Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
فى A. Marre and Boncompagne جـ ١، ص ٣٠٩ بعنوان: Maniere de compter des anciens ovec les doigts de la main (تعليق أحمد الطرابلسى، وقد نشره وترجمه H. Ritter فى Isl, جـ ١٠ (سنة ١٩٢٠) ص ١٥٤ - ٦، ٢٤٣ وما بعدها.
(٥) نصوص ابن المغربى وابن شعلة وطيبغا الأشرفى البكلمشى اليونانى وقد نشرها J.Ruska بعنوان - Arabische Texte ueber das Fin gerrechnen، فى ISl, جـ ١٠ (سنة ١٩٢٠)، ص ٨٧ - ١١٩.
(٦) الفصل الذى عنوانه "فى معرفة عقد الأصابع"، فى كتاب "مقالات" لابن بندود وقد ترجمه G.S.Colin, فى سنة ١٩٣٢، جـ ١، ص ٥٩ - ٦٠.
(٧) دراسات I Goldziher, فى Ueber Gebaerdenund Zeichensprache bei den Arabern فى - Zeits. fuer voel kerpsychologie، جـ ١٦ (سنة ١٨٦٦) ص ٣٦٩ - ٣٨٦ (تحليل قام به. G.H Bousquet، فى Arabica، مجلد ٨، جـ ٣، سنة ١٩٦١، ص ٢٦٩ - ٢٧٢) ويتناول بصفة عامة لغة الإشارة.
(٨) المؤلف نفسه فى Zeitchr. der .Deutsch, Morgenl Gesells جـ ١٦ (سنة ١٩٠٧)، ص ٧٥٦ - ٧٥٧.
(٩) المصنف الرئيسى عن المسألة التى تم بحثها فى المقال الحالى هو ما ألفه. J.G. Lemoine, بعنوان Les anciens - procedes de calcul sur les doigts on Ori ent et en Occident, في Revue des etdes islamiques فى سنة ١٩٣٢، جـ ١، ص ١ - ٥٨.
(١٠) انظر أيضا م. ب الأثارى، فى مذكرات البعثة الأثرية الفرنسية بالقاهرة، جـ ٥ (سنة ١٩٢٥)، ص ٧٠ - ٧٩.
(١١) Ueber Finger- Zah-: A. Fischer lenfiguren bei den Arabern فى Islamica, جـ ٦، (سنة ١٩٣٤)، ص ٤٨ - ٥٧ (وكذلك مادة إشارة).
آدم [ش. بلا Ch.Pellat]
+ " حساب الغُبار": أى الحساب بالغبار: طريقة للحساب مقتبسة من
стр. 3677
فارس نسبت إلى تخت كان الحاسب ينثر عليه، بهز قطعة من قماش أو بطريقة أخرى، طبقة رقيقة من الغبار، ثم يستخدم عصا صغيرة لرسم أرقام، تعرف باسم أعداد الغبار، ويزيل ناتجا جزئيا بحجبه بقليل من الغبار، ويجمعه بعد ذلك لاستخدامه مرة أخرى عندما يفرغ من العملية. (وانظر عن العمليات المختلفة التى تجرى على هذا النحو مادة "حساب، علم").
وهذه العملية تكمل العمليات التى عرفها العرب من قبل وهى: حساب العقد (انظر هذه المادة)؛ والعد بالحصى (ومن ثم إحصاء؛ ، والحساب المفتوح أو الهوائى، إلخ) ولكن لا يعرف إلا القليل عن أصلها. وثمة مسألة تثار بصفة خاصة، وهى هل كان استخدام الغبار ليس إلا نتيجة عرضية لترجمة غير صحيحة للفظ فارسى أو غير فارسى؟ ذلك أن اللوح قد ألصق عليه صلصال، وهو مادة أمكن فى يسر أكبر أن تحفر عليه أرقام وتمحى منه بقلم مسطح من أحد طرفيه.
وعلى أية حال فإن هذه العملية لم تكن ممكنة إلا منذ أصبحت الأرقام معروفة. وقد أدخلت الأرقام الهندية - de vanagari إلى بغداد حوالى عام ١٥٥ هـ (٧٧٠ م)، ولكن من المعروف أن محمد بن موسى الخوارزمى المتوفى حوالى عام ٢٣٢ هـ (٨٤٦ م) ساعد على نشر الحساب الهندى، ومع ذلك فإن علماء الرياضيات والفلكيين، الخ ظلوا وقتًا طويلًا يفضلون الاستمرار فى الأخذ بالطريقة القديمة فى الإشارة إلى الأرقام بحروف الهجاء (انظر مادتى "أبجد" و"حساب الجمل") ومن جهة أخرى يبدو أن أرقام العبار المستمدة من الحساب الهندى انتشرت بسرعة لا بأس بها فى هذا الجزء أرقام تصور كما هى فى المغرب والأندلس، حيث اختارها علماء الرياضيات وأصبح تاريخ تطورها فى آخر الأمر ممتزجا بتاريخ الأعداد المعروفة بـ "العربية"، وهى التى تستخدم فى أوربا. والجدول التالى يبين تطور أعداد الغبار حتى المرحلة التى صارت فيها تستخدم فى عالم الغرب المسيحى.
стр. 3678
المصادر:
(١) ابن البنّاء، مقالات فى الحساب، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ١٠٣٠١.
(٢) القلصادى فى كشف الأستار (الأسرار) من حروف الغبار، مخطوط بمكتبة تونس تحت أرقام ٣٣٩٢، ٣٩٣٤، ٤٧٧٥.
(٣) كشف الجلباب عن علم الحساب، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٣.
(٤) الشريشى، كتاب التلخيص بعد السبك والتخليص (رسالة عن الحساب المفتوح)، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٦.
(٥) البشلوى، رسالة فى الحساب المفتوح، مخطوط بمكتبة تونس تحت رقم ٢٠٤٣.
(٦) History of mathemat-: Rouse Ball ics، كمبردج سنة ١٨٨٩.
стр. 3679
(٧) La aritmetica: J.A.Sanchez Perez en Roma, en India y en Arabia, مدريد - غرناطة سنة ١٩٤٩، ص ١٢٠ وما بعدها.
(٨) La grande invention: M. Cahen de I'ecriture باريس سنة ١٩٥٨، ص ٣٨٥.
آدم [م. سويسى M. Souissi]
حسام الدين جلبى
حسن بن محمد بن الحسن بن أخى ترك (توفى سنة ٦٨٣ هـ = ١٢٨٤ م) المريد الحبيب والخليفة الثانى لجلال الدين الرومى. ولد لأسرة قدمت من أرمية الى قونية لتستقر فيها (الأفلاكى: مناقب العارفين، جـ ٢، ص ٧٥٩؛ ترجمة إيوار، جـ ٢، ص ٢٤٢). وكان حسام الدين مريدًا لجلال الدين وهو بعد شاب وقد عرف شمس الدين التبريزى المتوفى سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) ومن ثم يمكن أن نذهب الى أنه ولد حوالى سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م؛ أنظر المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٣٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٢٣). وكان أبوه وأجداده من أخيه الأناضول. وفقد حسام الدين أباه فى سن باكرة، وكفله عدة أعيان فى زمنه. فلما بلغ سن المراهقة أسر جماله كل من شاهده (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٣٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٢٤). وهنالك شخص هو وجميع خدمه ورفاقه الشبان إلى جلال الدين وأصبح مريدًا له وأعفى جميع حاشيته من خدمته، وتخلى عن ثروته جميعًا حتى متاع بيته لصالح جلال الدين وحلقته. وقد أثر إخلاصه الشديد واستقامته فى جلال الدين فجعل له الإشراف على إيراد الوقف الذى يخصه والهدايا التى كان يتلقاها من أشخاص شتى. وكانت كل هذه المبالغ من المال تحمل إليه فيوزعها أولا على أسرة جلال الدين ثم
стр. 3680
يفرقها على أعضاء حلقته كل بحسب رتبته (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٧٧؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٥). وسرعان ما برز شأنه بين المريدين لورعه وإخلاصه لجلال الدين، فزاد تقدير جلال الدين له لأنه على خلاف الآخرين قد أظهر تبجيله العظيم لشمس الدين التبريزى ثم لصلاح الدين زركوب (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٧٨٢؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٩). ومن الواضح أنه حدث فى هذا الوقت أو بعده بقليل أن اتصل جلال الدين بعمال الحكومة لتدبير إقامة حسام الدين "شيخًا"، لخانقاه ضيا وخانقاه لا لا فى قونية، (انظر مكتوبات مولانا جلال الدين، ص ١٢٨ - ١٢٩) ونجح جلال الدين فى مسعاه (الأفلاكى، جـ ١، ص ٥٥٨؛ جـ ٢، ص ٧٥٤)، ٧٥٨؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٧٣، ٢٣٧، ٢٤١). وبعد وفاة الشيخ صلاح الدين (٦٥٧ هـ = ١٢٥٨ م) أقام جلال الدين مكانه فى المشيخة حسام الدين. وفى غضون هذه السنوات الخمس نظم المجلد الأول من المثنوى (٦٥٩ هـ = ١٢٦٠ - ١٢٦١ م) بناء على استحثاث حسام الدين الذى كان جلال الدين يمليه عليه. ولما انتهى جلال الدين من هذا المجلد توفيت زوجة حسام الدين، وتولاه الحزن والكمد لوفاتها وتوقف عن حث جلال الدين على إكمال المثنوى (المثنوى، جـ ٢، ص ٢٤٧؛ أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٤٢ - ٧٤٤؛ الترجمة جـ ٢، ص ٢٢٨) وبعد ذلك بسنتين تزوج حسام الدين مرة أخرى واستؤنف العمل فى المثنوى. وظل حسام الدين يعمل خليفة لجلال الدين وكاتبه حتى وفاة جلال الدين، وظل حسام الدين بعد ذلك وبناء على ترشيح جلال الدين خليفة له طوال الاثنتى عشرة سنة الباقية من حياته. (انظر سلطان ولد: ولد نامه، ص ١٢٢؛ سباه سالار: الرسالة، ص ١٤٦؛ أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٤٦؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٣١). وقد اجتذب حسام الدين قلوب الناس من جميع الطبقات بنظرته
стр. 3681
المتفائلة وكرمه ودماثة خلقه. وتوفى فى قونية سنة ٦٨٣ هـ (١٢٨٤ م) ويقول أفلاكى (جـ ٢، ص ٧٧٩؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٦) إن وفاته كانت فى ٢٢ شعبان الموافق ٣ نوفمبر، ولكن المنقوش على شاهد قبره (انظر كولبنيار لى: مولانا دان صونرا مولوى لق، ص ٢٨) أن الوفاة حدثت يوم ١٢ شعبان الموافق ٢٥ أكتوبر، ودفن فى "تربة" جلال الدين.
وترجع شهرة حسام الدين، الذى لم يترك أى أثر، إلى مساعدته فى كتابة المثنوى. وقد اعترف جلال الدين بهذه المساعدة فى فصول مختلفة من مثنويه وأثنى على حسام الدين فى عناوين وألقاب تشريف شتى، بل لقد سمى المثنوى "حسامى نامه" (المثنوى ١، ٣؛ جـ ٤، ص ٢٧٨, س ١ - ٦، جـ ٦، ص ٢٧١، س ١ - ٣؛ سباه سالار، ص ١٤٢؛ أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٤٢ - ٧٤٣؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٢٧). وكان جلال الدين وقتما وحيثما يجد وقتًا للإملاء، فإن حسام الدين يدون الأبيات ثم يقرؤها على جلال الدين. وقد توقف العمل فى المثنوى سنتين بعد إتمام المجلد الأول، ثم استؤنف سنة ٦٧٢ هـ (١٢٦٣ - ١٢٦٤ م) وأكتمل المثنوى قبيل وفاة جلال الدين. (انظر أ. كوليينارلى: مولانا جلال الدين، ص ١٢٠). وكانت الأجزاء من المثنوى التى تدون فى أوقات مختلفة تنقح وتشرح حين يقرؤها حسام الدين على جلال الدين (أفلاكى، جـ ١، ص ٤٩٦ - ٤٩٧؛ الترجمة، جـ ٢، ص ١٩) وبعد ذلك عدت النسخة التى نسخت على أساس هذه التنقيحات والشروح من أوثق النسخ حقًا (المصدر المذكور)، وتوجد بعض مخطوطات نسخت من هذه النسخة فى مكتبات قونية وإستانبول (نهاد م. جطين: مثنوينك قونية كتبخانة لركدكى إسكى يازمه لرى فى شرقيات مجموعه سى، جـ ٤، سنة ١٩٦١, ص ٩٦ - ١١٨). وكان الفضل الثانى لحسام
стр. 3682
الدين على أسلوب المولوية فى الحياة الذى تطور من بعد فأصبح "طريقة" هو وضع أسس آدابها ومن ثم فقد جعلها شعيرة يعقد "السماع" تبعا لها بعد صلاة الجمعة ويقرأ المثنوى بعد قراءة القرآن (أفلاكى، جـ ٢، ص ٧٧٧؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٢٥٥). وقد أقيم ضريح جلال الدين فى أثناء مشيخة حسام الدين، وهكذا أصبح للطريقة مقرًا ومركزًا مما يجيز لنا أن نقول إنه غدا "قبلة" المولوية (أ. كولبنيارلى: مولانا جلال الدين صونرا مولو يلق، ص ٢٤).
المصادر:
(١) سلطان ولد: ولد نامه، طبعة جلال همايى، طهران، طبعة غير مؤرخة، ص ١٢٠ - ١٣٩.
(٢) فريدون بن أحمد سباه سالار: رسالة طبعة سعيد منسى، طهران سنة ١٣٢٥ هـ، ١٤١ - ١٤٨.
(٣) شمس الدين أحمد الأفلاكى: مناقب العارفين، طبعة ت يازجى، أنقرة سنة ١٩٥٩ - ١٩٦١, جـ ١، ص ٤٩٦؛ جـ ٢، ص ٧٣٨ - ٧٨٣؛ ترجمة Les Saints des Der-: C. Huart viches Tourneurs باريس سنة ١٩١٨ - ١٩٢٢، جـ ٢، ص ١٩ وما بعدها، ٢٢٣ - ٢٦٠، والفهرس.
(٤) جلال الدين الرومى: مكتوبات، طبعة م. ن. أوزلق وأحمد رمزى، إستانبول سنة ١٩٣٧، ص ١٢٨، والفهرس.
(٥) جامى: نفحات الأنس، الترجمة التركية بقلم لامعى، إستانبول سنة ١٢٨٩, ص ٥٣٢ - ٥٣٥.
(٦) أ. كولبنيارلى: مولانا جلال الدين، إستانبول سنة ١٩٥٢، ص ١١٣ - ١٢٢.
(٧) المؤلف نفسه: مولانا دان صونرا مولو يلق.
خورشيد [تحسين يازجى Tahsin Yazici]
стр. 3683
الحسام
ابن ضرار الكلبى أبو الخطار: والى الأندلس من عام ١٢٥ إلى ١٢٧ هـ (٧٤٣ - ٧٤٥ م). أقام حنظلة بن صفوان والى إفريقية أبا الخطار عاملا على الأندلس بعد أن قتل بلج بن بشر فى وقعة عام ١٢٤ هـ (٧٤٢ م) وباع ثعلبة بن سلامة خليفته الأنصار الأندلسيين الذين وقعوا فى أسره بثمن بخس. ويقول ابن القوطية وابن الأثير أن الخليفة هشامًا كتب إلى صفوان بذلك بعد إذ بعث إليه أبو الخطار، وكان يبغض الشآميين بغضًا شديدًا. قصيدة يذكره فيها بعداوة القيسيين. وقد أطلق أبو الخطار من فوره سراح أسارى العرب وفل مقاومة الشآميين بأن أرسل نفرًا من زعمائهم إلى إفريقية وفرق الباقى على شتى نواحى الأندلس ومدنها، وخصص لمعاشهم ثلث المحصول الذى كان من المتعين على الأهالى أن يقدموه لبيت المال. على أن هؤلاء الزعماء ظلوا على سخطهم وأصبحوا خطرا يهدد الوالى. وقام من بينهم زعيم يدعى الصميل كان أبو الخطار قد شتمه وأهانه وتزعم الشآميين وعمد إلى إشعال الفتنة من جديد. والتقى أبو الخطار بالشآميين على ضفاف وادى لك، فتخلى عنه فريق من جنده فاضطر إلى الفرار، وأسر عام ٧٤٥ م. على أنه سرعان ما تخلص من أسره على يد جماعة من أتباعه ثم حاول من جديد لقاء الشآميين فباء هذه المرة أيضًا بخيبة مرة، ولكنه نجح فى الفرار من أيدى أعدائه. ولم ير عندئذ بدًا، من التفاهم مع ابن حريث والانضمام إليه فى مسعاه، وكان ابن حريث من قبل فى صفوف أعدائه. غير أن الصميل كان يحارب دعوى ابن حريث فى طلب الاعتراف به أميرًا على الأندلس، وبلغ من أمر أبى الخطار أن رضى بزعامة ابن حريث، ومع ذلك فقد أسر الرجلان فى وقعة عند شقنده على الوادى الكبير قبال قرطبة وقتلا عام ١٣٠ هـ الموافق ٧٤٧ م.
المصادر:
(١) البيان المغرب، طبعة Dozy, جـ ٢، ص ٣٣ وما بعدها.
стр. 3684
(٢) ابن القوطية فى Con-: Houdas quete de I'Andalousie en Recueil de textes et traductions publie a I'occasion A VIII e Congres internat. des Orientalistes a Stockholm en ١٨٨٩, جـ ١ ص ٢٣٤ وما بعدها.
(٣) أخبار مجموعة. طبعة Lafuente y Alcantara .
(٤) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٥، ص ٢٠٤ وما بعدها.
(٥) Histoire des Musulmans ; Dozy d'Espagne جـ ١، ص ٢٦٧ وما بعدها.
(٦) Der Islam: Mueller جـ ١، ص ٤٥١، جـ ٢، ص ٤٣٤ وما بعدها.
+ الحسام بن ضرار أبو الخطار: شريف من كلبية دمشق بلغ الأندلس واليًا عليها سنة ١٢٥ هـ (٧٤٣ م) ليحل محل ثعلبة بن سلامة العاملى خليفة بلج، وكان بلج قد جرح جرحًا مميتًا فى موضع يقال له "أكوا بورتورا" Aqua Portora وقد سعى حسام إلى أن يبعد جند الشام عن قرطبة بمنحهم إقطاعات فى نواحى ألبيرة من أعمال قرطبة، ورية (أرشذونة ومالقة) وجيان، والغرب (جنوبى البرتغال) وناحية تدمير، ولو أن هذه المسألة منه كانت فيما يبدو نصيحة تلقاها من أردبستو ولد غيطشة وزعيم الذميين النصارى الذين وكل إليهم جمع الخراج منهم. على أن عصبيته للكلبيين سرعان ما غلبت على حرصه السياسى وأثار بذلك حربًا على أعدائه تقوم على العناد والحقد. وقد عمد الحزب المخاصم لحسام من القيسية إلى التحالف مع لخم وجذام بقيادة الصُمَيْل الذى بدأ من وقتها يظهر نشاطًا كبيرًا وجعل من نفسه رويدًا رويدًا الذريعة لسياسة حكومته، بل هو قد قام بعد ذلك بعشر سنين بدور هام فى ظهور الإمارة الإسلامية الأندلسية بالاشتراك مع عبد الرحمن الداخل. وقد نالت خطته فى التحالف موافقة حلفائه ومن ثم نجح فى ضم استجة ومورون واستخدم الدهاء فى جعل قيادة الحلف لثوابة بن سلامة زعيمهما ونشبت الفتنة فى الأندلس وتمركز المفتتنون فى ناحية شذونة فى رجب سنة ١٢٧ هـ (أبريل سنة ٧٤٥) وما انقضى وقت طويل
стр. 3685
حتى التقوا بأبى الخطار الذى كان قد أسرع بجنوده وعسكر على شواطئ وادى لك وهزم أبو الخطار وأسر وما إن بلغ ثوابة قرطبة مظفرا حتى نادى بنفسه واليًا على الأندلس. ولم يبق أبو الخطار فى الأسر طويلا، فقد هاجم أتباعه بليل السجن الذى اعتقل فيه وحملوه إلى لبلة، وفيها جاهد للم شمل أتباعه ولكنه خاب فى السيطرة على الحلف الذى كان قد حل محله. أما عن علاقاته الطيبة بالنصارى المقهورين فنحن لا نعلم عنها إلا ما روى من أن سارة حفيدة غيطشة بلغت دمشق فشكت للخليفة هشام بن عبد الملك من أنها جردت من أملاكها على يد عمها أردبستو فأمر الخليفة أبا الخطار أن يرد إليها ملكها الموروث.
المصادر:
(١) ابن الأبار: الحلة، ص ٤٦ - ٤٩.
(٢) ابن الخطيب: الإحاطة، القاهرة، طبعة عبد الله عنان، جـ ١، ص ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) Hist Esp .. E.Levi-Provencal Mus. جـ ١، ص ٤٨ - ٥٠، ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٤) Recherches: Dozy الطبعة الثانية، جـ ٢، ص ٧٩ - ٨٠.
(٥) Hist. des las Moza-: Simonet rabes, جـ ٣، ص ١٩٧ - ١٩٨.
خورشيد (هويتى ميراندا A. Huici Miranda) .
حسب ونسب
مزاوجة فى مألوف العرب، تجمع بين وجهين لفكرة واحدة عن شرف المحتد. ويدل اللفظ الثانى على القرابة والصلة، وبخاصة ما كان مرتبطًا بالأسلاف، أى نسب فرد أو قبيلة؛ وكان النسابة، فى الجاهلية يعنون بالحفاظ على هذا النسب، الذى كان فى الإسلام فرعًا من فروع التاريخ وكان النسب، الذى يعد من عناصر الشرف، لا يقوم على المشاركة فى الدم فحسب، بل يقوم أيضًا على أصل الأم، وإن كانت صلة القربى من جهة الأب أهم فيما يبدو، وكان من اليسير تتبعها. وكان لجميع أفراد القبيلة عادة نسب جامع، يرجع إلى جد تنسب إليه القبيلة، ونسب أضيق من هذا، يبدأ بمؤسس
стр. 3686
العشيرة، دون أن تكون الحلقات فى هذه السلسلة بالضرورة من الشخصيات الذائعة الصيت. وكان النسب الذى يفخر به الإنسان هو ذلك النسب العريق الذى لم يشبه ما يشين، على أن أقل شائبة تشوب نسب الشخص كان خصومه لا يتورعون فى هجائهم عن التعريض بأسلافه أو عشيرته. وكان النبى ﷺ يستهدف تأكيد المساواة بين المؤمنين وتحقيق وحدة الجماعة، إذ نهى عن الطعن فى الأنساب، أى الطعن الذى يندد بعيوب صحيحة أو مختلقة، تشين الجد عامة، والجد الأعلى الذى تنتسب إليه القبيلة أو العشيرة خاصة.
وعلى حين كان الناس المحرومون من النسب هم دون سواهم المنعزلون والمنبوذون والعبيد بطبيعة الحال، فإن صاحب الحسب فى مفهوم الجاهلية كان لا يقتضى وجود أسلاف له فحسب، بل إسباغ التشريف عليهم باسناد أعمال جليلة إليهم تدل على الشجاعة أو إظهار فضائل بارزة يتصفون بها والافتخار خاصة بكرمهم كرمًا يضرب به المثل. وكانت ذكرى الأعمال الجليلة التى قام بها فيما مضى أفراد القبيلة تنتقل من الأب للابن، فتجعل من ذلك حسبًا جامعًا يستطيعون جميعًا أن يفاخروا به، وكانت شجاعة الجماعة تقاس كما يقال بمجموع هذه الأعمال والفضائل الفريدة، التى تقدم للجميع نموذجًا يحتذى، ومعيارًا خلقيًا مثاليًا يتمنون بلوغه، وكان هذا فى الحقيقة ضربًا من السنة القبلية.
وفى مقابل النسب، كان فى وسع الشخص أن يكتسب الحسب بأداء أعمال فاضلة أو الإتيان بضرب من الشجاعة فوق المألوف وعلى هذا كان الحسيب شخصًا ينحدر من صلب أسلاف لهم نسب عريق أو شخصًا اكتسب بشخصه الشرف دون أن يتطلب ذلك بالضرورة نسبًا بارزًا، فى حين يجب أن يتسلح النسيب بالحسب والنسب جميعًا.
ولم يقض ظهور الإسلام تمامًا على هذه الأفكار التى ظلت حية مؤثرة بين القبائل العربية (بل بين الفقهاء الذين
стр. 3687
كان لزامًا عليهم أن يعرفوا حسب المرأة لكى يقدروا مهرها) ولكن الأفكار القديمة قد تعدلت فى الحق بفضل النزوع إلى المساواة، والمكانة العالية التى تبوأها الإيمان. والحديث الصحيح يكشف عن تغير فجائى فى المفهوم تتيح لنا المصنفات العديدة فى فقه اللغة والتفسير أن ندرك معناه. على حين ينهى النبى ﷺ عن الطعن فى الأنساب فيقول: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم".
المصادر:
L'honneur Chez les: B. Fares Arabes avant l'Islam; باريس سنة ١٩٣٢، ص ٨١ - ٨٨ و ١١٤، والإشارات الواردة فيه؛ وانظر أيضًا المسعودى، مروج الذهب، جـ ٣، ص ١٠٧ وما بعدها (ترجمة Pallat، ص ٩٥٥ وما بعدها) ونظرية ابن خلدون، المقدمة، تحقيق Quatremere, ص ٢٤٣ وما بعدها (ترجمة de Slane, جـ ١، ص ٢٨٠ وما بعدها، وترجمة Rosenthal، جـ ١، ص ٢٧٣ وما بعدها.
آدم (هيئة التحرير Ed.)
الحسبة
مصطلح من مصطلحات القانون الإدارى معناه الحساب أو وظيفة المحتسب ثم اكتسبت الكلمة معنى خاصًا هو الشرطة، وأصبحت تدل أخيرًا على الشرطة الموكلة بالأسواق والآداب العامة. وقد استعمل المؤلفون الذين كتبوا فى الفقه الإسلامى (مثل الماوردي وابن خلدون والمقريزى إلخ) لفظ الحسبة بهذا المعنى، وهو أضيق معانيها، ولكن للحسبة من غير شك معنى أوسع من وظيفة المحتسب بمدلولها المحدود، فقد وردت فى تواليف المؤرخين إشارات عابرة عن "دار المحاسبة والمواريث أو الموتى" تدل على أن الحسبة كانت اسمًا لدار التسجيل التى يسجل فيها الوفيات والمواليد وتدار فيها تركات اليتامى وأموالهم، ونحن نجد لفظ الحسبة أيضًا مستعملًا للدلالة على دار الموازين والمكاييل وتعرف "بدار العيار" وكذلك ديوان المحاسبة الأعلى، وأخيرًا للدلالة على ديوان ميرة الجيش وذخيرته.
стр. 3688
المصادر:
(١) Mawardii Constitutiones: Enger Politicae, Bonnae, ١٨٥٣ الفصل الأخير (العشرون).
(٢) ابن خلدون: المقدمة، طبعة بيروت سنة ١٨٨٦، ١٩٦.
(٣) خطط المقريزى، طبعة القاهرة ١٣٢٤ هـ، جـ ٢، ص ٣٤٢.
(٤) Landerverwaltung: Hammer, برلين ١٨٣٥، ص ٢١، وص ١٤٨ وما بعدها.
(٥) Kulturgeschichte: Von Kremer, فينا ١٨٧٥، جـ ١، ص ١٩٠.
(٦) Histoire des Arabes: Huart، باريس ١٩١٢، جـ ١، ص ٢٦٣ - ٣٦٦.
(٧) Memoire sur les In-: Behrnauer .stitutions de Police, Journ. As السلسلة الخامسة، جـ ١٥ و ١٦, ١٨٦٠ - ١٨٦١.
عبد العزيز مرزوق [زامباور E. V. Zambaur]
+ الحسبة: مصطلح لم يرد فى القرآن، ويستخدم للدلالة على واجب كل مسلم أن "يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" كما يستخدم للدلالة على الوظيفة التى يقوم بها الشخص الذى يوكّل إليه فى المدينة السلطة فى تطبيق هذه القاعدة بمراقبة السلوك الأخلاقى للناس بعامة، والإشراف على الأسواق خاصة؛ وكان هذا الشخص الذى يوكّل بالحسبة يطلق عليه اسم المحتسب. ويبدو أن ليس هناك نص يقرر صراحة العلة فى اختيار هذا المصطلح أو يبين كيف نشأت المعانى المذكورة آنفًا من فكرة "الحساب" أو "الكفاية" التى يعبر عنها جذم هذه الكلمة.
١ - كلمة عامة: المصادر، والأصول، والواجبات.
إن الازدواج فى معنى كلمة حسبة هو السبب فى وجود معلومات عنها فى مصادر شتى فى وفرتها. وإلى جانب الإشارات إلى "المحتسبين" التى يمكن أن نجدها فى التواريخ الإخبارية ومعاجم السير وغير ذلك الخ، فإن هناك معلومات عن معنى واحد للحسبة
стр. 3689
ترد فى كل ما كتب عن أخلاق الجمهور ومناهضة البدع (مثل مدخل ابن الحاج) وفى كل ما كتب عن التجارة وأحكام المعاملات المالية. وسوف نقتصر هنا على ذكر تلك المصنفات التى تكون فيها الحسبة بمعناها الأول والآخر هى موضوعها الأساسى والأصولى. ويمكن تقسيمها إجمالا إلى فئتين، يتداخلان، على أية حال، إلى حد ما، وتتناول بعض المصنفات بأسلوب عام مضمون فضيلة الحسبة، وما يترتب عليها من التزامات على المحتسب، والوجوه الدينية والشرعية التى تقترن بوظيفته؛ وتتصدى المؤلفات الأخرى فى جوهرها لتنوير المحتسب فى التفاصيل العملية والفنية فى الإشراف الذى يجب أن يباشره؛ ولما كان هذا الاشراف يطبق أولا على حرف ومهن مختلفة، فإن هذه المصنفات دليل عملى للإشراف الإدارى على المهن. وسنحاول أن نقدم ثبتًا مفصلًا بهذه المؤلفات الأخرى، فى حين يكفى أن نذكر بصفة عامة المصنفات التى تحدثنا عنها أولا.
والمصنفات التى تتضمّن دراسة عامة للحسبة متعددة حقًا، ولكن مما يجدر ذكره أنها لم تظهر أولا إلا فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) أى بعد قرنين من ظهور الوظيفة. والمصنفان الرئيسيان هما الأحكام السلطانية للماوردى، الفصل العشرون (ويشير، على أية حال، إلى رسالة أقدم لمحتسب بغداد الشافعى فى مستهل القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادى، وهو أبو سعيد الإصطخرى، وإن كان أحيانًا يدحض ما جاء بها) وإحياء علوم الدين للغزالى (جـ ٢ وص ٢٦٩ وما بعدها)، وهو يتناول فى الغالب الجانب الأخلاقى. ويجب أن نذكر من الكتّاب الآخرين المؤلف الأندلسى القديم ابن حزم (الفصل فى الملل والنحل، جـ ٤، ص ١٧١ وما بعدها)، ثم بعد ذلك: فى عهد المماليك، المؤلف الحنبلى ابن تيمية (الرسالة فى الحسبة، انظر H.Lanust - Essai sur Ibn Taymiyya, الفهرست)، والنويرى (نهاية الأرب، جـ ٤)، وابن جماعة، والسبكى (معيد النعم)، والقلقشندى، والمقريزى، الخ؛ وفى
стр. 3690
آسية الوسطى "النصاب فى الاحتساب" للسنامى (؟ )، ويشير عنوانه إلى منصب المحتسب الذى كان يتولاه المؤلف (القرن السابع الهجرى = الثالث عشر الميلادى؟ )، وإذا حكمنا عليه بعدد مخطوطاته (انظر ك. عواد، فى مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق، جـ ١٧، سنة ١٩٤٢، ص ٤٣٣ وما بعدها) فإنه قد لقى بلا شك نجاحًا كبيرًا فى البلاد الإيرانية التركية؛ ثم فى المغرب مقدمة ابن خلدون، (جـ ٣، ص ٣١).
أما المصنفات من الفئة الثانية فمن طراز مختلف. فهى، كما قيل، ليست مخصصة للتفصيلات الفنية للإشراف الذى يجب النهوض به وخاصة على الحرف، بل هى رسائل المقصود بها خاصة المحتسب، وهى إذ تتفق بطبيعة الحال مع الشريعة، فإنها تتسم بطابع إدارى، وليست لها صفة شرعية. وتعد رسالة أحكام السوق ليحيى بن عمر المالكى الأفريقى فى كثير من الأحيان أقدم مصنف من هذا النوع (لا يزال النص الجوهرى موجودًا فى كتاب ألف فى وقت متأخر، حققه محمود على مكى، فى RIEEI، جـ ٤، سنة ١٩٥٦، الترجمة الإسبانية التى قام بها - E. Gar cia Gomez، فى الأندلس، جـ ٢٢، سنة ١٩٥٧، ويوجد مخطوطان كاملان مباشران فى هذا الموضوع بتونس: مكتبة جامعة الزيتونة تحت رقم ٣١٣٧، وهناك مخطوط فى مجموعة خاصة).
على أننا إذا صرفنا النظر عن أن كلمة حسبة لم يرد ذكرها فى هذه الرسالة، فإنها فى الحقيقة فصل من مجموعة من الفتاوى الشرعية عن السوق الخ أكثر منها رسالة إدارية أعدت ليستخدمها المحتسب. وهناك مصنف آخر أقرب قليلا من النوع الذى يهمنا، ويحتوى على كلمة حسبة، وهو كتيب زيدى نشره R. B. Serjeant في Rivista degli studi orientali، جـ ٢٨، سنة ١٩٥٣، (صنف حوالى عام ٣٠٠ هـ = ٩١٠ م)، وربما لم يكن من قبيل المصادفة، أن تخرج رسالة من هذا النوع من بين صفوف الزيدية، الذين كانوا يولون أهمية كبرى للتفسير الدقيق لأحكام الشريعة، ولكن
стр. 3691
مضامينها تعانى من التخلف فى موقف طبرستان الاقتصادى والاجتماعى، الذى تم فى إطاره تصورها.
ولا توجد أية رسالة حقيقية عن الحسبة بالمعنى الدقيق للكلمة حتى نهاية القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) فى المغرب (وبخاصة فى الأندلس) ونهاية القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) فى الشرق (الشام ومصر)؛ ولم يسجَّل وجود أية رسالة أقدم من هذه الرسائل فى أية بلاد أخرى. والرسائل المعروفة هى ما يأتى:
(أ) فى المغرب: كتاب فى آداب الحسبة للسَقَطى المالقى (حوالى عام ٥٠٠ هـ = ١١٠٠ م؛ تحقيق G. S. Colin, E. levi- Provencal، فى. Joun. As سنة ١٩٣١) "ورسالة فى القضاء والحسبة" لابن عبدون الإشبيلى (القرن السادس الهجرى الموافق الثانى عشر الميلادى، تحقيق E. Levi- Provencal فى Joun As., سنة ١٩٣٤)؛ وقد أعيد طبعها فى كتابه Trois traites hispaniques de hisba سنة ١٩٥٥؛ مع ترجمة فرنسية قام بها E. Levi- Provencal في Seville musulmane au debut de Xlle siecle، سنة ١٩٤٧؛ وترجمة فرنسية قام بها بالاشتراك مع Garcia Gomez, بعنوان - Sevilla musul mana سنة ١٩٤٨؛ وترجمة إيطالية قام بها F. Gabrieli فى Rend - Ling , السلسلة السادسة، جـ ١١، سنة ١٩٣٥). ثم فى هذا الكتاب نفسه Trois traites، يأتى ذكر ابن عبد الرءوف والجرسيفى، الترجمة الفرنسية التى قامت بها Rachel Arie , في Hesperis Tamuda جـ ١، سنة ١٩٦٠، والترجمة الإنكليزية لما سبق التى قام بها G. M. Wickens, فى - The Is lamic Quarterly جـ ٣، سنة ١٩٥٦، (ولكن انظر J. D. Latham فى Journal of Semitic Studies جـ ٥ (سنة ١٩٦٠) ص ١٢٤ وما بعدها). وما يأتى يعد بوجه من الوجوه ضربا من الرسائل فى الحسبة، ويدخل جزء منه فى عداد "النوازل": الفتاوى الشرعية: فصل عن الحسبة فى كتاب تنبيه الحكَّام فى الأحكام، لابن المناصف "عام ٥٦٣ - ٦٢٠ هـ = ١١٦٨ - ١٢٢٣ م" وهو مخطوط بمكتبة جامعة الزيتونة رقم ١٩١٩، وكتاب التحفة لمحمد العُقبانى
стр. 3692
التلمسانى، مكتبة جامعة الزيتونة تحت رقمى ٢٩٧٨، ٦٢٣٤؛ والجزائر تحت رقم ١٣٥٣، وقد قام بتحليله محمد طالبى , - Quelques donnees sur la vie soci ale en occident au XVe Siecle فى- Arabi ca، جـ ١، سنة ١٩٥٤).
(ب) فى المشرق: هناك عدة رسائل مشرقية، أهم قليلا من رسائل المغرب، والأصل فيها جميعًا نهاية الرتبة فى طلب الحسبة، لعبد الرحمن بن نصر الشّيْزَرى المتوفى سنة ٥٨٩ هـ (١١٩٣ م، حققه برنهاور Bernhauer، مع ترجمة فرنسية له باسم نبراوى، بعنوان Les institutions de police chez les Arabes فى، Jour-As. سنة ١٨٦٠ - ١٨٦١؛ وهناك طبعة حديثة جيدة حققها العرينى، القاهرة سنة ١٩٤٦) , وهذه الرسائل هى: أولا رسالة أطول تحمل العنوان نفسه لابن بسّام (القرن السابع الهجرى = الثالث عشر الميلادى، ألفت فى الشام أو فى مصر)، وقام بتحليلها الأب شيخو فى مجلة المشرق جـ ١٠، سنة ١٩٠٧)؛ ورسالة أكثر تفصيلا هى "معالم القربة فى أحكام الحسبة" لابن الأخوّة المصرى (بداية القرن الثامن الهجرى = الرابع عشر الميلادى، حققها وقام بترجمة انكليزية مقتضبة لها R. Levy فى مجموعة كب التذكارية، السلسلة الجديدة جـ ١٢، سنة ١٩٣٨؛ ثم سلسلة من المصنفات الأخرى، معظمها ليست. فيما يبدو، إلا طبعات مقتبسة من المصنفات التى ذكرناها آنفا، وتنسب أحيانًا إلى مؤلفين لا صلة لهم بها (الماوردى). ولكن مخطوطاتها لم تنشر ولم تدرس ولذلك فإنه لا يمكن تصنيفها فى الوقت الحاضر: (انظر المقالات التى كتبها M. Gaudefroy- Demombynes فى Journ. As جـ ٢١٣) سنة ١٢١٣ هـ = سنة ١٩٣٨ م؛ ك. عواد، فى مجلة المجمع العلمى بدمشق، جـ ١٨، سنة ١٩٤٣؛ وانظر كتاب الحسبة لابن عبد الهادى المتوفى سنة ٩٠٩ هـ = ١٥٠٣ م، والتعليق الذى كتبه حبيب الزيات فى الخزانة الشرقية، جـ ٢، سنة ١٩٣٧، ص ١١٢. وعن الزيدية انظر كتاب Das staatsrecht der, R. Strothmann Zaiditen, ستراسبورغ سنة ١٩١٢، ص ٩٠ وما بعدها).
стр. 3693
وعلاوة على هذه الرسائل، توجد بعض براءات تعيين المحتسبين، لم تلق ما تستحقه من اهتمام: إحداها ترجع إلى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) وردت ضمنا فى مجموعة الإنشاء للصاحب ابن عباد، رقم ٣٩، والأخرى هى إيرانية - تركية من القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى). وردت فى رسائل رشيد الدين وطواط، رقم ٨٠؛ وكتاب عَتَبَة الكتبة (بالفارسية) لمنتجب الدين بديع أتابك الجوينى، طهران سنة ١٣٢٩، ص ٨٢ وما بعدها؛ وأخيرا نجد براءات أخرى من الشام ومصر صدرت فى عهد الأيوبيين، والمماليك، فى خطابات ضياء الدين بن الأثير (انظر Bulletin of -the school of Oriental Studies, London Institution جـ ١٤ - ١, ص ٣٨) وفى كتاب صبح الأعشى للقلقشندى (جـ ١٠، ص ٤٦٠، أصدرها القاضى الفاضل)، جـ ١٢، ص ٣٣٩، وشواهد فى مواضع متفرقة، ولعل فى الإمكان وجود براءات أخرى كثيرة.
هذه هى المصادر التى يمكن أن تقوم عليها دراسة الحسبة. ومن ثمَّ فإن هذه المصنفات بمعناها الواسع هى الواجب المفروض، من حيث المبدأ، على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد يفعل هذا فى المجرى المألوف للأحداث بالإبلاغ عن جريمة والاعتراض عليها بعامة وبالتدخل الشرعى بخاصة، وفى بعض الظروف الخاصة بالإكراه فى حالة عدم وجود سلطة عامة إذا كان فى وسعه أن يفعل هذا - بل له، كما يقول ابن حزم، فى وجود سلطة عامة ليست شرعية، أن ينتقض عليها، وهذا الالتزام فى الحقيقة ليس إلا التزاما نظريا، يستتبع واجب كل مسلم فى أن يفعل كل ما فى وسعه لمواجهة الموقف، ومحظور عليه أن يضع نفسه فى موضع السلطة العامة إذا وجدت. ومن ثم فإن فكرة الحسبة، بالرغم من أنه يمكن أن يكون لها شأن معين فى السلوك الاجتماعى، فإنه ليس لها من حيث العمل إلا أثر ضئيل، ومن الصعب أن ندرك فى أية ظروف تطورت، مع ذلك، نظريتها.
стр. 3694
ومنشأ وظيفة الحسبة، وهو فيما يبدو قديم جدًا ليس أكثر من ذلك وضوحًا. إذ لم تستعمل أصلا كلمة حسبة ولا كلمة محتسب، ولكن استخدم بدلا من الكلمة الأخيرة مصطلح صاحب (أو عامل) السوق. ولهذا فإن هناك مسألتين: مسألة أصل مصطلح صاحب السوق، ومسألة تحوله إلى مصطلح المحتسب. ومن المعتقد أن الأول كان خلفا لمراقب السوق الإغريقى الذى كان يتولى تطبيق قانون السوق فى المدن الاغريقية. وكانت واجباته مماثلة للمفهوم العربى إجمالا، أو أن التعبير العربى ترجمة للمصطلح الإغريقى. ومهما يكن من شئ فإنه لا يوجد أى أثر مدون عن مراقب السوق الإغريقى فى النقوش الإغريقية فى خلال الثلاثمائة سنة السابقة للفتح العربى (- Pauly. Wissowa, West and John Byzantine Egypt: son سنة ١٩٥٥، الفهرست) ويمكن أن تكون الوظيفة والاسم على السواء قد أدخلا فى العصر الإسلامى، دون أن يكون بينهما أى ارتباط: وربما يكون الاسم قد ظل شائع الاستعمال، ولعل المدن القديمة قد احتفظت بنظمها القديمة على أية صورة كانت، ولكن هذا ليس من الأسباب التى تدعونا إلى الإصرار على أن صاحب السوق، فى البصرة والكوفة، وغيرهما من المدن كان من المستبعد أن يظهر دون استلهام الفكرة من الخارج.
ومهما يكن الأمر فإن صاحب السوق، فى عهد خلافة المأمون، استبدل به المحتسب، وهو اسم كان لا يستخدم حتى ذلك الوقت إلا للدلالة على شخص معين بالذات يقوم بوظيفة الحسبة. ومن الواضح أن هذا التغير فى التسمية حدث فى إطار إضفاء الصبغة الإسلامية على القوانين التى قام بتنفيذها العباسيون وبخاصة فى عهد المعتزلة؟ ولكن من الصعب أن نقول إلى أى مدى حدث فعلا تحول فى طابع وظيفة الحسبة ومضمونها. ولما حدث التغير فى الشرق بعد انقسام العالم الإسلامى بين الشرق والغرب، ظل لقب صاحب السوق غالبًا فى الاستعمال فى المغرب والأندلس، حيث وقع اختيار الفقهاء أولا على فكرة الحسبة (توجد إشارة صريحة فى كتاب ابن بشْكُوال
стр. 3695
وهناك أمثلة كثيرة من الأمثلة الأخرى، فى البيان المغرب لابن عذارى). ولكن يبدو أنه ليس هناك اختلاف كبير بين نصفى العالم الإسلامى منذ العهد الذى يمكن فيه الحديث عن تفصيلات الوظيفة.
ثم أصبح من سمات المحتسب القديم التكامل فى عمله من حيث هو مراقب للسوق فى نطاق الواجب الأوسع مدى، وهو أساسًا واجب دينى، يفرض عليه الحفاظ على الانضباط اللائق للحياة الاجتماعية.
ولم يكن الفرق بين واجباته وواجبات القاضى ورئيس الشرطة محددا تحديدا دقيقا، والفارق بينها فى بعض الأمور، لا يرتبط بطبيعتها الجوهوية بمقدار ما يرتبط بالأسلوب الذى يمارسونه حيالها، كان القاضى يحكم فى القضايا التى تتعلق بشكوى قدمت إليه، ويقوم بتحقيق لاكتشاف الحقيقة، أما الشرطة فكانت تتدخل فى المخالفات والجرائم التى تتطلب قيام الشرطة بهذا العمل؛ على أن المحتسب كان لا يهتم إلا بالوقائع الواضحة التى لا نزاع فيها. وكان لا يقوم بتحقيق بل كان يتدخل من تلقاء نفسه، دون أن ينتظر تقديم شكوى إليه. وكانت المسائل التى يجب عليه أن يهتم بها قد تقررت بصفة عامة فى تاريخ قديم بعض الشئ بمقتضى عرف لم يكن يطرأ عليه أى تغيير حتى الوقت الحاضر؛ ولم تكن أية مسألة منها رسمية خالصة، لكن غنى عن القول أن الطريقة التى كان يؤدى بها بعض واجباته، بصرف النظر عن شئون السوق، كانت تتوقف كثيرا على الخلفية الاجتماعية وعلى خلقه الشخصى. وبصرف النظر عن السوق فإن هذه المسائل يمكن تقسيمها ثلاث مجموعات: على المحتسب أن يراقب أداء الفرائض الدينية (حضور صلاة الجماعة، والاستعمال اللائق للمساجد وصيانتها) والاحتشام فى السلوك بين الجنسين فى الشوارع (وفى الحمامات) وأخيرا تطبيق وسائل التمييز بين المسلمين والذميين. وتروى حوادث وقعت لمحتسبين شجعان كانوا ينقدون القضاة أنفسهم الذين أصدروا أحكامًا مخطئة أو ينكرون فقهاء ثبت تلقينهم الناس دروسا تخالف الإجماع.
стр. 3696
ومهما يكن الأمر فإن الواجب الأساسى الدائم للمحتسب حيال الجمهور هو أن يراقب السوق، وقد أصبح هذا الواجب أولا وقبل كل شئ يحدد رسميا منذ البداية فى براءة التعيين. وكان عليه أن يتحقق من صحة الموازين والمكاييل، التى كانت بحكم تعقدها وتعددها البالغ تتيح الغش على الفور. وكان عليه بوجه أعم أن يراقب ويحارب جميع أنواع النقص والخداع اللذين يمكن أن يظهرا فى صناعة السلع وبيعها على السواء (وبصرف النظر عما يوليه الفقه لها من اهتمام - فإن هناك مصنفات كاملة متخصصة تتناولها بالبحث، وأشهر مثال لها هو كشف الأسرار للجْوبرى، فى القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى). ومن ثم فإن كتب أوليات الحسبة بالمعنى الدقيق، تسوق قائمة بالحرف الرئيسية، وتمد المحتسب بالمعلومات الفنية عن كل حرفة منها، بما يتيح له تمكنه من اختبار جودة المنتجات وتتبع الأخطاء الفنية أو الصناعة السيئة - وكل هذه هى وثائق بالغة الأهمية فى دراسة الظروف الاقتصادية. بل إن للمحتسب، عندما لا يوجد موظف خاص مكلف بهذا الأمر، أن يختبر العملة ليتأكد من سلامتها. وبالإضافة إلى هذا عليه أن يتأكد أن التجار والسماسرة لم يلجأوا إلى الغش ولم يصطنعوا حيلا لخداع المشترى ليبتاع سلعة أو يدفع الثمن المطلوب للحصول عليها.
وكان يتأكد أيضا، من الناحية الشرعية، أن التجار لم ينغمسوا فى أى عمل يرتبط بامتهان الربا المحرم. وكان اختصاصه يمتد إلى المهن نفسها التى لا نعدها عادة فى الوقت الحاضر مرتبطة بالسوق: وهكذا كان يراقب الصيدلانيين والأطباء، وكان فى المدارس يحذر أو يعاقب أى معلمين يفرطون فى القسوة. وكان المحتسب لا يتجاوز حدود المدنية، على أية حال، ولذلك فإن التجار، أو أصحاب الحرف فى المناطق الأخرى، كانوا لا يخضعون لمراقبته.
وثمة موضوع يتعلق بهذا النشاط الاقتصادى الأخلاقى الذى يجب التنويه به فيما يختص بالتقاليد الاقتصادية الإسلامية. فقد كان المحتسب يراقب
стр. 3697
الأسعار، ولكن لم تكن له عادة سلطة تحديدها. وكان يزجر بل يعاقب التاجر الذى تكون أسعاره مرتفعة عن المعدل المقبول، وبخاصة فى الفترات التى يقل فيها المعروض من السلع. وكان يتصرف بقسوة مع من يلجأون إلى التخزين، ولكن الشريعة الذى يحدد الأسعار، أى أنها تتجاوز نطاق سلطات البشر، ومهما يكن من شئ، فقد كان ثمة فى فترة انتشرت فيها المجاعة فى نهاية العصور الوسطى، نزعة متزايدة لتحديد السعر رسميًا.
وكان يرتبط بهذه المهام عمل آخر، دعا الباحثين المحدثين إلى أن يؤكدوا القول بأن التقاليد القديمة الخاصة بأعضاء مجلس المدينة ظلت تتردد فى واجبات المحتسب. ذلك أنه كان من واجباته فى بناء المنازل وترميمها وأمانة المواقيت أن يتأكد من أنه لم يحدث فعل يضر بالأمن العام أو يعوق مرور المشاة أو العربات، وكان مسئولا عن تنظيف الشوارع، وترميم أسوار المدينة عند الضرورة، وضمان تزويد الناس بالماء وتوزيعه بانتظام، الخ .. وكل هذه واجبات دعت إلى أن يعد المحتسب فى زمرة موظفى البلدية (وهو الموظف الوحيد فى عهد الإسلام). على أنه لم يكن أهم من القاضى، بحكم طبيعة وظيفته، ذلك أنه كان لا يعين بأمر أية هيئة مدنية أو مهنية، ومع ذلك فإنه كان فى الواقع يهتم بصفة خاصة وحده دون سواه بأمور المدينة.
وكانت الدولة تعين المحتسب، مباشرة فى بعض الأحيان، وفى أكثر الأحيان عن طريق الولاة أو القضاة الذين كانت تفوضهم رسميًا فى وظيفة الحسبة، لا لكى يقوموا بها من حيث المبدأ، بأنفسهم، ولكن لكى يتأكدوا من أنها قد قامت، وكان يشترط فى المحتسب أن يكون رجلا معروفًا بنزاهته وكفايته فى أمور الشرع، ومن ثم فقد جرى العرف أن يكون فقيهًا، ولكن بالرغم من أن هذه الصفة كانت فى كثير من الأحيان لا يراعى وجوب توافرها فيه، فإن الخبرة المكتسبة من الحياة المهنية دعت أيضًا إلى اختياره، إن أمكن، من بين التجار، وعلى أية حال
стр. 3698
فإن الحسبة، فى تقسيم الوظائف إلى سياسية ودينية، كانت وظيفة دينية مثل وظيفة القاضى. وكان تسجيل الصالحين لتولى هذه الوظيفة والقيام بها تكتنفه صعاب تتعلق بمجال عمل المحتسب والأساليب التى ينتهجها. وفى الحالات التى كان لا يستطيع فيها شخصيا أن يراقب منطقة واسعة كان يعين لكل حرفة أمينًا أو عريفًا ينتمي إلى تلك الحرفة، وبالإضافة إلى ذلك كان المحتسب يستعين بعدد من الموظفين المرءوسين له مما يسمح بوجود ممثلين له بسرعة فى أى مكان، لاستدعاء المذنبين إلخ. ومع ذلك فإن هذه الأساليب قلما كانت مناسبة، وكان من الضروري وجود تعاون بين المحتسب والقاضى والشرطة. ولهذا السبب نفسه كثيرا ما حدث أن يجمع الشخص الواحد بين وظيفتى القاضى والمحتسب أو بين وظيفتى الحسبة والشرطة، وعلى الرغم من اتساع مجال عمل المحتسب والصفة الدينية التى تتسم بها وظيفته، فإنه كان يعد بصفة عامة، إخصائيا تابعا للقاضى، وكان تسجيل أسماء الصالحين للقيام بالحسبة يتم باختيار أشخاص أقل من ذلك شأنا إذ أن وظيفة المحتسب كانت تعد أقل شأنا من وظيفة القاضى (كانت وظيفة المحتسب تعد أحيانًا خطوة تمهد لتولى منصب القاضى).
وكان المحتسب بقصبة البلاد فى معظم الولايات الإسلامية تلقى على عاتقه تبعة بعينها هى الإشراف على المحتسبين فى المدن الإقليمية. وفى مستهل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) حاول الخليفة الناصر، فى إطار سياسته العامة التى ترمي إلى توحيد الإسلام من حيث النظر والدين تحت لوائه، أن يوطد، على الأقل فى الشرق الأدنى، دعائم إشراف عام على الحسبة، الأمر الذى لم يتحقق فعلا (انظر Oriens، جـ ٦، سنة ١٩٥٣، ص ٢١).
وكانت العقوبات التى يستطيع أن يوقعها المحتسب، دون الرجوع إلى سلطات قضائية أخرى وذلك بعد الزجر، هى عادة الجلد، والطواف بالمذنب فى الشوارع مجللا بالخزى والعار، أما الموازين والمكاييل غير
стр. 3699
السليمة والمنتجات المغشوشة فكان من الممكن مصادرتها، وكان المجرمون العائدون يمنعون من ممارسة حرفتهم بل يحكم عليهم بالنفى نفسه.
وفى نهاية العصور الوسطى، حدث مع التدهور الاقتصادى والأزمات الاجتماعية القائمة وقتذاك، أن هبط قدر وظيفة المحتسب. وفى عهد المماليك كان الحصول عليها، شأنها فى هذا شأن الوظائف الأخرى، يتم بأداء مبلغ من المال، كان مؤديه يستعيضه من التجار بأن يفرض عليهم ضرائب لا سند لها من الشريعة. وكثيرا ما كان يشتجر النزاع بين المرشحين للمنصب، وهناك مثال على ذلك مشهور هو الشجار الذى نشب بين المقريزى والعينى؛ وحدث أن منحت الوظيفة لأحد أفراد الطبقة العسكرية، بالمخالفة لجميع التقاليد، واستجابة لدواعى الارتزاق، وعدم مراعاة للكفاية المطلوبة.
وظل المحتسب موجودا فى الجزء الأكبر من العالم الإسلامى، حتى ظهرت اصلاحات العصر الحديث، وكان مثلا لا يزال موجودا فى مستهل القرن العشرين، فى مراكش وبخارى. ومنذ عهد السلاجقة فى البلاد الإيرانية التركية عامة وفى بلاد أخرى من حين إلى حين، كان يطلق على الوظيفة فى العادة اسم "احتساب"، واحتفظ باسم الحسبة مراعاة للفضيلة التى يجب أن يظهرها شاغل الوظيفة. وقد أخذ بها الشرق اللاتينى الذى استحدثته الحروب الصليبية، فى صورة محدودة غير دينية عرفت باسم Mathessep.
المصادر:
المصادر والمؤلفات الحديثة التى تتناول الموضوع ورد ذكرها فى صلب المادة. وليست هناك دراسة عامة كاملة عن الموضوع برمته.
(١) المصنف الذى له مكان الصدارة ويغلب عليه الجانب الفقهى هو ما كتبه E. Tyan فى الفصل الأخير من كتابه Histoire de l'torganisation Judiciaire en Islam جـ ٢، سنة ١٩٤٣، مع عرض له بقلم كل من - M. Gaudefroy - De mombynes في Journal des Savants، سنة ١٩٤٧، و J. Shacht فى Orientalia ص ١٧ سنة ١٩٤٨، ص ٥١٨.
стр. 3700
(٢) انظر أيضا المقدمتين اللتين كتبهما E. Levi - Provencal ومحمود على مكى فى طبعتيهما المحققتين، والتقرير الثانى الذى كتبه J. Shcacht فى كتابه Introduction to Islamic Law سنة ١٩٦٦، الفهرست وثبت المصادر، ص ٢٣١ - ٢٣٢.
(٣) وهناك فصل مفيد كتبه A. Darrag فى L'Egype sous le regne de Barsbay سنة ١٩٦١, ص ٧٦ - ٨٢.
(٤) وكتاب ن. زيادة الحسبة والمحتسب فى الإسلام سنة ١٩٦٣، مرجع نفيس باعتباره مجموعة نصوص.
(٥) وفى مقال إمام الدين: الحسبة وقد نشر فى Islamic Cuture سنة ١٩٦٣ فى الأندلس، سير للمحتسبين الأندلسيين.
(٦) والمصنفات المخصصة للمدينة الإسلامية تتحدث عن المحتسب بكل تأكيد، وليس من اليسير أن نذكرها كلها فى هذه المادة، ولكننا نرى أن نذكر بصفة خاصة.
(٧) Considerations sur: G. Marcais la ville musulmane et le Muhtasib في - Re cueils de la Societe Jean Bodin، جـ ٤، سنة ١٩٥٤.
(٨) والرسالة الممتازة التى كتبها. R Le Tourneau عن فاس.
(٩) وبالنسبة لبخارى انظر - P.I. Pe Bukharskiy mukhtasib Problemi: trov Vostokovedeniya، سنة ١٩٥٩، جـ ١ ص ١٣٩ - ١٤٢.
(١٠) وعن الشرق اللاتينى انظر. CI La feodalite et les institutions pol-: Cahen itiques de L'orient latin فى Accad. Naz d. Lincei, Convegno Volta, جـ ١٢ سنة ١٩٥٦، ص ٢٢ - ٢٣.
آدم [كاهن وطالبى C.L.Cahen & M. Talbi]
٢ - الدولة العثمانية
لا يرد لفظ حسبة فى سجلات الإدارة العثمانية ووثائقها؛ ونجد بدلا منه لفظ احتساب، وهو مصطلح رسمى يستخدم فى العاصمة، وفى الإيالات على السواء، ومعناه الأساسى جباية
стр. 3701
المكوس والضرائب المفروضة على كل من التجار وأرباب الحرف وعلى بعض الواردات. ومهما يكن من شئ فإن كلمة احتساب أصبحت أخيرا تدل على جملة الوظائف كلها التى انتقلت إلى المحتسب أو "احتساب آغاسى" (وقلما يقال احتساب إمينى)؛ وكثيرا ما ترجمت بمصطلح "شرطة السوق" الذى يتضمن معنى محصورًا فى نطاق ضيق، وقد كان المحتسب يعد على هذا النحو "مفتشا للأسواق" ولكن مسئوليته الدقيقة كانت تتجاوز مجرد الإشراف والتفتيش على الأسواق وأعضاء النقابات المهنية. وكانت الأحكام المتعلقة بواجبات المحتسب مقننة فى "احتساب قانوننامه لرى"، الذى كان فى وسع الموظف أن يجد فيه كل شئ يتصل بهذه الواجبات وهى المراقبة والتفتيش والعقاب، خاصة جباية الضرائب بالنسبة للإيالات. وكانت هذه الأحكام تشتمل على قائمة بالأسعار التى كان لا بد من مراعاتها فى بيع السلع أو المواد المصنوعة أو غيرها، وحدود الربح المسموح به، والعقوبات التى يقتضى الأمر توقيعها على التجار وأرباب الحرف المخالفين للشريعة. وكانت أيضا تبين المقدار الإجمالى أو النسبة المئوية للضرائب والمكوس، والمبالغ التى يجب اقتضاؤها والتبرعات الأخرى التى تجمع باسم الاحتساب وتفرض على أعضاء نقابات أرباب الحرف، ونجد شاهدا يذكرنا بالوظيفة الأصلية للمحتسب فى بعض مواد هذه الأحكام التى ينص فيها على أنه يجب أن يراقب المحتسب السلوك والأخلاق فى الأماكن العامة أو المقدسة واحترام المسلمين لفرائضهم الدينية. وكان هو أيضًا، فى استنانبول على الأقل، الرجل الذى يشرف على تقسيم البضائع بين تجار الجملة وعلى أرباب الحرف أو الصناع. وكان يساعد المحتسب فى جباية الضرائب وكلاء يطلق عليهم اسم "قول أوغلان لرى" وكان عددهم يبلغ ١٥ فى استنانبول فى القرن العاشر الهجرى الموافق السادس عشر الميلادى، وارتفع عددهم على إثر ذلك إلى ٥٦ في القرن الحادى عشر الهجرى الموافق السابع عشر الميلادى، وستة عشر ملازما يعرفون باسم سندلى، يحملون براءة رسمية بالتعيين. وكانت وظيفة
стр. 3702
المحتسب أو "احتساب آغاسى" تشغل سنويا بطريق الالتزام. ويتسلم شاغلها "براءة" التعيين بعد موافقة القاضى (وكان المحتسب مسئولا أمامه مسئولية مباشرة) أو الصدر الأعظم أو والى الولاية، وبعد أن يؤدى مبلغا من المال يسمى بدل مقاطعه، أو الثمن النقدى لحق الالتزام.
وأولى أحكام الاحتساب المعروفة ترجع إلى عهد السلطان بايزيد الثانى (٨٨٦ هـ = ١٤٨١ م - ٩١٨ هـ = ١٥١٢ م)، فى مستهل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) وصدرت من بعد أحكام أخرى سنها السلطان سليم الأول والسلطان سليمان الأول والسلطان سليم الثانى والسلطان مراد الثالث والسلطان مراد الرابع والسلطان محمد الرابع، الخ .. أما بالنسبة للإيالات فكانت الأحكام الخاصة بالاحتساب، متضمنه فى أحكام أوسع نطاقا خاصة بالإدارة فى الإيالات، وهى مجموعات قانوننامه، وأقدمها يرجع إلى عهد بايزيد الثانى، وليس من قبيل المستحيل أن تكون هناك أحكام أخرى من هذا النوع صدرت فى وقت مبكر. وفى بعض الإيالات التى ضمت إلى الدولة العثمانية فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) كان السلاطين بعد الفتح مباشرة، قد اكتفوا فى أول الأمر بسريان الأحكام الأقدم عهدا، كما حدث مثلا فى دمشق.
وفى المجال المالى كان المحتسب يجبى تلك الضرائب المستمدة من الاحتساب بالمعنى الحقيقى لهذا اللفظ (احتساب رسومى)، ولكنه كان يجبى أيضا بعض الضرائب التى يمكن وصفها بأنها ضرائب على الوارد أو على دخول البضائع، وأخيرا ضريبة "يومية دكاكين" يؤديها أصحاب الحوانيت لإمداد المحتسب وأتباعه بما يفى بمرتباتهم. وفى استنانبول كانت المدينة مقسمة إلى ١٥ منطقة ضريبية فيما يتعلق بالضريبة الأخيرة. وكانت ضرائب الاحتساب فى استنانبول وفى المدن الكبرى بالدولة العثمانية كما يلى: "باج- بازار" وهى ضريبة على السوق، وكانت من قبل موجودة فى
стр. 3703
عهد السلاجقة والإيلخانية، على أن الأحكام التى تنظمها كانت ترجع إلى عهد محمد الثانى، وكانت هذه الضريبة تفرض على جميع البضائع التى ترد من الخارج وتباع فى أحد الأسواق بالمدينة، "بتيرمه" وهى ضريبة سنوية كانت تفرض على تجار المواد الغذائية، و"دامغه رسمى" وهى ضريبة دمغة أو رسم علامة تفرض على المنسوجات والمعادن سواء كانت ثمينة أو غير ثمينة، "وحق قبان"، أو "رسم قبان"، أو "حق قنطار" وهى ضرائب على الوزن، تدفع عينا، على وزن الحبوب والخضراوات المجففة، ، ونقدًا على وزن أى محصول آخر، ويقول بعض الكتاب أن هذه الضرائب المفروضة على الوزن كانت تعرف أيضا باسم ميزان (ضرائب الميزان) وأوزان (ضرائب على الأوزان والمكاييل) و"إكيال" أو "كيّاليّه" (ضرائب على كيل الحبوب). وكانت ضرائب الاحتساب الأخرى يمكن أن تفرض، حسب الموقع، مثل "رسومات احتسابية" (فى استنانبول) أو ضرائب على دخول البضائع تفرض على حمولة سفينة التاجر، وحق "قابى" وهى ضرائب كانت تجبى عند بوابة أدرنة و"بابعيه" وهى ضرائب على المبيعات، ظهرت فى الغالب فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وألغى السلاطين من حين إلى حين بعض الضرائب التعسفية التى فرضها المحتسبون، على أساس أنها كانت بدعا ضارة بأهل البلاد خليقة بالذم.
وألغى نظام الالتزام فى الاحتساب فى استانبول عام ١٢٤٢ هـ = (١٨٢٦ م) واستبدلت به إدارة (احتساب نظارتى) يشرف عليها احتساب ناظرى، وهو موظف حكومى. وفى عام ١٢٧١ هـ (١٨٥٤ م) ألغيت وظيفة احتساب ناظرى وانتقلت إلى يد "شهر امينى".
المصادر:
(١) أوليا جلبى، سياحتنامه، جـ ١، استانبول سنة ١٣١٤ هـ = ١٨٩٨، فى مواضع مختلفة.
стр. 3704
(٢) Stoatsver-: Hammer - Purgestall fassung
(٣) Memoier sur les: W. Behmauer institutions de Police Chez les Arabes, les persans et les Turcs فى المجلة الأسيوية، السلسلة الخامسة، جـ ١٥، سنة ١٨٦٠، ص ٤٦١ - ٥٠٣؛ جـ ١٦، سنة ١٨٦٠، ص ١١٤ - ١٩٠، ٣٤٧ - ٣٩٢؛ جـ ١٧ سنة ١٨٦١، ص ٥ - ٧٦.
(٤) عين على مؤذن زاد: قوانين رساله سى قوانين آل عثمان در خلاصه مضامين دفتر ديوان، استانبول سنة ١٢٨٠ هـ = ١٨٦٣ م.
(٥) قانوننامه آل عثمان، فى تاريخ عثمانى أنجمنى مجموعة سى (الملحق)، سنة ١٣٣٠ هـ = ١٩١٤ م
(٦) عثمانلى قانوننامه لرى فى ملى تتبعلرى مجموعة سى جـ ١/ ١ (مارس - أبريل سنة ١٣٣١ هـ = ١٩١٥ م)، ص ٤٩ - ١١٢، جـ ١ - ٢ (مايو- يونيه سنة ١٣٣١ هـ = ١٩١٥ م، ص ٣٠٥ - ٣٤٨، جـ ١ - ٣) يوليه - أغسطس سنة ١٣٣١ هـ = ١٩١٥ م ص، ٤٩٧ - ٥٤٤.
(٧) عثمان نورى: مجلة أمور بلديه، جـ ١، استانبول سنة ١٣٣٧ هـ = ١٩٢٢ م، ص ٣٢٧ - ٤٦٩.
(٨) أحمد رفيق، هجرى ١٢ عصر ده استانبول حياتى، وهجرى ١١. عصر ده استانبول حياتى، إستانبول سنة ١٩٣٠ - ١٩٣١.
(٩) الكاتب نفسه ١٦ عصر ده استانبول حياتى إستانبول سنة ١٩٣٥.
(١٠) عمرو لطفى برقان، بعض بويوك شهر لرده أشيا ييه جق فياتلرى نعك تثبيت وتفتيش خصو صلر كك تنظيم إيدن قانوننامه لر، فى تاريخ وثيقة لرى، جـ ١ - ٥ (فبراير سنة ١٩٤٢) ص ٣٢٩ - ٣٤٠ جـ ٢ - ٧ (يونيه سنة ١٩٤٢) ص ١٥ - ٤٠؛ جـ ٢ - ٩ (أكتوبر سنة ١٩٤٢) ص ١٦٨ - ١٧٧.
(١١) الكاتب نفسه، قانونلر، فى مواضع مختلفة.
стр. 3705
(١٢) أ. ح أوزون جار صيلى: عثمانلى دولتنكك مركز وبحرية تشكيلاكى، أنقرة سنة ١٩٤٧، ص ١٤٠ - ١٤٤.
(١٣) محمد زكى باكالين: عثمانلى تاريخ تريملرى ودييملرى سوزليغى إستانبول سنة ١٩٤٦ - ١٩٥٤، انظر مادة احتساب.
(١٤) Gibb - Bowen جـ ١ - ١، ص ١٥٥ - ١٥٦، ١٦٨، ٢٧٩، ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢٩٢، جـ ١ - ٢، ص ٧ - ٩، ١٢, ٣٤، ٨٠، ١١٦، ١٢٩.
(١٥) Regle-: R. Mantran, Souvaget -ments fiscaux Ottomans, les Provinces Sy riemes بيروت سنة ١٩٥١، فى مواضع مختلفة.
(١٦) Die Siyqat Schrift.: L. Fekete in der tuerkischen Finanzverwaltung جـ ١٠، بودابست سنة ١٩٥٥، فى مواضع مختلفة.
(١٧) La police des: R. Mantran marches de Stamboul au debut du XV lle siecle فى C.T .. رقم ١٤ الثلاثة الأشهر الأولى من ١٩٥٦، ص ٢١٣ - ٢٤١.
(١٨) الكاتب نفسه. Un document sur l, ihtisab de Istanbul, a la fin du XYIIe Ziecle في melanges Massignon جـ ٣: بيروت سنة ١٩٥٧، ص ١٢٧ - ١٤٩.
(١٩) Rechnungsbuecher: L.Feketen Turkischen Finanzstellen in Buda Ofen ١٥٨٠ - ١٥٥٠ بودابست سنة ١٩٦٢ فى مواضع مختلفة.
(٢٠) The finan-: Stanford J. Shaw cial and administrative organization and developmrent of Ottoman Egypt, ١٧١٧ - ١٧٩٨ , برنستون سنة ١٩٦٢.
(٢١) الكاتب نفسه: Ottoman Egypt in the eighteenth century
(٢٢) Nezanname - i Misr of Gezzar ahmea pasha هارفارد سنة ١٩٦٢.
(٢٣) Istambul dans la: R. Mantran second moitie du XVlle siecle باريس سنة ١٩٦٢، ص ١٤٥ - ١٤٦، ٢١٨ -
стр. 3706
٢١٩، ٢٢٦ - ٢٢٩، ٢٧٤، ٢٩٤، ٣٠٠، ٣٠٨، ٣١٠ - ٣٢٣، ٣٢٨، ٤٤٢، ٤٥٩.
(٢٤) Ottoman: Stanford J. Shaw Egypt in the age of the French Revolution هارفارد سنة ١٩٦٤.
آدم [. د. مانتران R.Mantran]
٣ - فارس
استمر وجود المحتسب ووظيفته الحسبة (أو الاحتساب) مع كثير من الوظائف الدينية، فى مختلف الدول والممالك التى أنشئت فى فارس بعد انهيار الخلافة العباسية، ولم تختف نهائيا حتى القرن التاسع عشر. وكانت أخلاقيات الجمهور وأداء المسلمين لفروضهم الدينية فى ظل الرقابة الشاملة للمحتسب. وكان يعهد إليه أيضا بالسهر على ما يمكن أن يطلق عليه اسم رعاية الآداب العامة، فكان لا يسمح بالقسوة فى معاملة العبيد أو بأن توسق الحيوانات بأحمال فوق طاقتها. وكان من واجبه أيضا أن يتحقق من أهل الذمة يذعنون للقوانين المفروضة عليهم للتمييز بينهم وبين المسلمين. على أن مهمته الأولى كانت مراقبة الأسواق ومنع التجار وأرباب الحرف من الغش والخداع فى التعامل وأن يقوم بالإشراف على نقابات أرباب الحرف، وكان مفوضا فى توقيع عقوبة عاجلة على المخالفين (انظر علاوة على ذلك The Social Structure of Is-: R. Levy lam، كمبردج سنة ١٩٥٧، ص ٣٣٤ وما بعدها).
ويقول نظام الملك إنه يجب تعيين محتسب فى كل مدينة لمراقبة الأوزان والأسعار، وملاحظة المعاملات التجارية، ومنع غش البضائع ومقاومة الاحتيال والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وعلى السلطان وعماله أن يؤيدوا المحتسب لأنهم إن لم يفعلوا فإن "الفقراء سوف تضيق الحال بهم ذلك أن الناس فى السوق سوف يشترون ويبيعون كما يشتهون، والوسطاء (فضلحوز) سوف يتحكمون، وسوف يشيع الفساد بين الناس، ولا يقيمون وزنا للشريعة" (سيا ستنامه، تحقيق Schefer، النص الفارسي، ص ٤١). ويرى حسين واعظ كاشفى المتوفى عام
стр. 3707
٩١٠ هـ (١٥٠٥ م) الذى ألف كتابه فى عهد التيموريين، أن وجود المحتسب ضمان لسير الحياة العامة وفق تعاليم الإسلام، وقد كتب يقول "كل سلطان يحاول جاهدا أن يعمل بتعاليم الشريعة وينفذ أحكام الدين، فهو مفوض من الله وظله على الأرض. ولما كان السلطان، لا يستطيع بحكم تعدد مصالح الدولة، أن ينعم النظر فى تفصيلات هذا الأمر فإنه يجب عليه أن يعين محتسبين فى مملكته. ويجب أن يكون المحتسب قوى الإيمان شديد الغيرة على الإسلام، وأن يتميز بالعفة والتقوى والصدق والاستقامة والتجرد من الطمع. وهو فى كل ما يفعله ينشد نصرة الدين.
وينبغى أن تكون إرادته حرة لا تتأثر بالدوافع الخفية، كالنفاق والتماس المنفعة لنفسه والهوى، حتى يكون لما يقوله أثر فى قلوب الناس (أخلاق محسنى، تحقيق ميرزا إبراهيم تاجر شيرازى، طبعة على الحجر، بومباى سنة ١٣٠٨ هـ، ص ١٥٩). وكذلك يؤكد محمد مفيد الذى كتب فى القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) أهمية الحسبة من حيث هى إحدى الوظائف الدينية (جامع مفيدى، تحقيق إيرج أفشار، طهران سنة ١٣٤٠ هـ, جـ ٣، ص ٣٨٠ - ٣٨١).
وكان شاغل وظيفة المحتسب من رجال الدين عادة. ولا يزال هناك عدد من الوثائق الخاصة بتعيين المحتسب إحداها صادرة من ديوان سنجر آخر السلاجقة العظام، وهى تتعلق بتعيين رجل يدعى أوحد الدين فى وظيفة محتسب مازندران. وقد أمر بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن يبذل جهده حتى يراعى الناس القسط فى الميزان والكيل ويمتنع الاحتيال فى الشراء والبيع، ولا يتعرض المسلمون للغش أو الخسارة، وعليه أن يتحقق من قيام الناس بأداء الفرائض التى أمرت بها الشريعة فى المساجد ودور العبادة ومن أن المؤذنين وغيرهم من الموظفين يقومون بواجباتهم على أحسن وجه، فى المواعيد المقررة، وعليه أن يسعى جاهدًا لقمع المفسدين ومنعهم من المجاهرة بسلوكهم القبيح، وارتكاب الفاحشة وبيع الخمر، وكان عليه أن
стр. 3708
يلزم أهل الذمة بارتداء ملابس مميزة، دليلا على أنهم أدنى مرتبة من المسلمين، وعليه أن يمنع النساء من الاختلاط بالرجال فى مجالس العلم أو الاستماع إلى العظات (منتجب الدين بديع أتابك الجوينى، عتبة الكتبة، تحقيق عباس إقبال، طهران، سنة ١٩٥٠ - ١٩٥١، ص ٨٢ - ٨٣ وانظر أيضا Die staats verwaltung -: H, Horst der Grosselgugen und Horazmshahs (١٠٣٨ - ١٢٣١) (فيسبادن سنة ١٩٦٤، ص ٩٧، ١٦١ - ١٦٢، ص ١١٢ - ١١٣ و ١٦٢ فيما يتعلق بالوثائق التى ترجع إلى عهد خوارزم شاه).
وفى عهد الإيلخانية ظل المحتسب، شأنه فى هذا شأن غيره من الموظفين الذين يقومون بتطبيق الأحكام الدينية، موجودًا أو قيل إنه كان يعين بعد اعتناق الإيلخانية لدين الإسلام. وعندما قرر غازان خان أن يوحد الأوزان والمكاييل فى أرجاء المملكة، أمر بتنفيذ هذا فى كل إياله فى حضور كل محتسب (رشيد الدين، - Geschichte Gha zan khans، تحقيق K.Jahn، مجموعة كب التذكارية، سنة ١٩٤٠، ص ٢٨٨). وفى عهود التيمورية كانت مهام المحتسب والصفات التى تتطلبها وظيفته هى على الإجمال الصفات نفسها فى أيام السلاجقة. وهناك ثلاث وثائق خاصة بتعيين المحتسب محفوظة فى كتاب شرف نامه لعبد الله مرواريد (انظر Staatsschreiben: H. R. Roemer der Timuridenzeit, فيسبادن سنة ١٩٥٢، ص ٥٣ - ٥٧ و ١٥٠ - ١٥٢). وإحدى هذه الوثائق تتعلق بتعيين رجل يدعى عبد الله كرمانى محتسبًا فى هراة، وهى تبين أنه قد نيط به أن يشغل الوظيفة بالاشتراك مع رجل يدعى ركن الدين علاء الدولة (المصدر السابق، ورقة رقم ٢٤ أ).
وفى عهد الصفوية الأوائل كان هناك محتسب فى معظم المدن الكبيرة إن لم يكن فيها جميعًا. وكان يقوم بالمهام التقليدية التى يقتضيها منصبه، مع فارق هو أن المذهب الذى كان يؤيده وقتذاك هو مذهب الاثنى عشرية الشيعى. وفى براءة تعيين محتسب تبريز التى يرجع إلى عام ١٠٧٢ هـ
стр. 3709
(١٦٦٢ م) نجد أن العامل المعين فى هذا المنصب كان يعهد إليه بالحفاظ على الأخلاق العامة، ويقتضى ذلك فيما يقتضى منع شرب الخمر، والقمار والمخالفات الأخرى للشريعة، وجمع الخمس والزكاة وتوزيع حصيلة هذه الضرائب على من يستحقونها، وصيانة المساجد والمدارس والهبات الموقوفة على البر، وكان عليه أيضا أن يراقب الموازين والمكاييل، وأن يتحقق من أن المرور فى الشوارع لا يعوقه شئ، وأن يراقب بعض الجماعات ونقابات أرباب الحرف مثل الفقهاء (الملآوات) والمؤذنين "والحانوتية". وكان الكلانترية والكدخداوية والداروغاوية و"عمال العرف" يؤمرون بأن يحجموا عن التدخل فى تحديد الأسعار وأن يتحققوا من أن المحتسب يؤدى المهام العادية لوظيفته (انظر Islam-: A.K.S. Lambton ic Society in Persia، محاضرة افتتاحية، لندن (S.O.A.S، سنة ١٩٥٤).
وكان المحتسب الأكبر للمملكة يعرف باسم "محتسب الممالك"، وكانت هذه الوظيفة فى عهد طهماسب يشغلها رجل أستر اباذى يدعى ميرسيد على الذى كان أيضا خطيبًا للبلاط الملكى، وشغلها من بعد طبا طبائى سيد مير جعفر، وخلفه بعد وفاته فى عهد الشاه عباس، ميرزا عبد الحسين، وكان من قبل "كلانتر" مدينة تبريز (اسكندر بك عالم آراى عباسى، طبعة على الحجر، طهران سنة ١٨٩٦ - ١٦٩٧، ص ١١١ - ١١٢) وجاء فى كتاب تذكرة الملوك أن إجراءات شيوخ كل نقابة مهنية خاصة فيما يتعلق بأسعار البضائع التى يبيعونها ترفع كل شهر لمحتسب الممالك لإقرارها. وكان يرسل هذه الإجراءات من بعد إلى ناظر البيوتات (المشرف على الورش الملكية) للحصول على تصديقه حتى يمكن سحب الوثائق الخاصة بشراء البضائع. وكانت مخالفة ما جاء بقائمة الأسعار المذكورة تؤدى إلى توقيع عقوبات صارمة (طبعة V. Minorsky مجموعة كب التذكارية، النص الفارسي، الأوراق ٧٩ جـ - ٨٠ أ) ويروى شاردان Chardin، الذى قام برحلة فى فارس فى العهود الصفوية المتأخرة، أن المحتسب كان يحدد الأسعار فى إصفهان كل يوم سبت،
стр. 3710
وأن كل بائع تتجاوز أسعاره، الأثمان المحددة يتعرض لعقوبات صارمة.
ولكن شاردان يزعم أيضا أنه كان هناك فساد فى تحديد الأسعار، وأن الباعة كانوا يقدمون للمحتسب هدايا لإغرائه بتحديد الأسعار تحديدا يرفعها كثيرا (Voyages تحقيق Langles، باريس سنة ١٨١١, جـ ١٠، ص ٢ وما بعدها).
وكان محتسب الممالك يعين له وكلاء، يعملون باسمه للتأكد من أن نقابات أرباب الحرف تبيع بضائعها فى كل مكان بالأسعار المحددة (تذكرة الملوك، ورقة ٨٠ ب). وكان يتقاضى ٥٠ تومانا كل عام، وعلاوة على ذلك تفرض لمصلحته ضرائب على المدن الإقليمية المختلفة، تبلغ فى مجموعها حوالى ٢٥٣ تومانا أى ٣٠٠٠ دينار (المصدر السابق، الأوراق ٩٠ أ - ب).
ويبدو أن وظيفة المحتسب، بعد عهد الصفوية، قد ضعف شأنها، وأصبحت تزداد صفتها غير الدينية. فقد انتزعت فى الواقع من اختصاصه دلك المهام التى تتعلق بتطبيق الأحكام الشرعية، وأصبح تطبيقها من اختصاص "مراجع التقليد". وكانت هذه المهام تتضمن جمع الخمس والزكاة، وتنظيم التركات والوصايا، وتعيين الأوصياء على القصر وغيرهم، وهى أمور كانت معروفة إجمالا باسم "أمور حسبى" وكانت المراجع تصدر إجازات للإشراف باسمهم على "أمور حسبى". وكانت المؤهلات المطلوب توافرها فى من يتسلم مثل هذه الإجازة هى وجوب أن يكون مؤمنا وعادلا وعالما بأحكام الشريعة. وكان يسمح له بأن يحتفظ بما يكفى للقيام بأوده من المبالغ التى كان يجمعها بجباية الخمس والزكاة، أما الباقى فكان عليه أن يسلمه إلى المرجع الذى أصدر إجازته لتوزيعها على من لهم الحق فيها.
وبقدر ما كانت مهام المحتسب تختص بنقابات أرباب الحرف فى المدن الكبرى ونظافة المدينة فإنها كانت الى حد ما من المهام التى يضطلع بأعبائها الداروغه والكلانتر. وأخذت مهامه تقتصر على تنظيم الأسعار والتفتيش على الموازين والمكاييل؛ ولكنه كان فى هذه الأمور يخضع لأوامر الداروغه
стр. 3711
(انظر A tour to Sheeraz: E.Scott Waring لندن سنة ١٨٠٧، ص ٦٨ - ٦٩) ويزعم تانكوانى Tancoigne ما زعمه شاردان Chardin من أن المحتسب لم يكن معصوما من قبول الرشوة وكثيرا ما وافق على أن يتقاضى ثمنا لإسباغ حمايته على التجار (A narrative of a Journey into Persia لندن سنة ١٨٢٠, ص ٢٣٩ - ٢٤٠). وفى غضون القرن التاسع عشر اختفى المحتسب من معظم المدن.
وكتب بيننج Binning حوالى عام ١٨٢٧ يقول إن الوظيفة قد ألغيت أخيرا فى شيراز (A Journal of two years travel in Persia, Ceylon, etc لندن سنة ١٨٥٧، جـ ١، ص ٣٣٧ - ٣٣٨). وما إن حل عام ١٢٩٤ هـ (١٨٧٧ - ١٨٧٨ م) حتى أصبحت الوظيفة فى إصفهان مجردة من أى أثر من حيث العمل (ميرزا حسين خان بن محمد إبراهيم: جغرافياى إصفهان، تحقيق م. ستوده، طهران سنة ١٩٦٣، ص ٨٠). ومع ذلك فقد استمرت الضرائب التقليدية التى تجبى لدفع مرتب المحتسب تظهر فى سجلات الضرائب سنوات عديدة بعد أن اختفت الوظيفة فى الواقع. وفى القانون الصادر فى ٢٠ آذار سنة ١٣٠٥ هـ (١٩٢٦ م) ألغى بند ينص على فرض مبلغ ١٥٠ قرانا على طائفة الجزارين لمصلحة المحتسب (The second: yearbook of the municipality of Tehran Statistics of the city of Teheran for the years ١٩٢٥ to ١٩٢٩) وورد ذكر "احتساب - أقاسى" فى طهران عام ١٨٥٣. وكانت مهامه تقتضى أن يصدر بين آن وآخر قوائم بأسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع (انظر روز نامه وقائع اتفاقيه رقم ١٢٧, فى ٢٩ رمضان سنة ١٢٦٩ هـ = ١٨٥٣ م) وكانت الوظيفة التى ينتمى إليها تعرف باسم احتساب، وكانت مهمتها الأولى تنظيف الشوارع. وحدث بعيد إنشاء إدارة شرطة على أحدث الأساليب على يد ناصر الدين شاه سنة ١٢٩٨ هـ (١٨٨٠ م) أن وضع الاحتساب من ضمن صلاحياته (اعتماد السلطنة: روز نامه، بتاريخ ٥ صفر سنة ١٢٩٩ هـ = ٨٨١ م، مخطوط فى مكتبة ضريح الإمام رضا فى مشهد). وفى عام ١٣١٢ هـ (١٨٩٤
стр. 3712
١٨٩٥ م) كانت مصلحة الاحتساب فى طهران تتكون من مدير ونائبى مدير وعدد من الفراشين والسياس، والسقايين، الخ (اعتماد السلطنة، تاريخ وجغرافياى سوادكوه، طبعة على الحجر، طهران سنة ١٣١١، الفهرست). وثمة فقرة فى جريدة "تربيت" العدد ٥٨ فى ٢٦ شعبان سنة ١٣١٥ هـ (٣٠ يناير سنة ١٨٩٨ م) موجهة إلى منظم السلطنة، وزير النظمية والاحتسابية، تمتدحه لجهوده فى تنظيف الشوارع وتيسير المرور فيها، وتعديل الأسعار، ومنع السلوك السئ والسرقة، ومنع إساءة معاملة حيوانات الجر والحمل. وهكذا ما إن حلت نهاية القرن التاسع عشر حتى بطل وجود المحتسب من حيث هو موظف دينى مكلف بمراقبة الضمير العام، وأما مهامه التى بقيت فقد اضطلعت بها إدارة الشرطة.
واستمرت "أمور حسبى" تطبق إلى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحت إشراف "مراجع التقليد"، فلما دخل نظام المحاكم الحديثة فى عهد رضا شاه بهلوى اقتصرت "أمور حسبى" على جمع الخمس والزكاة، أما أمور إدارة التركات والوصايا ورعاية القصر وتعيين الأوصياء، الخ. فقد انتقلت إلى المحاكم (انظر القانون المسمى "قانون أمور حسبى"، المؤرخ: تير سنة ١٣١٩ هـ = ١٩٤٠ م).
المصادر:
وردت فى صلب المادة.
٤ - شبه القارة الهندية
لم يكن لنظام الحسبة، بالمعنى الدقيق القديم، وجود فى شبه القارة الهندية الباكستانية، فى الحقبة من القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) إلى القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادى) وكانت العقبة الكبرى هى تعدد ألوان السكان، وكان معظمهم من غير المسلمين. وإذا استثنيا السلاطين بلبن (٦٦٤ هـ - ٦٨٦ هـ = ١٢٦٦ م ١٢٨٧ م) وفيروز شاة تُغْلق (٧٥٢ هـ - ٧٩٠ هـ = ١٣٥١ م - ١٣٨٨ م) وسكندر لودى (٨٩٤ - ٩٢٣ = ١٤٨٩ م - ١٥١٧ م) وأورنكزيب عالمكير - وهذا الاستثناء
стр. 3713
ينطبق عليهم من بعض الوجوه - فحسب فإن أحدا من حكام الهند المسلمين لم يحاول أن ينفذ الأحكام الشرعية، إما خوفا من وقوع فتنة بين السكان الهندوس المحليين، أو لقضاء مأرب سياسى، والدليل الساطع على ذلك التدابير المتزندقة التى اتخذها أكبر وكان السلاطين منذ البداية الأولى لحكمهم بلدا من البلاد بالفتح فى معظم الأحيان (من القرن السابع إلى القرن العاشر الهجرى = القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر الميلاديين) قد أدركوا أن المسلمين، فى وضعهم هذا بالهند، لا يمكن أن يسمح لهم بالتهاون فى أمور الدين أو الأخلاق إلا على حساب التماسك والوحدة أو فى بعض الأحيان، لقيام دولتهم حديثا. ومن هنا كان يعين دائما محتسب وقاض فى أية مستعمرة إسلامية يتم إنشاؤها أو مدينة لها حامية (انظر منهاج السراج: طبقات ناصرى، ص ١٧٥؛ العتبى، تاريخ يمينى، ص ٢٨٨؛ تاج المآثر ورقة ١٨٥) ولم يغفل هذا بلبن، الذى كان يرى أن وجود مصلحة للحسبة، على درجة كبيرة من الكفاية، ضرورة جوهرية للحكم الصالح، ولم يحدث أن قصر فى هذا، كما فعل أسلافه، حتى فى الجهات الصغيرة التى لا أهمية لها.
وإنا لنقرأ فى سفرنامه قاضى تقى متقى بجنور (سنة ١٩٠٩، ص ٢ وما بعدها) أن إيلتمش (٦٠٨ هـ ٦٣٣ هـ = ١٢١١ م -١٢٣٦ م) قد عين قاضيا فى أمباله التى لم تكن وقتذاك أكثر من دسكرة تسكنها بضع مئات من الأسر من عناصر شتى: وفى عهد السلطنة كانت الوظائف التى يقوم بها المحتسب والقاضى، والعلاقات بينهما، لا تختلف كثيرا عنها فى البلاد الكبرى (انظر ما سبق)، فقرة ١. وكان السلطان يتدخل أحيانا بشخصه للخلاص من العادات والبدع الخارجة على الدين أو المخالفة لأحكام الإسلام، وكذلك يتدخل فى الأمور التى تقع خارج الاختصاص العادى للمحتسب. مثال ذلك أن فيروز شاه تُغْلق منع كثيرا من الشعائر الشائعة، التى كان يرى أنها مخالفة لمبادئ الدين (انظر فتوحات فيروز شاهى، طبعة ش عبد الرشيد، عليكره سنة ١٩٥٤، ص ٦ - ١١). ومع ذلك
стр. 3714
فإن السلطان كلما ازدادت قوته وازداد نصيبه من تقوى الله اشتد شوقه إلى رفع مستوى الأخلاق ونشر الصلاح بين شعبه. ويشيد أمير خسرو بالحسبة التى كان يقوم عليها خلجى، ذلك أنه حرص بخاصة على تدفق المؤن والرقابة على أسعار الأقوات. ومنع السلطان منعا باتا شرب الخمر، والقمار وغيرهما من الآفات الاجتماعية والخلقية، إذ كان يعتقد أنه لم يتشدد فى الرقابة على أخلاق الجمهور فإن العقوبات الرادعة التى توقع على مختلف الآثمين المخالفين لأحكام الشريعة سوف تكون لا معنى لها، وقد وقع تغلق (٧٢٥ هـ - ٧٥٢ هـ = ١٣٢٥ م - ١٣٥١ م) فى عهده هذه العقوبات بقسوة لا مثيل لها من قبل. وكان شديد الحماسة للمضى فى تنفيذ الاحتساب إلى حد أنه كان أحيانا يقوم شخصيا بعمل المحتسب وكان يختبر المسلمين فى المبادئ الأولى للعقيدة. وكان المحتسب فى عهده موظفا يتبوأ مكانة رفيعة، وكان فى رواية القلقشندى (صبح الأعشى، جـ ٥، ص ٩٤؛ الترجمة الانجليزية الجزئية التى قام بها O. Spies شتوتجارت سنة ١٩٣٦، ص ٧٢) وابن فضل الله العمرى (مسالك الأبصار، الترجمة الإنجليزية الجزئية التى قام بها ش. عبد الرشيد، عليكره سنة ١٩٤٤، ص ٢٤٢) يتقاضى مرتبًا شهريا قدره ٨,٠٠٠ تنك. وأولى السلطان اهتماما خاصا بإقامة الصلاة. وفى رواية لابن بطوطه (جـ ٣، ص ٢٩٢؛ الترجمة التى قام بها Von Mzik، ص ١٤٩) أن سيدة من الأسرة المالكة رجمت لأنها ارتكبت جريمة الزنا، فلقيت حتفها. وبالمثل كان الحد على شاربى الخمر، علاوة على الحبس المنفرد ثلاثة شهور، ويشهد كل من برنى (تأريخ فيروز شاهى، ص ٤٤١) وابن بطوطة (المصدر نفسه) بمستوى الحسبة الرفيع الذى حافظ عليه السلطان تُغْلق غياث الدين (٧٢٠ هـ ٧٢٥ هـ = ١٣٢٠ م = ١٣٢٥ م) ولم يألُ ابنه محمد تُغْلق جهدا فى مراعاة الشعائر الدينية حتى فى بلاطه. وكان سكْندر لودى لا يقل حماسة فى مضيه فى إقامة الحسبة بسائر أرجاء مملكته. وقد تخلص بشجاعة من عادة شائعة لها مكانة رفيعة فى ذلك العهد، وهى
стр. 3715
حمل حراب (نيزات) إلى ضريح البطل الأسطورى غازى مسعود سالار، فجدد العمل بقانون فيروز تُغّلق الذى يمنع زيارة النساء للقبور والجبانات. وفى الوقت نفسه يجب أن نؤكد أن الاحتساب كان لا ينفذ إلا على المسلمين، أما غير المسلمين فكانوا يخضعون لأحكام دينهم أو لقوانينهم الشخصية أو لما جرى به العرف فى البلاد.
وكان المحتسب يقوم بمهمة جليلة أخرى هى نصرة الدين الحنيف ومنع الزندقة. وكان المعلمون والأساتذة فى المعاهد الدينية وكذلك الوعاظ الشعبيون يلزمون الحذر الشديد فى محاضراتهم وأقوالهم خوفا من المحتسب. وقد حارب فيروز بنجاح القرامطة الذين أثاروا فتنا كثيرة فى دلهى فى عهد "رضيّه" (٦٣٤ هـ - ٦٣٧ هـ = ١٢٣٦ م - ١٢٤٠ م)، ذلك أننا لم نعد نسمع بعد ذلك أى خبر عن نشاطهم، ولا نسمع الكثير عن المحتسب أثناء حكم أسرتى لودى والسادة، ولكن هذا لا يعنى أنه كان وقتذاك قد اختفى من الوجود. وعلى حين كان شير شاه سور (٩٤٥ هـ - ٩٥٢ هـ = ١٥٣٨ م - ١٥٤٥ م) مشغولا إلى حد كبير بتوحيد مملكته وبالإصلاحات الإدارية، فإن خلفه إسلام شاه (٩٥٢ هـ - ٩٦٠ هـ = ١٥٤٥ م - ١٥٥٢ م) اهتم مباشرة بالمسائل الدينية، فقد اتخذ مثلا تدابير شديدة جدا ضد المهدوية أى أتباع سيد محمد الجونّبورى الذى كان يعدَّه زنديقا، وأمر بتوقيع أشد العقاب على اثنين من مريديه هما عبد الله نيازى سِرْهندى وشيخ علائى فقد ضرب الأول حتى الموت، وأما الثانى فقد أعدم (ayyid Muhammad: A. S. Bazmee Ansari Jawnpuri and his movement فى Islamic studies، كراتشى، جـ ٢ - ١، مارس سنة ١٩٦٤).
وخلافا لهذا يرى بعض المؤرخين المحدثين أنه إذا صح من حيث النظر أن نقول أن سياسة الدولة إبان عهد السلطنة كانت موجهة إلى المضى فى تنفيذ الحسبة، فإن أحكام الشرع من حيث العمل كانت لا تلقى إلا القليل من الاهتمام، وشاهد ذلك أن برنى يقول إن
следующие страницы →