Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
الفرسان على الفور إذا استطاعت أن تبلغه. وحين يقوم الفرسان بالهجوم تترك مسافات بين المشاة، أو هم يقفون جانبا ليفسحوا المجال لهجوم الفرسان. وإذا لم يستطع كسر الهجوم بالهجوم المضاد، فإنه قد يؤدى سريعا إلى ارتداد فرسان العدو، ويحدث هذا الارتداد اضطرابا فى صفوف العدو. وفى حالة تفوق العدو كثيرا فى العدد، أو أى ضعف آخر يصيب الجيش، فإن الصفوف قد يستبدل بها مربعات متينة التكوين لتوقف سورة الهجوم. والهجوم لا يحدث عادة على القلب والأجناب فى وقت واحد، ولو أنه قد تحدث هجمة من قسم من الجيش على نقطة ومن قسم آخر على نقطة أخرى. وينشأ عن هذا أن يهزم قسم من الجيش وينتصر قسم آخر. وقد وقعت حالات ظن كل جانب انه انتصر أو انهزم. على أنه يحدث بصفة عامة أن يمضى فى القتال قسم من قسمى الفرسان الذى انتصر فى القطاعات الخاصة به قبل أن يدهم القسم الآخر القطاعات الأخرى من جيش العدو. والحق إن الخطر العظيم يكمن فى أنه ما إن يبدو الانتصار محققا حتى يهرع المنتصرون متكالبين على متاع الجيش وخلافه للاستيلاء على الغنيمة، ومن ساعتها يعودون غير قادرين على إبداء أية مقاومة إذا عاود العدو فجأة الهجوم.
وكثيرا ما كانت تبذل المحاولات لتنظيم الكمائن، إما باستغلال ممر جبلى على طريق جيش العدو، وإما بمحاولة خداع العدو بالمناورات إبان المعركة وجرّه إلى مواقع معدة من قبل. وكان إعداد الكمائن فى كثير من الأحوال يقترن بحركة من الفرسان من التحركات التى يتظاهر فيها بالفرار، وقد برع الأتراك فى هذا بصفة خاصة، وكان العرب بلا شك أخف من الصليبيين وأسرع (ويعتمدون كما فعلوا على التحركات التى تفاجئ العدو فى حشد حاشد)، على حين كانوا بصفة عامة يهجمون فى صف واحد، أما الأتراك فكانوا يهجمون وهم يرمون بالنبال فى سيرهم مكونين جيشهم بحيث ينهالون على العدو بالسهام من جميع النواحى. وهم لا يصرون فى محاولتهم إلى اختراق صفوف العدو،
стр. 3502
ولكنهم حين يشتبكون معه يحاولون جر هذه الصفوف فى مطاردة وبذلك يشيعون الاضطراب فى صفوفه، ثم هم ينقلبون عليه فجأة بمساعدة أخيرة تبذل لهم من قوة جديدة كانت مهيأة فى كمين. ومن العجيب أن الأقوام المتعاقبة شبه البدوية التى كانت تدين ببعض نجاحها إلى اتباع هذه الحركات الحربية، ما ان أصبحت أكثر استقرارا وملكت إمبراطوريات سارت جيوشها على النمط الأثقل تسليحًا والأكثر أخذًا بالتقاليد حتى أخذت واحدة بعد أخرى تنسى طريقتها البدائية فى القتال وقد أنزل بها الهزيمة وافدون جدد ظلوا يتبعون هذا النهج البدائى فى الحرب.
وفى أثناء المعركة يستبدل القائد بخيل الجنود التى قتلت وسلاحها الذى فقدت أو الذى أصبح عديم الجدوى خيلا أخرى وسلاحا آخر. وثمة جدال فى الفقه حول قتل غير المحاربين والنساء والأطفال والعجائز ورجال الدين، ولكنه يستنكر ذلك بصفة عامة. وأثناء الحصار بصفة خاصة، وإبان المعارك التى تدور فى العراء بصفة عامة، فإن الأشخاص أو الجماعات قد تحصل على الأمان وقد يصدر هذا الأمان حتى من شخص عادى. ومن المآسى الكبيرة أن تجئ الهزيمة منكرة تحول دون دفن القتلى الذين يتركهم العدو فى كثير من الأحيان صرعى حيث قتلوا ونهبوا. على أننا نستطيع القول بصفة عامة أن الهدف لم يكن القتل بقدر ما كان الإستيلاء، وما إن تخاض المعركة وينتصر فيْها حتى ينهب معسكر العدو. وكان الأمير، من حيث المبدأ، يحتفظ لنفسه بخمس الغنيمة الشرعى، ولكن ما كان أكثر ما يسير توزيع الغنيمة فى منتهى الفوضى، وكان الجنود أثناء ذلك لا يراعون القواعد الأساسية فى اقتسام الغنيمة، ولا حتى يلتزمون بأى نظام. وكان كل واحد بصفة خاصة يستحوذ لنفسه على كل ما يستطيع من أسرى رجالا ونساء ثم يبيعهم بعد ذلك فى سوق الرقيق (ويتسبب بذلك فى رخص أسعارهم إذا كانوا كثيرين) أو يحتفظ بهم. وكان الفلاحون، كلما استطاعوا، يسرقون الضالين من الجنود من الطرفين المتقاتلين.
стр. 3503
وما إن يتم النصر حتى يبعث الغازى أو وزيره برسائل الفتح التى أصبحت بمرور القرون فرصة متزايدة للإنشاء الذى تجمد على صورة واحدة وراح يمارسه رؤساء ديوان الرسائل
(انظر الرسائل التى كتبها القاضى الفاضل باسم صلاح الدين والرسائل التى كتبت بمناسبة الاستيلاء على بيت المقدس). وهذه الرسائل بطبيعة الحال تبالغ فى قوة العدو ورفع شأن الانتصار الذى أحرز وتقلل من الخسائر. وفى حالة الحرب على الكفار والزنادقة كان يرفع تقرير خاص للخليفة، الذى يبعث بتهانيه ويسبغ آيات التشريف. وكذلك يمنح الأمير القائد الظافر أوسمة التشريف. وإذا كان الأمير هو الذى قاد بنفسه الحرب، فهو يقيم حفلات ويخلع ألقابا ومآثر ويسبغ العطايا، ولو أن ذلك لم يكن يحدث بصفة منتظمة كما أنه لم يكن مفروضا أو واجبا.
وكان الأسرى الذين يقعون من نصيب الأمير يستخدمهم فى العمل الشاق الذى يأنس صعوبة فى أن يدبر له العمال الوطنيين (مثل بناء الحصون وما إلى ذلك). أما الأسرى الموسرون فكانوا طبيعة الحال يفتدون كما هو منتظر، من قبل أسرهم أو من قبل الأمير العدو. وقد يحدث أيضا تبادل للأسرى إذا وقعت معاهدة سلام أو صلح. ونذكر أخيرا، وخاصة فى حالة الحرب على الكفار، أن المال يبذل أو يوقف من قبل الصالحين لافتداء أسرى المسلمين (وكذلك يفعل الجانب المسيحى بالنسبة لفداء أسراه). وحين يحدث، فى مدينة مثلا، أن يؤسر مدنيون قد لا يكونون مسلمين، فإن إخوانهم فى الدين يفتدونهم، وقد حفظت وثائق الجنيزة مثلا رسائل خاصة بافتداء اليهود. وكانت فدية الأمير العادى تكاد تعادل بطبيعة الحال ثمن العبد.
والظاهر إن الفقه الإسلامى لم يعن بحالة الأسرى من حيث هم أسرى فى دار الإسلام (كانوا عبيدًا). على أنه عنى بالطريقة التى يتصرف بها المسلمون الذين يقعون فى أيدى الكفار فى البلاد
стр. 3504
الأجنبية ليحافظوا على دينهم (Erwin Religioese und rechtliche Vor-: Graef stellung ueber Kriegsgefangenen in Islam und Christentum فى Die Welt des lslam جـ ٨، سنة ١٩٦٣, ص ٨٩ - ١٣٩).
ولم تكن الحرب لتدوم طويلا إلا فى النادر، وخاصة إذا لم يكن فيها حصار، وقلما كان المشتبكون فيها يزيدون على بضعة آلاف من الجنود، ولو أن العدد الكلى لجيش الدولة المشتبكة فى الحرب يزيد على ذلك، وقد كان السبب فى ذلك أنه كان من العسير تدبير الغذاء اللازم لمؤونة الجيش وهو يحارب. زد على ذلك مقتضيات الجو، فإنه لم يكن فى الإمكان بصفة عامة التخطيط لحملة تشن فى الشتاء، بعد أن يكون الضباط قد أصبحوا مزارعين أو جباة ضرائب فإنه لم يعد من الممكن احتجازهم لخوض المعركة إبان موسم الحصاد. ومهما يكن من شئ فإنهم كانوا عازفين عن أن يظلوا تحت السلاح أكثر من أسابيع قلائل؛ ذلك أن مواردهم العادية كانت لا تكفى لإعالتهم أكثر من ذلك، كما كانوا يكرهون الغياب عن أسرهم، وما أكثر ما كانت الحرب تحسم فى معركة واحدة يعقبهما عدة حصارات للمعاقل.
وكانت الحرب فى كثير من الأحوال تنتهى بصلح فى صورة تسليم مشروط أو معاهدة يتفاوض فيها السفراء. وكان السلام فى غير ذلك من المناسبات، وخاصة فى الحروب مع الكفار، محدودا بصلح مرهون بأجل وبمنطقة معينة. وكانت الحرب أيضا فى كثير من الأحوال يمكن أن تتوقف دون قيام أى سلام رسمى.
وهذه الملاحظات التى أسلفنا بيانها لا تنطبق بلا خلاف على جميع العهود، وعلى جميع الشعوب (وقد سبق أن استثنينا الترك من ذلك) ولا على جميع الأراضى. وقد زاد شأن فرقة الخيالة شبه الثقيلة التى لم يكن دورها فى أول الأمر إلا دورا تافها، وذلك منذ القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى). وكانت الحركات الحربية المأثورة عن القدماء مستحيلة فى القتال الذى يدور فى الجبال والذى كان دور الفرسان فيه لا يمكن إلا أن يكون على نطاق
стр. 3505
ضيق، وكذلك القتال الذى يدور فى البطائح مثل بطيحة العراق. وهذا من الأسباب التى امتزج فيها بالخيالة الترك فى السنوات الأخيرة التى استقلت الخلافة فيها بأمر نفسها، مقاتلون من الديلم وهم سكان الجبال الذين يحاربون على أقدامهم. وقد يحدث أنه إذا عجز كل جيش من الجيشين المتقاتلين أن يقاتل فى أرض الآخر فإن الجيشين كلاهما لا يستطيعان أن ينتصرا أو تحل بهما الهزيمة. مثال ذلك أن مشاة الموحدين الأولين عجزوا عن مهاجمة الخيالة المرابطين فى السهل، ولكنهم كذلك لم تتيسر مهاجمتهم وهم يلوذون بجبالهم. وقد رّوع الفيلة فى الشرق من العالم الإسلامى جياد أى عدو لم يكن له عهد بها.
ونحن لم نتناول هنا الحرب البحرية ولكننا يجب أن ننوه بالدور الذى كانت تستطيع البحرية أن تلعبه فى نقل جنود البر عبر مضايق جبل طارق مثلا، أو من مصر إلى الثغور الشآمية التى كان الصليبيون يهاجمونها من البر.
أما على الحدود، فقد كان الغزاة والمرابطون لا يدهمون العدو بمعارك بل بغارات مفاجئة (كانوا يتأخرون فى طريق عودتهم بسبب الغنيمة التى كانت تشتمل على كثير من الدواب) تقابل بغارات مثلها، على أن ذلك لا يستثنى منه عدة صور من العلاقات السلمية بين سكان الثغور (أى الحدود) فى الفترات الواقعة بين غارة وأخرى كما جاء فى وصف قصص الفروسية العربية واليونانية (ديجنيس أكريتاس؛ وذو الهمة وسيد بطّال إلخ)، وقصص أتراك الأوج، وأتباع الغزاة العرب والأكريتاى البوزنطيين أدخل فى الحرب بلا جدال.
وتثير انتصارات المغول المدوية مسألة: هل كانوا يتفوقون تفوقا فنيا واضحا على أعدائهم؟ وهذه الحالة لم تدرس دراسة كافية، ولكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك فالظاهر أن انتصاراتهم كانت ترجع إلى النظام، وإلى سرعة تحركاتهم وفنهم فى إخفائها، وتفوق نظام الجاسوسية والمخابرات عندهم، واستخدامهم المزدوج على نطاق واسع لآلات الحصار التقليدية التى كان ينقلها
стр. 3506
الأسرى والخدع التى كان يمارسها البدو فى العراق، والرعب الذى كان يثيره ظهورهم، وأصلهم البعيد غير المعروف واستعدادهم غير المنتظر للتذبيح، والتعاون الملبى نتيجة لهذا الرعب مقترنا بالتسليم الاختيارى الذى كانوا يحصلون عليه، وصفوة القول أن النجاح كان يجلب النجاح. على أن معركة عين جالوت الصغيرة بعض الشئ، كانت كافية لإبطال هذا السحر وردَّ المغول إلى حالة اعدائهم المألوفة.
وكان والى الإقليم فى الأجيال الأولى التى أعقبت الفتح العربى، والتى ظل فيها الوالى فى الأساس هو قائد جيش الاحتلال، يسمى "والى الحرب" ولو أن سلطانه كان يجاوز فى الحقيقة تجاوزًا كبيرًا تسيير دفة الحرب، إذا كان هناك حرب، بل تدبير أمر الجيش.
المصادر:
علاوة على المصادر التى ذكرت فى صلب المادة أنظر:
(١) التواريخ العامة للحرب والفن الحربى ليس فيها شئ له شأن فى الميدان الإسلامى والكتب الوحيدة التى أستعرضت ذلك بصفة عامة استعراضا ذا غناء هى.
(٢) kulturgeschichte: A.V. Kremer des IsLam جـ ١.
(٣) Social Structure of IsLam: Reuben Levy The، فصل ٩.
ومن المعارك الهامة (إذا استثنينا الحصارات) التى بين أيدينا عنها بيانات هامة.
(٤) - معركة حطّين.
(٥) - ومعركة ملازجرد.
(انظر هذه المادة التى درسها C.I.Cahen فى Byzantion جـ ٩، سنة ١٩٣٤، ص ٦١٣ - ٦٤٢).
خورشيد [كاهن C.Cahen]
(٣) سلطنة المماليك:
ستتناول هذه المادة حملات المماليك فى خروجها من القاهرة حيث كان قوام الجيش يعسكر حتى عودتها إلى قصبة مصر. وسندرس الحملات المتجهة الى الشام، ذلك أن الشام كان هو المسرح الأكبر للعمليات الحربية. أما الفقرات التى ستتناول القتال
стр. 3507
الفعلى فسوف تنحصر فى معارك الميدان.
تعبئة الجيش حتى الوصول إلى ساحة التجمع:
كان القرار بإنفاذ حملة كبيرة على عدو قوى يعرف عادة بما جرت عليه العادة من رفع علم خاص قبل القتال بمدة يسمى "جاليش" أو "شاليش" على الطبلخانه ويقترن ذلك بقرع طبول خاصة (كوس)، وبعيد إقامة هذا الحفل يستعرض الجيش، وبعد ذلك بأيام قليلة توزع "نفقة السفر" (D.Ayalon فى - Journal of the Economic and Social History of the Orent, سنة ١٩٥٠, ص ٥٦ وما بعدها) فى حينها للجندى ليعد عدته ومؤونته.
وكانت تعبئة حملة تأديبية عشية التحرك من القاهرة تسمى "النفير العام". ويتلقى الجنود المعينون للاشتراك فى الحملة أوامر مكتوبة (الأوراق أو أوراق التجريد) بما يفيد ذلك. وكان البوليس الحربى (نقباء المماليك السلطانية أو نقباء الحلقة) مسؤولا عن قيام أفراد الحملة التأديبية بتقديم أنفسهم فى الوقت والمكان المقررين (بيبرس المنصورى: زبدة الفكرة، مخطوط بالمتحف البريطانى، الإضافات رقم ٢٣: ٣٢٥، ورقة ١٨٦ أ، ٢٦٨؛ Beitraege: zettersteen, ص ١٩٣, ٢١٠, ٢٢٢؛ السلوك، جـ ١، ص ٥٤٤؛ جـ ٢، ص ٢٦٠, ٥١٨, ٥٢٠, النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ١٧، ٧٦, ٤١١). وقبيل تحرك الجيش تهيأ مؤونات شتى فى المحطات القائمة على طول الطريق؛ وهذه هى المخزونات (إقامات ومفردها إقامة أو إقامات وأنزال) قوامها الشعير والحنطة والفراريج والحمام والأوز، والحلويات، والبطيخ وغير ذلك من أنواع الغذاء المتنوعة وكذلك خشب الوقود، والجياد وجمال الركوب وجمال الحمل.
وإذا لم يفرض عدو مهاجم أوان القتال، كما حدث فى بعض معارك الشام الكبرى، فإن الحملات الحربية كان يقوم بها المماليك غالبًا فى الربيع، حين يصبح الجو معتدلا. أما الحملات الحربية الموجهة بخاصة إلى الشام، فكانت نادرة تثير المرارة والشكاوى.
стр. 3508
وكان خروج الجيش من القاهرة إلى مكان قريب للتجمع يسمى "تبريز". وحين كان السلطان يخرج بنفسه إلى المعركة فإنه يكون فى جميع الأحوال قائد "التجريدة" فإذا لم يخرج تولاها الأمير الذى تخوله رتبته ومنصبه أن يجلس أقرب ما يكون إلى السلطان فى المحافل الرسمية. وكان اللقب المألوف لهذا القائد حتى منتصف القرن التاسع الهجرى تقريبًا (الخامس عشر الميلادى) هو "مقدم العسكر" أو "العساكر"؛ وقلما كان يلقب بمقدم الجيش أو الجيوش؛ وكان لقبه يختصر أحيانًا فيقال المقدم فحسب. وفى الحملات التى تقتضى رحلات بحرية، كان يقام فى بعض الأحيان قائدان: مقدم العسكر فى البحر، ومقدم العسكر فى البر (النجوم الزاهرة، جـ ٢، ص ٥٤٨).
مكان تجمع الجيش:
إذا استثنينا السنوات الأولى القليلة للحكم المملوكى فإن المماليك كانوا يجعلون المكان الذى تتجمع فيه جيوشهم التى تقوم بالحملات قرب القاهرة. وقد أقام السلطان الصالح نجم الدين أيوب (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ = ١٢٤٠ - ١٢٤٩ م) سنة ٦٧٦ هـ (١٢٤٨ م) مدينة الصالحية فى الجزء الشمالى الشرقى من مصر السفلى لتخدم غرضين: أن تكون مكان استراحة للجيوش العائدة بعد عبورها صحراء سيناء؛ ومكان تجمع للجيوش الخارجة قبل تحركها فى سيرها المنتظم إلى الشام. وقد استغنى المماليك عن الغرض الثانى بعد تسلمهم مقاليد السلطة. ولعل السلطان قطز فى سيره إلى عين جالوت كان آخر سلطان استخدم الصالحية فى هذا الغرض (السلوك، جـ ١، ص ٣٣٠، س ٤ - ٦، ص ٣٧٣، س ١٥ - ١٧، ص ٣٨١، س ٦ - ٢١، ص ٣٨٢، س ١٥ - ١٦؛ ص ٤١١، س ٤ - ٥، ص ٤٢٩، ١٣ - ١٤؛ النهج السديد، جـ ٢٠، ص ١٨، س ١٨، الخطط، جـ ١، ص ١٨٤، س ٢٢ - ٢٤، ص ٢٣٢، س ٣ - ١١). ومن وقتها درج المماليك على تجميع جيوشهم بالقرب من القاهرة. وكان مكان تجميعها أول الأمر فى مسجد التبر (يحرف فى كثير من
стр. 3509
الأحيان فيقال التبن)، ولكنهم استبدلوا بهذا المسجد منذ نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) الريدانية التى وفت فى الوقت نفسه بغرض تجمع قافلة الحجيج إلى مكة فيها.
السلطان فى الريدانية: كان محور مضارب الجيش فى الريدانية بطبيعة الحال هو مضرب السلطان نفسه. وقد كان يقام فى نهاية صف مضارب الأمير التى كانت تنتظم من حيث المبدأ على أساس أن تكون المضارب الأقل أهمية فى المقدمة فى حين تأتى المضارب الأكثر أهمية فى المؤخرة (الظاهرى: الزبدة، ص ١٣٦ - ١٣٧؛ ). وكان النظام المتبع لحراسة خيمة السلطان فى قول المصادر المملوكية، شبيها كل الشبه بالحراسة داخل الخيمة (صبح الأعشى، جـ ٤، ص ٤٨، س ٢، جـ ٩، ص ٤٩, س ١٣، ص ٥٦، س ١٥ - ١٧؛ ضوء الصبح، ص ٢٥٨، س ١ - ٤؛ الخطط، جـ ٢ ص ٢١٠، ص ٢١٠، س ٣٠ - ٣٦؛ الحوادث. ص ٦٨٠، س ١١ - ١٢). وكانت حاشية السلطان بأسرها تسمى "الركاب الشريف (أو السلطانى).
وكان الجيش فى الميدان لا يحمل معه أية منشآت خاصة لأداء الصلوات اليومية، وقد يقتضى ذلك فيما يقتضى أن يؤدى الجيش صلواته وهو فى الميدان فى العراء والاستثناء الوحيد لذلك هو ما فعله بيبرس الأول، فقد أمر سنة ٦٦١ هـ (١٢٦٢ - ١٢٦٣ م) بإقامة جامع خيام (جامع خام) اقتضى الأمر إقامته على يمين الخيمة السلطانية.
وكان لهذا الجامع محراب ومقصورة (ابن عبد الظاهر، طبعة- Sa deque، ص ٨٩ - ٩٠، المتحف البريطانى، المخطوطات الإضافية رقم ٣٣١، ٢٣، ورقة ٧١ ب، س ٣ - ٧). وأغلب الظن أن بيبرس قد ائتسى فى هذا المقام، كما فى غيره، بالمغول، ونحن قد استقينا المعلومات عن استخدامهم لهذه المساجد من وليام الربركى (لندن، سنة ١٩٠٠، جـ ٢٩، ٣١، ص ٢٩) وكان لبركه خان حاكم القبيلة الذهبية وخليف بيبرس مساجد خيام (مساجد
стр. 3510
خام! ) حيث كانت تؤدى الصلوات الخمس اليومية (اليونينى جـ ٢، ص ٣٦٥، س ٦ - ٧). وقد رأى ابن بطوطة (جـ ٢، ص ٣٨٠ = طبعة كب، جـ ٢، ص ٤٨٢) بعض هذه المساجد عند القبيلة الذهبية فى تاريخ متأخر عن ذلك كثيرًا. وانظر عن التزام الجنود الدقيق بأداء الصلوات حتى أصبحت عندهم عادة فى ظل بيبرس الأول: كتاب ابن عبد الظاهر (ورقة ٦٣ ب، س ١٣ - ١٥).
من الريدانية إلى دمشق (أو حلب): وكان الجيش فى جميع الأحوال يخرج من الريدانية جماعات منفصلة، ويدخل قصبة الشام على هذا النمط (أرسالا، أفواجًا، على دفعات)، ومن ثم تنشر الحملة التأديبية مسافة طويلة فى تقدمها. وقد خبّرنا فى بعض المناسبات بأن ميسرة الجيش المصرى وميمنته وقلبه قد دخلت دمشق فى ثلاثة أيام متعاقبات (النهج السديد، جـ ٢٠، ص ٢٢، س ٣ - ٦؛ ابن الدوادارى: كنز الدرر، طبعة Roemer, جـ ٩، ص ٣٢.، س ١٠ - ١٣). وإنما نستدل من شواهد أخرى هل كان الجيش المملوكى يتقدم دائمًا بنفس التشكيل الذى يخوض به ميدان المعركة؟
وكان من أكثر الإجراءات المألوفة التى يتخذها الجيش المتقدم هو إنفاذ كشافة خاصة إلى مختلف الاتجاهات.
وكان يصحب الحملة العسكرية قافلة كبيرة جدًا من الجمال تحمل أثقالها. وكان كل مملوك يشترك فى حملة يتلقى على، الأقل جملا واحدًا، وكان فى بعض الأحيان يتلقى جملين، على حين كان جنود الحلقة من غير المماليك يتلقى كل رجلين منهم ثلاثة جمال (انظر D.Ayalon في Journal of the -Economic and Social History of the Ori ent، جـ ١، سنة ١٩٥٨، ص ٢٧٠ - ٢٧١). وقد جعل السلطان برقوق لمماليكه ٧,٠٠٠ جمل و ٥,٠٠٠ جواد حين كان يخطط سنة ٧٩٦ هـ (١٣٩٤ م) لحملته على تيمور لنك (ابن الفرات، ص ٣٨٠، س ١٣ - ١٦. النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ٥٦٢، س ٦ - ٨). وكانت أكبر الحملات تتطلب من
стр. 3511
٨٠٠ إلى ١٠٠٠ جمل لحمل السلاح الخفيف دون سواه (ابن الفرات، ص (٣٧١، س ٨ - ١١؛ ابن قاضى شهبة، ورقة ٩٩ أ، س ٦ - ٧). وكانت البغال قلما تستخدم لحمل متاع الجيش، وقد استخدمها جيش السلطان سنة ٦٩١ هـ (١٢٩٢ م) فى إقليم حلب لأن معظم الجمال نفقت بفعل وباء من الأوبئة (بيبرس المنصورى، ورقة ١١١ أ، س ٦ - ٩). وكذلك كان استخدام العجلات لحمل عدد الحصار نادرا جدا.
وكان الجيش المتقدم يصحبه فى جميع الأحوال كثير من الأطباء والجراحين والصيدلانية ومقادير كبيرة من العقاقير (انظر مثلا صبح الأعشى، جـ ٤، ص ٤٩، س ٤ - ٧) ومع ذلك فالظاهر أن عدده كان يتناقص فى كثير هن الأحيان بفعل الأمراض التى كانت تدهم أفراده فى تقدم الجيش وهذا بخلاف الأوبئة التى كانت فى كثير من الأحوال تفتك فتكا بالمماليك وخاصة الشباب منهم، (انظر Ayalon D. فى. Journ of the Roy .As. Soc سنة ١٩٤٦، ص ٦٢ - ٧٣). ولا تنبئنا المصادر كيف وأين يعالج المرضى. وكان الضعفاء ومن يتخلفون وراء الجيش يعادون فى كثير من الأحيان إلى مصر.
وتسوق المصادر المملوكية معلومات وافرة موثوقا بها عن الجدول الزمنى لسير الجيش على الطريق الرئيسى لتقدمه من القاهرة إلى غزة إلى دمشق فحماة فحمص فحلب (وانظر الثبت المفصل للمحطات على طول الطريق Egypt and Syria. under the: W. Popper Circassian Sultans، ص ٤٧, ٤٨ - ٤٩). وهذه المعلومات ليست موزعة بالقسطاس على العصر المملوكى، ذلك أن المصادر لا تذكر هذا الجدول إلا حين كان السلطان نفسه هو الذى يقود الحملة العسكرية. أما المعلومات عن الأقاليم القائمة خارج خط القاهرة - حلب، أى منطقة الدلتا، ومصر الوسطى والعليا والحجاز، فمتفرقة.
وكان سير الجيش من القاهرة إلى حلب يستغرق ما بين ٣٠ يومًا وأربعين يوما؛ ومن القاهرة إلى دمشق ما بين ٢٠ يومًا وخمسة وعشرين يومًا، ومن
стр. 3512
القاهرة إلى غزة ما بين عشرة أيام أو اثنى عشر يومًا؛ ومن غزة إلى بيسان من خمسة أيام إلى ستة أيام، ومن بيسان إلى دمشق ما بين ثلاثة أيام وأربعة أيام؛ ومن دمشق إلى حمص ما بين يومين وثلاثة أيام؛ وما بين حماة وحلب من يومين إلى ثلاثة أيام. وكانت هذه الأرقام أحيانًا تشمل أيام الراحة فى المحطات الوسطى وأحيانًا لا تشملها. وكان متوسط مدد الراحة فى المحطات الرئيسية: فى غزة ما بين ثلاثة أيام وخمسة أيام؛ وفى بيسان، ما بين يومين وثلاثة أيام؛ وفى دمشق ما بين خمسة أيام وسبعة أيام، وفى حماة ما بين يومين وثلاثة أيام. وكانت مدة الراحة فى حمص وكذلك المدة المطلوبة لنقطع المسافة بين حمص وحماة، غير مقررة.
وثمة ظاهرة فى الحملات الحربية عند المماليك وهى أنه لم تكن هناك نسبة ثابتة بين الضباط والجنود فى معظم عصر المماليك على الأقل. صحيح أن القاعدة كانت تقتضى أن يكون تحت إمرة أمير الألف ألف جندى من جنود الحلقة وعدد غير محدد من أمراء الأربعين وأمراء العشرة، إلا أن مقدم الحلقة كان يجب أن يكون تحت إمرته أربعون من جنود الحلقة فى المحلة الواحدة (انظر D .Ayalon فى Bulletin of the School of Oriental and African Studies جـ ١٥ سنة ١٩٥٣، ص ٤٥٠ - ٤٥١). وليس من الواضح إلى أى حد كان هذا فى الواقع يطبق أثناء العصر الأول للمماليك، حين كانت الحلقة لا تزال قوية وافرة العدد. ولكن الحلقة كانت فى معظم هذا العصر تتقلص باطراد. وقد توقفت فى عصر المماليك الجراكسة عن المضى إلى المعركة توقفًا يكاد يكون تامًا. وحين كانت الحلقة تمضى إلى الحرب فإن عدد أفرادها لم يكن يتجاوز بحال مئات قليلة. واسم "مقدم حلقة" نفسه الذى كان كثير التردد فى عصر المماليك البحرية، اختفى كلية فى عصر المماليك الجراكسة (انظر BuIIetin of the SchooI of OrientaI and African Studies جـ ١٥، ص ٤٤٨ وما بعدها؛ وهذا يتضمن أن النسبة المذكورة آنفا بين الجنود فحسب وبين من يفوقونهم فى
стр. 3513
الرتبة إبان الحملة لم يكن له إلا قيمة قصاصة الورق.
أما المماليك السلطانية (انظر Bulletin of the School of Oriental and African Studies، جـ ١٥، ص ٢٠٤ وما بعدها) الذين كانوا قوام الجيش يتحملون عبء القتال فإننا لا نعلم حتى النسبة النظرية بين ضباطهم وجنودهم إبان الحملة. ويذكر أن عدد المماليك السلطانية بلغ فى الروك الناصرى لسنة ٧١٥ هـ (١٣١٥ م) ٢٠٠٠ وبلغ عدد قوادهم (مقدمو المماليك السلطانية) ٤٠ مقدمًا. ولكننا لا نعلم هل قامت هذه النسبة قبل هذه السنة أو بعدها وهل اصطنعت بصفة خاصة فى ميدان المعركة.
وبحسب حالة معلوماتنا فإنه لم يكن وجد إلا تشكيل واحد يشترك فى المعركة التى يمكن وصفها وصفا وافيا. وهذا التشكيل الذى يسمى "طُلب" (والجمع "أطلاب") والذى تردد ترددًا كثيرًا فى المصادر، كان ذا طبيعة مهلهلة جدا، وربما كان عدد الجنود المشتركين فيه يختلف اختلافًا كبيرًا. وكان التشكيل الذى يخرج للحرب تحت إمرة أمير يتكون من "طُلبْ" كما كانت المماليك السلطانية كلها المشتركة فى حملة من الحملات ويزيد عدد جنودها كثيرًا عن عدد جميع الأطلاب الأخرى مجتمعة، تؤلف طلبًا واحدًا فقط.
السَّرية والخدع الحربية: لم تكن تبذل إلا محاولة قليلة - أو قل إنه لم تكن تبذل أية محاولة - لإخفاء الاستعدادات لشن حملة مملوكية أو إخفاء هذه الاستعدادات. وكانت إقامة علم الحرب، والاستعراض والتفتيش، ودفع الأعطيات فى محفل، قبل خروج التجريدة تتيح للعدو تحذيرًا وافيًا بأن الهجوم وشيك. ولما كان المماليك لا يستعملون الطريق البحرى لنقل جيوشهم أو عتادهم إلى الشام إلا نادرًا فإنه لم يكن لهم بد من حصر أنفسهم فى طريق برى واحد من القاهرة إلى غزة، وكان هذا ييسر إلى حد كبير مهمة العدو فى مراقبة تحركاتهم، وكان الموقف فى الشام، بالرغم من أنه أفضل بعض الشئ، إلا أنه لم يكن فى جوهره مختلفًا عن ذلك، صحيح أنه كان ثمة طريقان من غزة إلى دمشق، يتبع الأول
стр. 3514
الساحل ثم ينثنى مخترقًا وادى إسدرالون مباشرة إلى بيسان، ويخترق الآخر الكرك فى شرقى الأردن، إلا أن الطريق الأول هو الذى كان يستعمل فى الغالب لأنه كان أفضل كثيرًا من الثانى. زد على ذلك أن المؤن التى تعد على طول الطريق الذى يسلكه الجيش قبل خروجه بأمد طويل دون أى محاولة للتخفى كانت تنبئ العدو بالناحية بالضبط التى يتوقع منها الهجوم.
على أن المرء يمكن أن يجد شواهد على محاولات بذلت لتضليل العدو؛ فقد حدث مرة حين خرج بيبرس الأول على رأس جماعة من فرسانه أن منع رجاله من شراء الطعام والعليق حتى يخفوا هويتهم (السلوك، جـ ١، ص ٥٩٨). وكان السلطان ططر (٨٢٤ هـ = ١٤٢١ م) يعد من أعظم الخبراء بين سلاطين المماليك فى استعمال الخدع والمكائد، ذلك أنه حين خرج لقتال منافسيه من الأمراء فى الشام لم يرفع "الجاليش") انظر النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٤٩٠ - ٤٩٨)، كما قطع جميع المواصلات بين مصر والشام. وهذه الفعال التى سميت "تعمية الأخبار" (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٤٩٤ - ٤٩٥؛ ابن الفرات، جـ ٩، ص ٧٢، س ٥ - ٧؛ النجوم، طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ١٥٢ - ١٥٣) قد أثنى عليها المؤرخ وقال إن ططر فى هذا الصدد قد سار على نهج سلاطين المماليك الأولين (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٤٩٤ - ٤٩٦). وهناك شواهد أخرى على قطع المواصلات بين أجزاء مختلفة من السلطنة لإخفاء تحركات الجيش. وقد سجلت أيضًا حيل أخرى اصطنعها سلاطين المماليك. فقد وزع السلطان برسباى "نفقة السفر" ليجعل قرايلك يظن أن برسباى قد اعتزم أن يهاجمه. على أنه خشى ألا يستطيع استرداد ماله فوزع النفقة على الأمراء فحسب ولم يوزعها على المماليك السلطانية (النجوم جـ ٦، ص ٦٨٥ - ٦٨٧). وقد لجأ السلطان المؤيد شيخ إلى عدة حيل استخدمها ضد نوروز الحافظى (النجوم، جـ ٦، ٣٣٦ - ٣٣٧) ومن هذه إشعاله كثيرًا من النيران فى الخيمة التى كان قد تركها وشيكًا، فجعل
стр. 3515
نوروز بذلك يظن أن عدوه ما زال هناك هو وجيشه (النجوم جـ ٦، ص ١٤٧، س ٥ - ٧). وكان جنود المماليك فى معاركهم مع المغول يرتدون فى بعض الأحيان قلانس "سراقوج" ليضللوا عدوهم فلا يعرف من هم. وكذلك كان الجنود الأرمن فى معسكر المغول يضعون على رؤسهم هذا اللباس حتى يحسبهم العدو من المغول (السلوك، جـ ١، ص ٥١١، س ١٠ - ١١، ص ٧٨٣، س ١٤ - ١٥، انظر المصدر نفسه، ترجمة Quatremere، جـ ١/ ١، ص ٢٣٥؛ ابن عبد الظاهر، ورقة ٧٨ ب، س ٧ - ٨؛ Supplement: Dozy s, هذه المادة، Mamluk Costume: L.A. Mayer الفهرس، مادة Saraquj).
نظام الجيش: اضمحل كثيرًا نظام الجيش المملوكى فى عصر الجراكسة بالقياس إلى نظامه فى عصر المماليك البحرية، وانحدر إلى أسفل درك فى العقود الأخيرة من حكم المماليك (انظر عن نظام الجيش وقت السلام Bulletiin of the School of Oriental and African Studies، جـ ١٥، ص ٢١١ - ٢١٣).
وفى عصر المماليك البحرية لم تبد إلا شواهد قليلة على العصيان فيما يتصل بالحملات، وإذا حدث ذلك فإنه كان يعاقب عليه أشد العقاب (انظر مثلا: السلوك، جـ ١، ص ٥٤٤، س ١٣ - ١٥، ابن كثير، جـ ١٤، ص ٢). أما فى عصر المماليك الجراكسة فإن الموقف الذى ساد كان موقفًا مختلفًا عن ذلك كل الاختلاف. فقد أصبح القعود عن الاشتراك فى حملة يزداد كثرة بين المماليك السلطانية، وهم الجماعة العسكرية الوحيدة الجديرة بهذا الإسم فى ذلك العهد. وكان التهديد بأقصى العقاب، وهو الشنق فى الغالب، يمر بلا مبالاة على الإطلاق، بل لقد حدث أن حملة تأديبية بأسرها لم تقدم نفسها لأداء الواجب فيما عدا القواد بالرغم من استدعائها مرارًا وتكرارًا على أن مثل هذه الشواهد على العصيان وقعت بين الحين والحين فى حالة الحملات الصغيرة فقط إلى مصر العليا أو السفلى أو الحجاز وما إلى ذلك (النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ٢٨؛ جـ ٧، ص ٧٥٦، س ٩ - ١٣, ص
стр. 3516
٧٢٥، س ٢ - ٤، الحوادث، ص ٢٦ س ١٤ - ٧، س ١٢١ ص ٥٥٣، س ١٤ - ١٩).
وكان أفراد الحملة فى بعض الأحيان يجتمعون فى مكان التجمع ويخرجون إلى المعركة دون أن ينتظروا الأمر بالتحرك (النجوم، جـ ٦، ص ٢٥٩، س ١ - ١٩؛ جـ ٧, ص ٢٦٤، س ٨ - ٩). وكانت الحملة إذا خرجت للقتال بعزم وبلا استحثاث يعدها المؤرخ "شيئًا عظيمًا إلى الغاية" (النجوم الزاهرة، جـ ٧، ص ٤٠٨، س ١ - ٣). وكانت الحملة الوحيدة التى تحمس فيها الجيش المملوكى كله للحرب فى عصر المماليك الجراكسة هى الحملة على قبرس سنة ٨٢٩ هـ (١٤٢٦ م؛ انظر النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٠٠).
وثمة صورة أخرى من صور العصيان جرت وهى عودة أقسام من الحملة التأديبية، بل الحملة كلها، من ميدان القتال أو من إحدى المحطات على الطريق إلى القاهرة دون إذن من السلطان. وهذه الظاهرة أصبحت شائعة منذ قيام السلسلة الطويلة من المعارك بين المماليك وبين الزعيم التركمانى شاه سُوار وحلفائه العثمانيين أيام السلطان قايتباى، على أن الدلائل الأولى عليها كانت قد ظهرت فى تاريخ متقدم عن ذلك (ابن خلدون: جـ ٥، ص ٤٨٣، س ١٣ - ١٥). وكان عدد الجنود العائدين إلى القاهرة مخالفين للأوامر يكثر بصفة خاصة حين يمتد أجل الحملة وتكون عسيرة. إذ كانت ندرة الطعام والعليق والأثمان الباهظة تضطرهم إلى بيع جيادهم وسلاحهم وأزيائهم العسكرية (انظر عن الزى العسكرى المملوكى Mamluk: L.A. Mayer Costume، ص ١٩ - ٢٠) والعودة إلى الوطن. وفى هذه الحالة يصبح غضب السلطان عديم الجدوى، ولم يكن له خيار إلا أن يلوذ بالصمت. وقد جرت الحال بأن يعود الآبقون سرًا ويظلوا مختفين حتى يهدأ غضب السلطان، ولكن كان يحدث أن يدخلوا القاهرة جهرًا ويطالبوا فى وقاحة بزيادة فى أعطياتهم. ولم ينجح
стр. 3517
السلطان قط فى ردهم إلى الجبهة، إذ هم يتخلون عن واجبهم (النجوم الزاهرة، جـ ٧، ص ٤٨٧، س ٥ - ٤٧٨، س ٨؛ الحوادث، ص ٦٠٢، س ٢١ - ٦٠٣، س ١٣، ٦٧٢ س ٢٠ - ٢٣؛ البدائع، جـ ٣، ص ٨٨، س ١٢ - ١٤، ٨٩ س ٢ - ٣، ٢٢٧، س ٢٢، ٢٢٨، س ٢، ٢٢٩، س ١٤ - ٢٢، ٢٥٤، س ٢٢ - ٢٣، ٢٥٥، س ١٢ - ١٤، ٢٦٩، س ١١ - ١٦، جـ ٤، ص ١١٦، س ٨ - ٢٣، ٤٣٧، س ٣ - ٦؛ جـ ٥، ص ٦٨، س ١٢ - ١٣). وكان من الأسباب الكبرى لعجز المماليك عن أن يحتفظوا بقبرس ما عمدت إليه الحامية المرابطة هناك من العودة إلى القاهرة فى كثير من الأحيان غير مبالية بأوامر السلطان، إذ كانت محاولاته الرامية إلى ردهم إلى مكانهم تبوء فى العادة بالخيبة المرة (النجوم، جـ ٧، ص ٧٢٤؛ س ٦ - ٩؛ الحوادث، ص ٤٣٥ - ٤٣٧، ٨٤٨، س ٥ - ١٩، ص ٤٥٤، س ٥).
وكان الإبراء الشرعى من الحملة يسمى "دستور" وهذا المصطلح الذى شاع كل الشيوع فى العصر الأيوبى، قد بطل بالتدريج فى عهد المماليك.
نظام المعركة فى الميدان:
كان تنظيم الجيش لخوض المعركة يسمى "ترتيب" أو "تعبئة" (النجوم، جـ ٦، ص ٤٤٤، س ٣، ٤٩٣، الحوادث، ٦٤٦) أو "المصاففة" (النجوم، ص ٧، ص ٦٧) أو "الصَّف" (النجوم، جـ ٦، ص ٤٩٣) فى حين كانت المعركة نفسها تسمى "المصَاف (انظر Zettersteen: Bei- traege، ص ١١٣، س ٢٤، النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ١٦، ص ١٠، ابن الفرات، جـ ٧، ص ١٧٠؛ س ٩، ١٧٢، س ٢٢). والذى جرت عليه الحال فى كل معركة كبرى للمماليك ولجيش المماليك ولجيش العدو هو أن الجيش كان يقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القلب، والميمنة، والميسرة. وكان القلب هو أقوى هذه الأقسام جميعًا، إذ كان يشتمل على خيرة الجنود الذين حاربوا فى ظل "السناجق السلطانية" أو "الأعلام السلطانية" يقودهم السلطان نفسه. وكانت الأعلام
стр. 3518
السلطانية تكشف عن مكان السلطان، وهو أمر كان يهدد سلامته الشخصية إذا حزب الأمر، ومن ثم فإن السلطان الأيوبى الناصر يوسف حين حارب المماليك البحرية خرج بعيدًا عن هذه الأعلام فنجا من الأسر (السلوك، جـ ١، ص ٣٧٥، س ٥ - ٨). وقد أمر السلطان قلاوون فى معركته مع المغول، بطى الأعلام السلطانية حتى لا يتعرف عليه العدو (النهج السديد، جـ ١٤، ص ٤٩٢، س ١ - ٣). وقد حدث فى معركة أخرى أن ردت الأعلام السلطانية إلى الوراء وبقى السلطان فى مكانه المعهود (المنهل الصافى، جـ ١، ص ١٥٤ ب، س ٢٢، وانظر عن الأعلام السلطانية أيضًا. ابن خلدون: المقدمة، طبعة Quatremere جـ ٢، ص ٤٦ = ترجمة روزنتال، جـ ٢، ص ٥٢).
وكانت توضع لصق الميمنة والميسرة القوات الاحتياطية (الفرسان البدو بالقرب من جناح والفرسان التركمان بالقرب من الجناح الآخر). وكان المشاة أو الرّجّالة يوضعون أمام الصفوف التى ذكرناها آنفا (ابن إياس، جـ ٤، ص ٤٤٨، ٤٥١، جـ ٥، ص ٨) والظاهر أن استخدام المشاة قد زاد فى السنوات المتأخرة من حكم المماليك (انظر ابن طولون، طبعة هارتمان؛ الأنصارى: حوادث الزمان، مخطوط بمكتبة جامعة كمبردج، ١١, ٢) وربما كان ذلك نتيجة لنمو استخدام الأسلحة النارية، وكان المشاة المستخدمون فى ميدان المعركة قد جند معظمهم من الفلاحين وشبه البدو فى جبل نابلس وغير ذلك من نواحى الشام (Beitraege: Zettersteen، ص ٨١؛ النجوم، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ٣٠٣، ١٧؛ السلوك، جـ ١، ص ٣٨٨, س ٥ - ٦, جـ ٢، ص ٩٣، س ٧، ابن الفرات، جـ ٧، ص ٤١، ١٦٩، س ١٥؛ حوادث الزمان، ص ٧٠١، س ٧ - ٨؛ البدائع، جـ ٣، ص ٥١، س ٥ - ٧، جـ ٤، ص ٤٠٨ - ٤٠٩، ٤٤٨، س ١٢ - ١٨، ٤٥١ - س ١٧ - ١٨؛ جـ ٥، ص ٢٨، س ٢ - ٣, ٦٣، س ٢ - ٣).
стр. 3519
وكان الاصطفاف للمعركة فى بعض الأحيان أكثر إحكامًا بعض الشئ. وقد رتب الأمير منطاش جيشه فى محاربته برقوقا كما يلى: القلب والميمنة والميسرة وأضاف إلى ذلك جناحين. زد على ذلك أنه أقام فى مؤخرة الميمنة والميسرة وحدة من الاحتياطى أو الرديف. ولم يستطع برقوق أن يفعل هذا العمل لأن جيشه كان صغيرًا جدًا (النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ٤٩٣، س ١٠ - ١٣). وفى سنة ٨٠٢ هـ (١٤٠٠ م) رتب جيش السلطان فرج فى معركته مع الأمير تنم بين الرملة وغزة على النحو التالى: الميمنة، والميسرة و"قلب فى قلب فى قلب" وكل تشكيل من هذه التشكيلات رديفه (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٣٥، س ١٠ - ١٣). وفى سنة ٨٢٠ هـ (١٤١٧ م) استعرض السلطان مؤيد شيخ - الذى كان مصلحًا عسكريًا عظيمًا "وإمامًا فى معرفة تعبية العساكر" - جيشه المصطف للمعركة قرب تل السلطان (قرب حلب). واستقر رأيه على ألّا يترك ترتيب "أطلاب" امرائه إلى أى شخص غيره، وأن يقوم بذلك شخصيًا. وقد رتب الأطلاب غير متبع الترتيب الذى جرى الأمراء على الجلوس بمقتضاه فى حضرة السلطان فى المحافل الرسمية، وإنما رتبها "بحسب وظيفته" أى الطلب؛ انظر النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٣٦٣، س ٦ - ٢؛ وانظر أيضًا المنهل، جـ ٣، ص ١٦٨ أ، س ٢ - ٨؛ البدائع، جـ ٢، ص ٨، س ٢٣ - ٢٥؛ JournaL oF the Amer ican Oriental Society، ١٩٤٩، ص ١٤٢، Bulletin oF the School of Oriental and Af rican Studies جـ ١٥, ص ٤٥٤ - ٤٥٥)، ويبدو أن ذلك يتضمن أن ترتيب أطلاب الأمراء فى ميدان المعركة كان وقتذاك بطبيعة الحال صورة طبق الأصل لترتيب جلوسهم فى المحافل الرسمية. وفى سنة ٨٤٢ هـ (١٤٣٨ م) عبأ الأمير آقبغا التمرازى جيش السلطان جقمق فى قتال الأمير قُرقْماس كما يأتى: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحين. وهذه التعبئة للمعركة سميت "تعبية المُجَنَّح" (النجوم الزاهرة، جـ ٧، ص ٤٦، س ٦ - ٨) وقد وضعت طليعة أمام القلب وسميت "جاليش القلب" (أبو الفدا،
стр. 3520
جـ ٤، ص ١٥، س ٦) والظاهر أن القلب نفسه كان يقسم فى بعض الأحيان إلى عدة أقسام بما فى ذلك الأجنحة، كما يستدل من العبارة "جناح القلب الأيسر" (النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ٣٠٣، س ١٣ - ١٤).
ولا تزودنا المصادر إلا بمعلومات قليلة جدًا عن الأماكن التى احتلتها جيوش الأمراء المصريين على اختلافهم هم وولاة الولايات الشآمية فى نطاق الجناحين الأيمن والأيسر والقلب. أما بخصوص جيش ولاية حماة فقد ذكر صراحة أنه كان يوضع فى العادة قريبًا من الجناح الأيمن منذ أيام صلاح الدين (السلوك، جـ ١، ص ٢٠١، س ٣ - ٦؛ أبو الفداء، جـ ٤، ص ٢٤، س ٢٨ - ٢٩).
القتال الفعلى: إن هناك ظاهرة متواترة فى المعارك الكبرى التى خاضها المماليك مع أعدائهم وهى أن الجناحين ينهزمان أولا، فى حين يثبت القلب مدة أطول. وما إن يبدأ القتال حين تنقلب التعبئة المحكمة كلها انقلابًا عظيما، ذلك أن جناحًا من جناحى جيوش الأعداء ينهار تحت ضغط هجوم العدو ويعمد جنوده إلى الفرار، على حين يطاردهم الجناح المعادى بأقصى سرعة. ومن الملاحظ أن الجانب نفسه الذى انهزم هزيمة منكرة ينجح فى كثير من الأحيان، أثناء المراحل الأولى من القتال فى اكتساح جناح من أجنحة العدو ويطارده. وقد يبعد الجناح المطارد والجناح المطارَد بعدًا كبيرًا عن ساحة المعركة الكبرى، وبذلك يظل جاهلا كل الجهل بتطورات القتال (حدث هذا فى معركة غزة ضد الفرنجة سنة ٦٤٢ هـ الموافقة سنة ١٢٤٤ م (سبط الجورى، ص ٤٩٤، س ٨ - ١٦)، وفى معركة الناصر يوسف مع أيبك سنة ٦٤٨ هـ الموافقة سنة ١٢٥١ م [المكين، ص ٥٣ - ٥٥؛ السلوك، جـ ١، ص ٣٢٤ - ٣٢٧؛ النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ٦، س ١٦ - ص ٧، س ٢] وفى وقعة عين جالوت وفى معركة برقوق مع منافسيه عند شقحب سنة ٧٩٢ هـ الموافقة سنة ١٣٩٠ [ابن الفرات، جـ ٩، ص ١٨٥ - ١٨٧؛ ابن
стр. 3521
قاضى شهبة، ورقة ٥٩ ب، س ٢٠ - ٢٥، المنهل، ورقة ٤٧ ب, س ٥ - ٦]؛ وكذلك حدث أكثر من مرة أن الجناح المطارد فى رجوعه إلى ميدان القتال يكتشَف أن الجيش الذى ينتمى إليه كان قد نزلت به هزيمة منكرة.
وكانت المعارك الكبرى التى خاضها المماليك على الأغلب قصيرة، وقلما كانت تستمر أكثر من يوم واحد، ومن أكثر المعارك امتدادًا هى التى خاضوها مع تيمور لنك، ولكن هذه المعركة كانت مجموعة من معارك الميدان وحصارًا لمدينة دمشق، وقد كانت الحصارات أيام القرون الوسطى طويلة جدًا فى القرون الوسطى، وفى هذه الحالات النادرة، أى حين تستمر المعركة إلى اليوم التالى، كان القتال يتوقف فى الليلة التى تتخلل ذلك. ويندر أن كان المماليك يحاربون معركة ليلية مع عدو أجنبى.
وكان من الحركات الحربية القديمة التى استخدمتها القبائل التركية والمغولية فى ميدان المعركة، ما عرف جيدا بالإحاطة بالعدو وإبادته فى نطاق حلقة تضيق عليه. وقد ذكرت إحاطة العدو بحلقة كثيرًا فى كتب التدريب على الفروسية التى ألفت فى عصر المماليك. وقلما ذكرت فى التدريبات العسكرية الفعلية. وهذه الحركات الحربية بالذات كانت شائعة جدًا فى الصيد (ضرب حلقة صيد) وخاصة فى العقود الأولى من حكم المماليك (السلوك، جـ ١، ص ٤٩٨, س ٧، ٥٢٠، س ١ - ٤، ٥٤٩، س ٩ - ١١، ٥٨٤، س ١ - ٣، ٧٨٩، س ٥ - ٦، ٨٥٩، س ٢٠ - ٢١، ٤٢١، س ١٠ - ١٤, ابن عبد الظاهر، ورقة ٥٢ أ، س ٧ - ١٠، ٩٣ ب، س ١١ - ١٦؛ Oua tremere: Sultan Mamlouks جـ ١/ ٢، ص ١٤٧ وما بعدها). على أننا - بقدر ما نعلم من المصادر الميسورة لنا - نرى أن المماليك لم يتبعوا هذه الطريقة فى الحرب فى أى من معاركهم الكبرى، أى أنهم لم يعمدوا قط إلى الإحاطة بالعدو فى ميدان المعركة وإبادته بعد الإحاطة به (هم يفعلون ذلك مع بعض أقسام من العدو المهزوم المطارَد، ويكون ذلك فى العادة بعيدًا جدًا عن مسرح المعركة
стр. 3522
الكبرى. والصورة غير واضحة فيما يتعلق بمعركة عين جالوت). وثمة تفسير واحد ممكن لذلك هو أن الطرفين لا يستطيعان اللجوء إلى هذه الحركات الحربية الخاصة بالتطويق أحدهما مع الآخر بنجاح، لأن كلا منهما كان خبيرًا بهذه الحركات (استخدمها الخوارزمية بنجاح كبير مع الفرنجة فى معركة غزة سنة ٦٤٢ هـ = أكتوبر سنة ١٢٤٤؛ انظر سبط بن الجوزى، ص ٤٩٤، س ٣ - ١٦. وفي سنة ٧٠١ هـ = ١٣٠٢ م أخمد المماليك فتنة كبيرة أثارها البدو من الصعيد بتطويقهم "فى حلقة مثل حلقة الصيد"، المنصورى، ورقة ١٢٣١ - ١٢٣٢). وثمة تفسير آخر ممكن هو أن فن الحرب عند المماليك كان قد انحرف تدريجًا من الفن عند إخوانهم الأتراك المغول تحت تأثير انتقالهم إلى حياة الاستقرار واتباع السوابق الحربية الإسلامية. وقد يصدق هذا، إلى حد أقل، على الجيوش المغولية بإيران. ومن المعروف جيدًا أن الصيد كان من الوسائل الكبرى للتدريب على الحرب الفعلية لدى بدو الفيافى. وقد ذكرت "حلقة الصيد" فى عهد بيبرس الأول أكثر بكثير مما ذكرت فى عهود السلاطين المتأخرين، وقد يدل هذا على اضمحلال أساليب الحرب البدوية بين المماليك بمرور الزمن (انظر التدريب العسكرى لدى المماليك: D.Ayalon: Furusiyya exercises and Notes on the games in the Mamluk Sultunate في - Scrip ta Hierosolymitana جـ ٩ , ص ٣١ - ٦٢؛ A Muslim Manual of: T.Scanlon War, القاهرة سنة ١٩٦١).
ومن السنن التى جرى عليها المماليك فى معاركهم نذكر الملاحظتين الآتيتين الجديرتين بالالتفات.
(أ) فى معركة أبْلُسْتَيْن (سنة ٦٧٥ هـ = أبريل سنة ١٢٧٧) ترجل المغول عن جيادهم وقاتلوا حتى الموت (النهج، جـ ١٤، ص ٤٢٤، س ٥ - ٦؛ ابن كثير، جـ ١٣، ص ٢٧١ - ٢٧٢؛ النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ١٦٨). والظاهر أن هذا النوع من القتال كان شائعًا جدًا لدى المغول (انظر عن استخدامهم المتكرر لذلك فى حروبهم مع خوارزمشاه: سبط بن
стр. 3523
الجوزى، ص ٤٤٣، س ٨ - ٤٤، س ٧). ويبدو أن المماليك لم يلجأوا قط إلى هذا النوع من القتال. على أن هذه السنة ذكرت كثيرًا أيام صدر الإسلام فى المراجع فقيل إنها كانت تمارس فى الظروف الحرجة أو الميئوس منها (انظر مثلا الدينورى: الأخبار الطوال، ص ٢٨٨، ابن سعد، الطبقات، جـ ٢، قسم ١، ص ٩٣، س ١٤ - ١٩؛ الطبرى، جـ ١، ص ١٦١٤، س ٨، جـ ٣، ص ٨٥٣، س ٢١ - ٥٤، س ١١؛ ابن خلدون: العبر، جـ ٣، ص ٣٣٨).
(ب) ويذكر أصحاب الرسائل العسكرية المملوكية اصطناع ضجة هائلة لإدخال الفزع فى قلوب العدو، والحق أن المماليك لجأوا إلى ذلك كثيرًا جدًا ولاقوا نجاحا كبيرًا. وتروى مصادر المماليك أن هذه الطريقة نجحت فى حصار عكا سنة ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م)، ففى الهجوم الأخير على هذه المدينة استخدم المماليك عددًا ضخما من الطبول (كوسات) حملها ٣٠٠ جمل "فكان أصوات مهولة وحس عظيم مزعج" وانقلبت الدنيا رأسًا على عقب (دول الإسلام، جـ ٢، ص ٢، ص ١٤٧، س ٥ - ٧؛ ابن كثير، جـ ١٣، ص ٣٢١، س ٣، النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ٦، س ٧ - ٩؛ السلوك، جـ ١، ص ٧٦٥، س ١ - ٢، جـ ٢، ص ٧٢، س ٨؛ ابن الفرات، جـ ٨، ص ١١٢، س ١٠ - ١١) وكان أعداء المماليك البدويون يتأثرون خاصة بالطبول (دول الإسلام، جـ ٢، ص ١٤٧، س ٥ - ٧؛ ابن كثير، جـ ١٣، ص ٣٢١، س ٣؛ النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ٦ س ٧ - ٩؛ السلوك، جـ ١، ص ٧٦٥، س ١ - ٢، جـ ٢ ص ١٦٢, س ٨؛ ابن الفرات، جـ ٨، ص ١١٢، س ١٠ - ١١).
وحين كان المماليك يضطرون إلى خوض معارك كبرى على الأرض المصرية، فإنهم قد جروا على تفضيل أن تدور المعركة فى جوار القاهرة. وفى عدة أحوال كان الحد بين صحراء سيناء ومصر نفسها ويسمى "رأس الرمل" أو "أول الرمل"، ممتدحًا لأنه أنسب للمدافِع، ذلك أن المهاجم سوف يكون قد أنهك بمجرد عبوره الصحراء.
стр. 3524
وقد أبى برقوق فى قتاله منطاش ويلبغا الناصرى، وطومان باى فى قتاله العثمانيين أن يأخذا بهذا الاقتراح وفضلا القتال فى جوار القاهرة (النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ٤٠٩، س ٨ - ٩، ص ٤١١، ابن قاضى شهبة، ورقة ٣٨ ب، س ٥ - ٨؛ ابن الفرات، جـ ٧، ص ١١٤؛ جـ ٩، ص ٨٠، س ٢٤ - ٢٧؛ البدائع، جـ ٥، ص ١٣٦، س ٦ - ٩، ٢٢ - ٢٤ - ص ١٣٩).
والظاهر أن الهزيمة التى أنزلها السلطان أيبك بالناصر يوسف فى العباسية سنة ٦٨٤ هـ (فبراير ١٢٥١ م) بعد أن عبر الناصر الصحراء مباشرة وأزال إلى النهاية خطر تهديد الأيوبيين لحكم المماليك، لم تغرِ خلفاء أيبك بأن يحذوا حذوه.
منديل الأمان: حين كان واحد من الطرفين المتنازعين يرغب فى التفاوض لعقد هدنة أو صلح أو تسليم فإنه كان يوفد إلى معسكر عدوه مبعوثًا أو مبعوثين يحملون (منديل الأمان). وكان هذا المنديل، الذى لم يحدد لونه, يلف عادة حول العنق أو يوضع على الرأس (قلما كان يطوى حول الوسط أو يحمل باليد). ويمكن أن يرسل مثل هذا المنديل أيضًا على يد الجانب المنتصر دلالة على قبوله العرض بالتفاوض (Zettersteen: Beitraege، جـ ٧، ص ١٤٥، س ١٢؛ المنهل، جـ ٥، ورقة ١٢٠، س ١٨؛ النجوم الزاهرة، جـ ٥، ص ٣٠٩، س ٧؛ جـ ٧، ص ٤١٥، س ١٠ - ١١، ص ٤٣٩، س ٣ - ٤؛ البدائع، جـ ٢، ص ١١، س ٢٠ - ٢٦؛ جـ ٣، ص ١٠٩، س ١٢، ص ٣٠٦، س ٦، ص ٣٥٣، س ١٠؛ ابن عربشاه: التأليف الطاهر، المتحف البريطانى، المخطوطات الشرقية، رقم ٣٠٢٦، ورقة ١٨٦، س ١٤ - ١٦، ورقة ١٩٧، س ١٨ - ١٩؛ وانظر أيضًا L.A. Mayer Costume: Mameluke, ص ٦٣، تعليق ٤، وانظر Dozy,. وقلما كان يستخدم "قميص الأمان" فى العرض الذى كان يستخدم من أجله المنديل (ابن الفرات، جـ ٧، ص ٢٢٨؛ وانظر أيضًا: المنصورى، ورقة ٢٣/ ١، س ١٣).
стр. 3525
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«حرب - الحسين بن علي»
[الجزء الثاني عشر]
стр. 3526
الخسائر فى الأرواح
إن الخسائر التى ذكرتها مصادر المماليك عما فقده المماليك أو أعداؤهم معتدلة جدًا على وجه الإجمال، وإن لم تخل بحال من المبالغات. ومن الأمور الهادية فى هذا الصدد ما ذكره المؤرخ المملوكى ابن تغرى بردى. فهو ينتسب هو ومعاصره القريب ابن خلدون (المقدمة, طبعة كاترمير، جـ ١, ص ٩ = ترجمة روزنتال، جـ ١ ص ٧) الذى قضى عدة سنوات فى سلطنة المماليك، إلى تلك القلة النادرة من المؤرخين المسلمين الذين يناقشون صحة الأرقام التى ذكرتها المصادر التاريخية عن الخسائر. وعلى حين ينتقد كلاهما الأرقام الخاصة بأحجام الجيوش، فإن ابن تغرى بردى وحده هو الذى يدخل فى نقده أرقام الذين قتلوا فى المعارك. وابن تغرى بردى نفسه، الذى يذكر فى عدة أحيان أن الأعداد التى ذكرتها المصادر لأولئك الذين أهلكهم الطاعون مبالغ فيها كل المبالغة، يضيف فى مناسبة من هذه المناسبات أن هذا يصدق أيضًا على أولئك الذين قتلوا فى "الوقائع المتقدمة"، وذلك حين تتحدث المصادر عن أن عدد من قتلوا فى معركة واحدة بلغ مائه ألف مقاتل أو أقل أو تهبط بهذا الرقم إلى ألف بل مائة. ويمضى .. مؤرخنا فى الإدلاء بحجته فيقول إنه حتى حين لا يزيد عدد القتلى على ألف فإن جثثهم تكون مبعثرة فى منطقة واسعة، وإحصاءهم يتطلب من المرء أن يستخدم عدة آلاف ممن بقوا على قيد الحياة، ولو تحقق ذلك لاستغرق مدة طويلة للتثبت من عدد القتلى على وجه الدقة. ثم يضيف قائلا إننا لم نر ولم نسمع بأن سلطانًا قد أقام قط أحدًا لإحصاء أعداد القتلى فى أية معركة إلا إذا كان عددهم ألفًا أو أقل. أما من قتلوا فى المعارك مع هولاكو وغازان وتيمور فإن تقرير عددهم بالدقة جنون مطبق، ولا يمكن أن يصدّق هذه الأعداد إلا مجنون. ويخلص مؤرخنا الإخبارى من ذلك بأنه إنما ذكر المعارك مع هؤلاء الخانات بخاصة لأنهم كانوا يعيشون قرب زمانه، ومع ذلك فهو يعنى أية معركة وقعت فى العصر الإسلامى أو قبله (الحوادث، ص ٣٣٧: س ١٤ - ص
стр. 3527
٣٣٨, س ١٢، أما عن رأى الكاتب عن مبالغات المؤرخ فيما يختص بالتجريدات وما إليها فانظر: النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٠٣: س ١٤ - ١٦. وانظر أيضًا النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ١٣١، س ٦ - ٨, جـ ٩، ص ٢٠، س ٩ - ١٤، وأما عن عنايته بذكر عدد المماليك فانظر المصدر نفسه، جـ ٦، ص ٦٨٧, س ٧ - ١٠).
وبالرغم من المعارك الكبرى الكثيرة التى دارت فى عصر المماليك البحرية والتجريدات المستمرة التى أنفذت إلى البدو فى عصر المماليك الجراكسة، فإن المصادر المملوكية لا تزودنا بمعلومات وافرة عن عدد من قتلوا فى المعارك. وأما المعلومات عن عدد من جرحوا فشحيحة، وكذلك فإن المعلومات شحيحة جدًا عن أسرى الحرب.
وخسائر المماليك فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) قليلة فى أغلب الأحيان، إذا استثنينا قتالهم مع تيمور فى مستهل هذا القرن ومع شاه سوار التركمانى والعثمانيين فى العقود الأخيرة منه. والسبب فى قلة عدد الخسائر فى الأرواح، هو انعدام القتال الفعلى فى هذه الفترة. وهذا السبب - ضمن أسباب أخرى - هو الذى أدى إلى حد كبير إلى اضمحلال جيش المماليك. وثمة قولان ذكرهما ابن تغرى بردى - أعظم حجة يرجع إليها بخصوص المجتمع العسكرى للمماليك الجراكسة - وذلك عن الصلة الوثيقة بين ندرة القتال وقلة الخسائر واضمحلال الجيش، وهما قولان على أعظم جانب من الأهمية (لم يكن ابن تغرى بردى الذى توفى سنة ٨٧٤ هـ = ١٤٧٠ م يعرف إلا المعارك الأولى التى خاضها المماليك مع شاه سُوار): القول الأول أن مماليك زمانه قوم يأكلون من خبز لم يكتسبوه، ذلك أنهم يدينون بالفضل فى كل شئ لصنائع مماليك الأجيال السابقة. ولم تكن هناك حرب حقيقية فى القرن التاسع الهجرى بعد الحرب مع تيمور، فالمعارك التى نشبت فى عهود الناصر فرج والمؤيد شيخ والعزيز يوسف لم تكن إلا بدائل للحرب. وأكبر معركة دارت فى هذا القرن كانت معركة شقحب) ٧٩٢ هـ = ١٣٩٠) ومع ذلك فإن عدد من قتل من
стр. 3528
الجانبين كان أقل من خمسين قتيلا. وقد وقعت معارك بعد شقحب لم يفقد فيها أى جندى حياته (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٨٨). ويذكر ابن تغرى بردى فى القول الثانى الذى يدلى به وهو يحمل الحديث عن عهد السلطان قلاوون أنه لو لم يفعل قلاوون سوى تنشئة جنوده التنشئة الحسنة لكفى بذلك دليلا على عظمته. ذلك أن سلوكهم الحسن ونظامهم الجيد كانا على طرفى نقيض من سلوك مماليك زمانه ونظامهم، ويجب أن نقرن هذا بأنه لم تدر حرب حقيقية فى القرن التاسع الهجرى سوى الحرب مع تيمور. وكانت أكبر عملية عسكرية جرت فى هذا القرن هى غزو قبرس، على أن هذه العملية نفسها لم تكن حربًا بالمعنى المفهوم، ذلك أن القبارسة سلموا لكتيبة صغيرة قبل أن يصل مجموع الجيش إلى ميدان المعركة. أما بقية الحملات البحرية فلم تكن تعدو "سفرًا فى البحر ذهابًا وإيابًا". وفى قول تغرى بردى إن هذا يباين مباينة جلية ملفتة المعارك الكبيرة المتصلة والحمية فى القتال وهى ما اتسمت به الفترة ما بين عهدى صلاح الدين والأشرف خليل. وهو يضيف أن من العجيب أن جنود المماليك فى الأجيال السالفة كانوا متواضعين يتسمون بالخجل بالرغم مما حققوه من انتصارات وما أتوه من فعال باهرة: كانوا ينسون أنفسهم فى حضرة العظماء والدهاة المحنكين ولا يحتقرون أولئك الذين يشغلون مناصب أدنى من مناصبهم. بل لقد كان المماليك فى زمنه على عكس غيرهم. ما من واحد منهم كان قادرًا على الأخذ بعنان فرسه كما ينبغى. وكانوا خبراء فى التغلب على الضعيف ومن لا حول له ولا قوة. وكانت غزواتهم سلبا للتبن والدريس (النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٧، ص ٣٢٨، س ٣ - ص ٣٩، س ١٥) وانظر عن انهيار نظام المماليك فى عهد الجراكسة (Bulletin of the School of Oriental and African Studies جـ ١٥، ص ٢٠٦ - ٢١٣). وكان ثمة ميل ظاهر أيام الجراكسة لتقديس عصر المماليك البحرية، على أن هذا الميل لم يكن بحال خاليا من سند قوى.
стр. 3529
ميراث الجندى القتيل: وكان موت جندى أثناء حملة من الحملات كثيرًا ما ينتهى بتعقيدات خطيرة. ومن أكبر العقبات فى هذا السبيل الحصول على شهادة موثوق بها عن وصية القتيل قبل موته. ولم تكن شهادة زملائه الجنود تعد كافية. ثم إن مال المتوفى كان خليقًا بأن يتبدد فى الوقت نفسه. وأراد السلطان بيبرس الأول أن يؤمّن مصالح ورثة القتيل الشرعيين فأصدر مرسومًا فى شعبان سنة ٦٦٣ (مايو سنة ١٢٦٥) بموافقة قاضى القضاة يقضى بأن يقيم كل قائد فى الميدان عددًا من الأشخاص ذوى الاستقامة والإخلاص يخولون الحق فى التثبت من وصية الجندى القتيل الأخيرة، وقد قوبل هذا المرسوم بالترحاب من الجيش، وكذلك أصدر بيبرس الأول، قبل ذلك، مرسومًا آخر يؤمن مصالح يتامى الجندى القتيل. والظاهر أن هذا المرسوم لم يكن مقصورًا على الجنود المشتركين فى حملة من الحملات (السلوك، جـ ١ ص ٥١٢، س ١ - ٧؛ ص ٥٣٦، س ١٠ - ١٨؛ الخطط، جـ ٢، ص ٢٠٦، س ١١ - ١٦، ١٩ - ٢٣).
عودة الجيش الظافر إلى قصبة البلاد: كان إعلان الانتصار فى قصبة البلاد يقترن بعزف الفرق الموسيقية عامة وقرع الطبول خاصة فى حلقة القاهرة وعلى أبواب دور أمراء الألف. وكان هذا الأسلوب فى إعلان الانتصار يسمى "دقّة البشائر" (أو "الكوسات"). وكانت الطبول فى بعض الأحيان لا تكف عن القرع سبعة أيام سويًا، وتزين المدينة عدة أيام. وكانت هذه الزينة تشمل عادة إقامة "قلاع" من الخشب فى الطرقات، وإعادة طلاء أبواب القصبة ورسم "الرنوك" (والمفردرَنْك") عليها. وقد جرت الحال بأن يسير الجيش العائد فيشق القاهرة فى موكب ضخم. وكان هذا الموكب يضم الأسرى مصفدين، ورؤوسًا مقطوعة، وأعلامًا ممزقة أو مكسورة أو معكوسة، وطبولا مشقوقة أو مقلوبة فى بعض الأحيان. ويتلقى القائد الأكبر للتجريدة الخلع وغيرها من العطايا.
مسلك الجيش المملوكى فى الهزيمة: وسلوك الجيش فى حالة
стр. 3530
الهزيمة أو فى حالة التقهقر من خير الدلائل التى تقاس بها كفايته وروحه المعنوية. والحكم بمقتضى هذا المقياس وحده قد لا يبرر الصيت الكبير الذى لجيش المماليك. وكان من المنتظر أن أية نكسة يصاب بها تنال فى يسر من روحه المعنوية فى السنوات التى اضمحل فيها. والأمر العجيب أن المرء، بقدر ما يستطيع أن يحكم من شاهد واحد هام، يجد أن مسلكه لم يكن فى جوهره يختلف عن ذلك حين يكون فى أوج سلطانه أو قريبا من أوج هذا السلطان. وقد كانت الهزيمة الكبرى الوحيدة التى منى بها هذا الجيش فى أيام المماليك البحرية هى معركته الأولى مع الإيلخان غازان سنة ٦٩٩ هـ (١٢٩٩ م)، إذ سرعان ما انتهى تقهقره إلى فرار يسوده الفزع والذعر، بل إن الأمراء الكبار تخلوا عن الجنود الذين تحت إمرتهم ونجوا بحياتهم فرارًا. وأراد الجنود أن ييسروا الفرار على أنفسهم فتركوا خوذاتهم ولبسوا بدلها المناديل، وتخلى كثير منهم عن ملابس الميدان وراحوا يختبئون فى دمشق خشية غضب العامة وثورتهم. وحاول آخرون التنكر بحلق لحاهم. وانسحب الجيش المصرى والجيش الشآمى إلى مصر، وبلغ جنود الجيشين القاهرة فى جماعات صغيرة، بل "متفرقين فُرَداء" ومعظمهم شبه عرايا بلا جياد. ويقول واحد من المؤرخين إن عدد من هلكوا فى القتال الفعلى كان قليلا جدًا، وقد لقى كثير منهم حتفه أثناء الفرار. واقتضى الأمر عدة أشهر لإعادة تنظيم الجيش وتزويده بالعدة، ولكن السلطان الناصر محمدًا نهض لمجابهة الموقف على الرغم من حداثة سنه. وكان يستطاع فى مصر النهوض بمثل هذه الجيوش الضخمة وإعادة تنظيمها بالنظر إلى الازدهار الكبير الذى كانت تنعم به هذه البلاد فى ذلك الوقت، كما ذكرت المصادر صراحة (النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ١٢٢، س ١٥ - ١٩، ص ١٢٤، س ١ - ٨، ١٢ - ١٤، ص ١٢٨، س ١٣ - ص ١٢٩، س ٣؛ النهج السديد [فى Patrologia Orientalis] جـ ١٤، ص ٦٣٧، س ٨ - ص ٦٣٨، س ٢، ص ٦٧٠، س ٨ - ص ٦٧١، س ٣؛ - Zetter Beitraege: steen، ص ٦٠، ٢٣ -
стр. 3531
ص ٦١، س ٢، ص ٨٠، س ١ - ٥؛ ابن الدوادارى، جـ ٩، ص ١٧ - ١٨، ٣٧ - ٤٠).
وفى المعركة مع تيمورلنك التى وقعت فى جمادى الأولى سنة ٨٠٣ (يناير سنة ١٤٠١) لم تكن هزيمة المماليك شديدة، ولذلك تم تقهقرهم فى غاية من النظام فى أول الأمر، على أنه ما إن علم الأمراء برحيل السلطان فرج حتى رحلوا هم الآخرون وبلغ كل منهم مصر يصحبه ما لا يزيد على مملوك أو مملوكين (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦١، س ١٤ - ١٧).
وثمة شاهد عظيم الدلالة على اضمحلال النظام فى جيش المماليك فى مستهل القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) تجلى من موقفه بعد أن رفع السلطان برسباى الحصار عن قلعة آمد سنة ٨٣٦ هـ (١٤٣٣ م). ذلك أن برسباى عجز عن الاستيلاء عليها فاستقر عزمه على أن يعقد معاهدة مع حاميها قَرَايُلك ثم يعود إلى مصر. وظل الجيش المحاصر لها أثناء الحصار الطويل، ولم يخسر إلا قليلا، ولم يكن هناك، بطبيعة الحال، أى مجال لنزول أية هزيمة به. على أنه ما إن انتشر فى معسكر الجيش خبر عقد معاهدة، حتى لم يكلف الجيش نفسه عناء انتظار الأمر بالانسحاب، بل ولى ظهره للقلعة وبدأ يعود جافلا إلى مصر لا يلوى على شئ. وفى فراره المضطرب هذا كان كل يسير على هواه، وسرعان ما تفكك الجيش الضخم فغدا جماعات صغيرة اندفعت إلى مصر من طرق مختلفة، لا تعلم الجماعة من الجيش بأمر الجماعة الأخرى؛ وفر الأمراء فى اتجاه واحد، على حين فر مماليكهم هم "وطلباتهم" فى اتجاه آخر. وترك السلطان نفسه فى نفر من أتباعه وتعرض أثناء الليل بأسره للخطر الداهم. ويرى المؤرخ المعاصر أن قرايلك كان يستطيع أن ينزل بالجيش خسائر فادحة فى تقهقره لو كان عنده الشجاعة الكافية لمطاردته (النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٢٠٦ - ٢٠٩).
ونجد فى الهزائم المتعددة التى منى بها جيش المماليك فيما بعد ذلك من أوقات أن تقهقره فيها كان يتسم بالفوضى الشاملة، فيعود الجنود إلى الوطن جوعى يسيرون حفاة بلا نعال.
стр. 3532
وكان بعضهم يعودون على الأقدام، وبعضهم يركبون الحمير بل كان منهم من يركب البعير (انظر على سبيل المثال: البدائع، جـ ٢، ص ١١٢, س ٦ - ٨؛ جـ ٣، ص ١٢، س ٥ - ٦، ص ٣٤، س ١٢ - ١٦؛ جـ ٥، ص ٧٢، س ٦ - ٨، ص ١٢٨، س ٨ - ١١).
المعارك داخل المجتمع العسكرى المملوكى: كان المماليك يقاتلون أعداءهم الخارجين فى حماسة وتصميم كبير، حتى العقود الأولى من حكم المماليك الجراكسة على الأقل، فى حين كانت معاركهم الداخلية فى معظم الأحوال لا تتسم إلا بالتصميم اليسير والضراوة القليلة وعلى نحو يجنح إلى التراخى وعدم التحمس. وكان عدد خسائرهم فى الغالب قليلا جدًا. وكان القول "قتال هيّن" شائعًا جدًا فى هذا النوع من الحرب. وقد كان من المستحيل أو يكاد التنبؤ بنتائج هذه المعارك، ذلك أن المعسكرين المتنابذين كانا دائمًا فى حالة متأرجحة، ينضم المماليك إلى معسكر منهما تارة وينحازون إلى المعسكر الآخر تارة أخرى. فإذا رجحت كفة جانب على نحو حاسم فإن معظم المماليك الذين كانوا فى الجانب الخاسر ينضمون بحملتهم إلى الجانب الرابح (انظر مثلا: النهج السديد، جـ ١٤، ص ٥٧٩، س ٥ - ص ٥٨٠، س ٣؛ المنهل الصافى، جـ ٤، ورقة ٢١٦ أ، س ١٨ - ٢٦؛ النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٣٥ - ٣٦). وفى المعارك التى نشبت بين برقوق ومنافسيه، وهى المعارك التى كانت أشرس بكثير من المناوشات المملوكية المألوفة، وفى المعارك التى نشبت بعد ذلك وخاضها هؤلاء المتنافسون بينهم وبين أنفسهم، نجد أن المماليك كانوا يهرعون فى فيض لا ينقطع منضمين من معسكر إلى آخر. وبحكم هذا الفيض وما جرى عليه مقاتلو الجانبين من ارتداء زى واحد على تفاوت فى ذلك، اضطر مؤيدو المنافس من المتنافسين أن يحملوا فى بعض الأحيان شارات خاصة تميزهم (انظر على سبيل المثال: ابن الفرات، جـ ٧، ص ١٧٠، س ٢٢ - ٢٣). وإنما امتازت المعارك بين السلطان فرج وجراكسته دون سواها
стр. 3533
بضراوتها بصفة خاصة (انظر Journ. of .the Roy. As. Soc، جـ ٦٩، سنة ١٩٤٩. ص ١٤١ - ١٤٢).
وقد لعبت قلعة القاهرة (قلعة الجبل) دورًا رئيسيًا فى الفتن الداخلية لدى المماليك. وبالرغم من أنها كانت قد حصنت تحصينًا منيعًا، فإن الحصارات التى ضربت عليها كانت فى معظم الأحوال قصيرة الأمد، ذلك أنها كانت تنتقل من يد إلى يد دون قتال. وكانت الحصارات التى تستمر سبعة أيام نادرة جدًا (السلوك، جـ ١، ص ٨٠، س ٢٠؛ الحوادث، ص ١٧٩, س ١٣ - ٢١، ص ٢٣٣، س ٨ - ٩، ابن الفرات، جـ ٧، ص ١٤٧، س ٣، ص ١٨١، س ١٨؛ البدائع، جـ ٣، ص ٤٥٥، س ٣). وقد استمر أطول حصار لهذه القلعة أيام المماليك ٣١ يوما (البدائع، جـ ٣، ص ٣٦٢ - ٣٦٣، س ٢).
وقد كان لمدرسة السلطان حسن التى تقوم تجاه القلعة، شأن هام فى هذه الحصارات.
وسبّب القتال بين المماليك خسائر جسيمة نزلت بالسكان المدنيين، وكان هؤلاء تنزل بهم خسائر أفدح من خسائر المماليك أنفسهم (الحوادث، ص ١٧١، س ٢١ - ٢٣؛ النجوم الزاهرة، جـ ٧، ص ٤٠٥، ٤١٧، س ١٤ - ص ٤١٨، س ٤).
وقلما كانت الأحزاب المملوكية المتنافسة تستنجد بالبدو ليعينوا حزبا على الآخر. ولما استنجدوا بهم سنة ٩٠٢ هـ (١٤٩٧ م) راح المماليك يحاربون المماليك وراح البدو يقاتلون البدو) البدائع، جـ ٣، ص ٣٥٦، س ٧ - ٩، ص ٣٥٧، س ١٩ - ص ٣٥٨، س ٢). وحدث بعد ذلك بسنوات قلائل، أى سنة ٩٠٦ هـ (١٥٠١ م) أن فكرت الأحزاب المملوكية مرة أخرى فى الاستنجاد بالبدو، ولكنهم نبذوا هذه الفكرة على اعتبار أن اتخاذ هذه الخطوة فيه مهانة كبيرة (البدائع، جـ ٣، ص ٤٥٠, س ٨ - ١٠). أما من ناحية البدو فإنهم لم يظهروا إلا حماسة قليلة للمساهمة فى قتال مع المماليك طالما أن هؤلاء لا يهاجمونهم. وقد استنجد بوقوق مرة بالبدو ليعينوه على منافسيه، ولكنهم اعتذروا قائلين
стр. 3534
إنهم لا يقدرون أن يحاربوا المماليك (ابن الفرات، جـ ٩، ص ٧٢، س ١١ - ١٩).
وانظر أيضًا المواد الخاصة بمعارك بأعيانها وهى "عين جالوت" و"حمص" و"مرج دابق" و"شقحب" و"وادى الخازندار" إلخ. أما بخصوص حرب الحصار.
خورشيد [د. أيالون D. Ayalon]
(٤) الإمبراطورية العثمانية
تقتضى المعركة الكبرى مشروعًا يُدخل العثمانيين فى عمل طويل معقد من أعمال الإعداد والتجهيز، فالأخبار من الخارج من جاسوسية وتقارير، لها فى الواقع دخل واضح فى العمليات الحربية التى تدور فى الميدان، وقد حرص العثمانيون على أن يكونوا على علم جيد بالمسرح الدولى (مثال ذلك، عن طريق راغوسة: انظر Biegman N.H. فى بلتن Belletin، جـ ٢٧، سنة ١٩٦٣، ص ٢٣٧ - ٢٥٥؛ وانظر عن الجواسيس اليهود فى خدمة العثمانيين: A. Acre: Espionaje y ultima aventura de Jose Nasi Sefarad، جـ ١٣، سنة ١٩٥٣، ص ٢٥٧ - ٢٨٦). والطرق التى اتبعت فى الحروب المتقدمة فى الزمن قد وضعت موضع الدراسة مرة أخرى فى تاريخ متأخر، إذ الظاهر أن السلطان محمدا الثانى كان قد درس حملات بايزيد الأول ومراد الثانى ليهتدى بها فى حملاته (انظر خليل إينالجق فى ١٠ بيزانس تدقيقلرى قونغرسى تبليغلرى، إستانبول سنة ١٩٥٧، ص ٢٢٠). زد على ذلك أن الجنود والضباط الذين خبروا مسرحا خاصا من مسارح الحرب قد تلتمس منهم النصيحة عن خير الطرق المتاحة (انظر Hurmuzaki: Documenti، جـ ٢، قسم ١، ص ٥٢١).
والمعارك الكبرى تتصل اتصالا وثيقًا بعدد من المناطق الجغرافية، وفى زمن الحرب مع فارس، كانت أرضروم (والوصول إليها من استانبول إما عن الطريق البحرى حتى طرابزون وإما عن طريق البر) قاعدة للجيوش العثمانية عظيمة الأهمية. وهكذا كان أيضًا إقليم ديار بكر ووان والموصل مع قيام حلب قاعدة فى المؤخرة، وهى مدن حصون
стр. 3535
كان لها أيضًا شأن مماثل لذلك فيما يتصل بالعراق، حين كان البر هو مسرح الحرب. وقد استخدم العثمانيون كثيرًا، فى قتالهم مع الروس، الطرق البحرية من استانبول إلى القريم وإلى القلاع القائمة على الأنهر التى تصب فى البحر الأسود مثل آزوف ويكى قلعة (الدون ومضيق كيرتش) واوتشاكوف وكلبرون (الدنيير وبو كك) وآكرمان (الدنيستر) وكليا، وإسماعيل، وقولجه، وبرايلا، وسلستره، وروسجوق (الدانوب)، ويجب أن نضيف إلى هذه القلاع كلها التى تحرس البغدان (مثل بندر، وإياسى، وكامبنيج، وختن). أما بخصوص الحملات على الدانوب الأوسط فإن الخط الرئيسى للتقدم كان من استانبول عن طريق أدرنه وبلوفديف وصوفيا ونيش إلى بلغراد، وفيما وراءه الدانوب وتيسزا يمكن عن طريقهما اختراق أراضى المجر، وعن طريق نهر السافا ونهر الدرافا يمكن اختراق أقاليم الهرسك ودلماشيا والبوسنة. وكان مركز سلانيك الكبير معدا كل الإعداد ليتخذ قاعدة للعمليات الحربية الموجهة إلى اليونان وألبانيا (انظر عن المواصلات فى الإمبراطورية العثمانية مؤلفات Jirechek وتيشنر Taeschner).
وقد كان من شأن اتساع الإمبراطورية الشاسع والمسافات الطويلة التى يجب قطعها أن تكون التعبئة العامة بصفة عامة عملا بطيئا مجهدًا. وقد جرت الحال بأن ترسل فى شهر ديسمبر أوامر باستدعاء السباهية أى الخيالة الإقطاعيين فى الولايات للاشتراك فى جملة رسم لها أن تنفذ فى السنة التالية (انظر Hurmuzaki: Documente، جـ ١، قسم ١، ص ٥٢١، . J Turcorum origine: Cuspinianus De، ص ٦٣ ظهر - وجه؛ I.G. Duichev: - Av visi، ص ٤٤؛ Sutton، طبعة A.N. Kurat ص ٣٥ - ٣٧، ٩٠ - ٩١، ١٥١ - ١٥٣). ويذكر ماسيكلى (Stato mili-: : Masigli tare. جـ ٢، ص ١٠٦) كيف كان إنفاذ حملة فى أوربا يقتضى أن يمر الجنود القادمون من آسية الصغرى ومن البلاد العربية من استانبول وغايبولى إلى البلقان أو يقصدوا مباشرة إلى سلانيك
стр. 3536
قادمين من ثغور الشام ومصر، والمجندون المختلفون يلحقون بالخط الرئيسى للمسير من بعد عند فلبه وصوفيا ونيش. أما عن الجنود القادمين من أوربا فقد كان البوسنيون يقصدون إلى أسزك، والألبانيون إلى نيش، وأما الجنود القادمين من ترانسلفانيا فقد كانوا يقصدون إلى بست عن طريق سزولنوك، ويقصد الأفلاقيون والبغدانيون وتتر القريم إلى بلغراد عن طريق طمشوار (انظر - Masig Ii: الكتاب المذكور، جـ ٢، ص ١٠٦). وقلما كان فى الإمكان أيام الحرب مع النمسا أو فارس، تركيز جنود الإمبراطورية فى مسرح الحرب نفسه حتى يوغل فصل الصيف، ونخلص من هذا إلى أن عمليات الميدان الكبرى كانت فى كثير من الأحوال تقصر بالضرورة على أشهر معينة هى أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، وكان نقصان الموارد العملية للعلف فى منطقة العمليات فى أخريات الصيف يجنح إلى تحديد مدة الحملات، ذلك أن العثمانيين كانوا يأخذون معهم إلى الحرب عددًا عظيما من دواب النقل ومن ثم كان الأمر يقتضيهم إطعامها (انظر Warnery: Remarques de، ص ٣٧ - ٣٨). وبدخول الشتاء (ويغلب أن يكون قاسيا فى البلقان وشديدًا بصفة عامة فى أرمينية والمناطق المجاورة لها) يحل أوان الانسحاب إلى المعسكرات الشتوية أو يكاد.
وكان إنفاذ حملة جديدة يقتضى فيما يقتضيه جمع العدة الضخمة لمواد الحرب، فترسل الأوامر لمسابك المدافع (طوباخنه) فى استانبول وغيرها لسبك مدافع جديدة كما ترسل إلى مناجم الإمبراطورية للتزود بالمعادن (الرصاص والشبهان والحديد) وصنع المعاول والمجاريف والعتلات والبلط والمسامير والحدوات ومحاور عربات المدافع والعربات وما إلى ذلك؛ - J. Grze gorzewski: فى: Archiwum NouKowe جـ ٦؛ سنة ١٩١٢، فى مواضع مختلفة؛ كوك بلكين: يوروقلر، ص ١٦٩). وتشتمل البيانات النمسوية عن المواد التى وقعت فى يد النمسويين من الأتراك العثمانيين أثناء الحرب الطويلة من سنة ١٩٠٤ - ١١١٠ هـ
стр. 3537
(١٦٨٣ - ١٦٩٩) أنواعا متعددة من عدة القتال مثل الكلّابات والحراريف والمناجل والمحاصد والسندانات والمنافيخ والحديد والرصاص والحدوات والمسامير والكبريت البطئ الاشتعال وزيت بذر الكتان والراتينج والقار، وشعر الجمال وشعر الخيل، والحبال والأسلاك، والقطن الخام، والغرارات، وجلود الأغنام، والشحم، والدهن، وروافع العربات إلخ (انظر Kriegs-Helm: Boethius , جـ ١، ص ١٥٣؛ - Archiv. f. Kunde Oesterreich Gesch Quellen جـ ٤، ص ٤٤٤؛ Cyula: Veress Varos ص ٤٥٢ وانظر أيضًا [عن بيتر فاردين، سنة ١٧١٦]: . Mon .Hung Hist. Scriptores جـ ٢٧، ص ٥٨٥). وهذه القوائم كانت تشمل المدافع والأسلحة النارية وغير ذلك من الأسلحة التى استولوا عليها من العثمانيين، علاوة على بيانات بالمقادير المستولى عليها من البارود والكبريت والجويدار (وهى مواد لا غنى عنها استمدها الباب العالى من داخل الإمبراطورية ومن منابع أجنبية.
ومن الأمور البالغة الأهمية أيضًا واجب تيسير المؤن الكافية من الطعام للجنود فى الميدان. وكان العثمانيون فى الحملات يعيشون حياة معتدلة متزنة، فيأكلون قليلا من الخبز (أو البقسماط) والضأن والأرز ولحم البقر المجفف والبصل وما أشبه ذلك مما يكوّن هو والماء العناصر الرئيسية لغذائهم. وهذا الاعتدال فى الطعام والشراب يجنح فى قول بعض المصادر الغربية إلى جعل الجندى العثمانى أكثر مقاومة للأمراض وأكثر تحملا من عدوه النصرانى (انظر Mcnavino فى Sansovino: -Historia Uni versale ص ٧٣ ظهر Epito-: Georgieviz me ص ٥٢ - ٥٣؛ Me-: d'Arvieux .moires جـ ٤، ص ٥١٨؛ de Courmenin: Voiage ص ٢٦١، Re-: de Warnery marques ص ٢٣). وقد اتخذت الحكومة المركزية إجراءات واسعة لسد الحاجة إلى المؤن والزاد، فكانت قطعان من الماشية والأغنام تصحب العثمانيين إلى الحرب لإطعام الجنود فى الميدان (انظر Turchio: Magni، جـ ١، ص ٢٩٠). وعلى السكان المحليين الذين يقيمون بالقرب من خط التقدم يقع عبء تزويد
стр. 3538
الجنود فى مسيرتهم بالحبوب والزاد على اختلاف أنواعه، ولو أن ذلك كان نظير أجر (انظر Historia: da Lezze Turchesca ص ٤٨ - ٤٩؛ Spandogino فى Documents Inedits: Sathas, جـ ٩، ص ٢٣٠ - ٢٣١؛ de Courmenin: Voiage، ص ٢٥٥ - ٢٥٦) والحق أنه كان يحدث فى بعض الأحيان، عندما يتوقع شن حملة، أن يصدر مرسوم يقضى بمنع تصدير المؤن من منطقة مقررة (انظر Documente: Hurmuzaki, جـ ٢، قسم ١، ص ٥٢٥). وكانت الحكومة وهى تضع فى اعتبارها القوات المسلحة، تشجع زراعة الأرز فى جزائر البلقان أى على طول نهرى الماريتسا والفردار.
وكانت الحملة الكبرى تعنى جمع حشود حاشدة من دواب النقل والقطر والعربات. وكانت الثيران والجاموس (وبعضها يربى تحت إشراف الحكومة فى قيليقية مثلا: انظر أوليا جلبى: سياحتنامه، جـ ٣، ص ٤٠) تجر المدافع الكبيرة، على حين كانت الجمال (المأخوذة من آسية الصغرى والهلال الخصيب) والبغال وجياد الجر (باركير، وتؤخذ من البلاد التى على شاطئ الدانوب الأسفل) تؤدى دور دواب الحمل، أما السباهية، أى المحاربون الإقطاعيون، والآلطى بولوك أيضًا، أى الكتائب الراكبة للبيت السلطانى، يقدمون إلى الحرب ممتطين صهوة جيادهم الخاصة، وكانت هذه الجياد أسرع وأخف من جياد الجر الثقيلة. وقد جرت العادة، إلى ذلك، بأن توفر لأغراض النقل فتحشد من أجل ذلك العربات والحيوانات المصادرة للحرب هى والعمال من الريفيين على خط مسيرة الجيش أو خلفه (انظر Menavino فى Historia Universale: Sansovino، ص ٤٣ ظهر، ١٠٥ ظهر، ١٠٦ وجه، Spandogino: في Documente ln: Sathas edits، جـ ٩، ص ٢١٨؛ Doc: Hurmuzaki umente, جـ ٢، قسم ١، ص ٢٣٠؛ l.Duj- Avvisi: chev ص ٢٠٣؛ - Montecuculi. Crisse جـ ٣، ص ٢٩٤، ٢٩٥، ٣٠٥ - ٣٠٦؛ L.Barbar في - Wiener Staatswis senschaftliche Studien، جـ ١٧، قسم ١، ص ٤٣ وما بعدها، B.A. Cvetkova: Impots extraordinaires ص ٢٢٥).
стр. 3539
وكان ابتداء حملة من الحملات يقترن بحفلات واسعة النطاق؛ فمن التوغات الست أو ذيول الخيل التى تنبئ المقام الرفيع للسلطان ينصب توغان فى الفناء الأول للقصر السلطانى فى استانبول. فإذا كان الصدر الأعظم، وليس السلطان، هو الذى يتولى قيادة الحملة نصب توغ واحد من الثلاثة توغات المخصصة له علنا أمام الجمهور. وبعد ستة أسابيع ينقل هذا التوغ (ويعرف باسم "قناق توغى" أى توغ المحطة، لأنه ارتحل ثم توقف على مسيرة يوم أمام القوات الرئيسية) إلى المعسكر الأول للحملة القائم فى داود باشا قرب استانبول إذا كانت الحرب فى أوربا، أو إسكودار (سكوتارى) إذا كانت الحرب فى آسية. وفى اليوم التالى يخرج المجندون من أرباب الحرف باستانبول الذين يزاولون حرفهم أثناء الحملة لصالح الجنود (طحانون وخبازون وجزارون وسروجيه وما إلى ذلك) فى موكب إلى المعسكر. وبعد ذلك بيومين يتحرك إلى المعسكر الإنكشارية يليهم غيرهم من فرق الحكومة المركزية وكتائبها حيث يلحق بهم الصدر الأعظم بوصفه سردارا أى قائدًا عامًا بعد أن يستأذن رسميًا من السلطان. (انظر Dujchev: Avvisi, ص ٢١٥؛ Journal: Galland, جـ ١، ص ١٧٧ وما بعدها؛ de la Croix: Memoires جـ ١، ص ٢٦٦ وما بعدها، ٢٩٥ وما بعدها، Re-: de Warnery ,marques ص ٢١ وما بعدها، Montecu culi-Crisse. جـ ٣، ص ٢٨٩: general d'Ohsson Tableau جـ ٧، ص ٣٨٧ وما بعدها Staatsverfas-: Hummer - Purgstall sung جـ ١، ص ٤٨٨ وما بعدها).
وتبذل عناية كبيرة لجعل خط المسيرة فى نطاق حدود الإمبراطورية على أيسر سبيل وأفعله ما أمكن. فترسل الأوامر إلى السلطات فى الولايات تطلب منها إصلاح الطرق الخاصة بالحملة لتيسير مرور العربات والمدافع. وتستخدم أكوام من الحجارة والأوتاد الخشبية لتحدد الخط الفعلى للتقدم الذى سوف يتبعه الجنود (انظر Tresor politique جـ ٣، ص ٨٦١؛ l.Dui chcv: Avvisi ص ٦٩, ٢٦٤؛ Tur-: Magni chia جـ ١، ص ٢٨٨؛ Auer طبعة - Luki
стр. 3540
nich، ص ٥؛ L. Barbar, المصدر المذكور، ص ٢٢, ٢٧, ٢٨). وكان عبور الأنهار (مثل السافا والدرافا والدانوب أو تيسزا فى أوربا مثلا) مشكلة من المشكلات الشديدة الأهمية. فتحشد أزواد من الآلات والسلاسل والخشب والكابلات والمسامير ... إلخ لإقامة جسور كبيرة عائمة. وفى بعض الأحيان تحمل أجزاء مشيدة من الأجزاء التى سبق تجهيزها إلى الموقع المقصود فى مراكب أو قطر أو عربات. زد على ذلك أن الأوامر قد تصدر باستدعاء أرباب المهن المحليين المهرة مثل النجارين والحدادين لضمان إتمام العمل قبل الحملة وبسرعة (انظر Barovious: De rebus Ungaricis, ص ١٣٤ - ١٣٥؛ Torteneti Maradvanyui: Szamoskoezy, ص ١٤٧ - ١٤٨؛ Docu-: Hurmuzaki mente, جـ ٢، قسم ١، ص ٥٢١، ٥٢٥، ٥٤٣؛ Auer طبعة Lukinich، ص ٨٠؛ Turchia: magni ص ٣٩١ - ٣٩٣؛ de Ia Memoires: croix ص ٢٩٨ - ٣٠٠؛ - MoI nar فى Mueveszettoertenari Ertesitoe, جـ ٧. قسم ٤، ص ٢٥٩ - ٢٦٣).
وكان العثمانيون، فى ازدهارهم، يتبعون نظامًا صارمًا فى مسيرتهم بل لقد ذهبوا إلى إنزال العقاب الشديد على أهون ضرر يلحق بالبساتين والحدائق والحقول المزروعة على طول الطريق (انظر Menavino فى Histor -: sansovino ia Universale ص ٧٣ ظهر؛ Georgieviz: Epitome, ص ٥٣ - ٥٤؛ voy -: chesneau age , ص ١٠٨ - ١٠٩). على أن هذا النظام كان فيما يظهر يقل عن ذلك كثيرًا حين تكون الإمبراطورية فى حالة اضمحلال (انظر Re-: de Warnery marques, ص ٨٩). وكانت الأوامر المكتوبة التى تصدر من السردار عن طريق الجاووش باشى ومعاونيه، إلى الفرق والكتائب تبين نظام المسيرة والعناصر الرئيسية فيها (فى مسرح الحرب ذاته) بما فى ذلك ستار متقدم من فرسان الاستطاوع المغيرين (آقينجيلر وتتر) وطليعة من الفرسان المنتقين تحت إمرة جار خاص باشى، وقوة رئيسية تضم الإنكشارية والآلطى بولوك والجنود المتخصصة (مثل صناع الأسلحة والمدفعية إلخ) ومعهم حشد من السباهية الإقطاعيين على كل جناح،
следующие страницы →