Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
تعد تلائم الحال حين تستخدم المدفعية، فقد أعيد تعديلها لتتواءم مع نيران هذا السلاح، كما أعاد المسلمون بناء معظم قلاع التحصينات القديمة، وكانت تعد من المنشآت المتينة ذات الأسوار المزدوجة القوية، والأبواب شديدة التحصين.
ولم يوفر فن الحصار إلا مجالًا ضيقًا لعبقرية الأتراك أو لطريقة المغل في الحرب، التى كانت تنصرف أكثر إلى الهجوم النشط. فقد كان آخر ما يلجأ إليه الأتراك والمغل والراجبوت هو الاحتماء بمعاقلهم، بل إنهم في تلك الأيام نفسها، لم يحاولو استنفاد صبر المحاصرِين أو مواردهم، ولكنهم كانوا يندفعون في كثير من الأحوال لخوض معركة بعد أى مناوشة ضئيلة من جانب المهاجمين، وبصفة عامة، فإن عدم وجود فتحات قرب الأرض يمكن الإندفاع من خلالها قد جعل للقلاع قدرة هائلة على المقاومة السلبية. بل إن حامية صغيرة كانت تستطيع المقاومة مدة طويلة طالما توافرت لها المؤن، ولم تجرد من السلاح. ويعلق فخرمدبر، وهو أول تركى ثقة كتب عن فن الحرب في حكم إيلتمش، أكبر قدر من الأهمية على الخدعة الحربية وعلى الخيانة، وعلى بذل الوعود الكاذبة للانتصار على المحاصرين. وقد استولى مشير خان في أول عهده على روهتاس سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) بالخيانة حين فوض المحاصرون جماعات من الجند في اكتساح المنطقة المجاورة، فعزلت حاميتها عن العالم الخارجي بقطع الإمدادات. وكانت المجاعة أحدى أشكال فن الحصار التى لا تستطيع أية حامية الصمود لها. وعلى الرغم من الفائدة الضئيلة لسلالم التسلق في مواجهة الدفاع الفعال إلا أنها كانت من أعظم الأدوات الملائمة في الاستيلاء على قلعة من القلاع. وقد بذلت المحاولات لملء الخندق المائى الذى يحيط بالقلعة بإلقاء الأحجار فيه، وكتل الخشب وغرائر الرمل إلخ .. كما ظلت سلالم الحبال والأناشيط تستخدم حتى نهاية القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) وقد تسلق ثلاثمائة من المهاجمين أسوار قلعة جمبانير في ليلة مقمرة بدق حسائك تشبه الحراب في
стр. 3922
سطح أملس بمكان من سور هذه القلعة اكتشفه همايون نفسه حين رأى جماعة من تجار الحبوب وهم خارجون من الدغل المحيط بها (٩٤٣ هـ = ١٥٣٦ م). ولكن عملًا من أعمال التجسس نشط، بل ضربة حظ، هى التى أنقذت حاميتها من النتائج المروعة لمباغتة من هذا القبيل. كما كانت المحاولات تبذل لفتح مدخل بتمهيد طريق بمساعدة الفيلة المزودة بعصابات من الصلب في جبين كل فيل لأن الأبواب الخارجية كانت بصفة عامة مصنوعة من الخشب الثقيل الذى يبلغ سمكه ست بوصات، ومحزمة ومرصعة بمسامير حديدية حادة ذات أشكال مختلفة يبلغ طولها من ٣ - ١٣ بوصة في صفوف أفقية فضلا عن تقوية هذه الأبواب بألواح خشبية من الخلف.
وبالإضافة إلى التدابير المتقدم ذكرها كان المحَاصِروُن يقومون ببناء ما عرف باسم "باشيب" و"كر كج"، لثلم القلعة بالمجانيق أو بالعرَّادات، وبمدافع الهاون بعد. والباشيب نوع من المتاريس العالية تملأ الفراغ بين أعلى سور القلعة وبين قاعدة معسكر المحاصرين أسفلها بغرائر مليئة بالرمل أو التراب. وأما الكر كج فبرج متحرك يشبه الأبراج التى استخدمها علاء الدين في الحصار الذى فرضه على رنثبور، كما كانت تشبه "السركوب" أو "المقابل كوب" التى شيدها رومي خان فوق قوارب كبيرة في نهر الكنج (٩٤٥ هـ = ١٥٣٨ م) لهدم أسوار جونر إذ لم يكن في الإمكان الاستيلاء عليها من الأجزاء المطلة على البر. وكانت هذه الأبراج هياكل غاية في المتانة، لها عوارض صلبة مكسوة بالجلد الخام، وبالقرميد أو التراب لحمايتها من السوائل القابلة للاحتراق التى تقوم الحامية بصبها عليها. ولم يكن تدميرها ممكنًا إلا بإلقاء الأحجار الثقيلة أو بالإغارة المباغتة عليها. وكلمة الساباط التى يذكرها أيضًا أمير خسرو هى كلمة على حد قول نظام الدين أحمد بخشى استخدمت للتعبير عن سورين توضع أساساتهما على مسافة طلقة واحدة من البندقية قرب القلعة ويسقفا بألواح خشبية سميكة تثبت معا بجلود الحيوانات الخام، ويقويان حتى يأخذا
стр. 3923
شكل الزقاق، ثم يحمل الساباط إلى سور القلعة. وقد أمكن دخول عشرة خيالة جنبا إلى جنب في الساباط ثم حمل من حصن الإمبراطور أكبر لفتح جيتور سنة ٩٧٥ هـ (١٥٦٧ - ١٥٦٨ م) واستطاع رجل يمتطى ظهر فيل وفى يده رمح أن ينفذ فيه. وكانت المجانيق والعرَّادات هى الآلات التى استخدمها كل من المهاجمين والمدافعين قبل أن تحل المدفعية محلها بالتدريج، ومع ذلك فقد استخدم أكبر المجانيق أيضًا في الحصار الذى فرضه على أسير كره. وكانت من مجموعات مختلفة. فالمنجنيق المسمى (عروس) يقذف الأحجار في كل اتجاه. والمسمى (ديو) أى العملاق، والمسمى (روان) يطلق القذائف فجاة؛ والعرَّادة يك روى (العرَّادة البسيطة) والعرداة كردان (العرادة الدوارة) والعرادة خفته (العرادة الثابتة) والعرادة روان (التى ترمى القذائف فجأة) قد ذكرها فخر مدبر، ولم توصف في أى كتاب آخر، ويمكن استنباط طبيعتها من أسمائها وحسب، وكانت تعمل على مبدأ "البرم" أو الفتل، وتتكون من عمودين قويين مربوطين بمجموعة من الحبال المزدوجة أو الرباعية، تفك فتلها بنفسها وتقذف بالصخرة أو الكورة في مسار بيضاوى، الشكل. وثمة مجموعة أخرى من المنجنيق أو العرَّادة يسمى المغربى استخدمه كل من المحاصرين والمحَاصرين. ويقال إن منجنيق العروس الذى استخدمه محمد بن القاسم في الحصار الذى فرضه على ديبل في السند سنة ٩٢ هـ (٧١١ - ٧١٢ م) كان يقوم خمسمائة رجل بتشغيله. أما المنجنيق المسمى جرخ (المثقاب) فكان صورة طبق الأصل من الكبش من حيث التركيب. وكان العمال يشدون سلسلته أو حبله إلى الخلف قدر ما يستطيعون ثم يطلقون له العنان ليدفع سنة الحديدى في سور المعقل. وأما المسمى جرخ، فكان صورة طبق الأصل من المنجنيق الذى يطلق القذائف ذاتيا، وصورة مكبرة من القوس والنشاب وكان يستخدم في إطلاق السهام القصيرة والثقيلة، والأعمدة الطويلة على الأهداف البعيدة عن مرمى السهام والرماح العادية. أما ما أطلق عليه الزمبرك، و"نم جرخ" فمن
стр. 3924
المجموعة المتقدم ذكرها. وأما التوده (الكوم) فكان يكفل مزيدًا من الاستخدام المتقن للقسى والسهام، والسواتر النقالة والدروع؛ أو الجدار المؤقت المصنوع من ألواح الخشب المتينة أو من التراب فيحمى من يستخدمون آلات الحصار من النيران أو الأحجار التى يقذفهم بها المحاصرون. وكانت (الفلاخانات) أو الكوفانات (المقاليع) تستخدم أيضًا في قذف الأحجار والقذائف الخفيفة.
وثمة آلات أخرى كان يحتاج إليها المحاصرون هى الحسائك، ومجارف النار، والمعاول، والمجاريف علاوة على الأحجار والقار المغلى، والنفط، والسهام المريشة، وكانت تستخدم قذائف في العادة.
ولم يخفف استخدام المدفعية في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) من مهمة المحَاصِرين إلى حد كبير. ففى حصار جنديرى سنة ٩٣٤ هـ (١٥٢٨ م) لم يسفر إطلاق الأحجار من مدفع الهاون عن نتيجة ملموسة. وفى أثناء الهجوم على راى سين سنة ٩٥٠ هـ (١٥٤٣ م) تم الاستيلاء على جميع النحاس الأصفر الذى أمكن الحصول عليه من سوق المحاصرين وخيامهم (الأوانى والأطباق، وأوانى الشراب) لاستخدامه في صنع مدافع الهاون التى قذفت القلعة من كل الاتجاهات، وعلى الرغم من أن أكبر قد توفر له في حصار رنثمبور ساباط مجهز بخمسة عشر مدفعا قديمة الطراز أطلق من كل منها صخور صلبة تزن الواحدة منها ٥ موند و ٧ موند، والهفت جوش (المصنوع من سبعة معادن) كور يحملها ٥٠٠ عامل إلى قمة التل وتوضع في مواجهة القلعة وتضرب بها. أما الحامية والمدافع النارية، تدحرج كتلا حجرية ضخمة من القلاع الجبلية فتندفع بسرعة عظيمة وتحطم جميع من تقع فوقهم، وتسحق بذلك المهاجمين.
ومن المؤكد أن حفر الأنفاق كان أعظم الوسائل الفعالة في الاستيلاء على معقل لا يقع فوق الصخر أو فوق أرض مرتفعة. وقد سعى محمد بن
стр. 3925
القاسم إلى إزالة أسوار قلعة راود في السند سنة ٩٢ هـ (٧١٢ م) بحفر الأنفاق. كما أن أمير مسعود حفر خنادق خادعة بخمسة أماكن في أسوار قلعة هانسى قبل أن يتمكن من اقتحامها سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٧ م) وأفضل الوسائل التى أستخدمها المحاصَرون ضد حفر الأنفاق هى حفر أنفاق مضادة، ثم يردم تجويف النفق. واستطاع "قمبر ديوانه" الذى كان محاصرًا في قلعة بداؤون في آخر عهد همايون سنة ٩٦٢ هـ (١٥٥٥ م) أن يكتشف النفق الذى تم حفره خارج القلعة بأن وضع أذنيه على الأرض في المكان نفسه حيث كان المحاصِرون يقومون باللمسات الأخيرة فيه، ومن ثم أحبط جهدهم. وقبل اختراع البارود كان تجويف النفق يملأ بالقش والخشب وبغير ذلك من المواد القابلة للاحتراق.
وحينما تحترق العوارض التى تسند التجويف ينهار السور وينثلم. وفى وقت متأخر عن ذلك كان النفق يملأ بالبارود والمتفجرات. وفى كثير من الأحوال، كان يوضع أكثر من لغم لضمان سرعة انهيار القلعة، ومع ذلك كان هذا العمل محفوفًا بمخاطر جسيمة. وفي حصار جيتور (ديسمبر سنة ١٥٦٧) بث الإمبراطور أكبر لغمين أسفل أحد أبراج هذه القلعة أحدهما قرب الآخر. واشتعلت النار فيهما في الوقت نفسه، ولكن فتيل أحد اللغمين كان أقصر من فتيل الآخر، وانفجر أولًا، وأطاح بهذا البرج في الهواء، وتقدم المغل واقتحموا القلعة من هذه الثلمة. وفى اللحظة ذاتها وصلت النار إلى اللغم الثانى فتطاير برج آخر وتسبب في قتل عدد من أفراد الجيش الإمبراطورى. كما أن الألغام المضادة التي بثها ضباط أبو الحسن حاكم كلكندا برهنت على قوة تدميرها للمغل الذين حملوا ثلاثة ألغام من خنادق الحصار المحفورة تحت البرج. وقد جردت الحملة أحد الألغام الثلاثة من المسحوق وأقلام التفجير تمامًا، وتركت بعضًا من المسحوق في اللغمين الآخريين وملأتهما بالماء. وقد سبب انفجار اللغمين دمارًا مروعًا للقوات الإمبراطورية، على حين كان إشعال النار في اللغم الثالث بمثابة دخان في الهواء.
стр. 3926
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة
١ - مؤلف مجهول: حكم نامه (الجمعية الآسيوية للبنغال، ivanow, سنة ١٩٤٨)
٢ - the strongholds of In-: sideny toy dia، لندن، سنة ١٩٥٧.
٣ - A study of For-: J.Burtan PAge. tification in the Indian Subcontinent from the thirteen th to the eighteenth century A. D في Bulletin of the London School of Asiatic Studies جـ ٢٣/ ٣ (سنة ١٩٦٠)، ص ٥٠٨ - ٥٢٢.
حسن شكرى [س. أ. أ. رضوى - S.A.A.Rizvi].
" حصار"
من حصر أو حاصر، والحصار في التركية هو القصر أو القلعة أو الحصن، وهو اسم شائع يدخل في تركيب أسماء الأماكن بتركيا، وأشهر هذه الأماكن:
أناضولو حصار: اسم قلعة خربة الآن بناها السلطان العثماني بايزيد الأول يلدرم على البسفور بين قنديللى وكوك صو ليسهل حصار القسطنطينية، وهذا الحصن هو وحصن روميلى حصار روميلى حصار الذى شيده السلطان محمد الثانى (الفاتح) سنة ١٤٥٢ م تجاهه يسيطران تمامًا على الممر الذى اكتسب بحق اسم بوغاز كسن أى قاطع الرقاب.
ثم إن كلمة حصار دخلت في تركيب كثير من أسماء الأمكنة في آسية الصغرى، مثل قره حصار صاحب (قلعة الوزير السوداء) وهو الاسم الرسمى لأفيون قره حصار (قلعة حجر الشب السوداء) من أعمال أطرابزندة، وأيدين كوزل حصار (قصر الأمير أيدين الجميل) الذى كان يسمى قديمًا ترالس، وآق حصار (القلعة البيضاء) وهى ثياترا في ليديا، وعرب حصار (قلعة العرب) أى ألباندا، وقوج حصار (قلعة الكبش) بالقرب من بحيرة توزكل الملحة على مقربة من آق سراى، وكليسه حصار (قلعة الكنيسة) جنوبى نيكده في موقع طيانة، وقره حصار دولو، وهى قرية في قضاء دولو (سنجق قيصرية من أعمال أنقره) بين
стр. 3927
نيكده وقيصرية حيث لا تزال خرائب القلعة القديمة المسماة زنجبار قائمة هناك، وإسكى حصار (القلعة القديمة) وهى قرية بها خرائب عند كبزة (ليبَّسة القديمة) وهذا أيضًا موقع مدينة لوديسيا أديليكم شمالى دنيزلى. وحصار جق (القلعة الصغيرة) وهى قرية في ناحية آلاجسام (قضاء بافرة، سنجق سامسون من أعمال أطرابزندة) وأخيرًا حصار ليق في سنجق بيغا وهو يعين موقع طروادة.
المصادر:
(١) Hissar et' Koulas,: Majaff ١٨٧٦ Bulliten soc. goer de. St. Petersbourg
(٢) Turkestanskiye Viedomasti,: Jaunov ١٨٨٠ م.
(٣) Voyage a Bokhara: Meyyendorf
(٤) على جواد: لغات جغرافيا، ص ٣٢٩، ٣٣٠، ٦٠٣.
محمد عبد العزيز مرزوق [إيوار Cl. Huart]
" حصار" وتكتب في المصورات الجغرافية الروسية كسَّر Gissar: ناحية في بخارى تقوم عاصمتها، وتسمى بالاسم نفسه، في بقعة خصبة حسنة الزرع ولكنها رطبة غير صحيحة على ضفة نهر خانكة الذى يصب في نهر كافرنهان. ويغادر نهر كافرنهان، غير بعيد من حصار، الوادى العريض ويدخل في واد ضيق عميق (انظر منظر حصار في Turkestan: F.Schwarz, ص ٢٣٣). وموقع هذه المدينة يكاد يكون في موقع مدينة شومان التى ذكرها جغرافيو العرب. وقد ذكر الاسم، حصار - شادمان أو حصار وحسب لأول مرة في تاريخ تيمور، فقيل إنه مقر ملك من أقوى ملوك المغول الأتراك الذين قسموا البلاد فيما بينهم إبان القلاقل التى أعقبت وفاة الأمير قزغن عام ٧٥٩ هـ الموافق ١٣٥٨ م (انظر ظفر نامه، جـ ١، ص ٤٠) ثم ذكر بعد ذلك على أنه دار صنعة تيمور "زرَّادخانة" (المصدر السابق، ص ٤٥١) وترجع شهرة مدينة حصار في عهد بنى تيمور وفى عهد الأزابكة إلى أنها كانت حصنًا منيعًا ومقر عدد من الملوك المستقلين أو الزعماء. وبلغت المنطقة التى تسيطر عليها مدينة حصار منتهى اتساعها في النصف الثانى من
стр. 3928
القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) على عهود محمود ميرزا ولد السلطان أبى سعيد (انظر جـ ١، ص ١٠٥ وما بعدها) وكانت دولته تضم جميع البلاد الممتدة إلى جبال هندوكش (انظر بابرنامة طبعة بفريدج، ورقة رقم ٢٦ ب) ومع ذلك فقد كان أقليم حصار بعد حتى في عهد بنى تيمور إقليما صغيرًا مجدبا. (المصدر السابق، ورقة ٢٦ ب) أما فيما يتعلق بالبلية العظمى التى حلت بحصار خلال المعارك الأخيرة بين بنى تيمور والأزابكة والتى يقال إنه لم يبق من أهلها بعد هذه المعارك إلا ستون رجلا فانظر تاريخ رشيدى (ترجمة روس E.D.Ross ص ٢٦٢). ولما تقلص ظل دولة الأزابكة فيما وراء النهر بعد الاضمحلال أسرتها الحاكمة الأولى وقعت حصار تحت سلطان قبيلة يوز التركمانية. ولم يكن حكام بخارى منذ بداية القرن السابع عشر حتى عام ١٨٦٩ بقادرين على اكتساب ولاء أمير حصار إلا بحد السيف، ولم يدم هذا الولاء في كل مرة إلا أمدًا قصيرًا. وكذلك لم يستطع الأمير مظفر كسر شوكة هؤلاء الحكام الذين كانوا يتوارثون الحكم إلا في عهد السيطرة الروسية على تلك الجهات، فأفلح في ضم هذه الناحية إلى بخارى نهائيًا. وحوالى منتصف القرن الثامن عشر كانت الجهات الآهلة بالسكان من ناحية حصار تبدأ كما يقول محمد وفا كرمينكى (تحفة الخانى، مخطوط بالمتحف الأسيوى، رقم ٥٨١ ب ورقة رقم ١٩٦ أ) عند قرية مير شادى في وادى سرخان. وفى القرن التاسع عشر كانت النواحى الأبعد من ذلك تجاه الغرب مثل بايسون وشير آباد تعتبر أيضًا من ناحية حصار. أما في الجنوب فكانت قياديان وجزء من ختَّل القديمة بما في ذلك قورغان توبة تابعين لحصار علاوة على جغانيان القديمة. واتسعت رقعة حصار بما ضم إليها مما سبق ذكره فأطلق الروس على مقاسم الماء بين زرفشان وجيحون الأعلى اسم جبال حصار. ولم يعد أمير حصار يحكم الآن إلا المنطقة بين وادى سرخان الأعلى ووخش. ويشغل هذا المنصب عادة ولد الأمير أو أى أمير آخر من البيت المالك. وما زال أهل هذا الإقليم يكثرون من الانتفاض على الحكومة.
стр. 3929
ولم تعد زراعة الزعفران التى ذكرها جغرافيو العرب قائمة في هذه البلاد. أما أهم المحاصيل فهى الحبوب والكتان. ولا تزال لهذه البلاد بعض الأهمية الاقتصادية بالنسبة لبخارى وإن كانت دواب الحمل هى وسيلة النقل الوحيدة المستعملة حتى الآن، لأن القوم في هذه البلاد لا يعرفون العربات. وقد تمت أول الاكتشافات الأوروبية لهذه البلاد على يد بعثة حصار الروسية عام ١٨٧٥ (Gissars - Kaja ekspdicija)
الشنتناوى [بارتلد W.Barthold]
+ حصار: قصبة ناحية في ما وراء النهر، وتقوم على خانكة، وهو فرع من نهر كافرنهان، على ارتفاع ٦٧٥ مترا فوق مستوى البحر، في إقليم خصب رطب وخيم يحده نهرا زرفشان وقزيل صو (انظر Cleinof & R. Olzscha: Turkestan هيدلبرغ سنة ١٩٤٢، ص ١٨٧، وانظر صورة للقصبة في أوائل القرن التاسع عشر في Fr. Von Turkestan: Schwartz, فريبورغ سنة ١٩٠٠، ص ٢٣٣).
وكان مكان هذه القصبة أيام الفتح العربى لما وراء النهر في صدر القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) يسمى "شومان" ويضم إمارة صغيرة مستقلة، خضعت من بعد حكم جغانيان؛ انظر Turkesten: Barthold ص ٧٤، ١٨٥).
وكان هذا المكان في أوائل العهد الإسلامى قد اشتهر بزراعة الزعفران الذى كان يصدر على نطاق واسع (انظر الإصطخرى؛ ص ٢٩٨ = ابن حوقل ص ٤٧٧؛ المقدسى، ص ٢٨٩). وكان سكانه على رخاء وإن كانوا متمردين يكرهون الحكم الثابت المستقر، وهذا الأمر له بعض الخطورة، ذلك أن شومان ظلت قرونًا الحصن الأخير في وجه أتراك آسية الوسطى (ياقوت، جـ ٣، ص ٣٣٧ = طبعة بيروت سنة ١٩٥٧؛ جـ ٣، ص ٣٧٣، وانظر ياقوت أيضًا: جـ ٣، ص ٨٨؛ جـ ٤، ص ١٩٦). وفى تلك الأيام كانت حصار أصغر من ترمذ وهى وترمذ مجمتع واحد.
стр. 3930
وإنما حدث في أوائل القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) وفى عهد تيمور أن حل الاسم "حصاد شادمان" وكان يختصر فيقال حصار (أق)، وبقى هذا الاسم من يومها. وفى منتصف القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) كان يلى أمر حصار "بك" أي أمير من أهلها، كما أصبحت حصار من بعد دارًا من دور السلاح عند تيمور (زرادخانة؛ انظر على يزدى: ظفرنامه، تحقيق إله داد، كلكته سنة ١٨٨٥ - ١٨٨٨، جـ ٢، ص ٤٩، ٥٢، ٤٥٠، ٤٥٢، ٤٦٤؛ نظام الدين شامى: ظفرنامه، طبعة Tauer, براغ سنة ١٩٥٦، جـ ٢، ص ١٤) ثم إن حصار كانت من بعد جزءًا من الأراضى التى يحكمها بنو تيمور الذين برز منهم بصفة خاصة محمود ميرزا (٨٧٣ - ٨٩٩ هـ = ١٤٦٩ - ١٤٩٤ م) ولد أبى سعيد. وامتد سلطان محمود حتى جبال هندوكش (بابرنامه، تحقيق بيفردج] A.S.Beveridge مجموعة كب التذكارية، جـ ١، ص ٢٦ ب، ٥٦ ب). وفى المعارك التى احتدمت في كرّ وفرّ بين بابرو الشيبانية نزل بحصار تخريب عظيم في شتاء عام ٩١٧ هـ (١٥١١ - ١٥١٢ م) أدى بسكانها إلى أكل بعضهم بعضًا، ويقال إنه لم يبق منهم إلا ٦٠٠ شخص فحسب (تاريخ رشيدى، تحقيق دنسون روس Denison Ross, ص ٢٦ - ٢٦٣). ولما انهارت دولة الشيبانية وقعت حصار في يد قبيلة يوز التركمانية، واستطاعت، شأنها شأن أربع بكويات أخرى، أن تقوم بنفسها وتقف في جميع الأغراض والأمور موقف المستقل حيال أمراء بخارى، فقد كانت هذه البلدة محاطة بأسوار منيعة. والبلدة (وكانت ترسم كسِرَ Cissar بالروسية). وأرباضها المناوحة للساحل لم تخضع حقا لأمراء بخارى إلا بعد أن غزا الروس بخارى سنة ١٨٦٨. ومع ذلك فإن هذه الناحية ظلت مديرية مستقلة يعيش فيها الأزابكة والتاجيكك (على المنحدرات الجبلية) والنَوَر (Schwartz، ص ٤٧).
وكانت تضم الجزء الجنوبى من إمارة بخارى على المشارف السفلى لوخش وعلى كافرنهان، وكان لها
стр. 3931
حكامها، وكان هؤلاء في بعض الأحيان أمراء من الأسرة الحاكمة. ولم يفتح الإقليم للبحث العلمى لأول مرة إلا على يد الحملة الروسية التى شنت سنة ١٨٧٥. وكان آخر أمرائه إبراهيم بك من قبيلة لكاى التاجيكية. وظل هذا الأمير مواليا لسيده الأعلى حتى بعد أن أطاح البولشفيك بأسرته سنة ١٩٢٠، ودافع عن حصار لرد هجماتهم حتى سنة ١٩٢٣. وهنالك تقهقر سنة ١٩٢٦ إلى أفغانستان عن طريق تاجيكستان (أ. ز. طوغان: بكونكوتوركلى، إستانبول سنة ١٩٤٢ - ١٩٤٧، ص ٢٠٦، ٢٥٥، ٤٣٨، ٤٦٦, Turkestan: B.Hayit, دارمشتات سنة ١٩٥٩؛ ص ١٨٢، ٥١٩). وأصبحت حصار منذ سنة ١٩٢٤ جزءًا من تاجيكستان (تاجيكستان جمهورية من جمهوريات اتحاد الجمهوريات السوفيتية منذ سنة (١٩٢٩ وانفصلت عنه مؤخرا)، واندثرت صناعة الزعفران. وكان المحصولان الرئيسيان في القرن التاسع عشر هما القمح والكتان. وفى القرن العشرين كان ثمة وفرة في صناعة الحرير والبوبلين الحرير، وأدوات السكاكين المنزلية. وكان الحد الجنوبى لبكوية حصار يمتد حتى جبال ألاى. ومن ثم اكتسبت مقاسم الماء بوادى زرفشان اسم جبال حصار (وتبلغ ارتفاعاتها في بعض الأحيان ٥٧٠٠ متر).
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة انظر
(١) le strange , ص ٤٤٠.
(٢) Iran: Spuler، الفهرس.
(٣) Ocherki po istorii: pp. Ivanow (Srednej Azii XVI. sered XIXV) أي صور مجملة لتاريخ آسية الوسطى من القرن السادس إلى منتصف القرن التاسع عشر، موسكو سنة ١٩٥٨.
(٤) Sowjetunion: Leimbach شتوتكارت سنة ١٩٥٠، ص ٤٠، ٧٢ (الجبال).
(٥) Enciklop slovar: Brockhaus- Efron, جـ ٨ أ - ١٦، ٧٦٤ (الجبال وأعمال التنقيب أيضًا)
(٦) B S E، الطبعة الثانية، جـ ١١، سنة ٤٤١ (خرائط تخطيطية وصور).
خورشيد [سبولر B. Spuler]
стр. 3932
الحصرى
اسم رجلين من رجال الأدب نسبا إلى (الحُصْر) وهى قرية بالقرب من القيروان:
(١) أبو إسحق إبراهيم بن على بن تميم القيروانى المتوفى سنة ٤١٣ هـ (١٠٢٢ م) في المنصورية بالقرب من القيروان. ولا نعرف إلا القليل عن حياته التى قضاها فيما يظهر وادعًا مطمئنًا في القيروان التى كانت وقتذاك مركزًا زاهرًا من مراكز الثقافة العربية. والحصرى شاعر مشهور وأديب، وقد أصبح من الشخصيات المرموقة في نظر شباب القيروان، وخاصة ابن رشيق وابن شرف اللذين أفادا من علمه الغزير في أدب السلف وآرائه في مفهوم الأدب وبين أيدينا عدد من أبياته وهي في جوهرها تكشف عرضًا عن صنعته في الشعر ولا تخلو من حساسية مرهفة، ومع ذلك فإن شهرته ترجع في معظمها إلى كتبه النثرية وهى: زهر الآداب، وجمع الجواهر، ونور الطرف ونوَر الظرف، وكتاب المصون في سر الهوى المكنون.
١ - زهر الآداب وثمر الألباب، وقد طبع على هامش العقد، ثم نشره وحققه زكى مبارك. وأخيرًا نشر على محمد البجاوى نسخة أكثر اكتمالا ووثوقًا في القاهرة سنة ١٣٧٢ هـ (١٩٥٣ م) وهذا الكتاب ديوان كان الحصرى فيه. أمينا للمبدأ الأساسى للأدب الذى يتضمن تثقيف القارئ دون إملاله أبدًا، وهو لذلك لا يسوق إلا نصوصا متفرقة وحسب، قصيرة بعض القصر، ومن ثم فإن من الأصوب أن تؤخذ مأخذ الأمثال. وينتقل الكتاب من الجد إلى المتعة، ومن الشعر إلى النثر، وإن كان النثر هو صلب متنه. على أن المؤلف قد سعى جاهدًا إلى أن يحقق للكتاب التناسق، ونلمس هذا بخاصة في سعيه الحقيقى إلى الاقتصار تقريبًا على مقتطفات تمثل الأسلوب الفنى المنمق عند المحدثين.
وقد جمع الكتاب سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٤ - ١٠١٥ م) نزولًا على رجاء كاتب الإنشاء أبى الفضل العباسي بن سليمان الذى أهدى إليه أيضًا الكتابين الآتيين فيما يظهر، وأبو الفضل هو الذى جلب من المشرق مجموعة حاشدة
стр. 3933
من المعلومات عن الأدب المعاصر له. وقد اعترف المؤلف بأن مهمته كانت محدودة تنحصر في تخير ما يستحسنه من هذه المجموعة، على أن هذا الاختيار يدل على صفات الذى اختار، ويفصح عن تصور الحصرى الشخصى للقالب الأدبى وعن منهجه في التهذيب. فهو يسقط كل ما هو مشهور ذائع، ويقصر همه، مثل ابن عبد ربه، على المادة المشرقية التى شاء أن يكشف عنها ويحمل تلاميذه من الشباب على الأنس بها. وكتابه هذا الذى أهمل كثيرًا قد عرف في الأندلس وأصبح جزءًا من المنهج الذين يتبع في الدراسات الأدبية الفهرسة، جـ ١، ص ٣٨٠، poesre Andalouse: H. peres, ص ٢٨ والفهرس؛ ابن بَرّى وغيره قد اختصروا هذا الكتاب).
٢ - جمع الجواهر في الملح والنوادر:
وقد طبع أول ما طبع في القاهرة بعنوان (ذيل زهر الآداب) ثم طبعه سنة ١٣٧٢ هـ (١٩٥٣) على محمد البجاوي باسمه الحقيقى، وهو يقارن بزهر الآداب في منهجه، ولكنه يختلف عنه في اختيار المادة، إذ هى محدودة متناسقة ولو أنها استقيت من المجموعة نفسها التى جلبت من المشرق على يد راعى الحصرى. والحق أنها في جوهرها مجموعة من النوادر والملح، والفكاهات والحكايات عن الحمقى، ومع ذلك فقد حذف منها كل ما يخدش الحياء، ذلك أن غرض المؤلف كان تعليم فن الحديث الذى يسلى الناس ويجدد نشاطهم دون أن يؤذيهم أو يبعث فيهم الملل.
٣ - نور الطَرْف ونَوْرُ الظرف
(الإسكوريال الطبعة الثانية ص ٣٩٢, كوتا رقم ٢١٢٩، "كتاب النَوْرَيْن في رواية ياقوت" وقد نزع فيه المؤلف النزعة نفسها، واستقاه أيضًا من المصادر عينها مثل كتاب زهر الآداب الذى يمكن أن يحل محله بالنسبة للقارئ الذى يضيق وقته كثيرًا أو تضيق معرفته عن أن ترجع إليه. وهذه الآثار التى صنعها الحصرى هى أبعد من أن تكرر نفسها وهى في الحق ثلاثية تظهر في براعة تصور الحصرى لذلك القالب الأدبى للأدب. والكتاب الذى نحن بصدده هو في جملته من
стр. 3934
الأدب التقليدى إلا أنه في نظر الحصرى محدد الخصائص تحديدًا دقيقا أكثر من غيره وفى غرضه العملى التهذيبي بخاصة. والحق أن كتاب (جمع الجواهر) يسد ثغرة في زهر الآداب، ذلك أن الجانب الممتع الخفيف الذى يكون في بعض الأحيان خليعًا في هذا القالب الأدبى كان يظن أنه لا يتمشى مع الجدية التى يتسم بها "الكتاب الكبير". زد على ذلك أن الطالب أو الأديب المتمرس والكاتب المرجى للمستقبل في حاجة إلى أن يؤهل نفسه شيئًا فشيئًا للإفادة من هذا الأثر الكامل. ونور الطرف كتب مثل جمع الجواهر بعد زهر الآداب، وهو يسد في جوهره الحاجات العملية والتهذيبية.
٤ - كتاب المصون في سرّ الهوى المكنون (ليدن، فهرس المخطوطات الشرقية، رقم ٢٥٩٣ - ٤٦٣). وقد تكون هناك صلة إلى حد ما بين هذا الكتاب والأدب، ذلك أن وفرة التفصيلات الأدبية فيه تكشف عن أنشطة أدبية لم تكن بعد معروفة عن الحصرى. وهو يتناول فيه بعامة مشاعر الحب، وبخاصة مظاهره في آلاف من الوجوه المختلفة بالرغم من رغبة عند الحصرى لإخفائه سواء كانت هذه الرغبة عن وعى أو غير وعى. والكتاب رسالة موسوعية الطابع تسعى إلى أن تراعى الأصول الفنية بل العلمية في الأمور التى تتصل بالحب.
وهذا الكتاب على النقيض من كتب الحصرى الأخرى، ذلك أن معلوماته وموضوعه في معظمها قديمة معروفة، وإنما بسط الموضوع هو من إبداع المؤلف بصرف النظر عن الشواهد التى ساقها منظومة أو منثورة. ومصادره ليست كلها من العرب، فنحن نجد فيه أسماء مفكرين وعلماء وفلاسفة من اليونان تتردد كثيرًا، ثم إن التصور الكامل للكتاب على طريقة الحوار تفصح عن أنه استلهم العصر اليونانى المتأخر، وكذلك فإن الحصرى فكر في تأليف كتاب عن طبقات الشعراء، والراجح أنهم ممن ينتسبون إلى القيروان، على أنه عدل عن هذه الفكرة فيما يظهر لشدة احتجاج ابن رشيق، فقد كان هو أصغرهم سنًّا، ومن ثم لم يشأ أن يأتى في آخر طبقة.
стр. 3935
ويتميز إبراهيم الحصري بأسلوبه المباشر في بث تعليمه، وبالنواحى الجدلية لكتابه، وأصالة فكرته في تناول الأدب ومعرفته الواسعة، فاستطاع بذلك، وهو بعد في ريعان شبابه، أن يؤكد أستاذيته التى تجاوز أثرها حدود إفريقية، وأصبح له في أمد وجيز أثر عميق في التقدم العجيب الذى اتسم به فن الأدب في المغرب الإسلامى أيام القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). وأصبح من حيث هو مثال للكاتب وله دواوينه التى لا تفترق عن دواوين الثعالبى مشاركًا في إشاعة ذوق يستسيغ الأسلوب الفنى الموجز في النثر، وهو الذى أدخل في إفريقية القالب الأدبى للمقامة الذى سرعان ما نما بنجاح على يد ابن شرف على الأقل، وهو تلميذ من تلاميذه. وفكر في مشروع تركه بسرعة نتيجة ضعف في الشخصية تجلى في نواحى أخرى، ونعني به تأليف كتاب طبقات الشعراء، ولعله استوحى في ذلك أنموذج تلميذ آخر من تلاميذه هو ابن رشيق. وأخيرًا نقول أن (كتاب المصون) كان له أثر مباشر في أغلب الاحتمالات على طوق الحمامة لابن حزم القرطبى، ولا نعلم إن كان هذا الأثر عميقًا أو غير عميق. على أن الأدب التقليدى الذى يقوم على احترام جوهر الأدب العربى القديم، قدر له أن ينتصر في هذا القرن الخامس الهجرى نفسه (القرن الحادى عشر الميلادى) وغاب الحصرى شيئًا فشيئًا في زوايا النسيان، فريسة لانفعالاته الثورية (انظر العمرى الذى ينقل عن ابن بسّام، انظر المصادر).
المصادر:
(١) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ٢، ص ٩٤ - ٩٧، ١٦٩
(٢) ابن خلكان، طبعة القاهرة سنة ١٩٤٨، جـ ١، ص ٣٧ - ٣٨ (ومن المحقق أن الفقرة التى وردت فيه قائلة أن الحصرى توفى سنة ٤٥٣ هـ هى حشو؛ انظر، de slane باريس لندن سنة ١٨٤٨, جـ ١، ص ٣٥، تعليق ٤).
(٣) التجيبى: المختار من شعر بشار، القاهرة
(٤) سنة ١٩٣٤، ص ٨٩، ١٢٩، ١٤٧، ١٥٧، ١٧٩
стр. 3936
(٤) ابن فضل الله العمرى مسالك الأبصار، جـ ١٧، مخطوط بباريس رقم ٢٣٤٧، الورقتين ٨٧ و ٨٨
(٥) الصفدى: الوافي بالوفيات، جـ ٥، مخطوط بتونس (الزيتونة، رقم ٤٨٤٤، ص ٦٨ - ٦٩)
(٦) المقرى: نفح الطيب Anlectes جـ ١، ص ٣٧٤
(٧) الضبى: بغية الوعاة، ص ٢٠٩
(٨) الوزير ابن السرّاج: الحلل السندسية، تونس سنة ١٢٨٧ هـ, جـ ١، ص ٩٨ - ٩٩
(٩) حسن حسنى عبد الوهاب في مجلة البدر، تونس سنة ١٣٤٠ هـ, جـ ٢، ص ٣١٠ - ٣١٦
(١٠) المؤلف نفسه: المنتخب المدرسى، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٩٤٤، ص ٦٠ - ٦٢
(١١) نيفر: عنوان الأريب، تونس سنة ١٣٥١ هـ، جـ ١، ص ٤٣ - ٤٤
(١٢) Brockelmann، جـ ١، ص ٢٦٧، حيث ورد فيه أن الكتاب رقم ٥، والكتاب رقم ٤ أيضا تأليف على الحصرى وليس تأليف إبراهيم
(١٣) Zirides: H. R. idris، باريس سنة ١٩٥٩، جـ ٢، ص ٧٨٠ - ٧٨١ والفهرس
(١٤) عبد الرحمن ياغى: حياة القيروان وموقف ابن رشيق منها. بيروت سنة ١٩٦٢، ص ١٥١ - ١٥٣
(١٥) محمد المرزوقى وجيلاني بن حاج يحيى: أبو الحسن الحصرى القيرواني، تونس ١٩٦٣، ص ٢١ - ٢٢
(١٦) Ch.Bouyahia في Annales de L'universite de Tunis، جـ ١، سنة ١٩٦٤, ص ٩ - ١٨.
٢ - أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهرى
قارئ كفيف وشاعر مشهور، ولد في القيروان حوالى سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م). ومن المرجح أن يكون ابن أخى الحصرى وليس ابن عمه، وقد ترك أبو الحسن مسقط رأسه سنة ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ - ١٠٥٨ م) في أثناء غزوة بنى هلال وأقام في سبتة ردحًا من الزمن، ثم شخص إلى الأندلس حوالى سنة ٤٦٢ هـ (١٠٦٩ - ١٠٧٠ م) استجابة لدعوة إلى الإقامة
стр. 3937
الطويلة فيها وجهها له المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، وعاش فيها حتى قرابة سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٥ - ١٠٧٦ م) يرعاه ملوك الطوائف الذين كان كل ملك آخر يبز الآخر في إكرامه له. وكان يتحاشى الحسد واستثارة الأعداء الكثيرين عليه بحكم عطف الأمراء عليه، وموهبته الشعرية، ومبلغ علمه، وعجرفته، واحتقاره للأندلس وملوكه الصغار وناسه وعلمائه، فما بالك بقصائده العدوانية المرة، ولم يدار طبعه هذا إلا في القليل، ومن ثم كان يتنقل من مكان إلى مكان في شبه الجزيرة الأسبانية. وكانت معظم إقامته في ملقا، ودانية، وبلنسية، والمرية، ومرسية، ثم استقر أخيرًا في طنجة سنة ٤٨٣ هـ - (١٠٩٠ - ١٠٩١ م)، وبها أدركته المنية سنة ٤٨٨ هـ ١٠٩٥ م).
وكان أبو الحسن ضليعًا في علوم القرآن، وقد درّسها طوال عمره، ونال فيها شهرة الأستاذ الأعلى (في عبارة ابن دحية خاصة). وكان إلى ذلك أديبًا وشاعرًا موهوبًا عجيبًا في تفننه، وجمع إلى هذا كله معرفة واسعة بالعربية وتمكنًا تامًا من قرض الشعر، ومن هنا يعد على الحصرى من أعظم من يمثلون التقدم الأدبى العجيب الذى ازدهر في عهد بنى زيرى، وقد شارك هو وغيره من المهجرين الإفريقيين في السعى إلى نشر هذا الازدهار في الأندلس، وكان يعد في الأندلس إمامًا من أئمة الأدب (زعيم جماعة في قول ابن بسام).
وآثاره علاوة على رسائله التى فقد معظمها، هى كما يأتى:
(١) قصيدة جدلية في أكثر من مائتي بيت في قراءات القرآن لنافع (مخطوطة بتونس، في قول أبى الحسن الحصرى، ص ٧٨، رقم ٤، انظر المصادر).
(٢) المستحسن من الشعر: وهى مجموعة من المدائح في المعتمد يقدمها في احترام رفيع مؤثر لراعيه الأول، عندما مر هذا الملك المخلوع بطنجه سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ - ١٠٩٢ م) في طريقه إلى منفاه (ولعل هذا الكتاب هو كتاب القصائد الذى نسبه إليه ابن قنفذ).
(٣) المُعَشرّات (وهذا هو رقم ٥ في بروكلمان الذى نسب خطأ، شأن رقم ٤
стр. 3938
أيضًا، إلى إبراهيم، وقد نشرها أبو الحسن الحصري، ص ١٢ - ٢٤٠). وهى تشتمل على موشحات من عشرة أبيات يستخدم فيها كل حرف من حروف الهجاء لأداء القافية، وفي بداية كل عشرة أبيات التى تتألف منها هذه القصائد البالغ عددها تسعًا وعشرين وتدخل اللام ألف في عداد الحروف.
ويقال إن على الحصرى هو الذى ابتدع هذا القالب الأدبى، ويأسى هذا الشاعر على الحب التعس بالأسلوب التقليدى الخالص للمحب العذرى. وينبعث من هذه القصائد شعور عظيم بالخراب سببه خيانة امرأة جميلة. ووحدة النغمة والموضوع وصدق المشاعر البادى يشير فيما يظهر إلى أن زوجه الشابة الجميلة قد هجرت الشاعر المسن، وكان مدلهًا في حبها. وإذا صدق هذا لما في القصائد من غنائية شخصية والتفنن الباهر في أصول هذا الفن، فإن هذا الصدق قد جعل هذه الموشحات من أجمل قصائد الحب في الشعر العربى.
(٤) اقتراح الكريه واجتراح الجريح (طبع في أبى الحسن الحصرى، ص ٢٥٦ - ٤٩٠) وقد كتب في موت ابنه الحبيب، ولعل وفاته كانت سنة ٤٧٥ هـ (١٠٨٢ - ١٠٨٣ م) بعد مرض عضال، وهروب أمه المرأة الخائنة. وجمع الكتاب بعد ذلك بخمس سنوات، وهو يشتمل إلى جانب ثلاث مقدمات على (أ) جزء في نثر مرصع (خلط في كتاب أبى الحسن الحصرى بينه وبين المقدمة الثالثة)، وفيه موعظة خاشعة وتعبير عن الرجاء في الله بعد الشدائد الممضة التى نزلت به.
(ب) جزء آخر بالشعر يشتمل على قصائد رتبت بحسب قوافيها بالحروف الهجائية في براعة. وهى تحتوى على حوالى ٢٦٠٠ بيت، وهى الوحيدة من إنتاجه الغزير التى قرر الحصرى أن يجمعها للحفاظ عليها. وهذه القصائد لها قيمة كبيرة جدا من حيث هى مصدر موثق لسيرة الشاعر.
وبفضل اتساع مداها وما بدا فيها من تعبير جياش عن حزن أب على ابنه، فإن قصائده تلك التي بلغ فيها الحصرى الذروة دون أن تخبو
стр. 3939
مشاعره، تعد لذلك من أنجح المثل على القالب الشعرى في الرثاء، وهى تضمن للحصرى هى والمعشرات مقامًا بين أعظم شعراء الرثاء في العربية.
(٥) ومن بين القطع والقصائد التى حفظتها كتب الأدب (جمع بعضها في أبى الحسن الحصرى) تتجلى أشهر القصائد على الإطلاق (ياليل الصب) التى ظلت تلهم المقلدين له في الشعر إلى يومنا هذا. ويدخله ابن سناء الملك في عداد شعراء الموشحات، على أن موشحاته لم تصل إلينا شأن أشعاره في الهجاء والمديح.
وتبدو شاعرية على الحصرى الخارقة للعادة في تركيب أشعاره، وبناء أبياته واستعماله لمنابع لا تنضب من معين اللغة العربية في أسلوب محلى وقواف معقدة، مما جعله يقارن بأبى العلاء المعرى. وكان المعرى مثله شاعرًا كفيفًا قلَّدَ الحصرى تقليدًا واسع النطاق في لزوم ما يلزم في قافيته وفى حملاته المناجزة على صورة الألغاز الشعرية لعلماء عصره.
المصادر:
(١) ابن بسّام: الذخيرة، جـ ٤/ ١، ص ١٩٢ - ٢١٦.
(٢) عبد الواحد المراكشى: المعجب، القاهرة سنة ١٩٤٩، ص ٤٤ - ١٤٦.
(٣) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ١٤، ص ٣٩.
(٤) ابن خلكان، القاهرة سنة ١٩٤٨، ٣، ص ١٩ - ٢١.
(٥) ابن دحية: المطرب، القاهرة سنة ١٩٥٤، ص ١٣، ٢٠، ٧٤، ٧٩، ٨١، ٨٤، ٩٤.
(٦) ابن سعيد: عنوان المرقصات، طبعة وترجمة مهدد، الجزائر سنة ١٩٤٩، ص ٥.
(٧) ابن الجزرى: القرّاء، جـ ١، ص ٥٥٠ - ٥٥١.
(٨) ابن العماد: الشذرات، جـ ٣، ص ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٩) الحميدى: الجذوة، ص ٢٩٦.
(١٠) العماد الاصفهانى: الخريدة، جـ ١٢، مخطوط بباريس، رقم ٣٣٣١، الورقتين ١٦ ب - ١٧ ب.
стр. 3940
(١١) العمرى: مسالك الأبصار، جـ ١٧، مخطوط بباريس رقم ٢٣٢٧، الأوراق ١٢٩ ب - ١٣٠ أ.
(١٢) الصفدى: نكت، ص ٧٣، ٢١٣.
(١٣) السيوطى: البغية، هذه المادة.
(١٤) المقرى: نفح الطيب = An- alectes جـ ١، ص ٥٦٢ - ٥٦٣؛ جـ ٢، ص ٦٤٢.
(١٥) ابن ناجى: المعالم، جـ ٣، ص ٢٥٠.
(١٦) ابن قنفذ، ص ٣٩.
(١٧) نيفْر: العنوان، ص ٥٥ - ٥٦.
(١٨) حسن حسنى عبد الوهاب في مجلة البدر، تونس سنة ١٣٤٠ هـ, جـ ٢، ص ١٦٦ - ١٧٥.
(١٩) المؤلف نفسه: المنتخب المدرسى، ص ٧٤ - ٨٦.
(٢٠) Poesie Andalouse: H. Peres الفهرس.
(٢١) zirides: H.R.Idris , جـ ٢، ص ١٩٧.
(٢٢) م. المرزوقى وج. بن حاج يحيى أبو الحسن الحصرى القيروانى، تونس سنة ١٩٦٣ (وهي دراسة في ترجمة على الحصرى يعقبها آثاره المعروفة.
(٢٣) C.h Bouyahia في Annales L'Universite de Tunis سنة ١٩٦٤, جـ ١، ص ١٢٥ - ١٤١.
خورشيد [ش بو يحيى Ch.Bouyahia]
الحصن
كلمة معروفة تدخل في تركيب أسماء الأماكن، مثال ذلك: حصن الأكراد، وحصن كيفا، وغيرهما، وتستعرض هذه المادة، بقدر ما تسمح به المعرفة الحالية، تطور التحصينات في مناطق بعينها من العالم الإسلامى، وتتناول بعض جوانب العمارة الحربية لبرج الحصون، كما تتناول بصفة عامة المناورات الهجومية وأصول فن الحصار.
ولما كانت الرسائل الأساسية العامة عن بعض المناطق غير متوفرة فقد اكتفينا بأن تشمل هذه المادة المناطق التالية وحسب.
стр. 3941
(١) أراضى المغرب الإسلامى أى: الأندلس، وبلاد المغرب.
(٢) بلاد فارس.
(٣) آسيا الوسطى.
(٤) إندونيسيا وبلاد الملايو.
[هيئة التحرير]
١ - المغرب الإسلامى
سنرى في هذه المادة كيف تغلب المغرب الإسلامى على المشكلات الكبرى للتحصين، وكيف تم تخطيط وتنظيم الأنماط المختلفة للأبنية الحصينة، كحصون المدينة المطوقة بالأسوار، والقلاع المنعزلة، والثغور، ودور الصنعة، وكيف تم التغلب أيضًا على الصعوبات التى تعترض حماية أجنحة الجيوش وبوابات الحصون بداية من القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى)، وعلى ما أدخل على المدافع من تعديلات.
حصون البلدان المطوقة بالأسوار:
منذ أيام الإمبراطورية الإسلامية في عهودها المتأخرة صارت البلدان غير المحصنة شيئًا نادرًا في العالم الغربى. وبسبب القلق الذى أحدثته الغزوات حصنت المراكز الحضرية بالاستحكامات، ومن ثم ضاق نطاق إمتدادها الأصلي في حالات كثيرة. ومع ذلك، ظلت مدن كثيرة بريف البربر، بلا أسوار، وكانت في أول الأمر أسواقًا زراعية.
وقد أدى التاريخ المضطرب للأسر الإسلامية الحاكمة، وخاصة في ريف البربر، إلى تحصين بلدانه أو إلى صيانة أسوارها بالترميمات الجيدة. ومنذ بداية البداية لسلاطين الأسر الحاكمة كانت الاستحكامات تقام على الدوام. وأدت الحاجة إلى وجود سور حصين حول كل بلدة مهما كان حجمها إلى ترميم ما بنته الإمبراطورية القديمة من أسوار، وبحكم الظروف، إلى تعميمها في أوائل العصور الوسطى.
خطة الحصن المطوق بالأسوار، في أسبانيا وإفريقية، اصطنعت الأسوار الإسلامية أحيانًا الشكل العام للحصن
стр. 3942
القديم المطوق بالأسوار، والاستفادة بقواعده وبأجزاء أخرى منه، كما حدث في قرمونة وفى قاصرش، كما حدث في كثير من الأحوال أن أدى ازدهار دول بعينها أو حواضر إقليمية في العصور الوسطى، إلى توسيع أسوار البلدة حتى طوقت ضواحٍ هامة.
وعلى الأرض المستوية، كانت حصون البلدة المطوقة بالأسوار في أغلب الأحوال، تتخذ شكل المستوطن الذى كان قائمًا قبلها. ونجدها في الأساسات الجديدة أكثر انتظامًا من ناحية الشكل، ولها استحكامات في صفوف طويلة. وفى المواقع غير المستوية، كانت تعدل تعديلًا بسيطًا لتناسب تضاريس الأرض: والمبدأ هو الاقتصاد في استخدام الأبراج، بينما يمتد السور الساتر بطول النتوءات الصخرية متتبعًا إياها عن قرب كلما أمكن ذلك، أما البروزات والمرتدات المشهودة فنادرة. وتأخذ معظم الحصون المطوقة بالأسوار شكلًا غير منتظم هو الشكل المُحَدبْ، والمضلع.
على أنه كان من الضروري في حالات كثيرة أيضًا أن يدخل في الخطة أقرب مواقع النجد التى يمكن السيطرة منها على الاستحكامات. وقد امتد سور غرناطة في القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) حتى بلغ حصنين صغيرين يحميان منحدرات تل الحمراء وقمته. وامتدت الاستحكامات في شاطبة صاعدة حتى حصنين صغيرين على قمة نَجْدها ليسيطرا على المدينة من أعلى.
ولا يقل عن ذلك في الأهمية كفالة الحماية لأولئك الذين يريدون بلوغ موارد المياه: فالأسوار تنتهي ببرج بارز يمتد هابطًا حتى النهر في بطليوس. وفى إشبيلية، صار البرج الذى من هذا القبيل في طرف السور شأن البرج الذهبى، نقطة حراسة قوية.
و"القصبة"، وهى مقر الأمير أو حكومته، تشغل عادة أعلى جزء من البلدة، ويفصلها عنها استحكام من الاستحكامات، فإذا كان موقعها متميزًا عن موقع مستوطن البلدة فإن الأسوار تضم حينئذ الحصنين المطوقين
стр. 3943
بالأسوار، كما هى الحال في المرَيَّة. أما في مالقة التى كانت القصبة فيها تشغل قلب المدينة، فقد كان لهذه المدينة حصنها المطوق بالأسوار، وربطت المدينة بعضها ببعض استحكاماتٌ طويلة بلغت قلعة جبل الحديد الخارجية، وكانت الحال على هذا النحو في جَيَّان.
ولما امتدت القصبة حتى شملت البلدة الحكومية، كان من الممكن أن يصبح لها نظامها المستقل في التحصين سواء كانت على اتصال بالأحياء السكنية والتجارية أو لم تكن. وكانت الحمراء منفصلة بشكل ملحوظ عن غرناطة، مثلما كانت فاس الجديد عن فاس البالى.
ومن ناحية أخرى، نجد قصبة الموحدين في مراكش، وقصور مولاى إسماعيل في مكناسة متصلة بالمدينة نفسها، ولو أن القصبة والقصور كانت في جزء منها كلًا محصنًا واحدًا.
وفي كل حالة، كان ثمة منهجان في التحصين إما متقاربين وإما متلاصقين.
وقد بنيت بعض القصبات لإيواء الحاميات التى كانت مهمتها الإشراف والرقابة على بلدة ما، تهددها أخطار الاضطرابات. وكانت الحال على هذا المنوال في رباط ماردة الذي بناه عبد الرحمن الثانى. وفى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) أبقى السعديون على مثل هذه الرقابة على فاس باستخدام الأبراج الشمالية والجنوبية.
خطة الحظيرة للحصن المطوق بالأسوار.
يوجد السور المزدوج الذى يضم دهليزًا ضيقًا في مدينة الزهراء. كما أن الممرات الطويلة بين الاستحكامات العالية كثيرة في قصور مولاى إسماعيل بمكناسة.
ويبدو أن السور الخارجى المألوف في التحصين عند الروم (البوزنطيين) لم يستخدم في الحصون الإسلامية في بداية العصور الوسطى، مع أنه أوشك أن يكون القاعدة في أسوار الحصون الأسبانية منذ القرن الخامس الهجرى
стр. 3944
(الحادى عشر الميلادى) ونجده أيضًا في مدينة المهدية، ولكنه ظل نادرًا في المغرب.
ومع ذلك، فإنه يوجد في تلمسان، وفى تازة. وثمة سور خارجى متصل يحيط باستحكامات فاس الجديد .. وجرت الحال بأن تكون هذه الأسوار الخارجية المتباينة في الارتفاع مزودة بالأبراج. أما الخندق فقد كان أمرًا مألوفًا منذ بداية القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) في التحصينات الأندلسية. ولكنه ظل في أماكن أخرى أمرًا استثنائيًا للغاية. وكانت هذه الخنادق حفرًا جافة خططت لوقف زحف الخيالة وجعل التسلل أمرًا عسيرًا. ولم يكن الخندق في البلد الجاف الجو الوعر في كثير من الأحوال هو أفضل وسائل الدفاع شأنه في ذلك شأن البلاد المستوية الرطبة.
القلاع المنعزلة - كان للقلاع المنعزلة وظائف مختلفة غاية الاختلاف. وكان عدد بعينه من قلاع الحدود هو الذى يحدد جبهات القتال: ومن ثم نجد في الأندلس منذ نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) أن الحدود ظلت أمدًا طويلًا تساير نهر دويره حتى سقوط مملكة غرناطة، تحميها سلسلة متصلة من الحصون غربًا وشمالًا حيث كانت المملكة معرضة لهجمات القشتاليين في هاتين الجهتين. وكذلك أدى التنافس بين ملوك الطوائف إلى إقامة خطوط من التحصينات. وفي بلاد البربر لا نكاد نجد أية حدود معلومة بين الدويلات الإسلامية حيث وجد أن التحصين القائم في الأماكن المحتمل النزاع عليها كاف؛ ومع ذلك أقام عبد الواحد خط "صُمَّام" لصد الحفصيين. وقلاع الحدود هذه، لم تستطع في الحروب التى كانت فيها الحملات المدمرة الخاطفة من أجل السلب والنهب هى أكثر أنواع القتال شيوعًا، أن تمنع مرور قوات العدو منعًا باتًا. ولكن على الرغم من أنها أتاحت مرور غزاة السرايا إلا أنهم احتاجوا إذا ما أرادوا الفتح والتمكن إلى ضرب حصارات طويلة باهظة التكاليف. وفى أغلب الأحوال، كانت هذه القلاع تبنى في أيام مملكة غرناطة
стр. 3945
بخاصة، فوق القمم المنحدرة، ولم يكن في وسعها سد مداخل الدروب، ولكنها تعد وسيلة مثلى إذا كان الغرض وضع البلد تحت المراقبة بحيث يصعب أخذه على غرة.
وفى الأندلس كان لا بد أن تقام في السهول الخصيبة المعرضة لغارات العدو قلاعٌ تتخذ مأوى، وكانت هذه القلاع في العادة تسيطر على قرية ما. وقد زاد بنو نصر عدد القلاع التي من هذا القبيل في أخصب أجزاء الريف التي كانت معرضة لغارات القشتاليين.
وعلى سواحل شمالى إفريقية، وسواحل تونس بخاصة، والسواحل المطلة على الأطلسى بعامة، بنيت القلاع التي عرفت بالرباطات وهي صوامع حصينة كان النسَّاك المسلمون الذين يتعبدون فيها يعدون أنفسهم للجهاد وهم يتعبدون، ويرجع السبب في إقامة الرباطات الإفريقية بلا شك، إلى حملات الغزو الصقلى، إذ لم يكن هناك في ذلك الحين أى خطر مسيحى يهدد السواحل التونسية. ومن ناحية أخرى، نجد أن الأصل في إقامة الرباطات على ساحل مراكش المطل على الأطلسى، ورباطات أندلسية بعينها، يرجع حقًا إلى الخوف من غزوات النورمنديين. وعلى ما يظهر، لم تجر أية حروب مع عدو خارجى تحت أسوار هذه الرباطات، ولم تكن ثمة تحصينات بحرية بمعنى الكلمة، بل كانت هناك أماكن لتجنيد من يحاربون في سبيل الله، وقد أصبحت هذه الأماكن فيما بعد مراكز يعيش فيها النسَّاك بل المتصوفة. ويبدو أن بعض الرباطات المراكشية مثل قصبة أوداية بالرباط، وحصن تيط المطوق بالأسوار، كانت تحرس الحدود الشمالية والجنوبية لاتحاد خوارج برغواطة.
وفى ظل الموحدين اتسع الرباط حتَّى صار له نطاق المدينة بفضل همة الخليفة الثالث أبى يوسف يعقوب المنصور، وصار مركزًا لتجمع المقاتلين الذين كانت أسبانيا مقصدهم.
وفى بعض الأحيان، كانت القلاع تجمع أو تُصَفَّ بحيث تصبح خطًا دفاعيًا يشرف على البلدان التي تهددها
стр. 3946
حركات الانتقاض، أو لتسد الطرق في وجه المنتقضين. ومن ثم، فقد حرس المرابطون الريف من معقل بنى تودة الحصين، ومن قلعة أمرجو. ولما بلغت ثورة الموحدين كتلة جبال أطلس المراكشية العظيمة بنوا فيها القلاع لإعاقة تقدم العدو الرابض فى أسفلها أو عند فتحة الممر الجبلى الضيق. وقد واجه مولاى إسماعيل المنشقين من البربر في المنطقة الوسطى لجبال أطلس والريف، وبنى أيضًا سلسلة من القصبات.
وقد شغل هذا السلطان نفسه بالاحتلال العسكرى لأملاكه، كما بنى في السهول التى أخضعها لحكمه قلاعًا رابط فيها جنود حاميته الذين عرفوا بالعبيد. وكانت مهمة هؤلاء الجنود هي جباية الضرائب النقدية والعينية على حد سواء. وضمت أسوار هذه القلاع علاوة على قصر السلطان والمسجد، صوامع أسطوانية الشكل لحفظ أعلاف الدواب.
ولقد بنيت قلاع كثيرة لحماية الطرق التجارية الرئيسية وتأمينها، ولإيواء المسافرين في الليل بعد عناء رحلة اليوم، ولتزود أحيانًا حاملى البريد الحكومى، في المراحل المتتابعة، بما يحتاجون إليه، وكان لذلك نظام بعينه لأنه لم يكن في مقدور البلدة الحصينة القيام بهذه المهام. وكانت الطرق المؤدية من قرطبة إلى الحواضر الكبرى للأندلس تميزها قلاع تقوم بين كل قلعة منها والأخرى مرحلة من السفر تستغرق يومًا واحدًا. وكلفت القلاع الثانوية وأبراج المراقبة في بعض الأحيان بحراسة الدروب الجبلية.
وكانت الجسور المقامة على الأنهار الكبيرة في حماية قلعة هي في أحيان كثيرة قلعة لها شأنها. ومن ثم، فإن حصن رباط ماردة كان يحرس تقاطع نهر وادى آنة والبلدة التي يجرى فيها معًا. وفى معظم الأحوال، كانت تحرس الجسور المقامة على نهر تاجه قلعة من القلاع أو برجٌ على أقل تقدير.
خطة القلعة: وفى كثير من الأحيان استمر اتباع التقليد الرومانى البوزنطى في خطة هذه القلاع، وكذلك اتبع أحيانًا
стр. 3947
في القلاع الأموية بسورية، التي تدين بالفضل الكبير في خطتها إلى القلاع الرومانية والبوزنطية. وكانت خطة الحصون التي تقام على أرض مستوية منتظمة دائمًا غاية الانتظام، مربعة الشكل أو مستطيلة، وهي مزودة بأبراج الأركان وتكتنفها أبراج وسيطة تختلف في عددها. كما اتبعت الأشكال الهندسية القديمة الخالصة للتحصينات نفسها دون خروج عنها في المبانى الحكومية المراكشية، وفى عمارة البربر أيضًا.
ولكن قلاعًا كثيرة بنيت فوق قمم التلال أو فوق النتوءات الصخرية. وفى مثل هذه الحالات، كانت بعض التعديلات ضرورية لتتلاءم مع التضاريس. وقد تباين محيط القلعة تباينًا كبيرًا من حيث الحجم والشكل على السواء. وفى بعض الأحيان، كان السور الساتر الواقع فوق المنحدرات لا يحتاج إلى أبراج. وقد نشأت الحاجة في البلد الَّذي تغلب الصفة الجبلية عليه إلى اكتشاف أماكن صلبة للأساسات اللازمة لإقامة الأبراج على مسافات غير منتظمة. وكانت التغييرات الحادة في اتجاه التضاريس كثيرة جدًّا، ويظهر أثرها في شكل متعرج. وقلما يظهر السور المزدوج باستثناء تحصينات بنى نصر التي كانت متأثرة بالنمط المسيحى، كما ظل السور الخارجى شيئًا نادرًا للغاية.
ويدخل في باب الاستثناء أن تضم القلعة الإسلامية معقلًا لإيواء الحامية أو برجًا محصنًا. ومع ذلك، فقد كان للرباطات الإفريقية في كثير من الأحوال أبراج للمراقبة، كما كان لقلعة سوسة برج من هذا القبيل. وفى قلعة بنو حَمَّاد كان البرج البارز العظيم للمنارة يتخذ شكل المعقل المحصن. وقد أدخل البرج المحصن المحاط أحيانًا بمعقل لإيواء الحامية في تحصينات بنى نصر في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) تقليدًا للقلاع المسيحية. على أنه حدث في القرنين الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) والتاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) أن عادت قلاع بنى نصر وبدرجة كبيرة جدًّا إلى أشكال التحصين الأسبانى المغربى.
стр. 3948
الموانئ ودور الصنعة الحصينة: عرف كل منها في المغرب الإسلامى. ولعل تاريخ ثغر طنجة "بالية" إلى الشرق من طنجة كان يرجع إلى العهد الإسلامى. وكان بهذا الميناء حوض داخلى للسفن، امتلأ الآن بالرمال, وكان يحميه سور محصن، وكان مدخل الميناء ومخرجه من بابين كبيرين يكتنفهما أبراج، ولم يبق من ذلك كله سوى أطلال في مستوى الأرض. ومن ناحية أخرى، نجد أن دار صناعة سلا البحرية - المطمورة الآن - ما زالت محتفظة ببابها وبرجها. وقد شغلت دار الصناعة هذه أحد أركان حصن المدينة المطوق بالأسوار. ومنذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) اتخذ حلًا مماثلًا في مدينة المهدية. فقد انتظم الحصن المطوق بالأسوار ميناءً داخليًا يحمى مدخله برجان متباعدان يمكن أن تمتد بينهما سلسلة حديدية. وكان ثمة عقد كبير من الحجر المنقوشى يوصل إلى ثغر حُنين الَّذي بنى في القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى)، وعقد مماثل في ميناء أو دار صنعة (بجاية) وفى دار صنعة مالقة. والظاهر أن العقد الكبير الذي كانت تمر من تحته السفن لشحنها وتفريغها، ينتمى إلى التقليد الأسبانى.
مادة البناء: دخل حجر الدستور المنحوت في كثير من الأحوال في تحصينات الأغالبة بإفريقية. وجرت الحال باستخدامه في السور الساتر كله، وفى العمائر الهامة في جميع الأحوال. أما الأسوار التي بنيت بالدبش فكانت تربطها الأحجار المنحوتة. كما استخدم في التحصينات الأموية، في أجمل صورها بالأندلس، رباطات من أحجار سابحة ورادة على التوالى. ولكننا نجد في التحصين الإفريقى حتَّى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) أن الدبش كان هو مادة البناء المستخدمة بشكل متكرر إلى حد بعيد. وكان في كثير من الأحوال يربط بينه وبين الأحجار المنحوتة لهذا الغرض، وكثيرًا كان يشذب ويبيت في صفوف منتظمة، وكان في بعض الأحيان يسوى مع التبادل في فَرْشَات سميكة ورقيقة. وفى قلاع المرابطين
стр. 3949
كانت الأربطة المحيطة بالدبش ترصع بالحصى الأسود.
وفى كثير من الأحيان استخدم الدبش في أسبانيا في بناء القلاع الثانوية، وأحيانًا مع الطبقات الرابطة وحشو من قوالب الطوب، ويتكرر الاستعمال الأخير في مدرسة طليطة بصفة خاصة. ويحدث أحيانًا أن الأربطة الموهومة تمد الطبقات الرابطة الزاوية حتَّى الواجهة المقامة بالدبش. وفى أيام بنى نصر زاد تقليد القلاع المسيحية من استخدام الدبش.
أما التحصينات الكبيرة من الآجر فنادرة في المغرب الإسلامى. ومع ذلك، فإن استحكامات مدينة القيروان كانت من أول الأمر مبنية بالآجر. وهكذا كانت بعض الأجزاء من استحكامات بصرة في شمالى مراكش، ونجد في الأندلس أن الآجر لم يستخدم في العمائر إلا في العصر المتأخر بعض التأخر من حكم المدَجَّنين. ولكننا في الأبواب التي بنيت بحجر الدستور أو بالدبش المخلوط بالأسمنت أو غير المخلوط به نجد الآجر مستخدمًا بصفة عامة في بعض العقود، وفى الأقبية، بل في واجهات المداخل أحيانًا حيث كان الهيكل الأساسى مبنيًا كله بالخرسانة.
ومنذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) نجد مادة البناء الغالبة في القلاع الأندلسية ليست إلا نوعًا من الخرسانة قوامها طين صلصالى أو حصوى تتفاوت نسبة خلطه بالجير تحشى في مغاليق يبلغ سمكها حوالى ٨٠ سم. وقد جلبت هذه الطريقة إلى المغرب في القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) وظلت مستخدمة حتَّى القرن العشرين. كما أحدث استخدام الخرسانة نوعًا من التبسيط في الأشكال، ومن ثم غلب البرج المستطيل واستخدم مع الخرسانة الآجر في بناء العقود وقوائمها وفى الأقبية، وفى واجهات الأبواب في بعض الأحيان.
مشكلات الأكتاف: ومن أندر النادر أن تكون المساقط والمداخل المرتدة فى
стр. 3950
السور الساتر كافية في حد ذاتها لإقامة أكتاف جيدة. ومن ثم كان من الضرورى الاعتماد على الأبراج وأبراج الزوايا التي تكتنف جدران السور. ذلك أن أبراج الزوايا المقامة على الأسوار فوق الأرض المستوية لا تزيد المسافة بين الواحد منها والآخر على ثلاثين مترًا بحال حتَّى لا تترك بين البرجين مساحة لا تغطيها القذائف. ومع ذلك كان يمكن أن تكون الأبراج قريبة بعضها من بعض بمسافة أقل. ففي الأندلس أيام القرنين الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) والخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) استخدمت الأبراج الصغيرة الأبعاد واللاصقة بعضها ببعض في كثير من الأحوال.
أما الأبراج المستديرة والأبراج التي تكاد تكون مستديرة، فلم يكن يصادفها المرء إلا في النادر، ويبدو في هذا الأثر المسيحى. فقد استخدم البرج شبه المستدير في تحصينات الأغالبة، وفى هذا دليل على التأثر بالمشرق. ويوجد هذا النمط في بعض القلاع السورية، كما أنه شائع في العمائر العباسية. وفى معظم الأحوال استخدم في الأندلس وشمالى إفريقية البرج المستطيل، الَّذي طوله أكبر من عرضه. أما الأبراج المائله فنادرة. وتوجد شرفات الحصون ذات الشكل الرباعى غير المنتظم في زوايا الحصون المطوقة بالأسوار أحيانًا. كما نجد شرفات الحصون الكثيرة الأضلاع في الأندلس أيام القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى)، ولكنها لم تستخدم في المغرب إلا قليلًا. ومجمل القول أن العمارة الإسلامية في الغرب تظهر تباينًا طفيفًا من حيث الشكل في شرفات الحصون. ففي معظم الحصون الأندلسية المغربية المطوقة بالأسوار نجد سلسلة من الأبراج المتماثلة تبعد بعضها عن بعض مسافات متساوية بطول خط السور الساتر.
وفى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) ابتدعت الأندلس برجًا من طراز جديد عرف باسم (البارانا) أو البرج الخارجى المعزول عن السور الساتر، ويقع أمامه، ويتصل به بوساطة جزء بارز من السور. ويتصل
стр. 3951
البرج وقاعدته بالطريق المستدير للمعقل. وفى حالة كهذه ربما يحيط السور الخارجى للدفاع بسفح (البارانا). وفى بعض الأحيان أيضًا يكون (البارانا) متقدمًا إلى حد بعيد، وقائمًا في طرف جزء من السور الساتر ذى حاجز مزدوج بارتفاع الصدر. وهذا التجديد الَّذي أخذ به في فترة متأخرة على الأغلب في حصون المدجَّنين لم يصل إلى المغرب فيما يظهر.
وخلاصة القول، أن هذه الأبراج لا يدخل فيها إلا الحد الأدنى من التركيبات. وكان لها في بعض الأحيان قاعدة مستوية ورصيف له مزاغل لإطلاق النيران، وأحيانًا أخرى، تكون ذات غرفة داخلية على مستوى الطريق الدائرى ورصيف عال من أرضية محمولة على عوارض تدعمها، ويرقى اليها بسلم. على أننا نجد منذ القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) أن شرفات الحصن الكبيرة الكثيرة الأضلاع كان لها طابقان أو ثلاثة طوابق من الحجرات ذات الأقبية، وسلم داخلى. وهذه الأبراج الكبيرة كلها من نوع (البارانا). وقد أسهمت إلى حد كبير في الدفاع عن الأماكن المكشوفة عن غيرها في السور.
الأبواب: لم توجد الحصون الأمامية والقلاع الصغيرة في مقدمة المدخل الرئيسى للحصن قط. وحتى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، كان في الأندلس وفى ريف البربر فحسب، نظام المداخل التي تنفتح بين برجين، وكان لها دهاليز مقبوة تختلف أطوالها، وأنصاف أعمدة تدعم عقد باب الدخول، وعقد باب الخروج في بعض الأحيان، وتحمى مفصلات أضلاع الأبواب.
وفى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) يظهر في الأندلس المدخل البسيط المنحنى الذي عرف في التحصينات البوزنطية؛ وانتقل إلى المغرب في هذا القرن نفسه هو وأشكال أخرى للقلعة الأندلسية المغربية، ثم انتقل في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) إلى بلاد تونس. ولبعض هذه الأبواب ممر مكشوف بدلًا من
стр. 3952
الرواق الرئيسى المقبب. وتفتح هذه الأبواب أحيانًا بين برجين، وفى أحيان أخرى على كتف شرفة محصنة ضخمة. وفى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) تظهر الأبواب الثنائية أو الثلاثية المدخل المنحنى أيام الخلفاء الموحدين. ويتكون طريقها الداخلى من سلسلة من الردهات المقبوة يقطعها ممر مكشوف في أغلب الأحوال. وتنزل ضلف أبواب الدخول والخروج بين عمودين مربعين يدعمان الممشى المقنطر.
وكانت جميع هذه المداخل ذات الممرات الجانبية تنفتح بين برجين. وفى أيام الموحدين كانت الأبراج والواجهة تبنى بالحجر، وتغطى بزخارف ثرية منحوتة. وفى أيام المرينيين وبنى نصر حلت المداخل المبنية بالآجر محل تلك المداخل المبنية بالأحجار، وكانت زخرفة واجهاتها أقل إسرافًا. وكانت الكتلة السميكة للبناء التي تكّون هذه المداخل تبرز من وراء الواجهة الداخلية للمعقل، ويقوم البرجان المكتنفان بالمدخل المقنطر في الخارج وحدهما أمام السور الساتر، ولم يكونا من حيث الأبعاد أكبر بكثير من سائر الأبراج. وتعد المداخل العظيمة التي أقامها الموحدون ذات قيمة كبيرة من الناحية الزخرفية والوظيفية على السواء، بل إنها من أعظم الأعمال الإبداعية كمالًا في فن العمارة الأندلسى المغربى، ولعلها كانت من أبدعها جمالًا، كما كانت بلا شك أكثر العمائر الإسلامية ثراءً في الإسلام بأسره.
أما المدخل ذو الدهليز الطويل من النمط الشرقى، فإنا نجده في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) فحسب، ومثال ذلك المدخل الرئيسى لمدينة المهدية الفاطمية، ولسقيفة الكحلاء. وهذا الشكل لا نجد له تقليدًا في المغرب الإسلامى.
والسواتر المنزلقة التي تحمى مدخل الحصن نادرة في الأندلس ولم يرد أى ذكر لها في المغرب. وظل المدخل المنحنى مستخدمًا في كل العهود من الأندلس حتى إفريقية.
تعديل من أجل المدفع: لم يقم بنو نصر بشيء يذكر سوى أنهم أقاموا في
стр. 3953
سطح بعض الأبراج وفى بعض مداخل الحمراء منصات منخفضة يوضع المدفع فوقها؛ وفى المغرب استفاد سلاطين بنى سعد في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) من هذين نظامين، ذلك أنهم رأوا أن سور قصبة مراكش كان خليقًا بألا يهاجمه إلا قبائل ليست في حوزتها مدفع، ولذلك فإنهم اكتفوا بتوسيع الأبراج المستطيلة المكتنفة للجدار الساتر لإيواء مدفع هاون صغير في غرفة الدفاع بكل برج. أما في غيرها من المدن مثل حصن الزواية في تازه وفى الأبراج الشمالية والجنوبية بفاس فإنهم قلدوا (والفضل يرجع للمعلومات التي أمدهم بها المرتدون دون شك) الحصون الأوربية ذات الملاجئ المسقوفة المقبوة التي تطلق منها المدافع، والجدران السميكة المائلة من أعلى إلى الخلف والتى كانت على شكل النجمة في بعض الأحيان. واستخدمت ضروب التقليد للحصون الأوربية هذه في كل المناطق الساحلية بشمالى إفريقية، وفى المغرب، وفى الولايتين العثمانيتين حيث كان يخشى من غارات يشنها الأوربيون لاسترداد ما فقدوا أو الأخذ بالثأر. ولم يقصد بها شيء سوى أن تصمد للضرب بالقنابل من البحر وأن ترد عليه بالمثل وقد ارتفعت هذه العمائر بعض الشيء، ولم يستعمل قط التحصين المنخفض من طراز فوبان. وكانت خطوط الدفاع غاية في البساطة لا تعدو سورًا وخندقًا، ومنحدرًا ترابيًا هي بمثابة الجدار الخارجى للخندق. وعلاوة على هذه الحصون التي تتفاوت في حداثتها، فإن الطراز القديم للتحصين استمر أيام العصور الوسطى متبعًا بأبسط أشكاله، في بلاد البربر من أقصاها إلى أقصاها.
ومن ثم، ظل المغرب الإسلامى مخلصًا لتقليد الإمبراطورية الرومانية القديمة وبوزنطة. وكانت الإضافات الوحيدة لهذا التقليد هي إبداع أشكال جديدة ابتكرها الأندلس. فقد ظهر البرج الخارجى (البارانا) والمدخل ذو المنعطفات الكثيرة، والممر المكشوف في الأندلس. ولم تستطع المؤثرات الوافدة
стр. 3954
من العالم المسيحى أن تكون حافزًا لبنى نصر في التحصين. ووقعت ضروب من التقليد للتحصينات الأوربية تتفاوت في براعتها وذلك في الحصون التي أقيمت على سواحل بلاد البربر بشمالى إفريقية في الفترة الحديثة، ولم يحل هذا التقليد دون استمرار التحصين في شمالى إفريقية على النهج القديم، كما أنه كان يقلد التحصينات الأوربية في جملتها.
المصادر:
ليس ثمة مؤلف عام يتناول العمارة الحربية بالمغرب الإسلامى. وهناك دراسات متعددة لكل بلد وعصر على حدة نجدها فى:
(١) L'art hispano mau-: H.Terrase siecle reque de origines auxllle باريس سنة ١٩٣١.
(٢) L' architecuture mu-: G.Marcais sulmane d' occident باريس سنة ١٩٥٤.
(٣) Arte arabe: M. Gomez Moreno spanol hasta los Almohades, Arte moz- arabe؛ مدريد سنة ١٩٥١ (- Ars His paniae، جـ ٣).
(٤) Arte al-: L.Torres Balbas nazari, Arte mudejar Arte، mohade, مدريد سنة ١٩٤٩ (Ars Hispaniae، جـ ٤) وانظر Ars hispania-msulmane hasta la caida del califato de Cordoba، مدريد سنة ١٩٥٧.
حسن شكرى [هـ ترّاس H. Terrasse]
٢ - إيران
المواقع الحصينة أيام العصور الوسطى كثيرة جدًا في إيران. ويقول صاحب كتاب فارسنامه (تحقيق Description of: G. Le Strange the Province of Fars in Persia, ص ٧٤) إنه كان في إقليم فارس وحده ما يزيد على ٧٠ قلعة مشهورة وصفت ٢٠ قلعة منها في متن هذا الكتاب. على أنه مع وجود هذه الثروة من الأطلال الأثرية فإن العمارة الحربية بإيران الإسلامية لم تدرس إلا قليلًا، وسبب ذلك دون شك، هو سوء الحفاظ على كثير من العمائر الأمر الَّذي جعلها لا تمدنا بما نريد من
стр. 3955
معلومات. وإذا وضعنا في الحسبان ميزة التضاريس الجبلية، نجد أن كثيرًا من هذه الحصون كان يعتمد في حمايته على الموقع الطبيعى المنيع أكثر من الاعتماد على التحصينات التي من صنع الإنسان. مثال ذلك ما قاله ياقوت (ياقوت جـ ٣، ص ٤٩٠) من أن حصن الطاق في طبرستان معقل إصبهبذ خورشيد (سنة ١٢٠ هـ = ٧٣٨ م - ١٤٩ هـ = ٨٦٦ م) هو "موضع يقال له الطاق وهذا الموضع في القديم خزانة لملوك الفرس، وكان أول من اتخذه خزانة منوشهر، وهو نقب في موضع من جبل صعب السلوك لا يجوزه إلا الراجل بجهد" وكان الدخول إليه متعذرًا إلا بالمرور في مغارة طويلة. وكان مدخله مغلقًا بحجر يحتاج إلى خمسمائة رجل حتَّى يزحزحوه من موضعه، وكانت بداخله عين جارية بالماء. وقد عد الطاق حصنًا منيعًا ولم يستسلم للعرب إلا آخر الأمر لانتشار وباء الطاعون. ويقرر أولياء الله الآملى (تأريخ رويان، ص ٤٥) أن حصن الطاق عرف في فترة متأخرة باسم عائشة كركيلى دز، وكان يقوم إلى الجنوب من سارى وراء درب كولا الجبلى.
ومثل هذه القلاع التي تقوم فوق قمة تل كانت حاجتها الأولى وجود مورد مائى ثابت. ومن ثم، فإن عيون الماء أو الآبار، كما هي الحال بالنسبة لقلعة كردكوه الإسماعيلية قرب دامغان، لم يصبح لها الأهمية الكبرى إلا بعد أن تفجر الماء في بئر كانت جافة من قبل، وقد حدث هذا إثر وقوع زلزال. وعلى أية حال، فإن معظم هذه القلاع كان لا مناص لها من الاعتماد على الماء المخزون في الصهاريج التي ما زالت بقاياها ظاهرة للعيان في كثير من الأحيان حتَّى اليوم. وفى بهمندز التي تبعد حوالى ٥٠ ميلًا جنوبى شاه رضا بإقليم إصفهان، نجد أن القلعة تتوج جُرْفًا صخريًا عاليًا شديد الإنحدار في قلب سهل عظيم. وكان الدخول إلى هذه القلعة لا يتم إلا زحفًا من خلال صدع بين صخرتين، وكان الماء يخزن في صهريجين كبيرين خارج القلعة وتحتها. وفى هذا المكان نقش عربى من الواضح أنَّه أقدم النقوش العربية
стр. 3956
في إيران، وهو يسجل أن خازم بن محمد بنى تحصينات سنة ٢٦٥ هـ (٨٧٨ - ٨٧٩ م).
وكان الأمر يقتضى في الجبال بصفة عامة أن تتلاءم التحصينات مع درجة استواء الأرض، أما التحصينات التي تقام في السهول فكان لها في كثير من الأحوال خطة هندسية أرضية. ففي سهل جرجان كانت السمة المميزة للخطة هي محيط خارجى مربع علاوة على مربع أصغر في ركن من الأركان (انظر Flights over an-: E. F. Schmidt cient cities of Iran , اللوحات ٦١، ٦٧, ٦٨). وإذا حكمنا على ضوء المثل الَّذي نجده في موقع بلدة تَمَيَشة التي بنيت في العصور الوسطى في خرابشهر بإقليم جرجان فإننا نقول إن التحصينات التي من هذا القبيل قد يرجع تاريخها إلى القرنين الثامن أو التاسع الميلاديين. وفى إقليم جرجان أيضًا أنماط من التحصين مستقيمة خُطَّتْ لصد الغارات التي تشن من السهوب. ومن أشهرها "سد الإسكندر"؛ وثمة سور أصغر قرب خرابشهر قوامه سور ساتر من الآجر يساير قمة استحكام من الثرى تدعمه أبراج شبه دائرية أو شبه بيضية.
والظاهر أن كلًا من خطى الدفاع هذين قد بناهما الملك الساسانى كسرى الأول (٥٣١ - ٥٧٩ م) قبل ظهور الإسلام. ومن الحصون الإسلامية في إيران التي درست خير دراسة قلاع طائفة الإسماعيلية القائمة في سلسلة جبال ألبرز، مثال ذلك قلعة ألموت، وقلعة لمَسَرَ، وقلعة ميموندز إلى الشمال من قزوين، وكرد كوه بالقرب من دامغان. وتقوم هذه المعاقل فوق صخور شامخة وعرة، وقد بذلت جهود بارعة لإمدادها بالماء. ففي ميموندز، التي تقوم الآن قرب شمس كليه تجاه وادى ألموت، وجدت عين ماء على الأنف من قمة القلعة وثلاثة عيون على جانبها؛ على حين حُوْلَ جدول لجلب الماء إلى سفح القلعة، وقد وردت جميع التفصيلات في الجوينى (ترجمة, بويل، Boyle، جـ ٢، ص ٦٢٧). وفى لمَسَرَ، يوجد مجمع أمطار له صهاريج على قمة صخرة. ثم إن ويلى Willey يصف
стр. 3957
نفقًا طوله ٦٠٠ ياردة يؤدى إلى برج يطل على نهر نينه رود، ويمكن سحب الماء من النهر بالدلاء إلى أعلى البرج، ومع ذلك فإن إيفانو Ivanow يصف هذه السمة وصفًا مختلفًا اختلافًا طفيفًا.
وكانت جميع مدن إيران الكبرى في العصور الوسطى محمية بأسوار لم يبق منها حتَّى الآن سوى عدد قليل. ويصف بوب Pope أسوار يزد، التي لا يزال جزء منها قائمًا. وهي مبنية باللبن، تحميها أبراج بارزة مستديرة ومزودة بفتحات (تسمى بالفارسية سنك - أنداز) وببرج عند المدخل يقوم بوظيفة الحصن الأمامى. وما زالت التحصينات الحسنة الصنع للقلعة المبنية باللبن باقية أيضًا في بَم.
وكلمة حصن التي تدخل في أسماء الأماكن نادرة إلى حد ما في إيران. ويشير الجغرافيون العرب إلى محلة تسمى حصن المهدى أعلى نهر كارون أسفل الأهواز، ولكن موقع هذا الحصن لم يحدد في العصور الحديثة. وحصن الطاق في سجستان الأفغانية (ويجب ألا يخلط بينه وبين الطاق المتقدم ذكره القائم في طبرستان) كان حصنًا منيعًا يقوم على مسيرة ٢٢ ميلًا جنوبى زَرَنْج (تسمى الآن نادعلى). وقد أخطأ له سترينج Eastern Cal-) Le Strange iphate, ص ٣٤٣) إذ ذكر أنه يقوم شمالى زرنج. وقد تبين تيت G.P. Tate في- the history, to Seistan, a memoire of pography, ruins and people of the counter,, (كلكتة سنة ١٩١٠ - ١٩١٢، ص ٢٢٥) , أنَّه هو مجموعة الأطلال الباقية المعروفة الآن باسم سرونز (أو تر - و - سر) التي تقوم فوق السهل المرتفع المطل على وادى هندمندم ولقد أجرى هاكن Hackin سنة ١٩٣٦ بحثًا فى الموقع، وتبين أنه يتكون من معقل ضخم من اللبن، يلتف به محيطان خارجيان. ومن السمات المشهورة لهذه التحصينات استخدام المداخل المنحنية. وفى حصن الطاق ثبت الملك الصفّارى خلف بن أحمد (٣٥٢ هـ = ٩٦٣ م - ٢٩٣ = ١٠٠٢ م) للحصار الذي فرضه عليه ابنه المتمرد طاهر، ثم استعد لصد غزوة محمود الغزنوى على الرغم من استسلامه آخر الأمر، ولكن بشروط.
стр. 3958
المصادر:
(١) Alamut, in Geog.: W. Ivanow Journal العدد ٧٨ (سنة ١٩٣١) , ص ٣٨ - ٤٥؛ وانظر Some Ismaili strongholds in Persia, جـ ١٢ (سنة ١٩٣٨)، ص ٣٨٣ - ٣٩٦؛ وانظر Alamut and Lamasar, طهران سنة ١٩٦٠.
(٢) The Castles of the As-: P. Willey sassins، لندن سنة ١٩٦٣.
(٣) " Fortifications": A. U. Pope طبعة A survey of persian art A.U. Pope, جـ ٢، ص ١٢٣١ - ١٢٣٥.
(٤) Di-: J. Cart, J. Hackin J. Meunié verse recherches archéologiques en Agh- anistan سنة ١٩٣٣ - ١٩٤٠، memoire de la délégation archéologique Francaise en Afghanistan, جـ ٨)، ص ٢٣ - ٢٨.
حسن شكري [أ. د. هـ بيفار A.D.H.Bivar]
٣ - آسيا الوسطى:
تلقى بحوث تولستوف S.P.To- lostov الضوء على التطور الطويل الأمد للتحصين المشيد باللبن في آسية الوسطى بأراضى خوارزم القديمة. وأقدم المواقع الحصينة هي تلك التي تسمى بالمحلة المسورة التي وجدت حوالى القرن السادس ق. م، والتى كانت مساكنها سلسلة من الدهاليز المقبوة الممتدة بطول الواجهة الداخلية للسور. وجرت الحال بأن تكون الخطبة الأرضية للتحصينات مستطيلة الشكل، كما هي الحال في موقع كللى كير، ذى الأسوار المزودة بعدة شقوق للسهام على شكل الرمح، وأبراج عرضية في بعض الأحيان أو قل نتوءات لإطلاق النيران صفوفًا. ويظهر أن الغرض الأساسى لهذه (الحظائر) كان حماية الدواب وقطعان الأغنام لأن الأفنية الداخلية لم تكن بها منازل مبنية. على أن القلاع التي كانت أكثر من هذا تعقيدًا تطورت في القرنين الثالث والثانى ق. م حين شرعت خوارزم في تأسيس دولة مستقلة. وكان ثمة تغير طفيف في الخطط الأرضية للحصن في هذه الفترة. ومن ثم، فإنه كان يوجد في "كوى كريلغن قلعة"، محيط دائرى وأبراج شبه مستديرة تحيط ببرج مستدير. وهذا التخطيط الكامل هو أثر
стр. 3959
من آثار تحصينات الفترة الفرثية في إيران، مثال ذلك، مدن دارابجرد وكور (فيروزآباد) في فارس. وفى قلعة جانبس نجد الخطبة المستطيلة التي هي أدخل في التقليد مستخدمة وبدون الأبراج المكتنفة، ولكنها مزودة مرة أخرى بعدد وافر من شقوق السهام الطولية، ومزودة أيضًا بشقوق طولية مائلة مماثلة لحماية أركان السور. وعلى أية حال فإن أعظم السمات البارزة لهذا الموقع هو بناء خارجى يستر الباب ويكون نوعًا من المدخل المنحنى. ويرى كرزويل Creswell أن حدوث مثل ذلك في قلعة جانبس يدل على أن هذا التحسين وجد أول ما وجد في آسية الوسطى، ثم بلغ العالم الإسلامى وعالم بحر الروم في القرن الثامن الميلادى فحسب.
وفى القرنين الثانى والثالث الميلاديين، وفى الأسرة الإفريقية المحلية شاع استخدام نوع جديد من التحصين في خوارزم. وكانت السمة الجوهرية في هذه الحالة وفى نطاق المحيط أو المحيطين المستطيلين المزودين بأبراج مستديرة, هي برج ضخم مركزى مربع ذو أسوار مائلة يقوم على قاعدة متينة من اللبن، يدخل إليه من محيط البوابة على متن قنطرة بالطابق الأول. ويرى تولستوف Tolostov أن هذه التحصينات كانت مقرًا لسكنى النبلاء أي الدهاقين. واستمر القوم يتبعون قواعد للتحصين مثل هذه في العهد الإسلامى بآسية الوسطى. وظلت الخطط الأرضية مستطيلة الشكل أساسًا، ولكن كان ثمة ميل إلى تعديل الخطبة بحيث تتمشى مع حدود الأرض. وإذا تطلب الأمر امتدادات أخرى، فقد جرى القوم على توسيع المحيط هنا أو هناك على أساس هذه الحالة فحسب، دون تشبث على طول الخط بخطة هندسية موضوعة قبلًا. وظلت أبراج الأكتاف القوية سمة هامة من سمات خطوط الدفاع، كما زودت المداخل بأبنية شبه مستديرة ذات مدخل واحد، رتبت بحيث تجبر المهاجمين على تعريض ميامنهم غير المدرعة لقذائف المدافعين. ولقد وصل فن التحصين ذروة تطوره في القرنين الثانى والثالث عشر بما شيده خوارزم شاه من أبنية ضخمة.
стр. 3960
المصادر:
(١) Auf den spuren: S. P. Tolostov altchoresmischen kultur, برلين سنة ١٩٣٥.
(٢) Fortification: K.A.C. Creswell in Islam before AD. ١٢٥٠ في Pro- ceedings of the British Academy العدد ٣٨ (سنة: ١٩٥٢)، ص ٨٩ - ١٢٥، وص ١٠٦ بخاصة.
حسن شكري [أ. د. هـ - بيفار A.D.H. Bivar]
٤ - إندونيسيا وماليزيا:
إذا أخذنا بمفهوم مؤرخى العمارة الإسلامية لكلمة حصن فإنه لا يوجد حصون في أندونيسيا وماليزيا. وقد دخل هذان القطران وما اشتملا عليه من أجزاء عدة في الإسلام في أزمان مختلفة منذ نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، إلا أن التحصين والدفاع قد تكونا بالفعل بحكم متطلبات الموقع المحلية من حيث الموارد والمناورات، أكثر مما تكونا بحكم القواعد المعمارية التقليدية.
ومن ثم، فإنه على الرغم من أن أهالى جاوة مثلا، قد شيدوا معابد حجرية ضخمة فخمة في وقت متقدم جدًا يرجع إلى القرن العاشر - أى قبيل بلوغ الإسلام بحوالى ٥٠٠ - ٦٠٠ سنة، فإن مجتمعهم كان قائمًا بالفعل على التجارة البحرية والساحلية أكثر مما قام على الحرب البرية. وكانت معاقلهم وغيرها في سومطرة، والملايو، وبورنيو تقوم عادة في موقع يمكنهم من التحكم في مصبات الأنهار وملتقاها، أو من الدفاع ضد القراصنة. وكانت هذه المعاقل تُحْتَل إلى حين، عدة أيام أو بضعة أسابيع في المرة الواحدة، وكان قوامها في العادة أسوار من الثرى أو العشب، ومن استحكامات مدعومة بالأخشاب، ومحاطة بالخنادق، وبالحواجز الخشبية الشبيهة بالقضبان، أو بالكرات الحديدية ذات الرؤوس الأربعة الشائكة تلقى في طريق الفرسان لتعوق تقدمهم. وفى بعض الأحيان، كان يجرى استخدام الحجر، والآجر المصنوع محليًا، والدبش، ولكن الخشب كان أشيع المواد المستخدمة علاوة على الطين الذي كان
следующие страницы →