← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

سمرقند، كما كان شيخ مشايخ الدين فى ما وراء النهر. ولم يستقر الرأى على إنفاذ الحملة الكبرى الى الغرب سنة ١٤٦٨ إلا بعد الاستماع الى ما أبداه من رأى وجيه هذا الشيخ الذى أعلن أبو سعيد أنه مريد من مريديه. ومن السمات الجوهرية الأخرى التى كانت تتسم بها إيران فى القرن الخامس عشر الميلادى اهتمام أبى سعيد بالزراعة، والظاهر أن هذا السلطان أولاها عنايته الشخصية، وقد اتخذ تدابير كثيرة لمساعدة الفلاحين. ففى سنة ٨٦٠ هـ (١٤٦٥ م) نزل على رجاء خواجه أحرار، فأمر بالا يجمع أكثر من ثلث الخراج بأية حال قبل المحصول، وكان الخراج فى العادة يؤدى على ثلاثة أقساط. وألغيت "التمغا" او انقص مقدارها فى سمرقند وبخارى وهراة. وفى سنة ٨٨٠ هـ (١٤٦٦ م) أقبل ربيع بارد فتنازل أبو سعيد عن الضريبة المفروضة على أشجار الفاكهة. وكان أبو سعيد قد أنشأ سد كلستان (بالقرب من مشهد) لرى أراضى الخاصة. ومن أجل الرجال المقتدرين الذين تولوا منصب الوزارة قطب الدين طاوس السمنانى الذى كان متخصصا فى الشئون الزراعية، وهو الذى احتفر قناة "جرى سلطانى" شمالى هراة. ولا يعرف إلا القليل عن حالة العناصر البدوية من السكان. ففى سنة ٨٧٠ هـ (١٤٦٥ - ١٤٦٦ م) أسكن أبو سعيد فى خراسان خمسة عشر ألف أسرة من البدو كانت قد فرت من تخوم القرة فويونلى، ومع ذلك فإن الإمبراطورية التيمورية ظلت فقيرة فى العنصر البدوى بالنسبة لجيرانها فى الغرب، وهذه الحقيقة تبرر القصور فى حملاتها الحربية. حملة سنة ١٤٦٨ م. راود أبا سعيد الأمل فى أن يستعيد من التركمان بعد وفاة شاهرخ الأرض التى فقدها، فمضى لمعاونة حسن على جهانشاه القره قوينلى على الأق فويونلى الذين كانوا الحلفاء التقليديين للتيموريين. ورشح الولاة للمدن الهامة التى سوف تفتح. على أن إمبراطورية أبى سعيد

стр. 352

كانت فى حالة سلام نسبى، كما أن الحملة التى دبرت على عجل كانت سيئة الإعداد من الناحية العسكرية. وخرج أبو سعيد على رأس الفرسان دون أن ينتظر آلاف العربات التى كانت مسخرة فى خراسان ومازندران لنقل لوازم الجيش. وهاجم الفارون من الجيش المشاة الخراسانيين فى المؤخرة. ولما بلغ نبأ هلاك أبى سعيد هراة لم يكن العساكر الذين جندوا فى هندوستان (أى أفغانستان) قد نظموا بعد. وبالرغم من هذا النقص فى الاستعداد فإن أبا سعيد قد ارتكب خطأ آخر هو أنه توغل توغلا كبيرا فى آذربيجان بعد أن دهمه الشتاء، فأحيط به وأسره أوزون حسن بالقرب من موغان. ولم يمض على ذلك أيام قلائل حتى أمر به يادكار محمد التيمورى من أتباع أوزون حسن أن يقلر (فبراير سنة ١٤٦٩) ليثار لمقتل جدته كوهر شاد. المصادر: مراجع: (١) المصدر الأكبر هو"مطلع السعدين" لعبد الرزاق السمر قندى، (طبعة محمد شفيع، لاهور سنة ١٩٤٩ - ١٩٤١). (٢) الملحق لهذا الكتاب المطبوع مع روضة الصفا، وحبيب السير، ومعز الأنساب، وبابر نامة، طبعة وترجمة بفردج Beveridge. (٣) الإسفزارى: روضة الجنات فى تاريخ هراة (انظر Barbier de Meynard فى Jour. As. ١٨٦٢، ١١)؛ السياسة المغولية. (٤) تاريخ رشيدى، طبعة الياس- Eli as: وترجمة روس E. D. Rose. (٥) التراجم: سيف الدين حاجى: اَثار الوزراء، مخطوط. (٦) خواندمير: دستور الوزراء، طبعة طهران سنة ١٣١٧ هـ. (٧) المجاميع النقشبندية: كاشفى: رشحات عين الحياة، فى طبعتين: تاشكنت ولكنهؤ. (٨) أبيوردى: روضة السالكين، مخطوط. (٩) وثائق: انظر مجموعات الأنشاء (مخطوطات، وخاصة المكتبة الأهلية، باريس، الملحق الفارسى، ١٨١٥).

стр. 353

(١٠) أ. ن. قورات: طوب قايى سرايى موزه سى أرشيفنده كى يارلق وبيتيكلر، إستانبول سنة ١٩٤٠ (رسالة واحدة). (١١) فريدون بك: منشآت. دراسات: فى غيبة الرسائل الخاصة بهذا العهد فإنه لا مناص لنا من الإفادة من الكتب التى تتناول مسائل أو عهودا تتصل بها. انظر بصفة خاصة: (١٢) Ulug Beg i: v. Barthold iego vremja الترجمة الألمانية بقلم Ulug Beg und seine: Hinz Zeit، سنة ١٩٣٥). (١٣) Mir Ali Shir i politicheskaja Zisn (ترجمة Herat unter Hussain: Hinz Baiqara). (١٤) مقالات - Yakubovskij و Malch nov و Belnitskij وغيرهم فى المجموعتين الآتيتين: - Rodonachal,nik uzbeks Koj literatuy، تاشكنت سنة ١٩٤٠ و Ali Shir Navoj Sbornik، تاشكنت سنة ١٩٤٦. (١٥) K istir feo-: Belenitskij dal,nago Srednej Azu pri Timurdakh فى zemlevladenija lstorik Marksit سنة ١٩٤١ - ١٩٤٤ (١٦) كتب I. P. Petrushevskij . (١٧) hans Aufstieg zum: H.Hinz ,Nationalstaat سنة ١٩٣٦. (١٨) وانظر عن البعثة الروسية إلى هراة سنة ١٤٦٤ م: . Z.V.O.، جـ ١، ص ٣٠ وما بعدها. (١٩) Browne جـ ٣ (٢٠) Empire des Steppes: Grousset. (٢١) Essai sur la civilis- Bouvat tion timouride في Jour. As. سنة ١٩٢٦. (٢٢) L,Empire mongol. (المرحلة الثانية) باريس سنة ١٩٢٧، وهذان المصدران الأخيران يمكن غض الطرف عنهما. خورشيد [أوبان J.Aubin] أبو سفيان (وأبو حنظلة) صخر بن حرب بن أمية: قرشى من بنى عبد مناف، وزعيم الحزب الذى عادى النبى من أشراف مكة. ويؤخذ من تاريخ وفاته الذى تذكره الرواية المألوفة (انظر ما سيأتى

стр. 354

بعد) أنه كان يكبر النبى بسنوات قلائل، بينما تذكر روايات أخرى أنه كان يكبره بعشر سنوات، وكان أبو سفيان تاجرا ثريا من الأشراف، قاد قافلة مكة الكبيرة عدة مرات، وقد وقف موقفا عدائيا حيال ما جاء به النبى، شأن الكثيرين من كبار تجار للك المدينة، ذلك أن الدعوة التى جاء بها النبى كانت تمسه شخصيا من جهة زواج ابنته أم حبيبة من أحد أتباع النبى وفرارها وإياه إلى بلاد الحبشة. وقد أثار الحرب فى غزوة بدر على غير رغبة منه، للك الغزوة التى كانت وخيمة العاقبة عليه، فقد لبى الجيش نداءه اليائس، ولم يشأ أن يعود أدراجه دون أن ينال من العدو، مع أنه أمر بذلك بعد أن أمن أبو سفيان على قافلته التى كان يقودها. وقد لقى حنظلة -ابن أبى سفيان البكر- حتفه فى هذه الغزوة، كما أسر عمرو وهو ابن آخر له، ولكنه افتدى فيما بعد بأسير من أنصار النبى خرج حاجا فاعتقله أبو سفيان. وبعد وقعة بدر تزعم أبو سفيان أهل مكة، ولا نستطيع أن نتبين بحال ما كان من أمر قسمه بالثأر بعد هزيمة بدر وقيامه بغزوته الفريدة برا بقسمه (غزوة سويق)، وبعثت غزوة أحد شيئا من الرضا فى نفس ونفوس أهل مكة، ولكنه لم يعرف كيف يستغل هذا النصر وأضاع فرصة إخضاع خصمه الخطير. ويحيط الغموض أيضا بالرواية التى تذهب إلى أن أبا سفيان لم يحضر الاجتماع الذى اتفق المشركون بعد غزوة أحد على عقده فى العام التالى قرب بدر، وكذلك نشك كثيرا فيما يروى من أن النبى أرسل بعد مقتل خبيب وزيد رجالا إلى مكة للفتك بأبى سفيان. وفى غزوة الخندق عام ٥ هـ (٦٣٧ م) قاد أبو سفيان جناحا من الجيش الكبير الذى كان يزحف على المدينة، ولما استمر حصار المدينة مدة من الزمن دون أية فائدة، أمر أبو سفيان جيشه بالارتداد عنها، وسرعان ما تشتت ذلك الجيش الكبير. وكان أبو سفيان منذ بداية الأمر يشترك فى الحملات الحربية على غير رغبة منه، ولكنه أخذ يقلع شيئا فشيئا عن فكرة الاستمرار فى النضال مع عدوه القوى بعد خيبته فى هذا الحصار. واعتزل أبو سفيان الحرب تماما أثناء غزوة النبى التى انتهت بصلح الحديبية، لأن الحزب الذى كان

стр. 355

يناصر الحرب ظل نافذ الكلمة فى مكة، ولما نقض هذا الصلح بسبب النزاع الذى قام بين قبيلتى بكر وخزاعة، خشى أبو سفيان عاقبة ذلك على مكة، فخرج إلى المدينة ليدبر الأمر، ويقول ابن هشام وغيره إن ابنته أم حبيبة، التى كانت قد تزوجت من النبى وقتئذ، أساءت معاملة أبيها إلى حد بعيد، كما أساء معاملته النبى نفسه، على أن التفاهم بين محمد وحميه كان فى واقع الأمر كبير النفع للأول، ولذلك فلابد أن النبى قد تلقى أبا سفيان على غير ما تذكر الروايات وتفاوض معه فى أمر تسليم مكة. ويتفق هذا مع ما صرح به النبى عندما بدأ يغزو مكة. من أن كل من يحتمى بدار أبى سفيان فهو آمن، وقد عيرت أبا سفيان زوجته هند لتخاذله، وذهبت غضبتها أدراج الرياح، كما خابت المقاومة الحربية التى نظمتها للك الشرذمة الضئيلة التى أصرت على الخصومة والعناد، وعرف محمد بفضل معاملته الحسنة لأبى سفيان إلى أى حد يدين هو لهذا الرجل الذى عمل بالحيلة على تسليم مكة. وصحب أبو سفيان النبى فى غزوته لقبيلة هوازن، ويحتمل أنه لما ساءت الأمور لحظة فى وقعة حنين، أمل أبو سفيان أن يتخلص من النبى، ولكنه لم يتعلقْ البتة باهداب هذا الأمل، وأعطى أبو سفيان عقب النصر -إرضاء له- نصيبا وافرا من الغنائم فرضى بهذا كل الرضا، وفقد إحدى عينيه أثناء حصار الطائف، وكانت إحدى بناته تعيش داخل أسوارها، ويذكر الطبرى (ج ١، ص ٢١٠١) أنه فقد عينه أثناء وقعة اليرموك، وولاه أبو بكر حكم نجران والحجاز (هكذا يقول البلاذرى، طبعة ده غويه، ج ٧؛ قارن ابن حجر، الإصابة، ج ٢، ص ٤٧٧، وفيه معارضة للرواية التى تقول إن النبى ولاه نجران)، ولا قيمة لمعظم الروايات الأخرى التى تتحدث عن أبى سفيان فيما بقى من أمور، لأن التحزب فيها ضد الأمويين واضح كل الوضوح. ولذلك يشك كثيرا فى رواية الطبرى (ج ١، ص ١٨٢٧ وما بعدها) التى تقول إن أبا سفيان عارض فى استخلاف أبى بكر وأن عليا لامه على ذلك، والقصة التى تنسب إلى أبى بكر من أنه أغلظ فى القول إلى أبى سفيان وأنه وجه كلاما إلى أبيه الذى بهت لهذا الموقف, لامراء أنها وليدة روح العداء للأمويين. وتظهر هذه الروح أكثر

стр. 356

وضوحا فى الرواية التى تقول إن أبا سفيان كان يفرح كلما نال العدو شيئا من المسلمين فى وقعة اليرموك. وبطبيعة الحال، توجد قصة أخرى تقول إنه كان يدعو الله لنصرة المسلمين. وذكر فى عدة مواضع أنه اشترك فى هذه الوقعة (البلاذرى، طبعة ده غويه، ص ١٣٥) وروى سيف أنه كان "قاصا" فيها (الطبرى ج ١، ص ٢٠٩٥). ولكن هذه الرواية تسترعى النظر، لأن سنه كانت إذ ذاك نحو سبعين عاما. وتقول الرواية الغالبة انه توفى فى الثامنة والثمانين من عمره عام ٥٣١ هـ (٦٥١ - ٦٥٢ م)، فى حين تقول روايات أخرى إنه توفى عام ٣٢ أو ٣٣ أو ٣٤ هـ (٦٥٢ - ٦٥٥ م). ويمثل أبو سفيان تمثيلا قويا للك السياسة التى انتهجها أهل مكة والتى لم تقم على مبدأ ولم تصطبغ بصبغة، وهى السياسة التى لا شك فى أنهم عرفوا بها كيف يفيدون فيما بعد مما أخذوه من النبى من امتيازات. المصادر: (١) الطبرى، انظر الفهرس. (٢) ابن هشام، طبعة فستنفلد، ج ١، ص ٤٦٣ وما بعدها، ٥٤٣ وما بعدها، (٣) ابن سعد، ج ٨، ص ٧٠. (٤) البلاذرى، طبعة ده غويه، ص ٥٦. ١٣٥. (٥) ابن حجر: الإصابة ب ٢، ص ٤٧٧ وما بعدها. (٦) النووى، طبعة فستنفلد، ص ٧٢٦. (٧) المسعودى: مروج الذهب، طبعة ياريس، ب ٤، ص ١٧٩ وما بعدها. [بول Fr. Buhl] + أبو سفيان بن حرب بن أمية من عشيرة عبد شمس القرشية، تاجر بارز ومالى كبير من أهل مكة، ويجب أن يميز بينه وبين ابن عم النبى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. واسم أبى سفيان صخر، ويكنى أحيانا أبا حنظلة، وكان عيبد شمس فى وقت من الأوقات عضوا فى الجماعة السياسية المعروفة بالمطيبين (وتشمل عشيرة هاشم)، ولكنه خرج من هذه الجماعة حوالى الوقت الذى ظهر فيه النبى، وتعاون فى بعض الأمور مع

стр. 357

الجماعة المنافسة لها من مخزوم وجمح وسهم وغيرها. وانضم أبو سفيان، وهو زعيم عبد شمس، إلى المناهضين للنبى فى السنوات السابقة للهجرة، ولكن مناهضته له لم تكن فى عنف مناهضة أبى جهل. وقد قاد أبو سفيان شخصيا قوافل التجارة فى عدة مناسبات، وخاصة سنة ٢ هـ (٦٢٤ م) حين تعرض النبى لقافلة من ألف جمل كان يقودها أبو سفيان فى عودتها من الشام. واستجاب المكيون لاستنجاده فأمدوه بنحو من ألف رجل على رأسهم أبو جهل. وخدع أبو سفيان المسلمين بقيادته البارعة الفعالة، ولكن أبا جهل كان تواقا إلى القتال فجلب على المكيين النكبة التى حلت بهم فى بدر. وفقد أبو سفيان فى هذا اليوم ابنه حنظلة وأسر ابنه عمرو ثم أطلق سراحه فيما بعد، أما زوجه هند فقد فقدت أباها عتبة. والظاهر أن أبا سفيان قد وكل إليه إعداد العدة للأخذ بثار بدر، وتولى قيادة الجيش الكبير الذى سير إلى المدينة سنة ٣ هـ (٦٢٥ م) والراجح أن ذلك بحكم أنه ورث "القيادة". وقد أدرك أن عاقبة وقعة أحد المقبلة سوف لا تكون مرضية لقريش، ولكنه منع من أن يهاجم المحلة الرئيسية للمدينة، منعه صفوان بن أمية (وجمح) وربما كان مدفوعا إلى ذلك بالغيرة. وقد نظم أبو سفيان أيضا الحلف الكبير الذى حاصر المدينة سنة ٥ هـ (٦٢٧ م) ولربما فت فى عضده عندما ثبت أن هذا الجهد منه قد باء بالخذلان، أو قل إن المناوأة لمحمد فى مكة كان قد وقع أمر توجيهها على أقل تقدير فى يد زعماء الجماعة المنافسة لجماعة أبى سفيان، وهم صفوان بن أمية، وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل. ولم يرد ذكر لأبى سفيان فيما يتصل بصلح الحديبية، فلما خرج أحلاف قريش سنة ٨ هـ (٦٣٠ م) على هذا الصلح جهرة، شخص أبو جهل إلى المدينة للتفاوض. أما ما حدث له هناك فأمر غير واضح، على أن من الجائز انه وصل إلى بعض التفاهم مع النبى، وربما كان زواج النبى من ابنته أم حبيبة قد ألان قلبه، وإن كانت قد قضت فى الحبشة وهى مسلمة نحوا من خمسة عشر عاما.

стр. 358

ومما لا جدال فيه أن محمدا سار لفتح مكة بعد ذلك فخرج إليه أبو سفيان وحكيم بن حزام وخضعا له (وكان أبو سفيان وقتذاك قد غدا مسلما فيما يظهر)، وأمن كل من دخل بيت أبى سفيان. ومن ثم فإن أبا سفيان قد فعل الكثير فى سبيل تسليم مكة بلا قتال، وشهد غزوة حنين وحصار الطائف، ويقال إنه فقد فى هذا الحصار إحدى عينيه. وكان سائر المكيين خليقين بان يدركوا أن هوازن وثقيف تقفان من مكة موقف عداء كما تقفان من النبى. والظاهر أن أبا سفيان قد نال هو وحكيم بصفة خاصة نصيبا كبيرا من الغنائم عند توزيعها اعترافا بخدماتهما. ولما خضعت الطائف التى كانت تربطه بها صلات تجارية وعائلية ساعد أبو سفيان على تحطيم صنم اللات. وولى أبو سفيان على نجران، وربما على الحجاز أيضا، أما مسألة من ولاه: أهو محمد أم أبو بكر ففيها خلاف. وإذا صح أنه كان فى مكة عند وفاة النبى وتكلم ضد أبى بكر فإنه لا يمكن أن يكون متوليا أمر نجران وقتذاك. ولكن هذا القول المنسوب إليه -مثل كثير من الروايات الأخرى عن أبى سفيان- تدخل فى باب الدعوة المناهضة للأمويين، وقد شهد أبو سفيان معركة اليرموك، ولكن نصيبه فيها قد لا يزيد إلا قليلا عن حض الرجال الذين هم دونه فى السن على القتال، ذلك أنه كان قد بلغ عندئذ حوالى سبعين عاما. ويقال إن أبا سفيان توفى فى حدود عام ٣٢ هـ (٦٥٣ م) بالغا من العمر ثمانية وثمانين عاما. أما أبناؤه فقد توفى يزيد وهو قائد مسلم فى فلسطين حوالى عام ١٨ هـ (٦٣٩ م)، وكان معاوية أول الخلفاء الأمويين. المصادر: (١) ابن هشام والواقدى وابن سعد والطبرى، انظر فهارس هذه الكتب. (٢) ابن حجر: الإصابة فى تمييز الصحابة، جـ ٢، ص ٤٧٧ - ٤٨٠. (٣) ابن الأثير: أسد الغابة فى معرفة الصحابة، جـ ٣، ص ١٢ - ١٣: جـ ٥، ص ٣١٦. (٤) Annali: Caetani ج ١، فصل ٢. خورشيد [مونتجمرى وات Montgomery watt]

стр. 359

أبو الصلت أمية ابن عبد العزيز بن أبى الصلت الأندلسى: ولد سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٧) بدانية من شرق الأندلس، ودرس على القاضى الوقشى فورث عنه علمه الموسوعى. ونجد أبا الصلت حوالى سنة ٤٨٩ هـ (١٠٩٦ م) فى الإسكندرية والقاهرة، حيث مضى فى دراساته. وقد سجنه الوزير الأفضل لأنه حاول أن يرفع سفينة غارقة فخاب مسعاه. ونفى من مصر فشخص إلى المهدية سنة ٥٠٥ هـ (١١١١ - ١١١٢ م) حيث احسن لقاءه الأميران الزديان يحيى بن تميم وولده على ابن يحيى، وظل فى المهدية مشرفا مكرما حتى أدركته المنية فى غرة المحرم سنة ٥٣٩) ١١٥٤ م؛ وتذكر تواريخ أخرى لوفاته). ونذكر من مصنفاته العديدة ما يأتى: (١) "تقويم الذهن"، وهو رسالة صغيرة فى المنطق الأرسطى نشرها وترجمها إلى الإسيانية - A.Gonzalaz Pa lencia مدريد سنة ١٩١٥) مع مقدمة فى الترجمة لأبى الصلت). (٢) "رسالة فى العمل بالأسطرلاب"، وقد نشر ملاس - M. Mil las فى. Assaig تحليلا موجزا لهذه الرسالة وقائمة بفصولها. (٣) اجوبة عن مسائل علمية تتعلق بمشاكل مختلفة فى الطبيعيات وخلق الكون والرياضيات؛ وثمة موجز لها فى المصدر السابق. (٤) موجز فى علم الفلك وضعه للوزير المصرى الأفضل، وهذا الموجز فى راى معاصريه كتيب ليست له قيمة تعليمية ولا هو مفيد للمدرسين. (٥) "الأدوية المفردة" وقد ترجمه إلى اللاتينية الطبيب المشهور ارنالدو ده فيلانوفا Arnaldo de Vilanova وترجمه إلى العبرية يهوذا ناتان. (٦) "الرسائل المصرية" وقد اهداها إلى أبى طاهر يحيى بن تميم، وهى ترسم صورا حية لأمور مصر وعاداتها، نشرها عبدالسلام هارون بعنوان "نوادر المخطوطات" القاهرة. (٧) "رسالة الموسيقى" وقد فقد أصلها العربى وبقيت ترجمة عبرية

стр. 360

منها لمترجم مجهول، محفوظة فى ياريس (المكتبة الأهلية، المخطوط العبرى رقم ١٠٣٦). المصادر: (١) ابن القفطى، رقم ٨٠. (٢) ابن أبى أصيبعة، ب ٢، ص ٥٢ وما بعدها. (٣) ياقوت: إرشاد الأريب، ب ٢، ص ٣٦١. (٤) ابن خلكان: وفيات، ص ١٠١. (٥) المقرى: نفح الطيب = Analeces، ج ١١، ص ٥٣٠ وما بعدها، ج ٢، ص ٢١٨ - ٢١٩. (٦) Brockelmann، ج ١، ص ٦٤١، قسم ١، ص ٨٨٩. (٧) Suter، ص ١١٥. (٨) Die Hebreische: Steinschneider ,Ubersetzungen ص ٧٣٥، ٨٨٥. (٩) , Medicine Arabe: L. Lecelerc ج ٢، ص ٧٤ - ٧٥. (١٠) Assaig: J.M.Millas Vallicrosa d,Historia de les idee fisiques i matema- ,tiques a la Cataunya medieval ج ١ ص ٧٥ - ٨١. (١١) Introduction to the: G. Sarton Hist. of Science ج ١، ص ٢٣٠. [ملاس J/ M. Millas] وقد كتب أبو الصلت أيضا للحسن بن على ابن يحيى كتابا فى التاريخ هو تكملة لتاريخ افريقية لابن الرقيق بلغ فيه بالحوادث سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣ م). وتوجد مقتطفات منه فى ابن عذارى: البيان المغرب، ج ١، ص ٢٧٤ وما بعدها، ٢٩٢ وما بعدها؛ وفى التجانى: الرحلة، تونس سنة ١٩٢٧، ص ٥١ وما بعد ها (=. Jou/ As، سنة ١٨٥٢، ج ٢، ص ١٣١) ص ٩٠) = المجلة نفسها، ص ١٧٦) ص ٢٣٧) - المجلة نفسها، سنة ١٨٥٣، ص ٣٧٥ وما بعدها)؛ وفى: ابن الخطيب) - Centenario di Mi chele Amari ج ١، ص ٤٥٥ - ٤٥٩). خورشيد [شتيرن S. M . Stern]

стр. 361

أبو طالب ابن عبد المطلب بن هاشم بن فاطمة بنت عمرو (من مخزوم) وأخو أبى النبى ﷺ الشقيق، واسمه عبد مناف، ويقال إنه ورث عن أبيه "السقاية"، و"الرفادة"، على أن أخاه الزبير كان زعيم بنى هاشم فى حلف الفضول وفى حرب الفجار. ووقع أبو طالب فى الدين، وأراد أن يواجه هذا الدين فاضطر إلى النزول عن السقاية والرفادة للعباس. ومهما يكن من شئ فالظاهر أنه ظل زعيما لعشيرة بنى هاشم، وقد سمى حيهم فى مكة بشعب أبى طالب. وكفل أبو طالب محمدا عندما توفى عبد المطلب، ويقال إنه كان يصحبه فى قوافله التجارية إلى الشام. وظل يبسط حمايته على محمد بعد رسالته حتى حين قاطعت معظم عشائر قريش الأخرى بنى هاشم وبنى عبد المطلب، والمظنون أن ثمة أسبابًا اقتصادية أخرى حملتهم على ذلك. وتوفى أبو طالب بعيد انتهاء هذه المقاطعة سنة ٦١٩ م، والراجح أن أخاه أبا لهب هو الذى خلفه. ومن أبنائه من فاطمة بنت أسد بن هاشم أسلم علىّ (ويقال إن محمدا هو الذى كفله) وجعفر، أما طالب فقد حارب فى بدر مع أعداء النبى. ومع أن أبا طالب كان يبسط حمايته على محمد فإنه لم يسلم، على أن هذا الأمر كان محل جدل كبير وموضوع روايات مختلفة تتصل بتلك المسألة الشرعية الخاصة بمصير أولئك الذين عاشوا قبل رسالة النبى ﷺ . المصادر: (١) ابن هشام، ص ١١٤ - ١١٧، ١٦٧ - ١٧٧. (٢) ابن سعد: الطبقات ج ١، قسم ١، ص ٧٥ - ٧٩، ١٣٤ - ١٣٥، (٣) الطبرى ج ١، ص ١١٢٣ - ١١٢٦، ١١٧٣ - ١١٨٥، ١١٩٨، ١١٩٩. (٤) ابن حجر: الإصابة، ج ٤، ص ١١٢ - ١١٩.

стр. 362

(٥) TH.Noldeke: فى. zeistchr der Deutsch.Norg Gesells سنة ١٨٩٨، ص ٢٧ - ٢٨. (٦) Goliziher: ج ٢، ص ١٠٧. (٧) Caetani: Annali ج ١، ص ١٥٨، ٢٩٨، ٣٠٧ وما بعدها. (٨). For Buhl: Das Leben Muhammeds، ص ١١٥ - ١١٨. (٩) Muhammed: Montegomery watt Mecca، الفهرس. خورشيد [مونتجمرى وات Montegomery watt W.] أبو الطيب المتنبى المتنبى لقب عرف به الشاعر العربى أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفى (ابن خلكان: وفيات، القاهرة سنة ١٣١٠ هـ، ج ١، ص ٣٦؛ وفى هذا الكتاب سلسلتا نسب للمتنبى لا تتفق إحداهما مع الأخرى، ترفعانه إلى جده الأعلى). ولد بالكوفة عام ٣٠٣ هـ (٩١٥ م) فى حى كندة، ومن ثم كانت نسبة الكندى التى يعرف بها أحيانا. وقد زعمت أسرته التى كانت تعيش فى أرق حال أنها تنتمى إلى عشيرة "جعف" اليمانية. وكان شاعرنا يؤمن طوال حياته بتفوق عرب الجنوب على عرب الشمال. (الواحدى: شرح ديوان المتنبى، طبعة ديترتشى Deitrici، ص ٤٨ - ٤٩، اليازجى: العرف الطيب، ص ٢٩). وتلقى المتنبى دروسه الأولى فى مسقط رأسه، وسرعان ما امتاز بذكائه الوقاد وحافظته العجيبة، كما ظهرت موهبته الشعرية مبكرة، ووقع حينذاك تحت تأثير الشيعة، وربما تحت تأثير الزيدية منهم، (عبد القادر البغدادى: خزانة، ج ١، ص ٣٨٢، س ١٢) فأثر هذا فى تطور فلسفته (سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد) كما ساعدت الظروف أيضا على سرعة تطور عقيدته الدينية. وليس من شك فى أن أبا الطيب المتنبى فر فى أواخر عام ٣١٢ هـ (٩٢٤ م) من وجه القرامطة الذين استولوا على الكوفة وأعملوا فيها النهب، وعاش مع أسرته مدة عامين (السمعانى: الأنساب، ص ٥٠٦ ب، س ٢٤؛ البديعى: الصبح المنبى، ج ١، ص ٦) فى سماوة وهى الإقليم الواقع

стр. 363

بين سواد الكوفة فى الشرق وتدمر فى الغرب. ولقد هذب دعاة القرامطة من شأن بنى كلب الذين كانوا يعيشون عيشة البدو فى فيافى تلك الصحراء. ومن المحتمل أن يكون هذا الشاعر الشاب قد اتصل فى ذلك الوقت ببعض هوْلاء الزنادقة. إلا أنه ليس من المرجح كثيرا أن يكون هذا الاتصال الأول قد ترك أثرا حاسما فى حياته لحداثة سنه. ومن المحقق من جهة أخري أن إقامة أبي الطيب بين هؤلاء البدو قد أكسبته معرفة عميقة باللغة العربية فاخر بها جد الفخر من بعد. ويظهر أن أبا الطيب صمم على أن يقف مواهبه كلها على الشعر عند رجوعه إلى الكوفة فى أوائل عام ٣١٥ هـ (٩٢٧ م). وكان فى ذلك الوقت شديد الإعجاب بأبى تمام والبحترى وهما شاعرا المدح العظيمان اللذان ظهرا فى القرن السابق. إذ رأى، شأن هذين الشاعرين وشأن الكثير من معاصريه، أن الشعر وسيلة محققة للحصول على الثروة والسلطان، ولهذا سرعان ما تقرب الى أبى الفضل الكوفى ومدحه بقصيدة قصيرة (الواحدى ص ١٧ - ٣١؛ اليازجى، ص ١٠ - ١١) ويلوح لنا أن هذا الرجل قد أثر تأثيرا كبيرا فى تطور عقيدة المتنبى وفلسفته (أنظر خزانة الأدب، ج ١، ص ٣٨٣) ذلك لأنه كان فيما يظهر من الذين اعتنقوا مذهب القرامطة أو قل أنه كان على أى حال لا أدريًا صميمًا، نلمح ذلك من المدائح التى كان يسره أن توجه إليه، وقد جعله اتصاله بمولاه -بعد أن هيأته البيئة الشيعية التى قضى فيها صباه والصلات التى كانت بينه وبين القرامطة فى السماوة- ينبذ العقائد الدينية التى كان يرى أنها أداة روحية للظلم. واعتنق المتنبى فى ذلك الوقت فلسفة رواقية متشائمة ظهر صداها فى شعره: فالحياة عنده غواية يذهب بها الموت (الواحدى، ص ٣٩، الأبيات ١٣ - ٨؛ اليازجى ص ٩٧.٢٣) ولا يسودها إلا الحماقة والشر (الواحدى، ص ١٦١، الأبيات ٥ - ١٠؛ اليازجى، ص ٩٧). كما كان يرى أن الاْعاجم الغلاظ الجبناء قد غلبوا العرب على أمرهم، وهؤلاء كانوا فى نظره يمثلون

стр. 364

جنسا متفوقا (الواحدى، ص ١٤٨، الأبيات ١ - ٥، ص ١٦٠، الأبيات، ٢ - ٦، اليازجى، ص ٨٧، ٩٦). وبازدياد معرفة أبى الطيب بهذه الحياة التى كان يزهد فيها، نما شعوره سريعا بموهبته، فازداد غروره إلى درجة لا تكاد تتصور (الواحدى، ص ٦٠؛ اليازجى، ص ٣٤). وقد دفعته عصبيته العربية، شأن جميع أعداء الشعوبية، إلى مهاجمة الأعاجم المغتصبين (الواحدى ص ٥٨، البيتين ٣٠ - ٣١؛ اليازجى ص ٣٣). ولذلك نستطيع أن نعرف من التناقض الذى لم يكد يبرأ منه لماذا كان يطمع طوال حياته فى الثروة والسلطان اللذين كان يحتقرهما من أعماق نفسه، مع أنه كان يتميز عن بقية معاصريه بخلقه المتشدد وصرامته (البديعى: كتابه السابق، ص ٧٨ - ٨١). ونجد أبا الطيب يقصر تفكيره أول الأمر على غزو العالم بمواهبه الشعرية، ولذلك رأى أن يبعث عن ميدان أوسع لنشاطه؛ فترك الكوفة حوالى نهاية عام ٣١٦ هـ (٩٣٨ م)، والراجح أن هذا الرحيل كان نتيجة لنهب القرامطة هذه المدينة مرة أخرى. ومن الطبيعى أن تجتذبه بغداد (البديعى، كتابه السابق، ب ١، ص ٨٢ - ٨٣) فيمدح فيها مواطنه محمد بن عبيد الله العلوى (الواحدى، ص ٦ - ٧؛ اليازجى، ص ٣ - ٤) ثم يرتحل منها إلى الشام، فيعيش فيها عامين عيشة الشعراء الجوالين فى ذلك العصر (Renaissance des lslams: Mez ص ٣٥٦). ولكنا لا نستطيع أن نتتبع تجوال الشاعر لأن ديوانه، وهو مرجعنا الوحيد، لم يرتب ترتيبًا زمنيًا مقنعًا. وقد مدح فى بعض قصائد هذه الفترة من حياته شيوخ البدو فى إقليم مَنْبج (انظر هذه المادة الواحدى، ص ٣٤ - ٢٥، ٣٨ - ٣٩، ٦٧ - ٦٦؛ اليازجى، ص ١٣ - ١٣، ٢٢ - ٢٣، ٢٨ - ٢٩) كما مدح بقصائد أخرى رجال الأدب فى طرابلس (الواحدى، ص ٨٨ - ٨٩، اليازجى ص ١٩ - ٢٠) واللاذقية (الواحدى ص ١١٦ - ١٣٥؛ اليازجى، ص ٦٦ - ٧٨) وشعر هذه المرحلة من حياة المتنبى متوسط القيمة تظهر فيه العجلة، ولكنا مع ذلك نلمح فى ثناياه آثار موهبته الحقة. فإذا استثنينا مرثية له وبعض مقطوعات ارتجالية فإن

стр. 365

جميع قصائد هذه الفترة تمثل الذين يتأثرون الشعر القديم، كما يغلب عليها أثر أبى تمام والبحترى. وبرم أبو الطيب بهذا الطور من أطوار التجربة لأنه لم يلق من يقدر مواهبه، فأخذ يتطلع إلى تحقيق أحلامه فى السيادة بالقوة (الواحدى، ص ١٣٨، الأبيات من ٣ - ٧؛ اليازجى، ص ٧٩). وعزف آخر الأمر عن ذلك المديح الذى كان يؤجر عليه، وعاد إلى اللاذقية ثم بدأ دعوة ثورية أسئ فهم كنهها مدة طويلة من الزمن، فكتاب المشرق يقولون (البديعى، الكتاب السابق، ج ١، ص ٢٥ - ٣٠؛ ابن الأنبارى: نزهة الألباء، ص ٣٦٩) إن أبا الطيب ادعى النبوة فى السماوة، وأسرته جنود الإخشيد من ثم لقب بالمتنبى. وانتصر كراتشكوفسكى Kraschkowsky فى كتابه عن المتنبى وأبى العلاء (طبعة سانت بطرسبرج عام ١٩٠٩، ص ٩ - ١١) لهذه الروايات من غير أن يلقى نظرة شاملة على الإشارات الواضحة فى ديوانه؛ ففى هذا الديوان أشعار تقطع بقيام المتنبى بهذه الثورة (الواحدى، ص ٤٩ - ٥٨ - ٨٦؛ اليازجى ص ٢٨ - ٣٣، ٥٠) إلا أنها كانت بلاشك مثل غيرها من ثورات ذلك العهد سياسية ودينية معًا، وقد بدأت فى اللاذقية ثم امتدت إلى الحدود الغربية للسماوة حيث يسكن بنو كلب المتأهبون دائما للتمرد. وقد استغل أبو الطيب مبادئ القرامطة دون أن يؤمن بمذهبهم، ولم تجد هذه المبادئ أذنًا صاغية كل الإصغاء إلا بين أولئك البدو الرحل (الواحدى. ص ٥٧، البيتين ٢٢ - ٢٣؛ اليازجى، ص ٣٢، وبهذا الكتاب إشارة إلى مذبحة الحُجّاج الذين قتلهم أبو طاهر القرمطى عام ٣١٧ هـ ٩٣٠ م)، وربما سببت أقوال الثائر الغامضة ومبادئه التى تقوم على انتهاز الفرص وتصوره للإمامة على الأسس القرمطية بعض الالتباس فى فهم دعوته، ذلك لأن كل ثائر فى ذلك الوقت كان يعتبر قرمطيًا، وهزم المتنبى والبدو الذين كانوا معه بعد أن نجح بعض النجاح فى أول الأمر، ثم أسر وحبس فى حمص حوالى نهاية عام ٣٢٢ هـ (٩٢٣ م). وبعد أن حوكم وسجن سنتين (انظر ديوانه. مخطوط بباريس، رقم ٣٠٩٢، ورقة ١٦ أ) أطلق سراحه

стр. 366

على أن يرجع عن غيه. ولم يكتسب من هذه المغامرات إلا لقب "المتنبى" كما اقتنع بأن الشعر وحده هو الذى يقوده إلى تحقيق أحلامه الواسعة. وتمتاز القصائد التى نظمها أبو الطيب قبيل هذه الثورة وفى أثنائها بتدفق الشاعرية، والحرية التى كان يعالج بها قوالب الشعر، وبقوة الأسلوب الذى ظهرت فيه شخصية الشاعر أكثر من ذى قبل. وما إن رجع المتنبى إلى احتراف المديح حتى عاد بطبيعة الحال إلى استئناف حياة التجوال (بداية عام ٣٢٥ هـ -٩٣٧ م). فعاش عيشة غير مستقرة عدة سنوات، وقنع بمدح أهل أنطاكية ودمشق وحلب وغيرها وبعض صغار العمال فى هذه المدن الذين كانوا يقترون عليه فى العطاء كل التقتير (الواحدى ٥١ - ١٣١ ياقوت: إرشاد الأريب، ج ٥، ص ٢٠٣) وذاع صيته شيئا فشيئا حتى أصبح فى أوائل عام ٣٢٨ هـ (٩٣٩ م) شاعر الأمير بدر الخرَشَانى الذى ذكره فى ديوانه باسم بدر بن عمّار، وكان واليَا على دمشق من قبل أمير الأمراء السابق ابن رائق الذى كان قد احتل الشام وشيكًا. ولما كان بدر من أصل عربى فقد اعتبره المتنبى مولاه الذى كان ينتظره منذ أمد بعيد؛ والمدائح التى مدح بها الأمير والقصائد العارضة التى وجهها اليه فى بعض المناسبات تفصح عن صادق الإعجاب به. وتمتاز بالإلهام الشعرى الرفيع (الواحدى، ص ٢٠٦ - ٢٤٥؛ اليازجى، ص ١٣٢ - ١٦٣)، وتؤلف هذه المقطوعات مع التى سبقتها بعد رجوعه إلى عالم الأدب ما نستطيع أن نطلق عليه المرحلة الثالثة من حياة المتنبى الشعرية؛ وقد نظم المتنبى المطولات فى هذه المرحلة، هذا إذا استثنينا مقطوعة فى الصيد تأثر فيها الشاعر أبا نواس (الواحدى ص ٢٠١ - ٢٠٢؛ اليازجى ص ١٢٨ - ١٢٩) وعددًا من القطع ارتجلها الشاعر وليست لها أهمية خاصة. وقد يبدو أن المتنبى عاد فى هذه المرحلة إلى مرحلته الشعرية الأولى، إذ كانت أشعاره فى هذه المرحلة لا تدل على تقدم يذكر فى القصيدة من حيث "قالبها".

стр. 367

ولم تدم صداقة المتنبى لبدر إلا حوالى عام ونصف العام، فلما وجد أنه لم يعد آمنا على نفسه من دسائس منافسيه وحساده (الواحدى، ص ٢٥٣، الأبيات ١٣ - ١٦؛ اليازجى، ص ١٦٩) التجأ إلى بادية الشام (الواحدى، ص ٢٥٢ - ٢٥١؛ ص ١٦٨ - ١٦٩) وهناك تملكته فكرة الثورة من جديد (الواحدى ص ٢٥٣ - ٢٥٤؛ اليازجى، ص ١٧٠ - ١٧١).، من حسن الطالع أن نزوح بدر إلى العراق قد مكنه من الخروج من مخبئه ومعاودة التكسب بالمديح، فمدح عدة أشخاص ليسوا بذوى خطر (الواحدى، ص ١٠٧ - ١٠٨، ٢٨٤ - ٣٤٨؛ اليازجى ص ٦٠ - ٦١، ١٩٤ - ٢٤١) ثم نجح آخر الأمر فى توطيد مركزه فى بلاط الحمدانيين بحلب عندما) صبح الشاعر الرسمى للأمير سيف الدولة وكان ذلك فى أوائل عام ٣٣٧ هـ (٩٤٨ م). وإذا نظرنا إلى أشعاره من الناحية الأدبية فى هذه الفترة التى تبتدئ على التقريب من منتصف عام ٣٢٩ هـ (٩٤٠ م) وهو تاريخ الوحشة مع بدر، وتنتهى فى أوائل عام ٣٣٧ هـ (٩٤٨ م) فإننا نجدها تكوَن المرحلة الرابعة التى ظل يلتزم) سلوبها حتى وفاته. ويمتاز شعره فيها بالتوفيق بين التقاليد الشعرية القديمة التى درج عليها المحدثون وبين القالب الشعرى المتحرر الذى اتخذه المتنبى فى مرحلة ثورته، ومع أنه لم ينبذ قالب القصيدة القديم فقد اقتصد إلى أقصى حد فى مقدماتها الغزلية، وكان أحيانا يستبدل بها مقدمة فلسفية غنائية يبث فيها أحلامه وشفاءه من الأوهام وسخطه. وقد مكث أبو الطيب تسع سنوات مع سيف الدولة، وكان متعلقا به تعلقا شديدًا، إذ رأى أنه قد تمثلت فيه صفات الزعيم العربى الكامل، فقد كان عظيما شجاعًا مسماحًا، وقابل ذلك سيف الدولة بان قدر شاعره وغمره بالهبات ولم يسئ اليه قط. وصحبه المتنبى فى غزواته حتى إذا رجع إلى حلب تغنى الشاعر بمغامرات مولاه مع الروم والبدو. وكان المتنبى فى الفترات القصيرة التى تتخلل غزوات سيف الدولة الحمدانى يشترك فى لهو البلاط

стр. 368

بحلب ويتوفر على الانتاج، وينظم المدائح فى كل مناسبة للوح (الواحدى، ص ٥٢٢ - ٥٣٧، اليازجى ص ٣٧٦ - ٣٩٥) ويرثى أقرباء سيف الدولة الذين يتوفاهم الله (الواحدى، ص ٣٨٨ - ٣٨٩، ٤٠٨ - ٤٥٩، ٥٧٧ - ٥٧٨، اليازجى، ص ٢٧١ - ٢٧٢، ٢٨٦ - ٢٨٧، ٤٢٨ - ٤٢٧). وقد كان من شأن أخلاقه الشرسة وشهرته الواسعة أن ألبت عليه أعداء ألداء. وفى الحق لقد حاول نفر من أصدقائه كالببغاء الشاعر أن يدافعوا عنه، بيد أن حماستهم لم تجد شيئا أمام عداوة فريق من الخصوم الألداء يتزعمهم الشاعر المعروف أبو فراس ولم يحفل سيف الدولة بادئ الأَمر بحملات أولئك الخصوم على شاعره. ولما ضاق صددره وتخلى عن حماية المتنبى لم يستطع هذا أن يأمن على حياته، ففر خفية من حلب مع أسرته والتجأ إلى دمشق فى نهاية عام ٣٤٦ هـ (٩٥٧ م). ويتفق نقاد الشرق بصفة عامة على أن المتنبى قد بلغ الذروة بقصائده التى نظمها أثناء إقامته مع سيف الدولة، ومع أن فى هذا القول شيئا من البالغة، فالمحقق أن الشاعر فى هذا العهد الذى يعتبر بمثابة الاستمرار فى مرحلته الشعرية الرابعة، قد كشف عن امتلاكه ناصية الشعر، وهو ما بلغ إليه فنه فى تلك المرحلة. وكان المتنبى أقدر من أبى فراس، الذى كان كثيرا ما يوازن به، على وصف انتصارات سيف الدولة على الروم؛ ولو أن شعره كان ينقصه حقا سحر شعر أبى فراس، إلا أنه كان أكثر منه شمولا وأقرب إلى الملاحم. وانتقل أبو الطيب من دمشق إلى الفسطاط بمصر، واتصل بكافور الإخشيدى، وحياة المتنبى فى هذا الوقت تكشف لنا عن الضرورات التى كان يخضع لها شعراء القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). ذلك أن أبا الطيب، وقد حُرم من الاستقلال المعنوى والمادى، لم يجد مناصًا من أن يمدح مولى لم يكن يحمل له فى قرارة نفسه إلا الاحتقار. ومدائحه فى هذا الرجل تظهرنا بجلاء على أسفه لفقدان رضا سيف الدولة، وهى قصائد متكلفة بعض الشئ، فيها ما يمس كافورا (البديعى:

стр. 369

الكتاب المذكور، ج ١ ص ١٢٥ - ١٢٦)، وربما كان الشاعر قد رأى أن يعلى من قدر كافور، لا لشئ إلا أن هذا وعده بولاية صيداء (البديعى، ج ١، ١١٥) فلما لم تتحقق وعوده حاول أن ينال الحظوة عند قائد إخشيدى آخر هو أبو شجاع فاتك (البديعى، ج ١، ص ١٣١ - ١٣٢) ولكن أبا شجاع توفى عام ٣٥٠ هـ (٩٦٠ م) ولما تزل العلاقات متوترة بين المتنبى وكافور، ولذلك صمم أبو الطيب مرة أخرى على الفرار، وفى يوم عيد الأضحى من هذا العام ترك الفسطاط خفية بعد أن كتب هجاء فى كافور وعبر جزيرة العرب بعد أن قاسى المحن والأهوال (البديعى، ج ١، ص ١٣٩ - ١٤٠) فوصل إلى العراق وأمضى مدة من الزمن فى الكوفة، ثم استقر فى بغداد. وربما كان قد فكر فى أن يتصل بالمهلبى الوزير البويهى المعروف الذى جمع حوله حاشية ممتازة، ولكنه انصرف عن ذلك للعداء الذى أظهره له الشعراء والعلماء المقربون من هذا الوزير أمثال ابن الحجاج وأبى الفرج الأصفهانى صاحب "كتاب الأغانى". وألقى المتنبى هنا -كما بدأ يفعل وهو فى مصر من قبل (ابن الفرضى: تاريخ الأندلس، رقم ٤٥٣) - دروسا على زمرة من الصحاب، شرح لهم فيها اشعاره إلى ذلك الحين (الذهبى: تاريخ الإسلام، باريس رقم ١٥٨١، ورقة رقم ١٢٦٥) فقضى عام ٣٥٣ هـ (٩٦٤ م) على هذا النحو، وربما زار الشاعر الكوفة حوالى هذا العام (انظر Vita di -Mutnabi: F. Gabrieli ص ٦٠، تعليق ٤). ومهما يكن من شئ فإن المتنبى نزح عن العراق عام ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م) وذهب عن طريق الأهواز إلى أرَّجان من أعمال خوزستان وهناك نال رضا الوزير البويهى ابن العميد وخصه ببعض مدائحه (الواحدى، ص ٧٤٠ - ٧٤١؛ اليازجى، ص ٥٦٤ - ٥٦٥) ثم. ترك ابن العميد وذهب إلى شيراز بفارس واتصل هناك بالسلطان البويهى عضد الدولة الذى رغب فى أن يكون المتنبى من رجال بلاطه. وبعد أن امتدحه الشاعر بعدة قصائد تعتبر من غرر أشعاره ترك شيراز لأسباب غير واضحة، وربما لم يكن لهذا الرحيل من سبب سوى حنينه إلى وطنه (الواحدى، ص ٧٦٦، الأبيات ١ - ٣؛ اليازجى، ص

стр. 370

٥٨٩). ورجع أبو الطيب من بلاد الفرس إلى بغداد على مراحل قصيرة، وفى الطريق هاجمه البدو والنهابون قرب دير العاقول فى آخر رمضان عام ٣٥٤ هـ (أغسطس ٩٥٥ م) فقتل كما قتل ابنه فى عراكه معهم، فتناثر متاعه جميعًا وفى مخطوطات ديوانه التى خطها بنفسه (البديعى، ج ١، ص ٢٢٧ - ٢٣٩). وقد كان المتنبى محاطاً، حتى فى حياته، بالمعجبين المتحمسين الذين دافعوا عن أشعاره بجملتها من هجمات الحاسدين الذين لم يكونوا أقل حماسة منهم فى الحط من شأنه. ومعظم هؤلاء نقدوا شعره فحسب لأنهم لم يكونوا راضين عن أخلاقه، ولذلك لا يمتاز نقدهم بالإنصاف، وإنما يعبر فقط عن رأى فريق من الناس. فلما توفى المتنبى نشأت طبقة ثالثة تعجب بشعره كانت أنفذ بصيرة من الأولى وأكثر حذرا من الوقوع فى التحيز والمبالغة من الثانية. (الجرجانى: الوساطة، ص ١١ - ١٢، ٤٦ - ٤٥). وسادت آراء هذه الطبقة الجديدة، فلما ذهب جميع معاصرى المتنبى ظل جمهور المتأدبين يناصر مناصرة تامة شاعر سيف الدولة، يستثنى من ذلك العسكرى وابن خلدون. ومنذ القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) أصبح اسم المتنبى مرادفا للشاعر العظيم، وقد أثر على الشعر العربى تأثيرا كبيرا لا مثيل له. وأصبح ديوان المتنبى طوال العصور الوسطى والعصر الحاضر فى متناول الدارسين والأدباء من فارس إلى الأندلس بفضل كتّاب انساقوا فى الغالب إلى شرح ديوانه بدافع العاطفة لا بدافع العقل، نخص منهم بالذبمر ابن جنى وبعده أبا العلاء والواحدى والتبريزى والعكبرى وابن سيده. ولا يتسع المجال هنا للإبانة عن أثر المتنبى فى الشعر الذى جاء بعده، ويكفى أن نشير إلى أن كل شعراء المديح من العرب قد تأثروا المتنبى بطرق شتى. ولا يزال الناس يقبلون على قراءة شعره إلى يومنا هذا فى شمال إفريقية، كما أن المتأدبين فى مصر والشام ينزلونه منزلة عليا، وقد خصه كثير من النقاد بالأبحاث التى تطفح بالثناء عليه. ويظهر أن أبا الطيب يجتذب الناس فى

стр. 371

مصر -على الأقل- بفلسفته الجريئة وحماسته للعصبية العربية، كما يجتذبهم بخصائصه الأدبية البحتة. المصادر: كتبت للمتنبى فى الشرق عدة ترجمات، المبتكر القيم منها خمس هى: (١) عبد الله الإصفهانى: إيضاح المشكل لشعر المتنبى، فى "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادى (القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ) ج ١، ص ٣٨٢ - ٣٨٩. (٢) الثعالبى: يتيمة الدهر (دمشق عام ١٣٠٤ هـ) ج ١، ص ٧٨ - ١٦٢، وفى مواضع أخرى. (٣) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد (باريس، فهرس المخطوطات، رقم ٢١٢٩، ورقة رقم ١٠٥ - ١٠٦) وقد أثبت ما ورد عن المتنبى فى هذا الكتاب كل من ابن الأنبارى فى كتابه "نزهة الألباء" (القاهرة سنة ١٢٩٤ هـ) ص ٣٦٦ - ٣٧٤، والسمعانى فى كتابه "الأنساب" (ليدن سنة ١٩١٣ هـ) الورقة رقم ٥٠٦ أ [وقد طبع كتاب تاريخ بغداد للبغدادى بمطبعة السعادة، القاهرة سنة ١٣٤٩ هـ = ١٩٣١ م]. (٤) ابن خلكان: الوفيات، (القاهرة سنة ١٣١٠ هـ) ج ١، ص ٣٦ - ٣٨. (٥) البديعى: الصبح المنبى عن حيثيات المتنبى (على هامش شرح العكبرى) على "ديوان" المتنبى، القا هرة سنة ١٣٠٨ هـ) ج ١، ص ٥ - ٢٤٥. وقد درس أشعار المتنبى فى الشرق غير شراحه كثيرون منهم. (٦) أبو الحسن الجرجانى: الوساطة بين المتنبى وخصومه (صيدا سنة ١٣٣٦ هـ). (٧) الثعالبى، كتابه المذكور. (٨) ضياء الدين بن الأثير: المثل السائر (بولاق سنة ١٢٨٢ هـ). (٩) وقد أورد حاجى خليفة ثبتا بشراحه فى كتابه "كشف الظنون"، ج ٣، ص ٣٠٦ - ٣١٢، غير أن هذا الثبت ناقص. وأهم شراحه. (١٠) الواحدى: - Mutanabbii car mina cum commentario Wahidii (طبعة ديتريتشى Dieterici برلين سنة ١٨٦١).

стр. 372

(١١) العُكْبرى: التبيان فى شرح الديوان (القاهرة سنة ١٣٠٨). (١٢) ناصيف اليازجى: العرف الطيب فى شرح ديوان أبى الطيب (بيروت سنة ١٣٠٥). - وقد درس المستشرقون كثيرًا من شعر المتنبى عمومًا وتفصيلا، وسنذكر هنا الدراسات العامة فقط. (١٣) Commentatio de Mata Bohlen nabbi: (بون سنة ١٨٢٤). (١٤) Motanabbi,: Hammer Purgstall der grosste arabiche Dichter فينا سنة ١٨٢٤). (١٥) , G. A. L.: Brockelmann ج ١، ص ٨٧ - ٨٨. (١٦) A Literary History: Nicholson of the Arabs(لندن سنة ١٩٢٣) ص ٣٠٤ - ٣١٣. (١٧) La Vita di al-: f. Gabrieli Mutanabbi R. S. O) ج ١١) ص ٢٧ - ٤٢. (١٨) الكاتب نفسه: Studi sulla poesia di al- Mutanabbi (Rendic della Acad) ... dei Lincei سنة ١٩٣٧. (١٩) الكاتب نفسه: La poesia di al- Mutanabbi (Giornale della Soc asiat. italiana سنة ١٩٢٩ ج ٢، ١. (٢٠) Le poete arabe al- R. Blachere Mutanabbi et loccident muslamann E. J، سنة ١٩٣٩) ص ١٢٧ وما بعدها. (٢١) الكاتب نفسه: Mutanabbi [بلاشير R. Blachere] أبو العباس السفاح: أول خلفاء الدولة العباسية، اسمه الحقيقى عبد الله، وللتفريق بينه وبين أخيه أبى جعفر عبد الله المنصور الذى ولى الخلافة أطلقوا عليه عادة اسم "أبو العباس" وكان أبوه محمد بن على الحفيد الأدنى لعم النبى، وكانت أمه تدعى رَيْطَة بنت عُبيد الله بن عبد الله. وقد رأى العباسيون أنهم أحق بالخلافة من الأمويين لقرابتهم من النبى، ولهذا أخذ العباسيون منذ بداية الأمر يتآمرون على الأسرة الحاكمة. وكان هذا شأن محمد والد السفاح بنوع خاص، وقد تابع أولاده هذه الخطة من

стр. 373

بعده، وأولهم إبراهيم ثم أبو العباس فأبو جعفر. وتذكر الرواية الشائعة أن أبا جعفر كان أسن من أخيه أبى العباس، ولكنه تنازل لأخيه عن حقوقه، وفى رمضان عام ١٢٩ (يونية ٧٤٧) نشرت الراية السوداء، شعار العباسيين، فى خراسان، وهزمت جنود بنى أمية وسقطت الكوفة ونادى أبو العباس بنفسه خليفة فى بغداد عام ١٣٢ هـ (٧٤٩ م)، وأصبحت تلك المدينة المقر المؤقت للأسرة الحاكمة الجديدة، وهزم مروان الثانى آخر خلفاء بنى أمية هزيمة منكرة على نهر الزاب الأعلى فى جمادى الآخرة عام ١٣٣ (يناير ٧٥٠) وقتل بعد ذلك بقليل. وكان شغل العباسيين الشاغل حماية العرش من أى خطر من جانب الأمويين، فاتخذ الخليفة الجديد لذلك أشد التدابير وأفظعها، وتخلص الخليفة وعماه عبد الله وداود بالقوة والحيلة من سلالة الأسرة الحاكمة السابقة. وقد لقب أبو العباس نفسه فى خطبة له من فوق منبر المسجد الجامع بالكوفة بـ "السفاح" وعمل بإخلاص كل ما فى وسعه لكى يكون أهلا لهذا اللقب المروع. ولم يكن الأمويون وحدهم فريسة هذا الظمأ لسفك الدماء، بل كان أمام الخليفة الجديدة عدة صعاب أخرى، ولكن نصيب المعارضة فى جميع الحالات كان هو البطش فى أفظع أشكاله. ولم يكن أمام أبى العباس فى غير ذلك من الأمور الوقت الكافى لترقية شئون مملكته فترك هذا للخليفة المنصور الذى يظهر أنه كان له شأن هام حاكمًا ومشيرًا إبان خلافه أخيه، وتوفى السفاح فى ذى الحجة عام ١٣٦ (يونية ٧٥٤) بالأنبار على نهر الفرات، وكان عمره حوالى الثلاثين ربيعًا، وتقول الرواية الشائعة إنه أوصى بالخلافة لأخيه. المصادر: (١) الطبرى، انظر الفهرس. (٢) ابن الأثير. طبعة تورنبرغ، ج ٥، ص ٨٦ وما بعدها. (٣) اليعقوبى, طبعة هوتسما، ج ٢، ص ٤١٧ وما بعدها. (٤) Gesch d. Chalifen: Weil ج ٢، ص ١ وما بعدها.

стр. 374

(٥) Der Islam im mor-: A. Miiller ,gen. und Abendland ج ١، ص ٤٥٤ وما بعدها. (٦) Orientalisch Skizzen: Noldeke، ص ١١٣ وما بعدها. (٧) The caliphate. its. de-: Muir cline. andfall الطبعة الثالثة، ص ٤٢٦ وما بعدها. (٨) Das arab. Reich: Welhausen und Sein Sturz ص ٣٣٨ وما بعدها. [تستر شتين K. V. Zettersteen] + أبو العباس السفاح، عبد الله ابن محمد بن على بن عبد الله بن العباس: أول خليفة عباسى" ولقب السفاح يعنى المتعطش لسفك الدماء أو الكثير البذل. وفى صفر سنة ٣٢ اهـ (سبتمبر - أكتوبر سنة ٧٤٩ م) لاذ هو وسائر أفراد البيت العباسى بالكوفة بعد أن احتلها الحسن بن قحطبة بقليل، ونودى به خليفة بالمسجد الجامع فى الثانى عشر من ربيع الآخرة (٢٨ نوفمبر) وعندها ألقى خطبته المشهورة. وكان أول عمل لأبى العباس هو قضاؤه على الأمويين جملة؛ وكانت جيوش العباسيين بقيادة عمه عبد الله بن على قد حققت نصرًا كاملا عند الزاب الأعلى فى جمادى الثانية سنة ١٣٢ هـ (يونية سنة ٦٥٠) واندفعوا يتعقبون مروان الثانى فى العراق والشام وفلسطين. وحين قتل مروان بمصر فى ذى الحجة سنة ١٣٢ هـ (أغسطس سنة ٧٥٠) أصبحت المعركة الكبرى فى حكم الانتهاء. وسرعان ما قضى على المقاومة المعزولة التى كان يبديها ابن هُبَيَرة فى واسط، على حين قمعت الفتن التى نشبت فى العراق والشام فى بطش شديد، فقد أطلق الغزاة العنان لثورات انتقامهم، وكان اْولها خطرا الحادث الجلل الذى كان على نهر أبى فُطْرُس حيث قتل عبد الله بن على نحوًا من ثمانين من زعماء بنى أمية ونصب الموائد على جثثهم، ثم قذف بها بعد ذلك إلى الكاوب لتنهشها. وحدثت مشاهد من هذا القبيل فى الكوفة والبصرة وفى الحجاز، هذا إلى ما كان من انتهاك قبور الخلفاء الأمويين. وكذلك بطش بالعلويين سنة ١٣٣ هـ

стр. 375

(٧٥٠ - ٧٥١ م) حين سخطوا إذ رأوا أنفسهم بعد أن أيدوا قضية الثورة قد حرموا ثمرتها، وأخمد والى خراسان أبو مسلم فتنة باسم العلويين فى بخارى. وبهذا الأسلوب استؤصلت شافة عناصر المقاومة الرئيسية بعد تولى العباسيين للخلافة، ونعنى بها الأمويين وكذلك خصوم العلويين السابقين. على أن العباسيين أرادوا أن يذهبوا إلى مدى أبعد من ذلك، فيستأصلوا شافة قادتهم هم سياسيين وحربيين ممن بلغوا فى السلطة شأنًا عظيمًا وأخذ عليهم التمرد سواء بالحق أو بالباطل. وبالتآمر مع أبى مسلم أقصى أبو سلَمَة وسليمان ابن كثير. وبعد هذا جاء دور أبى مسلم، وقد فشلت أولى المحاولات ضده، وكانت تتصل بتمرد زياد بن صالح فيما وراء النهر سنة ١٣٥ هـ (٧٥٣ - ٧٥٢) وكانت الثانية بعد وفاة أبى العباس مباشرة، دبرها موففا خلفه الخليفة المنصور. ومات أبو العباس فى الأنبار، وكان اتخذها مقرًا له فى ذى الحجة سنة ١٣٦ هـ (يونية سنة ٧٥٤ م). ومن العسير أن نصدر حكمًا على شخصيته, ذلك أننا لا نعرف على وجه اليقين نصيبه الشخصى فى الحوادث التى وقعت مدة خلافته القصيرة. ولكن المحقق أنه خلال حكمه لم تنتقل الحركة العباسية من طور الثورة إلى طور الشرعية فحسب بل هى قد مكنت لنفسها أيضا، كما ظهرت أولى الدلائل على ذلك السلطان السياسى والاقتصادى الذى دعمته خلافة المنصور. المصادر: (١) الدينورى ت الأخبار الطوال، طبعة Guirgass. (٢) اليعقوبى، الفهرس. (٣) الطبرى، الفهرس. (٤) المسعودى: المروج، الفهرس. (٥) Orientalische Skiz-: Th. Noldeke zen ص ١١٨ - ١٢١. (٦) Das Arabisch: J. Wellhausen Reich ص ٣٣٨ - ٣٥٢. (٧) وانظر عن لقبه "السفَّاح" H. F. On the Meaning of the Laqab: Amedroz

стр. 376

Al Saffain فى J. R. A. S ١٩٠٧، ص ٦٦٠ - ٦٦٣. (٨) وانظر عن ابن هبيرة - S. Mos Museon ii "tradimento" diwasit: cati سنة ١٩٥١، ص ١٧٧ - ١٨٦. (٩) وانظر عن مذبحة الأمويين الكاتب نفسه: - Le Massacre des Umayy ades في Archiv. Orinentalni سنة ١٩٥٠، ص ٨٨ - ١١٥. (١٠) وانظر عن أبى مسلم: الكاتب نفسه: Studi su Abu Muslim Rendiconti dellu reale c Accad dei Lincei,Ci di sc, mor., stor., efilot سنة ١٩٤٩، ص ٣٢٣ - ٣٣٥، ٤٧٤ - ٤٩٥؛ سنة ١٩٥٠، ص ٨٩ - ١٠٥ وانظر مادة "أبو مسلم". خورشيد [موسكاتى S. Moscati] أبو العتاهية أحد فحول الشعراء فى العصر العباسى: وهو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، وكنيته أبو العتاهية. ولد عام ١٣٠ هـ (٧٤٨ م) فى عين التمر، وهى قرية صغيرة بالقرب من الأنبار (تذكر روايات أخرى أنها بجوار المدينة) وينتسب آباؤه لقبيلة عنزة البدوية، وكان أبوه القاسم حجاما، وكان له ولأخيه زيد دكان صغير لبيع الفخار بالكوفة، ويقال إن الناس الذين كانوا يترددون عليه كانوا يكتبون على كسر الخزف الأشعار التى ينشدها. ورحل أبو العتاهية إلى بغداد، عندما بدأ يشتهر بالشعر، صحبه المغنى إبراهيم الموصلى، الذى ذاع صيته من بعد. ولكنه لم يستطع بادئ الأمر التبريز فيها، فاضطر إلى الاعتكاف بالحيرة المتواضعة فترة من الزمن. واشتهر هناك بالشعر حتى وصلت شهرته إلى مسامع الخليفة المهدى فاستدعاه ثانية إلى بغداد. ولكن أبا العتاهية لم يستمتع طويلا بحظوة هذا الخليفة، لأنه لم يكن فطنا، إذ وصف فى أشعاره جارية للمهدى تدعى عتبة. فأغضب ذلك الخليفة كثيرا، وأمر بسجنه، ولكن سرعان ما أطلق سراحه واتصل وده ثانية بالخليفة، وأصبحت له مكانة رفيعة عند المهدى وخلفائه من

стр. 377

بعده. ولما كان أبو العتاهية يطوى بين جوانحه منذ حداثته نزعة قوية إلى التقشف، فقد مج حياة العبث بالبلاط العباسى. وما إن اعتلى هارون العرش، حتى هم أبو العتاهية أن يهجر الشعر، ولكن هارون الرشيد استبد به وأجبره على التخلى عن هذا الرأى بزجه فى السجن مرة أخرى. وتختلف الروايات فى عام وفاته. وتذكر الرواية التى تعزى إلى ابنه محمد. أنه توفى عام ٢١٠ هـ (٨٢٥ م) وتذكر روايات أخرى أنه توفى عام ٢١١ هـ (٨٢٦ م) أو عام ٢١٣ هـ (٨٢٨ م). وقد وصفه معاصروه بأنه كان حر الفكر لأنه أنكر البعث. وقد حاول أبو العتاهية أن يجد حلا لمعضلة الإثنينية، فقال إن الله خلق جوهرين متضادين منهما انبثق كل شئ وإليهما يرد كل شئ. ولم تصل إلينا جميع أشعار أبى العتاهية، ويمتاز شعره ببساطة الأسلوب ونسق واضح من المعانى. وكان يزدرى كل الازدراء فخامة الشعر البدوى القديم التى انحطت بتغير الأحوال وأصبحت مجرد صناعة تقليدية. وكان يرغب فى نظم شعر يفهمه الناس، لذلك كان أهم ما يحفل به فى قصائده المعانى التى كان يقصدها وتحتوى معظم قصائده على حكم وعظات ليست بينها رابطة قوية. وجل تلك القصائد التى وصلتنا فى "الزهديات" وأهم ما تمتاز به التشاؤم الواضح. فالزهد عنده يبرره فناء ما فى هذه الدنيا، فهو يرى أن العالم سلسلة من الألم متصلة الحلقات، والصفاء فيه ممتزج بالأكدار أينما كان، ولا رجاء فى السعادة إلا لمن حمل بين جنبيه نفساً قنوعة. وبالرغم من هذه النظرة السوداء إلى الحياة، فإننا لانجد فى فلسفة أبى العتاهية أثرا لذلك العويل المتخنث، فهو فيها قوى حازم ولولم يكن جذلان مغتبطا، وهو يحمل أثقال الحياة لأنه مجبر على حملها.

стр. 378

أما الجزء الثانى وهو الأصغر مما وصل إلينا من آثاره فإنه ينقسم إلى ستة أقسام: (١) المدح، وهو قطع متناثرة معظمها فى هدح المهدى والهادى وهارون والمأمون. (٢) شعر المناسبات، وفيه معاتبات جميلة ذكية. (٣) الهجاء. (٤) الرثاء. (٥) قصائد مرتجلة. (٦) حكم وعظات. وأبو العتاهية أول شاعر فلسفى فى الأدب العربى، وهو ينفرد بالحرية التى عالج بها القوالب الشعرية، وقد طبعت الجمعية اليسوعية ببيروت أشعاره طبعة جيدة بعنوان "الأنوار الزاهية فى ديوان أبى العتاهية" بيروت ١٨٨٧ م. المصادر: (١) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٩١. (٢) الأغانى، ج ٣، ص ١٢٦ - ١٨٢. (٣) Culturgesh des: A. V. Kremer Orients unter d. chalifen جـ ٢، ص ٣٧٢. (٤) Gesch d arab litter: Brockelmann ج ١، ص ٧٨. [أويسترب J. Oestrup] + أبو العتاهية (والمعنى هو أبو التعته) أبو إسحق إسماعيل بن القاسم ابن سويد بن كيسان: شاعر عربى ولد بالكوفة أو فى عين التمر سنة ١٣٠ هـ (٧٤٨ م) وتوفى سنة ٢١٠ هـ (٨٢٥ م) أو سنة ٢١١ هـ (٨٢٦)، وكانت أسرته من موالى قبيلة "عنزة" جيلين أو ثلاثه أجيال، وكانت تشتغل بأعمال وضيعة. كان أبوه حجاما، وكان الشاعر نفسه يبيع الجرار فى الطرقات. وكانت نظرته إلى الحياة نظرة مريرة بحكم ضعة مكانته الاجتماعية، وقد أطلق العنان فى شعره المتأخر لكراهية الطبقة الحاكمة والأغنياء، واشتهر ببخله ووضاعته حتى آخر حياته، ولكنه رزق -كبشار بن برد- موهبة الشعر ورجا أن يجد فيها باباً إلى حياة أوسع وأفسح. وعزَّ عليه، وهو الفقير، أن يجد وقتا ينفقه فى حضور مجالس فقه اللغة وشعر القدماء، ولهذا، بلا شك، يعزى السبب فى جذة أسلوبه وتحرره من التقاليد. وقد انضم وهو شاب إلى زمرة الشعراء الخلعاء الذين التفوا حول والبة

стр. 379

ابن الحباب واشتهر بأشعاره فى الغزل والخمر. ومّد عاب النقاد المتأخرون شعره فى هذا الباب ورموه بالضعف والمشاكلة لطبائع النساء (ابن قتيبة: الشعر، ص ٤٩٧) ولم يبق منه إلا قطع. وكان أبو العتاهية -مثل الشعراء المطبوعين- يؤثر اللغة البسيطة والأوزان القصيرة، واشتهر أول ما اشتهر بقصيدة فى مدح المهدى نالت رضا المهدى بالرغم من هذه المآخذ التى خرجت بشعره عن خصائص الشعر القديم. وقد ساءت سمعته فى بغداد بما قاله من قصائد غزلية فى عتبة جارية ريَطة ابنة عم المهدى وكانت ترجو أن تلفت نظر الخليفة إليها ولكنها لم تكن تروم أن يدفع بها إلى رجل لا يملك شروى نقير. وقد عد الشاعر الخليفة مسؤولا عن خيبته فى نوال عتبة، وبدرت منه أبيات جانب فيها الحذر فخلد وأقصى إلى الكوفة. فلما توفى المهدى شفى غليله بأبيات يمكن أن تحمل على غير وجهها. وعاد إلى بغداد فمدح الهادى مدحاً غليظًا ضايق خليفته الرشيد فالقاه فى السجن هو وصديقه إبراهيم الموصلى. ثم عفا عنه الرشيد ونال الحظوة عنده مرة أخرى وأخذ الشاعر يمتعه بقصائده فى الغزل، ثم تنكر للغزل فجأة وانصرف إلى الزهد (حوالى سنة ١٥٧ هـ). واستاء هارون أول الأمر من هذا التحول الذى طرأ على الشاعر، ولكنه رضى من بعد مستجيبًا إلى التماس الفضل بن الربيع، ولاريب أن بعض هذا الرضا يرجع إلى شهرة الشاعر عند الجماهير. ولنا أن نشك فى القول بأن رعاية الفضل له كانت تتصل بمؤامرته على البرامكة التى شاركت فيها الملكة زبيدة وأن قصائد أبى العتاهية الجديدة فى الزهد كانت توائم أغراضهما. ومهما يكن من شئ فإن أبا العتاهية دأب من يومها على النظم الغزير فى المواعظ القصيرة والطويلة مصوراً أهوال الموت التى تحل بالناس جميعا وخاصة الأغنياء وذوى السلطان ولا منجاة منها للخليفة نفسه, وقد عادت عليه قصائده فى هذا الباب بالنفع

стр. 380

الجزيل حتى انه حذر أبا نواس حين بدأ هو أيضا ينظم فى الزهديات من الافتيات على باب قد أنشأ أبو العتاهية لنفسه حقا مقررا فيه. أخبار أبى نواس، القاهرة سنة ١٩٢٤، ص ٧٠). وقد شك النقاد المتأخرون، ولهم بعض العذر، فى صدق انصرافه إلى الزهد وخاصة الزاهد الحق أبو العلاء المعرى الذى أشار إليه بقوله؛ ذلك الفتى الأريب (ابن فضل الله: مسالك الأبصار، ج ١٥، مخطوط بالمتحف البريطانى رقم ٥٧٥، ورقة ١٣٦). وثمة تهمة أكثر تواتراً من ذلك وجهت إلى أبى العتاهية. وهى تهمة الزندقة التى كانت سلاحاً أثيرا لدى أهل هذا العصر. وقد رأى كولدسيهر أننا يجب أن نلتمس سببا من أسباب سجنه مرات فى النزعة المخالفة لمذهب أهل السنة التى كانت طهر فى بعض قصائده أحياناً. ولم يتلق أبو العتاهية دورساً فى الدين ولذلك يظهر أنه تاثر بذلك التراث المعدل من العقائد المانوية الذى كان مايزال شائعاً فى العراق، وهو الذى كان السبب فى قيام الفتن فى هذا العالم لقوله بوجود جوهرين هما الخير والشر وإن كان أبو العتاهية قد رأى أنهما كلاهما من خلق الله. وقد يكون فى بعض أبياته أيضا مثل: اذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك فى زى مسكين. وله بوادر هوى خفى مع موسى الكاظم ومع دعوة أئمة الشيعة التى كانت لاتزال قوية فى الكوفة. ويرجع نجاح أبى العتاهية العجيب فى ميدان الشعر إلى بساطة لغته وتدفقها وبعدها عن الصنعة مما يميزه عن بعض معاصريه الذين عرفوا بالصنعة المتكلفة، كما أنه كان يعبر عن مشاعر الناس بشعر يفهمه الناس. وكان من حسن حظه أيضا تلك الصداقة التى انعقدت بينه وبين إبراهيم الموصلى فأتاح له ذلك أن يلحن الكثير من قصائده أعظم موسيقى فى عصره. وكان هو ومعاصره الأصغر منه أبان ابن عبد الحميد أول من نظما من

стр. 381

المزدوج، وكان أبو العتاهية فى قول المعرى (الفصول والغايات، ج ١، ص ١٣١) أول من استحدث وزن "المضارع" كما استخدم أيضا وزناً يتألف من ثمانية مقاطع طويلة. ولم يجمع ديوان أبى العتاهية لغزارة إنتاجه الضخم؛ وقد جمع "الزهديات" دارس أندلسى هو ابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (١٠٧١ م). المصادر: (١) ابن خلكان الوفيات، رقم ٩١. (٢) الأغانى، الطبعة الثانية، جـ ٣، ص ١٣٦ - ١٨٣؛ الطبعة الثالثة، ج ٤، ص ١ - ١١٢. (٣) وانظر أيضاً Tables: Guidi بخصوص الإشارات الأخرى إلى أبى العتاهية. (٤) تاريخ بغداد، ج ٦، ٢٥٠ - ٢٦٠. (٥) Trans IX. Congress of: Goldzihcr Oricntalists ص ١١٣ وما بعدها. (٦) G. vadja فى Rivista degli studi Orientali سنة ١٩٣٧، ص ٣١٥ وما بعدها، ٢٢٥ وما بعدها. (٧) Brockelmann ج ١. ص ٧٦، قسم ١، ص ١١٩. (٨) وقد نشرت طبعتان تقتصران على أجزاء من الديوان فى بيروت سنتى ١٨٨٧، ١٩٠٩ م. (٩) انظر أيضا "مجموعة" طبعة ف. أ. البستانى، بيروت سنة ١٩٣٧ م. (١٠) الزهديات ترجمة رشر - O. Res cher شتوتجارت سنة ١٩٢٨. خورشيد [كوبليوم A. Guillaume] أبو العلاء المعرى أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرِّى: الشاعر الإسلامى المشهور، ولد عام ٣٦٣ هـ (٩٧٩ م) فى معرة النعمان، وهى بليدة فى شمالى الشام بين حلب وحمص، وينتسب إلى أسرة عربية محترمة تزعم أنها انحدرت من قبيلة تنوخ التى استقرت منذ القدم فى هذا الإقليم، وقد ولى جده القضاء، ويظهر أن أباه كان على شئ من العلم. ولم يكد

стр. 382

أبو العلاء يبلغ الرابعة من عمره حتى أصابه الجدرى فأفقده عينيه أو كاد, ويحق لنا أن ندهش من حافظته العجيبة التى مكنته، رغم ذلك النقص الخلقى، من أن يظهر فى آثاره هذا التنوع وتلك الدراية الواسعة بالعلوم التى قلما فاقه فيها أحد. وقضى شبابه فى عصر مضطرب. فقد كان الحمدانيون يحكمون شمالى الشام فى ذلك العهد حكما مزعزعاً لوقوعهم بين الفاطميين الذين كانوا يتقدمون من الجنوب، وبين الروم الذين يتقدمون من الشمال. ومع ذلك لم تكن هذه الظروف غير ملائمة على الإطلاق. للأدب. ومع أن عصر سيف الدولة الزاهر كان قد انقضى، فإن النهضة التى بدأها ذلك الأمير لم تكن قد فقدت قوتها بعد. وكانت شهرة الشام الأدبية عظيمة فى ذلك الوقت، كما نتبين من الثعالبى الذى عاصر أبا العلاء (انظر مقدمة مركوليوث، "رسائل أبى العلاء" ص ١٦). ودرس أبو العلاء فى حلب وطرابلس واْنطاكية على تلاميذ النحوى ابن خالُويه وغيرهم من علماء الشام. ويظهر أنه كان يتجه بدراساته إلى احتراف المديح كالمتنبى مثلا، وقد وصلت إلينا بعض مدائحه فى سيف الدولة الحمدانى، وعلى أيه حال فإن المعرى سرعان ما ترك حرفة مرجوة النجاح لأنها كانت خليقة بأن تعرَض كبرياءه وطبيعته الحساسة للمهانة التى لا تحتمل، فقد قال فى مقدمة سقط الزند: "لم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبا للثواب". وكان يعيش عند عودته إلى المعرّة من معاش سنوى قدره ثلاثون ديناراً تدفع له من مال محبوس، ومن المحتمل أنه كان يعيش كذلك من الأجور التى كان يدفعها بعض الطلاب الذين اجتذبتهم شهرته الفائقة، ويدل على ما كان له فى مسقط رأسه من مكانة انتخاب مواطنيه له للرد على رسالة وجهها إليهم السياسى والمؤلف المعروف أبو القاسم بن على المغربى. وظل أبو العلاء فى المعرة حتى عام ٤٠١ هـ (١٠١٠ م) حتى استقر رأيه، لأسباب مجهولة، على أن يعيش فى

стр. 383

بغداد، وليس من العجيب إذاً أن يشعر فى شرخ حياته بقيود الحياة الريفية وينزع إلى ميدان أوسع تقدر فيه مواهبه، ولذلك ذهب إلى قصبة البلاد، ولكنه قفل راجعاً بعد عام وسبعة أشهر إلى موطنه. ويقول أبو العلاء نفسه إن مرض أمه وحاجته إلى المال هما السببان اللذان دفعاه إلى العودة. ولكن يظهر أن السبب الأخير بعيد الاحتمال، فقد كان له أصدقاء ذوو نفوذ يستطيعون أن يمدوا له يد المعونة إذا احتاج الأمر إلى ذلك. وقد أفسدت فى نفس الوقت بعض الحوادث النابية استقباله الرائع الذى بلغ حد التملق. أضف إلى ذلك أن رفض الشاعر التكسب بالشعر وقف حائلا بينه وبين تحقيقه أطماعه، كما أن إهانة المرتضى، أخى الشاعر المعروف الشريف الرضى، لأبى العلاء دفعته آخر الأمر إلى مغادرة المدينة (مركوليوث "رسائل أبى العلاء"، ص ٢٧ وما بعدها). وتدل زيارته لبغداد على مرحلة دقيقة فى حياة الشاعر. وكان أبو العلاء إلى ذلك الوقت قد عرف بأنه عالم متبحر وشاعر مطبوع متأثر بأسلوب المتنبى الذى كان متحمساً فى الإعجاب به ولم تظهر موهبته الفريدة إلا فى آثاره المتأخرة التى كتبها بعد عودته إلى المعرة: "اللزوميات" و"رسالة الغفران". ولا نستطيع أن نشك أنه استوعب فى بغداد كثير، من الآراء والتأملات الخارجة على مذهب أهل السنة التى يتميز بها هذان الكتابان. أما ما يؤكده البعض من أنه حضر دروس أئمة العلماء فى عصره فهو مخالف لما قاله هو نفسه فى خطاب أرسله إلى عمه يخبره فيه أنه وصل إلى المعرة قادمًا من بغداد، وأنه منذ بلغ العشرين من عمره لم يفكر فى أن يأخذ العلم على واحد من أهل العراق أو الشام، وما كاد يصل إلى بلده حتى بلغه نعى والدته، وقد أثر فيه هذا الحادث تأثيراً بليغًا وشجعه على تنفيذ عزمه على اعتزال الناس. ويقال إنه عاش منذ ذلك الحين فى كهف أخذ نفسه فيه بالتقشف: لا يأكل لحم الحيوان بل لا يتناول البيض واللبن،

стр. 384

ويشير اللقب الذى كان يطلق عليه أحياناً وهو"رهين المحبسين" إلى عزلته وعماه، ومع ذلك فإنه لم يمكَّن قط من أن يعيش عيشة النُسَاك، وقد وجد أبو العلاء فى المعرة ما فاته فى بغداد من الشهرة والمال. ووفد عليه الطلاب من الجهات البعيدة ليقرأوا عليه. وتدل الرسائل التى نشرها مركوليوث على أنه كان كثير التراسل مع العلماء الذين كانوا تواقين إلى الإفادة من علمه ويذكر الرحالة والشاعر الفارسى ناصر خسرو الذى زار المعرة عام ٤٣٩ هـ (١٠٤٧ م) أى قبل وفاة أبى العلاء بأحد عشر عاماً، أنه كانت له سلطة مطلقة فى المدينة، كما كان له مال وفير وزعه على الفقراء. على حين عاش هو عيشة الشظف كأنما هو ولى من الأولياء. وأمضى أبو العلاء حوالى أربعين عاماً فى عزلة ولكنه لم يخلد فيها إلى الكسل، نعرف ذلك من قائمة مصنفاته الكثيرة التى ألف معظمها خلال هذه المدة، وتوفى أبو العلاء عام ٤٤٩ هـ (١٠٥٨ م). وهو يدين بشهرته فى المشرق إلى مجموعة أشعاره الأولى المسماة بـ "سقَط الزَنْد" وتوجد منها عدة مخطوطات بالمكتبات الأوروبية. وقد طبعت هذه المجموعة فى أول الأمر ببولاق عام ١٨٦٩ م، ثم فى بيروت عام ١٨٨٤ م. واتخذها ريو C. Rieu موضوع رسالة له De Abul Ala via et (carminbus بون، سنة ١٨٤٣ م). وأهم الشروح المعروف هو شرح أبى العلاء نفسه المعروفة بـ "ضوء السقط" وشرح للميذه التبريزى. ومعظم أشعار سقط الزند نظمها أبو العلاء قبل رحلته إلى بغداد، وتشمل هذه المجموعة أيضا بعض قصائد نظمها فى تاريخ متأخر عن ذلك. وهى تحتوى على مدائح ومراث ومقطوعات نظمت فى مناسبات مختلفة وغير ذلك، وخص جزءا منها "الدرعيات" ولم يكن أثر المتنبى ظاهرا فر، الأسلوب الذى توخى فيه الصنعة البلاغية فحسب، بل فى تلك الحرية التى تجاهل فيها القواعد المأثورة. ومع أن الشاعر تند منه فى بعض الأحيان بوادر

стр. 385

عدم الاحترام عند تعرضه للمسائل الدينية، إلا أننا لا نجد فى هذا الكتاب أثراً للآراء الشديدة المروق التى يُعرف بها عادة أما مجموعة أشعاره الثانية "لزوم ما لا يلزم) فإنها تتميز بهذه الآراء. وتعرف هذه المجموعة عادة باسم "اللزوميات". واللزوميات اسم يشير إلى الصعوبة الفنية التى التزمها فى القافية. ولقد بحث كريمر Von Kremer هذه المجموعة بحثاً تفصيلياً فى (Sitzungsber. d. phil hist. Classe d. Kias d. Wessensch ج ١١٧، القسم السادس، فينا سنة ١٨٨٩ م)، وقد طبع كذلك النص مع ترجمة لبعض مقطوعات هذه المجموعة. (Zeitschr. d. Deutsch Mor genl Gesellch ج ٢٩ - ٣١، ٣٨). وربما كان رأى كريمر فى هذه المجموعة فيه شئ من المبالغة. ولكن يجب أن نعترف بأن أبا العلاء قد ظهر فى هذه المجموعة بمظهر المفكر الجرئ المبتكر إلى حد عجيب، كما اثبت أنه رجل الأخلاق السامية. ولم يقنع أبو العلاء بإظهار النقائص الاجتماعية والسياسية فى جراة، بل جعل الحياة الإنسانية كلها موضوعا لبحثه، وأخذ يتأمل فى أعمق معضلاتها، وقد لا ننصف أبا العلاء إذا قارناه بأبى العتاهية الذى يشبهه من بعض الوجوه شبهاً ظاهراً. وقد تخلص أبو العلاء فى اللزوميات من قيود العقيدة التى كانت تقيد سلفه، وسما بنفسه إلى مستوى أعلى. ولأبى العلاء مؤلف آخر مشهور هو "رسالة الغفران" توجد منه مخطوطات فى الأستانة وكمبردج. وقد وصف هذه الرسالة كريمر Kremer وترجم جزءا منها (فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية عام ١٩٠٠ م، ص ٦٣٧ - ٧٢٠٠، عام ١٩٠٢ م، ص ٧٥ - ١٠١، ٣٣٧ - ٤٦٢، ٨١٣ - ٨٤٧). وهى رسالة كتبهما بأسلوب منمق وأهداها إلى رجل يدعى على بن منصور الحلبى، وقد عرض المؤلف الشعراء الزنادقة الذين غُفر لهم، ومن هنا اشتق اسم الرسالة، والذين رفعوا إلى الجنة، وهى مشهد حوادث القصة، على اعتبار أنهم الشخصيات

стр. 386

الأولى فيما يمكن أن نسميه "الكوميديا الإلهية" Divina Commedia أو هى فى الحقيقة قصة جريئة خلط فيها الجد بالهزل وسخر فيها من العقائد والأفكار الإسلامية التى تتعلق بالحياة الأخرى، وهى تحتوى إلى جانب هذا على قدر كبير من المعارف المتنوعة، وعلى حديث عن الزنادقة بنوع خاص، مع شواهد من أشعارهم وأنظار فى طبيعة معتقداتهم. ونشر وترجم مركوليوث مكاتبات أبى العلاء وعلق عليها تعليقات قيمة، وكتب سيرة مسهبة له (أكسفورد سنة ١٨٩٨ م) ولم يبق إلا القليل من مؤلفاته الأخرى التى تبلغ حوالى الستين مؤلفاً. وقد حدث جدل طويل حول عقيدة أبى العلاء فى حياته، وهو وإن لم يعدم من يدافع عنه، فقد عده الكثيرون من معاصريه زنديقًا، وشاعت عنه هذه الصفة منذ ذلك الوقت. والشواهد على ذلك من مصنفاته غامضة متناقضة، ويقال إنه صنف كتابا عنوانه "الفصول والغايات" قلد فيه القرآن (كولدتسيهر Muhamm. Studien ج ٢، ص ٤٠٣) ولكنه هاجم بشدة ابن الراوندى فى رسالة الغفران، لأنه قام بنفس هذا العمل، كما انه أخذ بعقيدة أهل السنة فى إعجاز القرآن. وهو دىان بدا أنه تحدث فى بعض شعره فى اللزوميات كما يتحدث المسلم الورع، وقد فسر هذا على عدة وجوه، ولكن أعجبها الفرض الذى يقول إن أفكاره كانت مقيدة بصعوبة القافية التى التزمها فى أشعاره، وليس أمامنا إلا القول بأنه كان قى أعماقه متشككاً قوى الشك، وأن معظم أقواله البارزة تتجه هذا الاتجاه، والراجح أن الفقرات التى تدل على إيمانه، كان يقصد بها ذر الرماد فى أعين النقاد، أو ربما كان فى بعض الأحيان يضع شكوكه موضع الشك، ولم ير بأسا فى أن يكون لقوسه وتران. والذى يقرأ له يذكر لوسيان - Lu cian كما يذكر لوكريتوس وكان أبو العلاء يؤمن بالتوحيد بيد أن إلهه ليس إلا قدرا غير مشخص، كما أنه لم يأخذ بنظرية الوحى الإلهى، فالدين عنده من صنع العقل الإنسانى ونتيجة للتربية والعادة. وكان الشاعر يهاجم مراراً

стр. 387

وتكراراً أولئك الذين يستغلون استعداد العامة لتصديق الخرافات بقصد اكتساب السلطة والمال، ولم يقبل أية صورة من صور الحياة الأخرى، وكان ينظر إلى الفناء على أنه خلاص سعيد من الحياة الفانية وقد حمله تشاؤمه الشديد على الاعتقاد بأن الإثم كل الإثم إنما هو إنجاب الأبناء وتعريضهم لجميع ألوان الشقاء التى يتعرض لها كل حى. ولم تكن فلسفة أبى العلاء سلبية كلها، فقد كان يؤثر الورع والاستقامة على الصوم والصلاة وقد وصف ذلك بقوله إن الرجل الصحيح الإيمان هو الذى يحارب الشر متمنطقا بحزام الزهد، لابسًا لباسه الذى يشبه لباس الأسد. ويجب على كل شخص أن يتبع ما يلهمه إياه العقل والوجدان، وهما خير هاد إلى الحقيقة. والراجح أن يكون قد تأثر فى اعتقاده بتحريم ذبح الحيوان لأكله أو تعذيبه وفى غير ذلك من الآراء المشابهة، بالفلسفة الهندية، وهو يقول إنه أصبح نباتيا فى الثلاثين من عمره، أى قبل رحيله إلى بغداد، مدفوعا فى ذلك إلى حدما بدافع الاقتصاد (مجلة الجمعية الأسيوية الملكية، سنة ١٩٠٢ م ص ٣١٩ - ٣٢٠) ولقد امتنع عن الإجابة عن هذا السؤال: على أى أساس من الإنصاف أن نصمه بالنفاق، ولو أن هناك شواهد متعددة تدل على أنه كان يعتبر نفسه حرا فى اصطناع النفاق فى أى مسألة تتصل بالدين إذا تراءى له أن يفعل ذلك. المصادر: انظر غير المصادر المذكورة فى صلب المادة: Gesch. d. arab. Liter.: Brkelmann جـ ١، ص ٢٥٥. [نيكلسون Nicholson] أبو الفتوح الرازى مفسر فارسى للقرآن الكريم، عاش بين سنتى ٤٨٠ و ٥٢٥ هـ (١٠٨٧ - ١١٣١ م) على وجه التخمين. ومن تلاميذه المتكلمان الشيعيان المشهوران: ابن شَهْراسوب، وابن

стр. 388

باكويه الذى يصفه فيقول إنه عالم وواعظ ومفسر للقرآن الكريم ورجل تقى. ويروى الشُسْترى (مجالس المؤمنين) أنه كان معاصرا للزمخشرى الذى كان يستشهد به باعتباره شيخه، وقد يعلل هذا نزوع تفسيره نزعة الاعتزال. وقد أثبت محمد القزوينى أن تفسير الرازى لا يمكن أن يرجع إلى ما قبل سنة ٥١٠ هـ (١١١٦ م). ويزعم أبو الفتوح أنه كان حفيدا للصحابى نافع بن بُدَيْل: وكتابه "روض الجنَان ورَوْح الجَنان" (طبعة طهران سنة ١٩٠٥ م فى مجلدين، وطبعة سنة ١٩٣٧ م فى مجلدين، وطبعة سنة ١٩٣٧ م فى ثلائة مجلدات) من أقدم التفاسير الشيعية التى كتبت بالفارسية إن لم يكن أقدمها. وقد صرح فى مقدمته بأنه فضل كتابته بهذه اللغة لأن من يعرفون العربية كانوا أقلية. والتفسير الذى صدره بمقدمة فى علم التفسير، يتناول النحو والبلاغة والأحكام الفقهية والشرعية والروايات الخاصة باسباب نزول الآيات، ويمكن أن نلمس فى ذلك أثر تفسير الطبرى. والنزعة الشيعية فيه أخفت من نزعة التفاسير الفارسية المتأخرة. ويقال إن أبا الفتوح كتب أيضا شرحا على "شهاب الأخبار لمحمد بن سلامة القضاعى" (انظر بروكلمان، ج ١، ص ٣٤٣). المصادر: (١) Storey قسم ١، رقم ٦. (٢) Masse H. فى Melanges W. Marcais, باريس سنة ١٩٥٠ م، ص ٢٤٣ وما بعدها. خورشيد [ماسيه H. Masse] أبو فراس الحمدانى شاعر عربى، ولد عام ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م) وهو ابن عم سيف الدولة أمير حمص المعروف برعايته للآداب. وكان أبو فراس واليًا من قبل هذا الأمير على

стр. 389

مَنْبج. وقد أمضى حياته، شأن سيف الدولة، فى المنازعات التى قامت على الحدود مع الروم فى آسيا الصغرى. وفى عام ٣٤٨ هـ (٩٥٩ م) سقط أسيرًا فى أيديهم وأخذ إلى الخَرْشَنَة على الفرات، ثم نجح فى الفرار، والمرجح أنه استطاع ذلك بعد أن قفز قفزة جريئة من محبسه. واعتقل للمرة الثانية عام ٣٥١ هـ (٩٦٢ م) وسيق إلى القسطنطينية وسجن فيها عدة أعوام. ونظم فى تلك المدة مراثى مؤثرة رثى بها أفراد أسرته، ومن بينها مرثيته المشهورة فى أمه التى ترجمها آلوارت (Ahlwardt فى- Uber poesie unt poetik, der ara ber ص ٤٤). وبعد عام من خلاصه من السجن، توفى سيف الدولة، فحاول أبو فراس أن ينصب نفسه أميرا على حمص، بيد أن الجنود التى أنفذها ابن سيف الدولة هزمته، وسقط فى ميدان القتال عام ٣٥٧ هـ (٩٦٨ م). وتمتاز أشعاره بطابع شخصيته القوى الواضح، وهى إلى حد ما يوميات عن مغامراته ولو أنها لا تختلف فى أسلوبها عن أشعار معاصريه، وإن كنا لانجد فيها ما نجد فى شعر المتنبى هو: مبالغة وإطناب. وجمع ديوانه ابن خالَوَيْه المتوفى عام ٣٧٠ هـ (٩٨٠ م). وطبع فى بيروت عام ١٨٧٣ م، كما طبع مع شروح بقلم نخلة قففَاط فى نفس هذه المدينة عام ١٩٠٠ م، وقد ترجم بعض أشعاره إلى الألمانية روكرت Ruckert في Symmikta: Lagarde ص ٢٠٦ - ٢٠٨، وانظر أيضا R. Dvorak: Der arab Dichter Abu Firas unt seine poesie فى أبحاث مؤتمر المستشرقين الدولى العاشر، ب ٣، ص ٦٩ - ٨٣ الكاتب نفسه: Abu Firas ein arab. Dichter -und Held,mit Thalabi Auswahl seiner poe zie فى text und Ubersetz ung migeteilt ليدن ١٨٩٥ م، انظر أيضا فلهوزن Gotting Gelehrt. Anzeing Wellhausen سنة ١٨٩٦ م، ص ١٧٣ - ١٧٦). المصادر: (١) الثعالبى: يتيمة الدهر، ج ٢، ص ٢٢ - ٦٢.

стр. 390

(٢) Culturgesch. des: A. Von Kremer Orients unter d. Chalifen ج ٢، ص ٣٨١ - ٣٨٦. (٣) Gesh d. arab: Brockelmann Litt ج ١، ص ٨٩. [بروكلمان Brokelmann] + أبو فراس الحمدانى: كنيته الحارث بن أبى العلاء سعيد بن حمدان التغلبى: شاعر عربى ولد سنة ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م) بالعراق فيما يرجح. وقد قتل سعيدا الذى كان شاعرا أيضا ابن أخيه ناصر الدولة حسن فى محاولة احتلال الموصل سنة ٣٢٣ هـ (٩٣٥ م). وانتقلت أم أبى فراس، وكانت أم ولد رومية، بصحبة ابنها إلى حلب بعد أن فتحها ابن عم الشاعر سيف الدولة سنة ٣٣٣ هـ (٩٤٤ م) وفيها نشَئ تحت رعاية سيف الدولة، وتزوج سيف الدولة من أخته أيضا. وفى سنة ٣٣٦ هـ (٩٤٧ - ٩٤٨ م) أقيم واليا على مَنْبج (ثم على حَرَّان من بعد) حيث أبلى البلاء الحسن، بالرغم من شبابه، فى المنازعات التى دارت مع القبائل النزارية بديار مضر وبادية الشام. وكذلك صحب كثيراً سيف الدولة فى حملاته على الروم (البوزنطيين) ووقع فى الأسر سنة ٣٤٨ هـ (٩٥١ م) ولكنه أفلح فى الفرار من محبسه فى خَرْشَنة بالقفز بجواده إلى الفرات. وفى سنة ٣٥١ هـ (٩٦٢ م) أسر مرة أخرى فى منبج أثناء حملات الروم التى كانوا يمهدون بها لحصار حلب وحمل إلى القسطنطينية وظل فيها بالرغم من توسلاته لسيف الدولة حتى تم تبادل الأسرى سنة ٣٥٥ هـ (٩٦٦ م). وهنالك أقيم واليا على حمص. وقد حاول أبو فراس بعد سنة من وفاة سيف الدولة أن ينتقض على ابن سيف الدولة وخليفته) وهو فى الوقت نفسه ابن عمه) أبى المعالى، ولكنه هزم وأسر وقتل، قتله قائد أبى المعالى، قَرْغَوَيه فى الثانى من جمادى الأولى سنة ٣٥٧ هـ (٤ أبريل سنة ٩٦٨ م). ويرجع الكثير من شهرة أبى فراس إلى صفاته الشخصية، فقد كان أنيق
следующие страницы →