Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
البلاد إذ رأوى أن قبول حسين للسلطنة في ظل الاحتلال البريطانى والحكومة العسكرية والحماية البريطانية مهانة قومية. بل إن كثيرا من هذه العناصر قد رأوا قبوله خيانة عظمى ارتكبها في حق الدولة العثمانية المسلمة في حربها مع بريطانيا الكافرة. على أن رفض حسين لمنصب السلطان كان خليقا بأن يهدد من استمرار بيت محمد على في الولاية على مصر.
وهذا الموقف مقترنًا بالصعوبات الناشئة من ظروف الحرب أدى إلى تدهور حالة الأمن العام في البلاد. فكانت سنة ١٩١٥ سلسلة من أعمال الإرهاب استهدفت أعضاء في الحكومة المصرية بل السلطان نفسه. ونظر غلاة الوطنيين إلى السلطان وحكومة الحرب التى رأسها حسين رشدي باشا نظرتهم إلى أدوات في يد سلطات الاحتلال البريطانى تستخدمها في مواصلة الحرب. زد على ذلك أن هؤلاء الغلاة عدوا السلطان وحكومته قد خرجوا على إجماع الأمة الإسلامية، وازدادت المصاعب وأسباب التضييق التى فرضتها مقتضيات الحرب في نفور السواد الأعظم من المصريين وخاصة سنة ١٩١٦ - ١٩١٧ فاستفحلت الوحشة بين الجمهور وبين الحكومة والسلطان.
وما إن تربع السلطان حسين على دست الحكم وباشر واجباته حتى مضى يمحو البقية الباقية من آثار السلطان التركى على مصر ومظاهره الإدارية والقضائية. ذلك أنه حين رأس اجتماعا لمجلس الوزراء في ٢١ ديسمبر سنة ١٩١٤ اتخذ قرار بالغاء منصب القاضى في مصر (كان القاضى يصدر إليه أمر التعيين في جميع الأحوال من السلطان العثمانى في استانبول).
وعلى ذلك فإن علاقات حسين كامل بالسلطات البريطانية في مصر لم تكن في جميع الأحوال علاقات ودية أو
стр. 3852
وثيقة. فقد كانت بريطانيا في مصر تنظر بعين السخط إلى زياراته الكثيرة للمدارس ومؤسسات التعليم العالى، وجولاته في المديريات، فقد اشتبهت في أنه يرمي بذلك إلى السعى إلى تقوية الروابط بينه وبين الحركة الوطنية. أما السلطان فقد كان يشعر أن متطلبات السلطات البريطانية المادية والبشرية والأعباء التى حملتها للبلاد كانت باهظة جدا فأثقلت ظهر الشعب بشدائد ليس من الحق أن يعانيها. وثمة سبب آخر لتدهور العلاقات بين حسين كامل والسلطات البريطانية في مصر هو ضيق السلطان بما عاناه من صرامة الحكومة البريطانية وقت الحرب التى كانت تزكيها سياستها والتى ربما لم تكن تستمع إلا إلى ما تمليه مقتضيات الحرب العظمى التى تخوضها. ومن ثم فإن البريطانيين كانوا لا يقرون محاولات السلطان بالظهور في صورة الزعيم الشعبى في حين أن الشعب المصرى كان ينكر منه أنه أداة في يد البريطانيين.
وبدأت صحة السلطان حسين تضمحل سنة ١٩١٦, وقضى معظم عام ١٩١٧ في المرض، وتوفى في ٩ أكتوبر سنة ١٩١٧. وكان ابنه الأمير كمال الدين حسين قد أعلن من قبل، نزوله عن حقه في وراثة عرش مصر. وهكذا خلف السلطان حسينا الأمير فؤاد الذى أصبح من بعد ملكا على مصر سنة ١٩٢٢ إلى سنة ١٩٣٦.
المصادر:
(١) The Transit of: P.L. Elgood Egypt لندن سنة ١٩٢٨.
(٢) محمد سعيد الكيلانى: السلطان حسين كامل، القاهرة سنة ١٩٦٣.
(٣) فرج سليمان فؤاد الكنز الثمين لعظماء المصريين، القاهرة ١٩١٧ جـ ١.
(٤) Egypt since Kromer: Lord Lloyd لندن ١٩٣٢. جـ ١، ص ١٨٣ - ٢٦١.
خورشيد [فاتيكيوتس P.J. Vatikiotis].
стр. 3853
حسينى
" حسينى" والجمع حسينيون، وهو اللقب الذى يلقب به شرفاء مراكش الذين يرفعون نسبهم إلى الحسين بن على وفاطمة بنت الرسول [ ﷺ ]، وقد جاء الحسينيون إلى مراكش في تاريخ متأخر بعض الشئ عن الحسنيين، ولكن عددهم لم يبلغ فيها أبدًا ما بلغه أولاد عمومتهم، والحسينيون فريقان كبيران: الصقليون والعراقيون.
وقد خرج الصقليون من ديارهم الأصلية بسبب الفتح النورمندى، وهربوا أول الأمر إلى الأندلس ثم إلى مراكش في عهد السلطان أبى العباس أحمد بن سالم المرينى (نهاية القرن الرابع عشر) وهم يرفعون نسبهم إلى الحسين من ناحية على الرضا.
أما العراقيون، وهم نسل الحسين من ناحية إبراهيم المرتضى، فقد غادروا الأندلس بعد غزو النصارى لغزناطة والتجأوا إلى فارس (سنة ١٤٩٢).
المصادر:
(١) القادرى: الدر السنى، ص ٦٩ وما بعدها، فاس ١٣٠٩.
(٢) ابن القاضى، جذوة الاقتباس، فاس، وتاريخه مجهول، ص ١٢٥.
(٣) الكتانى: سلوة الأنفاس، فاس , ١٣١٦ جـ ٢، ص ٢١٨.
خورشيد [كور Acoup]
" حسينى سادات أمير" (ركن الدين حسين بن عالم بن أبى الحسن)، ولد في كزيف، وهى قرية من أعمال الغور سنة ٦١١ هـ (١٢١٢ م) وكان مصنفًا مشهورًا وشاعرًا صوفيًا عظيمًا، وفد على ملتان وتتلمذ على ركن الدين أبى الفتح (المتوفى عام ٧٣٥ هـ = ١٣٣٥ م) حفيد وخليفة بهاء الدين زكريا الملتانى (المتوفى سنة ٦٦٦ هـ - ١٢٦٠ م). ثم استقر في هراة ومات بها، وفى رواية صاحب نفحات الأنس أنه مات بها سنة ٧١٨ هـ (١٣١٨ م) على أن أحدث البحوث تشير إلى أن وفاته لم تكن قبل سنة ٧٢٩ (٧٢٠؟ )، ونذكر من مصنفاته: "نزهة الأرواح" وهو مصنف صوفى اختلط فيه النظم بالنثر، وشرحت فيه أحكام الحياة الصوفية وضربت لها الأمثال من نوادر عن
стр. 3854
الأولياء وأقوال منقولة عنهم، ثم "زاد المسافرين" ويتضمن أحكام الحياة الدينية وضربت لها أيضا أمثال من نوادر وقصص، وقد صنف أيضًا رسائل أخرى كثيرة مثل كنز الرموز وروح الأرواح وصراط مستقيم وسى نامه وطرب المسلمين، وكلها تبحث في الحب عند المتصوفة.
المصادر:
(١) جامي: نفحات الأنس، ص ٧٠٥.
(٢) دولت شاه: تذكرة الشعراء، طبعة براون ص ٢٢٢.
(٣) خواندمير: حبيب السير، جـ ٣، ٢ ص ٧٤.
(٤) فرشته، جـ ٢، ص ٧٦٢.
(٥) حاجى خليفة، جـ ٣، ص ٥٢٨، جـ ٦، ص ٣٢١.
(٦) India office Lib Cat: Ethe رقم ١٨٣٢.
(٧) Cat. Libr, of the King: Sprenger of Oudh, ص ٤٣٠ وما بعدها.
(٨) Cat. Pers Mss. Br Mus: Rieu ص ٦٠٨.
خورشيد [هدايت حسين M.Hedayet Hosain]
الحسينية
دولة في بلاد تونس حكمت من سنة ١٧٠٥ حتى ٢٥ يولية سنة ١٩٥٧، ثم أعلنت الجمهورية التونسية. وكان رأس هذه الدولة الحسين بن على الذى تولى السلطة سنة ١٧٠٥ بعد أن هزم الجزائريون الباى إبراهيم الشريف وأسروه. ونودي بالحسين بايًا ثم بكلربك (والى) ولاية تونس على يد السلطان العثمانى أحمد الثانى، وهنالك أقنع الحسين مجلسه المكون من القواد العسكريين بإقرار نظام يحصر وراثة الحكم في أسرته فيتولاه أكبر الأبناء من الذكور. وقضى هذا الباى معظم حكمه بلا مشاكل، ولكن عكرت أواخر حكمه الفتنة التى أشعلها ابن أخيه على الذى استطاع بمعاونة الجزائريين يخلع الحسين ونودي به بايًا (١٧٣٥ - ١٧٥٦).
стр. 3855
وظل على باشا يتولى الحكم قرابة عشرين سنة لم تواجهه فيها أحداث، ولكنه واجه سنة ١٧٥٢ فتنة ابنه يونس، ثم واجه ما هو أخطر سنة ١٧٥٦ فقد انقض عليه ابن عمه محمد بن الحسين وغزا تونس بمعاونة الجنود الجزائريين. ونهب هؤلاء المدينة التى كان يتولى حمايتها حامية ضعيفة جنود تونسيون جندهم على باشا ليحلوا محل الإنكشارية الأتراك.
وخلف محمدا (١٧٥٦ - ١٧٥٩) أخوه على بك (١٧٥٩ - ١٧٨٢) الذى عاد إلى السياسة القديمة التى كانت تقضي بتجنيد القوات من الشرق. ولم يعترف السلطان العثماني بعلى بك إلا واليا على ولاية تونس فحسب، إلا أن الباى كان في الواقع ينعم باستقلال ذاتى يوشك أن يكون استقلالا كاملا، ذلك أن الحكومة التركية لم تتدخل بحال في الشئون الداخلية لتونس، وظلت الأمور تسير على هذا المنوال حتى سنة ١٨٣٥ واستطاع الباي بذلك أن يبرم معاهدات مع الدول الأوربية ونشأت الخلافات في الرأي بين تونس وفرنسا أول ما نشأت في عهد على باشا سنة ١٧٤١ - ١٧٤٢ حول شركة إفريقية، واستفحل الخلاف سنة ١٧٦٩ - ١٧٧١ في عهد على بك حول ضم جزيرة قورشقة إلى فرنسا واحتكار صيد المرجان، وبفضل زوج ابنة الباى وكبير وزرائه مصطفى خوجه سوى هذا الخلاف ومن يومها استقر قنصل عام فرنسى في تونس.
أما الباى التالى حمودة باشا (١٧٨٣ - ١٨١٤) فقد وجد نفسه في صدام عنيف مع البنادقة (١٧٨٤ - ١٧٩٢) الذين قذفوا بالقنابل السوس والقلعة وتعاونوا مع الجزائريين فغزوا الأراضى التونسية مرتين، مرة سنة ١٨٠٧, ومرة سنة ١٨١٣. وفى تونس نفسها ألفى حمودة باشا نفسه يواجه فتنة أشعلها الإنكشارية. واستطاع بمعاونة يوسف صاحب الطابع ورئيس الوزراء الفعلى أن يخمد هذه الفتنة وحلَّ آخر الأمر فرقة الإنكشارية (١٨١١). وحمودة باشا هو الذى أقام دار الباي بالقرب من القصبة كما شيد قصر المنُّوبة.
стр. 3856
وتولى الحكم مدة قصيرة الباى عثمان (سبتمبر - نوفمبر سنة ١٨١٤) وخلفه أخوه محمود (نوفمبر سنة ١٩١٤ - مارس سنة ١٨٢٤) فعاد إلى السنة التى كانت متبعة وهى تجنيد الإنكشارية في الشرق لرد هجمات الجزائريين. على أنه صالح آخر الأمر أوجاق الجزائر سنة ١٨٢١ وأهم من ذلك كله أنه لم يجد مناصا من أن يقمع غارات مراكب القراصنة بناء على طلب الدول الأوربية بعد مؤتمرى فينا وايكس لاشابل سنة ١٨١٩، وكان ذلك يصيب الاقتصاد التونسي بخسارة كبيرة. وقد أيد الباى حسين (١٨٢٤ - ١٨٣٥ م) الإمبراطورية العثمانية في المراحل المختلفة التى مرت بها "المسألة الشرقية" مما أدى إلى تدمير الأسطول التونسى في نافارينو وفكر هذا الباى أيضًا في التدخل في شئون بلاط طرابلس في أعقاب الأحداث التى وقعت فيها بين سنتى ١٨٣٢ و ١٨٣٥، فلما عادت الحكومة التركية وجعلت طرابلس ولاية يحكمها مباشرة عمال من الأتراك، تخلى الباى عن دعواه هذه. وفى عهد الباى مصطفى (١٨٣٥ - ١٨٣٧) والباى أحمد (١٨٣٧ - ١٨٥٥) توترت العلاقات بين تونس واستانبول. وحاول سلطان الأتراك، تؤيده بريطانيا العظمى، أن يرد تونس إلى الطاعة والالتزام بها، فحاول أحمد، تؤيده فرنسا، أن يحمى استقلاله الذاتى. ونجح الباى في رفضه أداء الخراج الذى يطالب به الباب العالى، ومنح لقب والى ولقب مشير، ولكنه أجبر على اتباع السنة الجارية بأن يتلقى براءة تعيينه في ولايته وتثبيته فيها بفرمان من السلطان. زد على ذلك أن الباى أحمد أظهر ولاءه للسلطان بإرساله حملة من تونس إلى تركية في أثناء حرب القريم. وكان هذا الباى أيضًا أول من أدخل إصلاحات في بلاد تونس كما أقام مرافق عامة كبيرة. واقتضى ذلك كله نفقات باهظة أفاد منها الفائدة الأكبر رجال الأعمال الأروبيون ووزير المالية مصطفى الخازندار، وتطلب ذلك فرض ضرائب جديدة ويذكر للباى أحمد أيضًا أنه ألغى الرق وأطاح بالقانون الذى يجعل اليهود التونسيين في مرتبة دنيا.
стр. 3857
وكان الباى محمد (١٨٥٥ - ١٨٥٩) وأخوه محمد الصادق (١٨٥٩ - ١٨٨٢) مصلحين من ذوى العزيمة، ولكن ناصحيهما كانوا في كثير من الأحيان بعيدين عن الصواب: والباى محمد هو الذى أنشأ "المجبى" (أى ضريبة الرءوس) وأصدر القانون الأساسى Pacte Fondamental في ٢٠ سبتمبر سنة ١٨٥٧ على نسق "خط همايون" العثمانى الذى صدر في فبراير سنة ١٨٥٦. وقد منح هذا القانون جميع التونسيين المساواة وحرية العقيدة والحرية في الأمور التجارية. وكذلك أباح للأجانب حق التملك في البلاد التونسية والمشاركة في كل نشاط اقتصادى. وأعيد تنظيم الحكومة على النمط الأوربى وسن محمد الصادق دستورا جعل البلاد ملكية وراثية يحكمها الباي بمعاونة مجلس تشريعى من ستين عضوا، وكذلك أنشأ هذا الدستور محاكم منتظمة. وتفاقم الحالة المالية للبلاد مقترنة بسوء إدارة مصطفى الخازندار للأموال حمل الباى سنة ١٨٦٣ على الحصول على قرض من الصيرفى إرلانجيه Erlanger بفائدة باهظة. ولم تتوفر للباى محمد الوسائل لسداد هذا القرض فاضطر إلى مضاعفة المجبى. وأثار فعله هذا فتنة سنة ١٨٦٤ اشتعلت بين القبائل الكبرى ثم امتد لهيبها إلى مدن الساحل بزعامة على بن غداهم. وأخمدت الفتنة، إلا أن تونس أصابها الخراب. فعقد محمد الصادق قرضا جديدا سنة ١٨٦٥ بشروط ليست بأقل قسوة من القرض الأول. وأحسَّ الباى أنه مشرف على الإفلاس فاضطر عام ١٨٦٩ إلى الموافقة على إنشاء وكالة مالية دولية من تونس وإنجلترا وإيطاليا كشفت أخيرا عن التصرفات الشائنة التى ارتكبها مصطفى الخازندار.
وبذل رئيس الوزراء الجديد خير الدين محاولات لإعادة توثيق العلاقات بين تونس والإمبراطورية العثمانية، إلا أن هذه المحاولات وئدت لمعارضة فرنسا وإيطاليا. وتفاقم الضغط الفرنسي باطراد وأصبح التدخل الفرنسي بعد معاهدة برلين سنة ١٨٧٨ أمرا محتوما بالرغم من بعض الجهود التي بذلتها إيطاليا لتأخير ذلك.
стр. 3858
وتذرعت الحكومة الفرنسية بوقوع غارات من قبل قبائل خرومر على الأراضى الجزائرية فقررت في ٤ ابريل سنة ١٨٨١ أن تنفذ حملة تأديبية إلى تونس بالرغم من احتجاجات تركية وسعى محمد الصادق إلى التصالح. وبلغت الجنود الفرنسية في ١٢ مايو سنة ١٨٨١ باردو واضطر محمد الصادق إلى إبرام معاهدة قصر سعيد نزل فيها عن السيادة الظاهرة لفرنسا وأجبر على أن يسلم بوجود وزير فرنسى مقيم. وبعد ذلك بسنتين فرض اتفاق المرسى (٨ يونية سنة ١٨٨٣) على علي بك (١٨٨٢ - ١٩٠٢) الحماية الكاملة. ورزح البايات محمد الهادى (١٩٠٢ - ١٩٠٦) ومحمد الناصر (الباى ناكور، ١٩٠٦ - ١٩٢٢) ومحمد الحبيب (١٩٢٢ - ١٩٢٩) تحت سلطان الإدارة الفرنسية التى دأبت على العدوان على حقوقهم، فأصبحت مناصبهم شرفية على تفاوت، ولو أن محمد الناصر قد أيد نشاط حزب الدستور الذى يسعى إلى إعطاء التونسيين نصيبا أكبر في الحياة السياسية للبلاد. وبعد سنة ١٩٣٤ كان حزب الدستور الجديد بزعامة بورقيبة هو الذى أمد المشاعر السياسية القوية في البلاد بزاد جديد، على حين كان الباى أحمد (١٩١٩ - ١٩٤٢) يتبع إرشادات المقيم العام.
على أنه حدث في الحرب العالمية الثانية أن استرد الباى منصف (١٩ يونية ١٩٤٢ - ١٣ مايو ١٩٤٣) بعض الهيبة التى كانت لأصحاب العرش التونسى إذ تزعم الحركة الوطنية التى كانت في ذلك الوقت محرومة من الزعماء الأخرين. وأظهر حكمه قصير الأمد أنه سلطان عالى الهمة جمع حوله أغلب الشعب وجعل الناس ينظرون إلى أسرته نظرتهم إلى ضمان للسيادة القومية وموئل لها. وأجبر الباى منصف على النزول عن العرش بعد أن فتحت تونس مرة أخرى على يد جيوش الحلفاء، وأقيم مقامه ابن عمه الأمين (١٣ مايو سنة ١٩٤٣ - ٢٥ يولية سنة ١٩٥٧) ولم يكن لهذا الباى ما كان لابن عمه من قدرة وهمة، وعادت المبادرة السياسية بعد الحرب إلى أيدى الحبيب بورقيبة وغيره من زعماء
стр. 3859
الدستور الجديد. ومن سنة ١٩٥٢ إلى سنة ١٩٥٤ حاول الأمين في شئ من الجبن أن يقاوم المطالب الفرنسية، وحملت مقاومته السلبية مقترنة بسلوك زعماء الدستور الجديد المناهض لفرنسا، الحكومة الفرنسية على أن توافق أولا (٣ يونيه سنة ١٩٥٥) على منح تونس الاستقلال الذاتى في الأمور الداخلية ثم منحها الاستقلال التام في ٢٠ مارس سنة ١٩٥٦.
وما انقضى على ذلك وقت قصير حتى حرم البايات من أن يكون لهم أية امتيازات خاصة، وصدر مرسوم في ٣ أغسطس سنة ١٩٥٦ بنقل مباشرة السلطة من الباى إلى كبير الوزراء. وفى ٢٥ يولية سنة ١٩٥٧ أعلنت الجمعية التأسيسية سقوط الأسرة الحسينية وإقامة نظام جمهورى للحكم. وحددت إقامة الأمين مدة قصيرة في منزل بالقرب من تونس، ثم منح حريته الكاملة، وأدركته المنية سنة ١٩٦٤.
ولم تكن الأسرة الحسينية من أصل تونسى، إلا أنها استطاعت في بعض الأوقات، على نحو لم يكن بارزا كل البروز، أن تظهر للناس أنها الأسرة الوطنية لبلاد تونس. كانت الأسرة تركية الأصل تحافظ على مبادئ المذهب الحنفى، وتتزوج من أميرات عثمانيات، وتعترف (حتى عام ١٨٨١) بسيادة سلطان آل عثمان.
المصادر:
علاوة على المراجع المذكورة في مادة الحسين وتلك التى ذكرها برونشفيك في مادة تونس، بلاد، القسم ٣، العصر التركى، والقسم ٤، الحماية الفرنسية (وهى مراجع مكتملة كل الاكتمال حتى عام ١٩٣١) انظر.
(١) monnaies: Farrugia de Candia husse'inites فى، Reu. tun الأعداد ١١ - ١٢ (سنة ١٩٣٢) ص ٣٧٩ - ٣٩٨, العدد ٢١ (سنة ١٩٣٣) ص ٢١٥ - ٢٣٠: العدد ١٧ (سنة ١٩٤٣) ص ٧٣ - ٩٢؛ العدد ٢١ (سنة ١٩٣٥) ص ١٥ - ٣٦.
(٢) Les differends de: Grandchamp ١٨٣٢ - ١٨٣٣ entre la Regence de Tunis et les rayaumes de sardaigne et des Deux-
стр. 3860
Siciles في. Rev.tun، السلسلة الجديدة، عدد رقم ٥ (١٩٣١) ص ١ - ٩١.
(٣) الكاتب نفسه: Le diffe'rend tu- niso-sarde de ١٨٤٣ - ١٨٤٤, فى. Revue Tun. العددين ١٣ - ١٤ (سنة ١٩٣٣) ص ١٢٧ - ٢١٥.
(٤) الكاتب نفسه: - Decuments re latifs a' la te'volution de ١٨٦٤ en tunisie في مجلدين، تونس، سنة ١٩٣٥.
(٥) Historique de la mis-: P. Marty (١٨٢٧ - ١٨٨٢) sion militaire enTunisie فى. Rev. Tun السلسلة الجديدة، عدد ٢٢ (١٩٣٥) ص ١٧١ - ٢٠٨, العددين ٢٣ - ٢٤ (١٩٣٥) ص ٣٠٩، ٤٠٦.
(٦) عزيز سامح إيلتر: شمالى أفريقاده توركلر، في مجلدين، إستانبول سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧.
(٧) Docu-: M. S. Mzali & J .. Pignon ments sur Khereddine في. Rev. tun، السلسلة الجديدة، الأعداد ١٨، ١٩, ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٦، ٣٠، ٣١ - ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٤١ - ٤٢، ٤٢ - ٤٤ (١٩٣٤ - ١٩٤٠)
(٨) En Marge du Pacte: L. Berchet Fondamental . في Rev. Tunis عدد ٣٧ (١٩٢٩) ص ٦٧ - ٨٦.
(٩) Arbre gee-: P. Grandchamp neealogique de la Fomille hassinile (١٧٠٥ - ١٩٤١) في. Rev. Tunis الأعداد ٤٥ - ٤٧ (١٩٤١) ص ٢٣٣.
(١٠) J. Goniage: - La crise des fi nances tunistennes et l'ascension des Juifs de Tunis في Rev. Afr، سنة ١٩٥٥، ص ١٥٣ - ١٧٣.
(١١) Les liberaux an-: A. Raymond glais rt la question tunisienne في. C.T, عدد ١١ (١٩٥٥) ص ٤٢٢ - ٤٦٥.
(١٢) Historie de LA-: Ch. A, Julien frique du nord، جـ ٢، باريس سنة ١٩٥٦.
(١٣) L'armee d'Ahmed: A. Martel Bey d'aqres un instructeur fransais في C.T. عدد ١٥ (سنة ١٩٥٦) ص ٣٧٣ - ٤٠٧.
(١٤) La titulaire des: R. Mantran Beys de Tunis au XIXe siecla d'apres les
стр. 3861
documents d'archives turcs Dar-el-Bay في C. T.، العددين ١٩ - ٢٠ (١٩٥٧) ص ٣٤١ - ٣٤٨.
(١٥) الكاتب نفسه: L'evolution des relations entre Tunisie et L'Empire otot- toma du Xule au XlXe sie'cle في C. T.، العددين ٢٦ - ٢٧ (١٩٥٩)، ص ٣١٩ - ٣٣٣.
(١٦) Les origines du: J. Ganiage Prolectoral Francais en Tunisie, باريس سنه ١٩٥٩، (وفيه مصادر هامة).
(١٧) L'insurrection de: Bice Slama ١٢٨٠ - ١٨٦٤ dans le Sahel في C. T.، عدد ٣١ - (١٩٦٠) ص ١٠٩ - ١٣٦.
(١٨) la Tunsisie: A Raymond، باريس سنة ١٩٦١.
(١٩) الكاتب نفسه: Salisbury and the Tunisian question ١٨٧٨ - ١٨٨٠ في St.Antony's Papes رقم ١١: Middle Eastern Affairs. جـ ٢، لندن سنة ١٩٦١، ص ١٠١، - ١٣٨.
(٢٠) Inventaire des du-: R. Mantran cuments d'archives turco du Dar-el-Bey, تونس - باريس، سنة ١٩٦٢.
(٢١) Evolution Pol-: Le Tourneau itique de L'frique du Nord muslmane ١٩٢٠ - ١٩٦١. باريس سنة ١٩٦٢.
(٢٢) La France, la: A. Raymond -grands Bretagne et le probleme de lar (١٨٥٥ - ١٨٥٧) eforme a Tunis في - me langes, Etudes Maghrebines Charles An- dre Julien, باريس سنة ١٩٦٤, ص ١٣٧ - ١٦٤.
خورشيد [مانتران R. Mantran]
الحشاشون
هو الاسم الذى يطلق على ذلك الفريق من الإسماعيلية الذين كانوا يحتلون ايام الحروب الصليبية الحصون الجبلية في الشام وغيرها من ربوع المسلمين، والذين جروا على التخلص من عدوهم بالاغتيال. على أن المعنى المألوف للكلمة الأوربية assassin لا صلة له باللفظ الأصلى، ذلك لأنها يجب أن ترد إلى الكلمة العربية "حشيشيون" ومعناها "متعاطو الحشيش". والحشيش يجهز من القنب Cannabis indica الذى
стр. 3862
يستعمله صوفية المشرق أحيانا ليبلغوا حالة الوجد أو السكر. ويقال إن الذين ينتخبون من الفدائيين على يد أئمة الحشاشين لأداء مهمة جليلة الخطر، (كالاغتيال مثلا) يدفعون إلى تعاطى الحشيش حتى يصبحوا كالآلات الصماء يقومون بكل عمل يطلب منهم: وأطلق ابن خلكان على الحشاشين بصفة عامة اسم الفداوية، أخذه من الفدائية، بيد أن المصنفات الشرقية جرت على تسميتهم؛ "الملاحدة" أو "النزارية" إن لم تكتف بتسميتهم بالإسماعيلية فحسب.
ونحيل القارئ فيما يختص بالحشاشين باعتبارهم فرعًا من الإسماعيلية يشاركونهم في بعض المذاهب العامة، . ولا يميزهم عن سائر الإسماعيلية مبدأ خاص بقدر ما يميزهم تحول نظامهم السياسى إلى جماعة سرية يطيع أفرادها أئمتهم طاعة عمياء. ولم يكن استغلالهم القتل تخلصًا من عدوهم ظاهرة جديدة في الإسلام. فقد لجأ إلى القمر قبل ذلك أبو منصور العجلى ومغيرة بن سعيد، وهما اللذان عرف أنصارهما بالخَنَّاقة، وعظَّما من شأن الاغتيال يتوسل به إلى بلوغ المآرب السياسية وعدّاه عملا دينيًا يثاب المرء عليه. أما ما عدا ذلك من عقائد الحشاشين التى لم ترد في المصنفات الإسماعيلية التى عرضنا لها بعد، فلسنا نعرفها معرفة كاملة، ذلك لأن كتبهم المقدسة، وهى الكتب التى لم يصل إلينا سوى عنوان واحد منها وهو (سَرْ كذَ شْتْ سيدنا) أى تاريخ سيدنا، وهو الحسن بن الصباح قد أبيدت جميعًا في العهد المغلى، وكل ما نعلمه هو أن مؤسس الجماعة السرية، الحسن بن الصباح قد استميل إبان إقامته في مصر (١٠٧٨ - ١٠٨٠ م) إلى نصرة نزار بن المستنصر الفاطمى، ومنه سمى أعضاء الجماعة بالنزارية كما قدمنا. ومن المعلوم أن نزارًا لم يخلف أباه المستنصر، وإنما خلفه أخ أصغر منه نادى به الفاطميون إمامًا عليهم ولقبوه بالمستعلى. بيد أن الحشاشين ظلوا على نصرتهم لنزار حتى جاء خلف للحسن ابن الصباح اسمه أيضًا الحسن (ابن محمد) فزعم أنه معد ولد نزار ومن ثم
стр. 3863
طالب بالإمامة. فدعا تحقيقًا لهذه الغاية أتباعه جميعًا إلى اجتماع مشهود (عيد القيامة) عام ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م). ولم يطلب في هذا الاجتماع البيعة له بالإمامة فحسب، بل جهر بإبطال الشرع الإسلامى. ثم حدث التحول على يد حسن ثالث (جلال الدين)، ذلك أنه ما إن خلف أباه عام ٦٠٧ هـ (١٢١٠) حتى عاد إلى العمل بالشرع الإسلامى، وأنبأ الخليفة العباسي بولائه له وأذن لأمه بالحج إلى مكة. ومن ثم لقب بـ "نوْ مسلمان أى المسلم الجديد"، ونشأ بين الحشاشين في عهد خلفائه خلاف في الرأى وانقسام في الجماعة لا نعرف عن طبيعته شيئًا على وجه التحقيق. وسرعان ما قضى المغول على سلطان هذه الجماعة السياسى، فلم يبق للحشاشين بصفتهم تلك وجود، أما من أفلتته الكارثة منهم وظل مستمسكًا بآرائه، فقد ذهب في غمار الإسماعيلية الآخرين.
ويبدأ تاريخ الحشاشين بفتح الحصن الجبلى "ألموت" على يد الحسن بن الصباح عام ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ - ١٠٩١ م) وقد نقل حاضرته إليه وأخذ ينشر دعوته من هذا المكان العزيز المنال، فأدى ذلك أول ما أدى إلى احتلال أنصاره كثيرًا من الحصون الجبلية في بلاد فارس بأسرها والتخلص من أخطر عدو لهم بقتله غيلة. ومن أوائل ضحاياهم الوزير السلجوقى المشهور نظام الملك (٤٨٥ هـ = ١٠٩٢ م). ثم اضطربت شئون العالم الإسلامي بموت السلطان ملك شاه وما نشأ عنه من نزاع حول الملك بين مختلف الطامعين فيه وظهور الصليبيين في بلاد المسلمين بعيد ذلك، فتمكن الحشاشون من إحراز انتصارهم الخطير، وقوى سلطانهم في أعوام قليلة حتى اعتلى العرش السلطان السلجوقى محمد الأول، فلم يدخر وسعًا في القضاء عليهم، وكان حصن دزْكوه المجاور لإصفهان، وهو الذى أطلقَ عليه ملك شاه اسم "شاهدزْ" في حوزة زعيم مبرز من زعماء الحشاشين يعرف بابن عطاش، وهو الذى عد الحسن بن الصباح من تلاميذه، وقد سقط هذا الحصن بعد مقاومة مستبسلة عام ٥٠٠ هـ الموافق ١١٠٧ م
стр. 3864
(انظر الوصف الرسمى لهذه الواقعة في ابن القلانسى طبعة امدروز، ص ١٥٢ وما بعدها) وعهد عندئذ إلى الأمير التركى أنوشتكين شيركير بتسيير دفة الحرب على الحشاشين، فأحرز عدة انتصارات أدنته من احتلال حصن ألموت نفسه، ولكن موت محمد عام ٥١١ هـ (١١١٨ م) اضطره إلى رفع الحصار عنه. وعاش الحسن بعد هذه النازلة حوالى السبع سنين، فقد توفى عام ٥١٨ هـ (١١٢٤ م) واستخلف على الحشاشين كيابزك آمد رود بارى الذى ترك تصريف الأمور إلى خلفائه:
وهؤلاء هم حكام ألموت:
الحسن بن الصباح
٤٨٣ - ٥١٨ هـ (١٠٩٠ - ١١٢٤ م) بزرك آمد رودباري
٥١٨ - ٥٣٢ هـ (١١٢٤ - ١١٣٨ م)
محمد بن بزرك أمد
٥٣٢ - ٥٥٧ هـ (١١٣٨ - ١١٦٢ م)
الحسن بن محمد
٥٥٧ - ٥٦١ هـ (١١٦٢ - ١١٦٦ م)
نور الدين محمد
٥٦١ - ٦٠٧ هـ (١١١٦ - ١٢١٠ م)
جلال الدين حسن بن محمد
٦٠٧ - ٦١٨ هـ (١٢١٠ - ١٢٢١ م)
علاء الدين محمد
٦١٨ - ٦٥٣ هـ (١٢٢١ - ١٢٥٥ م)
ركن الدين بن محمد
٦٥٣ - ٦٥٤ هـ (١٢٥٥ - ١٢٥٦ م)
وقد احتمل الحشاشون إبان حكم هؤلاء الأئمة الكبار اضطهادًا مريرًا، ومع ذلك فإن الخلفاء وأمراء السلاجقة لم يستطيعوا كسر شوكتهم والقضاء على أوكارهم، فقد كانوا بارعين في التخلص من ألد أعدائهم بالقتل غيلة وأخذوا يجدون في نشر دعوتهم. وقد وفقوا بنوع خاص إلى تثبيت أقدامهم بأرض الشام حيث أفاد رضوان صاحب حلب السلجوقى من معاونتهم. وبعث برجل يدعى أبا طاهر ولعله احترف الصياغة لأنه لقب بالصائغ، رسولا إلى الشام واستمال في حلب خلقا كثيرًا، وفى عام ٤٩٩ هـ؟ (١١٠٥ - ١١٠٦ م) حاول أبو طاهر التخلص من صاحب أفامية بقتله غيلة، ولكن أمله خاب في حكم المدينة لأن الصليبيين
стр. 3865
سرعان ما احتلوها، وتعرض الحشاشون في حلب بعد وفاة رضوان عام ٥٠٧ هـ (١١١٣ م) إلى اضطهاد دموى، على أن ذلك لم يمنع رسولًا فارسيًا آخر يدعى بهرام من أن يستميل أنصارًا كثيرين بعد ذلك بأعوام قليلة، بل لقد استطاع هذا الرجل أن يحتل مدينة بانياس عام ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، وهى التى استسلمت بعد ذلك بثلاث سنين للصليبيين. وكثيرًا ما تواد الحشاشون مع المسيحيين وحاولوا توطيد أقدامهم بالاستغلال البارع للأحوال السياسية. وفى عام ٥٣٥ هـ (١١٤٠ - ١١٤١ م) فتحوا حصن المصياد (مسياف) وغيرها من الحصون في شمالي بلاد الشام مثل كهف. وقدموس وعليقة والخوابى الخ .. وكان رأس هؤلاء الحشاشين الشآميين المؤقت يدعى شيخ الجبل. ومن ثم فلا يدل هذا اللقب كما قيل أحيانًا على الإمام الفارسى الكبير وهو إمام الحشاشين الأكبر. ومن أشهر الحكام الشآميين رشيد الدين سنان.
وأحدث المغول انقلابات هائلة في أحوال آسية السياسية، وهم الذين استطاعو أيضًا القضاء على الحشاشين، فما إن اعتلى آخر شيوخهم ركن الدين منصب الإمامة حتى وجه هولاكو جنده نحو ألموت فأخذت ركن الدين العزة ولكن المقاومة كانت عبثًا لا طائل وراءه، فاضطر إلى الاستسلام عام ٦٥٤ هـ (١٢٥٦ م) وسيق إلى الخان الأكبر بيد أنه قتل في الطريق إليه. وانتزعت من الحشاشين معاقلهم الحصينة وخرب بعضها وسقطت المعاقل الشآمية إلى حين في يد المغول مثل مصياد عام ٦٥٨ هـ - (١٢٦٠ م) ذلك أنه كان من نصيب سلطان المماليك بيبرس أن يوجه إلى الحشاشين الضربة القاضية عام ٦٧١ هـ (١٢٧٢ م) فقضى بذلك على السلطان السياسى لهذه الفرقة المروعة. بيد أنه بقى في جبال النصيرية وما زال جماعة من الإسماعيلية انحدروا من الحشاشين كما هى الحال في فارس وبلاد الهند.
المصادر:
(١) ورد تاريخ الحشاشين في مصنفات التاريخ العام كابن الأثير وابن خلدون وأبى الفدا .. إلخ.
стр. 3866
(٢) انظر كذلك القسم المناسب للموضوع في تاريخ ميرخواند وهو القسم الذى نشر منفصلا في Notices et Exiraits، جـ ٩ ص ١٩٤ وما بعدها.
(٣) والقسم المناسب في تاريخ كزيدة، وقد ترجم في المجلة الأسيوية الفرنسية , ١٨٤٨.
(٤) Sur la dynastie des As- sassins: De Sacy
(٥) Notice historique: Quatremorie sur Ismailiens Mines de l'orient جـ ٤.
(٦) Geschichte der: Von Hammer -Assassiner aus morgenlandischen Quel len .
(٧) Novuelles re-: Defrimery cherehes sur les ismaeliens في المجلة الأسيوية، المجموعة الرابعة جـ ١٣، والمجموعة الخامسة جـ ٢، ٣، ٥، ٨، ١١.
(٨) Fragments relatifs a: St. Guyard la doctrine des ismaelis, Notices et Ex- traits جـ ٢٢، ١.
(٩) انظر مقال: Un grand maitre des Assassins في المجلة الآسيوية الفرنسية، المجموعة السابعة جـ ٩ (١٨٧٧) ص ٣٢٤ - ٤٨٩.
(١٠) des Epigraphie: Von Berchem Assassins de Syrie طبعة (١٨٩٧).
(١١) A Literary history of: Browne Persia؛ جـ ٣، ص ١٩٣ وما بعدها.
حشمت
شاعر عثمانى، وهو ابن قاضى عسكر عباس أفندى الذى كان معاصرًا وصفيًا لراغب باشا. وقد اختار حشمت أن يوجه حياته إلى دراسة القانون وعلوم الدين. على أنه نظم أشعارًا في الهجاء ونفى عام ١١٧٥ هـ (١٧٦١ - ١٧٦٢ م) هو والشاعر نورس أفندى إلى بروسة قبل أن يتقلب في مناصب التدريس، ثم نفى وحده إلى رودس وتوفى فيها عام ١١٨٢ هـ (١٧٦٨ - ١٧٦٩ م) ودفن بجوار مراد رئيس.
وكان حشمت مبرزا في الرماية والسيف تبريزه في الشعر. ولا ترجع
стр. 3867
فحولته إلى أصالة قصائده، وإنما هى ترجع إلى تقليده واقتباسه المبتكرين لأفكار أسلافه ولغتهم. وتتجلى في حشمت خصائص الشعر العثمانى بصفة عامة، ذلك أن هذا الشعر قد تميز بالبراعة العظيمة في التقليد فكان كالطفيليات التى لا تعيش وتزدهر إلا على نبات آخر أقوى منها وأعمق جذورًا، ولكنه ارتفع بهذه الخصائص وجعلها موهبة خصبة تواتيه على الاقتباس. وهو يحتذى في قصائده نفعى، أما في الغزل فهو ينسج على منوال كثير من الشعراء. وحشمت لا يقتعد بين الشعراء الخلاقين إلا مقامًا متواضعًا. وإن كان قد حاول أن يسمو إليهم. وتتميز قصائده التى يتباعد فيها عن التقليد بنفحة قوية عارمة. وقد أبدى حشمت شجاعة عجيبة في مهاجمة اعدائه من ذوى النفوذ.
ولم يقم حشمت بطبع ديوانه بنفسه بل طبعه الكاتب البروسوى سيد محمد سعيد إمام زاده عام ١١٨٠ هـ (١٧٦٦ - ١٧٦٧ م) وقدم له بكلمة تقريظ بقلم حشمت نفسه. وطبع هذا الديوان في أربعة أجزاء في بولاق عام ١٢٥٧ هـ (١٨٤١ م) وبقى من تواليفه في النثر كتاب: "انتساب الملوك" وهو رؤيا يقرر أنه رآها عند اعتلاء مصطفى الثالث عرش السلطنة. وكتاب "سورنامه" أو "ولايت نامه" وهو في وصف الأعياد التى أقيمت بمناسبة مولد الأميرة هيبت الله عام ١١٧٢ هـ (١٣٥٩ م) وكتاب "سند الشعراء" وقد أهداه إلى راغب باشا وأرفقه بتقدمه من نظمه، ثم تفسير لسورة من القرآن وبعض الأحاديث منظومة.
المصادر:
(١) م. ناجى: أسامي، ١٣٠٨ هـ، ص ١٢١.
(٢) ثريا: سجل عثمانى (١٣١١ هـ) جـ ٢، ص ٢٣٣.
(٣) Geschichte der Os-: Hanmmer manischen Dichtkunst جـ ٢، ص ٣٢٢.
(٤) A History otOuoman poet-: Gibb ry جـ ٤، ص ١٤٠ - ١٥٠.
(٥) Cataligue: Rieu
[خورشيد منزل theodor Menzel]
стр. 3868
حصار
وتتناول المواد التالية فن الحصار وحرب الحصار.
١ - ملحوظات عامة:
كان فن الحصار من الأساليب الجوهرية للحرب إذا قصد بها الفتح وليس مجرد غارات للسلب والنهب، وذلك في بلاد كانت معظم مدنها الكبرى منذ العصور القديمة محمية بأسوار، وحيث كان الريف الفسيح المكشوف في العصور الوسطى تحيط به الحصون التى تزداد باطراد ومع أن القوات العسكرية لم تكن تكفى لفرض الحصار إلا في القليل النادر؛ بيد أنها كانت تسد الدروب المألوفة الموصلة إلى الحصن المحاصر حتى تجبره على الاستسلام إما بالمجاعة وإما بالتهديد بها، إذا لم تصله نجدة من الخارج، أو لم يقم المحاصرون بشن كرّة لفك الحصار وتشتيت الغزاة: على أن المخزون المحاصرين من المؤن كان يعينهم على الثبات مددًا طويلة إلى حد ما، إذا ارتفعت روحهم المعنوية بالأمل في نجدة تأتيهم وإخلاصهم لأميرهم. ويحدث أحيانا أن يكون المحَاصرُون غير مستعدين استعدادًا طيبًا لحرب طويلة الأمد (انظر مادة "حرب") أو يكون قد خامرهم الشك فيما قد يجنيه الآخرون بخلاف أميرهم من هذه الحرب فييأسون ويتخلون عن الكفاح.
وكان البدو الرحل الذين لم تكن آلات الحصار متيسرة لهم، ولم يحفلوا إلا قليلا بالزراعة، ينجحون أحيانا في إجبار مدن هامة على الاستسلام بما يحدثونه فيها من دمار وتخريب دائم له أثره في حياة السكان. على أن الجنود النظامية أدركت ميزة الإبقاء على الزرع وغلات الأرض، وشاركت الرأى العام في جسامة تخريب البلاد التى قد تعوق طبيعتها أى إصلاح عاجل، فكفّت بصفة عامة عن إتلاف الأشجار، وتدمير منشآت الرى. وبغض النظر عن العمليات الحربية بمعناها الصحيح، فإن هؤلاء الجنود كان هدفهم الأكبر هو إحداث خيانة في داخل الحصن، أو اصطناع حيلة لأسر أمير من أهل البلد ليكون فك أسره شرطًا لاستسلام الحصن.
стр. 3869
وكان يستعان بآلات الحصار في تنفيذ العمليات الميدانية، بصرف النظر عما كان يتزود به الأفراد من أسلحة، وجرى السير على الأساليب القديمة في استعمال هذه الآلات، إلا أن هذه الأساليب أحرزت قدرًا من التقدم الفنى، واستخدمت الأسلحة على نطاق أوسع بكثير عن ذى قبل في النصف الأخير من العصور الوسطى. ففى أول الأمر، كان المحاصرون يحاولون، إذا تيسر، ردم جزء من الخندق المائى المحيط بالحصن ليتمكنوا من عبوره. وفى حالة حصار المدن، كانت المحاولات تبذل إما بهجوم مباغت، وإما بالخيانة حتى يتم تسلق جدران الحصن بالسلالم، ويسرع أول مقتحم إلى فتح باب من أبوابه تسهيلا لدخول سائر الجنود، وهى مناورة لا يضمن لها النجاح إلا بالليل. ويحاول الجنود في أغلب الأحوال، وإذا ما سمحت طبيعة الأرض، أن يدقوا في أسافل جدران الحصن أبراجا خشبية متينة ذات طوابق عدة (تشبه الدبابات) ويستطيع المهاجمون أن يقاتلوا من أعالى هذه الأبراج خصومهم فوق الجدران، ثم يثبون عليهم آخر الأمر. كما اعتادوا قبل أى شئ محاولة تصديع استحكامات المدن، أو نقب جدران القلاع، أو العمل على انهيارها بشق النقبُ أو باستخدام بعض الآلات. ويبدو أن أهل خراسان كانوا ذوى مقدرة في شق الأنفاق التى من هذا القبيل، حيث كان الحفر يجرى في أماكن خفية عن المدافعين كلما أمكن ذلك ثم تدعم هذه الأنفاق بخوازيق من الخشب وتمد إلى الهدف المختار وتضرم النار في الخوازيق، فتهبط الأرض (إذا لم تكن من جلمود الصخر) ويهبط معها البناء القائم فوقها، وكان المحَاصرُون يدافعون عن أنفسهم بشق أنفاق مضادة لسد الطريق على من يشقون الأنفاق من جنود العدو. وكانت آلات الحصار على الإجمال من نوعين، استخدم أولهما لإضعاف أجزاء بعينها في الجدار المستهدف بضربات مباشرة، وعرف هذا النوع طوال العصور الوسطى باسم (كبش أو سِنَّورْ)، واستخدم ثانيهما في قذف ما يشبه الصواريخ، وهو ثلاث مجموعات من المنجنيق تختلف وفقًا لطريقة إطلاق القذائف منها، وتقوم أساسًا على أن
стр. 3870
عددًا من الرجال يؤرجحون عارضته إلى الخلف، وقد عرف في يغرب باسم Trebuchet, بعد وضع ثقل على أحد اطرافها فتندفع القذيفة بقوة هائلة نحو الهدف المراد، وثالثهما، استخدم القسى الكبيرة الخفيفة أو ما عرف باسم العَرَّادة وتحدث الأثر نفسه بقذائف أخف وزنًا تطلق بجذب وتر القوس: وقد استخدم من نهاية القرن السادس حتى القرن الثانى عشر القوس الدولابى الضخم في رمى السهام، وكان يعرف باسم "قوس الزيار" وكان يقوم على تشغيله عدد من الرجال. وفى معظم تلك الحقبة كانت آلات الحصار هذه تصنع، أو تُجمَّع على الأقل، في ساحة المعركة نفسها يسبب مصاعب النقل، ثم تحمل فوق عربات إلى المكان المراد. وكان استخدام هذه الآلات لا ينجح إلا إذا كان تكوين الأرض يسمح بإقامتها ولم يتيسر ذلك في كثير من الأحيان بالبلاد الجبلية.
وكان المدافعون يحمون أنفسهم باطلاق سيل من السهام على الجنود القائمين بتشغيل آلات الحصار، من ثم يقى هؤلاء أنفسهم بالدروع الضخمة والحسائك، وفى حالة وجود المهاجمين أسفل جدران الحصن كان المدافعون يرمونهم بالأحجار، ويصبون عليهم القار الخ ... بل كانوا يحاولون قبل أى شئ إشعال النار في آلات الحصار بقذفها بالنفط وإزاء مثل هذا النجاح في حرق آلات الحصار اضطر المهاجمون إلى تغطيتها بجلود الحيوانات المعالجة بالخل لتكون غير قابلة للحريق، وبخاصة الأبراج الخشبية التى كانت تحتل مساحة كبيرة في موقع الهجوم، أما المهندسون الذين عهد إليهم بصنع آلات الحصار تلك أو تعديلها بما يوائم الحال (والمهندسون في الحق ليسوا من الأطراف المتحاربة) فكانوا من غير المسلمين وخاصة في القرون الأولى.
المصادر:
انظر على وجه الخصوص ما كتبه. K Huuri, تعليقات CI.cahen في Traite d, Armurerie وفي جميع التواريخ الإخبارية أوصاف للحصار لم تكن موضوعًا لأى نوع من التحليل المنهجى، ومما له أهمية خاصة تلك التواريخ التى
стр. 3871
تناولت ما دار بين صلاح الدين والفرنجة من حروب في القرن التالى لغزو المغول والهجمات المضادة للمماليك.
وحذف من هذه المادة الحديث عن المدفعية في عصر الأسلحة النارية،
حسن شكرى [كاهن CI. Cahen]
٢ - المغرب الإسلامى:
كانت أساليب الحرب التى استخدمها المحاصِرُون والمحاصَروُن هى في الأساس الأساليب نفسها التى اتبعت في المغرب والمشرق، مع اختلاف ينصب في الجوهر على الألفاظ فحسب. ومن يرد مزيدًا من التفصيلات الجوهرية يمكنه الرجوع إلى: - E. Levi provencal في l,Espagne muslmane au Xe siecle، سنة ١٩٣٢، ص ١٥٠؛ H.R.Idris فى La Berberie Orientale sous les Zirides, جـ ٢, ص ٥٣٣؛ R. Brunch- vig في La Berberie orientale sous les Hafsides, جـ ٢, ص ٨٧.
ومن آلات الحصار التي بلغت غاية القوة المجانيق التى استخدمت في عصر المرينيين، ففى عمليات الحصار الشهيرة التى فرضت على تلمسان مثلا أطلقت منها على هذه المدينة قذائف رخامية، عثر على بعض منها هناك، ويبلغ محيط أكبرها مترين، ويزن ٢٣٠ كيلو جراما. على حين كان وزن أكبر قذيفة في حصار المهدية الذى ضربه سنة ٦٠١ هـ (١٢٠٤ م) السلطان الموحّدى الناصر لا يزيد على ١٢٠ رطلا (روض القرطاس، ترجمة Beaumier، ص ٢٣٩). وظهرت في عصر المرينيين أيضًا آلة حصار جديدة هى: قوس الزيار، وهو قوس أو مقلاع هائل يجره أحد عشر بغلا إلى المكان الذى يفرغ فيه. وصارت القسى الصغيرة (رعّادة أو عرّادة) تستخدم بدلا من العرّادة القديمة وكثر عددها، وكان المحاصرُون يضعونها فوق متاريس أبراجهم الزاحفة. وقد استخدمها المحاصَرون في الوقت نفسه في إطلاق كرات اللهب لإضرام النار في هذه الأبراج.
أما الأسلحة المحمولة فمن الملاحظ أن المحاصِرين كانوا، منذ النصف الأول من القرن الخامس الهجرى (الحادى
стр. 3872
عشر الميلادى)، مسلحين عامة بقسى عَقَّارَة شديدة الفتك يمنعون بها المحاصرين من الظهور في المزاغل ليرموا بالسهام القائمين على شق الأنفاق.
وحتى يتمكن قائد جيش الحصار من الإشراف على مجرى القتال خصص له مكان للمراقبة (مرَقْبة، ديدبان، أو "شراع" في القليل النادر).
أما التفصيلات الدقيقة لعمليات الحصار نفسها فنادرة. ولكن ثمة فقرات هامة عن حصار بُبَشْتر في سنة ٤٧٥ هـ (١٠٦٥ م، ابن عذارى: البيان المغرب، جـ ٣، طبعة ليفي بروفنسال، ص ٢٢٧) وعن حصار سرقسطة سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م، روض القرطاس، ترجمة Beaumier, ص ٢٣٣, طبعة الرباط، جـ ٢، ص ٨٨). وعن الحصارين اللذين ضربهما الموحدون على قفصة (ابن عذارى، فصل عن الموحدين، طبعة Huici، سنة ١٩٦٣، ص ١٦٥ - ١٦٨؛ Hesperis, ص ٢٥، سنة ١٩٤١، ص ٤٥، ٦٢) وعن الحصارين اللذين ضربهما على تلمسان المرينيون (ابن خلدون: العبر، جـ ٧، ص ٩٤، ٢٢١، ٢٥٧، ترجمة De salne، جـ ٣، ص ٣٧٣؛ جـ ٤، ص ١٤٣، ٢٢١) وعن حصار المّرِيَّة سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م، العبر، جـ ٧، ص ٢٤٩؛ الترجمة، جـ ٤، ص ٢٠٤).
وفعل عبد المؤمن الموحدى فعلًا خارقًا سنة ٤٥٠ هـ (١١٤٦ م) لإزالة جزء من حصون مدينة فاس، فقد بنى خزانًا فوق النهر الذى يقطعها فلما تراكم قدر كاف من الماء هدم الخزان فاكتسح السيل هذه الحصون (ليفى بروفنسال في - Documents inedits d'his toire almohade، ص ١٦٤ تعليق (١).
وكانت بعض الحصارات تمتد عدة سنوات: فقد ضرب السلطان المرينى يوسف بن يعقوب الحصار على تلمسان ثمانى سنوات وثلاثة أشهر، ولم يفك هذا الحصار إلا بعد اغتياله الذى أدى إلى تفكك جيشه. والحق أن السور المحيط بأى مدينة كان لا يحمى مبانيها وحسب، بل كان يحمى أيضًا أراض شاسعة مكشوفة تصلح للزراعة والرعى. وثمة بعض تفصيلات
стр. 3873
عن الأثمان التى كان على المحاصِرين في بلنسية (الأندلس، جـ ١٣، سنة ١٩٤٨, ص ١٤٠) وفى تلمسان (العبر، جـ ٧، ص ٩٦، ترجمة De Slane، جـ ٣، ص ٣٧٧) أن يدفعوها نظير حصولهم على الطعام.
ولقد أدت المدد الطويلة التى اقتضتها بعض الحصارات إلى قيام جيش الحصار بتحويل معسكره الحربى (محلة) إلى مدينة بمعنى الكلمة، ذات أسوار محصنة ومساجد جامعة وحمامات وأسواق. وأشهر المدن التى من هذا القبيل مدينة المنصورة في مواجهة تلمسان، ومدينة سانتافيه التى أقامها ملوك الكاثوليك سنة ١٤٩١ خلال حصار غرناطة، ويذكر المؤرخون كثيرًا من المدن الأخرى التى قامت على هذا النحو.
حسن شكرى [ج. س. كولان G.S. Colin]
٣ - بلاد فارس:
من المؤكد أن الأساليب الفنية لحصار الحصون واستخدام آلات الحصار، كانت معروفة في بلاد فارس قبل الفتح الإسلامى، فقد كان ثمة مهندسون ماهرون في العصر الساساني (راجع Christensen في L' Iran sous les sassanids) . ومن المحقق أن سلمان الفارسى الذى يزعمون أنه فارسى، هو الذى هدى المسلمين إلى حفر خندق دفاعى على الجانب الغربى للمدينة لحمايتها من غارات قريش سنة ٥ هـ (٦٢٧ م) زد على ذلك أن الفرس أقاموا أسوارًا دفاعية لصد البرابرة الأجانب في عدة مناطق استراتيجية مثل دربند على الشاطئ الغربى لبحر قزوين، وجالوس، وفى قزوين لوقف غارات السلب والنهب التى كان يشنها الديلم (انظر المسعودى: مروج الذهب، جـ ٢، ص ١٩٦ - ١٩٧، وعن سور أنو شروان وبنائه انظر أيضًا جـ ٩، ص ٥ وما بعدها) وقد ظل هذا التقليد متبعًا فى العصور الإسلامية (انظر الطبري جـ ٣، ص ١٢٧٥، عن الأسوار التي بناها في تميشي بجرجان قائد إيرانى من أهل البلاد سنة ٢٢٤ هـ الموافقة ٨٣٩ م).
أما عرب الصحراء فكانوا بعيدين كل البعد أو يكادون عن معرفة الأساليب
стр. 3874
الفنية للحصار في داخل شبه جزيرة العرب، ولم تكن ثمة أسوار دفاعية إلا في الطائف وحدها، وكان هؤلاء العرب من الناحية النفسية يكرهون شأن البدو الرحل بناء الأسوار أو الجدران والأبنية المصمتة. فلما توغلوا في العالم الإسلامى شرقًا كان لا بد لهم من اكتساب هذه المهارات، ذلك أن بلاد فارس كانت حافلة بالقلاع وبالمواقع الحصينة وبخاصة في مناطق مثل آذربيجان وفارس، وإقليم قزوين، وخراسان (انظر Iran: Spuler، ص ٤٩٩ - ٥٠٢). وكانت تقوم أقصى من ذلك شرقًا في مناطق لم يبلغها العرب عدة عقود من السنين، القرى الحصينة، وأملاك خوارزم التى اكتشفها الأثريون السوفييت حديثا (انظر S.P.Tolotov في Auf den spuren der Altchoresmischen kul- tur، برلين، سنة ١٩٥٣، ص ٧٣ وما بعدها).
وقد استخدم الفرس عندما هاجم العرب مدائن كسرى المعروفة باسم طيْسفُون سنة ١٦ هـ (٦٣٧ م) مجانيق ثقيلة وآلات أخرى أخف منها (عرّادات) لصد القوات العربية، ولكن رجلًا يدعى سعد شيرزاد صنع للعرب عشرين منجنيقا، وبعد ثلاث عشرة سنة استخدم العرب المجانيق في حصار إصطخر (الطبرى، جـ ١، ص ٢٤٢٧؛ ابن الأثير، جـ ٢، ص ٣٩٦؛ البلاذرى، ص ٣٨٩).
وفى العصر الأموى تذكر المصادر، وبكثرة، استخدام العرب للأساليب الفنية لحصار أسوار المدن والمواقع الحصينة في شرقى إيران. وفى سنة ٩٢ هـ (٧١٠ م) حاصر والى خراسان قتيبة بن مسلم شومان من أعمال خُتَّل، واستخدم في هذا الحصار منجنيقًا قويًا سماه (الفحْجاء) أى الفسيح الأرجل، وسقطت قذائفه الحجرية في قصر والى شومان وقتلت رجلًا، وحدث في سمرقند، بعد ذلك بعامين أن قام العرب من أتباع قتيبة بتدمير أسوارها بالمجانيق (الطبرى، جـ ٢، ص ١٢٣٠، ١٢٤٤ - ١٢٤٥؛ ابن الأثير، جـ ٤، ص ٤٣٧، ٤٥٣). وكما دل استخدام الساسانيين للمجانيق في صد العرب عند هجومهم على مدائن كسرى،
стр. 3875
فربما كانت هذه الآلات، أو على الأقل الآلات الأخفّ منها وأكثر حركة، تستخدم في القتال المكشوف، وكذلك في فرض الحصار. ومن ثم فقد دُوَنَ سنة ١٢١ هـ (٧٣٩ م) ما يفيد أن جنود نصر بن سيَّار من تميم وأزد واجهها المنتقض الحارث بن سريج بعرادتين (الطبرى، جـ ٢، ص ١٦٩٢؛ ابن الأثير جـ ٥، ص ١٧٨).
وفى العصر العباسى أصبحت الأساليب الفنية للحصار أكثر تعقيدًا، وابتكرت أساليب كثيرة جديدة في القتال مع الروم (البوزنطيين) على حدود هضبة الأناضول حيث كانت المواقع الحصينة المنيعة وافرة ولربما بدئ هنا استخدام النفي المشتعل يرمى على مواقع العدو إما بتطويحه من المقاليع في قوارير، وإما بآلات ميكانيكية. وثمة ذكر لجماعات من الجند تخصصوا في قذف النفظ (النَّفاطُون) في أحيان كثيرة. فقد استخدمهم مثلا الأفشين قائد المعتصم في حملاته على المنتقض بابك الخُرَّمى في المناطق الجبلية الوعرة بآذربيجان، وبخاصة عند حصار حصن بابك المنيع في إقليم البَذّ (الطبرى، جـ ٣، ص ١٢١١، سنة ٢٢٢ هـ = ٨٣٧ م). وفى القرن التالى قامت قوات الخليفة بقذف الرماح التى ركبت في أسنتها قوارير النفط وسميت "مزاريق النفط" على الواغلين من الديلم (مسكوية، في سقوط الخلافة العباسية، جـ ١، ص ٢٨٢، الترجمة جـ ٤، ص ٣٢١، سنة ٣٢٢ هـ = ٩٣٤ م). واستفحل الرعب من قذف الغرائر المليئة بالأفاعى بالمجانيق على معسكر العدو التابع للأمير الصفّارى خلف ابن أحمد سنة ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م) حين حاصره المتمردون في حصن منيع من حصون سجستان (العتبى - والمنينى، جـ ١، ص ١٠١).
ولعل الجيش الغزنوي بالصورة التى تطور بها في عهد السلطان الأكبر محمود كان أعظم قوة قتال متطورة لم يعرف العالم الإسلامى لها مثيلًا من قبل، ولنا أن نتوقع أن القائمين على هذه القوة كانوا مزودين بالعدة اللازمة لفن الحصار. فقد كانت الفيلة تجر
стр. 3876
الآلات الثقيلة، كما كانت هذه الفيلة نفسها مجهزة بأسلحة لدك الأسوار والعمائر (وفى استخدام مثل هذه الحيوانات على نطاق أضيق بعدُ، انظر الجوينى طبعة بويل Boyle جـ ٢، ص ٣٦٠، حين أسرت الفيلة من جيش الخوارزميين، واستخدمها القراخطاى في دك أسوار بلاصغون). كما استخدم المهندسون المتخصصون، وعمال الأشغال العسكرية، وخبراء حفر الأنفاق في الجيش الغزنوى لتشغيل المجانيق وشق الأنفاق في أسافل الحصون. ومست الحاجة إلى مهارات هؤلاء بوجه خاص في حملات السلطان وابنه مسعود على إقليم "الغور" في أفغانستان الوسطى حيث تركزت مقاومة الزعماء من أهل البلاد في الأبراج والمواقع المنيعة. وكانت هذه الأبراج تُقذف بالصخور وتحفر الأنفاق في أسافلها، ويذكر البيهقي بعدُ أن الأناشيط كانت تلقى على شرفات القلاع حتى تتمكن القوات الغزنوية من تسلق جدرانها (انظر C.E. Bosworth: Ghaznavid military organisation في مجلة Der Islam, عدد ٣٦، سنة ١٩٦٠, ص ٦٥, ٦٨، وانظر The Ghaznavids their empire in Afghnistan and eastern ١٠٤٠, ٩٤٤ Iran, إدنبرة، سنة ١٩٦٣، ص ١١٨، ١٢١).
والسلاجقة، وهم شعب تركى يعيش في السهوب، كان لا بد لهم من تعلم فن الحصار حين دخلوا العالم الإسلامى، وظلوا زمنًا يكنون الاحترام للمبانى المتينة وللتحصينات. ويذكر البندارى (ص ٣٧) أن إعجاب ألب أرسلان بأسوار آمد في ديار بكر التى اشتهر بمتانتها (انظر ناصر خسرو سفرنامه، طبعة دبير سياقى، طهران سنة ١٣٣٥ هـ = ١٩٥٦ م، ص ٩) دفعه إلى لمس هذه الأسوار بيديه ثم مرر يديه على صدره تبركًا بها. وحين غزا السلاجقة بلاد فارس أرغموا سكان مدنها على الخضوع بإبعادهم عن المناطق التى كانت تمدهم بالحاصلات الزراعية، ولم يخضعوهم بالهجوم المباشر؛ وظل طغرل سنة ٤٤٢ هـ (١٠٥٠ م) محاصرًا إصفهان ما يقرب من عام حتى استسلم أبو منصور فرَ مرز من أسرة بنى كاكويه (ابن الأثير،
стр. 3877
جـ ٩، ص ٣٨٤ - ٣٨٥). وسرعان ما أقتبس جيش السلاجقة العظام نوعًا من التقسيمات الخاصة بفن الحصار بالإضافة إلى المهندسين، وعمال الأشغال العسكرية والنفَّاطين. ولا شك أن الاحتكاك بالروم (البوزنطيين) في العصر العباسى هو الذى عجلَّ بهذا التقدم. وفى أثناء حملة ألب أرسلان على بلاد الكُرْج سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) استخدم السلطان كتيبة النفاطين في جيشه لتدمير المتاريس الخشبية التى كانت في آنى، ثم اندفع جيش ألب أرسلان غربيها، ومن هناك إلى الأناضول. وفى أثناء الحصار في الأناضول أقام بالغرائر المليئة بالقش والتراب دشمًا لحماية رماة السهام، والنُشَّاب، والنفَّاطين، كما أقام برجًا من الخشب له ظُلَّة بُللتْ بالخل لوقاية المهاجمين الرابضين أعلى هذا البرج من السوائل المغلية والنيران التى تصب فوقهم، وهدمت القوات السلجوقية من هذا البرج أسوار بلاد الكرج (صدر الدين الحسينى، أخبار الدولة السلجوقية، ص ٣٩ - ٤٠). وفى صدر حكم ملك شاه، وبعد إخماد حركة الانتفاض التى قام بها قاوُرد سنة ٤٦٥ هـ (١٠٧٣ م) عهد السلطان في القيام على المجانيق وآلات الحصار التى يستخدمها الجيش، إلى واحد من أقدر قواده، هو العبد الخصى عماد الدين ساوتكين (البندارى، ص ٤٩).
والمصادر حافلة خاصة بالأساليب الفنية للحصار في عهد الخوارزمشاهية، والغورية والمغول (القرنان السادس والسابع الهجريان الموافقان للقرنين الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين). حين بلغ العلم ذروته عند مسلمى العصور الوسطى. ولقد تبين أن ضرب مدينة بالمجانيق لم يقتصر أثره على هدم الأسوار وحسب (كانت هذه الأسوار في العالم الإيرانى مصنوعة على كل حال من اللبن) لكن ذلك كان له أثر نفسى أيضا إذ هو يجعل الحياة داخل المدينة غير آمنة لتساقط القذائف عليها بصفة مستمرة. وبهذه الوسيلة التى تشيع اليأس والرعب في أرجائها اعتمد الخوارزميون في إجبار الغور المدافعين عن هراة على الاستسلام تقريبًا سنة
стр. 3878
٦٠٠ هـ = ١٢٠٣ م، الجوينى - طبعة بويل، جـ ١، ص ٣٢٠ - ٣٢١). ولما كان الخوارزميون قد قدموا من إقليم من المنخفضات تقطعه القنوات ومجارى الأنهار، فقد انتبهوا إلى الاستفادة الماهرة بالأنهار والماء في عمليات الحصار. وبعد وفاة السلطان الغورى معز الدين محمد سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٦ م) قام الجيش الخوارزمى بحصار هراة مرة أخرى. وسدَّ المهاجمون نهر هرى رود فأحاط الماء بأسوار المدينة وشنوا غارتهم بالقوارب. وحين وصل الشاه علاء الدين محمود نفسه أمر بتحطيم السد، فتدفقت المياه المحجوزة وتسببت الفيضانات الجارفة في انهيار جزء طويل من الأسوار، وبعد قتال لم يدم طويلًا تم استيلاء الخوارزميين على المدينة. ومضت فترة قصيرة انتقض بعدها والى هرة حسين خرميل على خوارزم شاه، وفى هذه المرة حول خوارزم مشاه هرى رود إلى خندق مائى يحيط بالمدينة إذ رفعت ضفافه اصطناعيا بجذوع الأشجار وبالأنقاض، وتسرب الماء بمنسوبه المرتفع إلى أساسات الأسوار، ثم صرف الماء من الخندق فتسبب في انهيار جزء من الأسوار، واستطاع المهاجمون التسلق فوق الأنقاض حتى بلغوا أبواب المدينة (الجوزجانى، طبقات ناصرى، ترجمة Raverty، جـ ١، ص ٢٥٩ - ٢٦٠، الجوينى، طبعة بويل، جـ ١، ص ٣٣٥). وثمة مثال طريف يشبه خدعة حصان طروادة، فقد حدث عند وفاة سلطان الغور غياث الدين محمود سنة ٦٠٩ هـ (١٢١٢ م) أن تحايل الطامعون في الحكم من أفراد الأسرة للاستيلاء على قصبة الدولة فيروزكوه، فهربوا ثمانين رجلا خبئوهم في خزائن مال، ولكن هذه الخدعة كشفت بالخيانة، وقبض على هؤلاء الرجال وقتلوا (الجوزجانى، المصدر نفسه، جـ ١، ص ٤٠٨ - ٤٠٩).
ومن المعروف جيدًا، من المصادر الإسلامية ومن أوصاف الرحالة الأوربيين الذين جاسوا أرجاء إمبراطورية المغول، أن المغول قد طوروا أساليب فن الحصار بدرجة كبيرة، ويقال إن كتائب جنكزخان القائمة على تشغيل المجانيق برئاسة نويين آباقا بلغ
стр. 3879
عددها عدة آلاف (انظر المصدر نفسه، جـ ٢، ص ١٠٤٧) وكان من بينهم كثير من الصينيين وبعض الأوربيين.
وقد ضم جيش هولاكو منجنيقية ونفَّاطين من الصينيين، ورجالا لتشغيل القسى المتعددة السهام (جرخ - أندازان). والمغول هم الذين أدخلوا الأقواس متعددة السهام في العالم الإسلامى لأول مرة، واستخدم جنكزخان بعضا منها في هجومه على نيسابور سنة ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) أما بالنسبة للمتخصصين الأجانب الذين كانوا في خدمة المغول فيذكر ماركوبولو أنه كان منهم مسيحى نسطورى، ومعلم ألمانى للمدفعية استخدمها قبلاى، وكان من بين رجال جنكزخان عند غزوه خراسان جندى فارسى مرتد عن دينه من إقليم أستوا في شمالى خراسان كلفه بتشغيل المجانيق وتنظيم صفوف جند المشاة (النسوى، طبعة هوداس، ص ٥٣ - ٥٤، ترجمة، ص ٩٠ - ٩١). وجرى المغول على نقل آلات الحصار فوق عربات، ويذكر جون John of Plano Carpini أن الحبال كانت من مستلزمات تجهيز الجندى المغولى لجر مثل هذه الآلات، (انظر K. Huuri في Zur geschichte des mittelalterlichen geschuetzwesens aus orienttalischen Quelen هلسنكى - ليبسك سنة ١٩٤١، ص ١٢٣ - ١٢٤، ١٨٠ - ١٩٢).
ولقد أظهر المغول دهاء كبيرًا فيما لجأوا إليه من مناورات الحصار، فكانوا يبدأون عادة في حشر السكان المحليين فيما يشبه القطيع ليكونوا بمثابة درع واقية يستطيع جنودهم القتال من خلفها، مع استخدام بعضهم في حمل ذخائر المجانيق (انظر الجوينى طبعة بويل، جـ ١، ص ٩٢ - ٩٣, حصار خُجند، وانظر جـ ١، ص ١٠٧ عن مهاجمة دبوسية وسمرقند). ثم ينصبون المجانيق والمدفعية الثقيلة في موقع قريب من الأسوار أو التحصينات كلما أمكن ذلك. وحدث في جند سنة ٦١٦ هـ (١٢١٩ م) أن ملأوا الخندق المائى أولا، ثم استخدموا المجانيق وكباش الهدم وسلالم التسلق (انظر جـ ١، ص ٨٩). وفى ملتان، يبدو أن القائد المغولى ترباى تقشين حمل مجانيقه على ألواح من الخشب في نهر
стр. 3880
السند (انظر جـ ١، ص ١٤٢) , ويقال إنهم أقاموا في نيسابور مائتى منجنيق في يوم واحد، واستخدموا أخشاب الشجر التى جلبوها من منطقة مجاورة هى واحة بوشتقان الشجراء، وبنوا منها المتاريس الواقية، وصنعوا منها المجانيق والدرق (دبابات) وكباش الهدم (النسوى، طبعة هوداس، ص ٥٤، الترجمة، ص ٩١ - ٩٢). وكانوا في حالة عدم وجود الأحجار التى تستخدم ذخائر للمجانيق، كما حدث عند حصار جرجانية من أعمال خوارزم سنة ٦١٧ - ٦١٨ هـ (١٢٢٠ - ١٢٢١ م)، يقومون بنقع أخشاب شجر التوت في الماء ليستخدموها قذائف بدلا عن الأحجار، وفى الوقت نفسه، في أثناء الضرب، كانوا يملأون الخندق المائي بالأنقاض، وحشر القرويين ودفعهم للأمام في تشكيل يشبه الهلال لإزالة المنشآت الدفاعية المقامة من التراب.
وبطبيعة الحال، كان لاستخدام البارود والمدفعية في العالم الإسلامى أثر عميق في أساليب الحصار، وللحكم على هذه الأساليب الجديدة في بلاد فارس.
المصادر:
المادة التى يمكن أن تستخرج من المصادر التاريخية التى تغطى الفترة كلها كثيرة جدا، ولكن ثمة فصولا بعينها عن فن الحصار في
(١) Iran: Spuler, ص ٤٩٣ - ٤٩٤، ٤٩٩ - ٥٠٢
(٢) المؤلف نفسه: Mongolen، ص ٤١٣ - ٤١٦
(٣) تعليقات Quatrmere عن استخدام النفط، وعن حشر القرويين والمجانيق، وآلات الحرب في Hist. des Mongoles de la pers، جـ ١، ص ١٣٢ - ١٣٧، ٢٠٤ - ٢٠٥، ٢٨٤ - ٢٩٢، ولا تزال لهذه التعليقات قيمتها. وأخيرا
(٤) مؤلف Huuri في صلب المادة، وخاصة ص ١٢٣ وما بعدها، ولا بد من الرجوع إلى هذا المصدر لمعرفة التفصيلات الفنية لأنواع المجانيق والقوس الميكانيكى.
حسن شكرى [س. إ. بوزورث C.E. Bosworth]
стр. 3881
٤ - سلطنة المماليك:
يجب أن نتناول تاريخ فن الحصار في عصر سلطنة المماليك على الأساس التالى:
وقعت معظم الحروب الكبرى لسلطنة المماليك في عقود السنين الأولى من قيامها. وخاضت هذه الحروب أساسًا مع الصليبيين حيث كان فن الحصار عاملًا حاسمًا بل يكاد يكون حقا هو العامل الوحيد، وكذلك كان ميدان القتال هو العامل الحاسم في حروبهم مع المغول رغم أن عمليات الحصار قد قامت بدور لا يمكن إغفاله بحال أما بعد ذلك فلم يخض المماليك سوى حروب محدودة باستثناء حربين بارزتين إحداهما مع تيمور لنك حيث كان لفن الحصار قدر من الأهمية، وثانيتهما هى آخر حروبهم مع العثمانيين، ولم يكن لفن الحصار أية أهمية في هذه الحرب. وفى حروبهم المحدودة كانت عمليات الحصار كثيرة العدد، ولكن هذه الصراعات كانت أتفه من أن تستدعى تطوير أساليب الحصار وآلاته.
وفى معظم العصر المملوكي كانت الآلة الأساسية المستخدمة في إطلاق القذائف الثقيلة هى المنجنيق وقد بلغ حكم المماليك ذروة مجده في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) وفى العقود الأخيرة من هذا القرن بخاصة، وعقب طرد الصليبيين إلى غير رجعة أو بعد ذلك بقليل، انتهى التاريخ العظيم لهذا النظام.
وبعد انتهاء الحروب الصليبية بنحو سبعين أو ثمانين سنة كانت المدفعية الثقيلة للحصار عند المماليك هى المجانيق وحسب. ومع ذلك، فقد دخل خلال الستينيات من القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) السلاح الثورى في سلطنة المماليك وهو البارود، وكانت أول دولة إسلامية تستخدمه ولقد استخدم المماليك. المدفعية حتى نهاية حكمهم سلاحًا للحصار وحسب؛ وعلى الرغم من السمة الثورية للمدفعية إلا أنها استخدمت فترة طويلة جدًا سلاحًا مساعدًا للمنجنيق ولم تنجح في أن تحل محله إلا قرب نهاية حكم المماليك
стр. 3882
وحتى في هذا الوقت لم تحل محله إلا قرب نهاية حكم المماليك وحتى في هذا الوقت لم تحل المدفعية محل المنجنيق على الإطلاق. وفى فترات من النصف الثانى من القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) صارت الأسلحة النارية سلاحًا أساسيًا في الحصار، ولكنها لم تصل إلى الدرجة التى وصلت إليها في بعض أجزاء أوربا المعاصرة، أو في الأمبراطورية العثمانية من حيث التغلب على التفوق المكثف الذى امتاز به الدفاع على الهجوم في فن الحصار في العصور الوسطى المتأخرة. (من أراد مزيدًا من التفصيلات فلينظر D Ayalon في - Gun powder and Firearms in the Mamluk - Kingdom - a challenge to a edieval So ciety لندن، سنة ١٩٥٦، والسمة المميزة لفن الحصار في ظل المماليك هى أن الآلة التى تطلق القذائف سواء المنجنيق أو المدفعية كانت في الحق الآلة الوحيدة الهامة التى استخدمت في الحصار. ومع أن آلات الحصار الأخرى مثل "الدبابة"، والبرج المتحرك، والنفط كانت في أوجها قبل عصر المماليك إلا أنهم لم يضعوها في الحسبان والمماليك في العقود المتقدمة من حكمهم، قد لجأوا في الحصارات التى ضربوها إلى حفر الأنفاق (النقب) بكثرة كاثرة ونجحوا في ذلك نجاحًا كبيرًا.
وليس بين أيدينا شاهد مباشر على أن المجانيق التى استخدمها المماليك على نطاق واسع هى ذلك النوع الذى يشبه الميزان، إلا أن ثمت دلائل كثيرة على ذلك (وعلى أن دولا إسلامية وشرقية أخرى قد استخدمت هذا النوع، ولكن على نطاق أضيق من ذلك).
ومن السمات البارزة لاستخدام المجانيق في الشام (سورية) ومصر خلال القرنين السادس والسابع الهجريين (الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين)، وبخاصة في الصراع مع الصليبيين هى زيادة عددها زيادة كبيرة في عمليات الحصار التى قام بها المماليك بالمقارنة إلى ما استخدمه الأيوبيون في حصاراتهم. ذلك أن سلاطين الأيوبيين بما فيهم صلاح الدين لم يستخدموا ما يزيد على عشرة مجانيق في الحصار الواحد، وكان
стр. 3883
العدد الذى يستخدمونه منها أقل من ذلك بكثير، إذ يكتفون بواحد أو اثنين أو ثلاثة في العادة (الفتح القسى، ص ٣٣١؛ ابن الأثير، جـ ٩، ص ١٢٠، ٣٢٠، ٣٣١؛ جـ ١٢، ص ٦، ٣٤، ٤٢؛ أبو شامة، جـ ٢، ص ١٢٩، ١٣٥، ١٨٤، ١٩٢، ٢٣٥؛ RHC Hist Or، جـ ٤، ص ٢٥٤؛ السلوك، جـ ١، ص ٨٤؛ - De schamps في Les Chateaux des Croises, جـ ٢، ص ٥٢، ٦٤؛ ولمعرفة الحالات الشاذة البارزة انظر ابن الأثير، جـ ١١، ص ٣٧؛ ومن أراد مزيدًا من المعلومات عن استخدام المجانيق في عصر الأيوبيين فلينظر الفتح القسى، ص ١٥٤؛ سبط الجوزى ص ٤٣٥، ٤٤٧؛ السلوك، جـ ١، ص ٩٥، ٩٧، ٢٤٣). وربما نجد زيادة لافتة للنظر في استخدام المجانيق حين قارب العصر الأيوبى على الانتهاء (السلوك، جـ ١، ص ٣٣١، النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٣٢٩؛ ولعلنا لا نجد من الحكام في حدود الممالك الإسلامية من كانوا مثل المماليك من حيث الاستخدام المكثف للمجانيق اللهم إلا المغول الايلخانية في بلاد فارس، فقد استخدموا في حالات كثيرة ما بين عشرين وخمس وعشرين آلة من هذه الآلات في الحصار الواحد (ابن كثير، جـ ١٣، ص ٢٣٤، ٢٦٩، النهج السديد (في Po)، جـ ١٢، ص ٤٣٧؛ ابن الفرات، جـ ٧، ص ٤١؛ السلوك، جـ ١، ص ٤٢٦، ٤٧٥ وانظر أيضًا Huur، ص ١٩١ - ١٩٢ حيث تذكر أعداد مبالغ فيها، حاشية ٤، صفحة ١٩١). وكانت أعداد المجانيق التى استخدمها المماليك في حصار قلاع الصليبيين مماثلة لتلك الأعداد، على أن بعضًا منها، كان في جميع الاحتمالات، متطورًا بدرجة أكثر من الأنواع التى استخدمها المغول (انظر ما يلى، السلوك، جـ ١، ص ٥٦٥ - ٥٦؛ Zettersteen Beitraege، ص ١٦؛ ابن كثير، جـ ١٣، ص ٣١٣، ٣٢٧، النهج السديد، جـ ١٤، ص ٥٥٣، ابن الفرات، جـ ٨، ص ٨٠، ١٣٦؛ السلوك، جـ ١، ص ٦٠٨، ٧٧٨، حاشية ٢؛ الجزرى، ص ١٦؛ ونجد أحسن وصف لتوزيع المماليك للمجانيق في الحصار الذى فرضوه على قلعة الروم). ولكن الحصار الذى ضربه الأشرف خليل على عكا سنة ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م) حطم
стр. 3884
كل الأرقام القياسية المتقدمة. ويذكر أبو الفدا الذى شهد هذا الحصار أن عكا حوصرت بعدد من المجانيق الكبيرة والصغيرة يفوق أى عدد حوصرت به أى مدينة أخرى (أبو الفدا، جـ ٤، ص ٢٤). وتذكر بعض المصادر المملوكية أن عددها كان ٩٢ منجنيقًا، وتقول بعض المصادر الأخرى أنه ٧٢ منجنيقًا (الجزرى، ترجمة Sauvaget, ص ٥؛ ابن الفرات، جـ ٨، ص ٥ - ٦ والحاشية التى في صفحة ٦؛ المنهل، جـ ٣، ورقة ٦٢ ب؛ ابن إياس، جـ ١، ص ١٢٣)؛ ويذكر ابن العبرى أن عدد المنجنيقات التى استخدمها المماليك في حصار عكا كان ٣٠٠ منجانيق، ويذكر صاحب المؤلف المجهول الموسوم - Excidium Ac conis أن عددها كان منجنيقًا (انظر Huuri، ص ١٧٣، حاشية ٣؛ وانظر أيضًا J. Prawer في A History of the Latin Kingdom of Jerusalem (بالعبرية)، طبعة القدس، سنة ١٩٦٣، جـ ٢، ص ٥٢٩) ولا شك في أن هذه أعداد مبالغ فيها إلى حد كبير، ويمكن تفسير ذلك بأنه يمثل رغبة المؤلفين النصارى في تضخيم قوة المسلمين المحاصرين. وفى سنة ٦٧١ هـ (١٢٧٢ - ١٢٧٣ م) توقع بيبرس الأول هجوم الفرنجة بحرًا فحصن ميناء الإسكندرية بمائة منجانيق (الخطط، جـ ١، ص ١٧٥؛ السلوك، جـ ١، ص ٦٠٨). وفى هذا الصدد يجب أن نلاحظ أن المصادر تذكر في أكثر الأحوال عدد المجانيق لدى الجيوش المُحاصره أكثر مما تذكره عند المحصورين. ومن شاء معرفة عدد المجانيق في عمليات الحصار فلينظر أيضًا Huuri، ص ١٦٤ - ١٦٥، ١٧٢ - ١٧٣، وبعض الأعداد المذكورة في هذا المصدر مبالغ فيها بالتأكيد، . أما بالنسبة للمراجع التى تعرضت لاستخدام المجانيق في عصر الصليبيين فانظر المرجع نفسه ص ١٥٦، حاشية (١)
ويندر أن تذكر المصادر المملوكية بعد طرد الصليبيين من الشام وفلسطين عدد المجانيق التى استخدمت في الحصار مع أنها كانت تستخدم بكثرة على أن ثمة دلائل واضحة على أن عددها قد تناقص إلى حد كبير (انظر مثلا، ابن كثير، جـ ١٤، ص
стр. 3885
٢١٣، ٢٨١، ٢٨٢؛ وانظر أيضًا، ص ٢٣٠، ٢٠٩). ورغم أن معلوماتنا عن أعداد المجانيق، وبخاصة ما استخدم منها في الحصارات التى فرضت إبان سلطنة المماليك، وافرة بعض الوفرة، إلا أنها ضئيلة للغاية فيما يتعلق بعدد المدافع التى استخدمت في هذه الحصارات، ويعد هذا الأمر من أكبر العقبات في دراسة تاريخ الأسلحة النارية في عصر سلطنة المماليك (Gunpowder and firearms: Ayalon .... , ص ٣٠).
والسمة المميزة للحصار في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) هى تلك الزيادة الكبيرة في عدد آلات إطلاق الصواريخ، وفى تعدد أنواعها تعددًا كبيرًا بالمقارنة بالماضى. فقد تطور النوع الجديد من مجانيق قذف الأحجار إلى عدة أنواع من الآلات القائمة على المبدأ نفسه. وكان المسلمون في كثير من الأحوال يقذفون النفط بمجانيق قذف الأحجار التى يبدو أنها كانت من أنواع أخف بالنسبة لهذا النمط من الآلات.
وتذكر المصادر المملوكية أربعة أنواع من المجانيق هى: (الفرنجية)، و (المغربية)، و (القرابغاوية)، و (الشيطانية). ويرد ذكر هذه الأنواع من المجانيق في عصر المماليك أكثر مما يرد في عصر الأيوبيين بل أكثر مما يرد في ظل أى حكم إسلامى في العصر الوسيط، ونادرًا ما ترد هذه الأسماء في المصادر قبل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) بل هى قد اختفت منها تماما على وجه التقريب بعد انتهاء ذلك القرن بفترة وجيزة أو قل إن اختفاءها كان من التواريخ الإخبارية على الأقل. وتعكس هذه الحقيقة التوقف الفجائى والإضمحلال الفعلى في تطور المنجنيق حين زال التحدى العظيم الذى تمثل في وجود الصليبيين في ديار الإسلام. ولا تفسر المصادر الاختلاف بين الأنواع الأربعة من المجانيق، على أنه يمكن التوصل إلى بعض النتائج الهامة من المعلومات التى توفرها لنا هذه المصادر.
وحفر الأنفاق (النقب) كان أسلوبا من أساليب فن الحصار عرف منذ
стр. 3886
قرون عدة، ولكنه لم يستخدم قبل القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) إلا في القليل النادر، وبلغ هذا الأسلوب في الحصار ذروة نجاحه في أواخر القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) وكذلك في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) واستخدمه المسلمون بصفة خاصة وقد جرى تنفيذه على النحو الذى سنبينه بعد. يبدأ الأمر بحفر نفق تحت الأرض (نقب، والجمع نقوب، أو حفر سرب في القليل النادر، والجمع أسراب، وسروب) على مسافة معلومة قرب الحصن أو السور، ويستمر الحفر في هذا الاتجاه مع توسيع النفق أو السرب وتعميقه من تحت الحصن، وتقويته بدعامات من الخشب، ثم يملأ بعد ذلك بأغصان الأشجار والقش وبغير ذلك المواد القابلة للحريق وتشعل النار فيها فتحترق الدعامات الخشبية وجميع المواد الأخرى فينهار الحصن القائم فوق النفق.
وكان حفر الأنفاق بطبيعته وسيلة فعالة في الأساس لدك التحصينات القائمة فوق تربة لينة على تفاوت، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة للتحصينات القائمة على أساسات صخرية أو المحاطة بمياه عميقة (ومن شاء معرفة إحدى المحاولات المثيرة للتغلب على صلابة التربة، فلينظر أبو شامة، في. RHC. Hist Or جـ ٤، ص ٢٥٤ - ٢٥٥). والمزايا العظيمة لهذا الأسلوب أن عمال الأشغال العسكرية يكونون في مأمن من القذائف والنفط المشتعل التى يرميهم المدافعون بها، وكان البرج والدبابة معرضين لخطرها، كما ساعد في كثير من الحالات على أخذ الحامية المحصورة على غرة. ومن أفضل وسائل الدفاع التى كان المحاصرون يلجأون إليها القيام بحفر نفق مضاد، وكلما اقتربوا من خط العدو اكتشفوه فيواصلون الحفر فيه ثم ينقضون على النقَّابين فيقتلونهم أو يحملونهم على الفرار خشية الاختناق بالدخان ويدمرون ما عملوا.
وقد استخدم حفر الأنفاق في الشام أيام الحروب الصليبية أكثر مما استخدم في أوربا، ولجأ إليه المسلمون
стр. 3887
على نحو منتظم أكثر مما لجأ إليه الصليبيون: واستخدم ريتشارد قلب الأسد في الحصار الذى فرضه على داروم سنة ١١٩٢ بعض مسلمى حلب المهرة في حفر الأنفاق، وكان قد أسرهم في الحصار الذى فرضه على عكا (Grousset، جـ ٢، ص ٨٦، والمراجع في حاشية ٣). ومما هو جدير بالذكر أن صلاح الدين حين فرض الحصار على قلعة صهيون سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م) اصطحب معه كثيرًا من المشاة الحلبيين الذين اشتهروا ببسالتهم (ابن الأثير، جـ ٧، ص ٥ - ٦). ولعل الأمر لم يكن من المصادفات حين نجد في خدمة صلاح الدين صفوة من النقَّابين والمشاة المتدربين على فن الحصار، وكانوا جميعا من هذه المدينة نفسها. كما اتبع المماليك أسلوب حفر الأنفاق على نطاق أوسع من اتباع الأيوبيين له، وخاصة في عمليات الحصار التى فرضوها على آخر قلاع الصليبيين (مرآة الزمان، ص ٢٢٥، ٤٦٢، ٤٦٧، ٤٧٤, الجزرى، ترجمة Sauvaget، ص ١٦؛ النهج السديد، جـ ١٢، ص ٤٧٠، ٤٩٠؛ سيرة الملك المنصور، ص ١٥٢؛ ابن الدوادارى، طبعة Roemer, جـ ٩، ص ١٣١، ٢٦١؛ ابن العبرى Bar He- braeus، ترجمة Budge، ص ٤٩٢ - ٤٩٣؛ اليونينى، جـ ٢، ص ٣١٧ - ٣١٨؛ ابن الفرات، جـ ١٣، ص ٨٠، ١١٢؛ السلوك، جـ ١، ص ٦٩، ٨٤، ٤٨٩، ٤٩١، ٤٩٨، ٧٤٧، ٧٦٧ ك العينى في RHC. Hist. Or جـ ٢ - ١، ص ٢٤٢؛ النجوم الزاهرة طبعة القاهرة، جـ ٥، ص ٣٦، ٤٠؛ جـ ٧، ص ١٣٨؛ جـ ٨، ص ٦؛ وانظر طبعة Popper، جـ ٦، ص ٤٠٧، ٤٦٢، ٤٦٧؛ جـ ٦، ص ٥٢، ٣٧٠ وانظر أيضًا Mon-: Quatremere gols, ص ٢٥٢ - ٢٥٥، حاشية ٨١، Rey في ... Etudes sur les monuments, باريس سنة ١٨٧١، ص ٣٦, ٣٧، وفى مواضع أخرى؛ Oman، جـ ١، ص ١٣٤؛ جـ ٢، ص ٥٠ - ٥٢؛ Grousset، جـ ٢؛ ص ٥٥٠؛ جـ ٣، ص ٧٠٣ - ٧٠٤، ٧٤٣، ٧٥٥، ٧٦٢؛ Deschamps جـ ٢، ص ٦٦؛ Fedden، ص ٣٨ - ٣٩ prawer، جـ ٢، ص ٥٠، ٤٥٢، ٤٥٦ - ٤٥٧، ٤٦٠، ٤٨٨، ٥٣٩، ٥٤١).
وقد عرف عمال الأشغال العسكرية باسم "النقَّابُون" (ويقال في القليل
стр. 3888
النادر "النقَّابة"). وأطلق على حفر الأنفاق "نَقَبَ" "نَقَّبَ" وعلى من يستخرجون الأحجار من الحصون "الحَجَّارُون" كما اشتغل النجَّارُون أيضًا في حفر الأنفاق. وأطلق على إشعال النار في المواد القابلة للاحتراق "عَلَّق" ونادرًا ما يقال "أحرق". وبالأضافة إلى المراجع السابق ذكرها انظر أيضًا: الفتح القسى، ص ١٦٦؛ سيرة الملك المنصور، ص ٨٩؛ ابن الفرات، جـ ١٣، ص ٨٠؛ السلوك، جـ ١، ص ١٠٠٣؛ النجوم الزاهرة، طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ٦؛ وانظر طبعة - pop per، جـ ٥، ص ٤٠٧؛ Mon-: Qautremere gols، ص ٢٨٤، حاشية ٩٥؛ الأنصارى طبعة Scanlon، ص ٩٢). وقد تناقص استخدام النقوب إلى حد كبير بعد الحروب الصليبية، بل اختفى، على أنه لم يبطل تماما (انظر المراجع المتعلقة بالفترة اللاحقة للحروب الصليبية، وقد تقدم ذكرها).
ومما له فائدة وأهمية خاصة تلك الأوصاف التى وردت عن النقوب التى حفرها المماليك في الحصارات التى فرضوها على أرسوف سنة ٦٦٣ هـ (١٢٦٥ م؛ السلوك، جـ ١، ص ٥٢٨ - ٥٢٩) وعلى المَرْقب (سنة ٦٨٤ هـ = ١٢٨٥ م)؛ أبو الفدا، جـ ٤، ص ٢٧؛ سيرة الملك المنصور، ص ٧٨ - ٧٩؛ ابن الفرات، جـ ٨، ص ١٧ - ١٨ وانظر أيضًا النجوم الزاهرة طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٤٠).
ومن أسباب نجاح المماليك في حفر الأنفاق التى قاموا بها في أثناء فرضهم الحصار على القلاع الساحلية للصليبيين هى أنهم كانوا مطلقى اليد في استخدامها استخدامًا كاملًا وبلا تحفظ كبير أكثر مما كانوا يفعلون في الظروف العادية ذلك أنهم لم يكونوا يرغبون في الإبقاء على هذه القلاع أو ترميمها بعد الاستيلاء عليها، بل كان جل همهم هو تسويتها بالأرض.
وكان السلاحان الأساسيان للحصار اللذان نجح المماليك بفضلهما في الاستيلاء على قلاع الصليبيين، ومن ثم القضاء على حكمهم في الشام وفلسطين، هما المجانيق والنقوب.
стр. 3889
حرب الحصار وقوة المماليك البحرية: ومن أكبر عوامل الضعف عند المماليك في عمليات الحصار التى فرضوها على المدن والقلاع الصليبية الساحلية هى أنهم لم يستطيعوا قط فرض الحصار الكامل عليها، ذلك أن البحر كان مكشوفًا للمُحاصرين، وليس ثمة حالة واحدة قام المماليك فيها بالحصار من البر والبحر في آن واحد، ولم يحدث ذلك حتى في حكم بيبرس الأول الذي بلغت فيه البحرية المملوكية أوج قوتها. وقد نفذت جميع عمليات الحصار المملوكية بطول الشريط الساحلى وكان البحرية المملوكية لم يكن لها وجود على الإطلاق. ولم يحدث قط في الهجمات الإسلامية على الصليبيين أن ظهرت البحرية الإسلامية بهذه الدرجة من الضعف، كما ظهرت في الهجمة العظيمة الأخيرة.
ففى حصار عكا قامت سفن الفرنجة الحربية، وبخاصة تلك السفن المحمية من النيران، بمهاجمة المحاصرين بحرًا (أبو الفدا، جـ ٤، ص ٢٥, RHC. Hist Or، جـ ١، ص ١٦٤)، ولم تقم السفن البحرية للمماليك بإعاقة الفرنجة عن تعزيز قوتهم بالإمدادات، أو بإجلاء اللاجئين عن القلاع المحصورة أو المستولى عليها، أو إنزالهم في الموانئ التى كانت لا تزال في حوزة الصليبيين (انظر مثلا، ابن كثير، جـ ١٣، ص ٣٢١؛ النهج السديد، جـ ١٢، ص ٥٣٩ - ٥٤٠؛ ابن الفرات، جـ ٨، ص ٨٠، ١١٢؛ السلوك، جـ ١، ص ٧٤٧، ٧٦٤؛ ٧٦٥، النجوم الزاهرة طبعة القاهرة، جـ ٨، ص ٨، ١١؛ وانظر أيضًا prawer, جـ ٢، ص ٤٥٤ - ٥٤١، وفى مواضع أخرى، والشواهد والأمثلة فيما نذكره بعد. وعن عزلة البحرية المملوكية، وعن تدخلها الضعيف انظر Stevenson في The crusaders in the East، ص ٣٥٥). لقد كانت البحرية المملوكية عاجزة بالتأكيد عن إعاقة حملة صليبية من النزول في أى موقع على الساحل الشامى الفلسطينى، بما في ذلك القلاع المحصورة لو أن حملة من هذا القبيل قد أنفذت إليها. بل كانت أكثر عجزًا عن القيام بذلك أكثر مما هى في عصر صلاح الدين حين كان المسلمون بعد معركة حطين قاب قوسين أو أدنى من
стр. 3890
طرد الصليبيين إلى غير رجعة، ولكنهم أضاعوا هذه الفرصة بسبب التفوق البحرى الأوربى.
وكانت الصعوبات تعترض بوجه خاص استيلاء المماليك على الأبراج أو القلاع الصليبية المقامة في البحر وكانت مثل هذه المنشآت تقوم في مواجهة صيداء (القصر البحرى الشهير)، ومَرَقيَّة، واللاذقية وأياس (في خليج الإسكندرونة، وكانت ثمة أيضًا جزيرة أرواد الحصينة شمالى غرب طرابلس.
ولقد تركت إياس وأرواد حتى يتم طرد الصليبيين. أما قلعة صيداء البحرية فقد سلمت للمسلمين بلا قتال تقريبًا، حين فقد الصليبيون الأمل بعد استيلاء المسلمين على عكا (Deschamps جـ ١، ص ٦٤، ٧٣ - ٧٦، جـ ٢، ص ١٧، ١٨، ٢٢٧ - ٢٣٠، ٢٥٣ - ٢٥٤؛ Grous- set، جـ ٣، ص ٧٦٢، حاشية ٢؛ prawer جـ ٢، ص ٤٩٨، ٥٤٤). وبالنسبة لمَرقيِّة، كان "الحصن أو البرج" الذى يتحكم في مدخل مينائها هو حصنها الأساسى. ذلك أنها كانت قائمة في البحر على قيد مرمى قوسين من الساحل، كما كانت منيعة التحصن. ولقد صرح السلطان قلاوون بأن حصار هذا الحصن أمر مستحيل لأنه قائم في البحر، ولأن المسلمين لا يملكون سفنًا تقطع عنه الامدادات، وتوقف أولئك الذين يريدون الدخول فيه أو الخروج منه (ابن عبد الظاهر: سيرة الملك المنصور، طبعة القاهرة، سنة ١٩٦١, ص ٨٨). ويفسر هذا القول ضعف البحرية المملوكية، ليس في حالة مرقية وحدها، بل في الحصارات الأخرى لتحصينات الفرنجة الساحلية. وثمة واقعة كاشفة وقعت في أثناء الاستيلاء على طرابلس هى: أن جماعة من الفرنجة لجأوا إلى جزيرة صغيرة هى سانت توهاس تقوم قبالة طرابلس، ولا يمكن بلوغها إلا بالسفن، ولكن "السعادة الأبدية للمسلمين" قد ساقت لهم جَزْرًا مكن المهاجمين من الوصول إليها سيرًا على الأقدام ممتطين صهوة الخيل، وأحاطوا بالفرنجة اللاجئين (ابن الفرات، جـ ٨، ص ١١٥ - ١٢١، ومن شاء رواية أخرى تؤيد هذه الواقعة وتختلف عنها بعض الاختلاف، فلينظر أبى الفدا، جـ ٤، ص ٢٣؛ وانظر Grous-
следующие страницы →