Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
الأمير اللبنانى أمين أرسلان الذى نشر صحيفة عربية اسمها "كشف النقاب" فى باريس سنة ١٨٩٥ م؛ ونائب سورى سابق فى البرلمان العثمانى سنة ١٨٧٦ م، وهو خليل غانم الذى أصبح نشطًا فى دوائر حزب تركية الفتاة. وقد وجدت أفكار وحجج العثمانيين الجدد ورجال تركية الفتاة صداها فى المطبوعات العربية التى جنحت فى تلك الأيام إلى تقديم اقتباس إقليمى للأفكار التى كانت تدور بين الجماعات الحاكمة التركية. ومن ثم فإن الشعار "حب الوطن من الإيمان" الذى كثرت مناقشته عند ظهوره فى المجلة السورية نصف الشهرية "الجنان" سنة ١٨٧٠ م يعد امتدادا لاستعماله بصفة منتظمة فى مجلة العثمانيين الجدد "حريت" من (سننة ١٨٦٨ إلى سنة ١٨٧٠ م). ولا بد أن يكون نمو الجماعات الفدرالية بين العرب العثمانيين متصلا بالحركة الفدرالية عند الأتراك.
وفى مصر فى ظل الخديوين والحكم البريطانى نشأ الفكر السياسى على أسس مختلفة، وقد تأثر تأثرا مباشرًا فى كثير بأوروبا، وتأثر تأثرًا مباشرًا فى قليل بالأحداث والحركات التى قامت فى الإمبراطورية العثمانية, ولو أنه فى هذه الإمبراطورية قد تأثر بهذه الأحداث والحركات. وكان كثير من زعماء الفكر مهاجرين من البلاد العثمانية يتحدثون بالعربية أما الوجود العرضى لنشاط شخصيات تركية فى مصر مثل الأمير صباح الدين وعبد الله جودت فإنه لا يمكن أن يكون قد مر بدون التفات. فقد كتب ولى الدين يكن وهو من أصل تركى وقد شارك فى الأمور السياسية لحزب تركية الفتاة - بالعربية كثيرًا فى المشاكل السياسية والاجتماعية. وكانت لترجمة جودت لكتاب ألفييرى عن الاستبداد (Vittorio Della tirranide: Alfieri) بعض الأثر: والظاهر أن هذه الترجمة كانت الأساس للاقتباس المشهور لكتاب ألفييرى على يد الحلبى المنفى فى مصر عبد الرحمن الكواكبى، وعنوانه "طبائع الاستبداد" (القاهرة من غير تاريخ؛ انظر Alfieri and: Sylvia G. Haim فى Oriente Maderno Kawakibi جـ ٣٤، سنة ١٩٥٤، ص ٣٢١ - ٣٢٤؛ E. Rossi: Una tradizione turca dell-opera a "Della
стр. 3607
Tirannide" di V. Alfieri. الجزء نفسه، ص ٣٣٥ - ٣٣٧).
ومن أقدم المناقشات للحرية فى مصر التى مرت فى تلك الأيام دون التفات كبير وأتت بعد الشيخ رفاعة هى المناقشة التى قام بها الأزهرى الشيخ حسين المرصفى. فهو قد عمد فى "رسالة الكلم الثمان" التى نشرها فى القاهرة سنة ١٢٩٨ هـ (١٨٨١ م) إلى دراسة وتفسير ثمانية مصطلحات سياسية شاعت على ألسنة الناس وقصد بذلك فائدة الشبان الأذكياء فى تلك الأيام، وكانت "الحرية" ص ٣٦ - ٣٧) مصطلحًا من هذه المصطلحات فسرها فى لغة طبيعية اجتماعية، ففرق بين الإنسان والبهائم ودرس ما درج عليه الناس اجتماعيًا من التخصص والاجتماع ومن ثم كانت الحاجة إلى التعاون الاجتماعى والاعتراف المشترك بالحقوق. وقد أدرك الشيخ المرصفى الحاجة إلى الحرية بهذا المعنى الطبيعى والاجتماعى، ولكنه يحذر قراءة الشبان فى شئ من الغموض من التوسعات العصية لهذه الفكرة فى عالم السياسة.
وعلى الرغم من هذه التحذيرات فإن الفكر السياسى الليبرالى الأوربى ظل ينمو ووجد تعبيرا له بكثرة فى الكتابات العربية والتركية. فقد عرضت مزايا الحرية عروضًا شتى ودوفع عنها. ورأى البعض الذين فهموا الحرية فهمًا غامضًا أنها لم تزل طلسمًا سريًا لرخاء الغرب وسلطانه. ولذلك فإن اقتباسها كان أمرًا مرغوبًا فيه لبلوغ هذه النتائج نفسها. ورأى البعض الآخر أن الحرية هى القضاء على الاستبداد الذى تجسد فى شخص السلطان عبد الحميد، وإقامة نظام دستورى للحكم بدلا منه. ولعل آخر عرض وأقواه للموقف الليبرالى التقليدى فى العربية كان على يد المصرى أحمد لطفى السيد (١٨٧٢ - ١٩٦٣ م). كان هذا الرجل تليمذًا صريحًا لجون ستيوارت مل وغيره من ليبراليى القرن التاسع عشر الميلادى. وقد جعل مشكلة الحرية محور تفكيره السياسى. فالحرية فى الجوهر معناها حقوق الفرد، أجل حريته الطبيعية التى لا نزول عنها تحددها وتؤمنها الحقوق المدنية، وهذه تؤمنها التدابير والنظم السياسية والشرعية. ويجب أن يكون عمل الدولة وتدخلها فى أقل درجة. ويجب أن تؤمن حرية الفرد والأمة على يد صحافة
стр. 3608
حرة وقضاء مستقل ونظام حكم دستورى يحقق الفصل بين السلطات.
ولم يعن لطفى السيد بحرية الفرد فحسب، بل عنى أيضًا بحرية الأمة التى لها حقوق طبيعية مشتركة متميزة عن مجموع الحقوق الإضافية للأشخاص التى تتألف منها هذه الحرية، وقد أنكر لطفى السيد الجامعة الإسلامية واعترض على القومية العربية، ورأى أن الأمة هى مصر ودافع عن تحررها من الحكم الأجنبى والتسلط الوطنى.
ومضى التفسير الليبرالى يجد له أنصارًا وخاصة بعد ثورة حزب تركية الفتاة سنة ١٩٠٨ م، ثم بعد الانتصار العسكرى للديموقراطيات عقب ذلك بعشر سنوات، على أننا نجد فى الوقت نفسه تفسيرًا جديدًا للحرية ينمو ويكتسب أنصارًا، وقد نشأ هذا التفسير من انتشار الاستعمار وظهور القومية. ذلك أن الحرية فى استعمال الآخذين بالقومية مرادفة للاستقلال أى سيادة الدولة لا تكبلها أية سلطة أجنبية أقوى منها. ويقال للأمة أمة حرة إذا تجردت من أى خضوع من هذا القبيل للأجانب، بصرف النظر عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة فيها. وكان هذا التفسير للحرية بين الأتراك الذين لم يفقدوا استقلالهم قط وإن تهدد هذا الاستقلال، أقل أثرًا منه بين الشعوب العربية التى كان الموضوع الرئيسى الذى تدور حوله حياتهم السياسية هو إنهاء الحكم الأجنبى. والذى حدث فى المدة التى ساد فيها البريطانيون والفرنسيون أن الحرية الفردية لم تكن قط قضية تثير الاهتمام الكثير. صحيح أن هذه الحرية كانت فى كثير من الأحوال محدودة وفى بعض الأحوال معطلة إلا أنها كانت بصفة عامة أشمل وأفضل تأمينًا مما كانت عليه من قبل ومن بعد ذلك أن نظم الحكم الاستعمارية منحت الحرية وأمسكت عن الاستقلال. وكان من الطبيعى أن يكون الصراع ضد الاستعمار مركزًا على الاستقلال تاركًا الحرية. وفى الانقلاب الأخير على الغرب أنكرت أيضًا الديموقراطية الغربية ورميت بأنها زيف وخداع ولا قيمة لها للمسلمين. واحتفظت كلمة "حرية" وكلمة "تحرير" بسحرهما، ولكنهما خلتا من ذلك المضمون الفردى
стр. 3609
الليبرالى الذى استرعى أول الأمر التفات المسلمين فى القرن التاسع عشر الميلادى. ولا تزال أصوات قليلة تتحدث عن الحقوق الشخصية الفردية، وقد استعمل بعض الكتاب كلمة من الأصل نفسه وهى "التحرر" للدلالة على التحرر الذاتى النفسى أو التحرر "من قيود التقاليد وغيرها". على أن الحرية، فى نظر معظم من يستعملون الكلمة، صفة جماعية وليست صفة شخصية. فقد فسرت أول الأمر سياسيًا بأنها الاستقلال ثم ثبت أن هذه الكلمة فى ذاتها غير مناسبة فأعيد تفسيرها فى لغة شبه اقتصادية بأنها التجرد من الاستغلال الخاص والاجنبى.
المصادر:
عن تركية:
(١) أو فى بيان بلغة من اللغات الغربية عن تاريخ الأفكار فى تركية هو The development of sec-: Niyazi Berkes ularism in Turkey, مونتريال سنة ١٩٦٤.
(٢) وانظر عن تاريخ الفكر المعاصر فى تركية: حلمى ضيا أولكن: تركيه ده جاغداش دوسونجه تاريخى، قونية سنة ١٩٥٩.
(٣) وانظر فى شأن موضوعات وفترات خاصة: شريف ماردين: The genesis of young Ottoman thought برنستون سنة ١٩٦٢.
(٤) الكاتب نفسه: The mind of the ١٩٠٠ - ١٧٠٠ ,Turkish reformer فى The Western Humanities Review, جـ ١٤، سنة ١٩٦٠، ص ٤١٣ - ٤٣٦.
(٥) الكاتب نفسه: - Liberation Move ١٨٩٥ - ١٨٧٨ ments in the Ottoman Empire فى Middle East Journal، جـ ١٦، سنة ١٩٦٢، ص ١٦٩ - ١٨٢.
(٦) الكاتب نفسه: يون توركلر ك سياسى فكرلرى ١٨٩٥ - ١٩٠٨, أنقرة سنة ١٩٦٤ (ويشمل نسخة تركية من المقال السابق).
(٧) The Young Turks,: E. E. Ramsaur Prelude to the Ottoman revoluation of ١٩٠٨، برنستون سنة ١٩٥٧.
(٨) ت. ز. طونايا: حريتنك إعلانى: إيكنجى مشروطيتك سياسى، حياتنه باقيشلر، إستنابول سنة ١٩٥٩.
(٩) الكاتب نفسه: توركيه نك سياسى حياتنده باطليلشمه حركتلرى، استنابول سنة ١٩٦٠.
стр. 3610
(١٠) وانظر عن المناقشات الأوجز للفكر السياسى الوارد فى هذه المادة. B The Emergence of Modern Tur-: Lewis key، نسخة منقحة، لندن سنة ١٩٦٨
عن البلاد العربية (ب)
(١) الكتاب الرائد فى الفكر السياسى العربى الحديث وإن كان قليل الاستعمال لا يعترف به إلا اعترافًا قليلا هو مجموعة رائف الخورى: الفكر العربى الحديث، بيروت سنة ١٩٤٣، وهو مجموعة مقتطفات مع مقدمة، ويصور أثر الثورة الفرنسية فى الفكر العربى.
(٢) وقد نوقش موضوع الحرية فى عدد من الكتب عن القومية وما إليها:
The ideas of Arob: H. Z. Nuseibeh natianalism، إيثاكا، سنة ١٩٥٦.
(٣) The intellectual: J. M Ahmed origine of Egyptian nationlism, لندن سنة ١٩٦٠.
(٤) Egypt in search of: N. Safran political community. كمبردج من أعمال ماساشوستس، سنة ١٩٦١.
(٥) Arab nationalism: Sylvia G. Haim، بركلى ولوس أنجليس سنة ١٩٦٢.
(٦) The: Ibrahim Abu - Lughod Arab rediscovery of Europe, برنستون، سنة ١٩٦٣.
(٧) وقد حظيت الليبرالية العربية بعناية خاصة فى Arabic: A. Hourani ١٩٣٩ - ١٧٩٨ thought in the liberal age, لندن سنة ١٩٦٢.
مصادر عامة (جـ):
(١) La cite musulmane: : L. Gardet vie sociale et Politigue، باريس ١٩٥٤.
(٢) Islam in: W. Cantwell Smith modern history برنستون ١٩٧٥.
(٣) Der Islamische Ori-: W. Braune ent Zwischen Vergangenheit und Zukunft, بيرن - ميونخ سنة ١٩٦٠.
(٤) Modern: G. E von Grunebaum Islam: the Search for cultural identity, بيركلى ولوس أنجلوس سنة ١٩٦٢.
(٥) The Middle East and: B. Lewis the West. لندن - بلومنكتون. سنة ١٩٦٤.
خورشيد [لويس B. Lewis]
стр. 3611
حرفوش
اسم أسرة من أمراء الشيعة فى منطقة بعلبك أيام العثمانيين، وكان إقليم بعلبك اصطلاحًا جزءًا من "ولاية" دمشق، وتاريخًا أكثر ارتباطًا بجبل لبنان، وكان الأمراء الحرافيش فى كثير من الأحيان أتباعًا بالفعل لأمراء لبنان من دولتى معن وشهاب، وأصول أسرة حرفوش ليست واضحة، ولكن هذه الأسرة كانت من قبل قد مكّنت لنفسها فى إقليم بعلبك فى النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) حين تآمر موسى حرفوش مع غيره من الزعماء المجاورين على قورقماز معن الشوف سنة ٩٩٢ هـ (١٥٨٤ - ١٥٨٥ م؛ وأصبح خلفه يونس حرفوش حليفًا لفخر الدين الثانى وتابعًا له. وظل أمراء حرفوش يسيطرون على إقليم بعلبك ويفرضون عليه حكمهم العدوانى حتى أعيد تنظيم جهاز الحكم العثمانى للإدارة الإقليمية سنة ١٨٦٤. وحدث قبل ذلك، أى فى سنة ١٨٥٠، أن تزعم محمد حرفوش فتنة على العثمانيين فانتقموا منه بشدة. فأطيح بأمراء حرفوش وطوردوا حتى قضى على سلطانهم تمامًا سنة ١٨٦٦ ورد الباقين من الأسرة إلى حالة من الفقر المدقع.
المصادر:
(١) بطرس البستانى: دائرة المعارف جـ ٧ ص ٩.
(٢) عيسى إسكندر المعلوف: دواني القطوف فى تاريخ بنى المعلوف، بعبدا سنة ١٩٠٧ - ١٩٠٨، ص ١٥٥, ١٥٩، ٢١٣، ٢٢٨، ٢٣١.
(٣) Feudalism in: A. N. Poliak ١٢ Egypt, Syria Palestine and Lebanon ١٩٠٠ - ٥٠ لندن سنة ١٩٣٩ ص ٥٩.
(٤) طنّوس الشدياق: أخبار الأعيان فى جبل لبنان، بيروت سنة ١٨٥٩.
خورشيد [ك. س. صليبى R. S Salibi]
حرقوص بن زهير السعدى
صحابى غزا سوق الأهواز واشترك فى حصار "الدار" وأصبح خارجيًا. ولا نجد مصدرًا يذكر تاريخ إسلامه،
стр. 3612
ولكننا نستطع أن نستنبط أنه حدث فى تاريخ مبكر بعض الشئ استنادًا إلى أنه كان من المسلمين الذين عاهدوا النبى [ ﷺ ] "تحت الشجرة" سنة ٦ هـ (٦٢٨ م) فى الحديبية. وقد ذكر اسم حرقوص أول ما ذكر فى كتب المؤرخين العرب سنة ١٧ هـ (٦٣٨ م)، ذلك أن القائد الفارسى الهرمزان المدافع عن الأهواز كان يسلك مسلك التهديد بالرغم من العهد الذى كان قد أبرم مع المسلمين، فحذر عُتْبَة بن غَزْوان والى البصرة الخليفة عمر من ذلك فبادر عمر من فوره إلى إنفاذ جنود تحت إمرة حرقوص. وجمع المسلمون قواتهم وساروا إلى الهرمزان وهزموه فوق جسر الأهواز (ويعرف بالأهواز فحسب)، وكان حرقوص هو الذى استولى على هذه المدينة وفرض الجزية على أهل هذه المنطقة التى كانت تمتد حتى أرباض تُسْتَر، وحمل إلى المدينة بشرى النصر وخمس الغنائم، وأنفذ جَزءْ بن معاوية لمطاردة الهرمزان وأبلغ هو وعتبة بن غزوان هذا القائد بشروط الصلح التى فرضها الخليفة على الهرمزان وقبلها الهرمزان. وتلقى حرقوص من الخليفة لقب "أمير على القتال" ولقب "الأمير" على البلاد التى فتحها. فلما استؤنف القتال مع الهرمزان لم يشترك فيه إلا اشتراكًا ثانويًا، ذلك أنه كلف بقيادة جنود الكوفة والبصرة قواد آخرون. وظهر حرقوص مرة أخرى فى البصرة سنة ٣٥ هـ (٦٥٥ - ٦٥٦ م)، ذلك أنه لما خرجت جماعة من البصرة إلى المدينة هى والمنشقون من مصر والكوفة للاحتجاج على سياسة الخليفة عثمان، كان حرقوص زعيمهم (الطبرى جـ ١، ص ٢٩٥٥؛ مسكويه، جـ ١، ص ٤٨٧). وفى مراحل حصار دار عثمان، وهى مقتل عثمان ومبايعة على، لم يكن لحرقوص شأن هام فى ذلك وعاد حرقوص إلى الظهور فى البصرة حين كانت عائشة وطلحة والزبير يقتربون من هذه المدينة منتقضين على علىّ، وهنالك انضم إلى حُكيَم بن جبلة صاحب شرطة البصرة وإلى غيره الذين تورطوا فى مقتل عثمان ليحولوا بالقوة المسلحة بين قوات المنتقضين الثلاثة وبين حصار البصرة. وحين نقضت الهدنة بين الوالى عثمان بن
стр. 3613
حنيف وبين أعداء على الثلاثة واحتلت قواتهم البصرة احتلالا تامًا صدر أمر يلزم أهلها باعتقال جميع من اشتركوا فى حصار دار عثمان (النُفّار). وكان حرقوص بفراره والتجائه إلى قبيلته بنى سعد، هو الوحيد الذى استطاع النجاة من المذبحة التى أعقبت ذلك؛ ولم تذكر المصادر أن حرقوصا شهد وقعة الجمل، ومن ثم فإن من المعقول أن نذهب إلى أنه سار على سياسة أفراد قبيلته الذين كانوا من العثمانية، أى الحزب الموالى للخليفة عثمان، فلم يرغبوا فى القتال من أجل على (انظر الطبرى، جـ ١، ص ٣١٦٨). على ان حرقوصا شهد صفّين فى جيش الخليفة. والذهبى هو، فيما نعلم، الكاتب الوحيد الذى أنبأنا بهذا الخبر، ولكن يبدو من المحتمل كثيرًا أن حرقوصا شهد هذه الوقعة، بدليل أن الأحنف بن قيس (وهو شيخ تميم البصرة الذين كان بنو سعد فرعًا منها) بعد أن ظل على الحياد فى وقعة الجمل، قد انحاز هو واتباعه إلى جانب الخليفة على. وحدث بعد ذلك أن حرقوصا اتخذ موقفًا يختلف اختلافًا تامًا عن موقف قبيلته إذ اعتنق مذهب الخوارج. وقد ذكرت المصادر أنه شهد وقعة حروراء (انظر الشماخى: السير، ص ٤٩) وقد قام بينه وبين على حجاج عنيف حين جاهر على بعزمه على البقاء مخلصًا لما اتفق عليه فى صفين (الطبرى، جـ ١، ص ٣٣٦٠ وغير ذلك من المواضع)، كما ذكرت اشتراكه فى اجتماعات المنشقين السرية فى الكوفة حيث قرروا الاجتماع قرب قناة النهروان؛ وإباءه مرتين أن يتولى زعامتهم، ثم ذكرت وفاته آخر الأمر بين الخوارج فى النهروان. على أن الأحنف بن قيس قاتل فى ثلاثة آلاف من أتباعه، فى جانب على فى هذه المعركة (صفر سنة ٣٨ يولية - اْغسطس سنة ٦٥٧).
وقد قيل إن حرقوصا هو نفس الرجل التميمى الذى يدعى "عمرو ذو الخوَيْصرِة أو ذو الخنيصرة التميمى"؛ الذى أخذ عليه بأنه توقح فى حق الرسول أثناء اقتسام الغنائم (ابن هشام، ص ٨٨٤؛ الواقدى طبعة فلهاوزن. ص ٣٧٦. الطبرى، جـ ١، ص ١٦٨٢ انظر عن القول بأن هذا الرجل هو حرقوص: المبّرد: الكامل، ص ٥٦٥؛
стр. 3614
الدميرى: حياة الحيوان، مادة حرقوص؛ ابن حجر: الإصابة فيما يلى)، بل لقد جعل حرقوصا هو ذو الثُدَيَّة الذى كان على كتفه زائدة تشبه "الثدية" وهذا الرجل بدوره يقال أحيانًا إنه هو عين شخص آخر يلقب "بالمُخدج" أى ذى الذراع الواحدة أو أنه يلتبس به. وأمر على بالبحث بين الخوارج الذين قتلوا فى النهروان عن شخص أو آخر من هؤلاء الأشخاص ليتحقق من نبوءة سمع بها. و المصادر التاريخية التى تذكر هذا الخبر لا تزودنا بتفسير لهذه النبوءة ولكن بعض الأحاديث ترويها بلغة تربطها صراحة أو كناية بمذهب الخوارج، زد على ذلك أن الأحاديث تذكر أن شخصًا غامضًا هو ذو الخويصرة أو ذو الخنيصرة أو مخدج قد أمد النبى [ ﷺ ] بالمناسبة التى تجعله يتنبأ بهذه الحركة، ومن ثم كان من الطبيعى أن يحرص علىّ على الكشف عن هذه الشخصية الغامضة بين خوارج النهروان. وأنه لا مناص من أن تجعل حينًا هى حرقوص وحينا هى مقاتلة آخرون قتلوا فى هذه المعركة انظر الأقوال والتفصيلات An- Caetani nali سنة ٨ هـ، فصل ١٦٩, تعليق ١، سنة ٣٨ هـ، الفصلان ١٠٧، ١١٢، تعليق ٢، ١١٥، ١١٩، ١٢٦، ١٢٩ [ص ١١١]، ١٣٠ [ص ١١٤]، ١٣٩، ١٤٠، ١٥٠ - ١٥٣، ١٥٨).
وموقف الكتب التى ترجمت للصحابة جدير بالملاحظة، فإن عبد البر يهمله فى كتابه الاستيعاب وابن الأثير والذهبى قد سلما بخارجيته وعداها أمرًا واقعًا، ويروى لنا ابن حجر أن ثمة شكوكًا حول مصرع هذا الصحابى بين الخوارج فى النهروان، ثم يضيف بمناسبة وجود حديث يقول بدخول جميع من اشتركوا فى بيعة الشجرة الجنة إلا واحدًا، أن هذا الواحد الذى استثنى قد جعل هو حرقوص، ولكنه لا يتحمل مسؤولية القول بذلك.
المصادر:
(١) الدينورى: الأخبار الطوال، طبعة Guirgass، ص ٢١٥، تعليق جـ، ٢١٧، ٢٢٣.
(٢) الطبرى، جـ ١، ص ٢٥٤١، ٢٥٤٢ - ٢٥٤٥، ٢٥٥١، ٢٩٥٥, ٣١٣٠ - ٣١٣٢، ٣١٥٦، ٣١٦٨,
стр. 3615
٣٣٦٠، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥، ٣٣٦٧، ٣٣٨٠، ٣٣٨٢.
(٣) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٤، ص ٤١٥، جـ ٥، ص ١١٥.
(٤) مسكويه: تجارب الأمم، طبعة طبق الأصل من مخطوط استانبول، ليدن ١٩٠٩، جـ ١، ص ٤٨٧، ٥٣٣، ٥٣٩، ٥٤٩.
(٥) عبد القادر البغدادى: الفرق بين الفرق، ص ٦٠ (حيث ذكرت نسبة حرقوص على خلاف سائر المصادر الأخرى، البجلى).
(٦) ابن الأثير، جـ ٢، ص ٤٢٥ - ٤٢٧؛ جـ ٣، ص ١٢٥، ١٧٦ - ١٧٨، ١٩٠، ١٩٥، ٢٧٩ - ٢٨٢، ٢٩٠، ٢٩١.
(٧) الكاتب نفسه: أسد الغابة، جـ ١، ٣٩٦.
(٨) ياقوت: المعجم، جـ ١، ص ٤١٢.
(٩) ابن حجر: الإصابة، جـ ١، ص ٦٥٦، رقم ١٦٥٤.
(١٠) البرادى: الجواهر، طبعة حجرية، القاهرة سنة ١٣٠٢ هـ، ص ١١٨، ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١, ١٤٢.
(١١) الشمّاخى: السير، طبعة حجرية، القاهرة سنة ١٣٠١, ص ٤٩.
(١٢) ابن خلدون، جـ ٢، ص ١١٢.
(١٣) Annali dell' Islam: L. Caetani, سنة ٨ هـ, فصل ١٦٩. تعليق ١، سنة ١٧ هـ، فصل ١٠٣, ١٠٤، سنة ٣٦ هـ, فصل ٤٢ (ص ٤٧) ٩٩ (١٠٢)؛ سنة ٣٨ هـ، فصل ٩٠، ١١٤، ١١٥، ١٥٠ تعليق ٢، ١٥٨، ٣٠٥ (الوفيات).
(١٤) Tra-: L. Veccia Vaglieri duzione di passi riguadenti il confitto Ali -Mu'awiya e. la seccessione kharigite An nali dell'Instuto Uniuersitario Orientale di Napoli فى جـ ٥ (سنة ١٩٥٤)، تعليق ١٠، ص ٣، ٢٠ وتعليق ٤، ص ٣٩، ٤١، ٤٦، ٦٩، ٧٠، ٨٠.
خورشيد [فشيا فاكلييرى L. Veccia Vaglieri]
" حَرَم": الممنوع أو المقدس ومن ثم إسم المنطقة الحرام لمدينتى مكة والمدينة (تطلق عليها غالبًا صيغ المثنى "الحرمين"). وهى تطلق أيضًا على مساكن الحريم التى يحرم دخولها على الغرباء، كما تطلق على ساكنيها، وهى بهذا المعنى مرادف لكلمة حرام.
الشنتناوى [هيئة التحرير]
стр. 3616
الحروف
(علم): فرع من الجفر كان فى الأصل معنيًا بهوس ترديد الحروف حتى لا تنسى بالمعنى الضيق لهذا الهوس. ولكنه أصبح، عند بعض الفرق الباطنية ضربًا من ممارسة السحر حتى أن ابن خلدون (المقدمة، جـ ٣، ص ١٣٧ - ١٦١؛ الترجمة الفرنسية، ص ١٨٨ - ٢٠٠، طبعة روزنتال ص ١٧١ - ١٨٢) أطلق علية اسم "السيمياء" التى تقتصر فى العادة على السحر الأبيض. وعلم الحروف يقوم على خصائص خفية لحروف الهجاء وللأسماء القدسية والملائكية التى تتكون من الحروف. وهناك ثلاثة عناصر داخلة فى تفسير الهوس المشار إليه وهى: "حساب الجُمّل" (أو "حساب النيم" فى قول ابن خلدون فى المقدمة، جـ ١، ص ٢٠٩ - ٢١٣؛ الترجمة الفرنسية، ص ٢٤١ - ٢٤٥؛ وطبعة روزنتال، ٣٤ - ٢٣٨) ومعرفة الخواص الطبيعية للحروف (علم الخواص) التى تقوم على الكيمياء؛ وقراءاتها التنجيمية. وهى فى هذا ترتبط بفن الطلسمات الذى يرى ابن خلدون أنها مشتقة منه.
وتقسم الحروف الثمانية والعشرون للأبجدية العربية إلى أربع فئات، كل فئة من سبعة أحرف تطابق العناصر الأربعة الأساسية. ونحن نورد هنا التصنيف الذى يؤثره المشرق مع الخلافات المغربية: فالنار: ء، هـ، ف، م، ف، ش/ س (فى المغرب) و: ز؛ والهواء: ب، و، ى، ص/ ض (فى المغرب)، ت، ض/ ظ (فى المغرب)؛ والماء: ج، ز، ك، س/ ش (فى المغرب) والأرض: د، ح، ل، ع، ر، خ، غ / ش (فى المغرب). ويمكن أن نرى للوهلة الأولى أن الأمر أمر تقسيم الأبجد العربى إلى سبع مجموعات كل مجموعة من أربعة حروف كما يأتى: أبجد، هوزح، طيكل، منسع (فى المغرب: منصع)، فصقر (فى المغرب: فضقر) شتثخ (فى المغرب: ستثخ)، ذ ضظع. (فى المغرب: ذ ظغش)؛ والحروف الأولى من كل من المجموعات السبع هى حروف النار، والثانية هى حروف الهواء والثالثة هى حروف الماء، والرابعة هى حروف الأرض. وصفوة القول أن ذلك يعد
стр. 3617
ضربا من "التكسير" وهو إجراء يؤدى وظيفة أساسية فى جميع صور الجفر. ويجب أن نذكر أيضًا التقسيم التوافقى لما يعرف بالحروف القمرية والحروف الشمسية.
وقد تقررت القيمة العددية للحروف كما يأتى: من ألف إلى طاء تمثل الوحدات من ١ - ٩؛ ومن ياء إلى صاد تمثل العشرات (١٠ - ٩٠)، ومن ق إلى ظ تمثل المئات (١٠٠ - ٩٠٠)؛ والغين تساوى ١٠٠٠. أما فى المغرب، بحسب اختلاف ترتيب الحروف، فإن السين تساوى ٣٠٠، والضاد تساوى ٩٠، والظاء تساوى ٨٠٠، والصاد تساوى ٦٠، والغين تساوى ٩٠٠، والشين تساوى ١٠٠٠. ومجموعة الحروف الأربعة أيقش تلخص هذا النهج (انظر عن الطريقة المشرقية: رسائل إخوان الصفا، بيروت سنة ١٩٥٧، جـ ١، ص ٥١؛ Ja-: p.kraus bir Ibn Hayyan, جـ ٢ القاهرة سنة ١٩٤٢ ص ٢٢٤؛ وانظر عن الطريقة المغربية: ابن خلدون: المقدمة جـ ١، ص ٢١١، وما بعدها؛ الترجمة الفرنسية ص ٢٤٢ وما بعدها؛ طبعة روزنتال، ص ٢٣٦ وما بعدها؛ انظر F.Rosenthal، ص ١٧٣, تعليق ٨٠٩).
وانطلاقًا من مبدأ الكيمياء، فإننا بتحليل الحروف التى تتكون منها كلمة من الكلمات، يمكننا أن نقرر من حيث الكيف والكم بناء الشئ الذى تصفه (انظر Kraus: المصدر المذكور)، ومن ثم فإن كتب "الحروف" قد تطورت فى اتجاهين متقابلين: الأول يقوم على جمع الحروف بحيث تحصل على كل يتصف بخواص معينة من المفروض أنها تؤدى إلى النتيجة المطلوبة (التنبؤ أو الأثر السحرى)؛ والثانى وله نفس الغرض الذى يتوخاه الأول، يقوم على تفريق أسماء بعينها ترتبط بها صفة باطنية ويكون هذا فى كثير من الأحوال بسبب أنها أخذت من كتاب مقدس هو فى هذه الحالة القرآن، وذلك بغية أن نتناول عناصرها الساكنة بطريقة مركبة تقوم على عوامل عددية وكيفية وكمية وتنجيمية وسحرية.
ولذلك فإنه تقوم بين الحروف وقيمها العددية سلسلة من الصلات تتردد من مجموعة إلى مجموعة. مثال
стр. 3618
ذلك أن الصلة بين ب (٢) وك (٢٠) ور (٢٠٠) وهذه الحروف تمثل الأوضاع المختلفة للعدد ٢، تدعمها المجموعات د. (٤) وم (٤٠) وت (٤٠٠) وح (٨) وف (٨٠)، وض/ ظ (٨٠٠) التى هى من مضاعفات العدد ٢ وكذلك الشأن بالنسبة للمجموعة ج (٣) ومضاعفاتها هـ (٦) وط (٩) [انظر عن خواص الأعداد "رسائل إخوان الصفا"، جـ ١، ص ٥٦ وما بعدها].
وانطلاقًا من توزيع الحروف على العناصر الأربعة، فإن أحرف "النار" فى التنبؤ والسحر، تمنع الشرور المتصلة بالبرد، وتزيد فى أثر الحرارة حيث تطلب، سواء فى الميدان الطبيعى أو الميدان التنجيمى. ومن ثم يمكن مثلا، فى أثناء الحروب، أن يزاد أثر المريخ بتجميع حروف النار تجميعًا سحريًا.
وعلى هذا النحو، تستعمل حروف "الماء" للتنبؤ بجميع الأمراض المرتبطة بالحرارة وتحاشيها مثل أنواع الحمى المختلفة، للتقوية من أثر البرد سواء كان هذا مطلوبًا فى الميدان الطبيعى أو فى الميدان التنجيمى. وبفضل هذه الحروف يمكن مثلا أن نجعل المؤثرات القمرية تسود، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحروف الأخرى.
وعلاوة على هذه العناصر المأثورة للمعادلات العددية وصلاتها المتبادلة بالعناصر الأربعة، فإن علم الحروف لا يتألف إلا من تجارب شبه خفية ليس لها أساس منطقى على الإطلاق. والبونى المتوفى سنة ٦٤٢ هـ (١٢٢٥ م؟ )، وهو أكبر حجة فى هذا الموضوع (انظر بصفة خاصة مصنفه "كتاب لطائف الإشارات" طبع على الحجر فى القاهرة سنة ١٣١٧ هـ) يقول فى ذلك: "ولا نظن أن الحروف مما يتوصل إليه بالقياس العقلى وإنما هو بطريق المشاهدة والتوفيق الإلهى" (ابن خلدون: المقدمة، جـ ٣، ص ١٤٠؛ الترجمة الفرنسية، ص ١٩١؛ الترجمة الإنكليزية، ص ١٧٤).
* وهذا هو السبب فى أن بعض الغلاة يلتمسون هذا السر فى "الكشف، وهذا أيضًا هو السبب الجوهرى فى الانتشار الكبير للأصول الفنية لهوس ترديد الحروف وإحصاء الأعداد فى
стр. 3619
الإسلام، فقد ظن أنه يمكن بالتجارب القائمة على الخواص الخفية للحروف النفوذ إلى أسرار الله وإدراك الحقائق القدسية. والأسماء الحسنى التسعة والتسعون هى المادة الجوهرية لهذا الضرب من التفكر. فأصول علم الحروف تطبق عليها وتستخدم فى بلوغ "الكشف". وكان لبعض آيات من القرآن وبعض الأوراد والأحزاب مثل هذا الشأن.
ويؤدى علم الحروف إلى النتائج الآتية: الأولى هى أن تمام الهوس بترديد الحروف يبدأ باجتماع الأرواح التى تهيمن على الأفلاك السماوية والنجوم. والثانية أن طبيعة الحروف وخواصها السرية تتصل بالأسماء المكونة منها. والثالثة أن الأسماء، على هذا النحو نفسه، تكشف عن الخواص الخفية للمخلوقات عن طريق الأدوار المختلفة لوجودها، ومن ثم تكشف عن أسرارها. ومن هنا فهى تهب النفوس الكاملة بالقدرة على التأثير على الطبيعة والكشف عن أسرارها فى الماضى والحاضر والمستقبل (انظر ابن خلدون: المقدمة، جـ ٣، ص ١٣٧؛ الترجمة الفرنسية، ص ١٨٨؛ الترجمة الإنكليزية ص ١٧١).
ولذلك فإن "علم الحروف الشريف"، بفضل الغاية التى يتوسل إليها، له مكان ممتاز بين الأصول الفنية للتنبؤ فى الإسلام، ذلك أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا "بالروحانيات" والتنجيم (انظر حاجى خليفة، جـ ٣، ص ٥٠). وينشأ شرفه أيضًا من ارتباطه الوثيق بعلم الحساب الذى يعده علماء العالم القديم الركن الجوهرى للمعرفة ذلك أن إدراك سر الحروف هو النفوذ إلى سر العقل الأول، وإدراك سر الحروف هو النفوذ إلى الروح القدس، هكذا يقول صاحب الرسالة المجهولة فى خواص الحروف (إستانبول، مخطوط البلدية، و ٥٢، ورقة ١). ويقول ابن كمال باشا المتوفى سنة ٩٤٠ هـ (١٥٣٤ م) فى "شرح الميئين" (استانبول، طوب قابى سراى، مخطوط أحمد الثالث ١٦٠٩/ ٣، ورقة ٤٦) إن هذه العلوم قد مارسها أعظم أئمة الإنسانية مثل هرمس (= إدريس) وأفلاطون، وفيثاغورث وطاليس
стр. 3620
وأرشميدس، بل إنه قد نسب إلى أرسطو أثران أحداهما فى الحروف وهو "كتاب كنوز المغرمين فى أسرار الحروف واستعمالها فى الأمور والحاجات" (إستانبول، مخطوط حاجى بشير أغا، رقم ٦٥٩، الأوراق ٩٦ ظهر - ١٠٣ ظهر، تعليق سنة ١١١٧/ ١٧٠٥ هـ)؛ والثانى فى هوس إحصاء الأعداد ويعرف باسم "كتاب الاتساع يعرف منه الغالب والمغلوب" (مخطوط بإستانبول، رئيس الكتاب مصطفى أفندي رقم ١١٦٤/ ٣، ورقة ٩٣ وجه - ٩٦ وجه، نسخى ٨٥٠ هـ /١٤٤٦ - ١٤٤٧ م). ويجب أن نلتمس أصلهما فى المقالتين التاسعة والعاشرة من الكتاب المنحول لأرسطو وهو "كتاب السياسة" (طبعة عبد الرحمن بدوى فى Fontes -Graecae doctrinarum politicarum Islam icarum، القاهرة سنة ١٩٥٤، جـ ١، ص ٦٥ - ١٧١).
المصادر:
علاوة على ما ذكر آنفا انظر: مصادر مادة جفر.
(١) هناك كتب لا حصر لها غير مطبوعة تتناول الجفر والحروف والأسماء الحسنى والخواص لا يمكن أن نحصيها بالتفصيل فى هذه المادة.
(٢) ويوجد ثبت بالمخطوطات فى. T La divination: Fahd ستراسبورغ سنة ١٩٦٦ فى نهاية الفصل الخاص بالتنبؤ بالاقتراع.
(٣) انظر أيضًا I. Goldziher كتاب معانى النفس: Buch Von Wesen der Seele في N. F Abh. G. Goett، جـ ٩، قسم ١، برلين سنة ١٩٠٧ ص ٢٦ - ٢٨.
(٤) وتوجد حقائق وإشارات إلى الحروف والأعداد فى الدراسات الخاصة بالفن الطلسمى وبالمربع السحرى.
(٥) انظر بصفة خاصة - H.A Wink: Siegel und Charaktere in der mu- ler hammedanischer Zauberei فى Studien u, Kultur d. isl . Orients جـ ٧، برلين سنة ١٩٣١.
стр. 3621
(٦) Studien ueber die: W. Ahrens magischen Quadrate" der Araber" فى. lst، جـ ٧، سنة ١٩١٧، ص ١٨٦ - ٢٥٠.
(٧) الكاتب نفسه: Al- Buni "Die "mogischen Quadr ate في Isl، جـ ١٢، سنة ١٩٢٢، ص ١٥٧ - ١٧٧؛ وأنظر أيضًا. lsl، جـ ١٤، سنة ١٩٢٥, ص ١٠٤ - ١١٠.
(٨) E. Wiedmann فى lsl، جـ ٨. سنة ١٩١٨ ص ٩٤ - ٩٧.
(٩) Zu den ma-: G. Bergestraesser gischen Quadraten (تكملة لمقال Ahrens) فى. Isl، جـ ١٣، سنة ١٩٢٣، ص ٢٢٧ - ٢٣٥.
خورشد [فهد T. Fahd]
حروف الهجاء
وقد حدد لسان العرب "الهجاء" بقوله: "تقطيع اللفظة بحروفها" (لسان العرب، جـ ٢٠، ص ٢٢٨، س ١٧؛ جـ ١٥، ص ٣٥٣ ب، س ٤ - ٥). وقد تبع هذا ابن سيدة فى المخصص (جـ ١٣، ص ٣ فى آخرها) فنسب هذا التعريف إلى صاحب العين الخليل. والقواميس المعاصرة أو الحديثة فى العالم العربى (محيط المحيط، البستان، أقرب الموارد، المنجد) يعرفونه تعريفًا أدق فيقولون "تقطيع اللفظة وتعديد حروفها مع حركاتها".أما الفعل الذى يستعمل لإفادة هذا المعنى فهو "هَجَوْتُ الحروف هجوًا أو هجاءً" أو "هجوتها تهجية" أو "هجاءً" أو "هجوَّتها تهجيه" أو تهجيتها تهجيةَ". ومن ثم يجد المرء بدلا من العبارة "حروف الهجاء": "حروف التهجية" أو "حروف التهجى" ولو أن العبارة الأولى هى أشيع العبارات حتى يومنا هذا. ومن هنا كانت "حروف الهجاء" تدل على حروف الأبجد، ونجد العبارة المألوفة "ترتيب على حروف الهجاء". والقواميس التى ذكرنا آنفًا تسجل أيضًا عبارة "أحرف المبانى" (فى محيط المحيط، والأصل هـ ج و؛ وفى البستان، الأصل ب ن ى) و"حروف المبانى" (فى أقرب الموارد: الأصل ب ن ى؛ فى المنجد: الأصل ب ن ى). ولكنها تسجل "حرف المبانى" (محيط المحيط والمنجد فى مادة حرف)
стр. 3622
بمعنى الحرف الواحد (انظر أيضًا كشاف اصطلاحات الفنون، جـ ١، ص ٣١٩، س ١).
ويخصص الزجّاجى أربعة أبواب للهجاء (الجُمّل، ص ٢٦٩ - ٢٧٧) وهو يعنى فيها جميعًا بضبط الهجاء، ولكنه يبدأ الباب الثانى (ص ٢٧١) بالتفرقة بين نوعين من الهجاء، واحد "للسمع"، والآخر "لرأى العين"، وإنما يقول فى الأول "هو لإقامة وزن الشعر"، ولا يذكر المخصص (الموضع المذكور) شيئًا عن هذا. ولعل المسألة هنا هى تقسيم "تقطيع البيت" بين "الحروف المتحركة" و"الحروف الساكنة" للتثبت من "الأجزاء" أو تحقيقها.
والهجاء يفترض من قبل تمييز هوية "الحرف" ونطقه وفقًا للحركة المصاحبة. ومن ثم فإن حروف الهجاء تشمل تمييز الصوت الذى ترمز إليه العلامة. وفى علم الصوتيات يستعمل النحويون العرب "الحرف" والجمع "حروف" ليدل على نطق اللغة العربية. وهم يميزون ٢٩ "أصلا" جوهريًا، و"حروف الهجاء" بطبيعة الحال لا تتيح لنا إلا ٢٨ علامة، ولكن يجب أن نذكر أن الألف تمثل علامتين "الهمزه" و"الألف اللينة".
وثمة عبارة تتصل "بحروف الهجاء" هى "حروف المعجم"، ولكن ابن جِنِّى (سر الصناعة جـ ١، ص ٣٩ - ٤٥) ناقش معناها وبناءها النحوى فالمعجم مصدر، وهو هنا فى موضعه النحوى مضافًا إليه، يتخذ نفس صيغة اسم المفعول به nomen patientis (انظر Traite، فصل ٩٤) من الفعل الرباعى "أعجم" من "العجمة"، أى "الغموض" وعدم الوضوح مع معنى خاص هو إزالة عدم الوضوح. و"حروف المعجم" هى الحروف التى هى موضوع هذا الفعل. ويجب أن يذكر المرء الصيغة الأولى لكتابة العربية وخلوها من علامات التمييز والغموض الذى كان يكتنف معظم علاماتها. والتنوير الذى حدث فى هذه المسألة أمكن تحقيقه بإضافة علامات الترقيم التى أوضحت كل حرف فى شكل مألوف. ومن ثم فإن "حروف المعجم" هى على نحو صحيح الحروف التى عليها علامات الترقيم.
стр. 3623
وأراد الكتّاب القدماء أن يتحاشوا وقوع أى خطأ فى الكتابة التى تميز هوية الحرف فأضافوا إليه حاشية هى أن الحروف المعجمة هى الحروف التى عليها نقط والحروف المهملة هى الحروف التى ليس عليها نقط مثل: غين معجمة وعين مهملة. وهذا هو الاستعمال الثالث الذى ورد فى كشاف اصطلاحات الفنون (من شاء تفصيلا أوفى فليرجع إلى Arabic: Wright Grammar, الطبعة الثالثة جـ ١، ص ٤). ومن حيث العمل أصبحت عبارة "حروف المعجم" مرادفة لـ "حروف الهجاء" فى دلالتها على حروف الأبجد، ولكنها إنما تشير فحسب إلى الكتابة (انظر materialien: M. Bravmann, ص ٨).
و"حروف الهجاء" تشمل كل ما ينطق به فى الأبجد العربى، ومن ثم يجب علينا أن نسوق بيانًا مختصرًا بالنظرية الصوتية عند النحويين العرب فيما يتعلق بهذه الحروف والفروق التى يقولون بها. ويسجل هؤلاء النحويون ببساطة هذه الفروق تباعًا، وعناوين الفقرات التى وردت فيما يأتى قد أضفناها للمقابلة بين الأصوات عند العرب والأصوات عند الأوربيين:
١ - مبدأ الحروف: إن نقطة الانطلاق هنا هى "صوت الصدر" وهذا الصوت "عرض" و"النفس" هو "المركب" كما يقول رضى الدين الإستراباذى (شرح الشافية، جـ ٣، ص ٢٥٩، س ٧). والنحويون العرب، فى مبدأ الحروف هذا، يحتفظون بالاسم البسيط "صوت" للدلالة على الجمع بين صوت الصدر + النفس. وهم يقابلون بين الصوت والنفس ويتناولونهما لا من حيث هما حقيقتان متميزتان فحسب بل من حيث هما مختلفتان كل الاختلاف أيضا. وهذه المقابلة بين "الصوت" و "النفس" أمر جوهرى.
والحرف ثمرة "مقطع" فى هذا "الصوت" وهو يعلو فى الحلق ثم فى الفم حيثما تقابل جوارح النطق هذا "المقطع" بالصوت المتحرك. والذى يشكل الحرف حقًا هو "جرسه" الخاص (والجمع أجراس" وهو حصيلة تطبيق النطق على موضع المقطع. والأجراس تختلف باختلاف المقاطع، إذ لكل مقطع
стр. 3624
جرس، أو حرف، بل يجوز لنا أن نسميه "حرف صحيح".
والحرف الحاصل فى هذا الصوت وهو يتحرك يجعله بطبيعة الحال "مجهورًا" ذلك أن غياب النفس فى النطق به أمر أساسى. على أن النطق بحرف "مهموس" إنما يعدل "النفس" عند مخرج الحرف. فهو يحصل بالنفس وفيه. وهنا تنشأ مسألة هى كيف ينتقل المرء من واحد إلى الآخر؟ لقد وجد العرب التعريفات التى أوردها سيبويه فى "الكتاب" (جـ ٢، ص ٤٥٣، س ٢١ - ٢٢، ص ٤٥٤، س ٢ - ٣) ومن جاءوا بعده، الجواب فى مبلغ قوة النطق: ففى النطق القوى (أشْبِعَ الاعتماد) يتوقف النفس أو يرد، فلا يكون للحرف أو فيه إلا "صوت"، ويكون الحرف حينئذ "مجهورًا؛ وفى النطق الضعيف (أضعف الاعتماد) يبقى الطريق طليقًا للنفس: جرى النفس معه" [أى الحرف]، ويكون الحرف فى هذه الحالة "مهموسًا".
ومن ثم فإن تقدير قوة النطق مهم جدًا، ذلك أنه بلا شك محور النظرية، علاوة على التباين الأساسى بين "الصوت" و"النفس". على أن نحويى العرب فى بناء منهجهم على هذا النحو استحدثوا العنصر الأضعف: ذلك أنه كيف يتسبب اختلاف فى قوة النطق وجود الصوت وحدة فى حالة ووجود النفس وحده فى حالة أخرى؟ لقد حاولنا فى موضع آخر (Examen، ص ٢٠٤ - ٤٠٥) أن نتبين الظواهر التى استطاعت أن تؤدى بأصحاب النظريات العرب الأولين إلى تقرير هذا الفرق المضلل. وإيما كان الأمر فإنه يجب أن نلاحظ من أية زاوية درسوا قوة النطق: أهى بإيقاف النفس أو بالسماح له بالجريان. إن وجهة نظرهم مختلفة كل الاختلاف من علم الصوتيات الحديث. ولذلك فليس فى استطاعتنا أن نلتمس فى نظرية العرب حججًا تقارع المذهب الحديث الخاص بالحروف الساكنة الصائنة حين نحاول أن نطبق هذا على الأصوات فى العربية.
وفى مبدأ الحروف، يجب أن نشير إلى الحالة الخاصة. بحروف ثلاثة تعرف باسم "الحروف المعتلة" (أو حروف العلة أو الاعتلال) وهى "الألف
стр. 3625
اللينة" و"واو حرف المد" و"ياء حرف المد"، وهذه الحروف الثلاثة ساكنة بطبيعتها. ويتميز "مخرجها" بأنه "متسع" فالمخرج له من الاتساع ما يجعل المقطع خلوًا من أى سبب للوجود. فهو يتخذ أبعاد المخرج ويفقد كل كفايته ويصبح كلمة بلا مدلول. والصوت يجرى فى هذا المخرج باستمرار وبغير انقطاع: وهذه هى "حروف المدّ" أو "المدّ والاستطالة": جريان ليّن بلا احتكاك غليظ، وهذه هى "حروف اللين" وهذه "الحروف المعتلة" هى بذلك مستمرة أو "حروف لين" و "صوتها" يدل على عنصر صوتى صحيح: فالصوت للألف اللينة، والصوت للواو الساكنة، والصوت للياء الساكنة، ولكن ما هو الذى يجرى مع الصوت إنه "الهواء". ومن ثم فإن هذه الأصوات "فى الهواء" أو "هوائية" كما قال الخليل عدة مرات.
والنظر إلى "المقطع" على هذا النحو استحدث تقسيمًا مزدوجًا للحروف: أى بين هذه الحروف الثلاثة المعتلة التى ليس لها أى فعل فى المقطع وبين غيرها من الحروف وهى "الحروف الصحيحة" التى لها مقطع مألوف، والثلاثة الأولى ساكنة بطبيعتها، فماذا يحدث إذا غدت "متحركة"؟ إن "الألف اللينة" تغير حقيقتها فتصبح حرفًا هو الهمزة وهو حرف صحيح. أما الحرفان الآخران إذ يقويان بإدخال الحركة. يكتسبان المماثلة للحرف الصحيح ومن ثم قوة الفعل مثل الحرف الواحد. وكلاهما يبقى فى الأصل حرفًا معتلا؛ وكل ما فى الأمر أنهما يصبحان مثل الحرف الصحيح. وبذلك يكون تقسيم الحروف كاملا. والحركة ليست حرفًا وليس لها مقام هنا. ولكن وصفها بالحرف الصغير يسمح بوحدتها فى مجموعة الحرف كلها.
٢ - المخرج: وما من داع هنا يدعونا إلى أن نسوق بيانًا وافيًا آخر بجميع المخارج. وأمر ذلك ميسور فى (Gours J. Cantineau ص ١٩ - ٢٠ أو فى Traite: H. Fleisch فصل ٤٤ ب - هـ). وحسبنا أن نسوق الملاحظات الآتية:
لقد قرر الخليل دون سواه مصطلحات للدلالة على الحروف وفقا
стр. 3626
لحيز نطقها، ويجدها القارئ فى متن كان الأزهرى من أوائل من أذاعوه فيما نعلم (Le Mande Oriental، جـ ١٤، سنة ١٩٢٠، ص ٤٥، س ٧ - ١٢).
"الحلقية" ونسميها نحن الأوروبيين " Laryngeals" ويقول الخليل إنها لا تشمل إلا: الهمزة والحاء والخاء والغين، على حين يجعلها سيبويه تشمل أيضًا الهمزة والألف. وهذه الحروف هى الواو والياء يصفها الخليل بأنها جوفية لأنها صادرة من الجوف وليس لها أى حيز للنطق آخر تنسب إليه إلا الجوف. ولذلك فإنه ينحيها جانبًا عن الحروف التى لها مخارج عادية. وقد أثر هذا فى ترتيب الحروف الذى اصطنعه فى مصنفه "كتاب العين" وكذلك فى الترتيب الذى اتخذته كتب فقه اللغة التى اتبع مؤلفوها سنة الخليل (انظر "المُحْكَم والمحيط الأعظم لابن سيده طبعة مصطفى السقا وحسين نصار، جـ ١، القاهرة سنة ١٩٥٨ م = ١٣٧٧ هـ، المقدمة، ص ١٦).
وكل مأثور العرب فى النحو يقول إن الحاء والغين من الحروف الحلقية. أما علم الصوت الحديث فيعدهما من الحروف اللهوية، أو إن شئت الدقة من الحروف التى ينطق بها من خلف اللهاة.
"النَطْعِية": وهى الدال والتاء والطاء. على أن سيبويه يتبع السنة النحوية فيقول إن مخرجه "مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا".
"الذَوْلَقية": وهى الراء واللام والنون؛ والأسلية وهى: الزاى والسين والصاد. وهذان المصطلحان يدلان على النطق بطرف اللسان ولكنهما إنما يحددان شكل اللسان: مستو مرفق عند طرفه بالنسبة للمجموعة الأولى ومحدد بالنسبة للمجموعة الثانية (انظر Traite، الفصل الثالث والأربعين) وهم لا يذكرون الوضع الذى يتخذ عند النطق.
"الشَجْرِيَة": وهى الضاد، والسين والجيم من الشجر أى ركن الشفتين، ويمكن أن نفهم أن المقصود بذلك هى الحروف الجانبية Lateral التى تناسب الضاد القديمة ولكنها لا تناسب الشين أو الجيم. ويظل المصطلح غامضًا.
ويتضح من الملاحظات السابقة أن ثمة خلافات فى موضوع الصوتيات
стр. 3627
بين الخليل وسيبويه، ولكن من العجيب أننا لا نجد صدى لها فى "الكتاب". وثمة نقطة غامضة هنا فى أصول الصوتيات العربية.
٣ - طريقة النطق (١) المهجورة - المهموسة، المجهورة، والمهموسة: وهى تعبر عن الأثر الصوتى كما يتلقى ويقوّم. والحق إنه ما من شك أنها تدل على طريقة النطق التى قال علماء الصوت المحدثون بأنها الصائتة وغير الصائتة. ونظرية مبدأ الحروف التى بيناها آنفا كافية فى ذاتها للدلالة على أن العرب رتبوها وفقًا لصلتها بصوتها.
وتعبر مصطلحات سيبويه عن نتيجة التجربة المقترحة للتمييز بين المجهورة والمهموسة، فالأولى حروف ليس لها إلا صوت، والثانية حروف لها نفس، كما تعبر أيضًا عن الشأن المميز لقوة النطق. وهذان هما المصطلحان.
"فالمهجورة حرف أشبع الاعتماد فى موضعه ومنع النَّفس أن يجرى معه حتى ينقضى الاعتماد عليه ويجرى الصوت".
"وأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد فى موضعه حتى جرى النفس معه".
والحروف المجهورة هى: الهمزة، والألف والعين، والغين، والقاف، والجيم، والياء، والضاد، واللام، والنون، والراء، والطاء، والدال، والزاى، والظاء، والذال، والباء، والميم، والواو.
والحروف المهموسة هى: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والشين، والسين، والتاء، والصاد، والثاء، والفاء. وقد جمع المفصل بينهما فى عبارة تساعد على التذكر فقال: ستشحثك خصفه.
وجميع الحروف المهموسة تطابق الحروف الساكنة غير الصائتة فى علم الصوتيات الحديث، ولكن وجود الهمزة والطاء والقاف بين الحروف المجهورة له مغزاه. أما فيما يختص بالحرف الأول وهو الهمزة فقد تناولنا الصعوبة فيه بمادة "همزة". أما حرف الطاء فهو بلا شك حرف ساكن صائت فى النطق الذى وصفه سيبويه: وهى دال شديدة؛ وثمة نص له حاسم (جـ ٢، ص
стр. 3628
٤٥٥، س ٩) يفرق فيه بين الطاء والدال بالإطباق فحسب، أما بخصوص حرف القاف، فلا شك أنه كان يوجد نطق صائت له، على الأقل فى جزء من العالم العربى القديم، فإذا كان هذا لم يوجد فإن من الصعوبة أن نشرح السبب فى أن هذا الصوت كان ينطق به تمامًا على هذا النحو الذى أصبح فى الوقت الحالى علامة مميزة بين اللهجات البدوية (صائت" ولهجات الحضر "غير صائت" (انظر Traite, فصل ٤٦ هـ) أما عن تاريخ هذه المسألة فأرجع إلى: . J Cours: Cantineau ص ٢١ - ٢٢ نبذة ١٨٧؛ Fleisch Traite: , فصل ٤٦، ب - ج).
(٢) المطبقة - والمفتوحة: وقد اصطنع ابن جنّى (سر الصناعة)، جـ ١، ص ٧٠، س ١٢) النقطة الجوهرية فى الشرح الذى به جاء سيبويه (جـ ٢، ص ٤٥٥، س ٥ - ٧) ووصف الإطباق بأنه رفع مؤخرة اللسان إلى الحنك الأعلى، بحيث يصبح الحنك الأعلى طبقا لهذا الجزء من اللسان (كشاف اصطلاحات الفنون، جـ ١، ص ٣٢٣, س ١٦ - ١٨). وهذه الحركة التى تفترض خفض الجزء الأمامى من اللسان، تتحصل بالاتجاه نحو الحنك اللين أو اللهاه؛ ومن ثم فإن "الإطباق" يترجم ترجمة حسنة بلفظة Velarization وتكون الحروف المطبقة هى التى تسمى عند الإفرنج Velar. أما المنفتحة ومعناها لغة واضح فهو الحروف التى لا إطباق فيها. ويمكن أن نترجمها Non - uelar.
والحروف المطبقة هى: ص، ظـ، ط، ض. أما ما عداها فهى جميعًا "حرف منفتحة" ولكننا سنميز من بينها الحروف التى هى "مستعلية". (انظر فقرة "٣").
والحروف المطبقة تسمى فى كثير من الأحيان "الحروف الساكنة الشديدة". ولا يوجد فى نمط الشدة بلغات إثيوبيا السامية "إطباق" بل أصوات خارجة من مزمار اللسان - glo taltization أى حبس مزمار اللسان مع سماع همزة نطق شديد (انظر التفصيل فى Consonantisme: J. Cantineau، ص ٢٩١). وقد فحص مارسية بالراديوسكوب النطق المفخم لهجة
стр. 3629
مغربية [Articulation de L': Ph. Marcais emphose dans un parler maghribien فى Annals de l, Institut d, Etudes Oriealesde Umiuersite d, Alger l,, جـ ١٧، سنة ١٩٤٨] ص ٥ - ٢٨) فكشف عن صورة أخرى من التفخيم هى النطق الخارج من البلعوم Phayngalization ولكن الكشوف فى هذا الميدان قد تكون غير كاملة. ومن ثم فإنا نعد نمط الشدة أو التفخيم الذى وصفه نحويو العرب صحيحًا (انظر Traite, فصل ٤٦ - ط - ك).
٣ - المستَعْلِيةَ - والمنخفضة: "الحروف المستعلية" هى الحروف الأربعة المطبقة التى تناولناها وشيكًا مضافًا إليها القاف والغين والخاء. أما الحروف الأخرى فمنخفضة. ورفع مؤخرة اللسان للمطبقة تجعل هذه الحروف مستعلية. أما بخصوص الحروف ق، غ، خ فإن رفع اللسان لا يبلغ المبلغ الذى يجعل الحنك طبقًا على اللسان فى قول رضى الدين الأستراباذى (شرح الشافية، ص ٣، ص ٢٦٢ , س ٨ - ٩). وهذا فى رأيه إطباق منقوص أو بداية إطباق. وأهمية هذه الحروف المستعلية هى أنها تمنع "الإمالة" كما سبق أن لاحظ سيبويه (جـ ٢ ص ٢٨٥، س ٢٠). وهى تحتفظ بأهميتها لدارس اللهجات الحديثة حيث ترتبط بمسألة "التفخيم" (انظر Cours: Cantineau, ص ٢٣ - ٢٤؛ Traite, فصل ٤٨ ب).
(٤) الحروف الشديدة والرخوة والبينية:
والحروف الشديدة هى: الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء.
والحروف الرخوة هى: الهاء، والحاء، والغين، والشين، والصاد، والضاد، والزاى، والسين، والظاء، والثاء، والذال، والفاء.
والحروف البينية هى العين، واللام، والميم، والنون، والراء، والواو، والياء، والألف ويورد المفصل العبارات الثانية للتذكير بالأولى أجدت طبقك أو أجدك قطبت ويورد للأخيرة: لم يروعنا أو لم يرعونا.
стр. 3630
والبينية هى التى بين بين، والاصطلاح حديث وإن كان مناسبًا، وقد استعمله محمد مكى فى كتابه "النهاية" الذى أتمه سنة ١٣٠٥ هـ (١٨٨٧ م؛ وقد استشهد به (M.Brav- Materialen: mann، ص ١٩) وكانت السنة القديمة هى استعمال جمل مثل المفصل (فصل ٧٣٤): "تلك التى بين الشديدة والرخوة". والعرب بتقسيمهم الحروف إلى شديدة ورخوة قد اهتدوا إلى نفس الحقيقة التى اهتدى إليها علماء الأصوات المحدثون بتقسيمهم الحروف إلى حروف Occlusiue وحروف constrictiue، ولكن هذين المصطلحين ذاتهما لا يعبران مباشرة عن الوضع الفسيولوجى الذى يفترض وجوده المصطلحان الإفرنجيين، وإنما يعبران عن درجة تفاوت الشدة فى النطق.
ولا يرى العرب فى البينية ما يتمثل عادة فى المصطلح الإفرنجى الأول ولا ما يتمثل عادة فى المصطلح الإفرنجى الثانى، وهناك ما يقال فى هذه النظرة انظر (Cours: Cantineau ص ٢٢ - ٢٣؛ Traite، فصل ٤٧ ج د) إلا العين، فإن المرء لا يجد فيها شيئًا يستدعى إفرادها، ولكن خواص الحروف البينية لا تبرر أن نفردها بفئة ثالثة. أما عن شروحها التى أتى بها العرب فإن أوضح شرح هو الذى ورد فى شرح الشافية (جـ ٣، ص ٢٦٠، س ٨) وقد ردده كشاف اصطلاحات الفنون (جـ ١، ص ٣٢٢، س ٢٠).
وهناك تقسيمات صغرى للحروف قررها العرب، وحسبنا أن نذكر هنا "حروف القلقلة" وهى القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء؛ و"حروف الذلاقة" وهى اللام، والراء، والنون، والفاء، والباء، والميم (انظر J. Cantineau: Cours, ص ٢٤؛ Traite فصل ٤٨ اوج؛ وانظر أيضًا كشاف اصطلاحات الفنون فى مادة "حرف")
وأما حساب الجمّل للحروف فأنظر عنه مادة أبجد وانظر عن استعمال هذه الحروف فى السحر مادة "حروف".
المصادر:
جرى النحويون العرب على أن يبدءوا دراستهم للصوتيات قبل باب الإدغام تمهيدًا لدرسها.
стр. 3631
(١) سيبويه: الكتاب، جـ ٢، باريس سنة ١٨٨٩، باب ٥٦٥ (طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ٤٠٤ - ٤٠٧) وله أهمية كبرى.
(٢) الزمخشرى: المفصل، الطبعة الثانية على يد J. P Broch، كرستيانا سنة ١٨٧٩, الفصول ٧٣٢ - ٧٣٤ (القاهرة سنة ١٣٢٣)، ص ٣٩٣ - ٣٩٦.
(٣) ابن يعيش أبو البقاء: شرح المفضل للزمخشرى، طبعة G. Jahn, ليبسك سنة ١٨٨٦، جـ ٢، ص ١٤٥٩ - ١٤٦٧) طبعة القاهرة، جـ ١٠، ص ١٢٣ - ١٣١).
(٤) الزَجاجى: الجُمل، طبعة محمد بن أبى شنب (محمد بن شنب)، الجزائر سنة ١٩٢٧، باريس سنة ١٩٥٧، ص ٣٧٣ - ٣٨٧.
(٥) رضى الدين الأستراباذى: شرح الشافية، القاهرة ١٣٥٨ هـ = ١٩٣٩ م جـ ٣، ص ٢٣٣ - ٢٩٢.
(٥) وعن متن الشافية لابن الحاجب، انظر الكتاب المذكور، ص ٢٥٠، ٢٥٤، ٢٥٧، ٢٥٨.
(٧) وثمة مصنفات فى علم الصوت: ابن جنى: سر صناعة الإعراب، جـ ١، طبعة القاهرة سنة ١٣٧٣ هـ = ١٩٥٤ م.
(٨) المدخل (ص ٦ - ٤٥) والفصل الأول (ص ٤٦ - ٧٧) وهما مهمان بصفة خاصة.
(٩) ابن سينا: أسباب حدوث الحروف، ص ٢٠ وما بعدها، من قطع الثمن، القاهرة سنة ١٣٣٢ هـ؛ طبعة حديثة معتمدة على أربعة مخطوطات قام بها ب. ن خانلرى، طهران سنة ١٣٣٣ هـ (مطبوعات جامعة طهران، رقم ٢٠٧).
(١٠) وأنظر أيضًا تحت مادة "حرف" جـ ١ من كتاب كشاف مصطلحات الفنون، كلكتة سنة ١٨٦٢.
(١١) وحسبنا أن نذكر من الكتاب فى التجويد الوافى: كتاب التيسير فى القراءات السبع، طبعة Bib-: O. Pretzl liotheca Islamica، جـ ٢، ١٩٣٠).
(١٢) ويسجل كتاب المزهر للسيوطى حقائق كثيرة عن علم الصوت (بولاق سنة ١٨٢ هـ القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ) ولكنه لم يثبت الحركات
стр. 3632
ومن ثم كان عسيرًا فى الاستعمال؛ وعرض المتن فى أحدث طبعة، وهى طبعة مصطفى عيسى الحلبى أحسن بكثير، وقد أشرنا إليها باسم المزهر، الطبعة الثالثة.
مصادر الكتاب الأوروبيين:
(١) Cours de Phon-: J. Cantineau etique arabe, الجزائر، سنة ١٩٤١ - Es - quisse d, une phonologu de, arabe class rque
(٢) الكاتب نفسه - Bulletin de la So ciete de Linqurstrque de parrs، رقم ١٢٦، جـ ٤٣, سنة ١٩٤٦, ص ٩٣ - ١٤٠.
(٣) الكاتب نفسه: Le onsonantisme du semitique، فى، جـ ٤، سنة ١٩٥١ - ١٩٥٢، ص ٧٩ - ٩٤؛ وقد أعيد طبع هذه الكتب فى المجلد التذكارى لجان كانتنه Etudes e linguistiques arabe باريس سنة ١٩٦٠، وهذا المجلد التذكارى يرجع إليه هنا (وفى غير ذلك من المواد التى كتبتها عن حرف الهاء وما بعده) بالعناوين المختصرة. Cours و Consontisme و Esqusse وتشمل - Es quissell (ص ١٦٦ - ١٧٨) الاعتراضات الصوتية للعبارات العربية التى تذكر بالحروف ومسألة المفارقات (ص ١٩٩ - ٢٢٢) وهما موضوعان لا يمكن أن نتناولهما هنا: ويحتوى الـ Cours ص (١٢٣ - ١٢٥) على مصادر بالكتاب العرب عامة والأوروبيين خاصة فيما يختص بالعربية الفصحى واللهجات، وهذه المصادر قد أخذت وأكملت فى - Na tions generales de phonetique et e phono- logie فى نفس هذا المجلد التذكارى (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٣) وحسبنا أن نذكر هنا: . M.S A Crammar of the Classical Ar-: Howell abic Language, جـ ٤، الله آباد سنة ١٩١١، ص ١٧٠٢ - ١٧٣٩.
(٤) Schaade Sibawaih's Lout-: A. lehre ليدن سنة ١٩١١، ص ١٧ - ٢٣، الترجمة الألمانية لباب ٥٦٥ من الكتاب لسيبويه.
(٥) وانظر عن شرح السيرافى على هذا الباب G. Troupeau فى Arabica جـ ٥، سنة ١٩٨٥، ص ١٨٢ - ١٨٦.
(٦) Materialien und: M. Bravmann Untersuchungen zu den phonetischen
стр. 3633
Lehren der Araber كوتنكن سنة ١٩٣٤، ص ١١٢ - ١٣١, هو ترجمة ألمانية للرسالة المذكورة آنفا لابن سينا طبقًا لطبعة القاهرة.
(٧) The phoneties: W. H. T Gairdner of Arabic أوكسفورد سنة ١٩٢٥.
(٨) Etudes de Phonetique: H. Fleisch Arab فى Melanges USJ، جـ ٢٨، سنة ١٩٤٩ - ١٩٥٠، ص ٢٢٥ - ٢٨٥.
(٩) الكاتب نفسه La conception phonelique des Arabes d, apres le Sina, ta Al, Irab d, Ibn Djinni فى - Morgenl. Ge Zeitschr der Deutsch: sells, جـ ١٠٨، سنة ١٩٥٨، ص ٧٤ - ١٠٥، وهو دراسة أدت إلى مبدأ الحروف المجهورة والمهموسة (Examen critique بحث نقدى) فى Melanges USJ، جـ ٣٥، سنة ١٩٥٨، ص ١٩٣ - ٢١٠ (ويشار إليه بلفظ Examen).
(١٠) الكاتب نفسه: - Traite de phi lologie arabe بيروت سنة ١٩٦١، ص ٢٠٠ - ٢٤٤. أو الفصل ٤١ - ٥٠ (ويشار إليه بلفظ Traite).
(١١) وقد عرض بروكلمان لجميع النقاط الهامة للصوتيات فى العربية الفصيحة وفى اللهجات فى Grundriss -der uergleichenden Grammatik der semi tischen Sprachen جـ ١ برلين سنة ١٩٠٨، ص ١٤١ - ٢٨٢.
(١٢) S. Moscati وهو يحصر بحثه فى العربية الفصحى فى - Il sistema con sonantico delle lingue semitigh، رومة سنة ١٩٥٤.
(١٣) أما M.Cohen فيشمل بحثه ميدانًا واسعًا كما يتبين من عنوانه - Es sai comparatif sur le uocabulaire et le phonetique du Chamito semitique, باريس سنة ١٩٤٧ (ويشار إليه بعبارة Essai comparatif) .
(١٤) ونذكر أخيرًا أن فلايش نشر نصًا مهمًا جدًا لسيبويه نقله السيرافى فى شرحه وذلك فى بيان الفرق بين الحروف المجهورة والمهموسة فى L' arab classique, Esquisse d, une structure linguistique, بيروت سنة ١٩٥٦، ص ١٣٤ - ١٣٦ (ويشار إليه بلفظ Es- quisse).
(١٥) وانظر أيضًا مواد "اللغويات" و"الصوتيات".
خورشيد [فلايش H.Fleisch]
стр. 3634
الحريرى
(ولد عام ٤٤٦، وتوفى فى ٦ رجب عام ٥١٦) وهو أبو محمد القاسم بن على بن محمد بن الحريرى: نحوى وكاتب رشيق؛ ولد وشب فى المَشَان بالقرب من البصرة ودرس بالبصرة. وتذكر المصادر أنه تلقى العلم على الفضل بن محمد القصَبَانى، وهذا خطأ لأن الفضل هذا توفى عام ٤٤٤ هـ وولى فى البصرة منصب "صاحب الخبر" فى ديوان الخلافة (انظر الطبرى، جـ ٣، ص ١٢٦٠، س ١٣) وظل هذا المنصب لأولاده حتى عهد عماد الدين الإصفهانى الذى زار البصرة عام ٥٥٦. وكان بيت الحريرى فى حى بنى حرام، أما عمله فكان فى المشان. وقد تردد على بغداد (كما حدث فى عام ٥٠٤) والظاهر أنه أدى فريضة الحج. ويظهر أن رحلاته الأخرى لم تدون. وقد اتصل بحكم منصبه بكثير من أعيان قصبة الخلافة.
والمقامات أشهر تواليفه، وهى مجموعة من خمسين مقامة احتذى فيها مقامات بديع الزمان الهمذانى وفيها يقص الحارث بن همام مغامرات رجل يدعى أبا زيد السروجى. ويؤكد المؤرخ ابن الدبيثى أن أبا زيد هذا شخص حقيقى يدعى المطهر بن سلام أهدى إليه الحريرى أشعاره، ولكن لا شك فى أن هذا القول من نسج الخيال شأنه فى ذلك شأن الأبطال الذين ورد ذكرهم فى القصص الأخرى. ويذكر هبة الله ابن سعيد بن التلميذ - صديق الحريرى وأحد الذين كاتبوه - أن الحريرى بدأ مقاماته عام ٤٩٥ وانتهى منها عام ٥٠٤، والتاريخ الأول صحيح لأن المقامات قد تحدثت عن استيلاء الفرنجة على مدينة سروج عام ٤٩٠، أما التاريخ الثانى فهو متقدم كثيرا على ما يظهر إذا كان ابن الأثير على حق فيما ذكره من أن دبيس الأسدى كان شابا عام ٥٠٣ فى حين أن المقامات ذكرت هذا الشخص على أنه إحدى الشخصيات المعروفة. واختلفت الآراء فى الشخص الذى ألفت هذه القصص نزولا على رغبته، وقد ذكر فى هذا الشأن اسما وزيرى المسترشد: أبو على ابن صدقة (٥١٢) وأنو شروان بن خالد.
стр. 3635
وقد غدت المقامات من أمهات التواليف فى عهد ناظمها الحريرى، وهو يزعم انه أجاز سبعمائة نسخة منها، واحتفظت المقامات بشهرتها على الرغم من تجريح شانئيها أمثال ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب الفخرى. وقد أخبر شميم الحلى (المتوفى عام ٦٠١) أحد شراحها المتقدمين ياقوت أنه إنما خلقه الله ليظهر فضل الحريرى العظيم، ذلك أنه وإن بز عيون الأدب العربى جميعا فإنه يجد نفسه عاجزا عن أن يسامى المقامات؛ ومقامات الحريرى دون مقامات الهمذانى ابتكارا إلا أنها تفوقها فى السهولة وامتلاك ناصية اللغة العربية والمقدرة الشعرية. وتعدت شهرة المقامات حدود الجماعة الإسلامية إلى اليهود والنصارى الذين ترجموها أو حاكوها باللغتين العبرية والسريانية. وقد ترجم شولتنز Schultens وريسكه Reiske نماذج من هذه المقامات إلى اللاتينية فى القرن الثامن عشر وطبع ده ساسى De Sacy هذه النماذج طبعة تذكارية عام ١٨٢٢, وصدرت منها بعد ذلك طبعات متعددة شرقية وأوربية كما ظهرت تراجم لها فى كثير من اللغات الأوربية الحديثة مثل ترجمة روكرت Ruckert الألمانية - Die Verwandlungen des Abu Said von Se rag ١٨٢٦ الخ وترجمة Chemery and Steingass إلى اللغة الأنجليزية (لندن عام ١٨٩٨).
واختار عماد الدين طائفة من رسائل الحريرى ضمنها كتابه "الخريدة" وأورد ياقوت مختارات أخرى من هذه الرسائل فى ترجمته للمؤلف (معجم الأدباء، جـ ٦).
وهناك رسالتان من رسائله تعرف إحداهما بالرسالة الشينية والأخرى بالرسالة السينية، ذلك لأنه التزم فى الرسالة الأولى حرف الشين وفى الرسالة الثانية حرف السين، وقد طبعتا فى كتاب أرنولد المعروف باسم - Chres tomathy . وتتناول بعض الرسائل التى أوردها ياقوت فى كتابه المنظومة النحوية المسماة "ملحة الإعراب" التى نظمها الحريرى تلبية لرغبة ابن التلميذ الذى ذكرناه آنفا.
أما رسالة الحريرى الباقية المعروفة باسم "درة الغواص" فهى نقدات لشتى
стр. 3636
التعابير التى تستعمل استعمالا خاطئا، وقد نشر ده ساسى مقتطفات من هذه الرسالة فى كتابه - Anthologie Gram maticale وطبعت الرسالة بأكملها منذ ذلك الوقت، وقد ذيلت طبعة الآستانة عام ١٢٩٩ هـ بشرح لشهاب الدين خفاجى ناقش فيه كثيرا من أقوال المؤلف.
المصادر:
(١) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ٦، ص ١٧٩ - ١٧٤.
(٢) ابن خلكان: ترجمة ده سلان جـ ٣، ص ٤٩٠ - ٤٩٤.
[مركوليوث D.S.Margolyouth]
حزب
والجمع أحزاب ومعناها جماعة الناس وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم، والحزب أيضًا النصيب؛ ولعل اللفظ مستعار من اللغة الأثيوبية. والمعنى الأصلى للفظ فى اللغة العربية هو الإصابة أو الغلظ (كذلك قال نولدكه Neue Beitraege: Noeldeke؛ ص ٥٩؛ تعليق ٣) وورد اللفظ فى القرآن للدلالة على المنافقين. ومعظم المعانى التى ورد بها هذا اللفظ مسيئة. فقد جاء فى سورة الأحزاب مثلا ذكر حصار اليهود وحلفائهم أهل مكة ونجد وتهامة المدينة (ابن هشام، ص ٦٦٨ وما بعدها، غزوة الخندق) وقد وردت عبارة "حزب الله" فى الآية ٢٢ من سورة المجادلة بمعنى حسن، ولكن لفظ حزب، أى نصيب، سرعان ما اكتسب نفس المعنى الاصطلاحى الذى لكلمة وِرْد، وهو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة وصلاة (انظر فيما يتصل باستعمالات هذا اللفظ فى الحديث لسان العرب، جـ ١، ص ٢٩٩، س ٩ وما بعده)، أما تحزيب القرآن فقد تطور فى بعض البلاد الإسلامية حتى أضحى القرآن مقسما ٦٠ حزبا كقسمته ثلاثين جزءا، وهذا هو الحال فى مصر (انظر Lane: Modern Egyptians, الفصل ٢٧؛ Arabian Nights الفصل الخامس، التعليق ٨٢) والظاهر أن هذا لا يصدق ولم يصدق فى كل البلاد جميعا، فالغزالى فى كتابه "الإحياء" يتكلم فى معرض حديثه عن
стр. 3637
تلاوة القرآن (الكتاب الثامن من الربع الأول من الباب الثانى، طبع وشرح سيد مرتضى، جـ ٤، ص ٤٧٠ وما بعدها) عن الأجزاء الثلاثين، وإنما يتكلم عن "حزب" واحد بصفة عامة، ويتوقف عدد الأحزاب على ما جرى عليه كل متعبد، وما زال الأمر على هذا فى الهند، ذلك أن هيوز فى معجمه عن الإسلام Dictionary of Islam: Hughes لا يعرف هذه الكلمة، وكذلك كشاف اصطلاحات الفنون فيما يظهر، فلما ظهرت رباطات الدراويش اقترنت الكلمة بهم خاصة، فكل رباط فى مصر حزب (Modern Egyptian: Lane؛ الفصل الثامن عشر) ويطلق لفظ حزب أيضا على "ذكر" كل رباط يتلوه فى الحضرة التى يعقدها كل جمعة فى الزاوية أو التكية، ويتألف الذكر من مختارات مطولة من القرآن وغيره من الصلوات، والظاهر أنه أخذ من هذا المعنى معنى آخر يطلق فى نطاق ضيق على الأدعية التى يعدها الأولياء للتلاوة بانتظام أو إذا دعت إليها حاجة خاصة. وكان الإسلام يعتز دائما بمثل هذه الأدعية، فالجزء الأخير من الكتاب التاسع من الربع الأول من الإحياء (كتاب الأذكار، الطبعة المذكورة آنفا، جـ ٥، ص ٦٢ وما بعدها)، يشتمل على مجموعة من هذه الأدعية المشهورة التى وضعت من عهد آدم إلى عهد أولياء الصوفية (انظر أيضا الجاحظ: كتاب البيان، جـ ٢، ص ١٢٧ وما بعدها، طبعة القاهرة سنة ١٢١٢) ولكن يؤخذ من تعريف بروكلمان للفظ حزب (Gesch, الفهرس تحت كلمة حزب، جـ ٢، ص ٦٢٢ وما بعدها) وتعريف حاجى خليفة له (جـ ٢، ص ٥٦ - ٦٠) أن كلمة حزب لم تطلق على هذه الأدعية إلا فى القرن السادس للهجرة. فالغزالى (المتوفى عام ٥٠٥ هـ = ١١١ م) لا يتكلم إلا عن الدعاء. وأول حزب سجل هو الحزب الذى وضعه عبد القادر الجيلانى (المتوفى عام ٥٦١ هـ)، ووضعت بعد ذلك أحزاب كثيرة من تصنيف ابن عربى (المتوفى عام ٦٣٨ هـ) وأحمد البدوى (المتوفى عام ٦٧٥ هـ) والنووى (المتوفى عام ٦٧٦ هـ) وغيرهم، وأشهر هذه الأحزاب جميعا حزب البحر للشاذلى ويسمى أيضا الحزب الصغير تمييزا له عن
стр. 3638
حزب آخر للشاذلى أطول من الأول ولكنه دونه شهرة، وهذا الحزب محبب إلى المسافرين وخاصة من يركبون البحر لأنه فى معظمه يسخر البحر لهم، وقد كتب سنة ٦٥٦ هـ, وهى السنة التى توفى فيها الشاذلى، وكانت كتابته بإيحاء من النبى [ ﷺ ]، وهو يشتمل اسم الله الأعظم. وقد استولى المغول على بغداد فى تلك السنة؛ وقيل على وجه التحقيق إن الشاذلى قال إن بغداد ما كانت لتسقط لو أن حزبه تلى فيها، وقد أورد ابن بطوطة نصه كاملا (جـ ١، ص ٤٠ وما بعدها، وانظر أيضا Zeitscher. d. Deutsch. Morgenl. جـ ٧، ص ٢٥؛ أما ترجمة Pilgrimage: Burton, الفصل الحادى عشر فناقصة جدا) وهو فقير من حيث تعلق العبد بالحق ولكن فيه إشارات قرآنية كثيرة، وتتردد فيه الحروف الغامضة الواردة فى رؤوس بعض السور، وقد أضفى عليه هذا قيمة طلسمية وضمن له الذيوع. وورد فى الفهرست (ص ٣٠٧، س ٧ انظر أيضا التعليق) جمع حزب على أحزاب بمعنى تعاويذ، ولكن النص غير موثوق به؛ ولم يذكر آلوارت Ahlwardt المصدر الذى استقى منه تأكيده (Verzeichnis، جـ ٣، ص ٢٢٥) بأن الأحزاب سميت أحزابًا لأن الأدعية إلى الله فيها قد نظَّمت طوائف بذاتها " Gewissen Gruppen".
المصادر:
أضف إلى المصادر السابق ذكرها فى صلب المادة، Verzlichnis: Ahlwardt der ar. Handschr. zu Berlin جـ ٣؛ ص ٤٠٧ - ٤١٤.
خورشيد [مكدونالد D.B.Macdonald].
الحسا
(أو الأحساء، ويقال أيضا الحساء) واحة، وإن شئت الدقة مجموعة من الواحات فى شرقى السعودية، وتقوم على خط طول ما بين ٢٥ ْ ٢٠ َ ٢٥ ْ ٤٠ َ تقريبا شمالا، وما بين خط عرض ٤٩ ْ ٣٠ َ و ٤٩ ْ ٥٠ َ شرقا. وقد استعمل الاسم أيضا للدلالة على الإقليم الشرقى لجزيرة العرب برمته. وقصبة الحسا الهُفوف على مسيرة ٦٥ كيلو مترا من الخليج العربى (الفارسى) فى الداخل.
стр. 3639
ويشتق الاسم من "حِسى" وهو النقب فى الأرض الرملية له طبقة تحتية من الحجر يستبقى ماء المطر مدة طويلة، وهذا الماء يمكن بلوغه فى يسر إذا حفرت الأرض قليلا. ومتوسط ارتفاع الواحة ١٧٥ مترا فوق سطح البحر.
والحسا مساحتها نحو ١٨٠ كيلو مترا مربعا من البساتين، وهى تكاد تكون على شكل حرف L الإفرنكى: والهفوف على قمته: وتكون الواحات الشمالية ضلع الزاوية القائمة هى وطائفة كبيرة من البساتين والقرى تعرف فى مجموعها بالشروق.
والفرع الرأسى الذى يتجه إلى الشمال الجنوبى طوله حوالى ٢٥ كيلو مترا. أما الفرع الأفقى فيبلغ طوله حوالى ٢٥ كيلو مترا واتجاهه شرقا بغرب. والأجزاء المزروعة غير متصلة وتقطعها مناطق رملية وطبقات من الحجر الجيرى بارزة من تحت الأرض وسبخات كبيرة بعض الشئ تستخدم بمثابة أحواض تحتجز المياة الشديدة الملوحة التى تصرفها البساتين وخاصة فى فصل الشتاء القليل البخر. وجو الأحساء حار رطب فى الصيف، وإن كان أقل رطوبة من الأقاليم الساحلية، ولكن الجو رطيب جدا فى الشتاء. ومتوسط الترسب السنوى حوالى ٧٠ م. م. ويقدر عدد السكان فى الوقت الحالى بحوالى ٢٠٠,٠٠٠ نسمة يعيش نصفهم تقريبا فى القصبة الهفوف وفى بلدة المُبَرزَّ على مسيرة كيلو متر ونصف تقريبا شمالى القصبة. وتتوزع بقية السكان فى حوالى ٥٠ قرية ود سكرة فى المناطق المزروعة وأكبرها يعمره نحو من ٤٠٠٠ ساكن. وينقسم السكان قسمين متساويين تقريبا من أهل السنة والشيعة على مذهب الإثنى عشرية. والمذاهب الأربعة ممثلة بين سكان الحسا، على أن المذهبين السائدين منها هما الحنبلية التى زاد شأنها فى الأزمنة الحديثة، والمالكية التى لها تقاليد متميزة فى الواحة. وكانت الحسا فى القرون الوسطى مركزا مهما لدراسة المذهب المالكى.
وفى الحسا نيف وإثنا عشر ألف هكتار من الأرض تحت الزراعة وفيها أيضا ما يقرب من ثلاثة ملايين نخلة،
стр. 3640
ومن ثم فإنها أكبر الواحات فى العربية السعودية وأغناها. وعماد الزراعة فى الحسا الماء الموفور الذى تتزود به من آبار صناعية تزيد على الستين بئرا ينصب منها ما يربى على ٧٥,٠٠٠ لتر من الماء فى الدقيقة. ومنذ صدر القرون الوسطى على الأقل حين كان الإقليم يسمى هجر نسبة لقصبته، كان البلح هو أوفر وأشهر المحصولات المحلية، ومن ثم جاء المثل "كناقل التمر إلى هجر" وهو على غرار المثل الإنكليزى "كناقل الفحم إلى نيو كاسل" وأوسع صنف محلى انتشارا من البلح هو ما يعرف باسم "رُزْيْز" (وينسب إليه السكان أحيانا على سبيل المزاح فيقال لهم "الرزيزية")، أما الصنف الذى يعد خير البلح جودة فهو "الخُلاص". وقد أحصى فى الحسا ما يزيد على سبعين صنفا مختلفة من البلح لا يستعمل بعضها إلا علفا للحيوان، وثمة بند آخر له أهمية اقتصادية اشتهرت به المنطقة منذ وقت طويل وهو نوع محلى من الحمير البيضاء الطوال، كانت فى يوم من الأيام تصدّر بكثرة وخاصة إلى مصر والعراق. وطرأت على نظام الغذاء تغيرات ودخلت وسائل النقل بالعربات فأدى هذا إلى هبوط متوقع فى الأهمية الاقتصادية للبلح والحمير. على أن زيادة دفع الأجور بالنقد التى ترجع إلى نمو صناعة البترول فى الولايات الشرقية من العربية السعودية قد أحدث انتعاشا فى التجارة والمرافق والصناعات الخفيفة كما أحدث تنوعا أكثر فى المحاصيل الزراعية، وأصبح لصناعة المنسوجات (ويعمل منها محليا البشت الذى كان له من زمن بعيد شهرة يستحقها)، شأن، ولا تزال هذه الصناعة مادة هامة فى الكيان الاقتصادى للحسا.
تاريخها: إن الدراسة المفصلة لتاريخ الحسا، وخاصة فى عصورها القديمة، لا تزال تنتظر من يقوم بها. ويذهب البعض إلى أن الإقليم الذى كان يعرف فى القديم باسم "أتّين" ربما كان هو ما يعرف الآن بالحسا، ولكن ما من إشارة أخرى فى المصادر القديمة يمكن أن تكون ذات صلة بالواحة. ولا شك أن هذه المنطقة عرفت بالحسا (أو الأحساء) فى زمن النبى ﵊،
стр. 3641
وقد دخل معظم أهلها فى الإسلام فى تاريخ مبكر، ولو أنهم تمردوا على السلطة المركزية عدة مرات. وكان أشهر هذه الفتن فتنة القرامطة إذ أتوا بالحجر الأسود من مكة واحتجزوه فى منطقة الأحساء عشرين عاما أو نحوها.
وجاء فى المصادر العربية التى ترجع الى أيام القرون الوسطى أن الحسا كانت فيما يقال حصن البحرين غير بعيد من هجر قصبة الإقليم القديمة. وقد أنشأ هذا الحصن القائد القرمطى المشهور أبو طاهر الجنَّابى سنة ٣١٤ هـ (١٠٥١ م) بالقرب من محلة تعرف بالحسا. وأطلق أبو طاهر على الحصن "المؤمنية". على أن الحصن والمحلة جميعا ظلا يسميان بالاسم القديم. وفى سنة ٤٤٣ هـ (١٠٥١ م) زار المنطقة ووصفها الفارسى ناصر خسرو، ولوصفه للحكومة القرمطية أهمية خاصة. وقضى آخر الأمر على سلطان القرامطة على يد أسرة من أهل الحسا هى العيونية.
وثمة آثار للفخار العباسى فى الواحة، وهذا يدل على أن الحسا كانت كثيفة العمران فى صدر العصور الإسلامية. على أنه ليس من المحتمل أن يكون البرتغاليون والفرس الذين حكموا جزيرة البحرين أو احتلوها فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) على التوالى، قد مدوا حكمهم إلى الواحة. وقد حدث فى العصور المتأخرة أن طمع وهابيو نجد والأتراك فى الواحة بفضل موقعها الجغرافى ومواردها، إلا أن أمراء بنى خالد الذين ظلوا سادة على الأحساء عدة سنين قد حاربوا فى هذه الأثناء للاحتفاظ بسيادتها لها. وسلمت الأحساء أول ما سلمت للوهابيين سنة ١٢٠٩ هـ (١٧٩٣ م) واحتل الجيش المصرى لمحمد على باشا الواحة فيما بين عامي ١٢٣٥ هـ (١٨١٩ م) و ١٢٤١ هـ (١٨٢٥ م) وتنازعها بنو خالد والوهابيون بين عام ١٢٤١ هـ (١٨٢٥ م) وعام ١٢٤٧ هـ (١٨٣٠ م) وأصبح للوهابيين اليد العليا فيها آخر الأمر، بيد أنهم اضطروا إلى التخلى عن المنطقة مدة قصيرة للمصريين سنة ١٢٥٥ هـ (١٨٣٩ م). واحتل الأتراك الواحة سنة ١٢٨٩ هـ. وجعلوا المنطقة
стр. 3642
سنجقا فى ولاية البصرة. وكانت الحسا فى أثناء الاحتلال التركى مركزا إداريا لسنجق ومقرا للباشا المتصرف. وطرد الأتراك من الجزيرة آخر الأمر على يد عبد العزيز بن سعود سنة ١٩١٣.
وكان حكم المصريين والأتراك والوهابيين حتى سنة ١٣٣٢ هـ (١٩١٣ م) حكما لا يتصف بالأمن. فقد كانت قبيلتان بدويتان مع شرقى جزيرة العرب هما بنو خالد وعُجْمان تغيران باستمرار عل قرى الحسا وتهددان طرق التجارة. ونعمت المنطقة أخيرا بالأمن فى ظل الأسرة الحاكمة الحالية. وظلت الحسا من سنة ١٩١٣ إلى سنة ١٩٥٢ قاعدة إدارية للمنطقة الشرقية من السعودية وسميت محافظة الحسا. وقد استخدم اسم الواحة أيضا للدلالة على امتياز البترول (امتياز الحسا) الذى حصل عليه فرانك هولمز Frank Holmes فى العُقَير سنة ١٩٢٣ من الملك ابن سعود، وهذا الامتياز يشمل الأراضى القائمة بين رمال الدهناء. والخليج الذى إلى الشرق، وبين العراق والكويت الى الشمال وخط يجرى إلى الغرب من قاعدة شبه جزيرة قطر حتى الجنوب.
وفى سنة ١٩٥٢ نقلت قاعدة المحافظة من الحسا إلى الدمام على ساحل الخليج، وغير الاسم من محافظة الحسا إلى المحافظة الشرقية وأصبحت إمارة الحسا لا تبسط ولايتها إلا على منطقة الواحة فقط وترفع تقاريرها إلى الحكومة الإقليمية فى الدمام. وفى سنة ١٩٦٠ قامت حكومة العربية السعودية بزيادة التوسعات فى الزراعة بالواحة بما فى ذلك تثبيت الرمال والصرف وإقامة مزارع تجريبية.
المصادر:
(١) ناصر خسرو: سفر نامه، طبعة شفر Schefer. باريس سنة ١٨٨١.
(٢) ياقوت: مادة الحسا.
(٣) Memoire sur les: M.J. de Goeje Carmathes du Bahrain, الطبعة الثانية، ليدن سنة ١٨٨٦.
(٤) المؤلف نفسه: La Fin de L' em pire des Carmathes فى Jour. As. سنة ١٨٩٥.
стр. 3643
(٥) سليمان الداخل: تاريخ الأحساء سنة ١٣٣١ هـ
(٦) محمد بن عبد الله آل عبد القادر: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء، الرياض سنة ١٣٧٩.
(٧) In Unknown: R.E. Cheesman Arabia, سنة ١٩٢٦.
(٨) Hasa, An Arabian: J.B. Mackie Oasis في Geographical Journal عدد ٦٣، سنة ١٩٢٤.
(٩) The Heart of: H.St. J.B. Philby Arabia لندن سنة ١٩٢٣.
(١٠) Gennem Wah-: R. Raunhiaer habiternes land paa Kamelryg كوبنهاغن سنة ١٩١٣.
(١١) The Oasis of Al-: F.S. Vidal Hasa، نيويورك سنة ١٩٥٥.
(١٢) محمد بن بليهد: صحيح الأخبار، القاهرة سنة ١٣٧٠ - ١٣٧٣ هـ
(١٣) Gazetteer of the: J.C. Lorimer Persian gulf oman and central Arabia كلكتة سنة ١٩٠٨.
(١٤) Bahrain Und: F. Wuestenfeld Abh. d K. Gesch. d. Wiss. zu Jemama . Goett.
(١٥) The Arabs of: H.R.P. Dickson .The Desert، لندن سنة ١٩٤٩
(١٦) Iraq and the persian: Admiralty Gulf، لندن سنة ١٩٤٤.
(١٧) M. S. Lebkicher, S. Rentz Steinke وغيرهم: Aramco Handbook, الأراضى الواطئة سنة ١٩٦٠.
خورشيد [فيدال F.S.Vidal].
مصادر أخرى:
١ - Four centuries of: S. H. Longrigg modern Iraq أوكسفورد سنة ١٩٥٢.
٢ - Eastern Arabian: K.B. Kelley Frontiers, لندن سنة ١٩٤٦.
خورشيد [هيئة التحرير]
حساب
علم الحساب هو الاسم الذى أطلقه العرب على جميع موضوع هذا العلم. ويقال لمن يمارسه الحاسب أو الحسَّاب.
стр. 3644
والحساب أحد العلوم الرياضية أو التعليمية الأربعة وهى تشمل - كما كان الحال قديما - الحساب والهندسة والفلك والموسيقى.
والحساب ينقسم قسمين: نظرى وهو الذى كان يطلق عليه أحيانا الاسم اليونانى "إريثماطيقى" ويعتمد فى جوهره على الكتابين السابع والتاسع من كتب إقليدس، وعملى وهو الحساب المعنى بالذات. ونقل علماء الهند إلى بلاط بغداد حوالى عام ٧٧٠ تواليفهم فى الفلك المعروفة بسدهانتا ونقلوا معها معارفهم فى الحساب وخاصة طريقة العدّ الهندية ومنها الصفر (بالسنسكريتيه سونيه). على أن البحوث الحديثة قد جوّزت أن يكون العلم بطريقة العد الهندية ذات الصفر قد انتشر قبل ذلك فى الشام، وأن يكون الأمويون الذين فتحوا شمالى إفريقية والأندلس قد نقلوا معهم أرقام الغبار القديمة من الشام إلى الغرب قبل أن تنتشر الأرقام الحديثة من بغداد الى المشرق (أنظر Note d'Astronomie: F.Nau Syrienne فى المجلة الأسيوية، المجموعة العاشرة، جـ ١٦، رقم ٢، ص ٢٥٨ وما بعدها).
وبالرغم من أن هذه الأرقام الهندية كانت معروفة فى بعض دوائر أهل العلم إلا أن الغالبية الكبرى من حسَّابى العرب وفلكييهم كانوا يتوجسون من أن تكون لهم أية صلة بهذا الابتكار الهندى البارع. ويصدق هذا تماما على الأرقام العربية. فقد كانت تنازع الأرقام الرومانية فى بطء شديد بعد ذلك، أى إبان العصور الوسطى المسيحية، وكانت غالبية من ألفوا فى الحساب العربى فى القرن الحادى عشر لا يزالون يكتبون أسماء الأرقام جميعا. ونذكر من أنصار هذه المدرسة المحافظة أبا بكر محمد الكرخى (٩٧٠ - ١٠٣٦ م) صاحب كتاب الكافى فى الحساب. وهناك مخطوط من هذا الكتاب فى مكتبة كوتا نشر ترجمة له بالألمانية هوشهايم Hochheim (هال عام ١٨٧٨ - ١٨٨٠) واستخدم آخرون، وخاصة أصحاب الأزياج، الطريقة السامية واليونانية، وهى استعمال أحرف الهجاء للدلالة على الأرقام (حساب الجُمَّل؛ انظر طبعة
стр. 3645
ناللينو لأزياج البتّانى؛ ثلاثة أجزاء، ميلان عام ١٨٩٩ - ١٩٠٧). ونذكر من أنصار استخدام الأرقام الهندية فى الحساب محمد بن موسى الخوارزمى (٧٨٠ - ٨٤٠ م) وهو صاحب أقدم ما نعرف من كتب الحساب (ولم تصل إلينا إلا ترجمة لهذا الكتاب) كما أنه أقدم ما نعرف من كتب الجبر والأزياج الفلكية، وقام كاتب مجهول فنقل كتاب الخوارزمى فى الحساب الى اللغة اللاتينية، ونشر بونكمبانى - Bon compagni هذه الترجمة بعنوان Trattati d'arithmetica (رومة سنة ١٨٥٧).
وممن استعملوا الأرقام الهندية معاصر للكرخى يدعى على بن أحمد النسوى (٩٨٠ - ١٠٤٠ م) وهو صاحب كتاب "المقنع فى الحساب الهندى" ولم ينشر هذا المؤلف كاملا (وانظر عن هذا المصنف ووبكه Woepcke فى المجلة الأسيوية، سنة ١٨٦٣، جـ ١، ص ٣٩٢ وما بعدها وسوتر Suter Biblioth. Mathematica المجموعة الثالثة، جـ ٧، سنة ١٩٠٦ ص ١١٣ - ١٩٩).
وفى هذين الكتابين المتعاصرين، وهما الكافى والمقنع، جاهدت كل من هاتين المدرستين أن تكون لها الغلبة والسيادة، ويظهر أن الحساب الهندى أهمل فى الشرق مدة طويلة، أما فى الغرب فقد استطاع أن يحتفظ بمقامه. ونذكر من تواليف عرب المغرب فى الحساب الكتب التالية: (١) "الكتاب الصغير فى الحساب" لأبى زكريا محمد الحصّار، ولعله عاش فى القرن الثانى عشر. وقد نشر كاتب هذه المادة ترجمة لأهم قسم من هذا الكتاب فى. Biblioth Mathem المجموعة الثالثة (جـ ٢، سنة ١٩٠١، ص ١٢ - ٤٠) (٢) التلخيص، وهو تلخيص للكتاب السابق بقلم ابن البنّاء (١٢٦٠ - ١٣٤٠). وقد نشر مار A. Marre ترجمة فرنسية لهذا التلخيص (رومة سنة ١٨٦٥، وظهر لأول مرة فى Atti dell' accad. pontif . de Nuovi lincei جـ ١٧، سنة ١٨٦٤). ونذكر أخيرا كتاب كشف الأسرار عن علم الغبار لأبى الحسن على القلصادى المتوفى بتونس عام ١٤٨٦. وقد نشر ووبكه woepcke ترجمة فرنسية لهذا الكتاب فى المجلة
следующие страницы →