وقد دخل معظم أهلها فى الإسلام فى تاريخ مبكر، ولو أنهم تمردوا على السلطة المركزية عدة مرات. وكان أشهر هذه الفتن فتنة القرامطة إذ أتوا بالحجر الأسود من مكة واحتجزوه فى منطقة الأحساء عشرين عاما أو نحوها.
وجاء فى المصادر العربية التى ترجع الى أيام القرون الوسطى أن الحسا كانت فيما يقال حصن البحرين غير بعيد من هجر قصبة الإقليم القديمة. وقد أنشأ هذا الحصن القائد القرمطى المشهور أبو طاهر الجنَّابى سنة ٣١٤ هـ (١٠٥١ م) بالقرب من محلة تعرف بالحسا. وأطلق أبو طاهر على الحصن "المؤمنية". على أن الحصن والمحلة جميعا ظلا يسميان بالاسم القديم. وفى سنة ٤٤٣ هـ (١٠٥١ م) زار المنطقة ووصفها الفارسى ناصر خسرو، ولوصفه للحكومة القرمطية أهمية خاصة. وقضى آخر الأمر على سلطان القرامطة على يد أسرة من أهل الحسا هى العيونية.
وثمة آثار للفخار العباسى فى الواحة، وهذا يدل على أن الحسا كانت كثيفة العمران فى صدر العصور الإسلامية. على أنه ليس من المحتمل أن يكون البرتغاليون والفرس الذين حكموا جزيرة البحرين أو احتلوها فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) على التوالى، قد مدوا حكمهم إلى الواحة. وقد حدث فى العصور المتأخرة أن طمع وهابيو نجد والأتراك فى الواحة بفضل موقعها الجغرافى ومواردها، إلا أن أمراء بنى خالد الذين ظلوا سادة على الأحساء عدة سنين قد حاربوا فى هذه الأثناء للاحتفاظ بسيادتها لها. وسلمت الأحساء أول ما سلمت للوهابيين سنة ١٢٠٩ هـ (١٧٩٣ م) واحتل الجيش المصرى لمحمد على باشا الواحة فيما بين عامي ١٢٣٥ هـ (١٨١٩ م) و ١٢٤١ هـ (١٨٢٥ م) وتنازعها بنو خالد والوهابيون بين عام ١٢٤١ هـ (١٨٢٥ م) وعام ١٢٤٧ هـ (١٨٣٠ م) وأصبح للوهابيين اليد العليا فيها آخر الأمر، بيد أنهم اضطروا إلى التخلى عن المنطقة مدة قصيرة للمصريين سنة ١٢٥٥ هـ (١٨٣٩ م). واحتل الأتراك الواحة سنة ١٢٨٩ هـ. وجعلوا المنطقة
стр. 3642
سنجقا فى ولاية البصرة. وكانت الحسا فى أثناء الاحتلال التركى مركزا إداريا لسنجق ومقرا للباشا المتصرف. وطرد الأتراك من الجزيرة آخر الأمر على يد عبد العزيز بن سعود سنة ١٩١٣.
وكان حكم المصريين والأتراك والوهابيين حتى سنة ١٣٣٢ هـ (١٩١٣ م) حكما لا يتصف بالأمن. فقد كانت قبيلتان بدويتان مع شرقى جزيرة العرب هما بنو خالد وعُجْمان تغيران باستمرار عل قرى الحسا وتهددان طرق التجارة. ونعمت المنطقة أخيرا بالأمن فى ظل الأسرة الحاكمة الحالية. وظلت الحسا من سنة ١٩١٣ إلى سنة ١٩٥٢ قاعدة إدارية للمنطقة الشرقية من السعودية وسميت محافظة الحسا. وقد استخدم اسم الواحة أيضا للدلالة على امتياز البترول (امتياز الحسا) الذى حصل عليه فرانك هولمز Frank Holmes فى العُقَير سنة ١٩٢٣ من الملك ابن سعود، وهذا الامتياز يشمل الأراضى القائمة بين رمال الدهناء. والخليج الذى إلى الشرق، وبين العراق والكويت الى الشمال وخط يجرى إلى الغرب من قاعدة شبه جزيرة قطر حتى الجنوب.
وفى سنة ١٩٥٢ نقلت قاعدة المحافظة من الحسا إلى الدمام على ساحل الخليج، وغير الاسم من محافظة الحسا إلى المحافظة الشرقية وأصبحت إمارة الحسا لا تبسط ولايتها إلا على منطقة الواحة فقط وترفع تقاريرها إلى الحكومة الإقليمية فى الدمام. وفى سنة ١٩٦٠ قامت حكومة العربية السعودية بزيادة التوسعات فى الزراعة بالواحة بما فى ذلك تثبيت الرمال والصرف وإقامة مزارع تجريبية.
المصادر:
(١) ناصر خسرو: سفر نامه، طبعة شفر Schefer. باريس سنة ١٨٨١.
(٢) ياقوت: مادة الحسا.
(٣) Memoire sur les: M.J. de Goeje Carmathes du Bahrain, الطبعة الثانية، ليدن سنة ١٨٨٦.
(٤) المؤلف نفسه: La Fin de L' em pire des Carmathes فى Jour. As. سنة ١٨٩٥.
стр. 3643
(٥) سليمان الداخل: تاريخ الأحساء سنة ١٣٣١ هـ
(٦) محمد بن عبد الله آل عبد القادر: تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء، الرياض سنة ١٣٧٩.
(٧) In Unknown: R.E. Cheesman Arabia, سنة ١٩٢٦.
(٨) Hasa, An Arabian: J.B. Mackie Oasis في Geographical Journal عدد ٦٣، سنة ١٩٢٤.
(٩) The Heart of: H.St. J.B. Philby Arabia لندن سنة ١٩٢٣.
(١٠) Gennem Wah-: R. Raunhiaer habiternes land paa Kamelryg كوبنهاغن سنة ١٩١٣.
(١١) The Oasis of Al-: F.S. Vidal Hasa، نيويورك سنة ١٩٥٥.
(١٢) محمد بن بليهد: صحيح الأخبار، القاهرة سنة ١٣٧٠ - ١٣٧٣ هـ
(١٣) Gazetteer of the: J.C. Lorimer Persian gulf oman and central Arabia كلكتة سنة ١٩٠٨.
(١٤) Bahrain Und: F. Wuestenfeld Abh. d K. Gesch. d. Wiss. zu Jemama . Goett.
(١٥) The Arabs of: H.R.P. Dickson .The Desert، لندن سنة ١٩٤٩
(١٦) Iraq and the persian: Admiralty Gulf، لندن سنة ١٩٤٤.
(١٧) M. S. Lebkicher, S. Rentz Steinke وغيرهم: Aramco Handbook, الأراضى الواطئة سنة ١٩٦٠.
خورشيد [فيدال F.S.Vidal].
مصادر أخرى:
١ - Four centuries of: S. H. Longrigg modern Iraq أوكسفورد سنة ١٩٥٢.
٢ - Eastern Arabian: K.B. Kelley Frontiers, لندن سنة ١٩٤٦.
خورشيد [هيئة التحرير]
حساب
علم الحساب هو الاسم الذى أطلقه العرب على جميع موضوع هذا العلم. ويقال لمن يمارسه الحاسب أو الحسَّاب.
стр. 3644
والحساب أحد العلوم الرياضية أو التعليمية الأربعة وهى تشمل - كما كان الحال قديما - الحساب والهندسة والفلك والموسيقى.
والحساب ينقسم قسمين: نظرى وهو الذى كان يطلق عليه أحيانا الاسم اليونانى "إريثماطيقى" ويعتمد فى جوهره على الكتابين السابع والتاسع من كتب إقليدس، وعملى وهو الحساب المعنى بالذات. ونقل علماء الهند إلى بلاط بغداد حوالى عام ٧٧٠ تواليفهم فى الفلك المعروفة بسدهانتا ونقلوا معها معارفهم فى الحساب وخاصة طريقة العدّ الهندية ومنها الصفر (بالسنسكريتيه سونيه). على أن البحوث الحديثة قد جوّزت أن يكون العلم بطريقة العد الهندية ذات الصفر قد انتشر قبل ذلك فى الشام، وأن يكون الأمويون الذين فتحوا شمالى إفريقية والأندلس قد نقلوا معهم أرقام الغبار القديمة من الشام إلى الغرب قبل أن تنتشر الأرقام الحديثة من بغداد الى المشرق (أنظر Note d'Astronomie: F.Nau Syrienne فى المجلة الأسيوية، المجموعة العاشرة، جـ ١٦، رقم ٢، ص ٢٥٨ وما بعدها).
وبالرغم من أن هذه الأرقام الهندية كانت معروفة فى بعض دوائر أهل العلم إلا أن الغالبية الكبرى من حسَّابى العرب وفلكييهم كانوا يتوجسون من أن تكون لهم أية صلة بهذا الابتكار الهندى البارع. ويصدق هذا تماما على الأرقام العربية. فقد كانت تنازع الأرقام الرومانية فى بطء شديد بعد ذلك، أى إبان العصور الوسطى المسيحية، وكانت غالبية من ألفوا فى الحساب العربى فى القرن الحادى عشر لا يزالون يكتبون أسماء الأرقام جميعا. ونذكر من أنصار هذه المدرسة المحافظة أبا بكر محمد الكرخى (٩٧٠ - ١٠٣٦ م) صاحب كتاب الكافى فى الحساب. وهناك مخطوط من هذا الكتاب فى مكتبة كوتا نشر ترجمة له بالألمانية هوشهايم Hochheim (هال عام ١٨٧٨ - ١٨٨٠) واستخدم آخرون، وخاصة أصحاب الأزياج، الطريقة السامية واليونانية، وهى استعمال أحرف الهجاء للدلالة على الأرقام (حساب الجُمَّل؛ انظر طبعة
стр. 3645
ناللينو لأزياج البتّانى؛ ثلاثة أجزاء، ميلان عام ١٨٩٩ - ١٩٠٧). ونذكر من أنصار استخدام الأرقام الهندية فى الحساب محمد بن موسى الخوارزمى (٧٨٠ - ٨٤٠ م) وهو صاحب أقدم ما نعرف من كتب الحساب (ولم تصل إلينا إلا ترجمة لهذا الكتاب) كما أنه أقدم ما نعرف من كتب الجبر والأزياج الفلكية، وقام كاتب مجهول فنقل كتاب الخوارزمى فى الحساب الى اللغة اللاتينية، ونشر بونكمبانى - Bon compagni هذه الترجمة بعنوان Trattati d'arithmetica (رومة سنة ١٨٥٧).
وممن استعملوا الأرقام الهندية معاصر للكرخى يدعى على بن أحمد النسوى (٩٨٠ - ١٠٤٠ م) وهو صاحب كتاب "المقنع فى الحساب الهندى" ولم ينشر هذا المؤلف كاملا (وانظر عن هذا المصنف ووبكه Woepcke فى المجلة الأسيوية، سنة ١٨٦٣، جـ ١، ص ٣٩٢ وما بعدها وسوتر Suter Biblioth. Mathematica المجموعة الثالثة، جـ ٧، سنة ١٩٠٦ ص ١١٣ - ١٩٩).
وفى هذين الكتابين المتعاصرين، وهما الكافى والمقنع، جاهدت كل من هاتين المدرستين أن تكون لها الغلبة والسيادة، ويظهر أن الحساب الهندى أهمل فى الشرق مدة طويلة، أما فى الغرب فقد استطاع أن يحتفظ بمقامه. ونذكر من تواليف عرب المغرب فى الحساب الكتب التالية: (١) "الكتاب الصغير فى الحساب" لأبى زكريا محمد الحصّار، ولعله عاش فى القرن الثانى عشر. وقد نشر كاتب هذه المادة ترجمة لأهم قسم من هذا الكتاب فى. Biblioth Mathem المجموعة الثالثة (جـ ٢، سنة ١٩٠١، ص ١٢ - ٤٠) (٢) التلخيص، وهو تلخيص للكتاب السابق بقلم ابن البنّاء (١٢٦٠ - ١٣٤٠). وقد نشر مار A. Marre ترجمة فرنسية لهذا التلخيص (رومة سنة ١٨٦٥، وظهر لأول مرة فى Atti dell' accad. pontif . de Nuovi lincei جـ ١٧، سنة ١٨٦٤). ونذكر أخيرا كتاب كشف الأسرار عن علم الغبار لأبى الحسن على القلصادى المتوفى بتونس عام ١٤٨٦. وقد نشر ووبكه woepcke ترجمة فرنسية لهذا الكتاب فى المجلة
стр. 3646
المذكورة آنفا. Atti. etc (جـ ١٢، سنة ١٨٥٩) ونشر هذا الكتاب بالعربية فى فاس عام ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ - ١٨٩٨ م).
ويمنعنا ضيق المقام هنا أن نفصّل القول فى طرائق الحساب، وحسبنا أن نقرر بعض النقط القليلة التى تختلف عن الطريقة الحديثة في العد، فنقول أولا إن محمد بن موسى يخالف الهندوس فيبدأ الجمع والطرح من الجانب الأيسر. وتقتضى هذه الطريقة محو الأرقام التى على اليسار، وكان ذلك ميسورا على العرب لاعتيادهم استعمال لوحة الغبار فى الحساب، وكان الحصّار أيضًا ما برح يبدأ الطرح (لا الجمع) من اليسار، أما القلصادى فهو أول من بدأ تلك العمليتين من اليمين. وتطلب الأمر ستة قرون كاملة لكى تحل هذه الطريقة الطبيعية البسيطة نهائيا محل الطرائق الأخرى، ولكن ليس من شك فى أن الحسّابين العمليين فى جهات مختلفة كانوا خلال هذه الفترة يأخذون بهذه الطريقة الطبيعية.
وظل النسوى يستعمل الخط الأفقى للدلالة على الكسور، ذلك أنه قنع كما قنع الهندوس بوضع البسط فوق المقام. وكان الحصار أول من كتب الكسور فى صورتها الحاضرة مستعملا الخط الأفقى. وكان الفلكيون فى حساباتهم يستعملون فى الغالب الكسور الستينية كما فعل البابليون والروم من قبلهم (٣ ْ ٣٧ َ ٣٠ َ) أى ٣+ ٣٧/ ٦٠ + ٣٠/ ٦٠ ٢.
وقد استخرج الجذر التربيعى بنفس الطريقة التى نستخرجه بها فى الوقت الحاضر. وعبّر العرب عن الجذور الصماء بصيغة الكسور العادية تقريبا، لأنهم لم يكونوا بعد على دراية بالكسور العشرية. ولم يهتدوا إلى علامة خاصة بالجذر التربيعى إلا على يد القلصادى الذى استعمل للدلالة عليه الحرف الأول من كلمة جذر.
ويشمل الحساب العربى أيضًا تطبيقات للعمليات الأساسية المستعملة فى الحياة اليومية وفى الأغراض التجارية بل الهندسة أيضًا، أى حساب المساحات والأحجام. ومما يدخل فى موضوع الحساب النظرى، وإن كان
стр. 3647
يتصل فى الغالب بكتب الحساب العملى الطرق المتبعة فى اختبار صحة العمليات الحسابية (أى اختبار العمليات باطراح العمليات الحسابية، أى اختبار العمليات باطراح السبعات والتسعات) وجميع المتواليات الحسابية والهندسية وجميع الأرقام الخاصة بالجذور التربيعية والتكعيبية ومربع مربع الكمية، وكذلك النظريات الخاصة بالأرقام الكاملة والنسبية الخ ...
ولا نستطيع هنا أن ندخل فى أية تفصيلات عن بعض أفرع الحساب مثل حساب الخطأين (- Regula duorum falsor um) وحساب الدرهم والدينار وغير ذلك، وهى على كل حال أدخل فى الجبر منها فى الحساب. وبقى علينا أن نذكر أن العرب كانت لديهم طريقة للحساب باليد والأصابع أو الهواء (حساب اليد أو الهواء) إلى جانب الحساب على الورق أو لوحة الغبار. وثمة طائفة من المخطوطات عن هذه الطريقة فى الحساب ما زالت باقية (انظر Suter: Nachtraege die Mathem, u Astronum فى - Abhandlungen z. Gesch. d. Mathem. Wis sensc d. Araber جـ ١٠، ص ٢٠٣؛ جـ ١٤، ص ١٨١، وانظر مجلة المشرق، جـ ٣، سنة ١٩٠٠، ص ١٧١ - ١٧٤).
المصادر:
(١) Zur Gesch. d.: H.H. Hankel Math. in Altertum u mittelater ليبسك سنة ١٨٧٤، ص ٢٢٣ - ٢٧٠.
(٢) Vorlesungen uber: M. Cantor Gesch. de Math. جـ ١، ليبسك سنة ١٨٩٤. الطبعة الثالثة سنة ١٩٠٧، جـ ٧ Araber: .
(٣) F. Woepcke فى المجلة الأسيوية، سنة ١٨٥٢، جـ ٢، سنة ١٨٥٤، وسنة ١٨٦٣ إلخ.
(٤) Propaedeutik der Ara-: Dieterici ber ص ١ - ٢٢.
(٥) مفاتيح العلوم، طبعة فان فلوتن ص ١٨٤ - ٢٠١.
الشنتناوى [سوتر H. Suter]
+ الحساب علم: أى الأريثماطيقى: ويقسم الفارابى فى كتابه "احصاء العلوم (طبعة A.L. Palencia, مدريد سنة
стр. 3648
١٩٥٣) علم الحساب (علوم التعاليم) إلى سبعة فروع كبيرة على رأسها علم العدد. ويقول الفارابى إنه يوجد فى الحق علمان للعدد، علم عملى والآخر نظرى، وهو يستوحى بعض فقرات من أفلاطون فيشرح العلم الأول بأنه يبحث فى الأعداد من حيث هى أعداد لمعدودات مثل رجال وخيول ودنانير، أما العلم الآخر، وهو الذى يطلق عليه بحق لفظ علم، فإنه يبحث فى الأعداد مجردة من الأشياء المحسوسة.
ويضيف الفارابى إلى ذلك أن العلم النظرى للعدد يختص بالطبائع الكامنة فى الأعداد بأعيانها سواء كانت أزواجا أو أفرادا، كما يختص بالطبائع التى تكتسبها الأعداد حين يضاف بعضها إلى بعض أو يتركب على بعض أو ينفصل بعضها من بعض.
على أننا نجد بصفة عامة فى كتب الأريثماطيقى العربية تفرقة أخرى من أصل يونانى أيضًا، بين "علم العدد" و"علم الحساب" تضاهى التفرقة بين المفهومين الإغريقيين آلو أريثمتيكى تكنى وآلوجيوتيكى تكنى. والموضوعات التى عولجت فى علم العدد هى نفس موضوعات الأبواب السابع والثامن والتاسع من كتاب الأصول لإقليدس (ترجم أول ما ترجم فى عهد هارون الرشيد على يد الحجاج بن يوسف بن مطر) ومقدمة الأريثماطيقى لنيقوماخوس المنتسب إلى كيراسا. وقد نهج الكتاب العرب بصفة عامة نهج أسلافهم الإغريق فرأوا أن المقادير التخيلية، وهى موضوع الفصل العاشر من كتاب الأصول، تدخل فى الهندسة أكثر من دخولها فى الحساب، ولو أن بعضهم، مثل عمر الخيام، قد اتخذ خطوات لها مغزاها نحو اعتبار المقادير التخيلية أعدادًا Ges-: A.P.Yuschkewitsch chichte der Mathematik in Mittelater ليبسك سنة ١٩٦٤، ص ٢٤٨ وما بعدها). أما علم الحساب فيختص أساسا بالعمليات الحسابية الجوهرية وعمليات استخراج الجذور. ومع ذلك فإنه تمشيا مع المفهوم العام للحساب الذى يختص بإيجاد الكميات المجهولة عدديا من الكميات المعروفة فإن كتب
стр. 3649
الحساب تتضمن فى العادة فصولا فى القضايا الجبرية. والحق أن عددا من الرسائل فى الحساب قد انصرفت انصرافا تاما أو يكاد إلى الجبر. والشواهد على ذلك: طرائف الحساب لأبى كامل شجاع بن أسلم المتوفى سنة ٢٨٧ هـ (٩٠٠ م، طبعة أحمد سعيد سعيدان: مجلة معهد المخطوطات العربية، جـ ٩، سنة ١٩٦٣. وقد ترجمه إلى الألمانية Bibl.Math: H.Suter, جـ ٣/ ٢ سنة ١٩١١، ص ١٠٠ - ١٢٠)؛ والكافى (وقد ترجمه إلى الألمانية A. Hocheim فى ثلاثة أجزاء. هال سنة ١٨٧٨ - ١٨٨٠) والبديع (طبعة A.Anbouba، بيروت سنة ١٩٦٤) والكافى والبديع كلاهما لأبى بكر محمد بن الحسن الكَرجَى المتوفى سنة ٣٩٠ هـ (١٠٠٠ م = الكرخى، أنظر Levi Della Vida في Rivistora degli studi orientali، جـ ١٤ ص ٢٦٤ وما بعدها؛ Anbouba فى مجلة الدراسات الأدبية، الجامعة اللبنانية بيروت، العددان ١، ٢ سنة ١٩٥٩, ص ٧٣ - ١٠٦) و"الباهر فى علم الحساب" للسموأل بن يحيى المغربى المتوفى حوالى سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٥ م؛ Anbouba فى مجلة المشرق، سنة ١٩٦١، ص ٦١ - ١٠٨). وقد يلاحظ أن هذه الرسائل جميعا تختلف عن الكتب التى تتناول طرائق الحساب الهندى، ذلك أن الأعداد فيها تكتب أساسا بالكلمات، وبالتطبيق لمصطلح "علم حساب النجوم" يمكن القول بأن مصطح "الحاسب" يدل على الفلكى أو المنجم أو العالم بالحساب.
وقد ترجم مقدمة نيقوماخوس إلى العربية ثابت بن قزة الحرّانى المتوفى سنة ٢٨٨ هـ (٩٠١ م كتاب المدخل إلى علم العدد، طبعة. W. Kutsch S.J، بيروت سنة ١٩٥٩) وسرعان ما حظيت الترجمة بالشهرة التى حظيت بها المقدمة فى العصور القديمة المتأخرة. وعن طريقها عرف علماء الحساب فى الإسلام عرضا منهجيا للعلم الفيثاغورى فى الحساب أى ارتباط الحساب بالموضوعات الأخرى للأسطقسات (الهندسة والفلك والموسيقى) وتصنيف العدد الى تام وزائد وناقص، وكذلك إلى أعداد متحابّة
стр. 3650
ومتواليات إلخ. ويظهر تأثير هذا العمل فى كتابات إخوان الصفا إذ تبدأ رسالتهم الأولى بالعدد (الترجمة الإنكليزية بقلم B.Goldstein فى - Centaur us، سنة ١٩٦٤، ص ١٢٩ - ١٦٠). وهذه الرسالة ليست فى معظمها إلا شرحا للمقدمة، وهى تستشهد كثيرا بنيقوماخوس وفيثاغورس، ويقول إخوان الصفا: إن الحساب هو المرحلة الأولى فى الطريق إلى الحكمة، وهو دراسة لخواص الأشياء الموجودة بدراسة وحدانيات الأعداد التى تطابق هذه الأشياء: والأشياء الموجودة تتفق وطبيعة الأعداد، بل إننا حين نصنف الأعداد تصنيفا تقليديا كتصنيفها آحاد وعشرات ومئات وآلاف فإن هذا التصنيف يستوحى نمطا كونيا فى الطبيعة، وفى هذه الحالة يكون التصنيف كما يأتى: الطبائع الأربع، فالعناصر الأربعة، والأخلاط الأربعة. والأصل فى العدد الواحد هو الواحد الأحد، وكما أن الأشياء جميعا تصدر عنه فكذلك يكون الواحد هو مبدأ كل الأعداد، ولكنه ليس عددا فى ذاته. ومثل هذه التأملات لا توجد فى الكتابات العلمية الهزيلة فحسب، ذلك أن عمر الخيام أيضا، وهو من أئمة علماء الرياضيات فى الإسلام، كان يرى أن دراسة الرياضيات التى تعد أصفى نواحى الفلسفة، هى الخطوة الأولى فى السلم المؤدى الى المعاد ومعرفة الماهية الحقة للوجود (رسالة فى شرح ها أشكل من مصادرات إقليدس، طبعة عبد الحميد صبرة، الإسكندرية سنة ١٩٦١, ص ٣، ٧٥). ويجب أن نذكر أن مترجم مقدمة نيقوماخوس كان من أقدر علماء الرياضيات فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)؛ على أن المرء ليعجب من ندرة ما كتب فى "علم العدد" ذاته. ونحن نجد رسالة موسعة بعض الشئ فى هذا الموضوع وهى "مراسم الانتساب فى علم الحساب" التى كتبها في دمشق يعيش بن إبراهيم بن يوسف الأموى الأندلسى سنة ٧٧٤ هـ (١٣٧٣ هـ) وهى تشمل دراسة للأعداد الهرمية (سعيدان فى Islamic Culture, سنة ١٩٦٥، ص ٢١٠، ٢١٢). وقد كتب ثابت بن قرّة رسالة قائمة بذاتها عن الأعداد المتحابّة (الترجمة الفرنسية بقلم F. Woepcke فى. Jour. As جـ ٢٠،
стр. 3651
سنة ١٨٥٢، ص ٢٢٠ - ٢٢٩). وكذلك فعل كمال الدين الفارسى (انظر بروكلمان، قسم ٢، ص ٢٩٥، رقم ٢). وقد رد ثابت بن قرة على الرأى الذى يذهب إلى أن اللانهائى لا يمكن أن يكون أكبر من لا نهائى آخر، فضرب مثل الأعداد ملاحظا أن جنس الأعداد الطبيعية وجنس الأعداد الزوجية كلاهما لا نهائى، على حين أن الجنس الثانى ضعف الأول، ثم قال إن مجموعة لا نهائية من أعداد قد تكون فى الحق جزءا ما فى مجموعة لا نهائية أخرى (المتحف البريطانى، مخطوط، فهرس إضافات المخطوطات الشرقية، رقم ٧٤٧٣، ورقة رقم ١٤ وجه) (١).
وأول رسالة فى أوائل الحساب الهندى هى رسالة كتبها محمد بن موسى الخوارزمى (حوالى سنة ٢١٠ هـ = ٨٢٥ م) ولم يبق من هذه الرسالة إلا عدد من النقول اللاتينية نقلت عن ترجمة يرجح أنها صنعت فى القرن الثانى عشر الميلادى، وثمة ترجمة من هذه يمثلها مخطوط وحيد من القرن الثالث عشر محفوظ فى كمبردج، ونشر هذا المخطوط أول ما نشر بمعرفة بونكومبانى Trattati d': B.Boncompagni aritmticai Algoritmi de numero indorum رومة ١٨٥٧، وأعيد تحقيقه على يد Alchwarizmi's Algorismus: K.Vogel آلن سنة ١٩٦٣) وثمة ترجمة أخرى للرسالة بعنوان Ioanis Hispalensis Liber -Algorismi or Alghoarismi de pratica aris metrice جـ ٢، رومة سنة ١٨٥٧).
ويشرح النقل الأول النسق الوضعى للقيمة العشرية للعد اللفظى، بالرغم من عدم وجود الأرقام الهندية التسعة فى مخطوط كمبردج الذى يستخدم الأرقام الرومانية فحسب. أما الصفر فيمثل
стр. 3652
هنا بدائرة صغيرة (Circulus) ووظيفته الإشارة الى مكان خال differentia mansio) (martaba,: Manzila ويطلق النقل الثانى أيضا (Liber Algorismi) اللفظ صفر على ciffre أو siffre أى المكان الخالى: وعند إجراء العمليات الحسابية الأساسية توضع الأرقام الرقم فوق الآخر، ويشرع فى العمل من اليسار، ثم يحدث المحو والنقل للرقوم من مكانها مما يدل على أن العمليات كانت تجرى فوق لوح يعلوه الغبار. ومن أخص ملامح الرسالة أن عمليتى التضعيف والتنصيف كانتا مستقلتين، وهذا النهج ظل الحاسبون العرب يتبعونه حتى عصر الكاشى فى القرن التاسع الهجرى الموافق الخامس عشر الميلادى (وإن لم يتبعه الكرجى وابن البناء حوالى سنة ٦١٩ هـ = ١٢٢٢ م، أو القلصادى المتوفى سنة ٨٨٢ هـ = ١٤٧٧ م أو سنة ٨٩١ هـ = ١٤٨٦ م) كما ظل يتبعه كثير من الكتاب فى أوربا حتى القرن السادس عشر.
ومن المقدمات الأولى للحساب على النمط الهندى بقيت مقدمة أبى الحسن كوشيار بن لبان الجيلى وعنوانها "أصول حساب الهند"، وقد صنفها سنة ٣٩٠ هـ الموافق ١٠٠٠ م (Principles of Hindu Reckoning، صورة طبق الأصل من النص العربى مع ترجمة إنكليزية بقلم Martin Levey, Marvin Petruckh, Madison and Milwaukee سنة ١٩٦٥). وهذه المقدمة من جزئين، الأول يقدم التسعة الرقوم مع مبدأ قيمة التواجد العشرى، وتشير دائرة صغيرة (الصفر) إلى خلو عدد من الوضع المكانى (أى المرتبة) الذى يشغله. ثم يبدأ كوشيار فى إجراء الجمع (أى الزيادة) والنقصان (أى عمليات الطرح) والضرب والقسمة. أما عمليتا التضعيف والتنصيف فقد قال إنهما نوعان آخران من الزيادة والنقصان على التوالى. ثم يعقب ذلك طريقة إيجاد الجذر التربيعى (أى الجذر) وينتهى هذا الجزء بفصل قصير عن "الموازين"، وفيه يستخدم ميزان التسعة لمراجعة نتائج عمليات الضرب والقسمة واستخراج الجذر التربيعى. أما الكسور فيعبر عنها هنا مطلقا بالنظام الستينى. فالنصف مثلا
стр. 3653
يعبر عنه بثلاثين جزءا من واحد، وعلى ذلك فلتنصيف العدد ٥٦٢٥ تظهر النتيجة كالآتى ٢٨١٢. وبالمثل فإن باقى عمليات القسمة يضرب ٣٠ فى قوى ٦٠ ثم يقسم على المقسوم عليه. أما الجزء الثانى فقد خصص برمته للتركيب بجدول الستين فى التقدير (وهو يشمل الجذر التربيعى) بمساعدة جداول الضرب للأعداد من واحد الى ستين (وهى مفقودة فى النسخة الباقية). وفى هذه الجداول تتمثل الأعداد بأرقام الأبجد التقليدية. على أن العمليات الحسابية ذاتها تستخدم النظام الوضعى الصرف للعد باستعمال الأعداد التسعة والصفر. أما الفصل الأخير من الرسالة فيوضح عملية استخراج الجذر التكعيبى بالنظام العشرى. وتجرى العمليات الحسابية كلها فى الرسالة على تخت من الغبار وتتضمن المحو والإزاحة للأعداد، والنتيجة النهائية هى فى الإحلال لعدد واحد من الأعداد المعطاة. فإذا أردنا مثلا إيجاد حاصل ضرب العدد ٣٢٥ × ٢٤٣ فإن الأرقام الآتية تتتابع بعد أن يحل الواحد محل الآخر على التخت (١):
стр. 3654
٣٢٥ - ٦٣٢٥ - ٧٢٣٢٥ - ٧٢٩٢٥ - ٧٧٧٦٥ - ٢٤٣ - ٢٤٣ - ٢٤٣ - ٢٤٣ - ٢٤٣ - ٧٨٩٧٥ - ٣٤٣
على أنه حدث قبل زمن كوشيار أن دخلت فى علم الحساب ابتكارات عظيمة المغزى، وهذا ماثل فى "كتاب الفصول فى الحساب الهندى" لأبى الحسن أحمد ابن إبراهيم الإقليدسى، وقد صنفه فى دمشق سنة ٣٤١ هـ (٩٥٢ - ٩٥٣ م) وهذا الكتاب الهام لم يطبع بعد، إلا أن أحمد سعيد سعيدان قد درسه معتمدا على المخطوط الوحيد المحفوظ فى يكى جامع رقم ٨٠٢ باستانبول (Isis, عدد ٥٧، ص ٤٧٥ - ٤٩٠). وقد طبق الإقليدسى النظام الهندى على حساب العد القديم وعلى النظام الستينى فى الكسور وانبرى يغير طريقة التخت والغبار ويستبدل بها المداد والورق. ولم يقتصر الأمر على ظهور سخف هذه الطريقة بل إن اقتران التخت بالمنجمّين الذين يكتسبون رزقهم باستخراج الطوالع فضلا عما فى عادة محو الغبار باليد من سقم، فقد أصبح هذا التغيير مرغوبا فيه. ومن هنا فإنه من الجدير بالذكر أنه حدث فى نفس القرن الذى عاش فيه الإقليدسى أن كتب أبو الوفاء البوزجانى رسالته فى أصول الحساب ليفيد منها كتاب الحكومة وعمالها ("ما يحتاج إليه الكتاب والعمال من صناعة الحساب" انظر M.Medovoi في Istoriko Matematich eskiye Issledovaniya، جـ ١٣، سنة ١٩٦٠، ص ٢٥٣ - ٣٢٤)
стр. 3655
وقد حرص على تحرير الطرائق الهندية التى كان يستخدمها أحيانا من تخت الغبار والمحو. وزعم الأقليدسى أنه أول من تناول تناولا كافيا الجذر التكعيبى، ولكن أعجب سمة من سمات كتابه شرحه للكسور العشرية وتطبيقها، وهو ابتكار ظل ينسب حتى عهد قريب إلى الكاشى الذى عاش بعده بخمسة قرون. وقد عادت هذه الفكرة الى الظهور بصورة ما فى "تكملة فى علم الحساب" لأبى منصور عبد القاهر البغدادى المتوفى سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٧ م) وهو الذى عبر عن العدد ١٧,٢٨ بالترتيب (انظر سعيدان فى مجلة Isis، الموضع (١٧، ٠٢، ٠٨) المذكور ص ٤٨٧ - ٤٨٨ وفى Islamic Culture, عدد ٣٩، سنة ١٩٦٥، ص ٢١٠، ٢٢٠) على أن هذا الابتكار قد ضاع بصفة عامة فيما يظهر حتى جاء الكاشى بعد الإقليدسى بخمسة قرون فعاد إلى استحداث "الكسور العشرية" فى كتابه "مفتاح الحساب" معتبرا ذلك كشفا جديدا اهتدى إليه بالقياس على النظام الستينى (صورة طبق الأصل من النص العربى مع ترجمة وتعليق باللغة الروسية بقلم V.Segal, B. Rozenfeld, A.Yushkevich موسكو سنة ١٩٥٦) (١)
وعلى حين أدرك الكاشى أهمية الكسور العشرية أكثر بكثير من إدراك الإقليدسى فإن الإقليدسى قد استخدم علامة عشرية هى نقطة فوق العدد مكان الوحدات، وهى طريقة تفوق طريقة الكاشى فى الدلالة على الجزء العشرى مثلا بكتابته بلون مخالف أو
стр. 3656
فى عمود أو أعمدة غير عمود أو أعمدة الجزء الصحيح.
وهناك سمة تميز الكتب التى تتناول الحساب الهندى هى استخدام الأرقام العربية التى أصبحت تقليدا رسّخه العلماء العرب فى القرون الوسطى على اعتبار أن أصل هذه الأرقام هندى. صحيح أن هذه النسبة إلى الهند قد أصبحت الآن موضع اعتراف الجميع، إلا أن المنبع الأساسى لهذه الأرقام وطريقة انتشارها وتطورها فى العالم الإسلامى وفى أوربا ظل موضوعًا للمناقشة بالرغم من البحوث المستفيضة التى قام به فوبكه Woepcke وسميث Smith وكاربنسكى Carpinski وكاراده فو Carra de Voux وكاندز Gandz وكثير غير هؤلاء. وقد بقيت الأعداد فى العالم الإسلامى وظلت باقية فى صورتين على الأغلب: الصورة الأولى فى الشرق، والصورة الثانية فى الغرب. وقد جرت العادة بأن يطلق على الأعداد الشرقية اسم "الهندية"، على حين أطلق على الأخرى التى هى الأصل المباشر للأعداد الأوربية الحديثة اسم حروف "الغبار". على أنه يحدث أحيانا أن تنعكس هذه التسمية (انظر F. Woepcke & A. Marre فى - Atti dell' Ac cademia pontificia de'Nuovi Lincei المجلد ١٩. السنة التاسعة عشرة، سنة ١٨٦٦). أو تستعمل الصفتان كلتاهما للدلالة على الأعداد الشرقية والأعداد الغربية، فابن الهائم المتوفى سنة ٨١٥ هـ (١٤١٢ م) فى كتابه "مرشدة الطالب الى أسنى المطالب" قد عاد إلى استخدام الأعداد الشرقية والأعداد الغربية وأسماهما الاثنتين الأعداد الهندية. وثمة ملاحظة على هامش مخطوط من المخطوطات تنكر هذه التسمية بالنسبة للأعداد الغربية وتزعم أنها من أصل رومى وتسمى هذه الأعداد وتلك أعداد "الغبار" (مخطوط بمكتبة جامعة برنستون ٣٩٤٠، وتاريخه ٩٨١ هـ = ١٥٧٣، ورقة رقم ١ وجه) ويجب أن نبحث هذا الزعم مرتبطا بالنظرية التى قدمها فوبكه وأيدها كاندز وهى تقول إن أرقام الغبار نشرها القائلون بالأفلاطونية الحديثة وأن العرب عرفوها عن طريق
стр. 3657
الرومان. أما فيما يختص بالنمط الغربى للأعداد فإن يحيى بن تقى الدين ابن إسماعيل الحلبى (حوالى سنة ١٠١٩ هـ = ١٦١٠ م) يقول فى كتابه "مسلك الطلاب فى شرح نزهة الحساب" إن هذه هى الغبارية ويقال لها أيضا الهندية، ولكن استعمالها غلب بين أهل المغرب وبين من اتبعوهم (مخطوط مكتبة جامعة برنستون رقم ٣٤٠٧ وتاريخه ١٠٣٧ هـ = ١٦٢٧ - ١٦٢٨، ورقة رقم ٨٢ ظهر).
وكان كلا النمطين من الأعداد معروفا للعرب قبيل سنة ٧٣٣ م إن لم يكن أقدم من ذلك، على أنه يمكن أن نلاحظ أنه ما من أحد حتى اليوم قد وجد فى الرسائل العربية عن الحساب أية إشارة إلى مؤلفين من الهنود أو أسماء كتب هندية، والأمر على خلاف ذلك فى الكتابات العربية فى الفلك. زد على ذلك أن هذه الرسائل ليس فيها أى أثر للتقسيم الهندى للحساب إلى نحو من عشرين عملية، وإنما هى أجنح إلى أتباع التقسيم الرومى المألوف، وهى فى تسميتها للقوى التى تعلو التربيع والتكعيب فإنها تأخذ بالجمع على غرار ما نجده عند ديوفنطس، ولا تأخذ بالضرب كما هو الحال فى مألوف الطريقة الهندية. ذلك أنها تعبر عن القوى السادسة مثلا بـ "كعب الكعب" (باليونانية كوبسكوبوس) ولا تقول "مربع الكعب" أو "مكعب التربيع" (انظر Alegbra from the: H.T. Colebrooke Sanscrit لندن سنة ١٩١٧، ص ١٢) ومن جهة أخرى نجد أن عبارة "حساب التخت والتراب" هى المرادف الواضح للسنسكريتية "باطيكنتا" و"دهولى كرما" History of Hindu: Datta & Singht Mathematics جـ ١، ص ١٢٣ - ١٢٤). وهناك نظير فى الاستعمال السنسكريتى للقول "الجمع والتفريق" (أو "الضم والتفريق" بعبارة ابن خلدون) وهما اصطلاحان يدلان دائما فى الرسائل الباقية على الجمع والطرح، ويمكن أن يدلا أيضا على علم الحساب برمته (المصدر نفسه، ص ١٣٠، وانظر أيضا J.Ruska فى sb. Heid. Ak. Wiss phil hist. Kl.-، سنة ١٩١٧، ص ١٤ - ٢١) ومن هنا جاء تعريف الحساب فى
стр. 3658
إخوان الصفا بأنه "جمع العدد وتفريقه". ويروى أن الخوارزمى كتب كتابا فى "الجمع والتفريق"، ومن الجائز أنه لم يقتصر على العمليات الأولية من جمع وطرح.
وساد العالم الاسلامى قبل انتشار الطرائق الهندية فى الحساب ضرب من الحساب سماه الإقليدسى "حساب الروم والعرب". وقد وضعت الكتب التى تتناول هذا الحساب (مثل رسالة البوزجانى التى أشرنا إليها آنفا) قواعد لإجراء العمليات الحسابية تشمل تعيين الجذور التربيعية على نحو تقريبى، وقد جرى الأمر على أن تجرى هذه العمليات فى الذهن، والنتائج الجزئية التى تتحصل فى عملية الوصول إلى الحل النهائى لمسألة من المسائل كانت تستذكر بعقد الأصابع فى أوضاع معينة. وهذه السمات هى التى جعلت هذا الحساب يسمى "حساب اليد" و"حساب العقود" و"الحساب الهوائى". وعند التعامل مع الكسور فإن حساب اليد يأخذ بالنظام الستينى، أو يقوم بتحويل الكسور إلى أجزاء من وحدات القياس المحلية من عملات نقدية أو مقاييس (١). وثمة نظام آخر يستعمله هذا الحساب مستوحى فيما يظهر من خصائص تتميز بها اللغة العربية، وبمقتضى هذا النظام يعبر عن الكسور ١/ ٣، ١/ ٤ .. ١/ ١٠ فحسب بكلمات مشتقة من مقاماتها (الثلث عن ثلاثة وهكذا، أما النصف فلا يشتق من اثنين ومن ثم يطلق عليه "الموضوع" وهو ما جرى به العرف).
هذا ويمكن تحويل بعض الكسور إلى كسور مساعدة مشتقة من المجموعة الأولى، فمثلا الكسر ١/ ١٢ هو نصف السدس. أما الكسور الأخرى مثل ١/ ١١، ١/ ١٣ فلا يمكن التعبير عنها على هذا النحو، ولهذا فإنه يطلق عليها وعلى مقاماتها التسمية "أصم". وبهذا المفهوم قال إخوان الصفا عن العدد ١١ إنه أول الأعداد الصماء. وللتعبير عن
стр. 3659
الكسر ١/ ١١ يقال: جزء واحد من أحد عشر. وفى بعض النصوص الأخرى استعمل اللفظ "أصم" للدلالة على كلمة "أرتيوس" عند إقليدس فى إطلاقها على العدد مثل ٢ الذى لا يمكن القول بأنه النسبة بين عددين مجردين.
وقد ظلت الرسائل فى حساب العدد تصنف حتى بعد أن تبينت فوائد الحساب الهندى، وكان الهدف العام للحسّاب العرب بل ربما كان أهم ما حققوه هو صهر الطرائق المختلفة المتاحة لهم فى بوتقة واحدة لإيجاد نسق واحد للحساب يقوم على التطبيق المناسب للنظام العشرى مع استخدام الأعداد الهندية. وكانت إحدى هذه الطرائق هى الجداول الستينية القديمة التى تأثر بها العرب تاثرا قويا فى كتبهم عن الحساب بفضل ترجمة المؤلفات الإغريقية فى الفلك على أننا نجد مرة أخرى أن الطرائق الستينية فى الحساب هى وحساب الجمل الذى اقترن بها ظلت مستعملة فى جميع الأحوال عند علماء الفلك المسلمين. وبفضل هذه الحقيقة نكاد لا نجد رسالة مهمة فى الحساب العربى إلا وأفردت فصلا تتناول فيه المنهج الستينى، ويقال كذلك أحيانا "حساب المنجمين" و"حساب الزيج" أو "حساب الدَرَج والدقائق". وثمة رسالة متأخرة، وإن تكن شاملة، انصرفت إلى الكلام على هذا المنهج هى "رقائق الحقائق فى معرفة الدرج والدقائق لسبط الماردينى المتوفى بعد عام ٨٩١ هـ (١٤٨٦ م) وفيها ذكر المؤلف أن الكتاب الوحيد المناسب فى الحساب الستينى فيما شاهده هو رسالة لشيخه شهاب الدين أحمد بن المجدى (مكتبة جامعة برنستون، مخطوط رقم ٣٣٢٥، ورقة ١ وجه).
وفى الكتب العربية عن الحساب تحل "الموازين" (١) محل البراهين عينها،
стр. 3660
على النقيض من الرسائل العربية فى الجبر التى تتبع تقليدا إغريقيا، فتعتمد فى كثير من الأحوال على البراهين الهندسية. ويظهر ميزان التسعة فى أقدم الكتب الباقية، نجده فى الإقليدسى وفى كوشيار، وظل هذا الميزان مستعملا من يومها. أما الحصّار، فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) فيما يرجح، فكان يستخدم ميزان السبعة (H.Suter في Bibl. Math جـ ٣ - ٢، سنة ١٩٠١، ص ١٢ - ٤٠). وقد استعمل ابن البناء فى كتابه التلخيص (انظر الترجمة الفرنسية بقلم Atti dell' Academia pontif-: : A. Marre icia de' nuovi Lincei، المجلد ١٧، السنة السابعة عشرة، سنة ١٨٦٣ - ١٨٦٤, رومة سنة ١٨٦٤، ص ٢٨٩ - ٣١٩) ميزان الثمانية وميزان التسعة، واستخدم الأموى (Islamic Culture الموضع المذكور، ص ٢١٩) ميزان الأحد عشر. أما القلصادى فقد استخدم طريقة استنزال السبعات مع الربط بينها وبين عمليات الطرح، ويقول إنه يمكن استخدام أعدادًا أخرى. وقد اعترف بأن هذه الطرائق لها حدود. وأما الكاشى الذى لم يستخدم إلا ميزان التسعة فإنه يقول إن بعض النتائج جاءت غير صحيحة، ولكن ليس معنى ذلك أن الطريقة صحيحة. ومثل هذا القول جاء فى كتاب الخوارزمى- Li ber Algorismi.
المصادر:
علاوة على ما ذكر فى صلب المادة:
(١) Ueber das rechenbuch: H. suter des Ali ben Ahmed et Nasawi في Bibl. Math، جـ ٣، ٧، سنة ١٩٠٦، ص ١١٣ - ١١٩.
(٢) نصير الدين الطوسى: جوامع الحساب بالتخت والتراب، نشره أ. س. سعيدان فى مجلة الأبحاث (الجامعة الأمريكية ببيروت)، جـ ٢٠، سنة ١٩٦٧، (ص ٩١ - ١٦٤، ٢١٣ - ٢٩٢).
(٣) Mohammed Beha eddin Essenz der Rechenkunst (أى بها الدين العاملى: خلاصة الحساب) نشرة. Von G.H.F Nesselman، برلين سنة ١٨٤٣.
стр. 3661
(٤) - B.A.Rosenfeld & A.P. Yusch Die mathematik der Laender: kewitsch des Ostens in Mittelalter, برلين سنة ١٩٦٣ Sonderdruck aus Sowjetische Beitraege Zur) (Geschichte der Naturwissenschaft نشره Von Harig, برلين ١٩٦٠.
(٥) Geschichte: A.P. Yuschkewitsch der Mathematik in mittelalter. ليبسك سنة ١٩٦٤ (نشر أصلا بالروسية، موسكو سنة ١٩٦١ وهو يشمل مصادر مستفيضة).
(٦) Zur aeltesten ar-: J.Ruska abischen Algebra und Rechenkunst في. Sb.d Heidelberger Ak.d. Wiss. Phil. hist Kl .. سنة ١٩١٧، جـ ٢، ص ١ - ١٢٥.
(٧) المؤلف نفسه: Arabische tetxe ueber das Fingerrechnung في Isis، جـ ١٠، سنج ١٩٢٠، ص ٨٧ - ١١٩.
(٨) Les Anciens pro-: J.L. Lemoine cedes de calcul sur les doigts en Orient et en Occident فى - Revue des Etudes Is lamiques جـ ٦، سنة ١٩٣٢، ص ١ - ٥٨.
(٩) Zur islamischen Re-: P.Luckey chenkunst und Algebra فى Forschungen und Fortschritte جـ ٢٤، سنة ١٩٤٨ ص ١٩٩ - ٢٠٤.
(١٠) المؤلف نفسه: Die Rechenkunst bei Gamrhid b. Mas'ud Al-Kashi, فيسبادن سنة ١٩٥١.
(١١) A com-: Susan Rose Benedict -parative study of the early treatises intro -ducing into Europe the Hindu art of reck oning كونكورد، سنة ١٩١٦.
(١٢) Memoire sur la: F. Woepcke Propagation des chiffres indiens فى. Jour .As, سنة ١٨٦٣، ص ٢٧ - ٧٩، ٢٣٤ - ٢٩٠، ٤٤٢ - ٥٢٩.
(١٣) The: D.E.Smith & C. Karpinski Hindu- Arabic numerals بوسطن ولندن سنة ١٩١١.
(١٤) Sur L'origine: Carra de Vaux de chiffres في Scientia، جـ ٢١، سنة ١٩١٧، ص ٢٧٣ - ٢٨٢.
(١٥) The Origin of the: S. Gandz Ghubar numerals فى مجلة Isis، عدد ١٦، سنة ١٩٣١، ص ٣٩٣ - ٤٢٤.
стр. 3662
(١٦) la plus ancienne men-: F. Nau tion orientale des chiffres indiens فى. Jour. As سنة ١٩١٠، ص ٢٢٥ - ٢٢٧.
(١٧) - D. E.Smith & Jekuthiel Gins Rabbi ben Ezra and the Hindu - Ar-: burg abic problem , فى. The Amer. Mathem Monthly, عدد ٢٥، سنة ١٩١٨، ص ٩٩ - ١٠٨.
(١٨) The origin of our: H. P.Lattin present system of notation according to the theories of N. Bubnov فى مجلة Isis جـ ١٩، سنة ١٩٣٣، ص ١٨١ - ١٩٤.
(١٩) Arabic nu-: Rida A.R. Irani meral Forms في Centaurus ١٩٥٥، ص ١ - ١٢.
(٢٠) المؤلف نفسه: A Sexagesimal multiplication table in the Arabic alpha- betical system في Scripta mathematica، عدد ١٨، سنة ١٩٥٢، ص ٩٢ - ٩٣.
(٢١) Un astrolabe: M.Destombes carolingien et l'origine de nos chiffres في Archives internationales de l'histoire des sciences جـ ١٥، سنة ١٩٦٢، ص ٣ - ٤٥.
(٢٢) Algebra from: H.T. Colebrooke the Sanscrit لندن سنة ١٩١٧.
(٢٣) History: B. Datta & A.N. Singh of Hindu Mathematics اللوحتان ١، ٢، بومباى سنة ١٩٦٢.
(٢٤) Introduction to the-: L.Sarton History of Science، جـ ١, ٣، بلتيمور سنة ١٩٢٧ - ١٩٤٨. (ويضم مواد ومصادر عن الكتاب)
(٢٥) Die Mathematiker: H. Suter und Astronomen der Araber und ihre werke ليبسك سنة ١٩٠٠.
د. أ. س. الدمرداش [ع. ا. صبره A.I.Sabra]
+ " الحساب": هو الحساب الذى يقدمه العبد لربه، ويرد ذكر الحساب فى القرآن أحيانا بمعنى حساب الأوقات (سورة يونس، الآية ٢٥؛ سورة الإسراء الآية ١٢) كما يرد فى كثير من الأحيان على سبيل المجاز بمعنى "حساب الله الناس يوم الدين". وعبارة
стр. 3663
يوم الحساب (سورة غافر، الآية ٢٧، سورة ص، الآية ١٦، الآية ٢١، والآية ٥٣، وانظر سورة إبراهيم، الآية ٤١) ترادف عبارة "يوم الدين". وحساب الناس فى الآخرة على ربهم وحده (سورة الرعد، الآية ٤٠؛ سورة الشعراء، الآية ١١٣). والله يحاسب الناس جميعا وبخاصة الفجار (سورة الغاشية، الآية ٢٦؛ سورة الرعد، الآية ١٨، الآية ٢١؛ سورة المؤمنون، الآية ١١٧) .. والله سريع الحساب" (سورة البقرة، الآية ٢٠٢؛ سورة آل عمران الآية ١٩، الآية ١٩٩، الخ). وكل إنسان يؤتى "كتابا" أى بيانا بالحساب، و"سجلا" فيه كتبت أعماله. وإذا زاد عدد الحسنات على عدد السيئات فإنه يؤتى "كتابه" بيمينه ويحاسب حسابا يسيرا (سورة الانشقاق، الآية ٧، ٨، ٩، سورة الحاقة، الآية ١٩، ٢٠، وانظر سورة الإسراء، الآية ٧١) وأما من يحاسب حسابا عسيرا فإنه يؤتى كتابه بشماله (سورة الحاقة، الآية ٢٥ والآية ٢٦) ويصلى نارا حامية.
ويمكن مقارنة هذه الأحكام الواردة فى القرآن الكريم بكثير مما ورد فى اليهودية والمسيحية. ذلك أن الحساب ووزن الأعمال كانا معروفين (انظر (The Zoroastrian doctrine of a (J. parvy future life نيويورك، سنة ١٩٢٩؛ P.J de Shkand-Ghumanik Vichar: Menasce, النص والترجمة الفرنسية، فريبورغ، سويسرة سنة ١٩٤٥, ص ٥٨ - ٥٩). وتوجد مرادفات تقاربها فى اليهودية بعد التوراة (Aboth, جـ ٢، جـ ٣، وأنظر Juedische Eschatologie .Yolz ص ٢٦٦) وفى عهد المسيحية الأولى (تحليل وإسناد بحسب Der Ur-: Tor Andrae sprung des Islams und das Christentum Arsskrift, سنة ١٩٢٥). ثم حدث من بعد أن بعض كتب تفسير القرآن الكريم، وبخاصة بعض مصنفات التهذيب العامة، قد اعتمدت فى هذا الموضوع على الإسرائيليات أو المسيحيات التى اعترف بصراحة أن لها هذه الصفة.
стр. 3664
ومهما يكن من أمر فإن كل بيئة دينية قد طورت هذه القاعدة العامة الخاصة بالآراء فى الآخرة وطبقتها تطبيقا عمليا بما يناسب روح هذه البيئة (أنظر ملاحظات Tor Andrae. المصدر المذكور ص ٢٢٥). والتصورات المستعملة فى أوصافهم لا صلة لها بموضوع بحثنا الخاص بتناول علم الكلام عند المسلمين لهذه الأمور.
والإلمام بهذه المعلومات خليق بأن يتضمن مناقشة شاملة لهذه المسألة برمتها ألا وهى الجزاء على الأعمال الذى تمثل فى "الوعد والوعيد" فى الآخرة.
وحسبنا هنا أن نتناول بعض المسائل التى تتعلق بطبيعة الحساب نفسه، أو ببعض صوره، ونسوق بيانا موجزا بالحل العام الذى قالت به المذاهب المختلفة.
١ - "الوزن": تثير كلمة "حساب" نفسها فى الذهن خواطر عن العد والكيل وإقامة الميزان بالقسط. وقد أضفى عليها أغلبية المعتزلة، بل الفلاسفة، إلى حد كبير معنى مجازيا. والتزم "السلف الصالح"، والأشعرية بالمعنى الحرفى مع بعض التحفظات: يقدم الحكم العدل لكل إنسان بيانا بأعماله، التى "تجمع" و"توزن" وهنالك يظهر مع الكتاب الذى يتضمن بيانا بالحساب كما ذكرنا آنفا، "الميزان"، كما جاء فى القرآن الكريم (سورة الشورى، الآية ١٧؛ سورة الرحمن الآية ٧، الآية ٨، الآية ٩، وسورة الحديد، الآية ٢٥). والحساب فى اليوم الآخر هو أيضا "الوزن" (سورة الأعراف، الآية ٨)، فمن عمل صالحا ثقلت موازينه، ومن أساء خفت موازينه (سورة الأعراف، الآية ٨، والآية ٩).
٢ - مسألة "الاستحقاق" كل عمل لابن آدم يجازى به الله ثوابا أو عقابا. ويرى المعتزلة أن من يعمل حسنة "يستحق" بالضرورة أن يثاب عليها. واْن من يعمل سيئة يجازى عليها. وفى يوم الحساب إما أن تجمع "الاستحقاقات" على ما قدمه المرء من أعمال أو "تسقط" من حسابه. ويعتقد معظم المعتزلة والخوارج أن الجزاء له علاقة بنوع ما يرتكبه المرء من إثم، ويرون أن الكبيرة يمكن أن تمحق
стр. 3665
"الاستحقاق" الذى يكسبه المرء بأى حسنات عملها قبل ذلك، وأنه يصلى نار جهنم خالدًا فيها. ومهما يكن من أمر فإن الجُبانى وابنه أبا هاشم، من المعتزلة المتأخرين فى البصرة، كانا يعتقدان أن الجزاء له علاقة بما يعمله المرء من حسنات وسيئات فيوازن بينهما وترجح إحداهما كفة الأخرى. وما يرجح منهما الآخر عددا و"وزنا" يحدد بالضرورة الثواب على ما قدمه المرء من حسنات، والعقاب على ما ارتكبه من سيئات (من شاء الاطلاع على خلاصة لوجهات النظر المختلفة فلينظر مثلا كتاب فخر الدين الرازى، المحصل، طبعة القاهرة، بدون تاريخ، ص ١٧٣).
على أن الأشعرية يرون أن أعمال الإنسان لا "تستحق" جزاء "الرازى، المصدر المذكور، ص ١٧٢ - ١٧٣؛ الجرجانى: شرح المواقف، طبعة القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ = ١٩٠٧ م، جـ ٨، ص ٣٠٥ وما بعدها) وأنه يستحيل أن تمحق مجموعة من الأعمال مجموعة أخرى منها، فقد جاء فى القرآن الكريم (سورة الزلزلة، الآية ٧، الآية ٨) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، ولذلك فإن قيمة الإيمان لا تضار أبدا بارتكاب الآثام ولو كانت كبيرة وكثيرة استنادا إلى الحديث المشهور: "أخرجوا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" (البخارى: كتاب الإيمان، ٣٣). وفضلا عن ذلك فإن كل حسنة "يضاعفها" الله بفضله كما يشاء للمؤمن. وكل سيئة لا تحسب إلا "بسيئة مثلها والحق أن كل شئ رهن بمشيئة الله.
ومن المعروف أن الله وعد بفضله ألا يحكم على المؤمن، حتى لو كان آثما، بأن يصلى نار جهنم خالدا فيها، وهو ، إما أن يحكم عليه، وهو حكم عدل، بالعذاب فى نار جهنم لأمد محدود، أو يتفضل، وهو الرءوف الرحيم، فيغفر له ذنوبه. ومن ثم فإنه ليس من المحقق أن يعذب فى نار جهنم أى مؤمن آثم ولو كان ذلك إلى حين. وهذا موضوع لا يتفق فيه الحنفية الماتريدية مع الأشعرية (انظر عبد الرحمن بن على، نظام الفرائد، القاهرة بدون تاريخ، الطبعة الثانية، ص ٣٨ - ٣٩). ويرى الماتريدية حقا أن الله قد
стр. 3666
يغفر لهذا المرء أو ذاك ذنوبه ولكنه تعالى لا يغفر للناس جميعا. فقد وجب أن يجازى الله بعض من ارتكبوا الكبيرة بقضاء فترة فى نار جهنم (اللقانى، جوهرة التوحيد، طبعة Luciani، الجزائر سنة ١٩٠٧، بيت رقم ١١٧). ذلك لأن الله يجازى على الكبائر بعذاب إلى حين إذا كان الآثم مؤمنا ووعد الله "حق".
وموضوع الجزاء على الأعمال، وهو الغاية بالذات من الحساب، يؤدى بنا إلى مسألتين ترتبط إحداهما بالأخرى، وهما مسألة التوبة ومسألة الشفاعة.
٣ - طريقة الحساب، لقد سبق أن رأينا أن آيات القرآن الكريم تذكر عند الحديث عن الحساب، الـ "كتاب" يؤتاه كل إنسان يوم الدين. والحديث يجعل الميزان أداة لـ "وزن" الأعمال. ويفسرهما المعتزلة وبعض الأشعرية المتأخرين بمعنى مجازى. ويقولون إن "الكتاب" هو معرفة "ما للمرء وما عليه" وهذا ما سيبينه الله لكل إنسان يوم البعث، فى حين يرمز "الوزن" إلى عدل الله وإنصافه. ولكن الله ليس فى حاجة إلى وزن بالمعنى الحقيقى للكلمة حتى يصدر حكمه، وبما أن أعمال الإنسان ليست إلا حوادث عابرة فإنها لا يمكن أن تعود إلى الوجود ما دامت قد انتهت إلى العدم. (ومن شاء الاطلاع على خلاصة لهذا الجدل فلينظر مثلا الغزالى: الاقتصاد، القاهرة بدون تاريخ، ص ٨؛ الجرجانى: المصدر المذكور، ص ٣٢١). وفضلا عن هذا فإنه لا يمكن أن تكون للأعمال صفات خفه الوزن أو ثقله التى يقتضيها الوزن (الجرجانى: المصدر المذكور). ومهما يكن من أمر فإن أبا الهذيل البصرى وابن المعتمر البغدادى يقولان إن وجود الميزان "ممكن" ولكنهما لم يبديا رأيهما فى حقيقته.
على أن الحنابلة والحنفية الماتريدية وأغلبية الأشعرية استنادا إلى الأحاديث وإلى "عقيدة السلف" يتفقون فى الاعتراف بوجود هذه الغيبيات. ويسمى الميزان، بصفة خاصة، "حقا" فى وصية أبى حنيفة (الفقه الأكبر الثانى، جـ ٣، والفقه الأكبر الثالث، جـ ٣؛ وأنظر The Mus-: A . J.Wensinck liM Creed , كمبردج سنة ١٩٣٢، الفهرست) وكذلك فى بيان عقيدة
стр. 3667
الأشعرى (الإبانة، القاهرة بدون تاريخ، ص ٩) وعقائد الحنبلية المختلفة (أنظر La Profession de foi d'Ibn Batta: Laoust, دمشق سنة ١٩٥٨، ص ٩٥، والتعليق رقم ٢). ويضيف إليه بيان عقيدة الوهابيين "سجلات الأعمال") Ibn taimiya: H. Laoust , القاهرة سنة ١٩٣٩, ص ٦٢١. ويقول الحنبلية إنها مسألة أمور حقيقية ولكن الأشعرية والماتريدية يصفونها بقولهم إننا لا نعرف الحالات التى توجد عليها بالضبط. ومن العبث أن نحاول الكشف هل كان "وزن الأعمال" مجديا أم لا؟ . فالله فعّال لما يريد، ويردف الغزالى قائلا (الاقتصاد، ص ٨٩) إن جدواه لا تعود على الله بل على الإنسان الذى يدرك على هذا النحو حكم الله العدل.
وثمة روايات مأثورة عديدة تفسر وتجتهد فى شرح هذا الإيمان الأساسى بالأخرويات فى لغة مجازية وافرة. وتوجد خلاصة لها فى كتيب الباجورى المبسط فى علم الكلام، وهو حاشية على جوهرة التوحيد (القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٤ م ص ١٠١ - ١٠٦) وتقوم "شهادة الألسنة والأيدى والأرجل" بما كان يعمل الناس (سورة النور، الآية ٢٤) واستباق الصراط (سورة يس، الآية ٦٦؛ سورة الصافات، الآية ٢٣) بدور ثانوى فى الحساب.
وكان الفعل الثلاثى للجذم ح س ب يستعمل فى الصوفية بمعنى روحى وليس أخرويا، لبيان حساب ما يضمره الشخص الورع والذى يقدمه لله، ومن هنا ظهر فى الوجود اسم المحاسب الذى أطلق على حارث بن أسد "الذى يبز غيره فى محاسبة ضميره".
المصادر:
فى صلب المادة وإليها يمكن أن يضاف كثير من الأحاديث الواردة فى كتب العبادات أو الوعظ المبسطة ورسائل مختلفة فى علم الكلام فى الفصول التى تتناول الوعد والوعيد.
آدم [ل. كارديه L.Garadet].
+ " حساب الجُمَّل ": طريقة تدوين التواريخ برمز من حروف تدل على أعداد، وتقوم هذه الطريقة بأن تجمع فى كلمة "مناسبة ذات دلالة) أو فى
стр. 3668
عبارة قصيرة جملة من حروف إذا أضيفت مرادفاتها العددية دلت على حادث وقع فى الماضى أو فى المستقبل. وهذا النقش يعرف باسم "رمز" وفى التركية "تأريخ".
وثمة ضرب أكثر تعقيدا يسمى المذيَّل. وهنا يكمل الرمز الأصلى بذيل، وحاصل جمع الأثنين يزودنا بالتاريخ.
ويقتضى التفسير الصحيح لهذه الرموز بطبيعة الحال أن ندخل فى الاعتبار الفرق فى القيمة العددية لحروف بعينها، بين أبجد المشرق وأبجد المغرب (ويتضمن الأندلس)، وقد لوحظ أن هذا يتضمن ستة حروف، تأتى، حسب ترتيب قدموس، بعد النون وهى: السين والشين والصاد والضاد والزاى والغين. أما فى الفارسية والتركية فإن الحروف الخاصة بهاتين اللغتين (ب، ج، ز، ك) لها نفس القيمة العددية كالألفاظ المجانسة لها فى العربية.
ويمكن أن نعّد التاء المربوطة هاءًا أو تاءًا سواء وردت فى وقف أو فى درج. ويمكن أن تحسب الحروف المشددة حرفا واحدا أو حرفين. وبالمثل يمكن أن يضاف حرف الألف فى أول الكلمة أو فى آخرها أو يغفل حسب الضرورة. وهذه الرموز تستخدم عادة فى النقوش (المنظومة بصفة عامة) احتفالا بذكرى تشييد مؤسسة. وهى بالمثل شائعة فى الموجزات التاريخية المعدة للتعليم من نوع الأرجوزة، وبخاصة فى الوفيات. والرموز فى النصوص التذكارية، ترسم أحيانا بلون متميز عن لون سائر الكتابة. وترد فى المخطوطات مكتوبة بحروف أكبر. والعبارة التى يتألف منها الرمز يكاد يدل عليها دائما حرف الجر "فى" أو إحدى كلمتى "عام أو سنة".
وفى مراكش، أيام القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) على عهد السعديين بدأ يشيع بصفة خاصة استخدام الرموز، لا فى النقوش على النصب التذكارية فحسب، بل فى الوفيات أيضًا. وكان المؤلف الأصلى فى الفئة الأخيرة هو كاتب السر وشاعر البلاط محمد بن أحمد المكلاتى المتوفى عام ١٠٤١ هـ (١٦٣١ م) صاحب لامية كانت تتمة لمنظومة على هذا النحو من
стр. 3669
نظم محمد بن على الفشتالى المتوفى عام ١٠٢١ هـ (١٦١٢ م).
وفى القرن التالى نظم محمد المدرعَّ المتوفى عام ١١٤٧ هـ (١٣٧٤ م) أرجوزة من النوع نفسه عن أعيان فاس. وكان عبد الوهاب آدرّاق المتوفى عام ١١٥٩ هـ (١٧٤٦ م) صاحب أرجوزة أخرى عن أولياء مكناس.
وهذه الوفيات جميعا المنظومة بالرموز قد استخدمها على نطاق واسع المؤرخون وكتاب السير فى مراكش، وبخاصة محمد القادرى المتوفى عام ١١٨٧ هـ (١٧٧٣ م) فى كتابه نشر المثانى، ومحمد بن جعفر الكتانى المتوفى عام ١٣٣٩ هـ (١٩٢٠ م) فى كتابه سلوة الأنفاس.
وجمع القيمة العددية لجميع الحروف التى تكون كلمة (اسم علم فى هذه الحالة) هو الأساس فى تنبؤ، يعرف بحساب النيم، وبه يمكن التنبؤ بمن سوف يكتب له النصر ومن سوف تكتب له الهزيمة إذا اشتبك حاكمان فى حرب. وقد وصف ابن خلدون بالتفصيل هذا العمل فى مقدمته (أنظر طبعة. Quatremere، ص ٢١٠ - ٢١٤؛ والترجمة الفرنسية بقلم De Slane, جـ ١، ص ٢٤١ - ٢٤٥؛ والترجمة الإنكليزية التى قام بها Rosenthal جـ ١، ص ٢٣٤ - ٢٣٨)؛ وأنظر أيضا مادتى سيمياء وزائرجة.
المصادر:
(١) تناول الموضوع، بإيجاز شديد، كارادى فو فى ختام مقالة تأريخ فى الطبعة الأولى من دائرة المعارف الإسلامية.
(٢) Les historiens: E.Levi-Provencal des chorfa، ص ٧٩ - ٨٠ (انظر أيضا، فى فهرست كتابه، أسماء الكتاب الذين ورد ذكرهم فيما سبق).
(٣) الإفرانى، نزهة الحادى، ترجمة Houdas ص ٢٨، ٥٥، ٦٦، ٨٢، ١٦٨، ١٩٠، ١٩١، ١٩٥، ٢٣٤، ٢٦٥، ٣٤١، ٤٥١.
(٤) السلاوى، كتاب الاستقصاء، القاهرة عام ١٣١٢ هـ = ١٨٩٤ م؛ جـ ١، ص ١٧٩ - ١٨٠.
стр. 3670
(٥) المصدر المذكور: جـ ٤، ص ٢٨١.
(٦) Une nouvelle in-: G.S. Colin scription arabe de Tanger , فى. Hesp جـ ٤ (سنة ١٩٢٤) ص ٩٤.
آدم [ج. س. كولان G.S. Colin]
+ " حساب العَقْد" (حساب العُقَد، حساب العقود، حساب القبضة باليد، حساب اليد). هو فن التعبير عن الأعداد بأوضاع الأصابع وتثبت بعض الإشارات أن العرب القدامى لم يكتفوا فى بعض الأحيان بأن يظهروا أيديهم الممدودة وهم يثنون إصبعا أو أكثر عند الضرورة، للتعبير عن بعض الأعداد الصغيرة (أنظر I. Goldziher فى - Arab ica، مجلد ٨، جـ ٣، ص ٢٧٢)، بل كان فى وسعهم أيضا أن يعبروا عن أعداد أكبر بقبض أصابعهم فى وضع معين (انظر G.Levi Della Vida في Isl.، مجلد ١٠، سنة ١٩٢٠، ص ٢٤٣) وليس من المستعبد أن يكون النبى [ ﷺ ] قد اتخذ إيماءات معينة وصفها المعاصرون له أو فسروها بأنها تشير إلى أعداد وفقا لنهج جرى العرف باستعماله (أنظر H.Ritter، فى. Isl، مجلد ١٠، سنة ١٩٢٠، ص ١٥٤ - ١٥٦)، وخاصة وضع اليد فى التشهد على الرغم من أن الروايات المأثورة مختلفة كل الاختلاف عما جرى عليه العمل من بعد (أنظر I.Goldziher: المصدر نفسه). ويتحدث بلوتارخ عن ممارسة حساب العقد فى فارس (الترجمة الفرنسية التى قام بها Vies: Ricard, جـ ٢، ص ٥١٤، تعليق ٢٥)؛ ومنذ القرون الأولى للإسلام كان الشعراء العرب أو الفرس خليقين على سبيل المثال بأن يلمحوا تلميحا مستترا ذكيا بأن شخصا ما يفتقر إلى الكرم بقولهم إن يده تصور الرقم ٩٣ (الرقم الذى تدل عليه اليد المقبوضة هو سمة البخل) مما يوحى بأن الطريقة التى لدينا أوصاف متأخرة فى الزمن لها، كانت معروفة فى مرحلة ضاربة فى القدم، وربما عرفناها عن طريق الكتاب الفرس. وينسب حمد الله مستوفى إلى ابن سينا فى أنه ابتكر سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) حساب العقد، فيكون ذلك قد حرر الحاسبين من عبء استعمال أجهزة العد؛ ثم ذكر الصولى (المتوفى
стр. 3671
عام ٣٣٥ هـ (٩٤٦) فى مصنفه أدب الكتاب (القاهرة عام ١٣٤١ هـ - ١٩٢٢ م، ص ٢٣٩): أن الكتاب "قالوا الحساب الهندى أخرج لكثير العدد، وعلى هذا اجتنبوه لأن له آلة، ورأوا أن ما قلت آلته وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه كان أذهب فى السر وأليق بشأن الرياسة، وهو ما اقتصروا عليه من العقد والبنان". ولا بد أن هذه الطريقة فى الحساب بالأصابع كانت قيد الاستعمال بالفعل منذ ما يقرب من قرن قبل ذلك، لأن الجاحظ المتوفى عام ٢٥٥ هـ (٨٦٨ م) ينصح المعلمين (كتاب المعلمين، مخطوط بمكتبة المتحف البريطانى، Rieu رقم ١١٢٩، ورقة ١٣ ظهر) بتعليم حساب العقد (العُقد) بدلا من حساب الهند، أى الحساب بالأعداد "الهندية"؛ وقد أدخل الكاتب نفسه فى طرق البيان الخمسة ما أسماه عقد "أو عُقد فى قراءة G.E. von Grunebaum للنص) الذى يجعله هو عين الحساب بالأصابع ويرى جرونباوم أنه حساب لا يحتاج إلى "كلمة منطوقة أو كتابة"؛ وبعد فإن الآيات القرآنية الكريمة (سورة الأنعام، الآية ٩٦؛ سورة يونس، الآية ٥؛ سورة الإسراء الآية ١٢، ١٣؛ سورة الرحمن، الآية ٤، ٥) التى يستشهد بها تأييدًا لرأيه فى فضائل الحساب (البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، جـ ١، ص ٨٠، وانظر أيضا جـ ١، ص ٧٦، الحيوان، جـ ١، ص ٣٣) تشير كلها إلى حسبان الشمس والقمر، وحساب السنين، والحساب، ومن ثم فإنها ربما تشير إلى الحساب بالأصابع، على نهج يذكرنا بصورة غريبة بالطريقة التى شرحها الأب الراهب بيد Bede في القرن السابع الميلادى (De temporum ratione فى Patrol.: Migne, مجلد ٩٠، ص ٢٩٥؛ النص والترجمة فى J.G.Lemoine ص ١٤ - ١٧).
ومما يرجح هذا الفرض ترجيحا كبيرا أن هذا الكاتب الإنكليزى نفسه يشرح، فى الفصل الأول (De compute vel. loquela digitorum) من كتابه المذكور، طريقة للتعبير عن الأعداد بإيماءات الأصابع تكاد تكون مطابقة تماما للطريقة التى تضمنتها رسائل المسلمين المتأخرة عن ذلك فى الزمن
стр. 3672
كثيرا، وهى التى ألفها الموصلى وابن المغربى، وابن شعلة، وطيبغا، وابن بندود، ويبدو أن هذه الرسائل ليست متقدمة عن القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى). وجاءت أيضا فى كتاب "فرهنك جهانكيرى" (بين عامى ١٠٠٥ - ١٠١٧ هـ = ١٥٩٧ - ١٦٠٨ م)، الذى ينقل نصا من على يزدى (المتوفى عام ٨٥٠ هـ = ١٤٤٦ م) بالفارسية ولكنه يجرى على مألوف العرب.
ويومأ إلى الأرقام فى هذه الطريقة على النحو الآتى:
١، بثنى الخنصر إلى أسفل.
٢، بثنى الإصبع الثالث أيضًا إلى أسفل.
٣، بإضافة الوسطى إليهما.
٤، بثنى الإصبع الثالث والوسطى فقط إلى أسفل.
٥، بثنى الوسطى فقط إلى أسفل.
٦، بثنى الإصبع الثالث فقط إلى أسفل.
٧، بثنى الخنصر ثنيا خفيضا جدا.
٨، بثنى الخنصر والإصبع الثالث معا ثنيا خفيضا جدا
٩، بإضافة الوسطى إليهما.
١٠، يوضع بنان السبابة على منتصف الإبهام
٢٠، بمد الإبهام والسبابة فى وقت واحد.
٣٠، يوضع بنان الإبهام وبنان السبابة معا
٤٠، بمد الإبهام فوق أسفل السبابة.
٥٠، بثنى الإبهام إلى أسفل فى زوايا قائمة.
٦٠، بلف السبابة حول الابهام.
٧٠، بوضع بنان الإبهام على العقدة الوسطى للسبابة.
٨٠، بوضع بنان السبابة على ظفر الإبهام (ولكن هناك أشكالا مختلفة).
٩٠، بوضع بنان السبابة على أسفل الإبهام.
١٠٠، ببسط اليد (ولكن هناك أشكالا مختلفة).
والإيماءة باليد اليمنى تدل على الوحدات من ١ - ٩؛ والإيماءة باليد
стр. 3673
اليسرى تدل على نفس العدد من ١٠٠٠ إلى ٩٠٠٠، والإيماءة باليد اليمنى تدل على العشرات من ١٠ إلى ٩٠؛ وباليسرى تدل على المئات من ١٠٠ إلى ٩٠٠ (١).
أما من ١٠,٠٠٠ فإن الطريقة التى وصفت فيما سبق تختلف بعض الخلاف عن طريقة بيد، ولكن الطريقتين على وجه الإجمال متماثلتان فى الواقع، وقد أمكن إثبات أن الرقم ١ لا يتحصل ببسط السبابة، كما تحملنا الرواية الإسلامية على الاعتقاد بهذا.
وكانت هذه الطريقة معروفة فى الغرب منذ القدم، بيد أنها لم تعد تستخدم بعد بداية العصور الوسطى، أما فى الشرق فإن من الراجح أنها كانت معروفة للكتاب الذين يتحدث عنهم الصولى وأنها ظلت مستعملة حتى عهد قريب جدا، إذ جرى العمل بها للقيام بعمليات حسابية (بصرف النظر عن القسمة). وليس فى متناول أيدينا وصف قديم للطريقة، وهنا طريقة لا تزال معروفة للشيوخ فى تونس (نقل المعلومات عنها M.Souissi): فضرب ٦ × ٨ مثلا: إثن خنصر اليد (= ٦) والأصابع الثلاثة الأولى من اليد اليمنى (= ٨)، ومن ثم يكون حاصل جمع الأصابع المثنية (١+٣ = ٤) يبين العشرات وحاصل ضرب الأصابع غير المثنية (٤ × ٢ = ٨) يبين الآحاد.
ومن جهة أخرى فإن هناك طريقة أخرى تستعمل أيضا فى بعض المعاملات التجارية التى تشمل سلعا نادرة غالية جدا، وبخاصة اللآلئ، عندما يقوم المشترى والبائع بعقد صفقة فى حضور شهود ولا يريدان أن يبوحا بشروط الصفقة المعقودة فيعمد المتفاوضان، وهما جالسان وجها لوجه، إلى إخفاء يديهما اليمنيين تحت غطاء، ويلمس كل منهما أصابع الآخر، وفقا لشفرة دقيقة؛ وعلى الرغم من أن الآحاد فى السلسلة العددية لا يلحظ
стр. 3674
الفرق بينهما فإن من يعنيهما الأمر يعرفان ماذا تعنى:
١، ١٠، ١٠٠، ١٠٠٠ يشار إليهما بإمساك السبابة التى تحتفظ هنا بقيمتها؛ (أنظر ما سبق)
٢، ٢٠، ٢٠٠، ٢٠٠٠ يأخذ السبابة والوسطى.
٣، ٣٠، ٣٠٠، ٣٠٠٠ يأخذ السبابة والوسطى وإصبع ثالث.
٤، ٤٠، ٤٠٠، ٤٠٠٠ يأخذ الأصابع الأربعة كلها.
٥، ٥٠، ٥٠٠، ٥٠٠٠ يأخذ اليد بأسرها.
٦، ٦٠، ٦٠٠، ٦٠٠٠ بالضغط مرتين على السبابة والوسطى وإصبع ثالث (٣ × ٢).
٧، ٧٠، ٧٠٠، ٧٠٠٠ كما يحدث بالنسبة للعدد ٤ ثم كما يحدث بالنسبة إلى ٣ (٤+٣).
٨، ٨٠، ٨٠٠، ٨٠٠٠ بالضغط مرتين على الأصابع لأربعة كلها (٤ × ٢).
٩، ٩٠، ٩٠٠، ٩٠٠٠ كما يحدث بالنسبة للعدد ٥ ثم كما يحدث بالنسبة إلى ٤ (٥+٤)
وهذه الطريقة التى دونها طاشكبرى زاده فى مفتاح السعادة (حيدر آباد، جـ ١، ص ٢٢٩ - ٢٣١؛ ونقلها حاجى خليفة، أنظر En-: von Hammer -cyclopaedische Uebersicht der wis senschaften des Orients، ص ٣١٥ و Description de L'Arabie: Niebuhr,, الترجمة الفرنسية، عام ١٧٧٩، جـ ١، ص ١٤٥، بصفة خاصة) لا يزال العمل بها ساريا فى جزيرة البحرين، وفى البحر الأحمر، وربما فى مكان آخر (أنظر الأب أنستاس فى المشرق عام ١٩٠٠ Secrets de la mer: H.deMonfreid Rouge باريس عام ١٩٣١، ص ١٠٠). ويسجلها للجزائر فسكويه (H. Fisquet، في Histoire de l'Algerie باريس عام ١٨٤٢، ص ١٧١) وهناك إجراء من هذا القبيل يستعمل فى البنجاب، وهو يستخدم العُقَد وليس الإصبع بأسره، ولكنه لم يسجل فى بلاد الشرق الأوسط.
وأصل الطريقة التى وصفت بإيجاز فيما سبق يكتنفه الغموض، وعلى أية حال فإنه يبدو أن الطرق التى تستعمل
стр. 3675
أو كانت تستعمل فى الأقطار العربية، لم تكن بأية حال من ابتكار أهلها) أنظر I.Goldziher: المصدر المذكور) أو على الأقل لا ترجع إلى عصور عربية قديمة؛ ومن جهة أخرى فإن قطعا صغيرة من العظام والخشب، عثر عليها فى مصر، تدل على الأعداد، وفقا للطريقة التى تقوم على ثنى الأصابع، وليس مما ينافى المنطق أن نرى فى هذا الأصل المحتمل للطريقة التى وصفتها المصادر العربية والفارسية والمصطلحات المستخدمة، فى قرينة أخرى، تثير صعوبة، لأنه على الرغم من أن حساب اليد أو حساب القبضة باليد واضحان، فإن هذا ليس هو الوضع الذى ينطبق على الكلمات المشتقة من المصدر "عقد، الذى يدل بجلاء على مفاصل الأصابع والعُقَد ولكنه يعنى أيضا "العَقْد" (أى الاتفاقية). ومن الممكن وفقا للتحليل الأخير، أن تكون ثمة طريقة أقدم من هذه الطرق التى بقيت مدونة، كانت تقوم على العد بعقد الأصابع، وأن المصطلح قد طبق من بعد على طرق أخرى.
المصادر:
(١) ترجم S.de Sacy الفصل من فرهنك جهانكيرى لجمال الدين حسين إنجو بعنوان De la maniere de compter au moyen des jointures des doigts usitee dans L'Orient , فى. Journ. As, جـ ٣، (سنة ١٨٢٣).
(٢) ترجمة A. Roediger: بعنوان - Ue - ber die in Orient Aebrae. uchliche Fin -gersprache fuer. den Ausdruck der Zah len, في Zeitschr. des Deutsch morgenl .Gesesells, سنة ١٨٤٥، ص ١١٢ - ٢٩.
(٣) ترجمة S.Guyard، بعنوان - Chap itre de la preface de Farhangi Djihangiri sur la dactylonomie في Journ. As.، سنة ١٨٧١، ص ١٠٦ - ١٢٤.
(٤) قصيدة محمد بن أحمد الموصلى فى حساب القبضة باليد (مخطوط، باريس، المكتبة الأهلية تحت رقم ٤٤٤١) وقد نشرها الأب أنستاس بعنوان "عقود"، فى المشرق، جـ ٣ (سنة ١٩٠٠)، ص ١٦٩ وما بعدها (أنظر أيضا ص ١١٩ وما بعدها) وترجمها
стр. 3676
فى A. Marre and Boncompagne جـ ١، ص ٣٠٩ بعنوان: Maniere de compter des anciens ovec les doigts de la main (تعليق أحمد الطرابلسى، وقد نشره وترجمه H. Ritter فى Isl, جـ ١٠ (سنة ١٩٢٠) ص ١٥٤ - ٦، ٢٤٣ وما بعدها.
(٥) نصوص ابن المغربى وابن شعلة وطيبغا الأشرفى البكلمشى اليونانى وقد نشرها J.Ruska بعنوان - Arabische Texte ueber das Fin gerrechnen، فى ISl, جـ ١٠ (سنة ١٩٢٠)، ص ٨٧ - ١١٩.
(٦) الفصل الذى عنوانه "فى معرفة عقد الأصابع"، فى كتاب "مقالات" لابن بندود وقد ترجمه G.S.Colin, فى سنة ١٩٣٢، جـ ١، ص ٥٩ - ٦٠.
(٧) دراسات I Goldziher, فى Ueber Gebaerdenund Zeichensprache bei den Arabern فى - Zeits. fuer voel kerpsychologie، جـ ١٦ (سنة ١٨٦٦) ص ٣٦٩ - ٣٨٦ (تحليل قام به. G.H Bousquet، فى Arabica، مجلد ٨، جـ ٣، سنة ١٩٦١، ص ٢٦٩ - ٢٧٢) ويتناول بصفة عامة لغة الإشارة.
(٨) المؤلف نفسه فى Zeitchr. der .Deutsch, Morgenl Gesells جـ ١٦ (سنة ١٩٠٧)، ص ٧٥٦ - ٧٥٧.
(٩) المصنف الرئيسى عن المسألة التى تم بحثها فى المقال الحالى هو ما ألفه. J.G. Lemoine, بعنوان Les anciens - procedes de calcul sur les doigts on Ori ent et en Occident, في Revue des etdes islamiques فى سنة ١٩٣٢، جـ ١، ص ١ - ٥٨.
(١٠) انظر أيضا م. ب الأثارى، فى مذكرات البعثة الأثرية الفرنسية بالقاهرة، جـ ٥ (سنة ١٩٢٥)، ص ٧٠ - ٧٩.
(١١) Ueber Finger- Zah-: A. Fischer lenfiguren bei den Arabern فى Islamica, جـ ٦، (سنة ١٩٣٤)، ص ٤٨ - ٥٧ (وكذلك مادة إشارة).
آدم [ش. بلا Ch.Pellat]
+ " حساب الغُبار": أى الحساب بالغبار: طريقة للحساب مقتبسة من
стр. 3677
فارس نسبت إلى تخت كان الحاسب ينثر عليه، بهز قطعة من قماش أو بطريقة أخرى، طبقة رقيقة من الغبار، ثم يستخدم عصا صغيرة لرسم أرقام، تعرف باسم أعداد الغبار، ويزيل ناتجا جزئيا بحجبه بقليل من الغبار، ويجمعه بعد ذلك لاستخدامه مرة أخرى عندما يفرغ من العملية. (وانظر عن العمليات المختلفة التى تجرى على هذا النحو مادة "حساب، علم").
وهذه العملية تكمل العمليات التى عرفها العرب من قبل وهى: حساب العقد (انظر هذه المادة)؛ والعد بالحصى (ومن ثم إحصاء؛ ، والحساب المفتوح أو الهوائى، إلخ) ولكن لا يعرف إلا القليل عن أصلها. وثمة مسألة تثار بصفة خاصة، وهى هل كان استخدام الغبار ليس إلا نتيجة عرضية لترجمة غير صحيحة للفظ فارسى أو غير فارسى؟ ذلك أن اللوح قد ألصق عليه صلصال، وهو مادة أمكن فى يسر أكبر أن تحفر عليه أرقام وتمحى منه بقلم مسطح من أحد طرفيه.
وعلى أية حال فإن هذه العملية لم تكن ممكنة إلا منذ أصبحت الأرقام معروفة. وقد أدخلت الأرقام الهندية - de vanagari إلى بغداد حوالى عام ١٥٥ هـ (٧٧٠ م)، ولكن من المعروف أن محمد بن موسى الخوارزمى المتوفى حوالى عام ٢٣٢ هـ (٨٤٦ م) ساعد على نشر الحساب الهندى، ومع ذلك فإن علماء الرياضيات والفلكيين، الخ ظلوا وقتًا طويلًا يفضلون الاستمرار فى الأخذ بالطريقة القديمة فى الإشارة إلى الأرقام بحروف الهجاء (انظر مادتى "أبجد" و"حساب الجمل") ومن جهة أخرى يبدو أن أرقام العبار المستمدة من الحساب الهندى انتشرت بسرعة لا بأس بها فى هذا الجزء أرقام تصور كما هى فى المغرب والأندلس، حيث اختارها علماء الرياضيات وأصبح تاريخ تطورها فى آخر الأمر ممتزجا بتاريخ الأعداد المعروفة بـ "العربية"، وهى التى تستخدم فى أوربا. والجدول التالى يبين تطور أعداد الغبار حتى المرحلة التى صارت فيها تستخدم فى عالم الغرب المسيحى.
стр. 3678
المصادر:
(١) ابن البنّاء، مقالات فى الحساب، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ١٠٣٠١.
(٢) القلصادى فى كشف الأستار (الأسرار) من حروف الغبار، مخطوط بمكتبة تونس تحت أرقام ٣٣٩٢، ٣٩٣٤، ٤٧٧٥.
(٣) كشف الجلباب عن علم الحساب، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٣.
(٤) الشريشى، كتاب التلخيص بعد السبك والتخليص (رسالة عن الحساب المفتوح)، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٦.
(٥) البشلوى، رسالة فى الحساب المفتوح، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٣.
(٦) History of mathemat-: Rouse Ball ics، كمبردج سنة ١٨٨٩.
стр. 3679
(٧) La aritmetica: J.A.Sanchez Perez en Roma, en India y en Arabia, مدريد - غرناطة سنة ١٩٤٩، ص ١٢٠ وما بعدها.
(٨) La grande invention: M. Cahen de I'ecriture باريس سنة ١٩٥٨، ص ٣٨٥.
آدم [م. سويسى M. Souissi]
حسام الدين جلبى
حسن بن محمد بن الحسن بن أخى ترك (توفى سنة ٦٨٣ هـ = ١٢٨٤ م) المريد الحبيب والخليفة الثانى لجلال الدين الرومى. ولد لأسرة قدمت من أرمية الى قونية لتستقر فيها (الأفلاكى: مناقب العارفين، جـ ٢، ص ٧٥٩؛ ترجمة إيوار، جـ ٢، ص ٢٤٢). وكان حسام الدين مريدًا لجلال الدين وهو بعد شاب وقد عرف شمس الدين التبريزى المتوفى سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) ومن ثم يمكن أن نذهب الى أنه ولد حوالى سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م؛ أنظر المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٣٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٢٣). وكان أبوه وأجداده من أخيه الأناضول. وفقد حسام الدين أباه فى سن باكرة، وكفله عدة أعيان فى زمنه. فلما بلغ سن المراهقة أسر جماله كل من شاهده (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٣٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٢٤). وهنالك شخص هو وجميع خدمه ورفاقه الشبان إلى جلال الدين وأصبح مريدًا له وأعفى جميع حاشيته من خدمته، وتخلى عن ثروته جميعًا حتى متاع بيته لصالح جلال الدين وحلقته. وقد أثر إخلاصه الشديد واستقامته فى جلال الدين فجعل له الإشراف على إيراد الوقف الذى يخصه والهدايا التى كان يتلقاها من أشخاص شتى. وكانت كل هذه المبالغ من المال تحمل إليه فيوزعها أولا على أسرة جلال الدين ثم
стр. 3680
يفرقها على أعضاء حلقته كل بحسب رتبته (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٧٧؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٥). وسرعان ما برز شأنه بين المريدين لورعه وإخلاصه لجلال الدين، فزاد تقدير جلال الدين له لأنه على خلاف الآخرين قد أظهر تبجيله العظيم لشمس الدين التبريزى ثم لصلاح الدين زركوب (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٨٢؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٩). ومن الواضح أنه حدث فى هذا الوقت أو بعده بقليل أن اتصل جلال الدين بعمال الحكومة لتدبير إقامة حسام الدين "شيخًا"، لخانقاه ضيا وخانقاه لا لا فى قونية، (انظر مكتوبات مولانا جلال الدين، ص ١٢٨ - ١٢٩) ونجح جلال الدين فى مسعاه (الأفلاكى، جـ ١، ص ٥٥٨؛ جـ ٢، ص ٧٥٤)، ٧٥٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٧٣، ٢٣٧، ٢٤١). وبعد وفاة الشيخ صلاح الدين (٦٥٧ هـ = ١٢٥٨ م) أقام جلال الدين مكانه فى المشيخة حسام الدين. وفى غضون هذه السنوات الخمس نظم المجلد الأول من المثنوى (٦٥٩ هـ = ١٢٦٠ - ١٢٦١ م) بناء على استحثاث حسام الدين الذى كان جلال الدين يمليه عليه. ولما انتهى جلال الدين من هذا المجلد توفيت زوجة حسام الدين، وتولاه الحزن والكمد لوفاتها وتوقف عن حث جلال الدين على إكمال المثنوى (المثنوى، جـ ٢، ص ٢٤٧؛ أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٤٢ - ٧٤٤؛ الترجمة جـ ٢، ص ٢٢٨) وبعد ذلك بسنتين تزوج حسام الدين مرة أخرى واستؤنف العمل فى المثنوى. وظل حسام الدين يعمل خليفة لجلال الدين وكاتبه حتى وفاة جلال الدين، وظل حسام الدين بعد ذلك وبناء على ترشيح جلال الدين خليفة له طوال الاثنتى عشرة سنة الباقية من حياته. (انظر سلطان ولد: ولد نامه، ص ١٢٢؛ سباه سالار: الرسالة، ص ١٤٦؛ أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٤٦؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٣١). وقد اجتذب حسام الدين قلوب الناس من جميع الطبقات بنظرته