلك (انظر بين مصادر أخرى: Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesellsch، جـ ٢٣، ص ٥٩٥، هامش ٣).

стр. 3470

والحديث يسمى "بالحديث المعضل" إذا سقط من سنده اثنان أو أكثر سواء كان السقوط من أول السند أو من أثنائه أو من آخره. ويذهب بعض العلماء إلى القول بأن المعضل هو ما سقط اثنان أو أكثر من إسناده بالتتابع. وإذا روى الراوى الحديث عن شيخه بلفظ "عن" لا غير، كأن يقول "عن فلان" فمن المحتمل أن يكون لم يسمع الحديث من الشيخ الذى روى عنه، وإنما سمعه من أشخاص آخرين لم يرد ذكر أسمائهم فى الإسناد، ويسمى مثل هذا الحديث بالحديث المعنعن (راجع التفصيلات الأخرى فى Goldziher: muh .stud. جـ ٢, ص ٢٤٨). والمبهم اسم يطلق على الحديث الذى يروى عن شخص لم يذكر اسمه فى الإسناد. هـ - وينقسم الحديث باعتبار طرق الإسناد إلى الأقسام الآتية: ١ - المتواتر: وهو ما رواه فى كل طبقة جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، وذلك من ابتدائه إلى انتهائه ولم يخالف فيه أحد. ٢ - المشهور: وهو ما رواه ثلاثة فأكثر من العدول، ويرى البعض أنه هو الذى استفاض فيما بعد ولم يكن قد رواه فى الأصل إلا واحد من الجيل الأول. ٣ - والعزيز: وهو ما رواه اثنان ولم يستفض كالأحاديث المتواترة أو المشهورة. ٤ - والآحاد: اسم يطلق على الأحاديث التى رواها واحد فقط (فى أى طبقة من طبقات الإسناد). ٥ - والغريب: فى الغالب هو الحديث النادر. والغريب المطلق باعتبار الإسناد هو ما رواه تابعى فى الجيل الثانى فقط (انظر فرد جـ ٢، ص ٦١ ب، وغريب جـ ٢، ١٤١ ب) وإذا انفرد برواية الحديث شخص من الأجيال المتأخرة فإن الحديث ليس غريبًا بالنسبة "لشخص معين". ويسمى الحديث بالغريب أيضًا إذا اشتمل متنه على عبارات نادرة أو غريبة، ويكون هذا الوصف باعتبار معناه. وهذه المصطلحات الفنية لم تكن فى الأصل متفقًا على تفسيرها بمعنى واحد بين

стр. 3471

علماء المسلمين. ويقال مثلا إن الإمام الشافعى لم يفرق بين الحديث المقطوع والحديث المنقطع. والمصنفات المتأخرة كذلك ليس بينها اتفاق مطلق على هذه التعريفات (انظر der lzz al din: F. Risch -Abu Abd Allah ueber die Kun stausdruecke Der Traditionswissenschaft nebst Er laueterungen طبع ليبسك سنة ١٨٩٥, وكذلك الجرجانى: كتاب التعريفات طبع فلوكل، وكشاف اصطلاحات الفنون، طبع شبرنجر وآخرين). وتتعرض الكتب العامة أيضًا المؤلفة فى قواعد علم الرواية لمناقشة تقسيم الحديث إلى أقسامه المختلفة. ومن بين هذه المصنفات الكتب الثلاثة الآتية: ١ - "علوم الحديث" لابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ = ١٢٤٥ م (انظر Goldziher المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٨٧ وما بعدها؛ Brockelmann: Geschichte der Arab Litt جـ ١، ٣٥٩) (١٢). ٢ - التقريب والتيسير للنووى المتوفى سنة ٦٧٦ هـ = ١٢٧٧ م. وله شرح اسمه "تدريب الراوى" للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ = ١٥٠٥ م (١٣). ٣ - "نخبة الفكر" لابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ = ١٤٤٨ م. وله شرح للمؤلف نفسه نشره Lees N. فى ... Bibl Indica , رقم ٣٧ من المجموعة الثانية، طبع كلكتة سنة ١٨٦٢ م (١٤). ٤ - مجموعات الحديث ألف علماء مختلفون مجموعات للأحاديث متعددة اكتسب بعضها مقام الشريعة بين مسلمى العصور المتأخرة. ولم تكن الأحاديث فى أول الأمر مصنفة بحسب الموضوعات، وإنما كانت مصنفة بحسب الرجال، وسميت هذه المجموعات "بالمسند" قياسًا على ما تضمنته من أحاديث كاملة الإسناد. فأخذ الوصف من الحديث المفرد وأطلق على المجموعة كلها. وأحسن هذه الكتب هو "المسند" لابن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ = ٨٨٥ م (١٥). راجع التفصيلات فى Materialien: Goldziher zur Litteratur der Uberlieferungs - wesens bei den Muhammedanern in Zeitsch. der

стр. 3472

Deutsch.-Morgenl. Gesellsch. جـ ١, ص ٤٦٥ - ٥٠٦). وصنفت أمثال هذه المسانيد أيضًا فى العصور المتأخرة، فمثلا رتب بعض العلماء الأحاديث الموجودة فى المصنفات الكبرى للتيسير على حروف المعجم (١٦)، ورتب غيرهم الأحاديث الموجودة فى "موطأ" مالك بن أنس أو غيره من المصنفات التى لم يقصد بتأليفها أن تكون مجموعة وافية للحديث فى كتب متفرقة (انظر: Goldziher: Muhamm. Stud جـ ١, ص ٢٢٧). على أن مجموعات الأحاديث التى صنفت فى العصور المتأخرة كانت القاعدة فى تصنيف معظمها أن يكون ذلك وفقًا لمضمون الأحاديث، وما صنف منها تبعًا للأبواب يسمى "المصنف" (١٧). واعتبر أهل السنة من المسلمين مع مضى الزمن ستة من هذه المصنفات حجة فى موضوعها. وقد ألفت كلها فى القرن الثالث للهجرة. وأصحاب هذه المصنفات هم: (١) البخارى المتوفى ٢٥٦ هـ = ٨٧٠ م. (٢) مسلم المتوفى عام ٢٦١ هـ = ٨٧٥ م (٣) أبو داود المتوفى عام ٢٧٥ هـ = ٨٨٨ م (٤) الترمذى المتوفى ٢٧٩ هـ = ٨٩٢ م. (٥) النسائى المتوفى ٣٠٣ هـ = ٩١٥ م (٦) ابن ماجه المتوفى ٢٧٣ هـ = ٨٨٦ م. وتسمى كتبهم باختصار الكتب الستة أو الستة الصحاح، وهى تتلو فى الرتبة القرآن وهو كلام الله. ويحظى كتابا البخارى ومسلم على وجه خاص بتقدير عظيم ويسميان الصحيحين، وهما لا يشتملان إلا على الأحاديث المتفق على صحتها. على أن شروط البخارى للصحة ليست هى هى الشروط التى رآها مسلم (١٨) (انظر Goldziher, المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٢٤٧).

стр. 3473

هذا إلى أن البخارى يزيد فى الغالب على عناوين أبوابه تعليقات مستفيضة لا نجدها فى صحيح مسلم، وإن كان كلاهما يتقصى الأحاديث حيثما كانت متبعين شتى الطرق، وكلاهما يشتمل، لا على الأحاديث المتعلقة بالفقه والحلال والحرام وحدها، بل على كثير من الأحاديث التاريخية والخلقية وأحاديث تتناول العقائد (انظر GoIdziher المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٢٣٤ - ٢٤٨). وعلى عكس ذلك نجد أن الكتب الأربعة الأخرى تقتصر على السنة أى الأفعال المأثورة، ولا تشتمل على الأحاديث التى تعتبر صحيحة فقط بل تشتمل أيضًا على الأحاديث الحسنة، وبالجملة على جميع الأحاديث التى اعتمد عليها العلماء استنباط الأحكام، ولو كان الشك قائمًا فى إسنادها. وعندما كان يرى هؤلاء المصنفون أن حديثًا يمكن رفضه، فإنهم كانوا فى العادة يلفتون نظر القارئ إلى ذلك (انظر Goldziher المصدر نفسه، جـ ٢، ص ٢٤٨ وما بعدها). وهناك تفسير واضح للسمعة الحسنة التى ظفرت بها هذه الكتب الستة، ففى القرن الثالث كانت الأحوال ملائمة جدًا لجمع الأحاديث إذ كان لا بد من توافر إجماع معين فى جميع المسائل المتعلقة بالعقائد والأفعال، وكونت الكثرة الغالبة من علماء المسلمين رأيًا معينًا فى قيمة أغلب الأحاديث، فأصبح من الممكن البدء عند ذاك فى جمع كل ما اتفق على صحته. ومن هنا ترى أن قيمة البخارى وغيره من أصحاب الصحاح لم تكن - كالخطأ الشائع - لأنهم قرروا لأول مرة أى هذه الأحاديث المتداولة كان صحيحًا وأيها كان كاذبًا، فرأيهم الخاص لم يكن ليؤثر كثيرًا فى الرأى الغالب، وإنما تنهض قيمة كتبهم فى الأكثر على أنها جمعت فى صعيد واحد كل ما اتفق المؤمنون فى عهدهم على أنه صحيح (انظر Snouck Hurgronje: المصدر المذكور). وهناك مجموعات أخرى مشهورة للحديث صنفت فى القرن الثالث أيضًا مثل "سنن عبد الله الدرامى، (المتوفى سنة ٢٥٥ هـ = ٨٦٨ م) ولكن هذه

стр. 3474

المصنفات لم تصل أبدًا فى العالم الإسلامى إلى ما وصلت إليه الصحاح الستة من القيمة وحسن السمعة. بل إن الكتب الأخيرة من الصحاح نفسها لم يقع الإجماع على تقديرها إلا بعد تدرج طويل. ومجموعة ابن ماجة على وجه خاص ظلت موضعًا للريبة وقتًا طويلا لما اشتملت عليه من الأحاديث الضعيفة العديدة. ومع أن الكتب الستة لها قيمة عظيمة فإنه لم يعتبر من النقائص فى شئ أن يستباح نقد ما ورد فيها من الأحاديث نقدًا حرًا تلك الأحاديث التى لم ينعقد الإجماع على صحتها، وإن كانت واردة فى الكتب الصحاح, ولهذا نجد مثلا أن "الدارقطنى" المتوفى سنة ٣٨٥ هـ = ٩٩٥ م، صنف كتابًا دلل فيه على ضعف مائتى حديث أوردها البخارى ومسلم (١٩) (انظر GoIdziher, المصدر المذكور, جـ ٢ ص ٢٥٧). وفى عصر متأخر كذلك ظهرت مجموعات للأحاديث صنفها كثير من العلماء، وكانت مؤلفات هؤلاء تهدف بوجه خاص إلى إعداد مجموعات تتفاوت فى شمولها نقلوا فيها عن الكتب الستة وأضافوا إليها أحيانًا المجموعة المشهورة التى صنفها ابن حنبل, ثم رتبوا ذلك كله على طرق مختلفة. من هذه المصنفات كتاب البغوى المتوفى سنة ٥١٠ هـ = ١١١٦ م، ويسمى "مصابيح السنة" وهو كتاب كان شموله وحسن ترتيبه سببًا فى شهرته بين المسلمين، ويحتوى على نخبة من الأحاديث المستقاة من الكتب القديمة دون ذكر للإسناد، واشتهر على وجه خاص تعليق لولى الدين التبريزى على كتاب البغوى ويسمى "مشكاة المصابيح", والاسم "مشكاة" مأخوذ من القرآن (سورة النور، آية ٣٥). ونذكر من المصنفات المطولة التى ظهرت فى عصر متأخر كتابين للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ = ١٥٠٥ م: أحدهما "جمع الجوامع"، (٢٠) والثانى "الجامع الصغير"، وغاية السيوطى الأولى من هذين الكتابين هى وضع مؤلف شامل للمجموعات

стр. 3475

الموجودة (١٩) (انظر W. AhIwardt Ka: talog der Arab. Hss. der Kgl Biblioth zu Berlin , جـ ٢، ص ١٥٥ وما بعدها). وقصرت طائفة من جمعة الحديث همَّها على قسم معين من الحديث الوارد فى المجموعات الكبرى، كأن يقتصروا على ما تعلق بالأخلاق وحدها، أو قصروا همَّهم على عدد معين من الأحاديث المشهورة. ولهذا نجد مثلا مصنفات عديدة اشتهرت باسم "الأربعين"، وهى مجموعات تشتمل على أربعين حديثًا مشهورًا. ولما أصبحت مادة الحديث فى الكثير من النواحى غامضة على أفهام المؤمنين فى الأجيال المتأخرة شعر كثير من العلماء بالحاجة إلى إعداد شروح لمجموعات الحديث، فالكلمات والعبارات المهجورة تحتاج إلى شرح، وينبغى على وجه خاص تعليل الكثير من التعارض أو جعله عديم الضرر بالاجتهاد فى تفسيره. وعنى معظم الشراح بعد ذلك بالأحكام التى تستنبط من الحديث والآراء المتعارضة فيها، والتى انتصر لها علماء مختلفون. نذكر من أحسن الشروح المستفيضة المشهورة شرح ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ = ١١٤٨ م, وشرح القسطلانى المتوفى سنة ٩٣٢ هـ = ١٥١٧ م، على صحيح البخارى، وشرح النووى المتوفى سنة ٦٧٦ هـ = ١٢٧٧ م، على صحيح مسلم (انظر Gesch. der Arab. Litt.: C. Brockelmann جـ ١، ص ١٥٦ وما بعدها). وحكم الشيعة على الحديث من وجهة نظرهم الخاصة فلم يعتبروا منه صحيحًا إلا ما رفع إلى على وشيعته ولهذا كانت لهم مؤلفاتهم الخاصة فى هذا الموضوع، ومن أهمها الكتب الخمسة الآتية: ١ - الكافى لمحمد بن يعقوب الكلينى المتوفى سنة ٣٢٨ هـ = ٩٣٩ م. ٢ - "من لا يحضره الفقيه" لمحمد ابن على بن بابويه القُمِّى المتوفى سنة ٣٨١ هـ = ٩٩١ م. (٣) "تهذيب" الأحكام. (٤) "الاستبصار فيما اختلف فيه الأخيار" (وهو مختار من سابقه) لمحمد الطوسى المتوفى سنة ٤٥٩ هـ = ١٠٦٧ م.

стр. 3476

٥ - "نهج البلاغة" (الأقوال المنسوبة إلى على) لعلى بن طاهر الشريف المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ = ١٠٤٤ م أو لأخيه الشريف الرضى البغدادى (انظر Gesch der Arab: C. Brockelmann Litteratur جـ ١, ١٨٧, ٤٠٤ وما بعدها The Faith of Islam: E. Sell لندن ١٨٨٠, ص ٦٩ وما بعدها هامش ٢؛ GoIdziher: المصدرالمذكور، جـ ٢، ص ١٤٨ هامش ٤؛ وله أيضًا: . Beitraege zur Litteraturgesch. der Shi'a .in Sitz - Ber. Wiener Akad., phil.Hist. Cl ١٨٧٤ ص ٥٠٨). ٥ - رواية الحديث الرأى الغالب بين المسلمين هو أن المعرفة بالعلوم الدينية لا سبيل إليها إلا بتلقين معلم يكون قد تلقاها بالطريقة نفسها. وهذا الرأى اعتنقه المسلمون منذ القدم وطبقوه بوجه خاص على علم الحديث (٢١). فالحديث يجب أن يسمع، وكان الطلاب يقطعون البيادى والقفار ليحضروا دروس الشيوخ الذين كانوا حجة فى هذا العلم ويسمونهم "حملة الحديث"، وللنبى [ ﷺ ] أحاديث كثيرة تقول: "سافر فى طلب العلم" (٢٢). وهذا يعتبر من الأعمال التى يرضى عنها الله. وفى Goldziher (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٧٥ - ١٩٣) تفصيلات للرحلات فى "طلب العلم" وما آل إليه أمرها، فهو يضرب مثلا كيف أن العلماء كانوا يزهون بقطع بلاد شاسعة لسماع القليل من الأحاديث تكون فى الغالب مجهولة. كان الحديث يروى بالسماع من الشيوخ. وكان من المألوف كذلك أن يقرأ أحد الطلاب نسخة من الحديث بينما يستمع له الآخرون، وكان الشيخ يصحح القراءة عند الضرورة ويشرح للطلاب ما غمض عليهم، وفى هذه الحالة أيضًا كانت العادة فى رواية الأحاديث الملقنة على هذا النحو أن يقول الشيخ: "حدثنى - أو أخبرنى - فلان قراءة عليه" وكان للطالب الذى سمع الحديث بهذه الطريقة بحضرة الشيخ وسماعه أن يرويه لغيره بدوره بعد أن يحصل غالبًا على إجازة من شيخه بذلك.

стр. 3477

على أن الطريقة القديمة لرواية الحديث لم تكن دائمًا مرعية. وأصبح نسخ النصوص المكتوبة وجمعها هو الغالب فى نقل الحديث، وبطل استعمال التلقين الشفوى. وكانت الأحاديث تنسخ ويجاز تلقينها مبتدئة بالعبارة المألوفة "حدثنى" كما لو كانت قد رويت بالسماع من الشيخ. راجع ما كتب عن "الإجازة" فى الإسلام وما آل إليه أمرها فى (Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٨٨ - ١٩٣, A. sprenger فى - Morgenl Ge Zeitsch. der Deutsch sellsch, , جـ ١٠، س ٩ وما بعدها و W. AhIwardt فى der katal der. arab'Hss kgl. Bibliothek zu Berlin ٢, ص ٥٤, ٩٥). وفى أول الأمر كانت بعض الأوساط تعتبر كتابة الحديث من المحظورات، ولا يوثق إلا بالأحاديث التى ظل يذكرها ويرويها رجال من العدول، ولم يكن يوثق بالنصوص التى تنسخ فى الغالب من غير عناية كافية أو من مصادر لا يعتمد عليها. ولهذا نجد ابن عساكر يقول: "اجعل همك طلب الحديث من الرجال أنفسهم لا من الكتب حتى لا يتطرق إلى الحديث ما فى الكتب من فساد" (٢٣) (انظر Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٢٠٠) ومع هذا فإن العلماء الذين نفروا من الأوراق والكتب يُذكرون دائمًا على أنهم استثناء لا غير. ويظهر أن السنة المألوفة كانت تدوين الحديث كتابة حتى فى أقدم الأزمنة. على أننا نسلم فى الوقت نفسه بأن الكتابة كانت وسيلة لا غير لمساعدة الذاكرة، وأن المعرفة الحقة كانت تحفظ فى القلب لا فى الورق. انظر التفصيلات الخاصة بتدوين الحديث فى Goldziher: المصدر المذكور، جـ ٢, ص ١٩٤, ٢٠٢ وله أيضًا فى Zeitschr. des Deutsch Mor-: Gesellsch genl. جـ ١, ص ١, ص ٤٧٥, ٤٨٩, جـ ٦١ ص ٨٦٢؛ Sprenger .A: المصدر المذكور، جـ ١، ص ١ وما بعدها، وما كتبه أيضًا فى - Asiat. Soceity of Bengal Journ. of the جـ ٢٥, ص ٣٠٣, ٣٢٩. المصادر: إلى جانب الكتب والرسائل المذكورة فى صلب المادة: (١) البخارى - Les tradi

стр. 3478

tions islamiques, ترجمه عن العربية وعلق عليه ووضع له فهرسًا O. Houdas Public. de I'Ecole des: & W.Marcais) VI. suiv) IV. t. serie Langues or. viv جـ ١ - ٣, باريس ١٩٠٣ - ١٩٠٨ (٢) Le livre des testaments: F. Peltier du Gahih d'el Bokhari مترجم عن العربية مع التعليق والشرح، باريس ١٩٠٩ (٣) المؤلف نفسه: Le Livre des ventes du Cahih d'el Bokhari ترجمة مع التعليق والشرح، باريس ١٩١٠ (٤) الكاتب نفسه: Le Livre des Ventes du mouwatta de Malik ben Anas مترجم مع التعليق، الجزائر سنة ١٩١١ (٥): W.Marcais Le taqrib de en- Newawi ترجمة وتعليق Asiat .Journ؛ السلسلة التاسعة، جـ ١٦، ص ٣١٥ وما بعدها، ص ٤٧٨ وما بعدها؛ جـ ١٧، ص ١٠١ وما بعدها، ص ١٩٣ وما بعدها، ص ٥٢٤ وما بعدها؛ جـ ١٨، ص ٦١ وما بعدها) ونشر مستقلا كذلك، باريس ١٩٠١ (٦) Mishkat ul-: A.N. Matthews -masabih or a Collection of the most au thentic Traditions regarding the actions and sayings of Mohammed كلكتة سنة ١٨٠٩ - ١٨١٠. (٧) Zur tendenzioe-: Th. Noeldeke - sen Gestaltung der Urgeschichte des Is Iam's فى zeitschr. der Deutsch morgenl . Gesellsch جـ ٥٢, ص ١٦, ٣٣. (٨) Die Religion des Is-: I.Goldziher lam (kuItur der Gegenwart, T.I Abt. III Haelfte ص ٩٩ وما بعدها) (٩) الكاتب نفسه: Vorlesungen uber den islam، هيدلبرغ سنة ١٩١٠، ص ٤٠ وما بعدها، وانظر أيضًا المصادر الواردة فى Muhamm. stud.: Goldziher جـ ٢، ص ٦. عباس محمود [جوينبول Th. W. Juyn boll] تعليقات على مادة "الحديث " (١) هذان الموضعان فى مسند أحمد (ج ٣ ص ٣٥٠ و ٣٨٤) ليس فيهما شئ له علاقة بهذه المادة، فلا ندرى لماذا أشار إليهما كاتب المقال.

стр. 3479

(٢) هذا غير صحيح، فلم يكن اتباع سنة النبى ﷺ عند المسلمين عن عادة اتباع الآباء، وقد نعاها الله على الكفار نعيًا شديدًا وتوعد عليها وعيدًا كثيرًا، وأمر الناس باتباع الحق حيثما كان، واستعمال عقولهم فى التدبر فى الكون وآثاره ونقد الزيف من الصحيح من الأدلة. وإنما كان حرص المسلمين على سنة رسول الله اتباعًا لأمر الله فى القرآن "لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة" الآية ٢١ من سورة الأحزاب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) الآية ٦٣ من سورة النور (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) الآية ٤٤ من سورة النحل. إلى غير ذلك من أوامر الله فى كتابه، مما لا يجهله مسلم، واتباعًا لأمر رسول الله نفسه، فى الأحاديث الصحيحة المتكاثرة وفيما ثبت عمليًا بالتواتر، من عمل كبار الصحابة ثم من بعدهم من التابعين والعلماء، لم يشذ بعد الصحابة إلا أناس غلبهم الهوى أو أعمتهم الجهالة. وهذا موضوع أطال البحث فيه العلماء السابقون وأبدعوا حتى لم يدعوا قولا لقائل أو كادوا. وكتب السنة وكتب الأصول وغيرها مستفيضة، والباحث المنصف يستطيع أن يتبين وجه الحق. ويكفى أن نشير إلى كتابين فيهما مقنع لمن أراد: كتاب (الرسالة) للإمام الشافعى بتحقيقنا وشرحنا (طبعة مصطفى البابى الحلبى سنة ١٩٣٨) وكتاب (الروض الباسم فى الذَّب عن سنة أبى القاسم) للعلامة محمد ابن إبراهيم الوزير اليمنى المتوفى سنة ٨٤٠ (طبعة المطبعة المنيرية) فإنى رأيت كاتب المقال لم يشر فيه من أوله إلى آخره الى مصدر عربى أو إسلامى رجع إليه فى بحثه، وهذا عجب! (٣) ليس هذا على إطلاقه. فالصحابة، وهم الطبقة الأولى من رواة الحديث الذين سمعوه وشاهدوه أو أخذ بعضهم عن بعض، كلهم ثقات مصدقون إلا أن يخطئ. أحدهم فى الرواية فيتبين خطؤه من درس. الروايات الأخرى وموازنة بعضها ببعض، والتابعون وتابعو التابعين، وهم الطبقات الثانية والثالثة، درس علماء الحديث أخبارهم وآثارهم ورواياتهم

стр. 3480

فكان أكثرهم الثقة الصادق، وقليل منهم الضعيف أو المردود الرواية، وهذا علم واسع مفصل فى كتب كبار ودواوين واسعة من درسها وفهمها استيقن واطمأن، وهذه الطبقات الثلاث هى أساس علم الرواية، ومن جاء بعدهم فإنما أخذ عنهم، وفى عصر الطبقة الثالثة بدأ تدوين الحديث تدوينا عامًا فى مؤلفات، كموطأ مالك وهو من أتباع التابعين، من الطبقة الثالثة. (٤) أما أنه وجد بعض الكذابين الوضاعين الذين افتروا أحاديث على النبى ﷺ ، وأما أنه وجد بعض المغفلين الذين دخلت عليهم هذه الأكاذيب فظنوها صحيحة وقبلوها ودخلت الاسرائيليات فظنوها تصلح إيضاحًا تاريخيًا لبعض ما ورد مجملا من أخبار السابقين فى القرآن والسنة الصحيحة، وأما أنه وقعت أغلاط من بعض الرواة الصادقين فى بعض الروايات، أما هذا كله فلا شك فى وقوعه وهو الذى قام علماء الحديث بهذا المجهود الضخم الهائل فى سبيل بنائه. فوزنوا الرجال، ورواة الحديث، بميزان العدل والمعرفة، بحثوا فى سيرتهم الشخصية، فقبلوا من ثبت عندهم أنه عدل لا تشوب سيرته شائبة من خلق ودين أو أمانة وبحثوا رواياتهم ونقدوها، فرفضوا من كثر خطؤه وكثر فى رواياته المخالفة لرواية غيره من الثقات وقارنوا الروايات بعضها ببعض، فرفضوا ما خالف المعقول أو خالف صريح القرآن أو خالف المعلوم من الدين بالضرورة أعنى المتواتر العملى والاعتقادى. ونفوا عن الأحاديث كل ما حاول الوضاعون الكذابون إدخاله عليها، وحفظوا السنة بيضاء نقية، كل هذا كان، ويعرفه المسلمون ويتدارسونه بينهم. وأما الصورة التى تبدو مما قال كاتب المادة أن كل تفصيل فى الأحاديث، من حلال وحرام وطهارة الخ هو من الموضوعات، فإنما هى نفى للسنة جميعها وإبطال لها، وإنما معناها أن رسول ﷺ لم يفعل شيئًا ولم يقل شيئًا، إذ أن كل ما روى عنه مكذوب فى ظنه وإنما معناها أن كل المسلمين، من عهد الصحابة فمن بعدهم، كاذبون مفترون على رسولهم، ليس فيهم أمين! وليس على وجه الأرض منصف يقول هذا. ولست أدرى إن قيل

стр. 3481

هذا فى السنة التى رواها الثقات وبينوا طرق روايتها ووصلوا أسانيدها شيخًا عن شيخ سماعا فى أول أمرهم وكتابة وسماعًا فيما بعد ذلك، ونقدوا الرواية والرواة أدق نقد وأحكمه، فماذا يقال فى غيرها من الروايات والكتب التى لا سند لها ولا نقد لرواتها؟ ! (٥) هذا النوع من الرواية داخل فى الأنواع السابقة والروايات الصحيحة ثابتة معروفة، والروايات الباطلة معروفة، نص علماء الحديث على إبطالها. وإنما أفرد كاتب المقال هذا النوع، لأنه لا يريد أن يسلم بنبوة رسول الله وبأنه يوحى إليه من عند الله, فهو لذلك يعتبر أن كل حديث من هذا النوع مكذوب، لأن صحته معناها صحة نبوة رسول الله ﷺ بأنه أخبر عن شئ قبل وقوعه بوحى من الله إليه. أما المسلمون فيصدقون رسولهم ويؤمنون بأنه رسول يوحى إليه وبأنه يخبر عن الغيب الذى يوحيه الله إليه؛ لا أنه يعلم الغيب من نفسه إنما هو بشر يتبع ما يوحى إليه ﷺ . (٦) لكاتب المقال أن يطمئن إلى جولدسيهر وآرائه وأبحاثه، إذا ما راقت له وصادفت هوى نفسه، أما نحن رجال الحديث ونقاده فنأبى أن نقيم له وزنًا، لا عن عصبية وهوى, ولكن عن برهان وحجة. لم أقرأ مؤلفات جولدسيهر التى يشير إليها كاتب المقال، لأنها لم تترجم إلى العربية، ولكننى قرأت له كتابًا ترجمه أحد علماء الأزهر، وهو كتاب (المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن) فرأيته نقل شيئًا فى القراءات عن كتب مطبوعة، فحرف فى النقل عن عمد، ونسب إلى أكثر القراء قراءة شاذة باطلة، جعلها قراءة أكثرهم. (ص ١٩ من المصدر المذكور طبعة القاهرة ١٩٤٤) وقد نقدت عمله هذا فى (مجلة المقتطف فى المجلد ١٠٥ فى عدد ديسمبر سنة ١٩٤٤ ص ٤٦١ - ٤٦٣) وقلت هناك بعد أن بينت بطلان ما نسبه لأكثر القراء: "لا تظن بعد هذا أن مؤلف الكتاب أخطأ فيما حكى، إنما الواضح الذى لا يشك فيه أنه علم الصحيح وعدل عنه ونقل غيره عارفًا أن القراء أجمعوا تقريبًا على القراءة

стр. 3482

المعروفة، ثم نسب القراءة الشاذة إلى أكثرهم". فجولدسيهر لو عاملناه بما نعامل به رواة الحديث من النقد، بعد أن نغضى عن شروط العدالة المعروفة للعلماء، ونتمسك منها بشرط الصدق وحده، وجدنا أنه ممن لا يجوز قبول نقله فى شئ أصلا، لأن الصدق والأمانة فى الرواية شرط فى قبول ما ينقل الناقل، فإذا ثبت أنه جانب الصدق فى روايته ولو مرة واحدة سقط كل ما يرويه وبطل، لا تقبل له رواية بعد ذلك إلا أن يثبت أنه أخطأ ولم يتعمد الكذب، وجولدسيهر تعمد أن ينسب إلى أكثر القراء غير الحقيقة فى شئ مادى يلمسه كل قارئ، نقله عن كتب مطبوعة فى أيدى الناس، وكان جريئًا جدًا إذ أشار إلى المواضع التى ينقل منها بالجزء والصفحة، ظنًا منه أن القراء يصدقون نقله، فلا يرجعون إلى ما ينقل منه! ! (٧) هذا كلام عجيب! يوهم أن المسلمين أجازوا وضع الأحاديث فى الترغيب والترهيب، وهو ما سماه كاتب المقال "بعض العظات أو التعاليم الخلقية"! ولعل كاتب المقال أتى من ناحية أنه اعتمد فى مقاله على مصادر غير عربية فقط، فلو أنه رجع إلى أى مصدر عربى من كتب الحديث لما قال هذا، وأقرب كتب مصطلح الحديث كتاب (علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح) فلو رجع إليه لرأى فيه (ص ١٠٠ من طبعة المطبعة العلمية بحلب سنة ١٩٣١ ما نصه: "والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررًا قوم من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث احتسابًا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركونا إليهم. ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد لله. وفيما روينا عن الإمام أبى بكر السمعانى أن بعض الكرّامية ذهب إلى جواز وضع الحديث فى باب الترغيب والترهيب ونحو ذلك فى كتاب (تدريب الراوى شرح تقريب النواوى للسيوطى طبعة المطبعة الخيرية سنة ١٣٠٧ ص ١٠٢) وقال النواوى فى الرد على ما نقل من الكرامية: "وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم"

стр. 3483

وقال السيوطى: "بل بالغ الشيخ أبو محمد الجوينى فجزم بتكفير واضع الحديث". فهذا قول أئمة المسلمين وعلماء الحديث، لا ما نقله كاتب المقال عن كتب إفرنجية، مما يوهم أن المسلمين يجيزون وضع الحديث والكذب على رسول الله ﷺ ! ومعاذ الله أن يكون هذا منهم. وانظر تفصيل ما كتبنا عن الأحاديث الموضوعة فى شرحنا على كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (طبعة مطبعة حجازى سنة ١٩٣٧). (٨) لم تكن الثقة بأبى هريرة محل جدل إلا عند أهل الأهواء، ثم تبعهم بعض من اصطنع الجرأة فى الطعن على السنة من المتأخرين. وإنما كان بعض الصحابة يأخذون عليه الإكثار من الحديث خشية الخطأ، ثم كانوا إذا حققوا ما أخذوا عليه أيقنوا من صحة ما روى, والأخبار فى ذلك متكاثرة وكان هو يرد على من أخذ عليه كثرة الرواية، يقول: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول لله ﷺ والله الموعد، إنى كنت امرأ مسكينًا أصحب رسول لله ﷺ على ملء بطنى، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم". وقال ابن عمر: "أكثر أبو هريرة" فقيل له: "هل تنكر شيئًا مما يقول؟ " قال: لا، ولكن جرؤ وجبُنا" فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: "ما ذنبى إن كنت حفظت ونسوا"، وغاضبه مروان بن الحكم فقال له: "إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة الحديث وإنما قدم قبل وفاة رسول لله ﷺ بيسير" فقال أبو هريرة: "قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، وأدور معه فى بيوت نسائه وأخدمه وأغزو معه وأحج، فكنت أعلم الناس بحديث، وقد والله سبقنى قوم بصحبته فكانوا يعرفون لزومى له فيسألوننى عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، ولا والله لا يخفى على كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول لله ﷺ منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه". قال الوليد بن رباح راوى هذه

стр. 3484

الحادثة "فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًا عنه". انظر ترجمة أبى هريرة فى كتب الصحابة، وخاصة فى الإصابة (جـ ٧، ص ١٩٩ - ٢٠٧ طبعة المطبعة الشرقية سنة ١٩٠٧)، وغزوة خيبر كانت سنة ٧ من الهجرة فقد صحب أبو هريرة رسول الله أكثر من ثلاث سنين يلازمه ليلا ونهارًا، يسمع حديثه ويروى عمله، ويفهم عنه ويفقه، فيحدث بما سمع ويصف ما يرى، وما الحديث عن رسول الله إلا هذا، أن يحدث بما سمع كما سمع وأن يصف ما رأى كما رأى وأن يحكى أحوال رسول الله التى يعلم، والتى جعل الله فيها للمسلمين، بل للناس كلهم، أسوة حسنة، فمن اهتدى اتبع ومن لا فحسابه على الله. (٩) أما الخلاف فى توثيق بعض الرواة وتضعيفهم فإنه خلاف طبيعى فى كل بحث يعرض له الإنسان، لا يؤخذ مغمزًا على علماء الحديث. وأما ادعاء أن "مادة الحديث المروى كانت فى الواقع أصل التنازع ولو أن الثقة بالمحدثين هى محل النزاع فى الظاهر" فهذا كلام مجمل موهم، وليس نقدًا علميًا لصناعة المحدثين وعلومهم فإنهم بحثوا فى تاريخ كل راو حتى عرفوا سيرته وصدقه أو كذبه وحفظه أو غلطه. ثم حكموا عليه بما تبين لهم. وتتبعوا ما روى كل راو فنفوا عن روايته الخطأ غير المقصود، وردوا ما كان فيه شبهة العمد إلى رواية شئ لا أصل له، وقارنوا الروايات بعضها ببعض. فنقدوا السنة ونقدوا المتن، فماذا فى هذا؟ لا أدرى. لو ذكر الكاتب مأخذًا معينًا يريده لبحثنا ما قال وحققناه، ولكن جاء بشئ مبهم، يوقع الوهم فى نفس القارئ أنه نقد وما هو بنقد. (١٠) أين الأحاديث التى تتضمن أخطاء تاريخية شديدة الوضوح؟ ! (١١) هذا الكلام ليس على وجهه فإن انقطاع الإسناد موجب لضعف الحديث فلا يكون حسنًا. وإنما "الحديث الحسن" هو الذى لا يكون فى إسناده راو متهم بالكذب، ولكن يوجد فى روايته من أخذ عليه شئ فى حفظه وضبطه ثم يتابعه عليه رواة آخرون غير متهمين بالكذب أيضًا فيقع فى

стр. 3485

نفس المحدث الناقد أن لهذا الحديث أصلا معروفًا. أو كما قال الترمذى فى سننه التى تسمى (الجامع الصحيح طبعة بولاق، ج ٢، ص ٣٤٠) "كل حديث يروى لا يكون فى إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا ويرمى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" وانظر بحث "الحديث الحسن" فى كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح بشرح الحافظ العراقى ص ٣٠ - ٤٧ طبعة حلب سنة ١٩٣١) وكتاب (اختصار علوم الحديث لابن كثير بشرحنا ص ٢٤ - ٣٣ س ٢٤ - ٣٣) وكتاب (تدريب الراوى شرح تقريب النواوى للسيوطى ص ٤٩ - ٥٩). (١٢) كتاب (علوم الحديث) لابن الصلاح اشتهر أيضًا باسم (مقدمة ابن الصلاح) وقد طبع مرارًا، وأهم طبعاته طبعة مصر سنة ١٣٢٦ هـ بتصحيح الشيخ محمود السمكرى الحلبى، وطبعة المطبعة القيمة فى بمبى بالهند سنة ١٣٥٧ هـ، وأهم من ذلك طبعته بشرح الحافظ زين الدين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ فى حلب سنة ١٣٥٠ وهو شرح جليل واف، يقرب هذا العلم للمبتغين. (١٣) هذا الشرح من أنفس كتب السيوطى وأجودها وقد طبع فى مصر فى المطبعة الخيرية سنة ١٣٠٧ هـ. (١٤) هو جزء صغير، طبع مرارًا فى مصر والهند والأستانة وغيرها. وكتب مصطلح الحديث كثيرة جدًا نشر كثير منها فى الأقطار الإسلامية، ومن أهمها وأقدمها مما نشر أخيرًا كتاب (معرفة علوم الحديث) للإمام الحاكم أبى عبد الله النيسابورى صاحب المستدرك المتوفى سنة ٤٩٥ هـ وقد طبع فى دار الكتب المصرية سنة ١٩٢٨ م تحت إدارة جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد بالهند، وكتاب (الكفاية فى علم الرواية) للحافظ الخطيب البغدادى صاحب تاريخ بغداد، المتوفى سنة ٤٦٣ هـ وقد طبع بحيدر آباد بمطبعة دائرة المعارف العثمانية ١٣٥٧ هـ (وكتاب اختصار علوم الحديث) للحافظ ابن كثير صاحب

стр. 3486

التفسير والتاريخ المشهورين، المتوفى سنة ٧٧٤ وطبع بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة ١٣٥٣ هـ ثم طبع بمطبعة حجازى بمصر سنة ١٣٥٥ بشرحنا وتحقيقنا. ومن أهم مؤلفات المتأخرين فى هذا العلم الجليل كتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر) لأستاذنا الجليل الشيخ طاهر الجزائرى الدمشقى ﵀، طبع بمطبعة الخانجى بمصر سنة ١٣٣٨ هـ وكتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) لأستاذنا عالم الشام السيد جمال الدين القاسمى ﵀، وطبع بدمشق سنة ١٣٥٢ هـ. (١٥) هذا كلام غير دقيق تاريخيًا، فإن كتب الحديث ألفت على النوعين - المسانيد والموضوعات - من القديم، بعضها مرتب على الأبواب، أى موضوعات الفقه وغيره، ومن أقدمها موطأ مالك، وهو مؤلف قبل (المسند) للإمام أحمد بن حنبل بزمن طويل (فإن الإمام مالك بن أنس توفى سنة ١٧٩ هـ والإمام أحمد بدأ سماع الحديث سنة ١٧٩ أى سنة وفاة مالك ولكنه لم يسمع منه وسمع من تلاميذه. (١٦) وهذه ليست مسانيد، بل معاجم صنعها المتأخرون على حروف المعجم للأحاديث التى وردت فى كتب معينة، وهى أشبه بالفهارس لكتب الحديث منعهم من جعلها فهارس إن لم تكن الطباعة قد وجدت، ولو كانت قد وجدت إذ ذاك لكانت فهارس حقيقية متقنة، وعلماء العرب والإسلام هم أول من رتب اللغة والأعلام والأحاديث على حروف المعجم، فهم أول من وضع أساس الفهارس التى يظن الناس أنها مقتبسة من غيرهم. (١٧) ليس هذا صحيحًا، فكتب السنة المرتبة على الأبواب قديمة، أقدمها الموطأ كما قلنا آنفا، ثم الكتب الستة الصحاح: البخارى، ومسلم، والترمذى، والنسائى، وابن ماجة، وغيرهم كسنن الدارمى، والدارقطنى، والمصنف لابن شيبة إلى آخر ما هو معروف من كتب الحديث، وكلها مؤلف فى القرن الثالث

стр. 3487

إلا الموطأ كان فى القرن الثانى، وإلا الدارقطنى فإنه فى القرن الرابع. (١٨) كلا، بل شروطها واحدة، هى شروط صحة الحديث المعروفة، إلا فى فرق واحد، وهو أن البخارى يشترط أن يثبت أن راوى الحديث لقى شيخه الذى يروى عنه، إذا قال فى حديثه "عن فلان" فإذا ثبت عنه أنه لقيه بأن قال "حدثنا فلان" أو بأى طريق آخر من طرق ثبوت ذلك كان الحديث على شرطه، فهو أولى أن يكون على شرط مسلم. لأن مسلمًا يكتفى كما يكتفى أكثر أئمة الحديث بأن الشيخ والراوى عنه كانا فى عصر واحد وإن لم يثبت لقاء التلميذ للشيخ ثبوتًا صريحًا. وليس معنى هذا أن مسلمًا ومن وافقه يقبلون رواية منقطعة لم يسمعها الراوى من شيخه فإن هذه تكون رواية ضعيفة باتفاقهم وهى الحديث المنقطع، إنما معناه أن هؤلاء يرون أن الراوى الثقة، وأول شرط فى توثيقه أن لا يكذب، هذا الراوى إذا روى عن شيخ فإنه لا يروى إلا ما سمعه منه أو أخذه عنه بأى طريق من طرق التلقى. إذ لو كان يروى ما لم يأخذه عن شيخه كان إما كاذبًا، والكاذب ليس بثقة، وإما مدلسًا. والمدلس هو الذى يروى عن شيخ معاصر له شيئًا يسمعه منه بل سمعه عن غيره. ولكنه يرويه بصيغة "عن" أو شبهها. والمدلسون معروفون لهم، فلا يقبلون من أحاديثهم إلا ما صرحوا فيه بأنهم سمعوه وذلك احترزًا من تدليسهم، وأما ما يرويه المدلس بصيغة توهم عدم السماع فإن أكثر المحدثين على عدم قبوله، ومنهم مسلم نفسه. (١٩) هذا غير صحيح، فإن الدارقطنى إنما "علل" أحاديث فى الصحيحين: البخارى ومسلم، بأنهما خالفا فيها شرطهما، وهو اختيار أعلى درجات الصحة فى الإسناد أو بأن بعض أسانيد الحديث الذى ينقده أصبح فى نظره من الإسناد الذى رواه به البخارى ومسلم. ولم يتفق المحدثون على ضعف أى حديث فى هذين الكتابين، بل اتفقوا على أن البخارى ومسلما مقدمان على أهل عصرهما ومن بعدهم من أئمة هذا الفن فى

стр. 3488

معرفة الصحيح من غير الصحيح. وانظر تفصيل القول فى ذلك فى (مقدمة فتح البارى للحافظ ابن حجر ص ٣٤٤ وما بعدها، طبعة بولاق سنة ١٣٠١ هـ) وانظر أيضًا ما أشرنا إليه من كتب مصطلح الحديث. (٢٠) كتاب "جمع الجوامع" ويسمى أيضًا "الجامع الكبير" كتاب ضخم جدًا، قصد به السيوطى إلى جمع كل الأحاديث التى وجدها فيما وقع له من كتب السنة، سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة ورتب فيه الأحاديث على الحروف على أوائل اللفظ النبوى فيها ورتب ترتيبًا مقاربًا لأحاديث "الأفعال" أى التى فيها حكاية ووصف لحادثة ونحو ذلك وليس فيها حديث قول للنبى ﷺ ، وهذا الكتاب لم يطبع. وتوجد منه نسخ غير كاملة فى دار الكتب المصرية. وأما "الجامع الصغير" فإنه مختصر مشهور معروف طبع مرارًا وطبعت بعض شروح عليه للعلماء وهو مرتب على الحروف أيضًا، على أوائل اللفظ النبوى اقتصر فيه مؤلفه السيوطى على الأحاديث الوجيزة، وصانه عما تفرد به وضاع أو كذاب أى صانه عن الحديث الموضوع فقط. ففيه أحاديث ضعيفة قطعًا، وهما - فى رأيى - محاولة لعمل فهارس متقنة لكتب الحديث لأن مؤلفهما رتبهما على الحروف ثم ذكر بعد كل حديث أسماء الكتب التى نقله منها، كالبخارى ومسلم وغيرهما ورمز إلى أسماء هذه الكتب برموز اصطلاحية، مثل (خ) للبخارى، (م) لمسلم، (د) لأبى داود (ذ) للترمذى، وهكذا، وهذه الرموز بعضها قديم معروف عند المحدثين، وبعضها اختاره السيوطى وجعله اصطلاحًا له فى كتابيه هذين. (١٢) ليس هذا التعبير على وجهه. فإنما يريد المحدثون التوثق من الرواية ومن صحتها ومن أدائها كما جاءت، والسماع من الشيخ أو القراءة عليه فى ذلك أضبط وأوثق. وأما العلوم عامة - دينية وغيرها - فالواقع فعلا أنها لا بد فيها من معلم، ثم يستقل المتعلم فيتوسع فى العلم بما منح من فهم وفقه فيه، كل على ما يسر له وبالقدر الذى تتهيأ له نفسه ويقتضيه استعداده.

стр. 3489

(٢٢) لا نعرف حديثا بهذا اللفظ. والأحاديث كثيرة فى الحض على الرحلة فى طلب العلم، منها حديث أنس قال: رسول الله ﷺ : "مَنْ خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع" رواه الترمذى وقال: "حديث حسن". وانظر (الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج ١ ص ٦٢ - ٦٣ - الطبعة المنيرية). (٢٣) لم أجد نص كلام ابن عساكر، وكاتب المقال أحال على كتاب جولدسيهر وهو بلغة أجنبية، لا ندرى مبلغ صحته فى النقل. أحمد محمد شاكر الحديث القدسى ويقال له أيضًا "الحديث الإلهى" أو "الربّانى": نوع من الأحاديث يروى كلمات الله سبحانه تمييزًا له عن الحديث النبوى الذى يروى كلمات النبى ﵇؛ ومع أن الحديث القدسى - فيما يقال - يروى كلام الله فإنه يختلف عن القرآن الذى نزل على لسان جبريل، ذلك أن القرآن معجز محفوظ من التغيير والتبديل، وهو يتلى فى الصلاة ولا يمسه أو يتلوه المحدث. والحديث القدسى لا ينزل بالضرورة عن طريق جبريل بل يجئ بالإلهام أو فى رؤيا. وثمة قول لا يقبله الجميع، يذهب إلى أن هذه الأحاديث القدسية أوحاها الله إلى النبى [ ﷺ ] ليلة المعراج. وكلمات الحديث القدسى ليست كلام الله بالضبط ولكنها تعبر عن معنى هذا الكلام. وحين تروى الأحاديث فلا ينبغى أن يقول راويها "قال الله" كما فى القرآن بل يقول "قال رسول الله [ ﷺ ] فيما يروى عن ربه" أو يقول "قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول ﵌". ومن الواضح كل الوضوح أن بعض هذه الأحاديث نجد أصلها فى التوراة والإنجيل، مثال ذلك "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر" (سفر إشعيا، الإصحاح ٦٤، الآية ٤؛ سفر الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح الثانى، الآية ٩)؛ وثمة حديث يخبر بأن الله يوم البعث سوف يقول "لقد كنت

стр. 3490

مريضا فلم تعدنى يابن آدم" وهو يكمل الأسطر التى جاءت فى سفر متى (الإصحاح ٢٥، الآية ٤١ وما بعدها) (١) ولم تؤلف الأحاديث القدسية مجموعة مستقلة من مجموعات الحديث بل إن بعض المجموعات قد صنفت بالاعتماد على كتب السنة الستة، والأشيع أنها اعتمدت على غير هذه الكتب. وأكبر مجموعة من الأحاديث القدسية هى "الاتحافات السنية فى الأحاديث القدسية" لمحمد المدنى أو المدينى المتوفى سنة ٨٨١ هـ (١٤٧٦ م) وقد نشرت هذه المجموعة فى حيدر آباد سنة ١٣٢٣ هـ (١٩٠٥ م) وتشتمل ٨٥٨ حديثًا قسمت إلى ثلاث طوائف (١): الأحاديث التى تبدأ بقال (٢) الأحاديث التى تبدأ بيقول (٣) الأحاديث المرتبة على أحرف حديث. ولم يذكر الإسناد فى هذه الأحاديث، ولكن لم كانت المجموعة التى أخذ منها كل حديث تذكر، فإن من يشاء يمكن أن يجد الإسناد فيها؛ وقد طبعت فى حلب سنة ١٣٤٦ هـ (١٩٢٧ م) مجموعة من ١٠١ حديث قدسى عنوانها "مشكاة الأنوار" لمحيى الدين ابن العربى المتوفى سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م) هى ومجموعة من أربعين حديثًا قدسيًا جمعها ملا على القارى المتوفى سنة ١٠١٤ هـ (١٦٠٥ م). أما ابن العربى الذى يقسم مجموعة إلى ثلاثة أجزاء، جزئين من ٤٠ حديثًا، وجزء من واحد وعشرين حديثًا، فإنه يذكر الإسناد كاملا فى الجزء الأول، ويذكره أحيانًا فى الثانى, ويذكره عادة فى الثالث. وأما على القارى فإنه يذكر - فحسب - الصحابى الذى اشتهر بأنه سمع الحديث من النبى [ ﷺ ] وثمة مجموعة أخرى لم تنشر، وقد جمعها عبد الرءوف، وهى مقسمة إلى جزئين (انظر حاجى خليفة طبعة فلوكل، جـ ١، ص ١٥٠)، الجزء الأول يتناول

стр. 3491

الأحاديث التى تبدأ بقال والثانى رتبه على أحرف الهجاء. والظاهر أن المناوى - الذى يحمل كتابه الأصغر نفس العنوان الذى يحمله كتاب المدنى - يعتمد إلى حد كبير على هذا الكتاب. المصادر: علاوة على ما ذكر فى صلب المادة، انظر: (١) التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون، طبعة شبرنكر وغيره، كلكتة سنة ١٨٥٤ - ١٨٦٢, ص ٢٨٠. (٢) صبحى الصالح: علوم الحديث ومصطلحاته (دمشق سنة ١٣٧٩ هـ = ١٩٥٩، ص ١٢٢ - ١٢٥ (٣) محمد طيب أوقيج: بعض حديث مسله لرى أوزرينده تدقيقلر، إستانبول سنة ١٩٥٩, ص ١٣ - ١٦. (٤) محمد جمال الدين القاسمى: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٣٨٠ هـ (١٩٦١ م) ص ٦٤ - ٦٩ (٥) The So - called Hadith Qudsi: S.M. Zwemer فى Muslim World، جـ ١٢، سنة ١٩٢٢, ص ٢٦٣ وما بعدها = Das sogenannte Hadith Qudsi (وهو ترجمة للكتاب السابق فى Ist، جـ ١٣ سنة ١٩٢٣, ص ٥٣ وما بعدها) (٦) وقد دخلت هذه المقالة التى وردت فى مجلة Muslim world فى Across The World of Islam بقلم الأب زويمر Zwemer، نيويورك سنة ١٩٢٩، ص ٧٥ وما بعدها (٧ The Material of Tradition: J. Robson (، جـ ٢ Muslim World جـ ٤١، سنة ١٩٥١، ص ٢٦١ - ٢٦٧ (٨) بروكلمان، جـ ١، ص ٥٧١؛ قسم ١؛ ص ٧٩١ (ابن العربى)؛ قسم ٢، ص ١٥١ (المدنى)؛ جـ ٢، ص ٣٩٣, قسم ٢، ص ٤١٧ (المناوى)، ص ٥١٧؛ قسم ٢، ص ٥٣٩ (على القارى). خورشيد [روبسون J. Robson]

стр. 3492

حرب ومعناها هو المعنى المعروف. (١) النظرة الشرعية قد تدل كلمة "الحرب" على "القتال" بالمعنى المادى، أو على "حالة الحرب" بين جماعتين أو أكثر، والمعنيان قد استعملا فى النظام الشرعى لجزيرة العرب أيام الجاهلية. ولم تكن فى الجاهلية سلطة منظمة، ومن ثم أصبحت الحرب أساسا للعلاقة بين القبيلة والقبيلة، وكان السلام لا يسود إلا إذا اتفقت عليه قبيلة أو قبيلتان. زد على ذلك أن الحرب كانت تؤدى أغراضا من قبيل الثأر ومقابلة المثل بالمثل. والصحراء المهيأة للغارات والتى لا حدود لها جعلت من الحرب والقتال اللذين اعتادهما العرب وظيفة من وظائف المجتمع. وقد حرَّم الإسلام أن يسفك المسلم دم أخيه، كما حّرم جميع أنواع الحرب إلا "الجهاد"، وإنما الحرب المشروعة هى الحرب التى تستهدف فى غايتها غرضا دينيا هو فرض الشريعة أو الوقوف فى سبيل الخروج عليها. وما من صورة أخرى من صور الحرب جائزة فى نطاق الدولة الإسلامية أو خارجها. ومن هنا حرم الإسلام الحرب التى تدور بين القبائل العربية، لأن هذه الحروب كانت تعد ممعنة فى الخروج على الدين مسرفة فى الوحشية تثيرها المصالح الدنيوية، ولا يجيز الإسلام من الحروب الا ما يحقق غرضا دينيا. ولذلك لم يكن هناك إلا حرب واحدة مشروعة هى "الجهاد" الذى يعلن لتوسيع رقعة المنطقة التى تسود فيها الشريعة الإسلامية والتمكين لها. والحرب، كما فى القانون الفتيالى (١)، يجب أن تعلن وتتابع حتى النهاية وفقا لقواعد مقررة. ففى المحل الأول، يجب أن يفرّق بين الحرب بمعنى القتال، وبين الفروض الدينية الأخرى مثل الصلاة والصوم، ذلك أن هذه الفروض فردية. أما الحرب ففرض

стр. 3493

جماعى أى "فرض كفاية" تلزم المجتمع بأسره. ولما كانت حالة الحرب الدائمة قائمة بين الدولة الإسلامية (دار الإسلام) وبين الدول الأخرى (دار الحرب) فإن المسلمين يظلون دائما فى حالة عداوة مع غير المسلمين. ولكن فى القيام بفرض الكفاية، أى فرض الجماعة فى حالة الحرب، فإنه لا يكون المسلمون جميعا هم الذين يجب عليهم القتال وإنما القليلون منهم الذين يدعون إلى القيام بهذا الفرض نيابة عن الجماعة. وإذا لم يقم أى فرد إطلاقا بهذا الفرض فقد حقت العقوبة على الجماعة بأسرها. وفى حالة قيام خطر غارة مفاجئة تهدد الإسلام فإنه فى هذه الحالة دون سواها يكون أداء هذا الواجب فرضا على الجميع، بما فيهم النساء والأطفال الأرقاء. والحرب، من حيث هى فرض كفاية أى فرض جماعى، وسيلة تتوسل بها الدولة. ومن ثم فإن "الإمام" دون سواه (أو نوابه فى الولايات) هو المكلف بواجب القيام على الحرب. وتحقيق شرعية الحرب لا يقتضى إعلانها على يد الإمام فحسب، بل يقتضى أيضا بأن يكون هو مسئولا عن دعوة المؤمنين إلى القتال. ولما كانت حالة الحرب قائمة دائما بحسب الشرع من حيث النظر (إلا إذا كانت معاهدة سلام لا تزال ملزمة) فإن إعلان الحرب على يد الإمام إنما كانت تعنى أن الظروف التى تهيئ للمؤمن أن يؤدى واجب القتال قد قامت. وكانت دعوة المؤمنين إلى القتال لا تتجاوز أن يدعى إلى القيام بواجب القتال أولئك الذين حق عليهم امتشاق الحسام. ولا يكون المضى فى الحرب شرعيًا إلا إذا سبقته دعوة إلى العدو بالدخول فى الإسلام. ولما كان معنى الحرب، من حيث النظر، قيام منازعة بين الإيمان بالله ورسوله وبين الكفر، فإن الكفار كان يعرض عليهم أولا الإسلام قبل أن ينشب القتال. أما الكتابيون فقد خيّروا بين الإسلام والخضوع لحكم الإسلام وأداء الجزية والقتال. وكانت الدعوة إلى الإسلام توجه أولا إلى العدو؛ ولا يصبح القتال شرعيا إلا إذا رفض الإسلام. وهذه القاعدة قائمة على ما جاء فى القرآن " ..... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" (سورة الإسراء،

стр. 3494

الآية ١٥) وما ورد فى الحديث: "أمرت أن أقاتل المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم" (البخارى: صحيح، ٢٣٦). وقد اختلف الفقهاء فى هل تجدد الدعوة إلى الإسلام إذا نشبت الحرب مرة أخرى مع العدو؟ وذهب الفقهاء المالكية والحنفية إلى أن تجديد الدعوة "مندوب"، وترك الشافعية ذلك للإمام يختار بما يلائم الموقف. وأصر الفقهاء الحنابلة على ألا توجه الدعوة إلا إلى أولئك الذين لم يدعوا من قبل. وفى القيام بالحرب يجب على المقاتلين المسلمين أن يمتنعوا عن سفك الدماء بلا ضرورة وتخريب الممتلكات. ولا يضار غير المحاربين مثل النساء والأطفال والرهبان والعجائز والعميان والمجانين، إلا إذا عاونوا فى الحرب. فإذا أسر المقاتلون تعرضوا للقتل أو الأسر وتؤخذ ممتلكاتهم غنيمة. على أن القواعد المفصلة بمعاملة أشخاص العدو ومالهم تختلف باختلاف المذاهب (أنظر مجموع قواعد كل مذهب فى أبواب "الجهاد" و"السير" أو "الغنيمة"). وتنتهى الحرب إما بانتصار الإسلام على العدو ورضائه بالخضوع لحكم الإسلام نظير أداء الجزية، أو بسلام مع العدو لمدة محدودة، إذا قرر الإمام أن القتال ضار بالإسلام. ومثل هذا السلام موقوت بأجل لا يتجاوز سنتين حين يستطيع الإمام استئناف الحرب، ويجب على الإمام ألا ينهى القتال إذا كان عدد المقاتلين المسلمين لا يقل عن نصف مقاتلى العدو (سورة الأنفال، الآية ٦٦ - ٦٧) حتى يتحقق له النصر. المصادر: (١) أبو يوسف: كتاب الخراج، القاهرة سنة ١٣٥٢. (٢) السرخسى: شرح السير الكبير (للشيبانى) طبعة صلاح المنجد، القاهرة سنة ١٩٥٧. (٣) الشافعى: كتاب الأم، جـ ٤، القاهرة سنة ١٣٢٢. (٤) الماوردى: الأحكام السلطانية، طبعة M. Enger، بون سنة ١٨٥٨. (٥) أبو حنيفة النعمان: دعائم الإسلام، طبعة فيظى، القاهرة سنة ١٩٥١.

стр. 3495

(١) Islamische: W. Heffening Fremdenrecht Das, هانوفر سنة ١٩٢٥. (٧) Muslim conduct: M. Hamidullah of state لاهور سنة ١٩٥٤. (٨) War and peace in: M.Khadduri the Law of Islam, الطبعة الثانية، بالتيمور سنة ١٩٥٥ ومصادره. خورشيد [مجيد خدّورى Majid Khadduri] (٢) الخلافة ولسوف لا نسوق فى هذا المقام تاريخا للحروب أو حتى دراسة لشأن الحرب فى حياة المجتمعات الإسلامية. وحسبنا هنا أن نذكر بعض الملاحظات عن فن الحرب نفسه الذى يمكن أن تكمله مواد "دار الحرب" (عن فكرة حالة الحرب من حيث النظر بين الإسلام وجميع الأراضى غير الإسلامية المجاورة له) و"جهاد"، و"جيش" (عن الجيوش والتنظيم الحربى) و"حصار"، وذلك علاوة على مواد أخرى أكثر تخصصا نسوقها فى موضعها من الترتيب. زد على ذلك أننا سوف لا نتعدى على عهد الأسلحة النارية التى يجب أن يرجع فى شأنها إلى مادة "بارود". وتمضى الكتب النظرية عن فن الحرب، بالرغم من حدوث بعض التطور من حيث العمل، سائرة على تقاليد العرب الأولين واليونان وفوق ذلك كله الساسانيين. وقد تمت نقول من اليونانية والفارسية، بل من الآثار الهندية بطريقة غير مباشرة، قبل كتاب "الفهرست"، وبقى جزء من ترجمة كتاب فن الحركات الحربية الذى ألفه إيليانوس. مؤلف فى العهد اليونانى واللاتينى القديم ظل فى بوزنطة أيضا أكثر من يرجع إليه من المؤلفين فى هذه الشئون. ولكننا، بصفة عامة، لا مناص من أن نتناول التقاليد الأكثر شيوعا، وهى أوصاف لفعال أبطال العرب الأولين، والقواد المظفرين فى عهد الخلفاء الأولين، وخاصة فعال الإسكندر والحكام العظام فى تاريخ فارس. وهذه المواد قد تضمنتها كتب "الأدب" مثل "عيون الأخبار" لابن قتيبة أو "العقد الفريد" لابن عبد ربه، ودوائر المعارف المتأخرة عن ذلك فى الزمن، وهى توجد بصفة أخص فى ذلك النوع

стр. 3496

من كتب الأدب الذى يعرف بمرايا الأمراء مثل "سراج الملوك" للطرطوشى الذى يشمل فيما يشمل من نوادر أخرى كثيرة مفيدة عن الأمراء، بعض الحكايات عن قيادة الجيوش والعمليات الحربية. على أنه قد زاد على ذلك تجارب الأجيال اللاحقة، وهذه التجارب بالذات وإن كانت لا تنفصل بحال عن التقاليد، فإنها قد أوحت على نحو مباشر أكثر بالكتب التى كتبت فى ظل النفوذ المباشر للأرستقراطيات الحربية الحاكمة فى وسط آسية أيام الحروب الصليبية ثم بعد ذلك فى ظل المماليك الذين انتهى الينا من الفترة الأخيرة لحكمهم عدد كبير من الكتب كتبت فى الأغلب الأعم من وجهة نظر التدريبات العسكرية (انظر الأثبات فى L.Mercier: La Parure des cavaliers الترجمة الفرنسية: سنة ١٩٢٤, ص ٤٣٢ - ٤٥٩, Ritter H. فى. ISI جـ ١٧، سنة ١٩٢٩، ص ١١٦ - ١٥٤؛ . George T A Muslim Manual of War: Scanlon، سنة ١٩٦١، ص ٦ - ٢٠) وسنذكر هنا فقط أقدم ما بقى لنا من كتب: كتاب عن عهد الغزنويين اسمه "كتاب الحرب والشجاعة" نشره أ. و. م شفيع فى - Is Iamic Culture، سنة ١٩٥٧ (والقسم الحربى من هذه الرسالة ينتسب إلى ذلك النوع من الأدب المسمى "مرآة الملوك" لفخر مدّبر مباركشاه، ويبدأ بالقرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى) و"تذكرة فى الحيل الحربية" لعلى الهروى طبعه وترجمه إلى الفرنسية J.Sourdel-Thomine. في BEO, جـ ١٧، سنة ١٩٦٢ (ويجب مقارنته بفقرة من كتاب ... Traite d' Armureie Pour Saladin، طبعه وترجمه إلى الفرنسية Cl. Cahen فى BEO، جـ ١٢، سنة ١٩٤٨، ص ٢٣ - ٢٤، ١٤٨ - ١٤٩، ١٥٩ - ١٦٠) وذلك عن عهد الأيوبيين. وثمة أيضا كتابان مطبوعان كتبا فى عهد دولة المماليك، وهما كتاب عيسى بن إسماعيل الأقسرائى (وفيه نجد مختارات من إيليانوس) طبعه وترجمه إلى الألمانية فستنفلد (- Wues tenfeld: - Das Heerwesen der mu hammedaner في Ges. d. Wiss. Goettingen Abh.d.K، جـ ٢٦، سنة ١٨٨٠)

стр. 3497

وكتاب "تفريج الكروب فى تدبير الحروب" لعمر بن إبراهيم الأوسى الأنصارى، طبعه وترجمه إلى الإنكليزية George T. Scanlon فى الكتاب الحديث الذى ذكرناه آنفا. وثمة أيضا بعض المعلومات فى "مقدمة" ابن خلدون وفى كتب الفقهاء مثل الماوردى والحسن بن عبد الله العباسى ("آثار الأول فى ترتيب الدول" ويبدأ بالقرن الثامن الهجرى الموافق الرابع عشر الميلادى) بل فى كتب الفقه العادية. (أنظر المثل الذى ساقه M.Talbi فى - Ca hier de Tunisie جـ ٤، سنة ١٩٥٦). ويبدأ أى تاريخ للحرب بطبيعة الحال بغربلة كتب الأخباريين (وهو عمل لم يعمل قط من هذه الزاوية) بل قصص الفروسية الشعبية التى تحفل بأوصاف المعارك على تفاوت فى الضبط والوثوق. ويجب أن نذكر أخيرا المعلومات المفيدة التى تقتطف من بعض فقرات كتابين بوزنطيين هما كتاب Taktikon لليو السادس، وكتاب " Stratigikon" لككاومنوس (بداية القرن العاشر الميلادى بالنسبة للأول ومنتصف القرن الحادى عشر الميلادى بالنسبة للثانى). والحرب، من حيث النظر، ليس لها من مبرر إلا حين تكون "للجهاد". أما الحرب العادية بين المسلمين فقد ذمت، ومن ثم الجهود التى يبذلها الحكام لتصوير عدوهم بأنه قد خرج من بعض الوجوه على أوامر الدين أو أساء إلى السنة. على أن ابن خلدون، عالم الإجتماع، يعد الحرب جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الإنسانى منذ الحالة القبلية فصاعدا، ولو أنه يضيف أن الجهاد فى نظر الشريعة وهو إخماد الفتن هما الصورة الواحدة لتبرير الحرب. وإذا استثنينا حالات الجهاد الرسمى المعلن على الكفار، فإنه لم يرد نص بإعلان الحرب بصورة منتظمة أو صحيحة شرعًا، ولكن الشائع أن كل خصم يبعت إلى خصمه بتحديات تعلن أن الحكم الوحيد الممكن بينهما هو السيف، ومع أنه يحدث بطبيعة الحال أن ينهب "المدنيون" أو يؤسروا إلخ، فإنه يمكن أن يحدث أيضا، حتى فى الجهاد، أن القوافل التجارية تمر بين الجيوش من غير أن يصيبها أذى غير

стр. 3498

عابئة بتنازع الحكام (أنظر مثلا ابن جبير: الرحلة، ص ٢٨١). ولا يدرك المرء - بخلاف ما ورد فى هذه الكتب - العلاقة بين الحرب والسياسة وأن نجاح الأولى يعتمد إلى حد كبير على قيمة الثانية. ومن ثم يوصى الأمير أن يسعى إلى إكتساب ثقة رعاياه، وجنوده بصفة أخص، بتصرفه حيالهم وبإدامة أعطياتهم بانتظام. وهذا يقتضى أن يكون الموقف المالى سليما، وهو حين يستعرض جنوده يجب عليه بطبيعة الحال أن يكون عالما بحالهم أو يتحرى ذلك بنفسه، زد على ذلك أنه يجب أن يكون عارفا دائما بالموقف العام فى الدولة المعادية، أو بالحالة فى الدولة التى تقف منه فعلا هذا الموقف، ومواردها المادية والحالة بالنسبة لروحها المعنوية حتى يستطيع إذا أمكن الاتصال بالعناصر الساخطة فيها، وخاصة فى حظيرة الجيش نفسه. ومن ثم وجب إقامة نظام للجاسوسية يمكن أن يستفاد فيه بحاشية السفراء (ويجب أن يغيروا كثيرا لتحاشى خطر أن يقيموا صداقات فى البلاد المعادية) وبالتجار والحجاج الذين يزمعون الحج حقا والذين يتظاهرون بذلك (كان على الهروى واحدا من هؤلاء). وبطبيعة الحال فإن من المعروف أن العدو يستطيع أن يفعل ذلك أيضا. ولذلك وجب إقامة نظام لمقاومة الجاسوسية وخاصة فى نطاق الجيش؛ على حين يتحاشى اتخاذ إجراءات ضد أولئك الذين تلقوا رسائل من العدو ما داموا لم يستجيبوا بالفعل للإغراء. ومن المستصوب فى الوقت نفسه حملهم على تجديد قسم الولاء. وكل هذا أحدث جوا من الحيل الصغيرة التى تكاد تبلغ مبلغ الخطر والاشتباه العام المأثور عن الحروب بل الحياة السياسية بأسرها فى ذلك العهد ... ونضيف إلى هذه المعلومات، فى حالة الحرب أو التهديد بالحرب، معلومات عن تحركات العدو، ومن وسائل الحصول عليها البريد، بل إن هناك فى بعض الأحيان مرافق للاتصال السريع (مراقب وخاصة على الساحل والإشارات المنظورة ومراكز الحمام الزاجل) وانظر عن هذا كله J.Sauvaget:

стр. 3499

La poste aux chevaux dans l'Empire des Mamluks, سنة ١٩٤١. والروح المعنوية مهمة فى العمليات الحربية نفسها. والذى يشجع على قيامها أولا الهدايا والوعود تبذل بجنى المغانم، وتجدد قبل المعركة ينبذَ من مغامرات الأجداد، وفى حالة الجهاد، بالوعظ والحث على التقوى. ومن الواضح أن التعاليم العسكرية وتجارب الجيوش الإسلامية القديمة لا تتصل إلا صلة قليلة بالغارات والمبارزات الفردية المألوفة فى الجاهلية والإسلام على أول عهده، ذلك أن المتخصصين، كما فى الفقه، يفرقون بين الأصول والفروع. وتقوم الأصول فى جوهرها على التقسيم النظرى إلى خمسة عناصر (خميس): القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والساقة، ويطبق هذا فى المعركة مع التغييرات الضرورية. والفروع هى العمليات التى يقوم بها الجنود غير النظاميين الذين ليسوا جزءًا من الجيش عينه، ولو أنهم قد يلعبون دورا فى بدايات المعركة وعلى هامشها. وحين يستقر الرأى على المعركة، تستعرض القوات اللازمة وتوزع الأسلحة (بخلاف الأسلحة الشخصية التى يحملها الجنود دائما) ويعين القائد إذا كان الأمير لا يقود الجيش بنفسه, أما النساء والأطفال (وهم بين البدو يصحبون المقاتلين ويشجعونهم معرضين لخطر الأسر فى حالة الهزيمة) فلا يدخلون فى الجيوش النظامية للدولة المنظمة. والأمتعة تكون على رأس الصف السائر أو فى مؤخرته. ويجب أن يكون الطريق قد درس من حيث طبيعة الأرض وتوفير المؤونة وتحركات العدو، وإذا لم تتحقق سلامة الموقف فإن البلاد يجب أن يرتادها الكشافة من جميع الجهات هم وجماعات الاستطلاع الصغيرة، وتعطى إشارة عند ظهور أى علامة تدل على اقتراب العدو. وقد يحدث أن ترحل مقدمة الجيش قبل قلبه بعدة ساعات، وإذا لم تكن الاحتياطات كافية فربما أخذت المقدمة على غرة وغلبها العدو بتفوقه عليها فى العدد. والجيش - وهو ماض فى سيره - يتوقف فى معسكرات يجب أن تختار مواقعها كذلك لضمان

стр. 3500

الأمن وخاصة موارد الماء وما إلى ذلك. وإذا استطالت مدة التوقف يجب أن يكون المعسكر مربعا على وجه التقريب تحوطه خنادق، ويصطف الجنود فى رحابه على نحو يحقق الفصل بين العناصر الخمسة والقيادة: مع وجود دروب متقاطعة بين أقسام الجيش تسير على منهج المعسكرات اليونانية الرومانية تقريبا. وإذا أصبحت المعركة وشيكة أصبح من المهم اختيار أرضها بحيثُ تتحاشى بقدر الإمكان الشمس والريح، وكذلك خطر الفيضان، مع تجنب أن يسيطر عليها العدو لاحتلال أماكن أعلى. وإذا كان العدو قد اتخذ من جانبه مثل هذه الاحتياطات، وجب أن تبذل محاولة للمناورة بحيث يمكن بمضى المعركة تعديل موقع الجيش. ويُستشار المنجمون فى كثير من الأحيان فى الموعد المفضل للمعركة، ويعقد أحيانا "مجلس حرب". وإبان المعركة يتمتع كل "خميس" من حيث النظر باستقلال فى قيادته، ولو أن القائد العام - بطبيعة الحال - قد يعطى أوامره لتحقيق المناورة بقيام قسم من الجيش بعمل فى صالح الجيش كله، أو يأخذ من قسم مددًا للأقسام الأخرى. وكل خميس، من حيث المبدأ، صف متصل، ولو أنه قد يقسم فى بعض الأحيان إلى جماعات صغيرة تسمى كراديس والمفرد كردوس (وهى بدعة يقال إن الذى استحدثها هو مروان الثانى تقليدًا للبوزنطية). وقد جرت العادة أن يكون فى الجيش ثلاثة أنواع من الجنود: الأول رماة السهام والنَبَّالة، والثانى المشاة تحميهم دروعهم وقد تسلحوا بالحراب أو السيوف، والثالث هو الفرسان المدججون بالسلاح (أما الفرسان الخفاف فقد جرت الحال بأن يكونوا بين الجنود غير النظامية فحسب). وفى القلب يجب أن يكون لواء القائد منشورًا على مرأى الأعين، وقد خسرت معارك لأن تنكيس العلم اتخذ دليلا على الهزيمة. وتقوم المعركة فى جوهرها على حملة يقوم بها الفرسان، قد تكرر ثلاث مرات إذا لم تخترق صفوف العدو. ويقوم دور المشاة ورماة السهام فى فل هجوم العدو من بعد ثم من قرب، على حين تشتبك معه

стр. 3501

الفرسان على الفور إذا استطاعت أن تبلغه. وحين يقوم الفرسان بالهجوم تترك مسافات بين المشاة، أو هم يقفون جانبا ليفسحوا المجال لهجوم الفرسان. وإذا لم يستطع كسر الهجوم بالهجوم المضاد، فإنه قد يؤدى سريعا إلى ارتداد فرسان العدو، ويحدث هذا الارتداد اضطرابا فى صفوف العدو. وفى حالة تفوق العدو كثيرا فى العدد، أو أى ضعف آخر يصيب الجيش، فإن الصفوف قد يستبدل بها مربعات متينة التكوين لتوقف سورة الهجوم. والهجوم لا يحدث عادة على القلب والأجناب فى وقت واحد، ولو أنه قد تحدث هجمة من قسم من الجيش على نقطة ومن قسم آخر على نقطة أخرى. وينشأ عن هذا أن يهزم قسم من الجيش وينتصر قسم آخر. وقد وقعت حالات ظن كل جانب انه انتصر أو انهزم. على أنه يحدث بصفة عامة أن يمضى فى القتال قسم من قسمى الفرسان الذى انتصر فى القطاعات الخاصة به قبل أن يدهم القسم الآخر القطاعات الأخرى من جيش العدو. والحق إن الخطر العظيم يكمن فى أنه ما إن يبدو الانتصار محققا حتى يهرع المنتصرون متكالبين على متاع الجيش وخلافه للاستيلاء على الغنيمة، ومن ساعتها يعودون غير قادرين على إبداء أية مقاومة إذا عاود العدو فجأة الهجوم. وكثيرا ما كانت تبذل المحاولات لتنظيم الكمائن، إما باستغلال ممر جبلى على طريق جيش العدو، وإما بمحاولة خداع العدو بالمناورات إبان المعركة وجرّه إلى مواقع معدة من قبل. وكان إعداد الكمائن فى كثير من الأحوال يقترن بحركة من الفرسان من التحركات التى يتظاهر فيها بالفرار، وقد برع الأتراك فى هذا بصفة خاصة، وكان العرب بلا شك أخف من الصليبيين وأسرع (ويعتمدون كما فعلوا على التحركات التى تفاجئ العدو فى حشد حاشد)، على حين كانوا بصفة عامة يهجمون فى صف واحد، أما الأتراك فكانوا يهجمون وهم يرمون بالنبال فى سيرهم مكونين جيشهم بحيث ينهالون على العدو بالسهام من جميع النواحى. وهم لا يصرون فى محاولتهم إلى اختراق صفوف العدو،

стр. 3502

ولكنهم حين يشتبكون معه يحاولون جر هذه الصفوف فى مطاردة وبذلك يشيعون الاضطراب فى صفوفه، ثم هم ينقلبون عليه فجأة بمساعدة أخيرة تبذل لهم من قوة جديدة كانت مهيأة فى كمين. ومن العجيب أن الأقوام المتعاقبة شبه البدوية التى كانت تدين ببعض نجاحها إلى اتباع هذه الحركات الحربية، ما ان أصبحت أكثر استقرارا وملكت إمبراطوريات سارت جيوشها على النمط الأثقل تسليحًا والأكثر أخذًا بالتقاليد حتى أخذت واحدة بعد أخرى تنسى طريقتها البدائية فى القتال وقد أنزل بها الهزيمة وافدون جدد ظلوا يتبعون هذا النهج البدائى فى الحرب. وفى أثناء المعركة يستبدل القائد بخيل الجنود التى قتلت وسلاحها الذى فقدت أو الذى أصبح عديم الجدوى خيلا أخرى وسلاحا آخر. وثمة جدال فى الفقه حول قتل غير المحاربين والنساء والأطفال والعجائز ورجال الدين، ولكنه يستنكر ذلك بصفة عامة. وأثناء الحصار بصفة خاصة، وإبان المعارك التى تدور فى العراء بصفة عامة، فإن الأشخاص أو الجماعات قد تحصل على الأمان وقد يصدر هذا الأمان حتى من شخص عادى. ومن المآسى الكبيرة أن تجئ الهزيمة منكرة تحول دون دفن القتلى الذين يتركهم العدو فى كثير من الأحيان صرعى حيث قتلوا ونهبوا. على أننا نستطيع القول بصفة عامة أن الهدف لم يكن القتل بقدر ما كان الإستيلاء، وما إن تخاض المعركة وينتصر فيْها حتى ينهب معسكر العدو. وكان الأمير، من حيث المبدأ، يحتفظ لنفسه بخمس الغنيمة الشرعى، ولكن ما كان أكثر ما يسير توزيع الغنيمة فى منتهى الفوضى، وكان الجنود أثناء ذلك لا يراعون القواعد الأساسية فى اقتسام الغنيمة، ولا حتى يلتزمون بأى نظام. وكان كل واحد بصفة خاصة يستحوذ لنفسه على كل ما يستطيع من أسرى رجالا ونساء ثم يبيعهم بعد ذلك فى سوق الرقيق (ويتسبب بذلك فى رخص أسعارهم إذا كانوا كثيرين) أو يحتفظ بهم. وكان الفلاحون، كلما استطاعوا، يسرقون الضالين من الجنود من الطرفين المتقاتلين.

стр. 3503

وما إن يتم النصر حتى يبعث الغازى أو وزيره برسائل الفتح التى أصبحت بمرور القرون فرصة متزايدة للإنشاء الذى تجمد على صورة واحدة وراح يمارسه رؤساء ديوان الرسائل (انظر الرسائل التى كتبها القاضى الفاضل باسم صلاح الدين والرسائل التى كتبت بمناسبة الاستيلاء على بيت المقدس). وهذه الرسائل بطبيعة الحال تبالغ فى قوة العدو ورفع شأن الانتصار الذى أحرز وتقلل من الخسائر. وفى حالة الحرب على الكفار والزنادقة كان يرفع تقرير خاص للخليفة، الذى يبعث بتهانيه ويسبغ آيات التشريف. وكذلك يمنح الأمير القائد الظافر أوسمة التشريف. وإذا كان الأمير هو الذى قاد بنفسه الحرب، فهو يقيم حفلات ويخلع ألقابا ومآثر ويسبغ العطايا، ولو أن ذلك لم يكن يحدث بصفة منتظمة كما أنه لم يكن مفروضا أو واجبا. وكان الأسرى الذين يقعون من نصيب الأمير يستخدمهم فى العمل الشاق الذى يأنس صعوبة فى أن يدبر له العمال الوطنيين (مثل بناء الحصون وما إلى ذلك). أما الأسرى الموسرون فكانوا طبيعة الحال يفتدون كما هو منتظر، من قبل أسرهم أو من قبل الأمير العدو. وقد يحدث أيضا تبادل للأسرى إذا وقعت معاهدة سلام أو صلح. ونذكر أخيرا، وخاصة فى حالة الحرب على الكفار، أن المال يبذل أو يوقف من قبل الصالحين لافتداء أسرى المسلمين (وكذلك يفعل الجانب المسيحى بالنسبة لفداء أسراه). وحين يحدث، فى مدينة مثلا، أن يؤسر مدنيون قد لا يكونون مسلمين، فإن إخوانهم فى الدين يفتدونهم، وقد حفظت وثائق الجنيزة مثلا رسائل خاصة بافتداء اليهود. وكانت فدية الأمير العادى تكاد تعادل بطبيعة الحال ثمن العبد. والظاهر إن الفقه الإسلامى لم يعن بحالة الأسرى من حيث هم أسرى فى دار الإسلام (كانوا عبيدًا). على أنه عنى بالطريقة التى يتصرف بها المسلمون الذين يقعون فى أيدى الكفار فى البلاد

стр. 3504

الأجنبية ليحافظوا على دينهم (Erwin Religioese und rechtliche Vor-: Graef stellung ueber Kriegsgefangenen in Islam und Christentum فى Die Welt des lslam جـ ٨، سنة ١٩٦٣, ص ٨٩ - ١٣٩). ولم تكن الحرب لتدوم طويلا إلا فى النادر، وخاصة إذا لم يكن فيها حصار، وقلما كان المشتبكون فيها يزيدون على بضعة آلاف من الجنود، ولو أن العدد الكلى لجيش الدولة المشتبكة فى الحرب يزيد على ذلك، وقد كان السبب فى ذلك أنه كان من العسير تدبير الغذاء اللازم لمؤونة الجيش وهو يحارب. زد على ذلك مقتضيات الجو، فإنه لم يكن فى الإمكان بصفة عامة التخطيط لحملة تشن فى الشتاء، بعد أن يكون الضباط قد أصبحوا مزارعين أو جباة ضرائب فإنه لم يعد من الممكن احتجازهم لخوض المعركة إبان موسم الحصاد. ومهما يكن من شئ فإنهم كانوا عازفين عن أن يظلوا تحت السلاح أكثر من أسابيع قلائل؛ ذلك أن مواردهم العادية كانت لا تكفى لإعالتهم أكثر من ذلك، كما كانوا يكرهون الغياب عن أسرهم، وما أكثر ما كانت الحرب تحسم فى معركة واحدة يعقبهما عدة حصارات للمعاقل. وكانت الحرب فى كثير من الأحوال تنتهى بصلح فى صورة تسليم مشروط أو معاهدة يتفاوض فيها السفراء. وكان السلام فى غير ذلك من المناسبات، وخاصة فى الحروب مع الكفار، محدودا بصلح مرهون بأجل وبمنطقة معينة. وكانت الحرب أيضا فى كثير من الأحوال يمكن أن تتوقف دون قيام أى سلام رسمى. وهذه الملاحظات التى أسلفنا بيانها لا تنطبق بلا خلاف على جميع العهود، وعلى جميع الشعوب (وقد سبق أن استثنينا الترك من ذلك) ولا على جميع الأراضى. وقد زاد شأن فرقة الخيالة شبه الثقيلة التى لم يكن دورها فى أول الأمر إلا دورا تافها، وذلك منذ القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى). وكانت الحركات الحربية المأثورة عن القدماء مستحيلة فى القتال الذى يدور فى الجبال والذى كان دور الفرسان فيه لا يمكن إلا أن يكون على نطاق

стр. 3505

ضيق، وكذلك القتال الذى يدور فى البطائح مثل بطيحة العراق. وهذا من الأسباب التى امتزج فيها بالخيالة الترك فى السنوات الأخيرة التى استقلت الخلافة فيها بأمر نفسها، مقاتلون من الديلم وهم سكان الجبال الذين يحاربون على أقدامهم. وقد يحدث أنه إذا عجز كل جيش من الجيشين المتقاتلين أن يقاتل فى أرض الآخر فإن الجيشين كلاهما لا يستطيعان أن ينتصرا أو تحل بهما الهزيمة. مثال ذلك أن مشاة الموحدين الأولين عجزوا عن مهاجمة الخيالة المرابطين فى السهل، ولكنهم كذلك لم تتيسر مهاجمتهم وهم يلوذون بجبالهم. وقد رّوع الفيلة فى الشرق من العالم الإسلامى جياد أى عدو لم يكن له عهد بها. ونحن لم نتناول هنا الحرب البحرية ولكننا يجب أن ننوه بالدور الذى كانت تستطيع البحرية أن تلعبه فى نقل جنود البر عبر مضايق جبل طارق مثلا، أو من مصر إلى الثغور الشآمية التى كان الصليبيون يهاجمونها من البر. أما على الحدود، فقد كان الغزاة والمرابطون لا يدهمون العدو بمعارك بل بغارات مفاجئة (كانوا يتأخرون فى طريق عودتهم بسبب الغنيمة التى كانت تشتمل على كثير من الدواب) تقابل بغارات مثلها، على أن ذلك لا يستثنى منه عدة صور من العلاقات السلمية بين سكان الثغور (أى الحدود) فى الفترات الواقعة بين غارة وأخرى كما جاء فى وصف قصص الفروسية العربية واليونانية (ديجنيس أكريتاس؛ وذو الهمة وسيد بطّال إلخ)، وقصص أتراك الأوج، وأتباع الغزاة العرب والأكريتاى البوزنطيين أدخل فى الحرب بلا جدال. وتثير انتصارات المغول المدوية مسألة: هل كانوا يتفوقون تفوقا فنيا واضحا على أعدائهم؟ وهذه الحالة لم تدرس دراسة كافية، ولكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك فالظاهر أن انتصاراتهم كانت ترجع إلى النظام، وإلى سرعة تحركاتهم وفنهم فى إخفائها، وتفوق نظام الجاسوسية والمخابرات عندهم، واستخدامهم المزدوج على نطاق واسع لآلات الحصار التقليدية التى كان ينقلها
следующие страницы →