← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الله: تاريخ داودى، القسم الشرقى من المتحف البريطانى، رقم ١٩٧، ورقة ١١٤ ظهر) كل أولئك كان يستخدم فى عبور الأنهار كذلك. وكانت المخازن متوفرة للجيش فى مسيرته فى نطاق الحدود من مختلف أجزاء الولايات ومن الزعماء الذين يؤدون الجزية الذين كانوا يظهرون ولاءهم بإهداء الهدايا والمؤن، ومن أصحاب الأملاك فى ظل السلطنة الذين يطلب منهم أن يمدوا الجيش بالحبوب وبوسائل النقل والقوارب، بل يحدث فى كثير من الأحيان حقًا أن يصحبوا الجيش فى مسيرته، أو يمدوه ببعض أفراد أسرهم تحقيقًا لهذا الغرض. وكذلك كانت الحبوب تحمل إلى الجيش فى مسيرته أو فى ميدان القتال، على يد تجار الحنطة (بنجاراس)، وكان هؤلاء فى كثير من الأحوال بدوًا يدفعهم إلى ذلك الحصول على ثمن طيب (ضياء الدين البرنى: تاريخ فيروز شاهى، المكتبة الهندية، سنة ١٨٦٢، ص ٣٠٤ وما بعدها). وكثيرًا ما كانت الحبوب تشترى من السكان المحليين نقدًا (كان كتوال المعسكر يتكفل بتوفير القمح بأسعار معقولة) وكان الملجأ الأخير للحصول على الحبوب هو السلب والنهب، ولكن لما كان هذا الحل يقصى السكان المحليين الذين قد يعمدون إلى الفرار فتتعرض المؤن فى هذه الحالة إلى النقصان، فإن النهب كان لا يلتجأ إليه إلا فى النادر. ومهما يكن من شئ فإن التعويض كان يؤدى من بعد عن المخازن التى تؤخذ أو الأرض أو المحصولات التى تتلف، وكان الأمين المحلى هو الذى يقدر قيمة التعويض (يعرف الأمين أيضًا بالمشرف فى العصر السورى؛ انظر عباس سروانى: تحفه أكبر شاهى، المتحف البريطانى، القسم الشرقى رقم ١٦٤، ص ٧٣ وجه). وكانت سرعة الحركة تقتضى فى بعض الأحيان أن يقل التوقف (لم يكن السير الإجبارى أمرًا مجهولا) إلا أن الجيش فى مسيرته كان يعسكر بصفة عامة فى الليل. وكان موقع المعسكر يختار بعناية إن أمكن، بحيث يتوفر فيه الماء والعليق والحطب، ويفضل فى هذه

стр. 3572

الأحوال أن يكون المكان فى حمى نهر أو تل. وكانت أسلحة القتال توضع بطبيعة الحال فى المقدمة وعلى الأجناب بما يناسب مواقعها بالترتيب فى المعركة (انظر ما يلى) فجماعة السلطان الشخصية فى قلب المعسكر ووراءها الأسلحة والأتباع الخاصون بالنقل والمعسكر. وإذا كان المعسكر فى جوار قوات العدو معرضًا للهجوم على يد سرايا المناوشة أو الدوريات، فإنه يحفر للدفاع عنه خندق أو يقام سور، وكان ذلك منذ أيام الخلجى على التحقيق (انظر البرنى: كتابه المذكور، ص ٣٠١). وقد ذكر فى الحملة التى شنها تيمور على محمود تغلق أن الأشجار قطعت لتكون متراسا فى نطاق الخندق (ملفوظات تيمورى، ترجمة Elliot, جـ ٣، ص ٤٣٧)، وأن خطوطًا من الأبقار المعقولة وضعت أمام الصف الأول من الجنود لتكون دريئة من الفيلة التى كانت تعاق أيضًا بخوازيق مثلثة تضرب فى الأرض. وقد استخدم بابر أيضًا فى معركة بانيبت المتراس ليقى جنب جيشه، وحص مقدمته بعربات ذات خوازيق (مع أن هذه الحيلة قد أشير إليها فى الهند فى القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى؛ انظر فخر الدين مبارك: آداب الملوك وكفاية المملوك، المكتبة الهندية، مخطوط رقم ٦٤٧، ورقة ٨٧ وجه، وكذلك استعملت فى المعركة التى دارت بين همايون والسلطان بهادر صاحب كجرات سنة ٩٤٢ هـ الموافقة ١٥٣٥ ميلادية عربات مدفعية استخدمها الطرفان) وحدث بعيد ذلك، فى عهد شيرشاه سور، أن الأسوار أقيمت من زكائب الرمل. وقد استخدمت هذه الوسائل الدفاعية فى المعسكر الأخير، أى فى المعسكر القائم فى ميدان المعركة، مع زيادة فى وسائل الدفاع بحسب متطلبات الحملة. وظل هذا معمولا به حتى وقت متأخر من العصر المغلى، ذلك أننا نقرأ فى خبر حملة عز الدين بن جهاندار شاه على فرخسيار سنة ١١٢٤ هـ (١٧١٢ م) أنه رمى بسور ارتفاعه حوالى مترين فى داخل خندق واسع حول معسكره وأقام فوقه مدافعه العادية ومدافع الهاون (خوافى خان: منتخب اللباب، المكتبة الهندية، سنة ١٨٦٩, جـ ٢، ص ٦٩٩).

стр. 3573

٣ - أرض المعركة: ونذكر علاوة على حاجات الجيش المعسكر (انظر ما سبق) أن أرض المعركة الفعلية تختار بعناية عظيمة: فوجود تل أو خط دفاعى طبيعى آخر فى مؤخرة الجيش أو فى أجنابه قد يريح القائد من اتخاذ تدابير واسعة النطاق للدفاع عن هذا الحى. والأرض المثلى تتميز، علاوة على هذه الدفاعات الطبيعية، بوجود سهل مترامى الأطراف فى أرض صلبه ناعمة (كانت الأرض الحجرية تتحاشى إن أمكن ذلك أنها تتلف حوافر الجياد) خالية من الغبار والرمل أو الوحل، ويشترط فيها ألا تكون قريبة كل القرب من المساكن أو بعيدة كل البعد عنها، ويكون لها مورد ماء مستقل. ويمكن أن يحمى ميدان المعركة نفسه أيضًا بالخنادق والمتاريس أو الحواجز كما هى الحال فى المعسكر. والذى حدث فى العصور المتأخرة أن مثل هذا الدفاع قد يزود أيضًا بقطع مفردة من المدفعية. والظاهر أن هذه المستلزمات كان يسعى إليها فى جميع عصور السلطان الإسلامى فى الهند. وقد أضاف تيمور إلى ذلك إضافة تقوم على التفكير وهى أن تكون الشمس فى مواجهة أرض المعركة حتى لا تزغلل أشعتها عيون الجنود. ٤ - ترتيب المعركة: إن الترتيب العام فى صف الجيش فى الميدان (طليعة وميمنة وميسرة وقلبا ومؤخرة) ظل قائمًا فى الهند الإسلامية لا يريم مع قليل من التعديل، ولكننا نجد تغييرا محيرًا فى المصطلحات منذ أيام الغزنويين. على أن تكوين مختلف العناصر لم يستتب استتبابا قط، ونجد فى أوقات مختلفة أنه قد أفسح مكان للفيلة أو المدفعية أو أكثر من هذه العناصر التقليدية. وكان السلاح الأساسى الذى تتصور فيه كل الميول هو المدفعية بلا خلاف. وكان يسير فى مقدمة الطليعة الكشافة وجنود المناوشات (طاليه، مقدمه بيش، يزكى فى العصور السلطانية؛ والـ "قراوَل" أيام تيمور وبابر؛ و"مقدمة الجيش" و"منقلة" و"طليعة" فى أيام المغل المتأخرين إلى جانب طاليه) وكتائب خفيفة دربت على استطلاع الطرق ومواقع العدو والعودة

стр. 3574

بمعلومات سريعة. وكانوا يتلقون التعليمات بألا يتحركوا جماعة حتى لا يفقدوا الصلة بعضهم ببعض، ولا يشتبكوا مع العدو حتى يهاجموا، وأن يتقهقروا فى حذر حتى لا يفسر تقهقرهم بأنه فرار فيحدثوا بذلك هزيمة عامة (آداب الملوك، الأوراق ٨٤ وجه - ٨٦ وجه). وكان من الممكن تقسيمهم إلى ميمنة وميسرة (قراول دست جب، قراول دست راست) كما فعل تيمور. وكانت الطليعة بمعنى الكلمة تسمى "مقدمه" فى عهد سلاطين دلهى، و"هراول" فى عهد تيمور وعصر المغل. وكان الهراول عند تيمور له طليعته "هراول هراول"، أما حملته الرئيسية فكانت تسمى "هراول بزر كك". وقد أضاف بابر فى معركة "بانيبت" إلى هذا طليعته احتياطية "طرق هراول". وكان الجناحان (جِناح وبالعربية جَناح) فى أيام السلطنة يسميان "ميسرة" وميمنة، وكل جناح يقسم إلى ميسرة وميمنة. وكان الجناحان الأيمن والأيسر فى عهد تيمور يسميان "برنغر" و"جرنغر" مع إمكان التقسيم إلى فروع أخرى، مثال ذلك بالنسبة للجناح الأيمن "هراول برنغر" (طليعة الجناح الأيمن) و"جباول برنغر" (أى طليعة القسم الأيسر من الجناح الأيمن) و"شقاول برنغر" (أى القسم الأيمن من الجناح الأيمن)، وكان من الممكن أن يقسم أيضًا إلى هراول جباول برنغر" (أى طليعة القسم الأيمن من الجناح الأيمن)، وهكذا بالنسبة للجناح الأيسر. وقد جرى جيش بابر على نفس الطريقة تقريبًا فاستعمل مصطلحين هما "يمين برنغر" و"يسار برنغر" بالنسبة للجانبين الأيمن والأيسر من الجناح الأيمن (ومصطلحين مقابلين أيضًا للجناح الأيسر). وكان لكل جناح علاوة على ذلك جماعتان جانبيتان (تُلْغُمَه وتُلْقُمَه) من الفرسان الخفاف ليطوقا جنب العدو وينالا من مؤخرته. وكان لكل جناح أيضًا احتياطيه (طَرْح). وكان الوسط يسمى فى أيام السلطنة "قلبا" بقسميه: "دست جب قلب" و"دست راست قلب" ويطلقان على اليمين واليسار على التتابع. وكان يتبعهما المؤخرة (سُقَة أو خلف). وفى عهد تيمور كان يطلق على القلب "قول" أو "غول" وعلى المؤخرة "عُقُب". وكان

стр. 3575

بابر يستعمل مصطلحات تشبه ذلك وإن كان المغول المتأخرون قد ارتدوا أحيانًا إلى المصطلحات القديمة، واستعملوا علاوة على ذلك: "جنداول" أو "جَغْدُل" علمًا على المؤخرة. وقد استعمل المصطلح "إلَتْمَش" فى أخبار حملات أكبر للدلالة على الوحدات التى كانت تصطف بين الطليعة والقلب، ولكنها كانت تقوم أحيانًا فيما يظهر على جانبى القلب بعيدة عن مؤخرة الجناح الأيمن والجناح الأيسر، أو أمامهما. وكان عملها فى مثل هذه الأحوال يشبه بلا شك عمل التلغمة. وكان القلب فى جميع الأحوال هو المكان الذى يتخذ فيه الحاكم أو نائبه موقفه بصحبة "العلماء" والأطباء والمنجمون وغيرهم، والحرس الخاص، وكان هذا هو الموقف المألوف للفيلة أو - على الأقل - موقف فيلة المحافل بلا ريب، التى تحمل الأعلام والـ "جتره" والفيلة التى تحمل جوقات الموسيقيين. وكانت الزوجات أو الأولاد الأثيرون يصحبون فى الكثير القائد السلطانى فى "هودج" (هوده) فيله، ولو أن أورنكزيب أنكر هذه السنة، معلنا أن الأشخاص الذين لا لزوم لهم حول القائد يعوقون القيادة الفعالة كما يعوقون النظام. وسلسلة القيادة كانت تنتقل من القائد إلى جميع فروع الجيش عن طريق الملازمين (طواجى، يساول، سزاول) الذين كانوا أيضًا مسؤولين عن الاصطفاف السليم فى المعركة وعن نظامها. وكانت الأوامر يمكن أن ترسل بإشارات الأعلام، وقرع الطبول أو النفخ فى الأبواق، كما كانت ترسل عن طريق الرسل. وكان تكوين الأقسام الأخرى للجيش يختلف كثيرًا خلال العصر الإسلامى، اللهم إلا المؤخرة - فيما يحتمل - التى كانت فى جميع الأحوال تشمل المطابخ، والأسلحة، والأردية، والخزانة والدواب الاحتياطية، وأسرى الحرب، والجرحى وكتيبة قتال لحماية القلب من هجوم يأتيه من الخلف. أما بقية الأقسام، فإن ثمة مبادئ عامة قليلة يمكن أن نعددها فى هذا المقام: فقد كان فى عصر السلطنة ثلاثة طرائق للصف: المشاة، والفرسان أو الفيلة، ويمكن أن تكوّن الخط الأمامى بحسب مقتضيات الموقف. وحين كان

стр. 3576

المشاة هم الذين يقودون كانت أربعة صفوف منهم بحسب عُدّتهم التى تختلف بعض الخلاف فى كل خط، تصف تاركة فراغًا واسعًا بين الصفوف حتى يستطيع الفرسان من خلفهم أن يراقبوا الموقف فيهجموا أو يتقهقروا خلال هذه الصفوف. وكان يحتفظ بقوة من الفرسان المتحركة على الجناح الأيمن، وجماعة من النبّالة على الجناح الأيسر. وكان جنود المنجنيقات والعرّادات يقامون على يمين القلب، وكان النبالة وقاذفو النفط يقامون على ميسرة القلب. وهذه الاتجاهات التقليدية لم تكن فى الواقع تعوق الموقف فى المعركة، ذلك أنه كان ثمة أيضًا ترتيب تقليدى منظم فى استخدام هذه القوات الاحتياطية (انظر ما يلى تحت عنوان الاستراتيجية والتكتيك). أما إذا كان الفرسان هم الذين يقودون فإن صفهم الأمامى كان يصنف على نحو الطريقة التى وصفناها آنفا بالنسبة للصف الأمامى للمشاة، فالمشاة فى هذا التشكيل يكونون الصف الثانى، وكما هى الحال أيضا بالنسبة لقيام المشاة بالقيادة، فإن الفيلة توضع فى الأغلب الأعم فى القلب، ولو أن الدواب الممتازة قد تنشر لدعم جانب الجيش. وكان الترتيب الثالث المحتمل هو حين تقود الفيلة يليها مباشرة الفرسان كما حدث فى المعركة التى خاضها غياث الدين تغلق ضد المغتصب خسروخان نامه، حيدر آباد سنة ١٣٥٢ هـ = ١٩٣٣ م، ص ٩٢ - ٩٣)، أو حين وضع الفيلة فى مقدمة كل جناح كما حدث فى معاركة الخلجى ضد المغول فى كيلى سنة ٦٩٩ هـ (١٢٩٩ م). على أن الموضع المألوف للفيلة كان فى القلب لحماية السلطان. وكانت تسلح بصفائح الحديد وتحمل هوادج على هيئة أبراج صغيرة يجلس فيها النبّالة وقاذفو النفط والعاملين فى آلات القذائف، وهى حيلة هندية اصطنعها المسلمون ترجع إلى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد (انظر Sarva Daman Singh: Ancient Indian War- ... fare، ليدن سنة ١٩٦٥، ص ٨٢ وما بعدها) ودامت بلا شك حتى أيام المغل (انظر Travels: Barbosa ترجمة وطبعة Dames . M.L، جمعية هاكلويت، لندن سنة ١٩١٨، جـ ١، ص ١١٨).

стр. 3577

وأقل من ذلك يسرًا أن نحدد طريقة صف الجنود فى عصر المغل. وقد زاد شأن المدفعية باطراد، وكانت فى كثير من الأحيان تحتل الصف الأول من الطليعة وتحملها عربات ثقيلة ربطت أو سلسلت معًا، حتى يمكن أن تكون أيضًا دريئة لهجوم مفاجئ من العدو. وبين العربات كانت سلال الطوابى والستر الصغيرة دريئة لدعم جنود إشعال المدافع، وكانت القطع الخفيفة من المدافع الكثيرة تلى ذلك: مدافع زنبركية (زنبورك، شترنال) محمولة على الجمال، ومدافع صغيرة (كنجال، هتهنال) فى هوادج الفيلة ويأتى بعد ذلك الفرسان. وكان فى الطليعة مدفعية الهاون (ديكنداز) وحملة القنابل (رعد نداز) وحملة الصواريخ (تخشنداز). ويمكن أن تقام المدفعية أيضًا فى الصف الأول من الجناحين والقلب، مع وجود الفيلة كذلك أمام كل فريق من الجنود. ويصعب أيضًا أن نحدد فى معظم الفترات حجم الفروع المختلفة لقوات الميدان، ولكننا نجد فى خبر مغلى عن قوهّ من الفرسان من ٤٠,٠٠٠ فارس أن الطليعة بلغت ٨٠٠٠ فارس، والقلب ١٢,٠٠٠ فارس والجناحين اللذين بينهما ١١,٠٠٠ والاحتياطى ٤٠٠٠، والمؤخرة ٤,٥٠٠ فارس. فإذا قلنا مثلا أن أربعين فيلا كانت ميسرة فى حملة بعينها فإننا نجد أن سبعة منها قد وقعت فى الطليعة، وخمسة عشر أمام القلب، وستة أمام كل قسم من قسم الاحتياطى، واثنين أمام كل جناح واثنين فى المؤخرة. وكانت قوة الميدان تحت إمرة الحاكم أو نائبه (وهو أمير يجرى فى عروقه الدم الملكى، أو الوزير، أو نبيل آخر من المقربين) الذى يتولى قيادة القلب أيضًا بوصفه "سر لشكر". وفى جيش سلطنة دلهى، كان يقود المقدمة "المُقدَّم" أو"سر فوج ميسرة" و"سر جندر ميمنة". أما كتيبة فرسان الحاكم الخاصة فى الميسرة والميمنة والقلب (خاصة خيل) فكان يقودها "سر جندر" ويكون قسماها تحت إمرة "سر جندر ميسر "سر جندر ميمنة" (يحيى بن أحمد: تاريخ مباركشاهى، المكتبة الهندية، سنة ١٩٣١, ص ٦٢). وهؤلاء الضباط يكون معظمهم متولين

стр. 3578

قيادة الفرسان؛ أما الأسماء التى تطلق على قواد المشاة فغير محققة، ولو أن الأسماء "سهم الحشم" و"نائب سهم الحشم" و"شملة الحشم" كانت كلها فيما يظهر خاصة بالمشاة (يحيى بن أحمد: المصدر المذكور؛ البرنى: المصدر المذكور، ص ٣٠). وكانت الجياد تحت إمرة "آخور بك" والفيلة تحت إمرة "شحنه بيل"، والجمال تحت إمرة "شحنه نفر" (البرنى: المصدر المذكور، ص ٢٤) على حين كانت الأسلحة تحت إمرة "سر سلاحدار". على أن المصطلحات المغلية كانت أقل من ذلك جمودًا، كما أن قواد القوة كانوا فى كثير من الأحوال ينادون بوظائفهم فى مؤسسة الجيش الثابت بتنظيمها العشرى، وفى عهد أكبر ندب "المنصبدارية" لتولى مختلف القيادات، وكان قسم راجبوتى فى جيشه المتعدد الأجناس يقود منصبدار راجبوتى، والقسم الأفغانى يقوده منصبدار أفغانى وهكذا ... وكانت الجياد تحت إمرة "أخته بكى" والمدفعية وغيرها من الأسلحة النارية تحت إمرة "مير آتش" وكانت الأسلحة الأخرى والأعلام تحت إمرة "داروغة قورخارنه". - الاستراتيجية والتكتيك: لا يشمل البيان الآتى التكتيك المتبع فى الحصار، . وقبل أن تبدأ المعركة يتم تقدير الموقف بمعرفة الحاكم أى الـ "سر لشكر"، والقواد ذوى الخبرة الطويلة، وموظفى "ديوان عرض"، ويخطط للحملة فى عناية. ومجلس الحرب هذا وكان أمرا مألوفًا فى عصر السلطنة (انظر مثلا أمير خسرو: تغلق نامه ص ٤٨, ٨٤؛ عصامى: فتوح السلطان، طبعة مهدى حسين، آكرا سنة ١٩٣٨, ص ٢٥٤)، كما كان ذا شأن كذلك فى نظر تيمور (توزك، ص ٥) والمغل (انظر نظام الدين أحمد: طبقات أكبرى، المكتبة الهندية، سنة ١٩٣٥، جـ ٢٣ ص ٢٥ وما بعدها؛ أبو الفضل علامى: أكبر نامه، المكتبة الهندية، سنة ١٨٨٦، جـ ٢، ص ٤٨، ٤٨٢). وكان إلقاء الحاكم أو القائد العام خطبة حماسية فى مرؤوسيه سمة من سمات هذه المؤسسة (انجمن)، وقد توسع فى هذا حتى أصبح دعوة مباشرة للجندية على يد شيرشاه وأكبر

стр. 3579

والمغل المتأخرين، توجه عادة عشية المعركة أو فى أثنائها فى بعض الظروف. وكانت المعارك تبدأ فى العادة صباحًا وقد تمتد إلى دخول الليل، ولو أن المدافعين كانوا يحاولون إرجاء الاشتباك أطول ما يستطيعون حتى يتمكنوا من الانسحاب فى ظلمة الليل حين ينهزمون. وكانت بداية المعركة تتميز بقرع الطبول والنفخ فى النفير على يد الجاووشية، ثم يبدأ الاشتباك مقترنا بصيحات الحرب. وكانت كلمات العبور السرية أيضًا مستعملة لإثبات الشخصية فى حالة الالتحام يدًا ليد. وكان النمط السائر فى الهجوم أيام السلطنة، أن المعركة يقدم عليها أولا الطليعة (البرنى: كتابه المذكور، ص ٢٦٠) ويتبع ذلك تحرك الجناح الأيمن؛ وهنالك يتقدم القلب، ثم يتلوه الجناح الأيسر. وقد كان فى الإمكان إنفاذ قوة لإثارة الذعر بين الأعداء، بالاعتماد أولا على سيل منهمر من السهام ينطلق من الفرسان والمشاة ومن هوادج الفيلة؛ وكان ذلك يشمل سهامًا مسمومة وحارقة. وكذلك كانت المنجنيقات المحمولة فى الهوادج تستعمل لإلقاء أحجار كبيرة وأوعية النفط على العدو. وكان يلجأ أيضًا إلى هجوم مبكر تقوم به الفيلة لإثارة الذعر فى صفوف العدو، ثم تشتبك فى القتال بعد ذلك الأسلحة الأخرى. وكان الهدف الأكبر دائمًا هو قلب العدو حيث يقف قائد الجنود. فإذا أصيبت الطليعة أو الجناح بنكسة أمكن إمدادها أو إمداده بالاحتياطى فى ذلك حتى لا يشعر العدو بأن جناحًا يُمدّ بجنود من القلب فيخرج من ذلك بنتيجة هى أن القلب قد انكسر أيضًا. وقد تجلت بصيرة تيمور الحادة فى المناورات الحربية فى بيان طويل مفصّل عن أصول الاشتباك الميدانى فى مختلف المواقف، وقد ورد هذا البيان فى كتاب "توزك" (طبعة بومباى، ص ١٩١ - ٢٠٧) وهو ينوه بالحاجة إلى التقدير المستمر للموقف أثناء المعركة. ويدعو تيمور إلى تأجيل الهجوم حتى يبدأ العدو عدوانه، وهنالك تتحرك الطليعة أولا فى ما بين ٩٠٠٠ و ١٢,٠٠٠ جندى تتلوها طليعة الميمنة

стр. 3580

لتشد أزرها تتلوها عن كثب طليعة الميسرة، فإذًا لم يكف هذا الإجراء اقتضى الأمر تحرك الفرقة الأولى للميمنة تتبعها الفرقة الثانية من الميسرة، ثم الفرقة الثانية من الميمنة، ثم الفرقة الأولى من الميسرة، فإذا لم يكتب الظفر لأى هجوم من هجمات هذه الوحدات، فإن العمل المطلوب حينئذ يأتى فيما نحسب من القلب وينتظر ذلك أمرًا يصدره تيمور. وهناك أمر أكثر تفصيلا يصدر بالهجوم إلى قوات ميدانية تتراوح بين ١٢,٠٠٠ جندى و ٤٠,٠٠٠ جندى. وقد أفاد خلفاء تيمور من المدخل العلمى لفن الحرب الذى سار عليه تيمور، وقد تدعمت مبادئه بصفة عامة، ولو أن نمط المعارك كان قد تغير تغيرًا كبيرًا بعد استحداث المدفعية. ومن ثم نجد أنه فى وقعة خَنُوا قرب آكرا التى حدثت سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م) أن المعركة قد بدأت بإطلاق نيران البنادق الصغيرة ذات الزناد والمدافع اليدوية من ميمنة جيش بابر الذى كان تحت إمرة مصطفى رومى، ثم تلا ذلك إطلاق نيران مدافع القلب الثقيلة تحت إمرة مير آتش أستاذ على قلى، وقد فتحت هذه المدافع نيرانها على فيلة العدو المغطاة بالزرد. فلما استمرت معركة المدفعية أمر بابر بهجوم قوات الجنب (تلغمه) وتقدمت المدفعية الثقيلة مكتنفة المدفعية الخفيفة المتقدمة (بابر نامه، طبعة بيفردج، ص ٥٦٨ - ٥٦٩). على أن المدفعية الثقيلة لم تستطع التحرك قدمًا بعد أن تجاوز الفرسان الخنادق، ذلك أنه فى حالة التقهقر فإن إنقاذ المدافع لا يمكن أن يتم إلا بصعوبة بالغة، وكل ما يمكن أن يحدث فى هذه الحالة هو أن تُبرْشم وتترك. وفى عهد أكبر يسرت حركة المدافع أكثر بحملها على عربة مدفع فردية بدلا مما جرت عليه الحال من قبل بتشغيلها من العربات تجرها الثيران وتدفعها فيلة إلى موضعها فى كثير من الأحيان من الخلف. وهذه الزيادة فى الحركة نراها على سبيل المثال فى وقعة دهرمت بالقرب من أجَّيْن سنة ١٠٦٨ هـ (١٦٥٨ م) التى دارت بين أورنكزيب ومهاراجا جَسْوَنْت سنغ، وقد بدأت هذه

стр. 3581

المعركة على النمط المألوف من إطلاق النيران الطويلة المدى من الصواريخ والمدافع. ومع ذلك فقد استطاع الراجبوت، بالرغم من الخسائر التى منوا بها على يد مدافع أورنكزيب المتقدمة، أن يمضوا بعرباتهم ويحملوا على هذه المدفعية ويخسروها إلى حين، ولكن جنود المدفعية حاولوا أن يستردوا جأشهم وأقاموا مدافعهم على نشز من الأرض كان أقل عرضة للهجوم واستطاعوا بذلك أن يقذفوا قلب العدو بالمدافع فى يسر. على أن سياج نيران المدفعية يمكن أن يوقف، كما حدث فى معركة سامو كره التى وقعت فى وقت متأخر من هذا العام حين خدع داراشكوه بصمت المدافع الثقيلة لأورنكزيب وشن هجومًا فى غير أوانه، فاستطاعت بذلك مدفعية أورنكزيب الثقيلة أن ترد فأحدثت فى قوات خصمه خسائر فادحة. وقد ظل الفرسان بعدُ سلاحًا رئيسيًا حتى بعد استحداث تحسين كبير فى الأسلحة الصغيرة والمدفعية فى القرن الحادى عشر الهجرى الموافق السابع عشر الميلادى، وكان دخول هذا التحسين على يد الجنود المرتزقة الأوربيين. وكان الذى يحدث أن تبدأ النيران بتوهين صلابة العدو ثم يهجم الفرسان ويقترن هجومهم بقذف السهام ثم ينتهى الأمر إلى الاشتباك والاقتتال بالسيوف (وكانت السيوف السلاح الأثير عند فرسان المغل) أو الرماح (وهى السلاح الأساسى عند فرسان الراجبوت). والظاهر أن الفرسان لم يستخدموا الأسلحة النارية يطلقونها من على ظهر جيادهم حتى فعل ذلك الجنود الدرّانية فى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى الموافق الثامن عشر الميلادى. وكان الفرسان الهنود، وخاصة الراجبوت، يترجلون عن جيادهم فى كثير من الأحيان إذا استحرت المعركة ويربطون أنفسهم بعضًا لبعض بذيول قمصانهم ويقاتلون حتى الموت بالرماح، والهراوات، والبلط، والخناجر. وكان أشد القتال ضراوة يحدث حول فيل القائد المنافس، وكان هذا القائد يرى أن من العار أن يتقهقر إذا

стр. 3582

جرحته السهام. وقد جرت الحال بأن هلاك القائد أو اختفاؤه معناه فقدان المعركة وفشل الحملة. ولذلك فإن معركة سامو كره، التى ذكرناها وشيكا، قد فقد داراشكوه هذا اليوم بعد أن أصابت قذيفة فيله فترجل وامتطى صهوة جواد، ذلك أن جنود رأوا الهودج خاليا وظنوا أن قائدهم قد خر صريعًا. وتبينت الأهمية التى كان يعلقها الطرفان المتحاربان على هلاك القائد قبل ذلك فى الزمن فى إطفاء فتنة كشلوخان على يد محمد بن تغلق سنة ٧٢٨ هـ (١٣٢٨ م)، ذلك أن محمدًا أقام من يدعى الشيخ عماد الدين، الذى كان يشبهه شخصيًا، فى قلب جيشه تحت المظلة السلطانية، وقبع هو فى الكمين فى ٤٠٠٠ فارس، وهجم المتمردون على القلب وقتلوا الشيخ، وبذلك استوثقوا من ظفرهم فتفرقوا يبغون السلب والنهب فى معسكر أعدائهم، وهنالك ظهر محمد وأنزل الهزيمة بقوات كشلو المطمئنة. وهذه الحركات الحربية كانت تناسب بصفة خاصة سهول شمالى الهند، وقد وجدت القوات الشمالية (حكام سلطنة دلهى وأباطرة المغل على السواء) صعوبة فى ابتداع حركات حربية أخرى تصلح لبطائح البنغال أو حلوق جبال الدكن المشققة. وقد جعل المراطها بقيادة شواجى وخلفائه حرب العصابات فنًا جميلا، واستخدموا هذه الحرب فى عدة مناسبات لمناوشة جيوش المغل وسلطنات الدكن. وقد قدر مالك عنبر الصفات التى اتصفت بها حرب المراطها، ومالك عنبر هذا هو الذى نظم فرقة من جنود العصابات لسلطنة النظام شاهى. ومضى وقت طويل قبل أن يدرك الحكام المسلمون فى الهند إمكانيات الحرب البحرية، ولو أن السفن الحربية كانت على وجه التحقيق تكلف بحراسة قوافل الحجيج التى تسافر بالبحر. على أن هؤلاء الحكام، بعد غزو المغل كجرات وساحل كُنْكَن، بدءوا يدركون إمكانيات التعاون بين القوات البرية والبحرية، كما حدث فى بعض المعارك التى دارت على طول هذه السواحل، وانتهى الأمر بإقامة أمراء بحر جنجيرة أمراء بحر للأسطول المغلى.

стр. 3583

(٧) الحيل والمكائد وكان من الحيل المصطنعة لخداع العدو بالنسبة لقوة الجيش المهاجم إيهامه بوصول مدد جديد: فترسل كتائب من الجيش تحت ستار الليل تعود فى الصباح، وتقرع الطبول وتنشر الأعلام كأنما هى جيش جديد يقترب. وهكذا قيل إن محمد بن تغلق أنفذ ١٠٠٠ مقاتل للقاء قوة لا تتعدى مائة جندى تلحق بجيشه. وكان التظاهر بالفرار يحقق ميزة فى كثير من الأحيان، كما حدث فى معركة فيروز شاه تغلق مع شمس الدين إلياس شاه البنغالى سنة ٧٥٤ هـ (١٣٥٣ م) قرب لكهنوتى، ذلك أن القوات البنغالية ظنت أن فيروز تقهقر تقهقرًا عامًا، فبرزت من معقلها لتطارده. ومن ثم لقيت هزيمة منكرة (عفيف: كتابه المذكور، ص ١١٤) على أن هذه الحيلة حيلة مألوفة، ومن ثم وقعت أخطاء فى اصطناعها. فقد حدث فى وقعة تُكرَوئى سنة ٩٨٢ هـ (١٥٧٤ م) أن حمل داود طليعة أكبر على الفرار بما فيها إلتمش والقلب، ولكنه لم يطاردها ظانًا أن الفرار كان خدعة، فكرّت عليه ميمنة الجيش المغلى بشدة وفقد داود هذا اليوم. وكان هذا التظاهر بالفرار فى كثير من الأحيان هو المناسبة التى تصطنع للكمين تعده فصيلة من الجيش تسحب إلى مكان يختار بعناية فى جوار المؤخرة: ومع ذلك فالكمين قد يعد لأغراض أخرى، ولغارات السلب تشن على العدو أو على خط مواصلاته، أو للموقف على أهبة الاستعداد فى حالة ما إذا احتاج الأمر إمداد أية نقطة من نقط الجيش. على أن الجيوش المغلية كانت تحتقر مثل هذا النمط من الحرب ولا تلجأ إليه. وكذلك كان المغل يحتقرون الهجوم الليلى (شب خون) ولم يمارس هذا النوع من الحرب فى حماسة كبيرة حتى فى أيام السلطنة، وقد نعته أبو الفضل قائلا إنه "صنعة الجبناء ويحتقره الأبطال" (أكبر نامة، جـ ٣، ص ٥١): على أنه استعمل فى كثير من الأحيان ضد الجيوش الإسلامية التى نبه عليها بأن تتهيأ له. ووصف كتاب

стр. 3584

"آداب الحرب" تقسيم المعسكر إلى أربع جماعات لهذا الغرض: المشاة وقد سلحوا تسليحًا جيدًا ويقومون بحراسة جميع المنافذ، وتظل الميمنة والميسرة على قدم الاستعداد فى مواقعها الصحيحة مع إطفاء الأنوار أو جعلها مضاءة فى أماكن متفرقة لتضليل الغزاة، على حين تترك جماعة رابعة المعسكر لتحرس مشارفه وتستكشفها. وقد يعمد المهاجمون إلى سد الطريق إلى المعسكر، أو يصرخون عن عمد دليلا على ان قائدًا قد أسر أو قتل لإشاعة اليأس بين المعسكرين. وكان الجواسيس بلا ريب لا يعدون جزءًا من الجيش فى الميدان وإن كانوا لا غنى عنهم للقواد، وقد تأتى المعلومات اللازمة منهم للقيام بهجوم ليلى. ولكن معلوماتهم كانت موضع التقدير فى جميع مراحل الحملة. المصادر: علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة. (١) Conduct of strat-: S. Sabahuddin Muslim egy and tactics of war during the rule in India فى Islamnic Culture. جـ ٢٠، سنة ١٩٤٦، ص ١٥٤، ١٦٤، ٢٩١ - ٢٩٦، ٣٤٥ - ٣٥٢؛ جـ ٢١، سنة ١٩٤٧، ص ٧ - ١٥، ١٢٣ - ١٢٤، وهو تناول موسع للموضوع مع الرجوع الدائب إلى الحملات والاستشهاد بها، وجل الأخبار التاريخية الهندية تزودنا بأوصاف للمعارك مفصلة. وعن هذا انظر مصادر المواد المتعلقة بالدول الهندية الكبرى وخاصة سلطنة دلهى والمغل. (٢) Storey، ص ٩٢ - ١٥٧، ٤٣٣ - ٧٨٠. (٣) وانظر عن العصر المغلى بصفة خاصة: The Army of the Indi-: W. Irvine an Mugals. لندن سنة ١٩٠٣ والمصادر المستشهد بها فيه. (٤) The mansabdari: Abdul Aziz system and the Mughal Army, لاهور سنة ١٩٤٦. (٥) وهناك بعض المعلومات المفيدة عن عصر السلطنة كما أن ثمة معلومات عن جيش السلطنة وإدارته فى- Qu J.H.

стр. 3585

The Administration of the Sulta-: reshi nate of Delhi، لاهور سنة ١٩٤٢ (كاراتشى، الطبعة الرابعة سنة ١٩٥٨، فصل ٧ عن الجيش). مصادر مخطوطة: (١) محمد بن منصور قريشى المعروف بفخر مدبّر: آداب الحرب والشجاعة، المتحف البريطانى، فهرس CPM: Rieu، ص ٤٨٧ - ٤٨٨. (٢) وثمة نسخة أخرى منه عرفت باسم "آداب الملوك وكفاية المملوك"، مكتبة وزارة الهند، فهرس Ethe، رقم ٢٧٦٧. (٣) خير الله: دستور جهان كشا، جامعة إدنبرة. (٤) سيد أمين الدين: كلّيات الرامى، كلكتة، مكتبة بهار، مخطوط رقم ٢٧٤. (٥) سيد مير علوى: هداية الرامى، المتحف البريطانى، فهرس CPM: Rieu, رقم ٧٩٧. (٦) كاتب مجهول: رسالة تير أندازى، الجمعية الأسيوية للبنغال، مخطوط إيفانوف رقم ١٦١٠. (٧) كاتب مجهول: ضابطه أمثال راه رفتن سواريكاتب، الجمعية الأسيوية للبنغال، إيفانوف رقم ١٦٤٥. (٨) حكم نامه: الجمعية الأسيوية للبنغال، مخطوط إيفانوف رقم ١٦٤٨. (٩) زين العابدين: فتح المجاهدين، الجمعية الأسيوية للبنغال، مخطوط إيفانوف رقم ١٦٥٠. (١٠) كاتب مجهول: تمهيد البصارة، الجمعية الأسيوية للبنغال، مخطوط كيرزون رقم ٦٥٢. (١١) أحمد بن محمد: براهين الصوارم، الجمعية الأسيوية للبنغال، مخطوط كيرزون رقم ٦٣٤ (١٢) وانظر أيضًا مصادر مادة "لشكر". خورشيد [رضوى وبيج - S.A.A. Rizvi Burton Page W.]

стр. 3586

الحر بن عبد الرحمن الثقفى عامل الأندلس، ويقال انه ظل فى منصبه ما يقرب من ثلاثة أعوام (٩٨ - ١٠٠ هـ = ٧١٧ - ٧١٩ م). وقد أدخل خلال تلك المدة كثيرًا من النواحى تحت الحكم الأندلسى كما ذهب بفتوحه عبر جبال البرانس، على أن الإخباريين من العرب لم يذكروا مع ذلك إلا القليل عن حكمه، وكذلك لم يفضل النصارى (. Chron. Pac) القول عنه، وهم يطلقون عليه اسم alahor أو alahort ويتضح من إشارتهم أن النصارى كانت تخشى بأسه كما كان يمقته نفر من مواطنيه لابتزازه الأموال، لذلك صرفه الخليفة عمر الثانى عن منصبه. المصادر: (١) البيان المغرب طبعة Dozy، ص ٢٤ وما بعدها. (٢) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٥، ص ٣٧٣. (٣) الضَبِّى طبعة Codera et Rivera رقم ٦٨٨. (٤) Estudio sobre la: E. Saavedra invasion de los arabes en Espana ص ١٨٣. (٥) Der Islam: Mueller جـ ١، ص ٤٣١. الشنتناوى [هيئة التحرير] + الحر بن عبد الرحمن الثقفى: ابن أخى موسى ابن نصير وابن عم ابنه عبد العزيز؛ أقيم واليًا على الأندلس على يد ولى القيروان العربى محمد بن يزيد سنة ٩٧ هـ (٧١٦ م). وقد وصل الحرّ إلى شبه الجزيرة فى أربعمائة من أشراف إفريقية كان من بينهم أوائل الرجال البارزين الذين دخلوا الأندلس وكان من الإجراءات الأولى التى اتخذها الحر نقل قصبة حكمه إلى قرطبة، فقد رأى أن موقع إشبيلية أصبح بعد نائيًا جدًا بالنسبة لاتساع الفتوح التى تمت فى البلاد. وكان المترجم له قيسيا ومن ثم عدوا لليمنية، فأقام صورة من صور الحكم حافلة بالصلف مليئة بالرغبة فى الخلاف حيال الأسبان والرومان الذين خضعوا للغزو. ولما كان يمارس مع هؤلاء سياسة تخالف كل المخالفة

стр. 3587

سياسة عبد العزيز ابن نصير فإنه يبدو لنا أن العلماء القيروانيين الذين جاءوا معه إلى البلاد بدأوا مهمة غير محمودة وهى إعادة توزيع الأراضى والمال المصادر الخاص بالمخضعين بالغزو. وقد يحق لنا أن نقول بأنه حدث أثناء حكمه الذى استمر حتى رمضان سنة ١٠٠ هـ (مارس - أبريل سنة ٧١٩ م) أن بدأت حركة إعادة الغزو على يد الأسبان بإعلان بلايو وحادث حصار كوفا دونكا، ولو أن من المستحيل علينا بعد، لعدم وجود الوثائق الوثيقة، أن نحدد على وجه الدقة تاريخ ذلك؛ وقد صرف الخليفة عمر بن عبد العزيز الحر عن منصبه، وأقام بدله السمح بن مالك وناط به شخصيًا مهمة إقامة العدل والترفق فى الحكم وفرض الخمس على الأراضى المفتوحة. المصادر: (١) Cronolo-: Lafuente y Alcantara gia de los gobernadores de Espania، وهو ذيل بطبعته لكتاب أخبار مجموعة، ص ٢٢ - ٢٤٢. (٢) El nombramiento de los: S. Vila walie de Al'andalus , جـ ٤، سنة ١٩٣٩، ص ٢١٥ - ٢٢٠. (٣) Il califato di His-: F. Gabrieli ham studi di storia omayyade فى. Mem de la Soc. Royale d'Archeologie d'Alexandrie، جـ ٧/ ٢، سنة ١٩٣٥, ص ١٠٤ - ١٠٩. (٤) Mu-sul: Levi Provencal . Esp . Hist.، جـ ١، ص ٣٩، ٨٣. (٥) وانظر أيضًا Historia: Simonet de los Mozaerabes ص ١٤٣ - ٢٣٦ وفى مواضع مختلفة. (٦) Mozarabes: I. de las Cajigas, ص ٧٩ - ١٠٢. خورشيد [هويثى ميراندا - A. Huici Mie rands] الحر بن يزيد بن ناجية بن كَعْنب بن عتَاب بن الحارث بن عمر بن همّام الرياحى اليربوعى التميمي: قدم على رأس جنود من ألف فارس من القادسية

стр. 3588

طليعة للقوات التى أنفذها عبيد الله بن زياد والى العراق لقتال الحسين بن على بن أبى طالب. وكان الحسين يتقدم فى ذلك الوقت فى جماعة من أقربائه وأتباعه متجهًا إلى الكوفة. وقد أمر الحر بأن يتبع عن كثب جماعة الحسين ليحمله إلى عبيد الله فى الكوفة. على أنه لم يؤمر بالقتال. ومن ثم ظل قريبًا كل القرب من معسكر الحسين ومنعه من أن ينقلب راجعًا إلى المدينة، ولكنه وافق على أن يتابع الحسين سيره فى اتجاه غير اتجاه الكوفة. ولم تكن العلاقات بين الحر والحسين عدائية فى بادئ الأمر، وقد أنكر فى الوقت نفسه أن له أية معرفة بالرسائل التى بعث بها أهل الكوفة إلى الحسين. واستمسك الحرّ كل الاستمساك بأمر جديد تلقاه من عبيد الله (٢ من المحرم سنة ٦١ م = ٢ أكتوبر سنة ٦٨٠ هـ) فمنع الحسين وأتباعه من بلوغ مكان مستقر مجبرًا إياهم على إقامة معسكرهم فى منطقة قاحلة بكربلاء. وأنفذ عبيدُ الله عمرَ بن سعد بن أبى وقاص فى قوات إلى الحسين، وأبى عمر أن يوافق على مقترحات الحسين وقرر مقاتلته، وهنالك استقر عزم الحر على الانضمام إلى الحسين، ولو أنه كان يعلم أن موقف الحسين ميئوس منه. وقد أبدى الحر أسفه ومضى فى جماعة صغيرة من أتباعه إلى الحسين وقال له الحسين إن الله سوف يغفر له. وحارب الحرّ آخر الأمر فى ١٠ محرم سنة ٦١ هـ (١٠ أكتوبر سنة ٦٨٠ م). والرواية الخاصة بندم الحر وجرأته فى ذلك القتال الذى جرى وميتته البطولية أصبحت جزءا من قصة استشهاد الحسين. المصادر: (١) ابن الكلبى: الجمهرة، مخطوط بالمتحف البريطانى، ورقة رقم ٧١ ب. (٢) البلاذرى: أنساب الأشراف، مخطوط، الأوراق ٢٤١ ب، ٢٤٢ أ - ب، ٢٤٥ أ - ب, ٢٤٦ أ، ٢٥١ أ. (٣) المسعودى: مروج الذهب، القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ، جـ ٣، ص ١٠. (٤) أبو الفرج الإصفهانى: مقاتل الطالبيين، طبعة أحمد صقر، القاهرة سنة ١٩٤٩, ص ١١٠ - ١١١. (٥) الدينورى: الأخبار الطوال،

стр. 3589

طبعة عبد المنعم عامر وجمال الدين الشيالي القاهرة سنة ١٩٦٠، ص ٢٤٩ - ٢٥٢ - ٢٥٦. (٦) ابن كثير: البداية، جـ ٨، ص ١٧٠، ١٧٢ - ١٧٤، ١٧٩، ١٨٠، ١٨٢ - ١٨٣. (٧) ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، طبعة ليفى بروفنسال، القاهرة سنة ١٩٤٨، ص ٢١٥. (٨) ابن الأثير، جـ ٤، ص ٣٨ - ٤١، ٤٣، ٥١، ٥٤ - ٥٥، ٥٧. (٩) ابن حجر: الإصابة فى معرفة الصحابة، القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ، جـ ٢، ص ١٦. (١٠) الشيخ المفيد: الإرشاد، النجف سنة ١٩٦٣، ص ٢٢٤ - ٢٢٧، ٢٣٥ - ٢٣٧. (١١) الطبرسى: إعلام الورى، طبعة سنة ١٣١٢ هـ، ص ١٣٧ - ١٣٨، ١٤٣ - ١٤٥. (١٢) ابن شهراشوب: مناقب آل أبى طالب، النجف، سنة ١٩٥٦، ٢٤٦، ٢٤٩. (١٣) المحاسبى: بحار الأنوار، طهران سنة ١٣٨٥ هـ، جـ ٤٤ ص ٣٧٥ - ٣٨٠؛ جـ ٤٥، ص ١٣ - ١٥. (١٤) عبد الله بن محمد الشبراوى: إتحاف بحبى الأشراف، القاهرة سنة ١٣١٦ هـ، ص ٤٥ - ٤٧، ٦١. (١٥) الصبان: إسعاف الراغبين (على هامش نور الأبصار) ص ١٨٨. (١٦) الشبلنجى: نور الأبصار فى مناقب آل بيت النبى المختار، القاهرة سنة ١٣٤٥ هـ؛ ص ١٢٩، ١٣٠. (١٧) الإسفرايينى: نور العين فى مشهد الحسين، سنة ١٢٨٠ هـ، ص ٣٤ - ٣٥، ٣٨. (١٨) محسن الأمين الحسينى العاملى: أعيان الشيعة، دمشق سنة ١٩٤٥، جـ ٢٠، ص ٣٦٩ - ٣٨٦. (١٩) The Caliphate, its rise: Muir and fall طبعة Weir، سنة ١٩٢٤، ص ٣٠٨. (٢٠) Die relegioes-: J. Wellhausen politischer Opposition-sparteien برلين سنة ١٩٠١، ص ٦٥ - ٦٦ (ترجمة إلى العربية عبد الرحمن بدوى، القاهرة سنة ١٩٥٨، ص ١٧٠ - ١٧٢ - ١٧٥). (٢١) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسى، القاهرة سنة ١٩٣٥، جـ ١، ص ٤١٩. خورشيد [كستر M.J. Kister]

стр. 3590

حرية مصدر من حرّ، وهو ضد عبد، وفى العبرية "حور" وفى الآرامية: "حير (حروتا) "ويستعمل أيضًا استعمالا واسعًا فى اللغات الإسلامية غير العربية. ولفظ "حرّ" قد عرف من قبل فى الجاهلية ليس فقط مصطلحًا شرعيًا يدل على ضد العبد بل مصطلحًا أخلاقيًا أيضًا يدل على أولئك النبلاء فى خلقهم وسلوكهم، وظل التصور الشرعى للحرية مستعملا باعتباره أمرًا واقعا على يد الفقهاء المسلمين الذين جنحوا إلى تفضيل افتراض قيام الحرية بالنسبة للأفراد فى الحالات المشكوك فيها ولكنهم فى غير ذلك يسلمون بقيام العبودية والحرمان من الحرية بالنسبة لفريق من الناس دون أن يناقشوا، صراحة على الأقل، الأسس الأخلاقية لذلك. وبالمعنى الأخلاقى يظهر تفوق الحر فى مسلكه النبيل وكرمه واستعداده للشقاء فى سبيل قضية نبيلة، وهذا موضع الثناء فى الشعر والنثر. والكتب التى نقلت من اليونانية إلى العربية عرّفت المسلمين ببعض الأقوال التى تصور تفكير اليونان فى مسألة الحرية، كما أنها فى الوقت نفسه قد ساعدت على تدعيم المساواة بين "الحر" و"النبيل" وأضافت شيئًا من الخلط من عندها باستعمال كلمة "حرية" للدلالة على لفظ "الوثريوتيس" اليونانى بمعنى "الكرم" فى القانون الأخلاقى عند أرسطو .. زد على ذلك أن كتابات الفلاسفة مثل الفارابى وابن رشد اتخذت بعض المدلول المحدد للحرية بمعناها السياسى. وأصبحت الحرية فى النظر الإسلامى الميتافيزيقى تتخذ موقفًا أكثر دلالة من خلال الصوفية. فقد ظهرت معلمًا من معالم الهداية فى السلوك الصوفى بكتاب اللمع للسراج وفى رسالة سلفه القشيرى. وقد اكتسبت على يد "الرسالة" بصفة خاصة مكانًا ثابتا فى كتب الصوفية، وهى اعتراف بالعلاقة الجوهرية بين اللَّه السيد وعبيده من البشر الذين يعتمدون كل الاعتماد عليه، أو هى كما قال ابن عربى "العبودية المطلقة" (الإعلام بإشارات أهل الإلهام، حيدر آباد سنة ١٣٦٢ هـ، ص ٨). على أن المرء يسمع أيضًا بوجود أناس

стр. 3591

يدافعون عن ضرورة "الحرية المطلقة" (Die Streitschrift des Ghazali: O. Pretzl . Ibahiya SBBayer, Ak gegen die سنة ١٩٣٣، النص ص ٢٧، الترجمة ص ٥١). الحرية: وهى وإن كانت قد نوقشت كثيرًا فإنها لم تبلغ حالة الفكرة السياسية الأساسية بحيث نستطيع أن نتخذها صيحة تحدًّ فى سبيل الغايات العظام. وهذه المناقشة الكثيرة هى دون سواها التى نستطيع أن نذكرها فى يقين. أما فيما وراء هذا فإن أى تقويم للموقف الذى كان سائدًا فى الإسلام أيام القرون الوسطى بالنسبة للحرية بالمعنى الذى يستعمل فيه المصطلح بصفة عامة أو قل من غير ضابط فى الغرب المعاصر - يعتمد على النظرة الخاصة التى ينظر بها المرء إلى الحرية وعلى التعريف الذى يختاره لفكرة الحرية. ومن الواضح أن الموقف الفعلى يختلف اختلافا كبيرًا على المدى الواسع للتاريخ الإسلامى، ولكن ثمة خطوطًا أساسية يمكن أن تقال فى تحديد الصورة العامة: فالمسلم الفرد ينتظر منه أن ينظر إلى خضوع حريته الخاصة للعقائد والأخلاق والعادات الخاصة بالجماعة نظرته إلى الطريق السليم الوحيد للسلوك. وعلى حين كان المسلم يقدر حريته الشخصية ويعتز بها فإنه لا ينتظر منه أن يرى فيها منفعة يدافع عنها بالنفس والنفيس حيال مطالب الجماعة. ولم يكن ينتظر من الشخص من الناحية السياسية، أن يمارس أية حرية فى الاختيار من حيث رغبته فى الطريقة التى يحكم بها. وكان يحدث فى بعض الأحيان أنه يؤكد حقه بأن ينظر له أصحاب السلطان نظرة الند وأن يعاملوه على قدم المساواة. وفى بعض الظروف كان ثمة مشاركة بعيدة المدى للمجتمع فى الحكم (مثال ذلك ما حدث فى صدر الإسلام أو بين بعض أتباع الفرق) أو قل على الأقل أنه كان ثمة قدر معين من التوزيع الواسع للسلطة السياسية بين الأهلين (مثل ذلك الذى ربما حدث فى بعض دول المدن مثل إشبيلية). على أن السلطة الحكومية بصفة عامة لم تكن تسمح بأية مشاركة للأفراد فيها بصفتهم

стр. 3592

الشخصية ومن ثم كانوا لا يملكون حيالها أية حرية حقيقية. أما على المستوى الميتافيزيقى فإن مسألة مقدار الحرية الممنوحة للبشر حيال اللَّه القادر على كل شئ ظلت تشغل عقول المسلمين منذ الإسلام ومع ذلك فأيما كانت الرخصة فى ذلك فإنها لم تكن تعطى فى صورة أى نوع من الحرية الشخصية وإنما كانت تعطى لضمان قيام مجتمع أحسن تنظيمًا. زد على دلك أن الحل الأشعرى للغز الاختيار الذى اتسع انتشاره كان أدق وألطف من أن تعيه الجماهير وعلى أى حال فإن هذا الحل فشل فى أن يجعلهم يعون أهمية عنصر الحرية الإنسانية التى ينطوى عليها. المصادر: (١) The Muslim con-: F. Rosenthal cept of freedom، ليدن سنة ١٩٦٠. (٢) أما عن الكتب الإسلامية الحديثة التى تعنى أيضًا بعض العناية بالأساس التاريخى للحرية فانظر مصادر المادة التالية. خورشيد [روزنتال. F. Rosenthal] - العصر الحديث: الإمبراطورية العثمانية وما بعدها: ترجع الشواهد الأولى على استعمال كلمة حرية بمعنى سياسى محدد تحديدًا واضحًا إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادى فى تركية. ولم تكن الكلمة التى استعملت للدلالة عليها هى كلمة "حرية" بل كلمة "سربستييت"؛ (ثم سربستى من بعد أيضًا) وهما مصدران عربيان وفارسيان منتحلان من "سربست"؛ وسربستييت اصطلاح تركى مقرر يدل على عدم وجود حدود أو قيود (ومن ثم كان معنى "سربست تيمار" الإقطاع الذى تعود كل موارده إلى المقطع تمييزًا له عن الإقطاع المألوف الذى يحتفظ فيه ببعض موارده لتؤدي إلى بيت المال الإمبراطورى؛ وقد دلت كلمة "سربستييت" فى أول ظهور لها معروف فى الوثائق الرسمية بمعنى الحرية الجماعية أكثر من دلالتها على الحرية الفردية، أى بمعنى الاستقلال أكثر من معنى الحرية بمدلولها القديم الليبرالى. وهذا ماثل فى المادة الثالثة من معاهدة كوجوك قينارجه المعقودة سنة ١٧٧٤ م التى قررت الاستقلال

стр. 3593

القصير العمر لتتر القريم عن تركية وروسيا. فقد اتفقت هاتان الدولتان على الاعتراف بالتتر "متحررين من أية دولة أجنبية ومستقلين عنها تمام الاستقلال"؛ وقد عدّ السلطان رئيسهم الدينى "ولكن دون مساس بحريتهم السياسية والمدنية المقررة". وصيغ الكلمات كما وردت فى الأصل الإيطالى للمعاهدة للدلالة على هاتين العبارتين هي: Liberi, immediati, ed "independenti" assolutamente da "qualunque straniera potenza" و senza pero mettere in" copromesso la stalitita loro politica e "civile, وقد نقلت العبارتان إلى التركية كما يأتى "سربستييت وغير تعلق مستقل وجوهله أجنبى بر دولته تابع أولمه ماق أوزره .. وعهد أولونان سربستييت دولت ومملكتلرينه خلل كتيرمى يرك" (النص التركى فى جودت: تاريخ، جـ ١، ص ٣٥٨ - ٣٥٩؛ مجموعة معاهدات، جـ ٣، ص ٢٥٤، النص الإيطالى فى G.F. de Martens ... Recueil des traites ٤، كوتنكن سنة ١٧٩٥، ص ٦١٠ - ٦١٢). وقد أكسبت الثورة الفرنسية كلمة "سربستييت" معنى جديدًا. واستعملها موره لى السيد على أفندى السفير العثمانى فى باريس فى عهد حكومة الديركتوار فى كتابه "سفارتنامه"، ترجمة لكلمة liberte وخاصة فيما يتعلق بالشعارات والتشريعات (انظر على سبيل المثال تاريخ عثمانى أنجمنى مجموعه سى، رقم ٢٣ [سنة ١٣٢٩ هـ]، ١٤٥٨، ١٤٦٠ وانظر عن عرض "شعارات" الحرية على يد الفرنسيين فى تركية جودت: تاريخ، الطبعة الثانية، جـ ٦، ص ١٨٢ - ١٨٣). أما "رئيس الكتاب" عاطف أفندى فقد أبدى فى مذكرته التى كتبها سنة ١٧٩٨ م عن الموقف السياسى الناشئ من نشاط فرنسا الثورية تفهمًا أوضح للمضمون السياسى الجديد للكلمة، وللخطر الذى تمثله حيال النظام القائم فى الإمبراطورية العثمانية وفى غيرها. وهو يتحدث فى وصفه التمهيدى للثورة كيف أغرى الثوريون عامة الناس (عوام ناس) باتباعهم باذلين لهم الوعود بالمساواة والحرية (مساوات وسربستييت) وهما الوسيلتان إلى

стр. 3594

الحصول على السعادة الكاملة فى هذه الدنيا. وقد روعه، بصفة أخص، ما فعله الفرنسيون فى ممتلكات البندقية السابقة التى استولوا عليها وهى الجزائر الأيونية والمدن الأربع القائمة على البر الأصلى. ذلك أن الفرنسيين برجوعهم إلى صور الحكم عند اليونان القدماء وإقامة صورة من الحرية (سربستييت) قد أفصحوا بجلاء عن نواياهم العدوانية (جودت تاريخ، الطبعة الثانية، جـ ٦، ص ٣٩٥، ٤٠٠؛ وانظر B. Lewis فى J.Wld-Hist, جـ ١، سنة ١٩٥٣، ص ١٢٠ وما بعدها [نسخة منقحة فى. G.S. Mertaux & F The New Asia: Croizet,eds نيويورك - لندن سنة ١٩٦٥، ص ٤٧ وما بعدها] و Slavonic Review، جـ ٣٤، سنة ١٩٥٥، ص ٢٣٤ - ٢٣٥). وقبل نهاية السنة كان الفرنسيون قد نزلوا فى بر مصر، وهنالك خاطب الجنرال بونابرت عند وصوله المصريين باسم الجمهورية الفرنسية التى "قامت على أساس الحرية والتسوية" وهما كلمتان وردتا فى الجبرتى (مظهر التقديس، القاهرة، من غير تاريخ، جـ ١، ص ٣٧؛ وانظر نقولا الترك: مذكرات، طبعة غاستون فيت، القاهرة سنة ١٩٥٠، ص ٨؛ والنص يظهر أيضًا فى الجبرتى: عجائب الآثار، جـ ٣، القاهرة سنة ١٨٧٩, ص ٤؛ وانظر حيدر الشهابى: لبنان إلخ .. ) وقد استعمل فى ذلك كلمة حرية التى كانت لا تزال أبعد من أن تكون مرادفًا مقبولا بصفة عامة للمصطلح الأوربى بمعناه السياسى. ويترجم روفى Ruphy فى قائمته بالكلمات الفرنسية والعربية التى نشرت ١٨٠٢ كلمة Liberte بكلمة حرية، ولكنه وضع قيدًا على ذلك فقصر المعنى على أنه يدل على "ضد العبودية" وهو يفضل كلمة "سراح" للدلالة على "القدرة على الفعل" Dictionnaire abrege: J.F. Ruphy francais - arabe باريس سنة ١٨٠٢، ص ١٢٠). وقد ترجم هانجرى الفنارى فى وقت متأخر يرجع إلى سنة ١٨٤١ العبارتين Liberte civile"" و " Liberte politique" بالعبارتين العربيتين: "رخصة شرعية" و"رخصة ملكية" Dictionnaire francais arabe - persan et

стр. 3595

turc جـ ٢، موسكو سنة ١٨٤٠ - ١٨٤١، ص ٣٩٧ مع شروح وشواهد). والإشارات القديمة إلى الحرية فى كتب المؤلفين المسلمين إشارات فيها عداء، وهم يجعلونها مرادفة للخلاعة والفجور والفوضى. على أن ثمة تغيرًا له مغزاه طرأ على الكلمة، ويمكن أن نراه فى فقرة من تاريخ شانى زاده المتوفى سنة ١٨٢٦ م فى حوادث عام ١٢٣٠ هـ (١٨١٥ م) وهو يناقش طبيعة مجالس الشورى (كيفيت مجالس مشورت) التى شاعت فى تلك الأيام. وقد حرص شانيزاده على أن يجعل أساس عقد مثل هذه المشاورات معتمدًا على السوابق الإسلامية والسنة العثمانية القديمة، وهو يحذر من إساءة استعمال هذه المجالس، ويبين فى الوقت نفسه أن المجالس التى من هذا القبيل تعقد على ما جرى به العرف محققة نتائج مفيدة فى "بعض الدول ذات النظام الحسن" (دول منتظمه) وفى قوله هذا تلطف بارز فى الإشارة إلى دول أوربا - وينسب إلى الأعضاء الذين يحضرون هذه المجالس صفة تمثيلية جديدة كل الجدة على الفكر السياسى الإسلامى. وكان أعضاء المجالس طائفتين: موظفين فى الدولة وممثلين للرعايا (وكلا رعيت)؛ وهم يتناقشون ويدلون بحججهم فى حرية (بروجه سربستييت)، وبذلك يصلون إلى قرارات (شانى زاده: تاريخ، جـ ٤، إستانبول سنة ١٢٩١ هـ، ص ٢ - ٣؛ انظر B. Lewis فى Bulletin of the School of Oriental and African Studies، جـ ٢٩، سنة ١٩٦٦, ص ٣٨٥ - ٣٨٦). وفى العقود التالية من السنين أصبحت فكرة الحرية السياسية أكثر إلفًا لدى الناس بفضل مناقشة الشئون الأوربية وترجمة الكتب الأوربية (مثل الترجمة التركية لكتاب Storia d': Botta Italia القاهرة سنة ١٢٤٩ هـ = ١٨٣٤ م، وأعيد نشرها فى استانبول سنة ١٢٩٣ هـ = ١٨٧٦ م، وهذه الترجمة حافلة بالإشارات إلى المبادئ والنظم الليبرالية). وكذلك نوقشت هذه الفكرة وتوسع فيها على يد عدة كتاب من المسلمين الذين تأثروا على الأخص بذلك المذهب الدستورى المائل إلى

стр. 3596

المحافظة فى العصر التالى لعصر نابليون، وبفكرة الدولة التى تقوم على حكم القانون وتباين الحكم المطلق الذى لا عنان له المأثور عن نابليون وحكم الثورة الخالى من القيود. ومن أهم هؤلاء الكتاب الشيخ المصرى رفاعه رافع الطهطاوى الذى عاش فى باريس (من سنة ١٨٢٦ إلى سنة ١٨٣١ م) وقد نشر وصفه لما رأى وعلم أول ما نشر فى بولاق بالعربية سنة ١٨٣٤ م وبالتركية سنة ١٨٣٩ م وقد اشتمل هذا الوصف على ترجمة وتعليق على الدستور الفرنسى ووصف للمؤسسات البرلمانية التى كان الغرض منها أن تحقق قيام حكومة فى ظل القانون وحماية الرعايا من الطغيان وما يسميه الفرنسيون "الحرية" هو عين ما يسميه المسلمون "العدل والإنصاف" أى تحقيق المساواة أمام القانون والحكم بمقتضى القانون وتجنب الحاكم القيام بأفعال تحكمية غير قانونية ضد الرعية (تخليص الإبريز فى تلخيص باريز، طبعة مهدى علام وأحمد بدوى وأنور لوقا، القاهرة من غير تاريخ [١٩٥٨؟ ] ص ١٤٨). وساعدت مساواة الشيخ رفاعة الحرية بالتصور الإسلامى المأثور عن العدل على ربط التصورات الجديدة بالتصورات القديمة وكيّف رفاعة كتاباته السياسية بسلسلة المواعظ الإسلامية الطويلة الموجهة إلى السلطان ليحكم بحكمة وعدل مع الاحترام الواجب للشرع والرعاية الواجبة لصالح رعاياه وخيرهم. أما الجديد والغريب على الأفكار السياسية التقليدية فكان اقتراح أن الرعية لها "الحق" فى أن تعامل بالعدل، وأنه لا بد من قيام جهاز لضمان هذا الحق، وقد تبين الشيخ رفاعة وشرح فى إدراك عجيب مهام البرلمان المختلفة والمحاكم والصحافة فى حماية الرعايا من الطغيان، أو قل إنه بين أثرها فى تمكين الرعايا من حماية أنفسهم: على أن الأمر البعيد عن الوضوح هو مدى إحساسه بارتباط هذه الأفكار والنظم بحاجات بلاده، ففى كتاباته المتأخرة لا نجد إلا إشارات قليلة لوجود أى ارتباط من هذا القبيل، بل إن امتداحه الخديوى إسماعيل لإقامته مجلسا للمشورة سنة ١٨٦٦ م يفصح عن عناية تقليدية بواجبات الحاكم (العدل والمشورة) أكثر

стр. 3597

مما يفصح عن عناية ليبرالية بحقوق المحكومين، وفى كتابه "المرشد الأمين" (القاهرة سنة ١٨٦٢، ص ١٢٧ وما بعدها) يصف الحرية تحت خمسة عناوين فرعية، العنوانان الأخيران منها أحدهما "مدنى" والآخر "سياسى". وقد وصف الاثنين مرتبطين بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والشرعية دون أن يشير إشارة خاصة إلى "حقوق سياسية" بالمعنى الليبرالى، أما الثلاثة العناوين الأولى فهى الطبيعة والاجتماعية (أى حرية السلوك) والدينية، والحرية السياسية هى أن تكفل الدولة للفرد التمتع بماله وممارسة حريته الطبيعية (أى القدرة الأساسية الفطرية لجميع المخلوقات على الأكل والشرب والحركة .. محدودة بحاجة المخلوق إلى تحاشى أن يلحق الضرر بنفسه وبالآخرين، أنظر L, Zolondeck: political freedom Al-Tahtawi and فى مجلة Muslim World, جـ ٥٤، سنة ١٩٦٤، ص ٩٠ - ٩٧). أما معاصر الشيخ رفاعة التركى صادق رفعت باشا فإنه كان غامضًا فى أفكاره النظرية عن الحرية، إلا أنه أكثر من رفاعة تحديدًا فى تطبيق الحرية المباشرة ببلاده، ففى مقال له سوّده أول الأمر حين كان السفير العثمانى فى فينا (وكان على اتصال وثيق بمترنيخ) ناقش صادق الفروق الجوهرية بين تركية وأوربا والوجوه التى تستطيع تركية أن تسعى فيها للإفادة من تقليد أوربا، وقد تأثر صادق تأثرًا عميقا بثراء أوربا وصناعتها وعلمها ورأى فيها أنها خير الوسائل لإحياء تركية وهو يشرح كلامه قائلا إن تقدم أوربا وازدهارها كان ثمرة لبعض الظروف السياسية وللإستقرار والطمأنينة، وهذه الظروف تعتمد بدورها على "الحصول على الأمان المطلق على الحياة والمال، وتحقيق شرف كل أمة وكل شعب وكذلك سمعته وسمعتها، أى أنها تعتمد على التطبيق السليم لحقوق "الحرية الواجبة" (حقوق لازمه حريت)، وكانت الحرية فى نظر صادق، كما هى فى نظر رفاعة، هى امتداد للفكرة الإسلامية المأثورة عن العدل، وهى التزام من الحاكم بتحرى العدل فى أفعاله والتزام الشرع، ولكن هذه الفكرة أيضًا تقوم

стр. 3598

على "حقوق الأمة" (حقوق ملّت)، وإقامة هذه الحقوق فى تركية مسألة "من ألزم اللوازم" (النص فى صادق رفعت باشا: منتخبات آثار، إستانبول: أوربانك أحوالنه دائر .. رسالة ص ٤، وأنظر للكاتب نفسه: إداره حكومتنك بعض قواعد أساسية سينى متضمن ... رسالة، فى مواضع مختلفة، وثمة رواية أخرى للنص فى عبد الرحمن مشرف: تاريخ محاسبه لرى، إستانبول سنة ١٣٤٠ هـ، ص ١٢٥)، وثمة أفكار مشابهة لذلك عبر عنها كاتب تركى آخر هو مصطفى سامى، وكان سكرتيرًا سابقًا للسفارة العثمانية فى باريس، ذلك أنه يتحدث بإعجاب فى مقال له نشر سنة ١٨٤٠ م عن الحريات السياسية والدينية بين الفرنسيين، وقد وجدت مثل هذه الأفكار تعبيرا رسميا لها فى المراسيم الإصلاحية الأولى الكبرى مثل فرمان قاعة الورد (كلخانه) الصادر سنة ١٨٣٩ م، وهو يعترف ويحاول أن يقرر حقوق الرعايا فى الأمان على حياتهم وشرفهم وأملاكهم وأن تستظل الحكومة بالقانون، وثمة إشارتان خاصتان إلى الحرية فى المادة التى تكفل "أن يتصرف كل فرد فى ماله بكامل حريته (سربستييت). وفى المادة التى تتعلق بالمجالس والتى تكفل لكل من يحضرها "أن يعبر عن آرائه وملاحظاته بحرية "سربستجه" وبلا تردد" (النص فى دستور السلسلة الأولى، جـ ١، ص ٤ - ٧، وبالكتابة الحديثة فى أ، شرف كوز بويوك و. س. كيلى: تورك أناياسه متينلرى، أنقرة سنة ١٩٥٧، ص ٣ - ٥، الترجمة الإنكليزية فى Hurewitz جـ ١، ص ١١٣ - ١١٦) وهذه الأفكار عن الحرية لم تزل تلزم جانب الحرص الشديد والمحافظة، وليس للمرء أن ينتظر أكثر من الشيخ رفاعة، وهو الخادم الأمين لحكام مصر، أو من صادق رفعت تلميذ مترنيخ ومعاون رشيد باشا صحيح أن الرعايا يجب أن تعاملهم الحكومة معاملة عادلة وقد كان لهم فى الواقع الحق فى أن يعاملوا معاملة عادلة، وأن القوانين يجب أن تسن لضمان هذه المعاملة إلا أنه لم تكن هناك بعد أية فكرة بأن للرعايا أى حق فى أن يشاركوا فى تكوين الحكومة أو توجيهها - أى الحق

стр. 3599

فى الحرية السياسية أو المواطنية بالمعنى الذى ينطوى عليه تطور الفكر السياسى الليبرالى فى الغرب. وعلى حين كان المصلحون المحافظون يتحدثون عن الحرية فى ظل القانون كما أن بعض ملوك المسلمين قد جربوا المجالس والمجمعيات فإن الحكومات قد أخذت فى الواقع تزداد تحكمًا وعدوانًا بدلا من أن تقلل تحكمها وعدوانها. ذلك أن صبغ الحكومات بالصبغة الحديثة والقضاء على القوى المتوسطة قد دعم على الفور أوتوقراطية الدولة وأزال أو أوهن القيود التقليدية على الحكومة، وكلما أمعنت الحكومة فى تحكمها أثارت نقدًا أكثر تطرفًا. وكذلك أتاحت الصحافة المنشأة حديثًا والتى انتشرت بسرعة أداة للنقد، وأمدت أوربا القرن التاسع عشر الميلادى ذلك باتساع فى أفق التأثير والقدوة. وذهب البعض إلى أن بعض الحركات اللبنانية التى وقعت ما بين (سنتى ١٨٢٠، ١٨٢١ م)، وسنة ١٨٤٠ م قد تكون ثمرة لإيحاء أو تأثير من المثل الفرنسية الثورية للتحرر القومى والحرية السياسية. والوثائق التى تستند إليها هذه الفروض (فيليب وفريد خازن: مجموعات المحررات السياسية، والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان، جـ ١، جونية سنة ١٩١٠، ص ١ وما بعدها) قليلة غير وثيقة، وقد تعكس نشاط المهيجين الفرنسيين أكثر من تعبيرها عن أية حركة محلية أصيلة - وثمة تعبير أكثر تحديدًا عن الأفكار التحررية يرد فى وصف لثورة موارنة كسروان سنة (١٨٥٨ - ١٨٥٩ م)، تلك الثورة التى قادها طنيوس شاهين ويقول إنه كان يهدف إلى قيام حكومة جمهورية، ولعله كان يرمى إلى قيام صورة من الحكومة تمثيلية (أنطون العقيقى، طبعة يوسف إبراهيم يزبك: ثورة وفتنة فى لبنان، دمشق سنة ١٩٣٨؛ الترجمة الإنكليزية بقلم Lebanon in the last years: M.H. Kerr feudalism of، بيروت سنة ١٩٥٩، ص ٥٣؛ وانظر أيضًا The: P.K.Hitti Impact of the West on Syria and Lebanon in the nineteenth century فى J. Wld Hist، جـ ٢، سنة ١٩٥٥، ص ٦٢٩ - ٦٣٠).

стр. 3600

ثم إن تضخم التأثير الغربى فى أثناء حرب القريم وبعدها والضغوط الداخلية السياسية والاقتصادية قد ساعدت على وقوع إحياء للأفكار والأنشطة التحررية فى العقد السادس من القرن التاسع عشر الميلادى ففى تركية أبرز شناسى أهمية حرية التعبير فى مقالاته الافتتاحية فى مجلة "ترجمان أحوال" (العدد ١، سنة ١٢٧٧ هـ = ١٨٦٠ م) ومجلة "تصوير أفكار" (العدد ١، ١٥ يونيه سنة ١٢٧٨ هـ = ١٨٦٢ م). وفى سورية كتب الكاتب المسيحى فرانسيس فتح اللَّه المرَّاش حوارًا رمزيا (غابة الحق، بيروت سنة ١٨٦٦، وأعيد طبعه فى القاهرة سنة ١٢٩٨ هـ = ١٨٨٠ - ١٨٨١ م) تضمن مناقشة فلسفية سياسية للحرية والظروف اللازمة لتدعيمها. وأكثر دخولا فى السياسة فى مضمونه كتاب كاتب مسلم هو خير الدين باشا المشهور الذى كان من واضعى القانون الدستورى التونسى لسنة ١٨٦١ م ("أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك"، تونس سنة ١٢٨٤ - ١٢٨٥ هـ = ١٨٦٧ - ١٨٦٨ م؛ الترجمة الفرنسية necessaires Reformes musulmans aux etats، باريس سنة ١٨٦٨ م؛ النسخة التركية، إستانبول سنة ١٢٩٦ هـ = ١٨٧٩ م). وفى هذا البرنامج الإصلاحى الجانح إلى المحافظة درس خير الدين منابع الثورة والسلطة فى أوربا، ووجد أن هذه المنابع تكمن فى النظم السياسية فيها، تلك النظم التى تحقق العدل والحرية. وقد جعل خير الدين العدل والحرية صنوين لا يفترقان، وأدلى ببعض التوصيات الحذرة أو قل الغامضة عن كيفية تحقيقهما فى الدول الإسلامية دون الخروج أو الابتعاد عن التقاليد والنظم الإسلامية، وذلك بالاعتماد على المشورة، ذلك أن مشورة العلماء والأعيان هى المرادف الإسلامى الموثوق به للنظام الأوربى الخاص بالحكومة التمثيلية والدستورية. ويجوز لنا أن نلاحظ فى هذا الصدد أن خير الدين فى رياسته للوزراء فى بلاد تونس فى السنوات (١٨٧٣ - ١٨٧٧) م, وفى توليه منصب الصدر الأعظم فى تركية فى سنة (١٨٧٨ - ١٨٧٩) م، لم يفعل شيئًا لإعادة الدستورين اللذين كانا قد أوقفا فى البلدين جميعًا.

стр. 3601

وقد حدث من قبل سنة ١٨٥٦ م، أن خاطب شناسى فى قصيدة قالها فى رشيد باشا المصلح بمناسبة قانون الإصلاح الذى صدر فى نفس هذا العام "لقد جعلتنا أحرارا (آزاد) بعد أن كنا أسرى الظلم" ثم مضى يقول "إن قانونك هو وثيقة عتق للناس (عتق نامه) وقد بين قانونك للسلطان حدوده". والمعانى الأصيلة التى تنطوى عليها هذه الكلمات (إحلال الحرية محل العدل بوصفها ضد الاستبداد، والإيحاء بوضع قيد دستورى على سلطات السلطان) قد تطورت واتضحت فى العقدين السادس والسابع من القرن التاسع عشر الميلادى بفضل تلك الطائفة من الوطنيين الأحرار الذين عرفوا بالعثمانيين الجدد (يكى عثمانليلر). والآراء السياسية لهؤلاء العثمانيين الجدد، وإن كانت قد صيغت فى صيغ إسلامية وبذل جهد ظاهر فى إرجاعها إلى التقاليد الإسلامية، أصولها أوربية، وهى تفصح عن اقتباس عثمانى إسلامى للوطنية التحررية التى كانت شائعة فى أوربا لذلك الوقت. وكان المثال الذى يتطلع إليه هؤلاء العثمانيون الجدد هو البرلمان الإنكليزى فى وستمنستر، وقد استقوا مثلهم من التعاليم الحرة لحركة التنوير الفرنسية والثورة الفرنسية كما صاغوا تنظيمهم وتحركاتهم على منوال الجمعيات السرية الوطنية فى إيطاليا وبولنده. وكان مفتاح كتاباتهم السياسية كلمتين هما "وطن" و"حرية" (حريت)، وكانت الحرية هى اسم المجلة الأسبوعية التى أصدروها فى المنفى (لندن، يونية سنة ١٨٦٨ م - أبريل سنة ١٨٧٠ م؛ جنيف، أبريل - يونية سنة ١٨٧٠ م). وفى هذه المجلة وفى غيرها من كتاباتهم راح المثاليون لهؤلاء العثمانيين الجدد، وأولهم نامق كمال يعبرون عن تفسيرهم للحرية أى سيادة الشعب التى تكفلها الحكومة الدستورية التمثيلية (انظر على سبيل المثال المقال الذى نقله عن (حريت" ونشره. M Colombe باللغة الفرنسية فى Orient، عدد ١٣، سنة ١٩٦٠، ص ١٢٣ - ١٣٣). وكان الواجب الأول للحكومة، فى نظر كمال والكتاب المسلمين المتقدمين، هو بعدُ الحكم بالعدل، ولكن العدل لا يعنى فحسب العناية بخير

стр. 3602

الرعايا بل احترام الحقوق السياسية أيضًا. ويجب أن تؤمن هذه الحقوق بإقامة المؤسسات المناسبة: "وهناك تدبيران أساسيان لسير الحكومة فى حدود العدل، أولهما أن القواعد الأساسية التى تعمل بمقتضاها يجب ألا تكون بعد مضمرة أو مفهومة ضمنيا بل يجب أن تعلن على الملأ .. والمبدأ الثانى هو المشورة التى تجعل السلطة التشريعية مستقلة عن الحكومة" (نامق كمال: حقوق عموميه فى عبرت، عدد ١٨، سنة ١٨٧٢؛ وأعيد طبع هذا المقال فى أبو ضيا توفيق: نمونه أدبيات عثمانيه، إستانبول سنة ١٣٠٦ هـ، ص ٣٥٧ - ٣٥٨، وبالكتابة التركية الجديدة فى مصطفى. ن. أوزون: نامق كمال وعبرت غازته سى، إستانبول سنة ١٩٣٨، ص ٩٦ - ٩٧؛ الترجمة الإنكليزية فى Emergence: Lewis، ص ١٤٠). وقد حاول نامق كمال، شأن أسلافه، أن يعرض هذه الأفكار المستوردة على اعتبار أنها تصورات طبيعية للأفكار الإسلامية التقليدية. وبهذه الطريقة تنمو العدالة فتصبح حرية ومشورة فتمثيلا للأمة. وإلى هذا المدى كان نامق كمال وزملاؤه قد سبقهم كتاب مطالع القرن التاسع عشر الميلادى، بل الحكام إلى حد ما الذين دعوا المجالس وأصدروا المراسيم على أن العثمانيين الجدد قد ذهبوا فى أفكارهم وأفعالهم إلى أبعد من أسلافهم الحذرين بكثير ذلك أن كمال كان يرى أن مجلس المشورة، حتى إذا كان منتخبًا، لا يكفى. وجوهر المسألة أن هذا المجلس هو المالك الوحيد للسلطة التشريعية التى تحرم بمقتضاه الحكومة منها. وهذا المذهب فى فصل السلطات الذى يعبر عنه ويعزز بدستور مكتوب، يدعم بفكرة أساسية أكبر هى فكرة سيادة الشعب التى يجعلها نامق كمال هى "البيعة" التقليدية: "وسيادة الشعب (حاكميت أهالى) التى تعنى أن سلطات الحكومة تستمد من الشعب ... حق ينشأ بالضرورة من الاستقلال الشخصى (استقلال ذاتى) الذى ينعم به كل شخص بالفطرة" (نامق كمال: حقوق عموميه، الموضع المذكور). ولم يخدع كمال بالوجوه الظاهرية التحريرية والدستورية للتنظيمات ذلك أن قانون الإصلاح لسنة ١٨٣٩ م لم يكن، كما

стр. 3603

زعم البعض، وثيقة دستورية أساسية (شرط نامه أساسى) بل كان إجراءً إداريًا لصبغ البلاد بالصبغة الغربية "ولو كان الأمر العالى فى الأحكام القانونية العامة التى وردت فى ديباجته لم يقتصر على الحرية الشخصية دون سواها، وهى الحرية التى فسرت بأنها تأمين الناس على حياتهم ومالهم وشرفهم، وأعلن علاوة على ذلك مبادئ أساسية أخرى كحرية الفكر، وسيادة الشعب، واعتماد الجهاز الحكومى على المشورة (أى حكومة تمثيلية مسؤولة) لا تخذ بذلك، وبذلك فقط صفة الميثاق الأساسى .. ) (عبرت، عدد ٤٦، سنة ١٨٧٢، وقد استشهد بذلك إحسان سونغى: تنظيمات ويكى عثمانلى لر فى تنظيمات، جـ ١، إستانبول سنة ١٩٤٠, ص ٨٤٥؛ الترجمة الإنكليزية فى Emergence: Lewis، ص ١٦٧). وبصدور الدستور العثمانى الأول سنة ١٨٧٦ م، بدا البرنامج الحر البرلمانى للعثمانيين الجدد على وشك أن يتحقق. فقد قررت المادة العاشرة من هذا الدستور أن الحرية الشخصية لها حرمتها التى لا تنتهك، وتتناول المواد التالية: حرية العبادة والصحافة والاجتماع والتعليم .. إلخ. وكذلك التحرر من الانتهاكات التحكمية لحقوق الأفراد وللسكن والمال. على أن الأحكام السياسية فى هذا الدستور جاءت أقل من ذلك أخذًا بالحرية. فهى لا تستمد من سيادة الشعب بل من إرادة السلطان الذى احتفظ بامتيازات هامة كما احتفظ بسلطاته الباقية ولم يعترف إلا اعترافًا هينًا بمبدأ الفصل بين السلطات على أن عمر هذا الدستور الفعلى كان قصيرا على أية حال. ففى فبراير سنة ١٨٧٨ م حل البرلمان، وظل لا يجتمع ثلاثين سنة أخرى. وفى عهد عبد الحميد كانت الحرية كلمة محكوما عليها بالإعدام، وأصبحت المثل التى تعبر عنها تزداد ندرة. وفى نظر المجددين الأتراك لهذا الجيل كان الغرب المنبع الذى تستقى منه المثل المادية لفوائد الحرية والهداية العقلية إلى طريق بلوغها. وقد كتب سعد اللَّه من معرض باريس سنة ١٨٧٨ م يقول: "إذا نظرت إلى هذا العرض الساحر للتقدم البشرى فلا تنس أن كل هذا الذى

стр. 3604

تحقق هو بفعل الحرية ففى ظل الحرية تحصل الشعوب والأمم على السعادة، وإذا انعدمت الحرية لم يعد هناك أمن، وبلا أمن لا يكون سعى، وبلا سعى لا يكون رخاء، وبلا رخاء لا تكون سعادة .. " (سعد اللَّه باشا: ١٨٧٨, باريس إكسبوزسيونى فى أبو ضيا توفيق: نمونه .. ص ٢٨٨؛ الترجمة الإنكليزية فى Middle East: B . Lewis, ص ٤٧). وكما أن جيلا سابقًا قد اتجه إلى فولتير وروسو ومونتسكيو فكذلك قرأ الجيل الجديد كتابات هايكل Haeckel وبوخنر Buechner وله بون Le Bon (وكان الأخير يفضل بصفة خاصة لتعاطفه مع الإسلام) وسبنسر ومل وغيرهم كثير. وقد كتب حسين رحمي سنة ١٩٠٨ م يقول: "إذا كان يوجد اليوم أناس يستطيعون التفكير والكتابة والدفاع عن الحرية، فإنهم أولئك الذين تنورت عقولهم بهذه القبسات (من الثقافة الأوربية) وفى تلك الأيام المظلمة الكئيبة كان أصدقاؤنا وهداتنا هم تلك الكنوز العقلية للغرب، وقد تعلمنا حب التفكير وحب الحرية من هذه الكنوز" (مقدمة شبسودى، إستانبول سنة ١٩١٢؛ الترجمة الإنكليزية فى Niyazi Secularism: Berkes، ص ٢٩٢). ونستطيع أن نعبر عن ذلك فى لغة سياسية عملية فنقول إن الحرية كانت تعنى حكومة دستورية تمثيلية - أى أنها نهاية للأوتوقراطية وعودة الدستور وتأمين حقوق المواطن بالانتخابات والبرلمانات الحرة. على أن الحرية لم تعد مسألة سياسية محضا، ذلك أنها كانت تقتضى فيما تقتضيه عند أنصار الأفكار المادية والعلمانية تحررًا عقليًا مما ارتأوا أنه قيود غامضة تقوم على الدين ولعل أول من تصور الحرية فى لغة الاجتماع والاقتصاد كان هو الأمير صباح الدين الذى سعى إلى الخروج بتركية من النظام الجماعى إلى نظام اجتماعى فردى بانتهاج سياسة الفيدرالية واللامركزية وبتشجيع العمل الخاص. ذلك أنه أسس سنة ١٩٠٢ م جمعية كرست لتحقيق هذه الأغراض. وقد أوحت أفكار من هذا القبيل بقيام الاتفاق التحررى "حريت وائتلاف" الذى ظهر سنة ١٩١١ م إحياء لحزب الاتحاد والترقى وثمة شاهد هام على استعمال الكلمة بمعنى اجتماعى ذاتى

стр. 3605

نجده فى الكتاب المشهور لقاسم أمين "تحرير المرأة" (القاهرة سنة ١٣١٦ هـ = ١٨٩٨ م وسنة ١٩٠٥؛ الترجمتان التركيتان القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ = ١٩٠٨ م، وإستانبول سنة ١٣٢٩ هـ = ١٩١١ م، وباللغة التركية الشمالية، قازان سنة ١٩٠٩). وكان قيام حرية فعالة للفكر والتعبير إلى حين بعد ثورة سنة ١٩٠٨ م، فاتحة فترة من المناقشة الحامية درست فيها مشكلة الحرية وغيرها من المشكلات وحللت ونوقشت من عدة وجوه. وقد وجدت الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية جميعًا أنصارًا لها ومدافعين عنها. ولكن الذى حدث بعد أن أحكم العثمانيون الجدد قيود الأوتوقراطية والرقابة أن خفت المناقشة وتفه شأنها. أما فى تركية الجديدة التى برزت فى ظل الجمهورية الأولى والجمهورية الثانية فلم تختلف مناقشة الحرية اختلافا ملحوظًا عنها فى أوروبا، ولا يقتضى المقام أن نتناولها هنا. وقد لعب الرعايا العثمانيون فى البلاد العربية دورًا معينًا فى حركة التحرير من أول الأمر تقريبًا. ففى ٢٤ مارس سنة ١٨٦٧ م نشر الأمير المصرى مصطفى فاضل باشا فى الصحيفة الفرنسية Liberte خطابًا مفتوحًا للسلطان ينصحه بمنح دستور للإمبراطورية العثمانية (أعيد طبعة فى مجلة Orient، عدد ٥ سنة ١٩٥٨، ص ٢٩ - ٣٨) ولم يكتف هذا الباشا بمنحهم أول منشور (مانيفستو) بل لقد عاون ماليًا أيضًا العثمانيين الجدد المنفيين، وخلفه فى هذا من بعد أخوه الخديوى إسماعيل الذى رأى فيهم أداة نافعة لخدمة أغراضه السياسية. وفى أيام عبد الحميد كانت أول صحيفة حرة تنشر فى المنفى هى الصحيفة التى أصدرها سليم فارس من أبناء أحمد فارس الشدياق وكان صدورها فى لندن سنة ١٨٩٤ م وعنوانها "حريت" كما كانت إحياءً ذا مغزى للمجلة الأسبوعية التى سبقتها على يد العثمانيين الجدد. على أن عملاء السلطان أغروه من بعد بإيقاف نشر هذه المجلة. ومن بين المنفيين الآخرين

стр. 3606

الأمير اللبنانى أمين أرسلان الذى نشر صحيفة عربية اسمها "كشف النقاب" فى باريس سنة ١٨٩٥ م؛ ونائب سورى سابق فى البرلمان العثمانى سنة ١٨٧٦ م، وهو خليل غانم الذى أصبح نشطًا فى دوائر حزب تركية الفتاة. وقد وجدت أفكار وحجج العثمانيين الجدد ورجال تركية الفتاة صداها فى المطبوعات العربية التى جنحت فى تلك الأيام إلى تقديم اقتباس إقليمى للأفكار التى كانت تدور بين الجماعات الحاكمة التركية. ومن ثم فإن الشعار "حب الوطن من الإيمان" الذى كثرت مناقشته عند ظهوره فى المجلة السورية نصف الشهرية "الجنان" سنة ١٨٧٠ م يعد امتدادا لاستعماله بصفة منتظمة فى مجلة العثمانيين الجدد "حريت" من (سننة ١٨٦٨ إلى سنة ١٨٧٠ م). ولا بد أن يكون نمو الجماعات الفدرالية بين العرب العثمانيين متصلا بالحركة الفدرالية عند الأتراك. وفى مصر فى ظل الخديوين والحكم البريطانى نشأ الفكر السياسى على أسس مختلفة، وقد تأثر تأثرا مباشرًا فى كثير بأوروبا، وتأثر تأثرًا مباشرًا فى قليل بالأحداث والحركات التى قامت فى الإمبراطورية العثمانية, ولو أنه فى هذه الإمبراطورية قد تأثر بهذه الأحداث والحركات. وكان كثير من زعماء الفكر مهاجرين من البلاد العثمانية يتحدثون بالعربية أما الوجود العرضى لنشاط شخصيات تركية فى مصر مثل الأمير صباح الدين وعبد الله جودت فإنه لا يمكن أن يكون قد مر بدون التفات. فقد كتب ولى الدين يكن وهو من أصل تركى وقد شارك فى الأمور السياسية لحزب تركية الفتاة - بالعربية كثيرًا فى المشاكل السياسية والاجتماعية. وكانت لترجمة جودت لكتاب ألفييرى عن الاستبداد (Vittorio Della tirranide: Alfieri) بعض الأثر: والظاهر أن هذه الترجمة كانت الأساس للاقتباس المشهور لكتاب ألفييرى على يد الحلبى المنفى فى مصر عبد الرحمن الكواكبى، وعنوانه "طبائع الاستبداد" (القاهرة من غير تاريخ؛ انظر Alfieri and: Sylvia G. Haim فى Oriente Maderno Kawakibi جـ ٣٤، سنة ١٩٥٤، ص ٣٢١ - ٣٢٤؛ E. Rossi: Una tradizione turca dell-opera a "Della

стр. 3607

Tirannide" di V. Alfieri. الجزء نفسه، ص ٣٣٥ - ٣٣٧). ومن أقدم المناقشات للحرية فى مصر التى مرت فى تلك الأيام دون التفات كبير وأتت بعد الشيخ رفاعة هى المناقشة التى قام بها الأزهرى الشيخ حسين المرصفى. فهو قد عمد فى "رسالة الكلم الثمان" التى نشرها فى القاهرة سنة ١٢٩٨ هـ (١٨٨١ م) إلى دراسة وتفسير ثمانية مصطلحات سياسية شاعت على ألسنة الناس وقصد بذلك فائدة الشبان الأذكياء فى تلك الأيام، وكانت "الحرية" ص ٣٦ - ٣٧) مصطلحًا من هذه المصطلحات فسرها فى لغة طبيعية اجتماعية، ففرق بين الإنسان والبهائم ودرس ما درج عليه الناس اجتماعيًا من التخصص والاجتماع ومن ثم كانت الحاجة إلى التعاون الاجتماعى والاعتراف المشترك بالحقوق. وقد أدرك الشيخ المرصفى الحاجة إلى الحرية بهذا المعنى الطبيعى والاجتماعى، ولكنه يحذر قراءة الشبان فى شئ من الغموض من التوسعات العصية لهذه الفكرة فى عالم السياسة. وعلى الرغم من هذه التحذيرات فإن الفكر السياسى الليبرالى الأوربى ظل ينمو ووجد تعبيرا له بكثرة فى الكتابات العربية والتركية. فقد عرضت مزايا الحرية عروضًا شتى ودوفع عنها. ورأى البعض الذين فهموا الحرية فهمًا غامضًا أنها لم تزل طلسمًا سريًا لرخاء الغرب وسلطانه. ولذلك فإن اقتباسها كان أمرًا مرغوبًا فيه لبلوغ هذه النتائج نفسها. ورأى البعض الآخر أن الحرية هى القضاء على الاستبداد الذى تجسد فى شخص السلطان عبد الحميد، وإقامة نظام دستورى للحكم بدلا منه. ولعل آخر عرض وأقواه للموقف الليبرالى التقليدى فى العربية كان على يد المصرى أحمد لطفى السيد (١٨٧٢ - ١٩٦٣ م). كان هذا الرجل تليمذًا صريحًا لجون ستيوارت مل وغيره من ليبراليى القرن التاسع عشر الميلادى. وقد جعل مشكلة الحرية محور تفكيره السياسى. فالحرية فى الجوهر معناها حقوق الفرد، أجل حريته الطبيعية التى لا نزول عنها تحددها وتؤمنها الحقوق المدنية، وهذه تؤمنها التدابير والنظم السياسية والشرعية. ويجب أن يكون عمل الدولة وتدخلها فى أقل درجة. ويجب أن تؤمن حرية الفرد والأمة على يد صحافة

стр. 3608

حرة وقضاء مستقل ونظام حكم دستورى يحقق الفصل بين السلطات. ولم يعن لطفى السيد بحرية الفرد فحسب، بل عنى أيضًا بحرية الأمة التى لها حقوق طبيعية مشتركة متميزة عن مجموع الحقوق الإضافية للأشخاص التى تتألف منها هذه الحرية، وقد أنكر لطفى السيد الجامعة الإسلامية واعترض على القومية العربية، ورأى أن الأمة هى مصر ودافع عن تحررها من الحكم الأجنبى والتسلط الوطنى. ومضى التفسير الليبرالى يجد له أنصارًا وخاصة بعد ثورة حزب تركية الفتاة سنة ١٩٠٨ م، ثم بعد الانتصار العسكرى للديموقراطيات عقب ذلك بعشر سنوات، على أننا نجد فى الوقت نفسه تفسيرًا جديدًا للحرية ينمو ويكتسب أنصارًا، وقد نشأ هذا التفسير من انتشار الاستعمار وظهور القومية. ذلك أن الحرية فى استعمال الآخذين بالقومية مرادفة للاستقلال أى سيادة الدولة لا تكبلها أية سلطة أجنبية أقوى منها. ويقال للأمة أمة حرة إذا تجردت من أى خضوع من هذا القبيل للأجانب، بصرف النظر عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة فيها. وكان هذا التفسير للحرية بين الأتراك الذين لم يفقدوا استقلالهم قط وإن تهدد هذا الاستقلال، أقل أثرًا منه بين الشعوب العربية التى كان الموضوع الرئيسى الذى تدور حوله حياتهم السياسية هو إنهاء الحكم الأجنبى. والذى حدث فى المدة التى ساد فيها البريطانيون والفرنسيون أن الحرية الفردية لم تكن قط قضية تثير الاهتمام الكثير. صحيح أن هذه الحرية كانت فى كثير من الأحوال محدودة وفى بعض الأحوال معطلة إلا أنها كانت بصفة عامة أشمل وأفضل تأمينًا مما كانت عليه من قبل ومن بعد ذلك أن نظم الحكم الاستعمارية منحت الحرية وأمسكت عن الاستقلال. وكان من الطبيعى أن يكون الصراع ضد الاستعمار مركزًا على الاستقلال تاركًا الحرية. وفى الانقلاب الأخير على الغرب أنكرت أيضًا الديموقراطية الغربية ورميت بأنها زيف وخداع ولا قيمة لها للمسلمين. واحتفظت كلمة "حرية" وكلمة "تحرير" بسحرهما، ولكنهما خلتا من ذلك المضمون الفردى

стр. 3609

الليبرالى الذى استرعى أول الأمر التفات المسلمين فى القرن التاسع عشر الميلادى. ولا تزال أصوات قليلة تتحدث عن الحقوق الشخصية الفردية، وقد استعمل بعض الكتاب كلمة من الأصل نفسه وهى "التحرر" للدلالة على التحرر الذاتى النفسى أو التحرر "من قيود التقاليد وغيرها". على أن الحرية، فى نظر معظم من يستعملون الكلمة، صفة جماعية وليست صفة شخصية. فقد فسرت أول الأمر سياسيًا بأنها الاستقلال ثم ثبت أن هذه الكلمة فى ذاتها غير مناسبة فأعيد تفسيرها فى لغة شبه اقتصادية بأنها التجرد من الاستغلال الخاص والاجنبى. المصادر: عن تركية: (١) أو فى بيان بلغة من اللغات الغربية عن تاريخ الأفكار فى تركية هو The development of sec-: Niyazi Berkes ularism in Turkey, مونتريال سنة ١٩٦٤. (٢) وانظر عن تاريخ الفكر المعاصر فى تركية: حلمى ضيا أولكن: تركيه ده جاغداش دوسونجه تاريخى، قونية سنة ١٩٥٩. (٣) وانظر فى شأن موضوعات وفترات خاصة: شريف ماردين: The genesis of young Ottoman thought برنستون سنة ١٩٦٢. (٤) الكاتب نفسه: The mind of the ١٩٠٠ - ١٧٠٠ ,Turkish reformer فى The Western Humanities Review, جـ ١٤، سنة ١٩٦٠، ص ٤١٣ - ٤٣٦. (٥) الكاتب نفسه: - Liberation Move ١٨٩٥ - ١٨٧٨ ments in the Ottoman Empire فى Middle East Journal، جـ ١٦، سنة ١٩٦٢، ص ١٦٩ - ١٨٢. (٦) الكاتب نفسه: يون توركلر ك سياسى فكرلرى ١٨٩٥ - ١٩٠٨, أنقرة سنة ١٩٦٤ (ويشمل نسخة تركية من المقال السابق). (٧) The Young Turks,: E. E. Ramsaur Prelude to the Ottoman revoluation of ١٩٠٨، برنستون سنة ١٩٥٧. (٨) ت. ز. طونايا: حريتنك إعلانى: إيكنجى مشروطيتك سياسى، حياتنه باقيشلر، إستنابول سنة ١٩٥٩. (٩) الكاتب نفسه: توركيه نك سياسى حياتنده باطليلشمه حركتلرى، استنابول سنة ١٩٦٠.

стр. 3610

(١٠) وانظر عن المناقشات الأوجز للفكر السياسى الوارد فى هذه المادة. B The Emergence of Modern Tur-: Lewis key، نسخة منقحة، لندن سنة ١٩٦٨ عن البلاد العربية (ب) (١) الكتاب الرائد فى الفكر السياسى العربى الحديث وإن كان قليل الاستعمال لا يعترف به إلا اعترافًا قليلا هو مجموعة رائف الخورى: الفكر العربى الحديث، بيروت سنة ١٩٤٣، وهو مجموعة مقتطفات مع مقدمة، ويصور أثر الثورة الفرنسية فى الفكر العربى. (٢) وقد نوقش موضوع الحرية فى عدد من الكتب عن القومية وما إليها: The ideas of Arob: H. Z. Nuseibeh natianalism، إيثاكا، سنة ١٩٥٦. (٣) The intellectual: J. M Ahmed origine of Egyptian nationlism, لندن سنة ١٩٦٠. (٤) Egypt in search of: N. Safran political community. كمبردج من أعمال ماساشوستس، سنة ١٩٦١. (٥) Arab nationalism: Sylvia G. Haim، بركلى ولوس أنجليس سنة ١٩٦٢. (٦) The: Ibrahim Abu - Lughod Arab rediscovery of Europe, برنستون، سنة ١٩٦٣. (٧) وقد حظيت الليبرالية العربية بعناية خاصة فى Arabic: A. Hourani ١٩٣٩ - ١٧٩٨ thought in the liberal age, لندن سنة ١٩٦٢. مصادر عامة (جـ): (١) La cite musulmane: : L. Gardet vie sociale et Politigue، باريس ١٩٥٤. (٢) Islam in: W. Cantwell Smith modern history برنستون ١٩٧٥. (٣) Der Islamische Ori-: W. Braune ent Zwischen Vergangenheit und Zukunft, بيرن - ميونخ سنة ١٩٦٠. (٤) Modern: G. E von Grunebaum Islam: the Search for cultural identity, بيركلى ولوس أنجلوس سنة ١٩٦٢. (٥) The Middle East and: B. Lewis the West. لندن - بلومنكتون. سنة ١٩٦٤. خورشيد [لويس B. Lewis]
следующие страницы →