← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

يشن الحملات لتوطيد سيادته على كثير من القبائل البربرية بإخضاعها لسلطانه. وفى رجوعه من حملة من هذه الحملات التى استغرقت وقتًا طويلًا بلغ فيه تافيلات أدركته منيته فى إقليم تادلا. وظلت وفاته سرًا حتى بلغ جيشه الرباط حيث بويع ابنه الصغير عبد العزيز بالسلطنة. وقد أدرك مولاى الحسن، مثل أبيه وجده أن الحاجة ماسة إلى صبغ مراكش بالصبغة المدنية ورأى أن أول قطاع يتناوله الإصلاح هو الجيش، ومن ثم أنشأ الحسن وحدات نظامية دائمة، ودعا معلمين أجانب معظمهم من الفرنسيين والإنكليز منذ سنة ١٨٧٧. وكذلك أرسل عدة مجموعات من المشاة إلى جبل طارق للتدريب مع الجنود الإنكليز. واشترى السلطان سلاحًا من أوربا. وأقام مصنعًا للخرطوش فى مراكش ودارًا للصناعة فى فاس سماها "المكينة" بل هو قدم أقام نواة لأسطول وطنى. وشغل نفسه أيضا بالتدريب الفنى للمراكشيين وأرسل كثيرًا منهم إلى أوربا بغية صبغ بعض الصناعات المراكشية بالصبغة الحديثة. على أن علاقاته مع الدول الأوربية التى اجتذبتهم مراكش أكثر وأكثر، استنفذت جزءًا كبيرًا من نشاطه .. ولقى عددًا متزايدًا من الوفود. وبمبادرة منه ومن بريطانيا العظمى عقد أول مؤتمر دولى عن مراكش فى مدريد من ١٩ مايو إلى ٣ يوليه سنة ١٨٨٠. وتناول هذا المؤتمر حماية حقوق الدول الأوربية فى الإمبراطورية الشريفية .. وكان الحسن تقيًا محافظًا فى الأمور الداخلية، فلم يدرك تمامًا ملابسات مبادرته فجر مراكش إلى معترك دولى انتهى باعلان الحماية عليها سنة ١٩١٢. المصادر: (١) السلاوى: كتاب الاستقصا فى أخبار المغرب الأقصى، جـ ٤، ص ٢٣٥ وما بعدها (ترجمة Fumey فى Archiv.maroc، جـ ١١، سنة ١٩٠٧. (٢) الحلل الباهية، وقد ترجم جزء

стр. 3782

منه Coufourier فى. Arch. maroc جـ ٨، سنة ١٩٠٦، ص ٣، ٣٥٠ - ٣٩٥. (٣) The Moorish: Budgett Meakin Empire، لندن سنة ١٨٩٩. (٤) Hist. du Maroc: H. Terrasse جـ ٢، سنة ١٩٥٠، ص ٣٣١ - ٣٤٠. (٥) Le Maroc et: J.L. Miege L' Europe, جـ ٣، باريس سنة ١٩٦٢، ص ١٩٧؛ جـ ٤، باريس سنة ١٩٦٣ (وانظر المصادر فى حكم الحسن جـ ٣، ص ١٩٨, تعليق ٧) خورشيد [لاتورنو Toruneau R.Le] الحسن بن يوسف ابن على بن المطهر الحلى الشيعى جمال الدين أبو منصور المشهور بعلّام المولود فى الحلّة عام ٦٤٨ هـ (١٢٥٠ م): أكبر فقهاء الشيعة فى عصره. وقد مثل الشيعة تمثيلا موقفًا فى مناقشة مع أهل السنة جرت فى بلاط السلطان غباث الدين ألجايتو خدابنده محمد (٧٠٣ - ٧١٦ هـ = ١٣٠٤ - ١٣١٦ م) فتأثر السلطان بحججه تأثرًا حدا إلى اعتناق مذاهب الشيعة فى كثير من المسائل، وتوفى الحسن بالحلة عام ٧٢٦ هـ (١٣٢٦ م)، وحمل جثمانه إلى مشهد ودفن بها. وقد أحصى له محمد بن الحسن الحرّ العاملى فى كتابه "أمل الآمل" (ص ٤٠) ما لا يقل عن ٦٧ مؤلفا نذكر منها ما يلى (١) كشف اليقين فى فضائل أمير المؤمنين، وهى رسالة صغيرة فى فضائل على بن أبى طالب. (٢) منهاج الصلاح فى اختصار المصباح، وهو مؤلف فى الفرائض وخاصة الصلاة اختصره من مصباح المجتهد لأبى محمد بن الحسن بن على الطوسى المتوفى عام ٦٤٠ هـ الموافق ١٠٦٨ م (٣) منهاج الكرامة فى معرفة الإمامة، وهو دفاع عن مذهب الشيعة فى الإمامة (٤) منهاج اليقين فى أصول الدين، وهى رسالة فى أصول مذهب الشيعة (٥) معارج الفهم، وهو شرح للمؤلف على كتابه نظم البراهين (٦) نهج الحق وكشف الصدق، وهو رد على مذهب أهل السنة وفقههم (٧) نظم البراهين فى أصول الدين، وهو كتاب

стр. 3783

فى قواعد الدين المقررة، وهو مؤلف فى فقه الشيعة من ثلاثة مجلدات الحلى". المصادر: (١) منتهى المقال فى أسماء الرجال، ص ١٠٥. (٢) أمل الآمل، ص ٤٠. (٣) روضات الجنات فى أحوال العلماء والسادات، ص ١٧١. (٤) Gesch der arab.: Brockelmann .Litter جـ ٢، ص ١٦٤. خورشيد [هدايت حسين] حسنى والجمع حسنيون، وهى نسبة تطلق على شرفاء العلويين من سلالة الحسن ابن على وزوجته فاطمة ابنة النبى محمد [ ﷺ ]، وحسنى تقابل حسينى، وهى نسبة الشرفاء من سلالة الحسين الابن الثانى لعلى وفاطمة. على أن النسبة حسنى تطلق بصفة خاصة فى مراكش على الشرفاء من سلالة محمد النفس الزكية تمييزًا لهم عن الأدارسة أبناء عمومتهم. وكان هؤلاء الشرفاء يستوطنون فيما سبق جنوبى مراكش خاصة، وكان لهم شأن كبير فى تاريخ شمالى غرب إفريقية. ولا نعرف تاريخ استيطانهم تلك البلاد ولا علة ذلك: وتذهب الروايات إلى أنهم بلغوها فى الوقت الذى قامت فيه الأسرة المرينية: ويقال إن نفرًا من أهل الورع من مسلمى سجلماسة، وهى مدينة فى جنوبى جبال أطلس الكبرى، قد توقفوا فى عودتهم من الحج عند ينبع، وهى مدينة على ساحل بلاد العرب إلى الغرب من المدينة، وتصادقوا فيها مع شريف من الشرفاء يدعى الحسن وقدر هؤلاء المزايا الروحية التى تحصل لهم من الاستماع إلى دروس هذا الشريف والبركات السماوية التى تحصل لهم بفضل شفاعته فحببوا إليه السير معهم واستيطان بلادهم. ولقب هذا الشريف بالداخل أى الرجل الذى يحل بأسرته فى بلد من البلاد. وتحقق ما كان يرجوه المسلمون من أهل التقى، إذ كان الحسن

стр. 3784

وذريته مصدر بركات لمستقرهم الجديد. وفى ذلك الوقت رأى أهل وادى درعة والحزن يحز فى نفوسهم، أن نخيلهم أخذ يذوى وثماره لا تنضج فقيل لهم "لو أتيتم بشريف إلى بلادكم كما أتى به أهل سجلماسة لصلحت ثماركم كما صلحت ثمارهم" وعمل أهل درعه بهذه النصيحة واستقدموا من يتبع الشريف مولاى زيدان بن أحمد ابن عم شقيق الحسن الداخل. وانتشرت ذرية الحسن فى تافيلالت وتألف منهم عترة الشرفاء العلوية نسبة إلى جدهم على المراكشى. ما سلالة زيدان فقد عاشت فى وادى درعة وانحدر منها سلاطين السعديين الذين نسبوا عشيرة بنى سعد بن أبى بكر التى عاش بينها أبناء زيدان سويًا. ولم يكن شرفاء سجلماسة أو بنو سعد بأقل شغبًا من الشرفاء الأدارسة فى مراكش الشمالية، إذ كثيرا ما كانت المنازعات تدب بينهم وبين المرينيين، ولكنهم كانوا بعيدين عن مقر الحكومة المركزية وراء جبال أطلس الكبرى المنيعة، فسهل عليهم تنظيم أنفسهم تنظيمًا يجعلهم مستقلين بأنفسهم أو يسمح لهم ببسط نفوذهم. وقد أفلح السعديون تعاونهم عشائر عربية راسخة التكوين ويؤازرهم الحزب الدينى الذى كان يملك زمامه شرفاء من أرومة مختلفة، فى القضاء على أمراء مراكش من الأسر البربرية والهيمنة على مستقبل البلاد أكثر من قرن من الزمان (١٥٥٥ - ١٦٥٤ م) وبعد مضى سبع سنوات على اختفائهم من ميدان الشغب والنضال، أى حوالى عام ١٦٧١، كان مولاى إسماعيل هو المؤسس الحقيق لأسرة الشرفاء. المصادر: (١) القادرى: الدر السنى، فاس سنة ١٣٠٩ هـ, فى مواضع مختلفة. (٢) إدريس بن أحمد: الدرر البهية، فى مجلدين، فاس سنة ١٣٠٩ هـ، فى مواضع مختلفة. (٣) محمد الدلائى: نتيجة التحقق، فاس ١٣٠٩ هـ فى مواضع مختلفة. (٤) ابن القاضى: جذوة الاقتباس،

стр. 3785

شجرة نسب الشرفاء الحسنيين بمراكش

стр. 3786

فاس فى تاريخ غير معلوم، ص ١٢٥. (٥) الكتانى: سلوة الأنفاس، فاس فى ثلاثة مجلدات، جـ ١، ص ٢١٨, جـ ٢. (٦) السلاوى: كتاب الاستقصا، فى أربعة مجلدات، القاهرة سنة ١٣١٢، جـ ٣، ص ٣ وما بعدها، جـ ٤، ص ٤ وما بعدها. (٧) Etablissement des Dyan-: Cour stes des Cherifs باريس ١٩٠٤، فى مواضع مختلفة. (٨) Le Marac: Massignon الجزائر سنة ١٩٠٦، ص ١٦٩. الشنتناوى [كور A. Cour] الحسين بن الحسين آخر دايات الجزائر (١٨١٨ - ١٨٣٠ م)، ولد بإزمير، وكان يشغل منصب خوجه الخيل عندما أصاب الطاعون عليَّا فأقامه خليفة له، ونودى بالحسين دايًا من غير معارضة. وكان الحسين رجلًا عظيم الثقافة معتدلًا فى آرائه لا يطمع فى السلطان ولكنه قبله على مضض، وكان الناس يعدونه محبًا للخير عادلًا. وقد بادر فاستهل حكمه بإصدار عفو عام كما أبطل شتى الإجراءات الشديدة التى اتخذها أسلافه. على أن الإنكشارية حاولوا رغم ذلك قتله مرتين بعيد اعتلائه عرش البلاد. ومن ثم عاش فى القصبة يحميه حرس من زواوة. وكانت الحالة فى السلطنة مضطربة جدًا فى هذا الوقت، فقد عمت الفتنة الولايات التى فى شرقى السلطنة وغربها، ذلك أن النممشة وقبيلتى أوراس والسوف وسكان بلاد القبائل الكبرى كانوا قد حملوا السلاح فى وجه الترك ونادى المرابطون الدرقاوية يتبعهم التجانية بالفتنة فى التل ووهران الجنوبية، فقطع الحسين العهد على نفسه بأن يعيد سلطان الترك إلى ما كان عليه، فأفلح فى ذلك بمعاونة باى قسنطينة وباى وهران وبفضل مواهب أغا يحيى العسكرية، وعاد الأمن الى نصابه فى الشرق حوالى سنة ١٨٢٦ وفى الغرب سنة ١٨٢٨، وقد أظهر الداى فى الوقت نفسه غيرة على

стр. 3787

الإسلام بإرساله أسطولًا إلى شرق البحر المتوسط فاشترك مع الأسطول العثمانى من سنة ١٨٢١ إلى سنة ١٨٢٧ فى قتال العصاه اليونانين. وكانت علاقات حسين بالدول الأوربية متوترة جدًا كذلك، فقد رفض اتباع قرارات مؤتمر إكس لاشابل Aix- la- Chapelle التى تقضى بتحريم تسيير السفن لسلب سفن الأعداء، فأدى ذلك إلى قيام الإنجليز والفرنسيين بمظاهرة بحرية غير أنها لم تأت بنتيجة (١٨١٩) , بيد أن طرد مكدونل Macdonell القنصل الإنجليزى كانت له عواقب أخطر من ذلك شأنًا، فقد انفذت انجلترا أمير البحر السير هارى نيل Harry Neale ليطلب تعويضًا. ولكن المحادثات التمهيدية باءت بالخيبة (فبراير - مارس سنة ١٩٤٤) فضرب الأسطول المدينة بالمدافع من ١٧ إلى ٢٩ يونية، إلا أن الأضرار التى أحدثها كانت طفيفة لا تذكر، وظن الجزائريون أنهم يستطيعون تحدى الدول المسيحية إذا هم لم يعمدوا إلى الأخذ بالثأر. وشعر الداى فى الوقت الذى كانت تسوى فيه أمور بكرى بزناخ المفلس بأن الحكومة الفرنسية قد أساءت إليه فرد الإساءة بأشنع منها. وتبدى سخطه من الإهانة التى ألحقها بالقنصل ديفال Deval فى ٣٠ أبريل سنة ١٨٢٧. ولم يكتف الحسين بأن رفض تقديم أى ترضية عن هذه الإهانة بل أمر بتدمير المنشآت الفرنسية فى القلعة La calle وأدت هذه الإهانات إلى حصار الشاطئ الجزائرى حصارًا بحريًا (١٨٢٧ - ١٨٣٠)، وقامت الحكومة الفرنسية خلال هذه المدة بعدة محاولات للمفاوضة مع الداي، ولكنه أبى الاتفاق بحال. ولعله كان يعتمد فى مسلكه هذا على مؤازرة الحكومة البريطانية له. وكاد ألا ينكر الاعتداء الذى وقع على السفينة لابروفانس La Provence التى أطلقت عليها المدافع الجزائرية النار فى يوليو سنة ١٨٢٩ رغم أنها كانت ترفع علم الهدنة ولما لم يستطع وزراء شارل العاشر الحصول على أية ترضية بالوسائل السياسية غيروا أساليبهم وقرروا إنفاذ حملة إلى

стр. 3788

الجزائر فى ٣١ يناير سنة ١٨٣٠, ونزلت الجنود الى البر فى سيدى فروخ فى ١٤ يونية، وأصبح الحسين يواجه الأمر معتمدًا على موارده وحدها، كما أنه كان قد حرم من أحسن قواده يحيى أغا الذى قتله فى سنة ١٨٢٨، فلم يستطع المقاومة طويلًا واحتل الفرنسيون فورلامبرير Fort l'Empereur فى ٤ يوليو فعول حسين على قبول الشروط التى فرضها الجنرال ده بورمون. وكفلت المادتان الثانية والثالثة من شروط التسليم للداى السابق الاحتفاظ بكل ثروته الخاصة والرحيل إلى المكان الذى يختاره، إلا أن الحكومة الفرنسية عارضت فى ذهابه إلى مالطة، فطلب الحسين أن ينقلوه إلى نابولى فبلغها فى ٩ أغسطس سنة ١٨٣٠, وبعد أن أقام فى هذه المدينة فترة وجيزة ذهب إلى ليغورن ومنها استطاع بواسطة بعض التجار اليهود الذين كانت لهم علاقات منتظمة بالجزائر أن يفاوض الساخطين فى مدينة الجزائر والزعماء الوطنيين فى داخل البلاد، ثم ذهب إلى باريس سنة ١٨٣١ ليلتمس ربط معاش له وليطلب رد أملاكه اليه، فقوبل باحترام ولكنه لم ينل شيئا من الحكومة، وكانت قد فطنت وقتئذ إلى حقيقة موقفه حيالها، فعاد إلى ليغورن واستمر فى القيام بحركاته، فلما شعر أنه مراقب مراقبة شديدة رحل عن ليغورن إلى الاسكندرية ومات بها مغمورا سنة ١٨٣٨. المصادر: (١) Trois ans d'exil, trois: Demontes ans d'intrigues, le dey Hussien en Halie Bulletin societe da Geographie d'Alger,) (١٩٠٥ . (٢) Historie d'Alger: De Grammont sous la domination turque، باريس ١٨٨٧. (٣) The Scourge of Chris-: Playfair tendom لندن ١٨٨٤ ص ٢٨٤ - ٣٢٢. (٤) Histoire de l'Afrique: Mercier septentrionale؛ جـ ٣، الفصل ٢٩ وما بعده.

стр. 3789

(٥) Histoire de la Con-: Nettement quete d'Alger. (٦) La Conqete d'Alger: C. Rousset (٧) سى حمدان بن عثمان خوجه: Le Miroir، باريس ١٨٣٣. خورشيد [إيفر G. Yver] الحسين بن حمدان ولد رأس الدولة الحمدانية. وقد حدث فى أوائل سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م) عندما كان الخليفة المعتضد يحمل الأسرة الحمدانية على الطاعة أن كان الحسين فى قلعة دير زعفران فسلم نفسه وحمل هو وأبوه الى بغداد، وفى سنة ٢٨٣ قطع الحسين على نفسه عهدًا بأن يقبض على هارون زعيم الخوارج الهارب بشرط أن يطلق سراح أبيه، وقد أفلح فى القبض على هارون وبرَّ الخليفة بوعده فكان للحمدانيين منذ تلك اللحظة مقام عظيم فى بلاد الخليفة، وبعد عشر سنوات أنفذ الحسين فى إثر أبى غانم القرمطى، وكان قد أحدق بدمشق ولكنه لم يفلح فى اللحاق به، إلا أنه هزم فى السنة التالية (٢٤٩ هـ الموافقة لسنة ٩٠٦ - ٩٠٧ م) أتباع زكرويه فى الشام. ولما اقتربت نهاية الخليفة المعتضد رشح الحسين ابن المعتز خليفة له. فلما ولى المقتدر الخلافة (٢٩٥ هـ = ٩٠٨ م) هاجم الحسين القصر للقبض على شخص الخليفة، ولكن المحاولة باءت بالخيبة وتفرق الحسين هو وسائر المتآمرين. وهرب إلى الموصل ولكن قبض عليه فى تكريت، إلا أن الخليفة عفا عنه وولاه على قمّ وقاشان، وسار من قم فى سنة ٢٩٧ هـ (٩٠٩ م) للهجوم على الليث بن عمرو الصفّارى ولكن الجيشين لم يلتقيا، ثم اشترك بعدئذ فى الحملة التى أنفذت إلى سبكرى خصم الليث فأسر سبكرى فى منتصف سنة ٢٩٨ هـ (٩١٠ م). وفى عام ٣٠١ هـ (٩١٣ - ٩١٤) انتقض عبد الله بن حمدان أخو الحسين

стр. 3790

ولكنه خضع عندما سيرت جنود الخليفة إليه وأعيد إلى ولايته، وفى السنة التالية خرج الحسين عن الطاعة وكان وقتئذ واليًا على ديار ربيعة، وعزل عبد الله مرة أخرى وسجن، وكان جل جند الخليفة فى مصر ولكنهم ما إن عادوا حتى هرب الحسين وقبض عليه هو وسائر أسرته وأرسلوا إلى بغداد، ولكن القنوط لم يتسرب إلى قلبه فقد كان يعتقد أنه لا غنى للخليفة عنه وعن أخوته. وقد أطلق بالفعل سراح أخوته وأعيدوا إلى مناصبهم وقتل الخليفة الحسين دون سواه سنة ٣٠٥ هـ (٩١٧ م) خورشيد [فاير T. H. Weir] + حسين بن حمدان بن حمدون بن الحارث، العدوى التغلبى: أول عضو من أسرة الحمدانيين .. كان له شأن هام فى تاريخ الخلافة فى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وأوائل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، ذلك أن حسينا لم يكن مثل أبيه بل كان نشطًا فعّالًا فى الداخل، أى فى الجزيرة، وفى غيرها من أقطار إمبراطورية الخلفاء أيضا. بدأ حياته خارجيًا نهازًا للفرص فأيد الخليفة المعتضد إذ نزل له سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م) عن أرْدُمُشت التى كان أبوه قد وكل إليه الدفاع عنها بعد فراره، فأصبح حسين حليفًا لهذا الخليفة له اعتباره. وفى السنة التالية أقامه الخليفة قائدًا لعدد كبير من الجنود، وغدا المسؤول الأول عن القبض على هارون الشارى الخارجى، مما مكّنه من إطلاق سراح أبيه الذى كان قد قبض عليه ورفع الجزية المفروضة على التغالبة وتولى أمر سرية من ٥٠٠ فارس من بنى تغلب. وأبلى حسن بلاء حسنًا بعد ذلك فى الحملات التى شنت على بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن أبى دلف صاحب الجبال، ولعل ذلك حدث سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م) وقد أشير إلى هذا الحادث فى قصيدة نظمها أبو فراس فى تمجيد الأسرة الحمدانية،

стр. 3791

وفى خلافة المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ = ٩٠٢ - ٩٠٨ م) أحرز حسين بوصفه نائبًا لمحمد بن سليمان صاحب ديوان الجيش، نصرًا بارعًا سنة ٢٩١ هـ (٩٠٣ م) على حسين بن زكرويه القرمطى (صاحب الخال) ففر ولم يلبث أن أسر. واشترك مع محمد ابن سليمان هذا فى إعادة فتح مصر وانتزاعها من آخر أمراء الأسرة الطولونية سنة ٢٩٢ هـ (٩٠٤ - ٩٠٥ م) وكان فى هذا الفتح على رأس طليعة الجيش، وكان حسين أول من اتصل بالمتآمرين الذين كانوا يدبرون للخلاص من الطولونيين الذين كانوا يضغطون عليه للسير إلى الفسطاط. وجاء فى رواية أن محمد بن سليمان أراد أن يوليه أمر مصر، على أن حسينًا رفض وآثر أن يعود إلى بغداد حاملًا معه قدرًا كبيرًا من الغنائم. وفى سنة ٢٩٣ هـ (٩٠٥ - ٩٠٦ م) وُلىَّ قيادة جيش أنفذ إلى بنى كلب فى الشام الذين كانوا تمردوا بتحريض من القرامطة، فأجبرهم على الفرار إلى الصحراء، ولكنه عجز عن تعقبهم، فقد شغلوا الآبار فلم يجد مناصًا من الرجوع إلى نهر الفرات عند الرحمة فأتاح بذلك الفرصة لبنى كلب أن يتقدموا حتى الفرات الأدنى حيث هزموا جيشًا سيره إليهم الخليفة عند القادسية ونهبوا قافلة الحجاج فى أواخر سنة ٩٠٦ م. وأجبر بنو كلب والقرامطة على الفرار آخر الأمر بعمل حربى وجه من بغداد وحاولت فلولهم أن تعود إلى الشام عن طريق الفرات فأفناهم حسين ابن حمدان فى جمادى الآخر سنة ٢٩٤ (مارس - أبريل سنة ٩٠٧). وبعد ذلك ووجه حسين بمشكلة بعض العصاة من القبائل العربية، وخاصة بنى كلب، بين الفرات وحلب، وهنالك استطاع سنة ٢٥٩ هـ (٩٠٧ - ٩٠٨ م) مع تميم الذين كانوا قد أقبلوا لنهب الجزيرة، أن يردهم إلى الشام وهزمهم بالقرب من خناسية.

стр. 3792

وجلبت كل هذه الأعمال الحربية الشهيرة لحسين بن حمدان فأكسبته الاحترام بين الكتّاب وبوأته مركزًا يمكنه من ممارسة نفوذه السياسى حين ثارت مسألة من يخلف المكتفى سنة ٢٩٥ هـ (٩٠٨ م). وأيّد حسين الفريق الذى فشل فى استخلاف المعتز فحاولوا أن يحلوا محله بالقوة الشاب المقتدر بن المعتضد الذى كان قد أقيم خليفة، وتولى حسين أو أشير عليه بأن يطيح بالوزير العباس ابن الحسن الجرجرائى الذى كان قد خالف الكاتب محمد بن داود بن الجراح عم على بن عيسى فبايع للمقتدر. واشترك مع اثنين آخرين من المتآمرين وهاجم العباس وقتله فى العشرين من ربيع الأول سنة ٢٩٦ (١٧ ديسمبر سنة ٩٠٨) وحاول أن يغتال الخليفة الشاب، ولكنه لم ينجح لأنه كان قد غادر ميدان سباق الخيل وكان حسين قد دبر أن يفاجئه فيه ولاذ الخليفة بالقصر واعتصم فيه. وبايع المتآمرون من بعد ابن المعتز ثم شخص حسين إلى القصر الحسنى ليجبر المقتدر على مغادرته، ذلك أن المتأمرين ظنوا أنه سوف ينزل عن العرش طواعية. ولكن حسينًا قوبل بمقاومة أعد عدتها الحاجب سوسن والمؤنسان الخادم والخازن. صحيح أنه أشعل النار فى أبواب القصر إلا أنه عجز عن اقتحامه. وفاز حزب المقتدر وفر حسين إلى الموصل ثم إلى بلد وقضى ردحًا من الزمن يتجول هو وانصاره فى الجزيرة. وأنفذ أخوه عبد الله أبو الهيجاء لمطاردته، ولكن حسينًا فاجأ مطارديه وهزمهم. وتشجع حسين بهذا النجاح الذى أحرزه ووسّط أخاه إبراهيم طالبا الأمان من الوزير ابن الفرات، ومع أنه كان هو ومحمد ابن داود والقاضى أبو المثنى من كبار المتآمرين إلا أنه استرد الحظوة التى كانت له. على أنه قد روى إبعاده عن قصية البلاد فعين واليا على ناحيتى قم وكاشان فى الجبال. ونصر وهو والِ على هذا الإقليم جنود الخليفة بقيادة مؤنس الخادم على الليث بن على الصّفارى الذى كان قد أقام نفسه سيدًا

стр. 3793

على سجستان وفارس ثم على قائد الليث سُبْكرَىَ الذى تخلى عن حزب الليث وانضم إلى عدوه مؤنس ثم تمرد عليه بتحريض نائبه القتّال وفى سنة ٢٩٨ هـ (٩١٠ - ٩١١) هزم المتمردان فى حين التجأ سبكرى إلى السامانى وأسر القتّال على يد حسين نفسه بحسب ما جاء فى قصيدة لأبى فراس. وجاء فى القصيدة نفسها أن حسينًا عرضت عليه ولاية مصر فأبى، ومهما يكن من شئ فقد عاد إلى بغداد. والظاهر أن الوزير ابن الفرات كان يسئ الظن به فأبعده مرة أخرى وولاه على ديار ربيعة، وشن حسين بصفته هذه حملة على الروم سنة ٣٠١ هـ (٩١٣ - ٩١٤). وحدث صدام بينه وبين الوزير على بن عيسى لأسباب غير واضحة ربما ترجع إلى أن الوزير حرمه من الإشراف على الإدارة المالية فى ولايته أو أن حسينًا لم يراع الضمير فى القيام بواجباته المالية، أو أنه طمع فى الاستقلال بأمر نفسه، فانتقض عليه حسين جهرة، والراجح أن ذلك حدث سنة ٣٠٢ هـ (٩١٤ - ٩١٥). وانفذ الوزير جيشًا إليه فلقى هذا الجيش الهزيمة، فاستقدم الوزير مؤنسًا من مصر فأسر مؤنس حسينًا وهو يحاول بلوغ أرمينية فى شعبان عام ٣٠٢ (فبراير ٩١٦). وحمل حسين إلى بغداد فشهر به وهو يرتدى برنسًا من العار وشملة طويلة من القصب، وحمل على ركوب جمل طول الطريق من باب الشماسية إلى القصر، وهنالك حبس بحراسة زيدان القيم على القصر. وظل فى السجن نيفًا وسنتين ثم أعدم فى جمادى الأولى سنة ٣٠٦ (أكتوبر - نوفمبر سنة ٩١٨) بأمر من الخليفة المقتدر لأساب ليست جلية. وأرجح الأقوال أن إعدامه كان ذا صلة بفتنة والى أذريبجان وأرمينية ويوسف بن أبى الساج وهو أيضا يرتبط إلى حد عجيب بصرف الوزير ابن الفرات عن منصبه. ويبدو من ناحية أن مؤنسا أو الوزير ابن الفرات قد يكونان اقترحا إطلاق سراح حسين ليناط به أمر الحرب على يوسف ولكنه

стр. 3794

أبى. وربما يكون الخليفة قد شك فى قيام تحالف عليه بين يوسف وحسين فأمر بإعدام حسين، أو لعل ابن الفرات قد تورط فى مؤامرة دبرت لنصرة قضية الشيعة التى كان ابن الفرات وحسين قد كرسا نفسيهما لها. والآراء فى هذه المسألة لا تعدو أن تكون فروضًا. ومهما يكن من شئ فإن الخليفة كان يخشى بلا شك أن يطلق سراح حسين فيعود إلى إشعال الفتنة مرة أخرى إما لرغبته فى الاستقلال بأمر نفسه وإما لإرضاء نزعته الشيعية. وأراد الخليفة أن يتحاشى محاولات أولئك (وكان عددهم كبيرا فيما يرجح) الذين يرغبون فى إطلاق سراحه بالقوة فآثر أن يتخذ قرارًا يوقف كل هذه المؤامرات. وكان حسين بن حمدان أظهر قواد الخليفة لذلك العهد، ويفوق فى ذلك القائد الأعلى مؤنس أو أى قائد آخر من القواد. على شجاعته والخدمات التى أداها ببلائه البلاء الحسن فى عدة معارك لم تكف لتمحو من الذاكرة روح العصيان التى كانت تساوره فى الكثير من الأحيان فضلًا عن كبريائه وأطماعه. ومع ذلك فيظهر أن دوافعه فى انتقاضه وتمرده الكثير كانت شريفة خالية من الهوى. ويبدو أنه رأى أن من الضرورة أن ينصر ابن المعتز ليحدث تغييرًا مفيدًا فى إدارة الحكم وإصلاحه. وكان حسين مثل الكثيرين غيره الذين تعاطفوا مع الشيعة يطمح فى أن يشهد قيام حكومة إسلامية مثالية تسود، ذلك أن عددًا كبيرًا من الناس رأوا أن العباسيين لم يعودوا يمثلونهم وأنه من الممكن أن تقوم فى الحال أو المستقبل سلطة أسرة يكلل هامتها استشهاد الكثيرين من الشهداء وقد أوتيت هذه الأسرة من الفضائل الحقيقية أو الموهومة ما يوازن آثام العباسيين. وثمة مزايا معينة يتصف بها حسين ابن حمدان تظهره فى ثوب الرجل الخارق للعادة. فبالإضافة إلى العزة التى اكتسبها من كرامة محتده العربى الذى ميزه على الموالى من جميع الأجناس وما عرف من مناقب أسرته

стр. 3795

بنى تغلب، فإنه كان فيما يبدو قد رزق عقلا متفتحًا واسع الأفق لا نجده فى قواد الحرب الآخرين، وتفهمًا لصراع الأفكار الكبير الذى كان يؤرق العالم الإسلامى فى ذلك العهد، ولم يكن حدثا يخرج عن المنطق أن نجده على صلة بالصوفى المشهور الحلاج وأن الحلاج أهداه كتابًا له فى السياسة. ولم يكن حسين بن حمدان هو رأس الأسرة الحمدانية، وإنما كان رأسها أخاه عبد الله أبا الهيجاء، على أن حسينًا كان هو أول عضو فيها أضفى عليها حقًا شرفًا ومجدًا وغرس فيها إظهار شجاعتها وسلطانها ونمى فيها الطموح إلى المجد والسيادة، وكل هذا تشهد به القصائد التى نظمها أبو فراس. المصادر: (١) نجد سيرة لحسين بن حمدان فى ابن عساكر، جـ ٤، ص ٢٩١ - ٢٩٢. (٢) انظر أيضا تواريخ الطبرى وعريب ومسكويه، وكمال الدين وابن الأثير، الفهارس. (٣) الدوادارى، ص ٨٠، ٨١. (٤) أما التفصيلات الخاصة بشأنه فى التاريخ فانظر Histoire: M. Canard de dynastie de la Homdanides جـ ١، ص ٣٥٧ - ٣٤٠، والمصادر المذكورة فى الحواشى. (٥) القصيدة الكبرى لأبى فراس فى تمجيد الأسرة الحمدانية (طبعة سامى الدهان، جـ ٢، ص ١٠٣ وما بعدها، ١٥٤ وما بعدها) وعليها شروح ابن خالويه على الأبيات التى قيلت فى حسين بن حمدان (سامى الدهان، ص ١٢٦ - ١٣٠، ١٥٠، ١٦٥، ١٦٧). وهذه القصيدة بها تفصيلات لا نجدها فى التواريخ. (٦) أما شأنه السياسى فى بغداد فانظر Vizrat Abbaside: D. Sourdel ص ٣٧٠ - ٣٧١، ٣٧٣، ٣٨٩، ٤٠٣ - ٤١٣. خورشيد [كانار M. Canard]

стр. 3796

حسين رحمى عين من أعيان المدرسة التركية الحديثة فى الأدب، وهو من أكثر الكتاب قراءً إن لم يكن أشهر كتاب الترك قاطبة فى الوقت الحاضر، وترجع مكانته الكبيرة إلى تصويره الفائق لحياة الجماهير، فهو يرسم هذه الحياة رسمًا بارعًا زاهى اللون فى صور سريعة تعكس محيط هذه الحياة بكل ما فيه من نضرة وبعد عن الكلفة. وفى مؤلفاته شئ من فن القصاص الشعبى ومهارتهم الفائقة فى محاكاة حياة الجماهير اليومية فى خشونتها وواقعيتها، تلك الحياة التى كان رحمى أول من أدخلها فى الأدب التركى. وتمثل مشاهده التى نقلها من الحياة اليومية لغة العوام من أهل البلد، وهى بمثابة مصدر دائم للبحوث اللغوية والجنسية بمصطلحاتها التى تغيب مدلولاتها ومعانيها الدقيقة فى بعض الأحيان عن المؤلف نفسه والتى نبحث عنها عبثًا فى غيره من المظان. ولرحمى إلى جانب هذا الأسلوب الطبيعى الواقعى الذى يرفع شأنه أبدًا أسلوب آخر يناقض هذا بشكل ظاهر يفترض أنه ممتاز ينم عن الثقافة، وهو ذلك الأسلوب الخليط بين لغة الصحافة واللغة التركية الرسمية المعقدة المعروفة باسم "باب عالى أسلوبى" وهو ينزل برحمى إلى مستوى الكتاب العاديين. وإذا تركنا جانبًا تلك المشاهد التى رسمها للحياة العامة فإن ما بقى من صنعته الفنية الأخرى لا يعدو المستوى المتوسط العادى. ومن يقرأ روايات رحمى لا يلبث أن يشعر بأنه يشاهد مجموعة من الصور الرائعة إلا أنها تفتقر افتقارًا شديدًا إلى الشرح والبيان. وأكثر رحمى فى السنوات الأخيرة من مجادلاته النظرية، إلا أنه مع ذلك لم يأخذ صناعة التأليف مأخذ الجد. ذلك أن الشهرة واتته هينة سهلة فحال ذلك دون نمو مواهبه نموًا قويًا مثمرًا وإبراز موضوعاته التى غلبت عليها الخلاعة إبرازًا ناضجًا فنيًا. إما فى بنائه لفكرة قصصه فهو يكاد يترك كل شئ دون أن يوفيه حقه، فضلا عن أن أفكار

стр. 3797

قصصه ساذجة ينقصها لباقة العرض، ثم إن محاولته القيام بدور المرشد والمعلم فى حوادث قصصه الثانوية كثيرًا ما تقضى على الأثر الفنى للمشاهد التى استقاها من حياة الجماهير. ويصرح رحمى، وهو الذى درس عيون الأدب الفرنسى، أنه واقعى، وإن كان ينعى على زولا تطرفه الشديد فى الواقعية. وكانت فكاهته واختياره للموضوع ومنهاجه فى معالجته سببًا فى نعته بذلك الاسم المناسب ألا وهو بول ده كوك Paul de Kocks الترك. وقد دفعته وطنيته المتأججة إلى إبراز خصائص أمته ودافع عنها مستهجنًا التقليد السقيم للعادات الأجنبية، وكشف عن المضار التى تلحق بالمجتمع العثمانى من وراء ذلك التقليد الأعمى للمظاهر الأوربية الكاذبة، وهو مع ذلك يتجنب فى حزم أى تقديس لصفات قومه ولذلك فهو يتندر بسنن المجتمع التركى القديم ويقرنها بالبدع المستحدثة. وبدأ رحمى نشاطه فى الأدب بالترجمة عن اللغة الفرنسية، ونجد مثالا لذلك فى المجلد الثالث من "أراكل كتابخانه سى جيب رومانلرى" (الآستانة عام ١٣٠٩ هـ الموافق ١٨٩١ - ١٨٩٢ م) وهو يشمل "باريس ده برتأهل" (زواج فى باريس) وقصة فكاهية لجول كلارتى Jules Claretie هى "إيكى رفيق تحرير" وكذلك ترجمة لـ Frederic et Bernerette لألفرد ده موسيه. وأول كتاب ألفه حسين رحمى هو فى السخرية من تقليد العادات الأوربية: "أيينه ياخود شيق" (المرآة والغندور) وهو يفصح عن الصفة الحقيقية لمواهبه. وأصدر فى عام ١٣١٣ هـ (١٨٩٥ م) القصة الفكاهية الهجائية المسماة "المربية" (الطبعة الثانية عام ١٣١٥ هـ) ولعلها أحسن مؤلفات رحمى، وهى التى جلبت له الشهرة توًا. ولقد هاجم رحمى بشجاعة طريقة التعليم الشائعة بالآستانة وما يلابسها من مربيات هن على الأغلب من

стр. 3798

المعلمات المشكوك فى سلوكهن. وأحدثت روايته التى ظهرت فى جريدة "إقدام" مسلسلة شأن معظم مؤلفاته بلبلة كبيرة فى الأفكار وأثارت السخط فى جميع أوساط المحافظين لإباحيتها كما أسخطت التقدميين لعدائها الصريح لحركة التقدم. وكانت سببًا فى قيام حملة صحفية قوية على رحمى وجريدة إقدام ذاتها. أما مجموعة الرسائل الفكاهية المسماة "المطلقة" (١٣١٤ هـ = ١٨٩٦ م) والتى قام بترجمتها إلى الألمانية إمهوف باشا Imhoff Pasha فى صوره عن الحياة التركية (جـ ١) فكانت موجهة إلى ما فى نظام الطلاق من قسوة لا مسوغ لها، وبذلك عالج رحمى مسألة تحرير المرأة وهى من المسائل الشائكة فى تركيا. وقام فريدريش جيس Friedrich Giese بترجمة بعض الفقرات الشائقة من رواية "عفت" (أى العفة) وظهرت فى العام ذاته باسم عفت - Die Volkssyenen aus Husen Ra -Orien فى humis Romam Theodor -talische Studien Noldeke Zum ٧٠ Ge ١٩٠٦, burtstag gewidmet ثم ظهرت "بر معادله سودا" أى اتزان الحب. وظهرت فى عام ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ م) أطول رواياته المسماة "الحظية" وبها دلائل على التأخر والسقوط. وظهر فى عام ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ م) كتابه "تصادف" ثم كتاب "نعمت شناس" فى عام ١٣١٩ هـ (١٩٠١) وأخذت الصفات الفنية لروايات رحمى تزداد تدهورًا منذ أصدر رواية "شيب سودى". وفى هذه الرواية نفسها وصف لرقص الزنجية مع الأغا، وهذا الرقص على شهوانيته إلا أنه جدير بأن يوصف بأنه درة من درر رحمى فى الوصف. وقد جرت عليه مؤلفاته الأخيرة "قويروقلى يلدز التينده بر ازدواج" (زواج بين المذنبات)، و"غول يبانى" (غول الصحراء)، و"جادى" (الساحرة) نقدًا مرًا وخاصة من الوسط الأدبى لمجلة رباب (مدرسة فكرت) ومن شهاب الدين بالذات. أما مؤلفه الأخير المسمى "جادى جاربيور" (الساحر ينقر) الذى ظهر عام ١٣٢٩ هـ (١٩١٠ م) مصدرا

стр. 3799

بهذه القولة: "إن الأدب يبدأ فى اليوم الذى يصبح فيه الاهتمام بصفاء لغتنا من الشوائب أمرًا مسلمًا به" فما هو إلا كتاب فى الجدل. المصادر: (١) Geschichte der Tuer-: Horn ١٩٠٢ kischen moderne ص ٤٧ - ٤٦. (٢) Der En-: Friedrich Giese twicklungsgang der modern os manischen Litteratur فى Haupt's Kat alog رقم ١٣, عام ١٩٠٦، ص ١١ وما بعدها. (٣) Osherki po: Wl. Gordlewski nowoj osmanskoj Litjeraturje موسكو ١٩١٢، ص ٧٥ - ٧٩. الشنتناوى [منزل Theodor Menzel] حسين رحمى (١٨٦٤ - ١٩٤٤): روائى تركى وكاتب قصة قصيرة ظل أروج كاتب من عام ١٨٩٠ حتى أواخر عام ١٩٢٠ بالرغم من نأيه عن جميع التيارات والحركات الأدبية فى زمنه. ولد حسين رحمى فى حى آياس باشا باستانبول فى ١٧ أغسطس سنة ١٨٦٤، وأبوه محمد سعيد باشا أركان حرب السلطان عبد العزيز، وكانت الأسرة فى الأصل من أهل آيدين. وفقد حسين أمه وهو فى الثالثة من عمره حين كان أبوه يعمل فى كريت. والتحق حسين بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية فى استانبول ثم درس من بعد فى "مخرج أقلام" حيث كان يتدرب كتبة الحكومة، ودرس فى هذه الأثناء اللغة الفرنسية على يد مدرس خاص. وفى سنة ١٨٧٨ التحق بمدرسة العلوم السياسية (ملكية) ولكنه ترك هذه المدرسة بعد سنتين لاعتلال صحته. وأصبح حسين موظفًا حكوميًا وخدم فى وزارتى العدل والأشغال العمومية حتى سنة ١٩٠٨، وهنالك اعتزل الخدمة ليتفرغ تفرغًا تامًا للأدب. وفى سنة ١٩١٢ انتقل إلى هيلياده وأقام بها من بعد بيتًا خلاويًا من دخله من رواياته (وهو أمر لا سابقة له فى عالم

стр. 3800

الأدب التركى). وهناك عاش عيشة اعتزال حتى وفاته سنة ١٩٤٤, ولم يقطع هذه العيشة إلا رحلة إلى مصر سنة ١٩٣٣ وفترات عارضة قضاها فى أنقرة حيث كان عضوا فى المجلس الوطنى من سنة ١٩٣٦ إلى سنة ١٩٤٣. وبدأ حسين تجاربه الأولى كاتبًا فى سن الثانية عشرة وشهد أول محاولة له فى الكتابة منشورة وهو فى سن العشرين (بركنج حزن آوازه شكايتى فى جريدة حوادث، عدد ٤٢ نوفمبر سنة ١٨٨٤). ونشر أول قصة قصيرة له" إستانبولده برفرنك" فى هذه الجريدة نفسها بالعدد الصادر فى ٢٩ نوفمبر سنة ١٨٨٩. وكتب حسين أول رواية له وهى "شق" سنة ١٨٨٦ وأرسل الجزء الأول منها إلى أحمد مدحت إمام الروائيين المشهورين والناشر والصحفى المعروف فى هذا الزمان، واعترف أحمد مدحت فورًا بموهبته ودعاه بخطاب مفتوح أطراه فيه ونشره فى صحيفته "ترجمان حقيقت"، وطلب منه أن يوافيه فى مكتبه وحثه على إتمام روايته ونشرها مسلسلة فى جريدته سنة ١٨٨٧, ثم نشرت فى كتاب سنة ١٨٨٩ وضمه أحمد مدحت إلى محررى "ترجمان حقيقت" وبدأ الكاتب الشاب يملأ أنهار الصحيفة بفيض من مقالاته (ومعظمها فى الحض على الأخلاق) والقصص القصيرة والروايات وأغلبها مترجم عن الفرنسية، عن بول بورجيه وإميل جابوريو، وبول ده كوك وغيرهم. وفى سنة ١٨٩٤ ترك حسين رحمى التحرير فى ترجمان حقيقت" وانضم إلى محررى صحيفة "إقدام" حيث قدر لعدة من رواياته أن تنشر فيها مسلسلة. ولما نشرت روايته "مربية" سنة ١٨٩٧ فى إقدام تبينت شخصيته الأدبية المتميزة لدى النقاد وتحققت شهرته. والعجيب أن يحدث هذا فى نفس الوقت الذى بلغت فيه حركة "ثروت فنون" الأدبية المتفردة الغالبة

стр. 3801

على أذواق العصر والتى اتخذت شعارها "الفن للفن"، عنفوانها. لقد كتب حسين رحمى نحوًا من أربعين رواية وعدة مجلدات من القصص القصيرة، وقليلا من المسرحيات الصغيرة وعددًا من الترجمات ومعظم مقالاته ومناظراته ونقداته وقليل من قصصه القصيرة ورواياته التى نشرت فى الجرائد على اختلافها لم ينشر بعد فى كتب. ورواياته الكبرى التى هى مثال لمنحاه هو فى التأليف هى "شق" أى المحب للمظاهر سنة ١٨٨٨, وهى أول رواياته، وهى تعد صورة مجملة على غرار بعض رواياته المتأخرة (رقم ٤، ٦، ٨) وتناول فيها بالنقد والسخرية المحب للمظاهر المتأثر بالغرب يقلد تقليدًا أعمى أخلاق الأوربيين وعاداتهم (٢) "عفت" (١٨٩٧) وهى قصة شابة متعلمة تعليمًا جيدًا، ينزل بها فقر مدقع، فتصارع لتنقذ شرفها فى أصعب الظروف (٣) "مطلقة" (سنة ١٨٩٨، وقد ترجمها إلى الألمانية Imhoff Pasha بعنوان Die Geschieden) وهى تصف المآسى التى تعقب المشاحنات المزمنة بين الزوجة وحماتها (٤) "مربيه" (سنة ١٨٩٨) وخلاصتها أن دهرى أفندى، موظف مدنى متقاعد يستأجر أمرأة فرنسية لتربية ابنيه وحفيده، تستقر والمرأة فى بيته الخلاوى على البحر وسرعان ما تسيطر على البيت كله وتشيع فيه الفوضى وتغوى جميع الرجال فى الأسرة وتنتهى بدهرى أفندى نفسه الذى كان يعجب إعجابًا أعمى بأساليب الحياة الغربية (٥) "بر معادله سودا" (إنصاف فى الحب سنة ١٨٩٩) وهى نقد إجتماعى شديد لما جرى عليه الآباء من تقليد يقضى بأن يختاروا فى المستقبل زوجات أبنائهم وأزواج بناتهم دون الاستماع إلى رغبات أبنائهم وبناتهم (٦) "مترس" (العشيقة، سنة ١٩٠٠) وهى سخرية أخرى بمحبى التظاهر من المتأثرين بالغرب فى مطلع القرن وإيوائهم إمرأة محبة للتظاهر بما يخالف المألوف (٧) "تصادف" (لقاء

стр. 3802

بالصدفة، سنة ١٩٠٠) وهذه الرواية تكشف فى فكاهة ساخرة حيل قراء البخت التقليدين الذين درجوا على إزعاج الأسر الدنيا والطبقة الدنيا من الأسر المتوسطة فى استانبول (٨) "شبسودى" أى دائما "فى حب" ونشر جزء منها مسلسلا فى جريدة إقدام سنة ١٩٠١، وأوقفها الرقيب، ثم نشرت كاملة فى جريدة "صباح" سنة ١٩٠٨، ونشرت لأول مرة فى كتاب سنة ١٩١٢ وترجمتها إلى الألمانية Muhsine Der Liebeskranke Bey وتعد "غالبه" سنة ١٩١٦ بعنوان عين روائعه، وهى تطوير آخر للفكرة التى سبق أن تناولها فى رواياته الأولى، وفيها دراسة قوية لرجل يحب التظاهر. فمفتون بك شاب ثرثار، توفى والده، فبعث به عمه إلى باريس فلم يتعلم فيها شيئًا إلا الحياة على غرار الباريسيين المتسكعين. فلما توفى عمه، اندفع عائدًا إلى استانبول رئيسًا لقوناق مزدحم فى الريف، ولم يلبث أن بدأ يعيد تنظيم بيته على نمط الفرنجة (الفرنكه هو العنوان الأصلى للرواية حين نشرت لأول مرة مسلسلة فى جريدة إقدام سنة ١٩٠١) وأعاد تعليم أفراد البيت كله فارضًا عليهم الزى الأوربى والطعام الأوربى والسلوك الأوربى وما إلى ذلك (٩) "غول يبانى" (أى الغول سنة ١٩١٢) و (١٠) "جادى" (الساحرة سنة ١٩١٢) وكلتا الروايتين تسخران من المعتقدات الخرافية وغفلة بعض الناس فى ذلك العهد (١١) "تبسم إلم" (بسمة حزينة، نشرت مسلسلة فى إقدام وأوقفت سنة ١٩١٤، ونشرت فى كتاب سنة ١٩٢٣) وهى تحليل طريف للعلاقات الفجة بين رجال هذا الزمان وسيداته (١٢) "صون آرزو" (الرغبة الأخيرة، سنة ١٩١٨) وتحكى قصة الحياة الشقية التى عاشتها شابة أجبرت على الزواج من رجل لا تحبه (١٣) "جهنملق" (الملعونة، سنة ١٩١٩) وهى تنقد زواج الفتيات بالرجال العجائز. (١٤) "حقه سغندق" (اللهم احفظنا، سنة ١٩١٩) وتحكى شقاوات الطبقة الدنيا والطبقة الوسطى الدنيا فى السنوات من سنة

стр. 3803

١٩١٤ إلى سنة ١٩١٨ فى اثناء الحرب باستانبول (١٥) "تتشمش كوَنرلر" (قلوب تحترق سنة ١٩٢٢) و (١٦) "بلّور قلب" (قلب صاف، سنة ١٩٢٤) وكلتا الروايتين تتناول مشكلة تحرير المرأة فى استانبول بعد الحرب (١٧) "ميخانده خانملر" (نساء فى حانة، سنة ١٩٢٤) وهى تحذير للذين يسرفون فى فهم تحرير المرأة فهمًا خاطئًا (١٨) "بن دلى مييم؟ (أمجنون أنا؟ سنة ١٩٢٥) وفيها نقاش لمعظم المسائل الفلسفية الخلافية التى ظهرت بعد الحرب (١٩) "أوتنماز آدم"، (الرجل الذى لا يخجل سنة ١٩٣٠) هى سخرية إجتماعية على هيئة دراسة لشخصية رجل ينجح فى الحياة بتجاهل جميع قواعد الأخلاق. وبلغت القصص القصيرة لحسين رحمى حوالى سبعين قصة جمعت فى ثمانية مجلدات. ويحتل حسين رحمى مكانًا متفردًا فى تاريخ الأدب التركى قبل عصر الجمهورية. وهو يختلف عن معظم معاصريه فى أنه لم يقلد أى مثل تركى أو فرنسى متقدم عليه. ولكنه سرعان ما هضم مؤثرات شتى ونماها تنمية جعلت منه شخصية أدبية قوية لها استقلالها. وكان حسين معجبًا بالكاتب الشعبى المكثر أحمد مدحت (١٨٤٤ - ١٩١٢) ومن ثم فهو يدين بالكثير فى الأصول الفنية لأسلوبه فى الرواية والحوار، وتقليد الأقليات، ومعالجة بعض المراحل، بل فى إيثاره لموضوعات بعينها، إلى تقاليد الفنون والآداب الشعبية التركية (مثل القرا كوز، والمدّاح، والأصول الفنية للطلوعات فى أورطه أويونو والقصص الشعبية على اختلاف ألوانها). وعلى حين نجد أن أحمد مدحت قد استخدم هذه العناصر فى حرية وبلا ضوابط ومزجها بمؤثرات فرنسية مستقاة من إسكندردوماس الكبير مثلا، فإن حسين رحمى صقل هذه العناصر وهضمها لتحقيق أغراضها ومزجها مزجًا موفقًا بالأصول الفنية للكتاب الواقعيين والطبيعيين الفرنسيين وخاصة

стр. 3804

موباسان وزولا. وهذا المزج بين التقاليد التركية الشعبية الجياشة بالحياة المأثورة فى رواية القصة رواية أخاذة، وبين الدراسة المستأنية للأصول الفنية للمذهب الطبيعى، والملاحظة الدقيقة لحياة الطبقة الدنيا والطبقة المتوسطة الدنيا فى استانبول وأنماطها والتحليل الثاقب للمشاكل الملحة فى زمنه والحس المرهف للفكاهة والسخرية جعل كل ذلك حسينًا أكثر الروائيين الأتراك أصالة حتى الثلاثينيات. وروايات حسين رحمى وقصصه القصيرة تكاد تغلب عليها صفة الوثائق وقيمتها. ذلك أن الحياة اليومية للأسر والأشخاص وتطورهم فى حدود المجتمع العثمانى المتفكك، وجميع المشاكل الاجتماعية الناجمة من أثر الأفكار والعادات الغربية فيهم، كل ذلك قد درس دراسة تفصيلية دقيقة أضيفت إليها عناصر فكاهية ساخرة فيها ما فيها من تهاويل الحياة. وقد تناول حسين رحمى فى كثير من آثاره النزعة إلى تقليد كل ما هو غربى تقليدًا أعمى، وعقدة النفص حيال أوربا، والأثر المدمر للبك أوغلى (بيره) الشرقى والمشاكل الأخلاقية على اختلاف أنواعها. والأسلوب الفنى لحسين رحمى لا نظير له، ذلك أن رواياته فى معظمها سلسلة من الصور المجملة القوية تربطها بعضها ببعض برباط واه (يغلب عليه الافتقار إلى الصلة بالموضوع الذى يتناوله) فقرات من الملاحظات الفلسفية والأخلاقية تجنح إلى القضاء على وحدة السرد. وهذا هو الضعف العام الوحيد فى منحى أحمد مدحت الذى لم يستطع أن يتحاشاه قط. ويعانى أسلوب حسين أيضًا من هذه الآفة ولو أنه أكثر صقلا من أسلوب أحمد مدحت بكثير، فهو حين يبتدع الأسلوب المباشر يصبح أستاذًا متفوقًا، يستخدم أقرب اللغة التركية المنطوقة إلى الطبيعة وأكثرها تدفقًا، ولكنه حين يبدأ فى المحاجة والجدل أو فى بسط بعض النظريات الفلسفية أو الإجتماعية فإنه

стр. 3805

يرتد الى ذلك الطراز من الأسلوب المنمق الزخرف الذى تناوله بالذم فى كثير من كتاباته. ومهما يكن من شئ فإن حسنًا أدرك هذه النقيصة سنة ١٩٢٠ بعد انتصار حركة "اللغة الجديدة" وتشبه بمعظم معاصريه فبدأ يبسط أسلوب رواياته وقصصه القصيرة فى طبعاتها المتأخرة. وتحقق الآن مجموعة آثاره وتعد للنشر مع بعض التعديل فى لغتها فى ضوء التغيرات الحديثة. وثمة دلائل على أنه من الممكن إحياء شهرة حسين رحمى بالرغم من التغير الجذرى الذى دخل على موضوع الرواية التركية وآفاقها منذ سنة ١٩٣٠. المصادر: (١) رفيق أحمد سونكل: حسين رحمى كوربيكار، حياتى، خاطره لرى، عصر لرى، مناقشة لرى، إستانبول سنة ١٩٤٤ (٢) نيازى بركس: حسين رحمى نك سوسيال قروشلرى فى AUDTCFD, جـ ٣/ ٣، سنة ١٩٤٥ (٣) مديحة بركس: حسين رحمى نك رومانلرنده أيله وقديم فى المجلة نفسها، جـ ٣/ ٣ سنة ١٩٤٥ (٤) المؤلفة نفسها: حسين رحمى نك رومانلرنده قادن تيبلرى، فى المجلة نفسها، جـ ٣ - ٥، سنة ١٩٤٥ (٥) برتونائلى بوراتاو: حسين رحمى نك رومانجيليغى فى المجلة نفسها، جـ ٣ - ٢، سنة ١٩٤٥ (٦) مصطفى نهاد أوزون: حسين رحمى دن سجلميش بارجالر وعصر لرى حقنده مطالعه لر، إستانبول سنة ١٩٤٦ (٧) فوزيه عبد اللَّه تانسل فى A I مادة حسين رحمى (٨) سعاد هزارجي: حسين رحمى كور بيكار حياتى، صنعتى، عصر لرى، إستانبول سنة ١٩٥٣ (٩) حلمى يوجباش: برتون جبهه لريله حسين رحمى، إستانبول سنة ١٩٦٤

стр. 3806

(١٠) أكاه سرى لوند: حسين رحمى كور بيكار، أنقره (مطبوعات TDK رقم ٢٢٩) سنة ١٩٦٤ (١١) كنعان آقيور فى Philologiae Turcicae Fundamenta جـ ٢ فيسبادن سنة ١٩٦٥، ص ٥٥٦ - ٥٥٨ والدراسات الأربع الآتية رسائل جامعية لم تنشر وهى موجودة فى مكتبة توركيت إنستيتوسى فى استانبول: (١٢) مصطفى كورسس: حسين رحمى كور بيكار، حياتى، عصر لرى، سنة ١٩٣٩، رقم ٩٨ (١٣) سودى بيبرس: حسين رحمى كور بيكارن يارتيغى تيبلر، سنة ١٩٤٨، رقم ٣٢٠ (١٤) آيدين كوكسال، حسين رحمى نك مشروطيته قدرزيمش أولدوغى رومانلرنك قرونولوجيك أولارك تدقيقى، سنة ١٩٥٣، رقم ٤١٧ (١٥) كوكشين يوزاق: حسين رحمى نك مشروطتك جمهوريت دورنه قدريزمش أولدوغى رومانلرنك قرونولوجيك أولارك تدقيقى، سنة ١٩٥٤، رقم ٤٥١. خورشيد [فاخر عز Fahir Iz] حسين بن سليمان الصفوى شاه فارس من سنة ١٦٩٤ - ١٧٢٢، وقد انهارت فى عهد هذا الحاكم الضعيف مملكة الصفويين، وهى الأسرة التى لم تنجب منذ عهد عباس الأول أمير، قويًا أو أميرًا له شأن. ويقال إن الرؤى والتنبؤات تكهنت بسقوط هذه الأسرة، ومن ثم فإن أبا حسين غير اسمه من صافى إلى سليمان عند ارتقائه العرش. ولما مات سليمان نودى بحسين شاهًا على فارس فى غير مشقة، وكان فى الخامسة والعشرين من العمر، ذلك أنه كان له أخ أكبر منه حكم عليه أبوه نفسه بالموت. وترك الشاه الصغير أمور الدولة بين يدى أشراف المملكة وبخاصة اعتماد الدولة (رئيس الوزراء) فتح على خان، وكان حسين واقعًا تحت

стр. 3807

تأثير العلماء فحاول فى مستهل عهده أن يقضى قضاءًا مبرمًا على عادة شرب الخمر التى كانت متفشية بين رجال البلاط والنبلاء ولكنه باء بالخيبة. وكان السلام يسود بعض الشئ فى السنوات الأولى من حكمه اللهم إلا فى ولايتى الحدود: الكرج وقندهار حيث كانت الحالة غير مرضية. على أن خان الكرج المتمرد كركين شخص بنفسه إلى إصفهان ليعتذر عن سلوكه فبدا أن الفتن الكرجية قد خمدت، بل ظن أنه قد وجدت الوسيلة لإخماد اضطرابات قندهار أيضًا وذلك بإنفاذ كركين خان واليًا عليها تؤازره جند الكرج. وكان الصفويون والمغل العظام يتنازعون السيطرة على قندهار منذ أمد طويل، ولكن لم تكن هذه هى الصعوبة الكبرى، ذلك أن القبائل الأفغانية التى كانت تنزل الإقليم، وهى قبائل الغلزائى كانت من أهل السنة، ومن ثم كرهوا الحكم الفارسى وكرهوا أن يتولى كبح جماحهم وال كان فى يوم من الأيام من الكفار ثم نال الحظوة بعد دخوله فى الإسلام. ولذلك فقد كان ميرويس زعيم الغلزائى بصفة خاصة خطرًا يتهدد كركين الكرجى. وأراد كركين أن يتخلص منه فبعث به إلى إصفهان وأرسل إلى الوزراء الصفويين تعليمات سرية ليحتجزوه فيها. ولكن الفرصة سرعان ما واتت ميرويس فاستمال أولى الحل والعقد بتقديم الهدايا المناسبة إليهم، وحصل على إذن بالحج إلى مكة، واستغل إقامته فى هذه المدينة المقدسة فاستصدر فتوى من السلطات الدينية توجب على الأفغان النسيين إعلان الجهاد على الكرج الكفار وحكومتهم المارقة من الإسلام. وعاد إلى فارس مزودًا بهذه الوثائق ثم خرج منها إلى قندهار. وقتل كركين خان ثم استولى ميرويس على قلعة قندهار (١٧٠٨)، فأنقذت الحكومة الفارسية عندئذ خسروخان، وهو ابن أخى كركين خان المقتول ومعه جنود كرجية وفارسية ليفرض الطاعة على الأفغان

стр. 3808

العصاة، فأكرههم ميرويس على الفرار غير أنه بدا أن الأمور قد أخذت تنقلب لصالح الفرس عندما مات ميرويس سنة ١٧١٥، وظهر أن أخاه عبد اللَّه خان يميل إلى عقد الصلح مع الحكومة الفارسية، ولكن عبد اللَّه ما لبث أن قتل بيد محمود، وهو ولد من أولاد ميرويس، واستمر محمود هذا فى مقاومة الجيش الفارسى. وفى الوقت نفسه قامت صعوبات أيضًا فى أجزاء أخرى من المملكة كان منشؤها الكرد والأزابكة، فى حين استولى عرب مسقط على البحرين، وتمنى الفرس أن يستعيدوا هذه الجزيرة بمعاونة الأسطول البرتغالى، ولكن القائد العام لطف على خان، وهو صهر رئيس الوزراء، رأى بحق أن الضرورة الملحة تقضى بقمع الغلزائى الذين كانوا قد غزوا كرمان تحت إمرة محمود، وأوقع لطف الهزيمة فعلا بالعصاة ولكن حال دون استكماله النصر ما بدا فى إصفهان من سخط على أهماله حملة البحرين، فاحجموا عن إمداده بالمؤن التى تكفل له السير إلى قندهار، بل انتهز أعداؤه وأعداء اعتماد الدولة هذه الفرصة فأثاروا الشاه عليهما مما أدى إلى أن يفقد رئيس الوزراء بصره وأن يلقى بلطف على خان فى السجن، وكان قد ذهب إلى شيراز، وبذلك مهد حسين بنفسه الطريق لسقوطه، إذ احتل محمود لتوه كرمان وتقدم هو وجنده صوب إصفهان، وجمع الصفويون مرة أخرى جيشًا عرمرمًا ليقفوا به فى وجه التقدم الأفغانى ولكنهم منوا بهزيمة منكرة فى وقعة كلناباد شرقى إصفهان (١٧٢٢) ومن ثم حوصرت إصفهان نفسها. وقاومت هذه المدينة الحصار طويلا لأن الأفغان كان ينقصهم كل ما يتطلبه ذلك من مدافع، إلا أن القحط تفشى فيها آخر الأمر فلم يجد حسين بدًا من التسليم والتنازل لمحمود عن العرش. وكان طهماسب ابن الشاه قد فرّ فى أثناء الحصار إلى قزوين وتفليس وسعى إلى جمع جيش جديد يستنقذ به قصبة البلاد، وكتب على هذا الأمير السئ الطالع أن يقف موقف المتفرج على الحوادث التى تلت ذلك بفترة وجيزة، ذلك أن محمودًا استولى على

стр. 3809

قزوين وأقام فيها حامية من الأفغان، ولكن الفرس قتلوا أفرادها غدرًا وخيانة فأخذ محمود بثأرهم وذبح أهل إصفهان تذبيحًا، ثم قتل أكثر أفراد الأسرة الصفوية، وجن محمود بعد ذلك، واشترط أشرف - وهو ابن عبد اللَّه خان الذى قتله محمود - لاعتلاء العرش أن يقتل قاتل أبيه، وتم ذلك سنة ١٧٢٥، وكان أشرف الخان الجديد فى معاملته لحسين أميل إلى اللين بعض الشئ، ولكن تركيا وروسيا كانتا تستغلان اضطراب الحال فى فارس لصالحهما فلم يتركا له فرصة يخلد فيها للراحة، وعقد أشرف صلحًا مع تركيا سنة ١٧٢٧ ومع ذلك فقد أكره على امتشاق الحسام مرة أخرى عندما انتصر القائد الذى اشتهر بعد ذلك باسم نادرشاه لطهماسب، وكان الروس ينتصرون له أيضًا، وأنزل به نادر الهزيمة مرارًا ثم أكرهه على الفرار، فثأر لنفسه بقتل حسين المسن سنة ١٧٢٩ ولكن اللصوص قتلوه هو نفسه بعد ذلك بسنة. المصادر: (١) Tragica Vertentis Bel-: Krusinski lipersici Historica per repetitas clades, ab anno ١٧١١ and annum ١٧٢٨ continuata post Gallicos, Hollandicos, Germanicos ac demum Turcicos Authoris typos aucti - .or Author P. Th. Krusinski etc ليوبولى ١٧٤٠، وقد استفيد فى هذا المقال بالترجمة التركية وعنوانها "تأريخ صياح"، طبعة الآستانة سنة ١١٤٢ هـ (١٧٢٩ م)؛ وكان كروسنسكى فى إصفهان خلال الحصار. (٢) Relation de Dourry Efendy, Am- bassadeur de la Porte Otttomane aupres du roi de Perse, باريس ١٨١٠. (٣) The Revolutions of Per-: Hanway sia containing the Reign of Shah Husein لندن ١٧٥٣. (٤) History of Persia: Malcolm، جـ ١، ص ٥٩٢ وما بعدها. (٥) Coins of the Shahs of: R.S.Poole Persia in the British Museum ص ٣٦ و ٨٠، ص ٣٩ - ٥٤.

стр. 3810

الحسين بن على بن أبى طالب حفيد النبى ﵊ وابن فاطمة، وقد اشتهر بالثورة التى قام بها وانتهت بمأساة فى كربلاء فى العاشر من المحرم سنة ٦١ هـ الموافق أكتوبر سنة ٦٨٠ م. طفولته وشبابه: ولد الحسين بالمدينة فى شعبان سنة ٤ (يناير سنة ٦٢٦) على قول أغلب المصادر وكان بعد طفلًا عندما أدركت النبى ﵊ المنية، ومن ثم لم يتيسر أن يبقى فى ذاكرته إلا القليل عن جده [ ﷺ ]. وهناك عدد من الأحاديث تذكر العبارات الحانية التى قالها النبى ﵊ فى حفيديه "من أحب الحسن والحسين فقد أحبنى ومن كرههما فقد كرهنى" و"الحسن والحسين سيدا شباب لم هل الجنة" (وهذا القول مهم جدًا فى نظر الشيعة، ذلك أنهم اتخذوه مبررًا من المبررات الأساسية لحق سلالة النبى فى الإمامة، و"سيدا شباب أهل الجنة" من الألقاب التى تطلقها الشيعة على الأخوين). وثمة أحاديث أخرى تمثل محمدًا ﵊ وعلى ركبتيه حفيداه, وعلى كتفيه أيضا، بل على ظهره وهو ساجد فى صلاته (وابن كثير، جـ ٨، ص ٢٠٥ - ٢٠٧, قد جمع عددًا لا بأس به من هذه الروايات استقاها فى معظمها من أسانيد ابن حنبل والترمذى). وقد أضاف عدد من المحدثين إلى هذه المشاهد القليلة الشائقة الحية بعض التفصيلات التى تبدو فى عين غير المسلم عجيبة وكذلك حين تشمل هذه التفصيلات ملائكة متخيلة لا تظهر بهذا المظهر المتخيل لدى المسلمين الذين يؤمنون بتردد جبريل كثيرًا على النبى ﵊ (١). ومن ثم يبدو أثر الشيعة ظاهرًا فى غير ذلك من الروايات التى سوف نذكرها عند الحديث عن قصة الحسين فى هذه المادة. وقد عاش الحسين أيام شبابه فى ظل أبيه يطيع أوامره (انظر المسعودى: مروج الذهب جـ ٤, ص ٢٧١, ٢٧٩, ٢٨١ وغير ذلك من الصفحات) ويشارك فى حروبه.

стр. 3811

موقف الحسين من معاوية: بعد وفاة على بن أبى طالب، أنّب أخاه الحسن على نزوله عن السلطان، وإن كان هو نفسه قد اضطر للأمر الواقع، وقد دعاه الشيعة عدة مرات حتى قبل وفاة الحسن، إلى الانتقاض على معاوية (مثل حجر بن عدى)، ولكنه كان يجيبهم دائما بقوله إنه مادام هذا الرجل (أى معاوية) حيَّا فمحال أن نفعل شيئا والصواب أن نتجه بفكرنا دومًا إلى أن نؤجل انتقامنا إلى أن تحين الفرصة وألا نذيع عن هذا شيئًا (البلاذرى: أنساب الاشراف: ٦٣٤ ظهر - وجه، ٦٣٦ ظهر الخ) وقد أخبر معاوية على يد واليه على المدينة مروان ابن الحكم بأن الشيعة يترددون على الحسين، فلم يروعه ذلك، بل لزم جانب الحذر ونصح مروان بأن يتحاشى الاصطدام بالحسين، وأرسل إلى الحسين رسالة مزج فيها بين الوعود الكريمة والنصح للحسين بعدم إثارته. وانتهت هذه الواقعة برد من الحسين فيه اعتزاز وأنفة، (ابن كثير، جـ ٨، ص ١٦٢). وكان ثمة مناسبتان أظهر فيهما الحسين جرأة وإقدامًا، إحداهما حين دافع عن حقه فى بعض الممتلكات مناهضًا لنفر من الأمويين ذوى البأس (الأغانى، جـ ١٦، ص ٦٨ - ٧٠)، والأخرى حين طلب معاوية من كبار عماله أن يعهدوا بالخلافة من بعده ليزيد. وهنالك كان الحسين واحدًا من خمسة أبوا أن ينزلوا على هذه الدعوة التى استحدثت مبدأ جديدًا فى الاستخلاف. رفض آخر للبيعة ليزيد بعد وفاة معاوية ومعقبات ذلك: ما إن توفى معاوية (رجب سنة ٦٠ = مارس - أبريل سنة ٦٨٠) حتى صدع والى المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان بأمر يزيد ودعا إلى القصر فى ساعة غير مواتية الحسين وعبد الله بن الزبير لإرغامهما على إعلان الولاء للخليفة الجديد وأدرك الرجلان أن معاوية قد أدركته منيته وظلا على استمساكهما بعدم البيعة ليزيد، وخشيًا على حياتهما، ومن ثم فر ابن الزبير فى الليلة التالية إلى مكة، أما الحسين فقد شخص إلى قصر الخليفة مصحوبًا

стр. 3812

بأنصاره وقدم العزاء ليزيد وأعلن أن البيعة يجب أن تؤجل متعللا بأنها لا تكون صحيحة إلا إذا تمت على الملأ، ونجح الحسين فى تأجيل البيعة يومين، وإتجه هو وأسرته إلى المدينة، ولم يلتمس إليها مع ذلك طريقًا غير مباشر، وحث مروان الوليد بن عتبة على استعمال العنف إلا أن الوليد لم يرد أن يتخذ موقفًا صارمًا مع حفيد رسول الله ﵊، ودفع ثمن هذا التصرف السلبى فعزل من الولاية. ولم يكن الموقف فى مكة إثر وصول الحسين وعبد الله ابن الزبير يسيرًا كل اليسر، فقد آثر المكيون الالتفاف بالحسين وشكوا فى أن عبد الله الذى كان يضمر فى نفسه أطماعًا، يحمل فى أعماقه غيرة من الحسين (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٧٦). مصادر ثورة الحسين ونهايته الفاجعة: يقوم كاتب هذه المادة بدراسة بعض المخطوطات المحفوظة فى مكتبة برلين والمنسوبة لأبى مخنف، انظر Ahlwardt, ص ٩٠٢٨ - ٩٠٢٩، ٩٠٣١ - ٩٠٣٨) وإن لم يثبت أن جميعها أو جزءا منها صحيح فإن أهم المتون الخاصة بجهاد الحسين ومعقباتها الفاجعة فى كربلاء هو ولم يزل الطبرى ثم البلاذرى. فالأول يروى: (١) عددا كبيرًا من الروايات منسوبة إلى أبى مخنف (المتوفى حوالى ١٥٧ هـ = ٧٧٤ م) ترجع أسانيدها إلى شهود معاصرين. (٢) عددًا لا بأس به من روايات هشام بن محمد الكلبى ومعظمها تلقاه من شيخه أبى مخنف. (٣) عددًا قليلا من الروايات رواها بأسانيدها رواة لا تضيف على ذلك إلا روايات قليلة مختلفة عن الروايات السابقة، ومعظم هذه الروايات لا شأن له. ويكاد البلاذرى يستخدم فى معظم الأحوال المصادر نفسها التى رجع إليها الطبرى، ولكنه فى كثير من الأحيان يسوق ملخصًا لها ويفتتحها بعبارة "قالوا"، ثم يزيد على ذلك بعض الأشعار والتفصيلات. وأما الدينورى واليعقوبى وابن عبد ربه وغيرهم فيكادون لا يضيفون شيئًا إلى معلوماتنا لأنهم يعتمدون فى جميع

стр. 3813

رواياتهم المتصلة تقريبًا على أبى مخنف. وقد كانت كتابات أبى مخنف موضع التقدير العظيم حتى لدى الشيعة، فقد كان هذا الرجل هن المتعاطفين مع الحسين، وقد استقى من مجموع رواياته أقدم كتابهم (مثل المفيد المتوفى سنة ٤١٣ هـ ١٠٢٢ م) وكذلك أولئك الذين أوتوا من ملكة النقد حظًا يؤهلهم لتنقيتها من تهاويل الخيال (مثل أويس، وهو محدَث) وكانت نزعتهم الشيعية تظهر فى غير ذلك من الوقائع. ولم يحدث إلا فى عهد متأخر كل التأخر (فى أوائل القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى فيما يظهر) أن عدّل بعض من وقائع الحسين بإضافة روايات أخرى (مبارزات فردية قتل فيها الحسين خصومه بالعشرات؛ الحسين يدافع عن نفسه دفاع الأسد يذبَّح مهاجميه وغير ذلك). وإن كانت هذه الحكايات قد انتقدها ابن كثير (جـ ٨١، ص ٢٠١). دعوة الكوفيين للحسين وبعثة مسلم بن عقيل إلى الكوفة: قوبلت الأنباء بوفاة معاوية بالرضا والاغتباط فى الكوفة، ذلك أن معظم سكانها كانوا من الشيعة، وسرعان ما أرسلت رسائل ورسلًا تدعو الحسين إلى القدوم إلى هذه المدينة التى لم تعد تطيق الحكم الأموى، فقد وصموه بجريرة أنه استولى على الفئ وسمح بملك الله أن ينتقل إلى أيدى أصحاب السلطان والثروة وقتل خيار الناس (مثل حجر ابن عدى وأنصاره) وأبقى على شرارهم (انظر رسالة سليمان بن صرد الخزاعى وغيره من الشيعة فى الطبرى، جـ ٢، ص ٢٣٤، الخ). وأجاب الحسين بأنه يدرك رجاءهم فى أن تتحد صفوفهم بفضله فى الطريق المستقيم وفى الحق، وأضاف "ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخد بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله" ومع ذلك فقد رأى الحسين أن يأخذ بالحيطة قبل أن يتخذ قرارًا، فأرسل ابن عمه مسلم ابن عقيل إلى الكوفة ليجس النبض. ولم يلبث مسلم أن جمع كلمة آلاف من المؤيدين بل هو قد استطاع أن يرأس جماعة وهو على المنبر فى المسجد (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٥٧؛ الدينورى، ص ٢٥٢). على أن

стр. 3814

ذلك بلغ للخليفة يزيد، وكان يرتاب فى واليه على الكوفة النعمان بن بشير الأنصارى وفقد ثقته به فولى عليها عبيد الله بن زياد وكان يلى البصرة أيضا، وأمره أن يشخص إلى الكوفة من فوره ليخمد الفتنة فيها. وبلغها ابن زياد متخفيًا واتخذ تدابير فعالة روعت المتعاطفين مع الحسين. وبذل مسلم محاولات فاشلة لتنظيم القيام بفتنة سريعة، ففر واختبأ. وكشف أمره وقتل فى التاسع من ذى الحجة سنة ٦٠ (١١ سبتمبر سنة ٦٨٠). ومن سوء حظ الحسين أن مسلمًا كتب له رسالة متفائلة كل التفاؤل بنجاح دعوته، والظاهر أنه أرسل له أيضًا مواثيق آلاف من أهل الكوفة ممهورة بتوقيعاتهم. خروج الحسين إلى الكوفة: كان ابن الحنفية فى المدينة (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٢٠) ثم عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس وغيرهم، قد لقوا الحسين فى الطريق من المدينة إلى مكة (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٢٣) وحذروه من أخطار ثورته، وكرر ابن عباس له النصح وأصر عليه فى مكة (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٧٤، البلاذرى ص ٦٣٨ وجه - ٦٣٩ ظهر وغير ذلك من الصفحات)، بل إن عبد الله بن الزبير حاول أن يثنيه عن القيام بمغامرته، ولكنه كان مخادعًا فى ذلك، ذلك أنه كان فى الحق راضيًا كل الرضا بإخلاء الميدان له فى مكة (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٧٤ - ٢٧٦ وغير ذلك من الصفحات)، وبالرغم من هذا. النصح كله فإن الحسين لم يتخل عن مواقفه. فقد اكتفى بأداء العمرة بدلا من الحج، واستغل فرصة غياب الوالى عمر بن سعيد الأشدق الذى كان يؤدى مناسك الحج فى مكة وانسل هو وجماعته فى صحبة واحدة، وكانوا قرابة خمسين رجلا من الأقوياء والأصدقاء القادرين على حمل السلاح، والنسوة والأطفال (٨ ذو الحجة سنة ٦٠ الموافق ١٠ سبتمبر سنة ٦٨٠ فى يوم التروية) وقد ذكر الطبرى والبلاذرى جميع أسماء الأماكن التى وقف بها فى طريقه من مكة إلى الكوفة، وكذلك ذكرها فلهاوزن. وعلم عمرو بن سعيد بخروج الحسين فأنفذ جماعة من الناس بقيادة

стр. 3815

أخيه يحيى لمطاردة الحسين، ولكن كل ما حدث بين الجماعتين كان صدامًا استعملت فيه السياط والعصى. وعند التنعيم غير بعيد من مكة لقى الحسين عيرًا قادمًا من اليمن ورأى أن من حقه أن يستولى على حمله الذى كان يشمل الحلل ونباتات للصباغة مرسلة للخليفة. ولقى الحسين فى طريقه عددًا من الناس، لقى الفرزدق فسأله الحسين فرد الفرزدق فى صراحة قائلا إن قلوب أهل العراق معه وسيوفهم مع بنى أمية (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٧٧، ٢٧٨ وغير ذلك من الصفحات)، وكان ابن عمه عبد الله بن جعفر قد حصل له من الوالى عمر بن سعيد على عهد مكتوب يمنحه فيه الأمان، وأتى إليه عبد الله ليقرأ له العهد، وكانت إجابات الحسين عن كل من يسأله الرجوع عن بغيته تجرى دائمًا هذا المجرى على تفاوت فى ذلك: "الله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا فى شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته". وكان زهير بن القين البجلى من أنصار عثمان، وقد تحاشى وهو راحل أن يضرب خيامه فى المكان الذى ضرب فيه الحسين خيامه، واضطر فى مناسبة من المناسبات أن يضرب خيامه بالقرب من الحسين. ودعاه الحسين إلى زيارته وغير رأيه عندما لقيه، وأصبح من يومها من أشد أنصار الحسين تحمسًا له. وكان عبيد الله بن زياد قد أقام رجالًا على الطرقات المؤدية من الحجاز إلى الكوفة (الطبرى جـ ٢، ص ٢٨٥ - ٢٨٨) وأمر بألا يسمح لأحد بالدخول أو الخروج من المنطقة التى حددت لهم. وعلم الحسين من البدو بهذا الأمر، ولكنه لم يرتع لذلك وواصل رحلته. وفى الثعلبية علم من بعض المسافرين أول ما علم بنبأ مقتل مسلم وهانئ بن عروة بالكوفة. وكان خليقًا بأن يعود أدراجه إلا أن بنى عقيل قالوا له إننا لن نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فحملوه بذلك على العدول عن رأيه. وهنالك علم فى زُبَالَة أن الرسول الذى بعث به من الحجاز إلى الكوفة

стр. 3816

ليعلن فيها عن وصوله الوشيك (هو قيس بن مسهر الصيداوى أو عبد الله بن يقطر أخوه من الرضاعة: انظر الطبرى جـ ٢، ص ٢٨٨، ٢٩٣، ٣٠٣) قد كشف أمره وقتل. وعندئذ أخرج الحسين لأنصاره كتابًا قرأه عليهم وقال فيه إنه قد أتاه خبر فظيع هو قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وأن أهل الكوفة خذلوه، ثم أردف بأن من أحب منهم الانصراف عنه فلينصرف، ولم يبق مع الحسين إلا أولئك الذين خرجوا معه من الحجاز. وكانت شراذم من الفرسان يجوسون فى هذه المنطقة فلما ظهروا فى الأفق عدل الحسين وجهته وقصد "ذوحُسمُ" وضرب عندها خيامه. واقترب الفرسان يقودهم الحرّ بن يزيد التميمى اليربوعى، وكان الجو حارًا، فأمر الحسين أن يزودوا بالماء. وكان الموقف عند ذاك لم يزل خاليًا من التوتر حتى أن الحرّ وكتيبته شاركوا هذا اليوم فى صلاتين أمهما فيهما الحسين (الطبرى، جـ ٢، ص ٣٠٢). وحدث من بعد أن أربعة من الشيعة قدموا من الكوفة واستطاعوا أن ينضموا إلى المنتقضين بالرغم من أن الحرّ حاول أن يعترض على ذلك (الطبرى، جـ ٢، ص ٣٠٢). وبين الحسين لأعدائه، بعد هاتين الصلاتين، الدوافع التى حملته على الخروج إلى الكوفة قائلًا: "إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم، وقدمت على رسلكم: أن أقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطونى ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه إليكم". ولم يكن الحرّ يعلم شيئًا عن الرسائل التى تلقاها الحسين من أهل الكوفة، ولم يغير الحرّ من رأيه حين أطلعه الحسين على خرجين مليئين بهذه الرسائل، وقال الحرّ إنه تلقى أمرًا بأن يحمل هذا المنتفض بلا قتال إلى ابن زياد، وحاول أن يقنع الحسين أن يتبعه، ومضى الحسين فى طريقه، ولم يجسر الحرّ على اعتراضه فاقترح عليه أن يلتمس طريقًا لا يؤدى إلى الكوفة

стр. 3817

ولا إلى المدينة وأن يكتب الحسين الى يزيد أو إلى ابن زياد، وقال الحرّ فى الوقت نفسه أنه سوف يكتب إلى ابن زياد آملا أن يتلقى منه ردًا يخرج به من هذه المحنة المؤلمة. على أن الحسين لم يوافق على اقتراحاته فتبعه الحرّ عن كثب وراح يحذره من حين إلى حين قائلا "يا حسين، إنى أذكرك الله فى نفسك، فإنى أشهد لئن قاتلت لتقتلن". ولكن الحسين لم يكن يخشى الموت؛ وحدث توقف فى ناحية نينوى (وهى جزء من سواد الكوفة)، وأقبل فارس من الكوفة فلم يحيى الحسين وسلم إلى الحرّ رسالة من ابن زياد يأمره فيها بألا يسمح لهم بالتوقف إلا فى مكان صحراوى ليس فيه حصون ولا ماء. وهنالك اقترح زهير بن القين أن يهاجم الحسين سرية الحرّ الصعيرة ويحتل العَقْر المحصنة، فأبى الحسين أن يبدأ بالعداوة. وفى الثانى من المحرم ضرب خيامه فى كربلاء وهو مكان يتبع ناحية نينوى. وفى الثالث من هذا الشهر ساءت الحال. فقد وصل من الكوفة جيش من أربعة آلاف رجل يقودهم عمر ابن سعد بن أبى وقاص الذى كان قد أقيم نائبًا لابن أبى زياد فى السر، وأنفذ إلى "دَسَتبى" ليخمد فتنة أثارها الديلم، ثم استدعاه ابن زياد ليخضع الحسين. وحاول عمر عبثًا أن يتخلى عن هذه المهمة الكريهة، ولكنه هُددَ بأنه سوف يفقد منصبه، فاضطر آخر الأمر إلى طاعة الأمر. وبلغ عمر كربلاء وعلم من رسول أن الحسين قد عقد العزم وقتها على التراجع، ولكن ابن زياد صمم عندما بلغته هذه الأخبار على بيعتهم جميعًا ليزيد. وكانوا قد منعوا فى هذه الأثناء من بلوغ النهر. وأقام عمر بن سعد عمرًا بن الحجاج الزبيدى فى خمسمائة فارس فى الطريق المؤدى إلى الفرات، ومن ثم ظل الحسين وحزبه ثلاثة أيام يعانون من العطش أشد البلاء ونجحت جماعة جريئة يقودها أخو الحسين العباس فى اختراق الحصار إلى النهر، ولكنها لم تفلح إلا فى ملء قرب قليلة بالماء. وكان ابن سعد فى الوقت نفسه لا يزال يحاول عقد اتفاق مع المنتقضين ويتفاوض مع الحسين ليلًا. ولم

стр. 3818

يحضر أحد الأحاديث التى دارت بين الرجلين، ولكن أشيع أن الحسين قد طلب من ابن سعد أن يختاروا منه خصالا ثلاث: إما أن يرجع إلى المكان الذى أقبل منه، وإما أن يضع يده فى يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وإما أن يسيروه إلى أى ثغر من ثغور المسلمين شاءوا، فيكون رجلًا من أهله، له ما لهم وعليه ما عليهم (الطبرى، جـ ٢، ص ٢٨٧، ٣١٤، ٤٣٦؛ البلاذرى، ص ٦٤٤ ظهر وغير ذلك من الصفحات). وفى هذا الصدد نصح ابن زياد ناصح سوء هو شَمِر (وهو يعرف عادة شمرْ بين الشيعة) بن ذى الجوشن (وكانَ من قبل من أنصار على وشهد معه صفين: انظر الطبرى، جـ ١، ص ٣٣٠٥). وكان الوالى أجنح إلى المصالحة لولا أن أقنعه شمر بأنه يجب عليه أن يجبر حسينًا على الطاعة ما دام قد دخل فى أرض تقوم فى حدود ولاية ابن زياد. ومن ثم أمر ابن زياد عمر بأن يهاجم الخارج على الخلافة إذا رفض أن يقبل الشروط التى وضعت له، أو يترك قيادة الجنود لشِمْر الذى يحمل لعمر هذا الأمر (الطبرى، ص ٣١٥). بل يقال إن ابن زياد أضاف أن الحسين إذا هلك فى القتال: "فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، فاطع ظلوم، وليس دهرى فى هذا أن يُضَرَّ بعد الموت شيئًا" (الطبرى، جـ ٢، ص ٣١٦). ولقى ابن سعد شمرًا وقال له "أفسدت علينا أمرًا كنا رجونا أن يصلح" وكان ابن سعد واثقًا من أن الحسين لن يستسلم لأن "نفسًا أبية لبَيّن جنبيه". وفى ليلة التاسع من المحرم تقدم ابن سعد وجنوده نحو جماعة المنتقضين، وكان الحسين جالسًا أمام خيمته مائلًا على سيفه وخفق برأسه على ركبتيه، ذلك أنه رأى رسول الله ﷺ فى المنام يقول له إنه سيلحق به، وحذرته أخته زينب بأن جنود ابن سعد يتقدمون نحونا، فأرسل أخاه العباس ليعرف السر فى قدومهم. وفى انتظار عودة الرسول تراشق الطرفان بالمحاذير والمثالب واللعنات. وعاد العباس وعلم ما يأمر به ابن زياد، وطلب الحسين تأخير قدوم الجنود ليلة فأجيب إلى طلبه، ثم تحدث إلى أقربائه وأنصاره حديثًا تذكّره من بعد ابنه على، وهو الرجل

стр. 3819

الوحيد من الأسرة الذى نجا من المذبحة، قال: "أثنى [أى الحسين] على الله ﵎ أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إنى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا فى الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين، أما بعد، فإنى لا أعلم أصحابًا أولى ولا خيرًا من أصحابى، ولا أهل بيت أبّر ولا أوصل من أهل بيتى فجزاكم الله عنى جميعا خيرًا، ألا وإنى أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا، ألا وإنى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعًا فى حل، ليس عليكم منى ذمام، هذا ليل قد غشيكم، فاتخذوه جَمَلًا، " (الطبرى، جـ ٢، ص ٣٢٠). وأظهر أنصاره الولاء الكامل لقضيته إلا عدد قليل، وخفف الحسين من جزع أخته زينب وهدأ من ثائرتها وكانت قد غشى عليها يأسًا، ثم خرج ليتفقد التحصينات، وجعل المضارب تقترب بعضها من بعض وربط بينها بالحبال وجعل الخشب والقصب أكوامًا فى خندق ليحرق إذا استوجب الأمر ذلك ردًا لهجوم يأتيهم من الخلف وقضوا بقية الليلة فى صلاة (الطبرى، جـ ٢، ص ٣١٧ - ٣٢٤، ٣٢٦). وبدأ القتال فى اليوم التالى بعد حلول الصبح. وقعة كربلاء ومراحلها الكبرى: إذا سلمنا بأن ابن سعد حاول أن يجبر المنتقضين على التسليم بإذاقتهم عذاب العطش والإحاطة بهم حتى يقبض عليهم (وهذا ما نخرج به فيما يظهر من دراسة الروايات دراسة موضوعية) فإنه يحق لنا أن نسلم بأن معركة كربلاء قد امتدت من الفجر حتى العصر فى سلسلة من المبارزات الفردية، والهجمات يصحبها كرُّوفر، وفترات من السكون، ومناوشات دفاعًا عن المضارب وما إلى ذلك، وطال ذلك حتى أوشكت الشمس على الغروب، وهنالك فرغ صبر جنود ابن زياد من مقاومة المنتقضين فأطبقوا على من بقى من الطالبيين وذبحوهم. وفى مثل هذا القتال الذى بدأ على هيئة تسابق مميت لا يشترك فيه إلا عدد قليل من المقاتلة وعدد كبير من المشاهدين والجنود المتحفزين، فإن بعض المحاورات بين الخصمين التى رددتها المصادر يمكن

стр. 3820

أن تحدث، ويعلق لامنس (Laumens: Le Califat de Yazid leer ص ١٦٩) أهمية كبيرة على رواية مختصرة لأبى مخنف تقول إن القتال لم يدم إلا بمقدار قيلولة يقيلها المرء (الطبرى، جـ ٢، ص ٣٧٤، وغير ذلك من الصفحات) ويخلص من ذلك إلى القول: "إن مأساة كربلاء لم تدم أسابيع بل انطوت على فعل واحد وانقضت فى ساعة .. ". وبعد فإن من الروايات التى رواها أبو مخنف بعضًا لا شك فى أنه قد وضعه، ولكنا إذا نظرنا إلى رواياته فى مجملها نجد أنها رواية متماسكة معقولة، ومن ثم فإن اختيار رواية منها واحدة من حيث هى تختلف حقًا أو ظاهرًا عن سائر الروايات، منهج فى النقد تختلف الآراء فى قيمته، وخاصة أن الراوى كما فى هذه الحالة واحد، كما أن الرواية فى هذا الأمر يمكن تفسيرها بأنها تنطوى على تفاخر مقاتل أمام الخليفة، أو على وصف لآخر مشهد فى المأساة. وفى صبيحة العاشر من المحرم عبأ الحسين أصحابه (٣٢ فارسًا و ٤٠ راجلًا، وجعل على ميمنته زهير بن القين وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر) أمام مضاربه، وأعطى رايته أخاه العباس وأمرهم بإشعال النار فى أكوام الخشب والقصب، ثم أمر لنفسه بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك فميث ثم دخل الحسين الفسطاط وتطَّلى بالنَّورة. وهنالك ركب الحسين فرسه ثم تضرع إلى الله بدعاء طويل بليغ (الطبرى، جـ ٢، ص ٣٢٧) وراح يسترسل فى حديث إلى أعدائه قائلًا إن الله وليه، وهو الذى يحمى المتقين، ودعاهم إلى تدبر الأمر وهل من الشرع أن يقتلوه، وذكرهم بقول النبى ﵊ أنه هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وأشاد بالفضائل الجمة لآل البيت ثم عاد إلى لوم أهل الكوفة الذين دعوه إلى القدوم عليهم ورجائه أن يسمحوا له بالذهاب إلى أرض تمنحه الأمان. فلما أعيد على مسامعه أنه يجب عليه أولا أن يخضع لأبناء عمومته ورد عليهم بأنه لن يذل نفسه كما يذل العبيد (وقد ذكر محسن الأمين، ص ٢٥٥ - ٢٦٠ هذا الحديث فى روايات أطول). ثم نزل الحسين عن فرسه وأمر فأنيخت راحلته ليدلل للقوم أنه لن يعمد إلى الفرار.
следующие страницы →