في إيران، وهو يسجل أن خازم بن محمد بنى تحصينات سنة ٢٦٥ هـ (٨٧٨ - ٨٧٩ م).
وكان الأمر يقتضى في الجبال بصفة عامة أن تتلاءم التحصينات مع درجة استواء الأرض، أما التحصينات التي تقام في السهول فكان لها في كثير من الأحوال خطة هندسية أرضية. ففي سهل جرجان كانت السمة المميزة للخطة هي محيط خارجى مربع علاوة على مربع أصغر في ركن من الأركان (انظر Flights over an-: E. F. Schmidt cient cities of Iran , اللوحات ٦١، ٦٧, ٦٨). وإذا حكمنا على ضوء المثل الَّذي نجده في موقع بلدة تَمَيَشة التي بنيت في العصور الوسطى في خرابشهر بإقليم جرجان فإننا نقول إن التحصينات التي من هذا القبيل قد يرجع تاريخها إلى القرنين الثامن أو التاسع الميلاديين. وفى إقليم جرجان أيضًا أنماط من التحصين مستقيمة خُطَّتْ لصد الغارات التي تشن من السهوب. ومن أشهرها "سد الإسكندر"؛ وثمة سور أصغر قرب خرابشهر قوامه سور ساتر من الآجر يساير قمة استحكام من الثرى تدعمه أبراج شبه دائرية أو شبه بيضية.
والظاهر أن كلًا من خطى الدفاع هذين قد بناهما الملك الساسانى كسرى الأول (٥٣١ - ٥٧٩ م) قبل ظهور الإسلام. ومن الحصون الإسلامية في إيران التي درست خير دراسة قلاع طائفة الإسماعيلية القائمة في سلسلة جبال ألبرز، مثال ذلك قلعة ألموت، وقلعة لمَسَرَ، وقلعة ميموندز إلى الشمال من قزوين، وكرد كوه بالقرب من دامغان. وتقوم هذه المعاقل فوق صخور شامخة وعرة، وقد بذلت جهود بارعة لإمدادها بالماء. ففي ميموندز، التي تقوم الآن قرب شمس كليه تجاه وادى ألموت، وجدت عين ماء على الأنف من قمة القلعة وثلاثة عيون على جانبها؛ على حين حُوْلَ جدول لجلب الماء إلى سفح القلعة، وقد وردت جميع التفصيلات في الجوينى (ترجمة, بويل، Boyle، جـ ٢، ص ٦٢٧). وفى لمَسَرَ، يوجد مجمع أمطار له صهاريج على قمة صخرة. ثم إن ويلى Willey يصف
стр. 3957
نفقًا طوله ٦٠٠ ياردة يؤدى إلى برج يطل على نهر نينه رود، ويمكن سحب الماء من النهر بالدلاء إلى أعلى البرج، ومع ذلك فإن إيفانو Ivanow يصف هذه السمة وصفًا مختلفًا اختلافًا طفيفًا.
وكانت جميع مدن إيران الكبرى في العصور الوسطى محمية بأسوار لم يبق منها حتَّى الآن سوى عدد قليل. ويصف بوب Pope أسوار يزد، التي لا يزال جزء منها قائمًا. وهي مبنية باللبن، تحميها أبراج بارزة مستديرة ومزودة بفتحات (تسمى بالفارسية سنك - أنداز) وببرج عند المدخل يقوم بوظيفة الحصن الأمامى. وما زالت التحصينات الحسنة الصنع للقلعة المبنية باللبن باقية أيضًا في بَم.
وكلمة حصن التي تدخل في أسماء الأماكن نادرة إلى حد ما في إيران. ويشير الجغرافيون العرب إلى محلة تسمى حصن المهدى أعلى نهر كارون أسفل الأهواز، ولكن موقع هذا الحصن لم يحدد في العصور الحديثة. وحصن الطاق في سجستان الأفغانية (ويجب ألا يخلط بينه وبين الطاق المتقدم ذكره القائم في طبرستان) كان حصنًا منيعًا يقوم على مسيرة ٢٢ ميلًا جنوبى زَرَنْج (تسمى الآن نادعلى). وقد أخطأ له سترينج Eastern Cal-) Le Strange iphate, ص ٣٤٣) إذ ذكر أنه يقوم شمالى زرنج. وقد تبين تيت G.P. Tate في- the history, to Seistan, a memoire of pography, ruins and people of the counter,, (كلكتة سنة ١٩١٠ - ١٩١٢، ص ٢٢٥) , أنَّه هو مجموعة الأطلال الباقية المعروفة الآن باسم سرونز (أو تر - و - سر) التي تقوم فوق السهل المرتفع المطل على وادى هندمندم ولقد أجرى هاكن Hackin سنة ١٩٣٦ بحثًا فى الموقع، وتبين أنه يتكون من معقل ضخم من اللبن، يلتف به محيطان خارجيان. ومن السمات المشهورة لهذه التحصينات استخدام المداخل المنحنية. وفى حصن الطاق ثبت الملك الصفّارى خلف بن أحمد (٣٥٢ هـ = ٩٦٣ م - ٢٩٣ = ١٠٠٢ م) للحصار الذي فرضه عليه ابنه المتمرد طاهر، ثم استعد لصد غزوة محمود الغزنوى على الرغم من استسلامه آخر الأمر، ولكن بشروط.
стр. 3958
المصادر:
(١) Alamut, in Geog.: W. Ivanow Journal العدد ٧٨ (سنة ١٩٣١) , ص ٣٨ - ٤٥؛ وانظر Some Ismaili strongholds in Persia, جـ ١٢ (سنة ١٩٣٨)، ص ٣٨٣ - ٣٩٦؛ وانظر Alamut and Lamasar, طهران سنة ١٩٦٠.
(٢) The Castles of the As-: P. Willey sassins، لندن سنة ١٩٦٣.
(٣) " Fortifications": A. U. Pope طبعة A survey of persian art A.U. Pope, جـ ٢، ص ١٢٣١ - ١٢٣٥.
(٤) Di-: J. Cart, J. Hackin J. Meunié verse recherches archéologiques en Agh- anistan سنة ١٩٣٣ - ١٩٤٠، memoire de la délégation archéologique Francaise en Afghanistan, جـ ٨)، ص ٢٣ - ٢٨.
حسن شكري [أ. د. هـ بيفار A.D.H.Bivar]
٣ - آسيا الوسطى:
تلقى بحوث تولستوف S.P.To- lostov الضوء على التطور الطويل الأمد للتحصين المشيد باللبن في آسية الوسطى بأراضى خوارزم القديمة. وأقدم المواقع الحصينة هي تلك التي تسمى بالمحلة المسورة التي وجدت حوالى القرن السادس ق. م، والتى كانت مساكنها سلسلة من الدهاليز المقبوة الممتدة بطول الواجهة الداخلية للسور. وجرت الحال بأن تكون الخطبة الأرضية للتحصينات مستطيلة الشكل، كما هي الحال في موقع كللى كير، ذى الأسوار المزودة بعدة شقوق للسهام على شكل الرمح، وأبراج عرضية في بعض الأحيان أو قل نتوءات لإطلاق النيران صفوفًا. ويظهر أن الغرض الأساسى لهذه (الحظائر) كان حماية الدواب وقطعان الأغنام لأن الأفنية الداخلية لم تكن بها منازل مبنية. على أن القلاع التي كانت أكثر من هذا تعقيدًا تطورت في القرنين الثالث والثانى ق. م حين شرعت خوارزم في تأسيس دولة مستقلة. وكان ثمة تغير طفيف في الخطط الأرضية للحصن في هذه الفترة. ومن ثم، فإنه كان يوجد في "كوى كريلغن قلعة"، محيط دائرى وأبراج شبه مستديرة تحيط ببرج مستدير. وهذا التخطيط الكامل هو أثر
стр. 3959
من آثار تحصينات الفترة الفرثية في إيران، مثال ذلك، مدن دارابجرد وكور (فيروزآباد) في فارس. وفى قلعة جانبس نجد الخطبة المستطيلة التي هي أدخل في التقليد مستخدمة وبدون الأبراج المكتنفة، ولكنها مزودة مرة أخرى بعدد وافر من شقوق السهام الطولية، ومزودة أيضًا بشقوق طولية مائلة مماثلة لحماية أركان السور. وعلى أية حال فإن أعظم السمات البارزة لهذا الموقع هو بناء خارجى يستر الباب ويكون نوعًا من المدخل المنحنى. ويرى كرزويل Creswell أن حدوث مثل ذلك في قلعة جانبس يدل على أن هذا التحسين وجد أول ما وجد في آسية الوسطى، ثم بلغ العالم الإسلامى وعالم بحر الروم في القرن الثامن الميلادى فحسب.
وفى القرنين الثانى والثالث الميلاديين، وفى الأسرة الإفريقية المحلية شاع استخدام نوع جديد من التحصين في خوارزم. وكانت السمة الجوهرية في هذه الحالة وفى نطاق المحيط أو المحيطين المستطيلين المزودين بأبراج مستديرة, هي برج ضخم مركزى مربع ذو أسوار مائلة يقوم على قاعدة متينة من اللبن، يدخل إليه من محيط البوابة على متن قنطرة بالطابق الأول. ويرى تولستوف Tolostov أن هذه التحصينات كانت مقرًا لسكنى النبلاء أي الدهاقين. واستمر القوم يتبعون قواعد للتحصين مثل هذه في العهد الإسلامى بآسية الوسطى. وظلت الخطط الأرضية مستطيلة الشكل أساسًا، ولكن كان ثمة ميل إلى تعديل الخطبة بحيث تتمشى مع حدود الأرض. وإذا تطلب الأمر امتدادات أخرى، فقد جرى القوم على توسيع المحيط هنا أو هناك على أساس هذه الحالة فحسب، دون تشبث على طول الخط بخطة هندسية موضوعة قبلًا. وظلت أبراج الأكتاف القوية سمة هامة من سمات خطوط الدفاع، كما زودت المداخل بأبنية شبه مستديرة ذات مدخل واحد، رتبت بحيث تجبر المهاجمين على تعريض ميامنهم غير المدرعة لقذائف المدافعين. ولقد وصل فن التحصين ذروة تطوره في القرنين الثانى والثالث عشر بما شيده خوارزم شاه من أبنية ضخمة.
стр. 3960
المصادر:
(١) Auf den spuren: S. P. Tolostov altchoresmischen kultur, برلين سنة ١٩٣٥.
(٢) Fortification: K.A.C. Creswell in Islam before AD. ١٢٥٠ في Pro- ceedings of the British Academy العدد ٣٨ (سنة: ١٩٥٢)، ص ٨٩ - ١٢٥، وص ١٠٦ بخاصة.
حسن شكري [أ. د. هـ - بيفار A.D.H. Bivar]
٤ - إندونيسيا وماليزيا:
إذا أخذنا بمفهوم مؤرخى العمارة الإسلامية لكلمة حصن فإنه لا يوجد حصون في أندونيسيا وماليزيا. وقد دخل هذان القطران وما اشتملا عليه من أجزاء عدة في الإسلام في أزمان مختلفة منذ نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، إلا أن التحصين والدفاع قد تكونا بالفعل بحكم متطلبات الموقع المحلية من حيث الموارد والمناورات، أكثر مما تكونا بحكم القواعد المعمارية التقليدية.
ومن ثم، فإنه على الرغم من أن أهالى جاوة مثلا، قد شيدوا معابد حجرية ضخمة فخمة في وقت متقدم جدًا يرجع إلى القرن العاشر - أى قبيل بلوغ الإسلام بحوالى ٥٠٠ - ٦٠٠ سنة، فإن مجتمعهم كان قائمًا بالفعل على التجارة البحرية والساحلية أكثر مما قام على الحرب البرية. وكانت معاقلهم وغيرها في سومطرة، والملايو، وبورنيو تقوم عادة في موقع يمكنهم من التحكم في مصبات الأنهار وملتقاها، أو من الدفاع ضد القراصنة. وكانت هذه المعاقل تُحْتَل إلى حين، عدة أيام أو بضعة أسابيع في المرة الواحدة، وكان قوامها في العادة أسوار من الثرى أو العشب، ومن استحكامات مدعومة بالأخشاب، ومحاطة بالخنادق، وبالحواجز الخشبية الشبيهة بالقضبان، أو بالكرات الحديدية ذات الرؤوس الأربعة الشائكة تلقى في طريق الفرسان لتعوق تقدمهم. وفى بعض الأحيان، كان يجرى استخدام الحجر، والآجر المصنوع محليًا، والدبش، ولكن الخشب كان أشيع المواد المستخدمة علاوة على الطين الذي كان
стр. 3961
متوفرًا في كل مكان وبكميات كبيرة، على حين كان الحجر نادرًا بعض الندرة.
وهذه الأبنية كانت تسمى كوتا (باللغة السنسكريتية) أوكوبو في اللغة الاندونيسية ولغة الملايو. وتدل كل من الكلمتين (على القلعة) وكان النمط المتقدم أكبر وأكثر دوامًا من النمط المتأخر، ويرجح أنَّه كان مبنيًا من الحجر.
وقد نصبت المدافع في بعض القلاع قبل عام ١٥٠٠ م، ولكن إطلاق نيران هذه المدافع كان لأداء بعض الطقوس في كثير من الأحوال، ولم يكن ينطوى على الضغينة إلا في القليل: أما القتال الحقيقى فكان بالسيوف وبالرماح (والكريس) في الأحياء القريبة وفى ظروف يكون التحصين لا يناسب الحال. وفى هذه الظروف وفى الأراضى ذات الأدغال الكثيفة في كثير من الأحوال كان أسلوب الشرق الأوسط لفن العمارة الحربية المأخوذ عن فن الرماية طويلة المدى، وعن فنون الحصار، وكرَّات الفرسان لاختراق الحصار - لم يخرج من ثم إلى حيز الوجود قط.
وكانت خطوط الدفاع عن المدن السلطانية أكبر وأكثر أهمية في قول الرحالة المتقدمين، واشتملت على الأبراج والأبواب، ولكن على قدر معرفتنا، لم تشتمل على أي عنصر إسلامى بعينه.
المصادر:
(١) Malayan Warfare: J.M. Gullick في Malaya in History , جـ ٣/ ٢ (كوالالمبور سنة ١٩٥٩)، ص ١١٦ - ١١٩.
(٢) The History of Su-: W. Marsden matra، لندن سنة ١٧٨٤، وفي مواضع أخرى.
(٣) Chapter entitled: B. Schrieke Japanese warfare and its consequences في Indonesian Sociological Studies جـ ٢، لاهاي وباندونج سنة ١٩٥٧.
حسن شكري [ج. سي. بوتمز J.C. Bottoms]
стр. 3962
حصن الأكراد
وكان يعرف في الأصل باسم "حصن السفح" (انظر Van Berchem: Journ Asiat, سنة ١٩٠٢, ص ٤٤٦ وما بعدها) وكثيرًا يطلق عليه الآن من قبيل التفاخر اسم "قلعة الحصن" وهو على هضبة البقيعة التي تحد جنوبًا بجبل عكار ولبنان وشمالًا بتلال نصيرى، وهو المقر الرسمى للقائمقام. وقد سمى هذا الحصن باسم حصن الأكراد نسبة إلى الحامية الكردية التي أسكنها هذا الحصن شبل الدولة نصر ملك حلب في النصف الأول من القرن الخامس الهجرى، وأقطعوا البلاد والغابات المحيطة بهذا الحصن في مقابل تكفلهم برد الأعداء عن الطريق الهام بين حماة وحمص وطرابلس. وحماة وحمص هما المدينتان العظيمتان الواقعتان في وادى نهر العاصى، ويقال أن حصن الأكراد هو عين الحصن الذي ابتناه هناك رمسيس الثانى. وقد استولى تانكرد الأنطاكى - Tancred of An tioch على هذا الحصن إبان الحروب الصليبية عام ٥٠٣ هـ (ولسنا متأكدين من هذا التاريخ) ثم أعطاه ريموند الثانى ملك طرابلس إلى فرسان القديس يوحنا عام ٥٣٧. وازداد قلق الفرسان على أمنهم وسلامتهم لأن مركز الصليبيين في الشام أخذ يضعف على مر الأيام. وكان مركز الفرسان أكثر خطورة لأنه لم تكن تسرى عليهم هدنة العشر السنوات التي أبرمت عام ٦٢٦ بين الأمبراطور فريدريك الثانى والسلطان الملك الكامل لأنهم لم ينحازوا إلى جانب الإمبراطور، وكان البابا قد حرمه عطف الكنيسة. لذلك كان للفرسان العذر كله في العمل على زيادة تحصينات هذه القلعة. وقد حاول كل من نور الدين وصلاح الدين الاستيلاء على حصن الأكراد ولكنهم باءوا بالخيبة. ويحمى الحصن خطّا دفاع الأول خارجى والثانى داخلى، وهو يقع على قمة التل الذي ينحدر ناحية الشمال وناحية الشرق. ويحميه من ناحية الغرب خندق يلتف أيضًا حول الناحية الجنوبية من الحصن على عمق غير بعيد. وعلى ذلك يكون الحصن على شكل مربع منحرف على وجه التقريب ناحيته الجنوبية هي أضعف الجهات وأكثرها عرضة
стр. 3963
للهجوم، لذلك أقيمت في تلك الناحية أقوى التحصينات، ويستدل من وصف الاستيلاء على ذلك الحصن أنَّه قد أقيمت أيضًا حول الأسوار الخارجية المحيطة به منشآت أخرى من اللبن والخشب كان من المحتمل أن تزيد في ضخامة هذا الصرح، ولكن السلاطين حالوا بين الفرسان وبين بلوغ هذا المأرب باسترضائهم حينًا وبتهديدهم حينًا. وقد قطع الإمبراطور فردريك الثانى عهدًا على نفسه بألا يسمح بتقوية تحصينات القلعة. ويحيط بالحصن من الناحيتين الشمالية والغربية تحصينات تزيد من قوتها بروج مستديرة شيدت على أبعاد معينة من هذه التحصينات.
ويعلو ساحة البرج قبو على عقود مدببة، وتنيرها كوى كبيرة، وهي مزودة بالمجانيق وبها رواق يمتد على طول التحصينات فيه مكامن بارزة للحراس. وفوق هذا الرواق متاريس مستطيلة مرتفعة تتوسطها فتحات تطلق منها البنادق. وباب برج المدخل صعب المنال لأن انخفاض موقعه يجعل الدفاع عنه ميسورًا بفضل الغرف الثلاث الصغيرة البارزة فوقه وما فيها من فتحات في أسفلها. والداخل من باب الحصن الكبير يرى رواقًا مسقوفًا ينعطف ناحية الجنوب ثم ينعطف ثانية عندما يصل إلى جنوب البرج الذي في زاوية الحصن، ويصعد نحو المدخل العلوى عند البرج الشرقى. وقد بنى قسم من الجانب الغربى للرحبة المكشوفة التي بين خطوط الدفاع الخارجية والداخلية بحيث تتجمع فيه المياه، وهو متصل بالصهاريج أسفل الحصن، وتعتمد خطوط الدفاع الداخلية عند الجانبين الجنوبى والغربى على دعامة قوية من البناء تباطن الصخر الطبيعى. أما في الجانب الشمالى والشرقى فلا يباطن الصحر شيء. وهناك سلم كبير مكشوف يوصل من ساحة الحصن إلى الشرفة.
وكان في استطاعة فرسان القديس يوحنا الاحتفاظ بحامية قوامها ألفا رجل في ذلك الحصن المنيع. وقد استطاعوا بمساعدة هذه الحامية إجبار أمراء حمص وحماه على دفع جزية
стр. 3964
مقابل السماح لهم بمرور قوافلهم؛ ثم أقلعوا بعد ذلك عن فرض هذه الجزية وازداد مركزهم حرجًا. وعقد السلطان بيبرس العزم على الاستيلاء على حصن الأكراد، وكان يروم تحرير الشام كلها من الصليبيين. ومكث فترة من الزمان في الشام استغلها في استطلاع أحوالها بنفسه ومعه أربعون فارسًا لا غير. ثم خرج في العام التالى (أي عام ٦٦٩) على رأس حملة كبيرة لمهاجمة الحصن. واستولى في اليوم الأول من هجومه في ١٩ رجب سنة ٦٦٩ (٣ مارس سنة ١٢٧١) على المنشآت الخارجية الضعيفة التحصين، ثم سرعان ما أفلح بعد ذلك في فتح ثغرة في السور والاستيلاء على برج المدخل الذي كان وقتذاك عرضة للهجوم من الرواق الداخلى ومن الخارج أيضًا. وفى الخامس عشر من شهر مارس استولى على البرج الثانى، ثم أقتحم بيبرس في التاسع والعشرين من ذلك الشهر طريقه إلى ساحة الحصن وأقام بها المنجنيقات لمهاجمة البرج الكبير. وأجبر الفرسان في الثامن من شهر إبريل على التسليم وسمح لهم بالتوجه إلى طرابلس آمنين. ومكث السلطان بيبرس في الحصن حتى آخر الشهر، وباشر بنفسه ترميمه. واختير حصن الأكراد مقامًا لقائد فتوح الشام ولم ينقل هذا المقر إلا عندما استولى السلطان قلاوون على طرابلس عام ٦٨٦ فنقل اليها. وفقد حصن الأكراد أهميته تدريجًا بعد أن ساد السلام والطمأنينة ربوع الشام برحيل آخر الفرنجة عنها. ولم يصب الحصن بأى ضرر بسبب غزو تيمورلنك البلاد حوالى عام ٨٠٣ م. ولا يزال الجزء الأكبر من هذا الحصن - وهو مقر قائمقام - محتفظًا بكيانه.
المصادر:
لقد درس البارون راى Rey التاريخ المعمارى لهذه الحصن بالتفصيل وقد ضمن هذه الدراسة كتابه Etude sur les momuments de l'architecture militaire des croisades en Surie باريس ١٨٤١,
стр. 3965
ص ٤٦ وما بعدها؛ وهناك مقتطفات من هذا الكتاب في Die Romanische und A.v. Essewien Gothische Baulainst: جـ ٤.
١ - العمارة الحربية.
أما الكتابات العربية التي في الحصن (وقد نشرها شفر Schefer باختصار في كتاب Rey فقد درسها بالتفصيل van Berchem في Inscriptions arabes de syrie القاهرة سنة ١٨٩٧، ص ٦٤ - ٦٩؛ وفي Inschriften: Freiherr v. Oppenheim .aus Syrien etc مع خبر استيلاء بيبرس على الحصن. وقد نشر سوبرنهيم Sobernheim جميع الكتابات التي في الحصن وفى المدينة وتاريخها (مع مختارات من المصادر) في كتاب. Corp Insc. Arab. جـ ٢ ص ١٤ - ٣٥ مع تخطيط للمسجد ورسوم.
الشنتناوى [سوبرنهيم M. Sobernheim]
+ حصن الأكراد. معقل في سورية معروف في أوربا باسم "- Crac des chev aliers" أي قلعة الحصن وهو يتوج إحدى قمم جبل الخليل المستديرة المنعزلة تقريبًا، وجبل الخليل هو آخر منعطف جنوبى بجبل الأنصارية، ويبعد حوالى ٦٠ كيلو مترًا عن شمالى غرب حمص. وهو على هيئة وكر النسر، ويقوم فوق قُنّة ارتفاعها ٧٥٠ مترًا على أنف يكتنفه بطنا جبل من الشمال الشرقى، والشمال الغربى، ويشرف من ارتفاع قدره ٣٠٠ متر على سهل البُقَيْعة الذي يمتد إلى الشرق والجنوب. وإبان حكم الفرنجة كان هذا الإقليم المزروع الكثير الخصوبة يضم حقولًا كثيرة من المزارع التي تظلها أشجار التين والزيتون. ويتحكم حصن الأكراد في الأخدود الذي بين جبل عَكْار وجبل البحراء، وهو حلقة الاتصال بين السهل الساحلى شمالى طرابلس الذي يقطعه النهر الكبير (Eleuthera)، والذي يفيض أسفل الحصن، وبين سهل حمص الذي ترويه مياه نهر العاصى. ويقطع هذا الموقع الاستراتيجى الطريق على أية حركة بين طرابلس وحمص، ويتيح مراقبة المنفذ الشمالى لسهل البقاع. وتولى حصن الأكراد أيضًا الدفاع عن
стр. 3966
حدود كونتية طرابلس في الشمالى الشرقى، وكان بمثابة ثغر يهدد أراضى الدولة الإسلامية. ويمر هنا طريقان استخدما بالفعل في العصور الرومانية أحدهما من حماة إلى حمص والآخر من رفَنيّة إلى طرطوس.
وكان حصن الأكراد يتصل ببعض الحصون المجاورة بالإشارات المرئية أو بالإشارات النارية. ويمكن أن ترى بوضوح من فوق قمة حصن الأكراد البرج المربع بصافيتا وطرطوس القريب من البحر من ناحية الغرب، ومن الجنوب الشرقى، ووراء سهل البقيعة ترى بحيرة حمص وحافة صحراء تدمر. ومن ناحية الجنوب، كان الاتصال متيسرًا بقلعة (قُلَيْعَة) في السهل الساحلى لطرابلس، وبقلعة عَكَّار القائمة في سفح جبل عكار، ويكسوها الجليد معظم أيام السنة.
ومنذ أقدم العصور، كان ثمة قلعة في موقع حصن الأكراد. وفى النصوص المصرية القديمة، كانت تقوم في موقعه بلدة اسمها شبتون أو شبتونة إبان غزوة رمسيس الثانى، ويظهر أقدم ذكر لحصن الأكراد في النصوص العربية في النصف الأول من القرن الخامس هـ (الحادى عشر الميلادى) حين أقام ملك حلب المرداسى شبل الدولة نصر مستعمرة حربية للكرد سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣١ م) وأقطعهم الحقول المجاورة لها مقابل قيامهم بحماية الطرق الممتدة من حمص وحماة إلى طرابلس من الهجمات القادمة من الغرب. ويبدو أنَّه لم يكن هناك سوى برج بسيط يحوطه استحكام: وكان يسمى (حصن السفح) ولم يبق من أثره شيء البتة. وحين بلغ الأكراد هذا الموقع صار يعرف بحصن الأكراد. أما أصل الاسم الذي أطلقه الفرنجة في العصور الوسطى (في Carc de L'ospital) فأمر غير مؤكد. ولربما كان مصطلح أكراد هو أصل الاسم الفرنجى Cratum. الذي تحول فيما بعد إلى Cart، ثم إلى Carc: وربما تكون الكلمة الأخيرة قد اشتقت من كلمة كرك، وأصلها السريانى كركة أى (قلعة). وعبارة
стр. 3967
" Crat des chevaliers" عبارة حديثة، وتتمشى بشكل ما مع الاسم العربى الحديث "قلعة الحصن" وهي حشو ظاهر في الكلام.
فترة الفرنجة الأولى، من سنة ٥٠٣ - ٥٣٧ هـ (١١١٥ - ١١٤٢ م). في أثناء الحملة الصليبية الأولى استولى ريموند الصنجيلى على القلعة في صفر سنة ٤٩٢ هـ (يناير ١٠٩٩ م). وكان لاستيلائه عليها بعض النتائج المؤثرة، وقام ريموند باستقبال السفراء من حمص وطرابلس، ولكن الفرنجة مكثوا هناك بضعة أيام، إذ كان هدفهم الأساسى منذ ذلك الوقت هو بيت المقدس. وفى جمادى الآخرة سنة ٤٩٥ هـ (إبريل ١١٠٢ م) حاول ريموند الاستيلاء على حصن الأكراد مرة أخرى. وبعد الاستيلاء على طرابلس في أواخر سنة ٥٠٢ هـ (يولية ١١٠٩ م) تقابل الفرنجة فجأة مع طغتكين أتابك دمشق. وأسفرت المفاوضات التي جرت بين الطرفين عن تنازل المسلمين عن ثلث محصولات البقيعة، وعن قلعتى مُنَيطرِة وعكار، على ألا يعود الفرنجة مرة أخرى إلى مهاجمة حصن الأكراد الذي أجبر على دفع الجزية للفرنجة. وبعد فترة وجيزة، أى في أواخر سنة ٥٠٣ هـ (يونية ١١١٠ م) ظهر تانكرد الأنطاكى وانتزع القلعة من أمير الكرد قرجة وأقام بها حامية للفرنجة. ولما توفى برتراند الصنجيلى Sanit Gilles في شعبان سنة ٥٠٥ هـ (فبراير ١١١٢ م) تولى تانكرد برعايته "بونز" أكبر أبناء ريموند، وأقطعه القلعة. وشهدت نهاية سنة ٥٠٨ هـ (ربيع سنة ١١١٥ م) أول هجوم للمسلمين، إذ سار الأمير ألب أرسلان من حلب وحاصر حصن الأكراد بلا جدوى، ولم يقع أى حادث آخر ذى بال قبل سنة ٥٣٦ هـ (١١٤٢ م).
فترة الفرنجة الثانية، من سنة ٥٣٧ - ٦٧٠ هـ (١١٤٢ - ١٢٧١ م). استولى الأتابك زنكى على بارين ورَفَنيَّة وأصبح التهديد الإسلامى منذ هذا الوقت أمرًا ملموسًا. وتنازل ريموند الثانى ابن بونز عن حصن الأكراد
стр. 3968
لفرسان الاسبتارية، وعن كل الأراضى المحيطة به، وعن القلاع الصغيرة المجاورة، ومنحهم أيضًا حق الصيد في بحيرة حمص. وعوَّضَ وليم الكراتومى صاحب إقطاع القلعة، وظل القرويون بالمناطق المجاورة تحت حماية الفرنجة. وفي رجب سنة ٥٥٢ هـ (أغسطس - سبتمبر ١١٥٧ م) حدث زلزال عنيف صدع جدران الحصن، وقام ريموند أمير له بوى La Puy الرئيس الأكبر لفرسان الإسبتارية بإصلاح ما أصابه من عطب على وجه السرعة، ونال لقاء ذلك منحة سخية من ولد سلاس الثانى ملك بوهيميا. وكانت قلعة الأكراد القديمة التي وسعها حاكم القلعة هي التي وقع عليها نظر نور الدين سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٣ م) قبل أن يضطر إلى الالتجاء إلى بحيرة حمص في ساعة القيلولة. وفى سنة ٥٦٥ هـ (١١٧٠ م) تعرضت منطقة حصن الأكراد لزلزال آخر أشد قوة، كان من نتيجته إجراء إصلاحات واسعة للحصن، وتقدم العمل فيها سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م) تقدمًا أتاح له مقاومة صلاح الدين. وقد وقعت زلازل أخرى سنة ٥٩٧ هـ (١٢٠١ م)، وسنة ٥٩٨ هـ (١٢٠٢ م) استلزمت إجراء ترميمات واسعة النطاق. ويرجع تاريخ المظهر العام لحصن الأكراد إلى تلك الفترة. وبلغ حصن الأكراد في الثلاثين سنة الأولى من القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) ذروة مجده. ففي سنة ٦١٣ هـ (١٢٠٧ م) صد الفرسان هجومًا للملك العادل أبي بكر، وفى سنة ٦٢٤ هـ (١٢١٨ م)، أى في أثناء الحملة الصليبية الخامسة، قدم جيش الملك الأشرف من حلب ليعسكر أسفل الحصن. وفى السنة نفسها خصص الملك أندرو الثانى ملك المجر حصة من ريع الضرائب لصيانة الحصن حيث كان ينزل فيه ضيفًا. ولم يدخل فردريك الثانى فرسان الاسبتارية وفرسان حصن الأكراد في اتفاقية السلام التي أبرمها فى ربيع الأول سنة ٦٢٦ هـ (فبراير ١٢٢٩ م) مع السلطان الأيوبي
стр. 3969
الملك الكامل وحاول الملك الكامل بلا جدوى أن يستولى على حصن الأكراد في جمادى الآخرة سنة ٦٢٦ هـ (مايو سنة ١٢٢٩ م).
وفى هذا الوقت قام حكام حصن الأكراد بجباية جزية مقدارها ٤٠٠٠ دينار من ولاية حماة، و ٨٠٠ دينار من إقليم أبو قُدَيْس، و ١٢٠٠ دينار ومائة مُد من القمح والشعير من الإقليم الإسماعيلى (بلاد الدعوة).، وتوقف أداء هذه الجزية سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ م) بعد إبرام اتفاقية سلام مدتها عشر سنوات مع بيبرس (المقريزى، طبعة Hist.: Quatremere Maml جـ ١ ص ٢، ٣٢، ٤٢).
وكان حصن الأكراد الذي بلغ عدد حاميته في الأوقات العادية حوالى ٦٠ فارسًا من فرسان القديس يوحنا، بمثابة نقطة تجمع للحملات التي شنت على حماة في أغلب الأحوال. ففي سنة ٦٣٠ هـ (١٢٣٣ م) تجمع في حصن الأكراد أكثر من ٢٠٠٠ مقاتل: ١٠٠ من قبرص، و ٨٠ من بيت المقدس، ٣٠ من أنطاكية، ١٠٠ من الإستبارية، ٤٠٠ من الملازمين و ١٥٠٠ من المشاة.
وبعد فشل الحملة الصليبية السابعة في المنصورة سنة ٦٤٧ هـ (١٢٤٩ م)، ورحيل القديس لويس بدأت أولى المصاعب، حيث توقف وصول المزيد من التعزيزات من أوربا. أضف إلى ذلك أن المسلمين كانوا يزدادون قوة؛ وفى أواخر سنة ٦٤٩ هـ (مطلع سنة ١٢٥٢ م) غزا جيش تركمانى من شيراز هذه المنطقة، إلا أن هجوم هذا الجيش على حصن الأكراد باء بالفشل.
وفي سنة ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م) , أي بعد انتصار المسلمين على المغول في عين جالوت، ظهر بطل جديد للإسلام هو بيبرس الأول. ومنذ هذا الوقت، حلت بالنصارى كارثة تلو كارثة. ففي جمادى الآخرة سنة ٦٦٨ هـ (يناير سنة ١٢٧٠ م) أرسل السلطان جماعة للاستطلاع قوامها ٤٠ فارسًا، وفى
стр. 3970
صفر سنة ٦٦٩ هـ (سبتمبر - أكتوبر سنة ١٢٧٠ م) علم السلطان بوفاة القديس لويس، ولم يعد بذلك مهددًا من ناحية الغرب، فقاد حملة قوية على سورية، وظهر بيبرس أمام حصن الأكراد؛ وفى التاسع عشر من رجب سنة ٦٦٩ هـ (٣ مارس سنة ١٢٧١ م) احتل خطوط الدفاع المتقدمة، ودَكَّ السور الأمامى للحصن؛ ووصلت الإمدادات من حماة، فاستولى في اليوم الحادى والعشرين من هذا الشهر على أول حصن أمامى (باشورة)، وبعد عشرة أيام، أي في غرة شعبان (١٥ مارس) سقط الحصن الأمامى الثانى القائم عند منعطف المنحدر الموصل إلى حصن الأكراد. وأخيرًا حدث في الخامس عشر من شعبان (٢٩ مارس) أن استطاع السلطان دخول الرحبة الكبرى، وانسحب المدافعون المحَاصروُن إلى البرج المحصن. وشن بيبرس هجومه بالمجانيق. وفى الخامس والعشرين من شعبان (٨ ابريل) استسلم البرج المحصن، وسمح للفرسان بالتوجه إلى طرابلس آمنين. والرسالة المنحولة لحاكم طبقة الفرسان الأكبر يدعوهم فيها إلى الاستسلام، يقال إنها رسالة زورها بيبرس؛ ويبدو أنها أسطورة أشاعها النويرى. وقد تولى بيبرس نفسه الإشراف على الإصلاحات وغادر الحصن في الخامس عشر من رمضان (١٧ ابريل) بعد أن أقام صارم الدين قيماز حاكمًا عليه. وفى سنة ٦٨٠ هـ (١٢٨١ م)، أي بعد استيلاء قلاوون على طرابلس، كان حصن الأكراد، الذي يذكره العمرى على أنه حصن هام، قد فقد أهميته، ولكن تركت فيه حامية تصد عنه أي هجوم يأتى من أوربا أو من قبرص هدفه طرطوس أو طرابلس. ولما كانت المنطقة بعيدة عن طرق المواصلات الرئيسية، فإنها كانت بمنأى عن الهجوم، من ثم لم تصب بأذى من غزوة تيمور لنك سنة ٨٠٣ هـ (١٤٠١ م) يماثل ما لحقها من الفتح العثمانى بعد ذلك بأكثر من قرن.
стр. 3971
وفى سنة ١٨٥٩، وفى أثناء أول رحلة للبارون راى، كان حصن الأكراد ما زال سليما تقريبًا، ولكن فان برشم يسجل أنه في سنة ١٨٩٥, كانت هنا قرية حلَتْ محله بالفعل. وفى نوفمبر سنة ١٩٣٣ تنازلت دولة العلويين لفرنسا عن حصن الأكراد، وأخليت القرية، وبدأ العمل في إصلاحه بشكل جدى. وفى سنة ١٩٤٧، أعادت فرنسا الحصن إلى سورية. واليوم، يعد حصن الأكراد عجيبة من عجائب الفن الحربي الباقية من العصور الوسطى؛ ويذكرنا مظهره الحالى بالحالة التي كان عليها منذ سبعة قرون مضت.
وصف الحصن. إن الخطة العامة لحصن الأكراد الذي يقوم على مساحة مستوية قدرها هكتاران ونصف هكتار، (ما يزيد على ستة أفدنة) يأخذ شكل معين منحرف قاعدته الصغرى في الشمال، واضلاعه المائله في الجهتين الشرقية والغربية، ويتسع برجه المحصن من الشمال إلى الجنوب. اما مدخله الرئيسى فيقوم في الناحية الشرقية وهو على شكل مستطيل بارز من البرج الحصن الذي أملت تضاريس الأرض خطته، ويضم أبراجًا مستديرة أو مربعة على مسافات متباعدة وفق مقتضيات الدفاع. وبناحيته الشرقية ثلاثة أنوف مستطيلة تحميها فواصل من الخشب أعاد المسلمون بناءها في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى). أما ناحيته الشمالية فيها أبواب جانبية يقوم على حمايتها برجان مربعان، وقد تم بناء الأجزاء البارزة منها في عصر بيبرس. وقد ألحقت بها خمسة أبراج فرنجية الطراز يرجع تاريخها إلى نهاية القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) يربط بينها أسوار ساترة تضم شرفاتها المستديرة، وفواصلها الخشبية، فتضفى جمالًا معماريًا على الناحية الغربية. أما الناحية الجنوبية، حيث لا تتوفر خطوط دفاع طبيعية، فقد تمت حمايتها بتحصينات خارجية مثلثة الشكل وتحيط بها ثلاثة أخاديد ما زال أثرها باقيًا كما أن الاستحكام القوى الذي يرجع إلى عصر الفرنجة وتمتد خلفه
стр. 3972
رحبة طولها ٦٠ مترًا، فقد تمت تقويته في العصر الإسلامى بإعادة بناء أبراج الزاوية الكبرى، وبتشييد بناء مربع ضخم في وسط السور، أيام بيبرس.
وثمة طريق مقنطر في جزئين من حصن الأكراد يمكن بلوغه من المدخل الرئيسى. ويتم الدفاع عنه من منعطفه، ومن طرفيه، ويوفر حرية الوصول إليه سواء إلى الرحبة الداخلية أو إلى أعلى الاستحكام القائم بين البرجين المحصنين. ويبدو أن هذا النظام للبرج المحصن المزدوج المتحد المركز قد اقتبس من التقليد البوزنطى. ويتمشى البرج الداخلى المحصن مع الاستحكامات التي ابتدعها الفرنجة في القلاع والتى حلت فيما بين سنتى ١١١٠ و ١١٤٢ م محل القلعة الإسلامية الصغيرة في القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) وكانت تحيط بتل صغير، وتزود بأبراج مربعة الشكل أصلًا، وأعيد بناء بعض منها بعدُ على هيئة أبراج مستديرة. وهذا البرج المحصن الذي يسيطر على جميع خطوط الدفاع الخارجية يمكن وصفه على النحو التالى: برج مربع الشكل بالناحية الشرقية للدفاع عن المدخل، وأنف يتمشى مع الزاوية المقبوة للكنيسة الصغيرة. ويقوم هذا الأنف هو والسواتر وسط حاجز ريفى معتدل الحجم يشير إلى أقدم الأجزاء من البناء. وفى الركن الشمالى الغربى، يقوم برج مربع كبير يتخذ هيئة أنف مستطيل الشكل، تحمل واجهته ثلاثة مزاغل تقوم على أقواس كبيرة لإطلاق القذائف على المهاجمين، ولقد عرفت المزاغل في الشرق منذ العصور اليونانية الرومانية وتوضح ذلك حواجز قصر الحير الغربى على الرغم من أن النظام الدفاعى قد انتشر في أوربا وحدها بعد نهاية القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى). وبالجانب الشمالى الصغير من الأنف مدخل جانبى على النمط البوزنطى القديم ينحنى إلى اليمين ليوفر حماية أفضل للمدافعين من حملة الدروع. أما
стр. 3973
الناحية الغربية فيها برج مفرد, وبالناحية الشمالية التي تعد مكشوفة أكثر من غيرها بسبب طبيعة التضاريس، توجد مجموعة تثير الإعجاب مكونة من ثلاثة أبراج مزخرفة تقع على المنحدر الخلفى، وتتصل بساترين، وقد استخدم هذا المعقل المنيع برجًا محصنًا. أما البرج الجنوبى الغربى، وكان بهوه مزخرفًا بأشكال جميلة منحوتة، فسمى "مقر الحاكم". وكان البرج الرئيسى أفضل خط دفاعى، حيث يزيد سمك جدرانه على ستة أمتار، وتخترقها فتحتان طويلتان. وأخيرًا، يقوم ناحية الجنوب الشرقى، وبجانب برج الزاوية وبين البرجين المحصنين، بناء مخمس الأضلاع أعاد بيبرس بناءه , وكان مركز تحكم في الاتصالات التي تجرى بين البرجين المحصنين، ويطل على الخندق المائى العظيم، ويسيطر على أسباب الاتصال بالمنحدر المؤدى إلى الرحبة الداخلية. وقد أقيم جسر منحدر عظيم مواجه للسور، وهو يستخدم دعامة, فضلا عن أنه يوفر المزيد من مقاومة هزات الزلازل. وشيدت الأبراج المستديرة في هذا السور الساتر القوى، وعند أسفل البرج المحصن الأصلى الذي يمكن التعرف عليه من الجزء الحجرى الريفى يسير دهليز ضيق به فتحات دائرية. وفى الناحية الجنوبية بركة عظيمة تأتيها المياه من قناة لجر الماء الذي يستخدمه الرجال والدواب، وتوفر مزيدًا من الحماية لما بين البرجين المحصنين.
ويرجع تاريخ كل هذه المنشآت الدفاعية الداخلية، وغرف الحراسة المجهزة بدورات المياه ووسائل الصرف، إلى عصر الفرنجة. وهي مقامة في السور نفسه، وتنفتح على رحبة رئيسية فسيحة يمكن الوصول إليها بالطريق المنحدر القائم بالناحية الشرقية. وتحتل النصف الجنوبى من هذه الرحبة غرف مقبوة للخزين تقوم تحت أسقفها شرفة فسيحة. وأمام المدخل من ناحية الغرب غرفة مشورة ذات رواق مُعَمَّد أنيق، وأقواس حادة تعد درة متلألئة من درر الفن القوطى. وفى ناحية الشمال تقوم كنيسة على الطراز الرومانسكى
стр. 3974
صغيرة الحجم على هيئة برميل مقبب، وبها أجزاء ناتئة شبه دائرية؛ ويرجع تاريخها إلى نهاية القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى). وقد حول بيبرس هذه الكنيسة إلى مسجد، به ثلاثة محاريب، أحدهما في الجزء النصف الدائرى الناتئ بالاضافة إلى منبر حجرى سميك.
وكانت جميع الحاجيات اليومية متوفرة داخل البرج المحصن، وتحمل مياه الأمطار إلى الصهاريج من خلال قنوات فخارية، فتستكمل بها البئر القائمة بالرحبة الرئيسية. وبنيت في الجزء الجنوبى من البرج الخارجى المحصن اسطبلات كبيرة طولها ٦٠ مترًا، وعرضها ٩ أمتار، استخدمت في حماية الماشية في أثناء الحصارات. أما البرج الشمالى الغربى فيه طاحونة هوائية. ذلك بجانب الأجران، ومخازن حفظ المؤن، وصوامع الغلال، وقوارير الزيت والنبيذ، وأحجار الرحى، ومعاصر النبيذ، وتنّور لتزويد الحامية بالطعام والمؤن في ظل أية ظروف.
وفى أسفل التل قرية ذات مصاطب سميت "بيوت الحصن" وكان بها مجتمع زراعى يزرع الأرض المحيطة بمحاصيل الحبوب، ذلك إلى جانب المراعى، وأشجار الفواكه والخضر. والحصن الذي كان يغلقه جدار ذو بابين في العصور الوسطى مقسم قسمين: حارة التركمان وحارة السرائية. ويقوم المسجد الجامع في الحارة الأخيرة وكان من قبل كنيسة، أجرى بيبرس التعديلات اللازمة فيها لتلائم حاجة الإسلام. ويرجع تاريخ مئذنة المسجد إلى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) ومن المرجح أن تاريخها يرجع إلى زمن الحاكم بكتكين (٧١٩ هـ = ١٣١٩ م). ولا يزال يقوم بالمقبرة قبرا الأميرين اللذين ولاهما بيبرس وقتلا في أثناء الهجمات التي تعرض لها الحصن، وكذلك ضريح سائس السلطان الذي قتل بجواره.
المصادر:
(١) Le crac des chev-: P. Deschamps aliers مجلدان. (المتن، واللوحات)، باريس سنة ١٩٣٤.
стр. 3975
(٢) ابن القلانسى: التأريخ، طبعة Amedroz, ص ١٦٧, ١٨١.
(٣) ياقوت، جـ ٢، ص ٢٧٦ - ٢٧٧
(٤) ابن جبير، الرحلة، ترجمة Broadhurst, ص ٢٦٥، ٢٦٨
(٥) Le Strange: palestine, ص ٣٩٠، ٥٤٢.
(٦) M.van Berchem: Inscrription arabes de syrie في MIE، عدد ٣ (سنة ١٨٩٧)؛ وانظر Notes sur les croisades في المجلة الآسيوية، عدد ١٩ (سنة ١٩٠٢)، ص ٤٤٦ وما بعدها وانظر Arbische Inschriften في - M. von Op Beitrage, Inschrifen aus Syrien, penheim Zur Assyriologie, جـ ٧ - ١ (سنة ١٩٠٩)، ص ١٣ - ١٦ من الطبعة الجديدة.
(٧) M.Sobernheim, CIA, جـ ٢: - Sy rie de Nord (= MIFAO جـ ٢٥ سنة ١٩٠٩)، ص ١٤ - ٣٦.
(٨) Voy-: E.Fatoi, M. Van Berchem age en syrie في MIFAO جـ ٣٧ - ٣٨ - ١ (سنة ١٩١٤ - ١٩١٥)، ص ١٣٥ - ١٦٤.
(٩) his-: R. Dussaud Topographie de la Syrie torique, سنة ١٩٢٧، ص ١٠٦. وما بعدها.
(١٠) Manuel d'archeologie: C.Enlart Francaise الطبعة الثانية، جـ ٢/ ٢، باريس سنة ١٩٤٠, ص ٦٣٥ - ٦٤١, الخطة
(١١) Syrie du Nord: Cl. Cahen، باريس سنة ١٩٤٠ , ص ٢٢٥ - ٢٥٦، ٧١٥، ٧١٩.
(١٢) Fedden R.: Crusader Castle لندن سنة ١٩٥٠، ص ٥٠ - ٥٤.
(١٣) De l'Amanus au: M.Dunarsd sinai. sites et monuments بيروت سنة ١٩٥٣، ص ٧٠ - ٧١.
(١٤) Moyen Orient: Guides Bleus, باريس سنة ١٩٥٦، ص ٢٥٧ - ٢٦٣، Hist .Crus جـ ١، جـ ٢، والكشافات.
حسن شكري [ن. إليسييف N.Elisseff]
стр. 3976
الحصين
بن نمير من القبيلة الكندية التي كانت تنزل سكربن، وهو شيخ السفيانية. وقد قاتل في صفوف الأمويين في وقعة صفين. ولما تولى يزيد الأول الخلافة كان الحصين واليًا على جند حمص الهام، وقد توسط، وهو في هذا المنصب، عند الخليفة لابن مفرَّغ الهجّاء، وكان عبيد الله بن زياد قد حبسه، فلما أن استقر الرأى على توجيه حملة على المدن المقدسة في الحجاز عُيِّن الحصين نائبًا لأمير الجيوش مسلم بن عقبة، فأبلى بلاء حسنًا في وقعة الحرّة، واستشهد مسلم في الزحف صوب مكة فتولى الحصين قيادة المؤمنين وحاصر المدينة شهرين، وكان على وشك الاستيلاء عليها لولا أن الموت عاجل يزيدًا فأوقف القتال. وحاول الحصين أن يحمل ابن الزبير على مصاحبته إلى الشام لينادى به خليفة فيها ولكنه لم يفلح في إقناعه فرجع بجيشه إلى الشام. ولما بايع الناس كافة مروان بن الحكم بالخلافة أنفذ الحصين إلى بلاد ما بين النهرين تحت إمرة عبيد الله بن زياد فسحق الشيعة الذين كان يتزعمهم سليمان بن صرد (٢٤ جمادى سنة ٦٥ هـ = ٦ يناير سنة ٦٨٥ م)، ومات بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ (سنة ٦٧ هـ = أغسطس سنة ٦٨٨ م) متأثرًا بجراح أصابه بها إبراهيم بن الأشتر في الوقعة التي جرت على ضفاف الخازر.
المصادر:
(١) الطبرى: التاريخ (طبعة ده خويه)؛ جـ ١، ص ٢٠٠٤، ٢٢٢٠؛ جـ ٢، ص ٤٠٩ - ٥٦٨، ٥٧١، ٧١١, ٧١٤.
(٢) Das Arabische Reich: Welhausen und sein Sturz؛ ص ١١٦ - وانظر باقى المصادر في Le califat de: H.Lammens Yazid Ir ص ٣١٢ - ٣١٦، ٢٥٩ - ٦٢٩.
خورشيد [لامنس H. Lammens].
حضانة
وحَضَانة: هي في اصطلاح الفقهاء حق حضانة الطفل، وهي فرع من الولاية على شخص، وهذه الولاية وإن كانت تمارسها في القاعدة الأم أو أية
стр. 3977
امرأة من قريبات الأم، فإنه من الجائز في بعض الظروف أن يقع عبء ذلك على الأب أو على قريب من أقربائه. ونظام الحضانة له شأن كبير جدًا في تطبيق الشرع لما ينشأ عنه من خلافات عدة في هذا الموضوع، وخاصة إذا كان الزوجان مفترقين، وأخص من ذلك كله إذا كان الزوجان قد افترقا بطلاق الزوجة.
(أ) وحق الحضانة من حيث النظر يبدأ بولادة الطفل سواء كان ذكر أو أنثى، وكان الزوجان يعيشان معًا (الزيلعى: التبيين، جـ ٣ ص ٤٦). على أن معظم الكتاب، أيا كان مذهبهم، يدركون أن المصاعب في هذا الأمر لا تنشأ بطبيعة الحال إلا بانحلال عقدة الزواج، وهم لذلك يحصرون تفسيراتهم في هذا الفرض دون سواه.
وإذا لم يكن الزوجان قد افترقا فإن ثمة مجموعتين من الظروف وحسب تجعل حق الحضانة للزوج يواجه به الزوجة: إذا كان للزوجة سكن خاص منفصل عن سكن الزوج، إما لأنه سمح لها بذلك (في المذهب الحنفى) أو لأن الزوجة قد احتفظت لنفسها بهذا الحق في بند من بنود عقد الزواج (في المذهبين المالكى والحنبلى) أو لأن الزوج قد عزم على أن يأخذ الطفل الصغير معه في رحلة بدون الزوجة. وفى هاتين الحالتين فإن المذهب الحنفى دون سواه هو الذي خرج بالنتائج المنطقية من المبدأ القائل بأن الحضانة حق للأم حتى قبل حل عقدة الزواج. ومن ثم فإن الزوج ليس له أن يسافر مع طفله الذي لا يزال بعد في حضانة أمه مخالفًا رغبتها (الكاسانى، جـ ٤، ص ٤٤) أما كتّاب المذاهب الأخرى فإن عنايتها أقل من ذلك انصرافًا إلى الحضانة في حالة قيام الزواج ومبدأهم في هذا الموضع: فيه كثير جدًا من الاضطراب.
(ب) - وفى رأى معظم المذاهب أن الحضانة تنتهى بسن السابعة للصبى الذي يستطيع إذا بلغها أن يطعم نفسه ويلبس دون مساعدة طرف آخر، وتنتهى بالبنت قبل سن البلوغ (حوالى التاسعة). وفى مذهب مالك أن الحضانة تنتهى بسن البلوغ للصبى، وبإتمام الزواج للفتاة.
стр. 3978
وفى المذاهب الثلاثة التي تنهى مبكرًا جدًا حق الحضانة للأم وغيرها ممن تقع عليهم الحضانة (مذاهب الحنفية والشافعية والحنبلية) تنشأ مسألة هي: ما مصير القاصر حين يخرج عن عناية أمه. ويجب ألا نفسر هنا أن هذا الأمر ينصرف إلى الطفل الذي بلغ سن التعقل. ففي مذهب أبي حنيفة أن الطفل أو الطفلة في هذه الحالة يضم فرضًا إلى أبيه فإذا كان الأب متوفيًا أو غير أهل لذلك، فإنه يضم إلى قريب من الذكور تقع عليه ولاية الطفل بشرط في حالة البنت، هو أن يكون الولى قريبًا ومن المحارم، وبعبارة أخرى فإن الصبى البالغ السابعة والبنت البالغة التاسعة لا يوخذ رأيهما في الولى، ذلك أن المذهب الحنفى يرى أنهما أصغر من أن يستطيعا اتخاذ قرار في ذلك معقول.
والشافعية (المهذب، جـ ٢، ص ١٧١) والحنابلة (المغنى، جـ ٧، ص ٦١٤) يسمحون للصبى في السابعة أن يختار العيش مع أمه أو الانتقال إلى بيت أبيه. وهذا الاختيار يمنح للبنت إذا بلغت سن التاسعة، على أن هذا الإختيار إنما منحه لها مذهب الشافعي.
وعند البلوغ (حوالى سن الخامسة عشرة، انظر مادة "بالغ" (تمنح المذاهب كلها الغلام الحق في سكن منفصل عن سكن أبيه، أو منفصل عن سكن أمه إذا كان قد اختار أن يعيش معها وهو في السابعة، كما يسمح بذلك المذهب الشافعي والمذهب الحنبلى. على أنه من الممدوح أن يقيم مع والديه. أما البنت التي بلغت سن البلوغ فإن من العجيب أن المذهب الشافعي قد تسامح معها أعظم التسامح، ذلك أن فقهاء هذا المذهب لم يمنعوا أن يكون لها سكن منفصل وإن ذهبوا إلى أن هذا "مكروه" خلقيًا (المهذب، جـ ٢ ص ١٦٩). وفى المذاهب الأخرى فإن البلوغ لا يحرر البنت البكر من ولاية والديها. وقد رأينا أن المذهب المالكى يقضى بأن تظل في ولاية أمها حتى يتم زواجها. ويقف المذهبان الحنفى والحنبلى منها موقفًا كثير الشبه بهذا، فهما يقضيان بأن البنت البكر لا يمكن أن تغادر أبيها حين تبلغ لأنها تجهل الرجال ومكايدها. على أن
стр. 3979
البنت إذا تجاوزت سن البلوغ وكانت ثيبًا: أرملة أو مطلقة، فإن لها حرية الحركة، بل أن الحنفية يقيمون بعض التحفظات في حالة البنت التي لا يضمن سلوكها، فيرون أنها يجب أن تعيش مع أبيها ولو كانت ثيبًا.
جـ - وثمة قواعد مختلفة تحكم إنقضاء حق الحضانة في المذاهب على اختلافها، ويمكن أن نقسمها مجموعتين من هذه الوجهة. فمن ناحية نجد الحنفية والمالكية وإن لم يقصروا حق الحضانة على النساء، فإنهم قد جعلوا هذه الميزة على الأقل وظيفة يفضل في ولايتها دائما النساء حتى أنهم في حالة تساوى قريبتين للأم فإن القريبة من الرحم أولى من القريبة من الدم، ومن الناحية الأخرى نجد الشافعية والحنبلية وإن كانوا يفضلون في الحضانة تفضيلا جازمًا بعض النساء (الأم أو الجدة للأم أو الجدة للأب) فإنهم لم يترددوا حيال بعض الظروف أن يفضلوا في الحضانة الرجال على النساء ولو كان النساء على قرابة وثيقة بالطفل.
وفى رأى فقهاء المذهبين الأولين أن الحضانة تكون في المقام الأول للأم، ففي غيبة الأم، أو إذا كانت غير أهل للحضانة أو نزلت عن هذا الحق، فإن الحضانة تنتقل إلى الجدة للأم، والأقرب من الجدات يجب الأبعد، ثم تنتقل الحضانة إلى جدات للأب (في مذهب مالك الخالات يأتين قبل الجدات من ناحية الأب، ويأتى بعد ذلك الشقيقات من الأب والأم والشقيقة من الرحم قبل الشقيقة من الدم ثم يأتى بعد ذلك بنات الأخت (إلا بنات الأخت من الدم اللآئى يمتن بصلة القرابة للطفل من الأب وحسب) والخالات مفضلات على العمات.
وفى هذين المذهبين تقع الحضانة بمعناها الحقيقى على الرجال في حالة غياب جميع القريبات من المحارم. وتندمج هاتان الصفتان في صفة واحدة وامرأة واحدة إذا كانت تحجب الحضانة عن الرجل. ولذلك لا يدخل في الاعتبار بنات العم وبنات الخال الشقيقات لأب وأم لأن الفقه الإسلامى لا يقف في سبيل الزواج بين أبناء
стр. 3980
الخئولة وأبناء العمومة. زد على ذلك أن وجود المرضعة أو ابنة المرضعة، بالرغم من قيام حائل يحول دون الزواج، فإن هذا الوجود لا يمنع الرجال من تولى الحضانة لأن المرضعة أو ابنتها ليست قريبة للطفل من الدم.
والرجال الذين نحن بصددهم هم اولاد "العصبات" الذين تأتى درجتهم في الدرجة نفسها التي يقضى بها قانون الوراثة، ومن ثم الأب، وفى حالة غياب أي عاصب، فإن الفقه الحنفى يلقى بعبء الحضانة على الذكور الأقرباء من ناحية النساء، ويقتصر في ذلك على الذكور الذين لم يكن يباح لهم الزواج في حالة ما إذا كانت الحضانة تنصب علي بنت. ويأتى بعد هؤلاء الأقارب، رجالًا ونساء الذين ليسوا من المحارم (أبناء العم أو الخال الأشقاء، وأولادهم إلخ) والرجال يحتضنون الصبيان، والنساء يحتضن البنات. وثمة حالة واحدة يترك فيها الأمر للقاضي إذ يكلف بالحضانة شخصًا من أهل الثقة، وهذه الحالة هي عدم وجود قريبات أو أقرباء للطفل.
وفى المذهبين الآخرين، أى مذهب الشافعي ومذهب ابن حنبل، فإن أولوية النساء بالحضانة أقل إطلاقًا منها في فقه أبى حنيفة وفقه مالك، ويمكن للرجال أن يتولوا الحضانة حتى في الحالات التى يوجد فيها قريبات قرابتهن بالطفل قرابة لا بأس بوثاقتها. ولذلك فإنه في غياب الأم والجدات للأم، أو إذا كانت الأم محجوبة عن الحضانة أو غير أهل لها أو نزلت عن حقها فإن الحضانة تؤول للأب، ثم للجدات من ناحية الأب. وثمة خصيصة أخرى لهذين المذهبين هي أن الشقيقة من الدم مفضلة على الشقيقة من الرحم والعمة على الخالة (المهذب، جـ ٢، ص ١٧٠، ١٧١, المغنى، جـ ٧ ص ٦٢٣) وهذان الحلَّان يناقضان مناقضة مباشرة الحلين اللذين يقولان بهما المذهب الحنفى والمذهب المالكى.
د - وفقهاء الحنفية لا ينفكون قط عن النظر في طبيعة الحضانة وهل هي حق الحاضن أم حق الطفل؟ وقد انتهوا بصفة عامة إلى القول بأنه وإن كانت الحضانة حق للحاضن (سواء كان
стр. 3981
رجلا أو امرأة)، وهذا يوضح كيف أن الأخير يمكن أن يرفض حمل هذا العبء، فإن الحضانة هي فوق كل شيء وأول كل شيء حق الطفل وفى مصلحته تقررت ظروف الأهلية لهذه الوظيفة. ولما كانت مصلحة الطفل تحكم جميع حلول الفقه في هذه المسألة فإن المرأة الحاضنة (ومن أجل المرأة كثرت كثرة كاثرة ضمانات الفقه) يجب أن تكون بالغة عاقلة قادرة على العناية بالطفل في أمان، ومن ثم فإنها تحرم من الحضانة إذا كانت مشاغلها تبعدها عن البيت مدة طويلة في اليوم. ومن الضروري أيضًا ألا تكون "فاسقة" وألا يكون سكنها المعتاد مكانًا للفحش، مما يجعل الإضرار بالطفل أمرًا ثابتًا. وكذلك فإن المرض والعاهات تكون سببًا في منع الحضانة. وهذا معقول جدا لأن المرض والعاهات يحولان دون المرأة والعناية الواجبة بالطفل الصغير: وكانت الإماء، وقت أن كن موجودات، محرومات من الحضانة. وتكاد مبادئ المذاهب الأخرى في هذه المسائل لا تختلف عن المذهب الحنفى.
وثمة طائفتان من الظروف تعلق عليها آراء الفقهاء أهمية عملية كبيرة ونعنى بذلك القدرة على ممارسة حق الحضانة، أولاهما تقع حين تتزوج الحاضنة (وخاصة الأم) مرة أخرى؛ وثانيتهما حين يكون الأب مسلم والمرأة التي تناط بها الحضانة ليس مسلمة.
والفقهاء مجمعين في رأيهم عن المسألة الأولى، ذلك أن زواج أم مطلقة أو أرملة هو بطبيعة الحال سبب في فقدان الحضانة، إلا إذا تزوجت رجلًا يمت بصلة القرابة للطفل في نطاق المحارم. ولكن كيف فسر الفقهاء القاعدة والاستثناء مع التوفيق بينهما وبين المبدأ القائل بأن الحضانة تتقرر في مصلحة الطفل؟ وتفسيرهم في ذلك بسيط أو قل سديد. ذلك أن المرأة إذا عادت للزواج بعد الترمل أو الطلاق (ومن حيث العمل هي وحدها التي يعنيها الأمر) فإنه يجب عليها شرعًا بأن تكرس وقتها كله لزوجها الجديد، فالشرع والأخلاق والدين يقضى بذلك، فكيف يمكنها في ظل هذه الظروف أن تمنح الطفل الذي تحتضنه العناية التي
стр. 3982
تتطلبها سنه الغضة؟ والأمر على خلاف ذلك إذا كان الزوج الجديد يمت بقرابة وثيقة للطفل (كأن يكون عمه مثلًا) ذلك أن من المنتظر أن تمنعه عاطفته الطبيعية من أن يتأذى لعناية زوجه بالطفل.
ويأتى بعد ذلك في مقام التواتر المسألة الثانية الخاصة بظروف القدرة على ممارسة الحضانة وهي إختلاف دين الزوجين. ولنفترض أن الأم، أرملة أو مطلقة من زوج مسلم وهي نفسها ليست مسلمة، فهل تترك الحضانة لها؟ والجواب بلا عند الشافعية (المهذب، جـ ٢، ص ١٦٩) وعند الحنابلة (المغنى، جـ ٧، ص ٦١٣, وحجتهما في ذلك لا تخلو من الرجحان. أفليس الكفر أخطر من مجرد سوء السيرة؟ ونحن نعرف أن سوء السيرة تنقض الحضانة بالنسبة للنساء والرجال. زد على ذلك فإنه إذا صح أن نظام الحضانة قد شرع لمصلحة الطفل فكيف يمكن أن تتحقق هذه المصلحة حين يكون أغلى ما يملكه الطفل، وهو الإسلام، مهددًا بإمكان قيام الأم بالدعوة لدينها والضغط على الطفل بما يحقق مصلحة هذا الدين؟
والمالكية على شيء من التردد، والحنفية في مزيد من الحسم، يقررون أن الذمِّية لها الحق في الحضانة، ثم إن الحنفية بعد يضيفون بعض الشروط على هذه القاعدة (الزيلعى: التبيين، جـ ٣، ص ٣٩) تفقد بمقتضاها المرأة غير المسلمة حق حضانة الطفل إذا سعت إلى أن تحوله عن دين أبيه بشرط أن يكون الطفل قد بلغ السن التي تمكنه من فهم واجباته الدينية. ولما كانت هذه السن تتفق على تفاوت مع السن التي تنتهى فيها الحضانة بطبيعتها، على الأقل بالنسبة للصبيان، فإن أهمية الشروط الحنفية تصبح قليلة الشأن. وأهم من ذلك القاعدة التي تقتضى وحدة الدين حين يتولى "عاصب" في غيبة النساء، الحضانة ما دام انتقال حق الحضانة التي يتولاها الرجال تسير على القواعد نفسها التي تسير عليها الوراثة، ذلك أن اختلاف الدين، كما نعلم، يمنع من الوراثة في الشريعة الإسلامية.
ومن نافلة القول أن نذكر أن المرتدة عن دينها تحجب في أي مذهب عن
стр. 3983
الحضانة، فبصرف النظر عن أي شيء آخر فإنه كيف يتأتى لها أن تعنى بالطفل، على حين أنها في رأى الفقهاء، يجب أن تزج في السجن فورًا وتظل فيه حتى تعود إلى الإسلام؟ وحين يحدث أن تحرم المرأة حقها في الحضانة لأى سبب كالعجز أو عدم الأهلية أو الزواج من خارج العائلة أو المرض، فإنها تستطيع أن تسترد حقها في الحضانة إذا زال المانع إلا في الفقه المالكى. وهذا المبدأ صيغ في وضوح فيما يتعلق بعودة المرأة إلى الزواج، ومن المتفق عليه أنه يمتد إلى الأسباب الأخرى التي تعوق الحضانة أو تفسخها.
(هـ) وتفصل كتب الفقه الكلام عن مسألة لها أهمية عملية كبيرة، ولو أن قواعدها أصبحت الآن قد عفى عليها النسيان إلى حد كبير بسرعة المواصلات. ذلك أنه يحرم على الحاضنة أن تسكن الطفل في مكان بعيد عن سكن أبيه، وإذا غضضنا الطرف عن الفروق وفروع الفروق التي يضعها الكتَّاب فإن المسألة الجوهرية أن المرأة الحاضنة (والرجل إذا تولى الحضانة) ممنوعة من أن تنقل الطفل إلى مكان أبعد بحيث لا يستطيع الأب في يسر أن يشرف على تعليمه وسلوكه وأن يتولى العناية بما يحقق خيره. والخروج على هذا المنع قد يتسبب في انقضاء الحضانة إلى شخص آخر سواء الأب أو أية امرأة أخرى من فرعه.
وإنما ينظر الحنفية إلى حالة أكثر ما تكون تواترًا، وهي حالة الأم تطلق وتصبح حرة في حركتها وهي حاضنة لطفل، فيضيفون إلى شرط منعها من أن تسكن الطفل في مكان بعيد عن الأب، شرطًا هامًا، وهو شرط يمليه الحس العام والإنصاف، فمن بين النساء جميعا اللاتى يجوز لهن تولى الحضانة فإن الأم المطلقة وحدها يمكن أن تحمل طفلها معها إذا استقرت على أن تعود إلى البلد الذي ولدت فيه وعقد الزواج الذي انجبت بمقتضاه الطفل مهما بعد هذا البلد. ذلك أنه من القسوة حقًا أن يؤخذ الطفل الصغير من زوجة مطلقة تعود إلى البلد الذي تسكن فيه
стр. 3984
أسرتها جميعا والتى حملها زوجها السابق على تركه بزواجه منها.
ويجب أن نذكر أن المذهب الحنفى لا يجعل الحضانة تنفض من تلقاء ذاتها إذا خالفت الحاضنة القاعدة التي تمنعها من الانتقال بالطفل من سكن أبيه. وكل ما على القاضي هو الحكم بالعودة إلى المكان الذي يعيش فيه أبوه.
وفى رأى المذاهب الثلاثة الأخرى أن حضانة الطفل تنتقل إلى الأب حين تستقر الأم المطلقة في مكان بعيد. وتصدق هذه القاعدة على الأب الذي يسكن بعيدًا (ولا يكاد هذا الأمر أن يكون منصفًا).
(و) ومن الصفة المزدوجة للحضانة فإنها تكون في الوقت نفسه ميزة للأم (وغيرها ممن هم أهل للحضانة) وهي أيضًا إجراء لحماية الطفل الصغير ومن ثم فهي تنتهى من حيث الأم والطفل إلى النتائج الآتية:
المرأة المؤهلة لحضانة الطفل ليست ملزمة بقبول الحضانة إلا إذا كان الأمر يخص الأم، بل إن الأم عند الحنفية مفروض عليها أن تقبل الحضانة في حالة واحدة هي استحالة وجود حاضنة أخرى، ذلك أن مصلحة الطفل تعلو على حق الأم. ويفسر هذا ما جرى عليه الفقه الحنفى من أن الحاضنة تستطيع بلا حرج أن تطالب بأجر غير نفقة إعالة الطفل ويقع هذا بطبيعة الحال على الأب إلا إذا كان للطفل ثروة تخصه. ويفترض في هذا الأمر أن يكون الزوجان منفصلين وأن تكون فترة العدة قد انقضت. وفى غير المذهب الحنفى فإن الأم لا تستطيع أن تطالب بأجر علاوة على نفقة الطفل. ويذهب المالكية إلى حد رفض الأجر لجميع المؤهلات للحضانة. وإذا حدث أحيانًا، في رأيهم، أن تطلب أم محتاجة نفقة من مال طفلها، فإنها لا تفعل ذلك باعتبارها حاضنة وإنما تفعله كأى أم محتاجة (دردير الدسوقى، جـ ٢، ص ٥٣٤).
ومع أن الحضانة حق النساء فإنها بالرغم من ذلك قد تقررت لمصلحة الأطفال. ومن ثم فإنه من غير الجائز تعديل هذه القاعدة الحتمية التي قررها الفقه في هذا الشأن. وهذه القواعد تدخل في باب المصلحة العامة بقدر ما
стр. 3985
يكون الخروج عليها ضارًا بالطفل، وفى حالة (الخلع) فإن الطرفين قد يحاولان التحايل على هذا المبدأ. ومن الجائز أن يتفق الزوجان على أن تتحمل الأم النفقة الكاملة لحضانة الطفل على اعتبار أنه ليس من الممكن بالنسبة لطلاق الزوج لزوجته أن يشترط فيه أن تنزل الزوجة عن الحضانة. (وربما يكون الاستثناء من ذلك في مذهب المالكية) وفى مثل هذه الحال يكون الخلع صحيحًا والشرط المقصود باطلًا. وكذلك لا تستطيع الزوجة إذا اتفقت مع زوجها على تعويضه، أن تحصل على مد لفترة الحضانة، ويصدق هذا في الأقل على الصبيان، أما البنات فهو جائز. (ابن نجيم: البحر، جـ ٢، ص ٩٨).
(ز) والتشريع الحديث المستوحى من الشرع الإسلامى (قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة) لم يدخل إلا تعديلات قليلة على النظام الذي قضى به الفقه عند السلف.
وفى البلاد التي تأخذ بالمذهب الحنفى نجد أن شغلها الشاغل قد انصب على مد فترة الحضانة التي يحددها فقه السلف تحديدًا غير مناسب.
فالقانون المصري الصادر في ١٠ مارس سنة ١٦٢٩ تبيح المادة العشرون منه للقاضي إذا استدعت مصلحة الأطفال ذلك، أن يمد فترة الحضانة إلى التاسعة للصبى والحادية عشرة للبنت. وقد أخذ بهذا الاتجاه القانون الأردنى الصادر سنة ١٩٥١ في المادة الثالثة والعشرين بعد المائة، وكذلك القانون السورى لسنة ١٩٥٣ في المادة السابعة والأربعين بعد المائة. أما المنشور السودانى رقم ٣٤ لسنة ١٩٣٤ فقد أخذ في صراحة بالمذهب المالكى (يحكم السودانيين المسلمين القانون الحنفى وإن كانوا رسميًا يتبعون في شعائرهم المذهب المالكى) ومن ثم فإن الصبى يظل حتى البلوغ في حضانة النساء، أما البنت فتظل على ذلك حتى إتمام الزواج، وأما القانون العراقى لسنة ١٩٥٩ فتبيح المادة ٥٧ فيه للقاضي أن يمد الحضانة من غير تحديد أجل هذا المد.
стр. 3986
وقانونا الأحوال الشخصية في الشمال الإفريقى (القانون التونسى لسنة ١٩٥٦ والقانون المراكشى لسنة ١٩٥٨) قد أخذا عامة بمبادئ الفقه المالكى في هذا الشأن، وأضافا تعديلات قليلة استوحت الفقه الحنفى ولم تكن في جميع الأحوال موفقة كل التوفيق. ومن ثم فإنه يتعذر على المرء أن يفهم العلة في أن القانون التونسى في المادة السابعة والستين منه قد حدد مدة الحضانة بسبع سنين للصبيان وتسع سنين للبنات، على حين أن معظم البلاد التي تأخذ عملا بالمذهب الحنفى قد خرجت على هذه القاعدة التي يقول بها مذهبها. ثم حدث تأثر بالمذهب الحنفى مرة أخرى حين أجازوا للمرأة الحاضنة، بل للأم نفسها التي انفصلت عن زوجها، أن تطلب مكافأة بخلاف النفقة المقررة من الأب لطفله (المادتان ١٠٣، ١٠٤ من القانون المراكشى) والمادة ٦٥ من القانون التونسى تقرر في عبارة محتشمة أجرًا للحاضنة على الغسيل وإعداد الطعام للطفل. ويصطنع القانونان حلًا يشبه شبهًا غير بعيد ما قضى به المذهب الحنفى بشأن الخلاف في الدين بين الحاضنة والطفل. والمادة ١٠٨ من القانون المراكشى حافلة في هذه المسألة بنتائج طول مدة الحضانة استقاها القانون من المذهب المالكى.
وكل حاضنة من غير المسلمين (والحالة الوحيدة كشف عنها العمل) تحرم من حضانة الطفل المسلم حين يبلغ الخامسة، وتستثنى الأم من ذلك إلا إذا حاولت أن تخرج الطفل من الدين الإسلامى وفى هذه الحالة أيضا تفقد الحاضنة حضانتها.
المصادر:
(١) تتناول كتب الفقه جميعًا هذه المسألة بالتفصيل في باب النفقات في كثير من الأحيان.
(٢) انظر بصفة خاصة السرخسى: المبسوط، القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ. جـ ٥، ص ٢٠٧.
(٣) الكاسانى: بدائع الصنائع القاهرة سنة ١٣١٣ هـ, جـ ٣، ص ٤٦.
стр. 3987
(٤) الزيلعى: تبين الحقائق، القاهرة سنة ١٣١٣ هـ, جـ ٣، ص ٤٦، وكل هذه الكتب تتبع المذهب الحنفى.
(٥) الرملى: نهاية المحتاج، القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ, جـ ٧، ص ١٤.
(٦) الشيرازى: المهذب، القاهرة من غير تاريخ، جـ ٢، ص ١٦٩ (شافعى).
(٧) الخطاب: مواهب الجليل، سنة ١١٢٩، جـ ٤، ص ٢١٤.
(٨) الدردير الدسوقى: شرح الكبير، جـ ٢، ص ٥٢٦ (مالكى).
(٩) ابن قدامة: المغنى، الطبعة الثالثة، القاهرة سنة ١٣٦٧ هـ, - جـ ٢، ص ٦١٢ (وهو حنبلى).
(١٠) Precis de droit mu-: Bousquet sulman الطبعة الثالثة، جـ ١، رقم ٩٥.
(١١) Ma-: Sayed Ameer Ali hommedan. Law الطبعة الخامسة، كلكتة سنة ١٩٢٨, جـ ٢، ص ٢٤٨, فيما يختص بالرخص التي خرجت بها المحاكم في الجزائر وفى الهند من الفقه السلفى.
خورشيد [لينان ده بلفون Y.Linand de Bellefonds].
حضرموت
(وهي في نقوش جنوب بلاد العرب) وتنطق الآن حَضْرَمُوت، وهي أرض في جزيرة العرب في الجزء الشرقى من اليمن بين خط طول ٤٧، ٥٣ شرقا وخطى عرض ١٥ و ١٩ شمالًا ويحدها من الجنوب البحر، ومن الجنوب الشرقى أرض المهرة، ومن الشمال الشرقى والشمال والشمال الغربى الصحراء العربية الكبرى، ومن الجنوب الغربى أرض العوالق وأرض الواحدى؛ وتقول الرواية العربية إن حضرموت نسبة إلى حضر موت بن حمير ... بن يعرب بن قحطان (حضرموت بن يقطان في سفر التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٦).
وقد عرفت حضرموت في الأزمنة الغابرة بأرض اللبان الذكر، وكانت أوسع رقعة مما هي عليه الآن. وكان قوم الذين ذكرهم استرابون (أتراميتاى في بليناس Atramitae) من أشد القبائل بأسًا في مملكة جنوب بلاد العرب. وكانت حاضرتهم سباتة (سباته). وجاء في
стр. 3988
أسطورة يونانية أن رائحة شجرة اللبان الذكر كانت مميتة مما دعا إلى إطلاق اسم (أرض الموت) على الوادى الذي نبتت فيه هذه الشجرة؛ ثم أن لغوييى العرب جعلوا لاسم حضرموت صلة بما قيل من أن موقع هذه البلاد ضار بالصحة، ذلك أنهم يقولون إنه مركب من كلمتين (حَضْر) بمعنى مدينة أو أرض و (موت)؛ على أننا إذا صرفنا النظر عن الأمر الواقع وهو: أن الأرض إنما سميت حضرموت في العصور الحديثة، فإن الناس جروا على القول بأن جوها ملائم للصحة. وكان يقطن حضرموت في الجاهلية الصَدفَ أو الصَدفَ. وقد وصل بنو كندة أنفسهم بالصَدف، وكانوا قد هاجروا إليها من البحرين، وأربى عددهم على الثلاثين ألف رجل قرابة مولد النبي. وكانت تجيب أهم عشائرهم وقتئذ. وبلغ عدد رجالهم في عهد الهمدانى ١٥٠٠ نسمة، وحكم حضرموت في زمن النبي [ ﷺ ] أمراء لقبوا بالعباهلة؛ وقد أسلم الأمير الكندى قيس بن أشعث في زمن النبي [ ﷺ ]، فلما توفى النبي [ ﷺ ] ارتد عن الإسلام ولكنه سرعان ما غلب على أمره؛ والإقليم الآن تحت السيادة التركية (١) ولكنها مجرد سيادة اسمية اذ أن الباب العالى لا يحتفظ بحامية في البلاد ولا يفرض عليها شيئًا من الضرائب.
وحضرموت إقليم جبلى يخطه واد عظيم وعدة أودية كبيرة تتفرع منه؛ وتقوم بمحاذاة الساحل تلال تتبعها سلسلة مرتفعة من الجبال أعلاها جبل العرشة (هضبة متسعة الأرجاء)، وتتصل سلسلة ثانية من الجبال بالوادى الكبير إلى الشمال، وهذه تمتد حتى الصحراء الكبرى. ومعظم هاتين السلسلتين من الحجر الجيرى، وهما ممحلتان على الأغلب. وإنما نجد أشجار الصبر الصغيرة والعوسج الشائك والمراعى متفرقة هنا وهناك.
ويمتد الوادى الكبير من الغرب إلى الشرق ثم إلى الجنوب حيث يصب في البحر بالقرب من قرية الصيد "سيحوت"، وهي من أعمال أرض مهرى. وأبعد المدن غربًا في الوادى الكبير هي مدينة شبوة، ومنها يخرج
стр. 3989
طريق يخترق إقليما رمليًا قليل السكان حتى يصل إلى جبل "القائمة المستقل برأسه. وإلى يسار هذا الطريق المؤدى إلى القائمة وادى جابية (وهو جيد الزرع) ووادى سور، وإلى يمينه أودية عرمة ودهر ورخية (وفى هذا الوادى مدينة سهوة الهامة [وفى رواية Wrede صهوة] وفى هذا الوادى أيضًا بحر الصافى الذي ذكره فرده Wrede ويقول هذا المستكشف: أن كل ما يرمى في وسط هذه الصحراء يغوص فيها، وإلى جنوب واديى دهر ورخية تبدأ أرض العوالق. وإلى الجنوب الشرقى من القائمة مدينتا قعوثة وهينن (هينن؛ وههنم في نيبور Niebuhr مدينة على الوادى المسمى بهذا الاسم، وكانت في عهد الهمدانى قرية كبيرة لها حصن وسوق ويسكنها بنو تجيب) وإلى الجنوب من قعوثة (إلى يمين الوادى الكبير) تخرج الأودية الثلاثة عمد (وهو الذي يتكون من اتصال واديى نير وريدة أرضين عند مدينة عمد) ودوعن والعين (وقد أطلق عليه الهمدانى أيضًا اسم عبر) والوادى دوعن الهام (ومدينة دوعن ذكرها الهمدانى وذكرها بطليموس باسم ولكن لم يعد لها الآن وجود) رافد أيمن (غربى) ورافد أيسر شرقى (دوعن الأيمن ودوعن الأيسر) ويطلق على الجزء الشمالى من الوادى اسم الهجرين نسبة إلى الجبل القائم برأسه "الهجرين"، والمدينة التي تحمل نفس الاسم القريبة منه، والوادى مكتظ بالسكان، وأهم أماكنه: الخريبة (وهي أبعد المدن في هذا الوادى جنوبًا) وصيف (وسيف في Wrede) وبثة وقيدون (فهدون في Nie- buhr و Wrede , وفيها قبر أعظم أولياء حضرموت أحمد بن عيسى الملقب بعمود الدين) ومشهد على، وفيها القبور المعروفة بقبور الملوك. ونذكر من الأماكن الأخرى: القرين وعورة وهدون وهلبون ورهاب وأرسمة. وعلى مقربة من ملتقى واديى عمد ودوعن توجد قرى: عندل (وكانت في زمن الهمدانى مدينة هامة يسكنها الصدف) وقارة (في الهمدانى قارة الأشبى) وأجلانية (وقد وصفها الهمدانى بأنها مدينة كبيرة)، وعلى وادى عمد مدينة هورة الهامة ويطلق على الوادى الكبير من مدينة هينن إلى مدينة شام القديمة التي
стр. 3990
ما زالت ذات شأن اسم وادى الكسر (وفي الهمدانى وادى كسر قشاقس أو قُشاقش نسبة إلى المدينة القائمة على قمة تل المعروفة بهذا الاسم) ومن شبام وادى ابن رشيد أو وادى الأحقاف (وكذلك في الهمدانى) أو الوادى فقط، (حضرموت) أو وادى مسبلة، وأهم المدن في الوادى الكبير شرق شبام: الغرفة وتريس (تريس في - Nie buhr وتريسة في Wrede) (وكانت في زمن الهمدانى مدينة كبيرة) ثم سيؤون، وهي الآن أكبر مدينة وحاضرة التعليم ومدينة مريمة العريقة في القدم، وبور وتاربة (وهي تربه في Niebuhr Tarbe وتياربى في Wrede) وتريم العاصمة القديمة وعينات (عينات على الوادى المسمى بهذا الاسم) والقسم، ومنها يمكن الوصول إلى قبر هود، وهو قبر النبي هود على وادى برهوت ولا ننسى أن نذكر من المدن التي إلى الغرب من شبام فى الوادى الكبير: القتن وهي مدينة هامة، ويكتظ الوادى بالسكان من الهورة إلى القسم وتغطيه أحراج النخيل والحدائق والحقول، وفيه قرى كثيرة، ويقل عدد السكان من القسم إلى قبر هود، أما من قبر هود إلى سيحوت فعددهم قليل جدًا، وتتفرع من جنبى الوادى الكبير روافد نذكر منها: (في الشمال) وديان سر (وفيه قبر صالح) والنعام والجعيمة (وكلاهما شرق شبام) ومدر (شرق سيؤون) وثبّى (ثبى) وعيديد (وفيه قبر الولى عيديد) وهما غرب تريم، ثم الغبرى (شرق تريم)، (في الجنوب) والواديين الهامين ابن علي (شرق شبام) وعديم (أديم في Wrede وهو ليس بعيدًا عن تريم). وأهم الأماكن على الساحل علاوة على الثغرين العظيمين المكلَّا والشحر هي: بروم (ولها ثغر هام، ويقول شبرنكر Sprenger إنه عين بروتونيوس الوارد في بطليموس) وفوّة (وبها خمسون منزلًا صغيرًا بعضها متوسط الحجم) وغيل بوازير (وفيها مزارع للتبغ جيدة جدا) والحاص والشرمة والقصيعر. ونذكر من الوديان التي على الساحل: جربة وحميرة والمعدى. والوادى الكبير والوديان الجانبية جافة عادة ولا تمتلئ جنباتها بالماء إلا في الفصل الممطر.
стр. 3991
ومن جبال حضرموت حويره (في الوادى المسمى بهذا الاسم) وعبد الله غريب، والفقرة وهضبة العرشة، وقد سبق ذكرها، وطمحة (وكلها في الشمال قرب الشاطئ) وريدة الدين (في جنوب واديى عمدو ودوعن) وهيسون والغوز وريدة المعارة (في جنوب وادى عديم) وصويغرة (وبه حصن القاع في جنوب وادى ابن علي) وجهلان وغمدان والغيوار (في شمال وادي عمد ودوعن) وجبال الأبتر (بين وادى جابية ووادى هينن) وجلدة (وبه حصن عرقوب) وجثمة (وكلاهما جنوب سيؤون) ووطى (شمال تريم) والمنيحاز (جنوب تريم) وغيل ابن نمين (شمال غربى قبر هود). وإلى غرب سلسلة الجبال الشمالية هضبة كبيرة تسمى ريدة الصيعر إنسبة إلى القبيلة البدوية القديمة "صيعر" وهي عشيرة من عشائر الصدف وقد حملت اسمها في زمن الهمدانى فصيلة كريمة من الأبل)، تتصل بها هضبة أكبر تسمى (نجد) (نييد ونجد آل كثير ونجد العوامر)، ويتصل كلاهما بالصحراء العربية الكبرى في الشمال، وليس في هاتين السلسلتين من الجبال مكان له أهمية ما.
ومناخ حضرموت جاف ملائم للصحة؛ وهو شديد القيظ صيفًا شديد القرّ شتاء، ويكسو الثلج الجبال العالية حتى في الصيف، ويستمر الفصل الممطر من أكتوبر حتى فبراير وقلما تمطر السماء أربع مرات، وثمة سنوات كثيرة لا ينزل فيها المطر أبدًا؛ وتنبت الأرض الحبوب والأذرة والدخن (نوع من أنواع الشوفان) والبلح والعنب والتين والنبق والنيلة والسمسم والتبغ؛ وتروى الأرض ريًا صناعيًا بالآبار الأرتوازية؛ وقد بنيت منازلها بالآجر، وتتخذ أحيانًا شكل الحصن وهي ما بين طبقتين وأربع، وفيها كوى. ويعيش البدو في أكواخ بنيت من اللبن أو في كهوف؛ ولا توجد خيام في حضرموت ولا قهاوى كالتى توجد في سائر بلاد العرب.
والطبقة الحاكمة في حضرموت هي قبيلة "قبائل" ويقيم شيوخ القبائل ويعرفون بالمقدَّمين في قصور حصينة، ويحتفظون بحرس قليل العدد. أما سكان المدن الأحرار الذين يهيمنون على التجارة والصناعات بالمدينة فهم رعايا
стр. 3992
المقدمين، وهم يفرضون عليهم ضرائب ثقيلة؛ وأقوى الأمراء على ساحل حضرموت هو حاكم الشحر وتتبعه أيضًا مدن المكلا وغيل بوازير والهجرين والحورة والقتن وشبام؛ أما في داخل البلاد فأكبر المقدمين شأنًا مقدم سيؤون ويلقب بالسلطان، ويملك مدن تريم وتريس والغرفة، وتسكن حضرموت القبائل الآتية: (١) بريك وهم بدو يتوارثون لقب شيخ في الأرض المحيطة بشبوة (ويتبع جزء منها الشحر)، (٢) آل عمرو في وادى عرمة ووُهر؛ (٣) بنو كندة وهم بدو ينقسمون إلى: آل صيعر (في ريدة الصيعر والجبال التي تكتنفها) و ٢ آل محفوث، وكانوا من قبل في هجرين، وهم الآن متفرقون في الجبال المجاورة؛ (٤) آل الكرب وهم بدو حول ركبان في وادى جابية؛ (٥) النهد في الجزء الأسفل من وادى رخية وفى الوادى الكبير حتى قعوثة وهينن (وهم ينقسمون إلى عشر عشائر أهمها عشيرة الحكمان. وشيخ الحكمان، ويقيم في قعوثة، هو مقدم القبيلة كلها)؛ (٦) آل بلَّيث، (٧) وآل حيدرة وهما من البدو ويقيمان في الجزء الأعلى من وادى رخية؛ (٨) الجعدة وجلهم عرب بدو ينزلون وادى عمد؛ (٩) آل عمود أو بنو عيسى (نسبة إلى الشيخ أحمد بن عيسى عمود الدين) ويتوارثون لقب الشيخ وهم في وادى دوعن وريدة الدَّين (وينقسمون إلى اثنتين وعشرين عشيرة أهمها آل مطهر ويقيم شيخهم في بثة)؛ (١٠) الذيابنة (ومفردها ذيبانى) و (١١) آل ابن سعد (وهما قبيلتان من البدو تنزلان في وادى عين والجبال المجاورة)، (١٢) آل يافع على الشاطئ، وفى مدن هجرين وحوره والقطن وشبام وينقسمون إلى:
١ - آل ثُبْى (وهم ثمانى عشائر) ٢ - آل لبعوس (مفردها البعسى وهم أربع عشائر) ٣ - آل الموسطح (وهم ثمانى عشائر أهمها القعطة ومفردها القطيعى وزعيمها هو شيخ القبيلة كلها؛ (١٣) سيبان وهم قبيلة بدوية كبيرة تنقسم إلى:
١ - سيبان نفسها في شمال وشمال غربى جبل حويرة ٢ - الأكابرة (مفردها الأكبرى) في جنوب وجنوب غربى هذا الجبل، ٣ - العوابثة (مفردها
стр. 3993
العوبثانى) في جنوب شرقى وادى دوعن، ٤ - آل بَحْسَن (مفردها البحسنى) في وادى جربة والجبال المجاورة؛ (١٤) الهموم، وهم بدو في جبال عبد الله غريب والفقرة والعرشة وطمحة؛ (١٥) الشنافرة وهم سلالة شنفرى الهمدانى. وفى الرواية أنه أمير من أفراد حضرموت وهي قبيلة كبيرة تنقسم إلى:
١ - "آل كثير (كثيرى) بين شبام وسيؤون (وهم خمسة بطون كبيرة منها آل عبد الودود حول قصيعر)، ٢ - العوامر (العامرى) في الوادى الكبير بين سؤون وتريم والجبال التي إلى الشمال، ٣ - آل جابر، وهي قبيلة بدوية في جبلى جلدة وجثمة وواديى ابن علي وعديم. وشيخ الشنافرة هو سلطان سؤون؛ (١٦) آل باجراى في شمال شرقى سؤون بين كثير وعوامر؛ (١٧) بنوثنَّة وهي ثلاثة بطون:
١ - آل تميم في الوادى الكبير بين القسم وقبر هود، ويقيم شيخهم في القسم، ٢ - المناهل (منهالى) وهي قبيلة بدوية في وادى مسيلة بين قبر هود وسيحوت وفى الجبال التي إلى الشرق وإلى الغرب (ويقيم شيخها في عينات)، ٣ - آل السماح (مفردها السماحى) قبيلة بدوية في التلال التي إلى الشمال من وادى عينات.
وفى حضرموت إلى جانب القبائل والرعية طبقة قائمة بذاتها هم السادة ويمثلون الطبقة الدينية الارستقراطية بالبلاد وعددهم كبير، ولهم بين الناس مقام عظيم يفوق مقام المقدمين. ويقبل سائر السكان أيديهم احترامًا لهم، وهم محافظون مغالون يقاومون كل تجديد ويلقبون بالحبيب وينقسمون إلى أسر يتوارث رؤساؤها لقب الشرف. ويرفع الناس كثيرًا من هؤلاء السادة إلى مقام الأولياء ويبجلونهم ويغمرونهم بالهدايا كما أن كثيرًا منهم لهم شهرة عظيمة بوصفهم من العلماء. وهم يحملون سلاحًا ولا يدفعون ضرائب بصفة عامة، ويعدون أنفسهم سادة الأشراف في بلاد العرب ويردون نسبهم إلى الشيخ أحمد بن عيسى الذي تقدم بنا ذكره. ويقال إن هذا الشيخ سبط من أسباط الحسين في الطبقة السابعة من ذريته، وفى رواية أن أحمد بن عيسى
стр. 3994
وفد من البصرة إلى حضرموت قبل ذلك بعدة قرون ومعه ثمانون رجلًا أضحوا من أجداد السادة.
ولا نعرف عدد سكان حضرموت على التحقيق. ويؤخذ من أبحاث فان دن برج (Van den Berg) أن سكانها لا يزيدون على ١٥٠,٠٠٠ نسمة بيانهم كما يلي: من وادى دهر إلى وادى رخية ٢٠,٠٠٠؛ وفى وديان عمد ودوعن والعين ٢٥,٠٠٠؛ ومن شبام إلى تريم ٥٠,٠٠٠؛ ومن تريم إلى سيحوت ٦,٠٠٠. وفى شمال الوادى الكبير حتى الصحراء العربية الكبرى ١٥,٠٠٠. ومن جنوب الوادى الكبير إلى البحر ١٦,٠٠٠. وفى شحر وما جاورها ١٢,٠٠٠، وفى المكلا وما جاورها ٦,٠٠٠.
وللتجارة أهميتها على الساحل وبخاصة في مدينتى شحر والمكلا، وهي تمتد إلى الساحل الشرقى لإفريقية والهند البريطانية والبحر الأحمر والساحل الجنوبى لبلاد العرب (وبخاصة عدن ومسقط وظفار) والخليج الفارسي؛ وصادرات حضرموت هي: زعانف السمك (للهند البريطانية والصين) والبلح والأقمشة المصبوغة بالنيلة والصمغ العربى والراتنج؛ أما الواردات فهي الحبوب وجوز الهند والبن والسكر والأرز والقطن والحديد وغيرها؛ وتجارة القوافل مع داخل البلاد ضئيلة؛ وهي تسير غربًا حتى اليمن وشرقًا حتى عمان. ويقام في المدن الكبيرة سوق في يوم الجمعة من كل أسبوع وأكبرها في سيوؤن. وللقبائل ممثلوها في أسواق البلاد الكبيرة، ويسمى كل من هؤلاء "الدلال" أما السماسرة فيطلق عليهم السكان اسم كلاب السوق؛ ويعهد إلى هؤلاء الدلالين ببيع بضائع القبائل وهم يؤلفون اتحادًا خاصًا تحت إمرة "أبو" (رئيس)؛ وأكبر صناعة في حضرموت هي صناعة المنسوجات، وهي الآن آخذة في الاضمحلال نظرًا لمنافسة الواردات الأوروبية الرخيصة لها، وكان مركزها الكبير في تريم؛ ونذكر إلى جانب صناعة المنسوجات صناعة النيلة وصناعة بناء السفن على الشاطئ؛ أما الزراعة ففي أيدى القبائل والسادة الذين ينيطون بالعبيد حراثة أرضهم.
стр. 3995
وهؤلاء على وجه عام إما صوماليون واما نوبيون، وهم في الغالب من المسلمين، ويسمون بأسماء خاصة تختلف عن الأسماء العربية المألوفة كمبروك ومرجان وغيرها.
والحضرميون قوم أكفاء مجتهدون مخلصون لوطنهم، وقد اضطر كثير من السكان إلى النزوح عن حضرموت لازدياد فقر البلاد وسعوا وراء رزقهم في غير بلادهم؛ ونجد كثيرًا من الحضارمة اليوم في المراكز التجارية ببلاد العرب حيث يكسبون عيشهم من الاشتغال بمهنة الحمالين وممارسة الأعمال التجارية الصغيرة، ويوجدون أيضًا في مصر وبالأخص في جزر الهند البريطانية والهولاندية؛ وما إن يفلح الواحد منهم في جمع شيء من المال حتى يعود إلى وطنه بعد غيبة تختلف في الغالب بين العشرين والثلاثين عامًا؛ وهم شوافع متعصبون مغالون تستهويهم الخرافات ويعتقدون في الأرواح التي تسكن الأماكن المدفونة فيها الكنوز، ولا يستطيع النصارى ولا اليهود أن يقيموا ولو إلى حين في حضرموت. ويسميها أهلها (بلد العلم والدين)؛ أما نساءهم فيجهلن على وجه عام القراءة والكتابة (حتى نساء السادة أيضًا) ولكنهن أوفر حظًا من أترابهن في سائر جهات بلاد العرب. فالطلاق نادر جدًا ولا يعرف هؤلاء البدو تعداد الزوجات. وقد زار أدولف فردة (Adolph v.Wrede) حضرموت أول مرة عام ١٨٤٣ ولكنه لم يستطع إلا استكشاف جزء من الأرض، فقد عرف أنه أوربى وهو في مدينة صيف ولم ينج من الموت الذي كان يتهدده إلا بإسراعه بالفرار؛ وقد زار البلاد بعد خمسين عام ليوهرش والسيد بنت وزوجه. Leo Hirsch and Mr. and Mrs Th.Bent ولكنهم لم يستطيعوا أن يكشفوا البلاد كلها.
المصادر:
(١) الهمدانى: الجزيرة، ص ١٨٥ - ٨٩، ٢، ٧٢٨، ٢٥ - ٢٦، ١٣٤، ١٨ - ١٩، ١٧٧، ١٧، ١٨٨، ٢١ - ٢٤، ٢٠٣ - ١٦ والفهرس.
(٢) ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ٢٨٤ - ٢٨٨.