بأمر من ناصر الدين لينهض بشئون الحكومة، وقد تألف من ١٦ عضوًا. وفى ١٢ ديسمبر ١٨٧١, شغل ميرزا حسين خان مشير الدولة منصب الصدر الأعظم، بعد أن ظل هذا المنصب شاغرًا حوالى ١٣ عامًا، وكان من قبل وزيرًا للحرب برتبة سباه سالار أعظم، وبدأ إصلاحًا شاملًا للإدارة الحكومية. وفى ٢٣ نوفمبر ١٨٧٢, صدر مرسوم شاهانى يعيد تنظيم مجلس الدولة، الذى أصبح يطلق عليه "دربار أعظم " برغم عودته إلى الاسم الأول فيما بعد. ويقسم شئون المملكة بين تسع وزارات: الداخلية والشئون الخارجية والحربية والمالية والعدل والتعليم والأشغال العمومية والتجارة والزراعة والبلاط، برئاسة الصدر الأعظم الذى أصبح رئيسًا للحكومة، أى "الشخص الأول فى الدولة" و"الدربار الأعظم".
وأصبح تعيين وإقالة الوزراء بأمر من الشاه بناء على توصية الصدر الأعظم. وكما أصبح هناك مجلس للوزراء، ذكر المرسوم أن الأوروبيين يطلقون عليه هذا الاسم، ويرأسه الصدر الأعظم ولكل وزير السيطرة الكاملة على وزارته ولا يتدخل فى شئون الوزارات الأخرى. ويجتمع الوزراء بانتظام للتشاور فى كل الأمور التى تخص الحكومة، وهم مسئولون جماعيًا عن شئون الحكومة، وعليهم إبلاغ الشاه بتقاريرهم عن طريق الصدر الأعظم الذى أصبح مسئولًا أمام الشاه (مستوفى جـ ١، ص ١٦٣ وما بعدها). وافتتح مجلس الوزراء فى ٣ ديسمبر سنة ١٨٧٢.
وفى الحقيقة، لم يكن مجلس الدولة ولا مجلس الوزراء يشبهان كثيرًا نظيريهما فى أوروبا الغربية، وربما كان مجلس الدولة يشبه إلى حد كبير مجلس روسيا الملكى، ولعله أنشئ أيضًا على طرازه. إذ كان جهازًا استشاريًا بحتًا ينعقد فى بعض الأحيان لتقديم النصح مسبقًا للشاه، أو لمناقشة تحقيق أوامر الشاه، كما جرى العرف، بعد إصدارها بالفعل، إذ استمر الشاه هو المنفذ الأوحد.
وفى ١٨٨٣, أقيل حسين خان وأثبتت إصلاحاته فشلها الذريع. وفى
стр. 4132
سنة ١٨٨٨ - ١٨٩٠، بلغ عدد أعضاء مجلس الدولة ٣٠ عضوًا، لكنه كان نادرًا ما يجتمع فى السنوات الأخيرة من حكم ناصر الدين، وفى ظل حكم مظفر الدين (١٨٩٦ - ١٩٠٧) اختلف عدد الوزراء ووزراء الدولة. وفى عام ١٩٠٠ كان هناك وزراء للشئون الخارجية والحرب والمالية والبلاط (دربار) والعدل والتجارة والتعليم والبرق والبريد والزراعة والأراضى الشاهانية والأشغال العمومية والأوقاف والمعاشات والمطبوعات ومنشآت التاج ومجلس الشاه (وزير خلوت) والتعدين والصناعة والسكة وشئون الجيش ودار الصناعة، وكانت الوزارتان الأخيرتان تتبعان وزير الحربية. وشغل الصدر الأعظم وزارتى الداخلية، والخزانة والمكوس. وكانت بعض الوزارات موجودة بالاسم فحسب والبعض الآخر نادرًا ما يستشار.
ومن الحملات التى شنت للإصلاح الحكومى فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، لا نجد فيما يظهر إلا إهتمامًا قليلًا بسلطات الحكومة ومهامها. وفى اجتماع لمجلس "انجمن مخفى"، فى ٩ مارس سنة ١٩٠٥, صيغ طلب لتقنين التشريع بحيث يدرج تحت كل مجموعة تصور لواجبات الوزراء وتحديد سلطات الولاة (ناظم الإسلام: تاريخ بيدارى إيرانيان، طهران، من غير تاريخ، ص ١٨٢ - ١٨٣). ولم يطرأ تغيير جذرى على مهمة مجلس الوزراء إلا بعد إصدار الدستور على يد مظفر الدين فى ٣٠ ديسمبر ١٩٠٦. وبالرغم من أن الوزراء لم يكونوا أعضاء فى المجلس الاستشارى القومى، إلا أنهم أصبحوا مسئولين أمامه، وخولوا الحق فى حضور جلساته والإدلاء بآرائهم (القوانين الأساسية، المواد ٢٩, ٣١, ٤٠, ٤٢) ووضعت "القوانين الأساسية التكميلية" فى ١٧ أكتوبر ١٩٠٧ قاعدة جديدة هى أنه لا يرتقى إلى منصب الوزير إلا من كان مسلم الديانة فارسى المولد وأحد رعايا فارس (المادة ٥٨) , وأبعد عن منصب الوزراء أمراء الدرجة الأولى، أى أولاد وأخوة وأعمام الشاه الحاكم (مادة ٥٩).
стр. 4133
وأصبح الوزراء مسئولين شخصيًا عن الشئون المتصلة بوزاراتهم، وجماعيًا عن أعمال بعضهم البعض، وغير ذلك من شئون أخرى أعم أمام المجلس الإستشارى القومى ومجلس الشيوخ (المواد ٦٠, ٦١, ٦٥). ووضعت المادة ٦٧ قاعدة هى أنه أظهر المجلس الإستشارى القومى أو مجلس الشيوخ بغالبية مطلقة عدم الرضا عن مجلس الوزراء أو عن وزير بعينه، فإن المجلس أو الوزير يجب أن يستقيل من مهامه الوزارية، ولا يستطيع الوزراء تجريد أنفسهم من مسئوليتهم بصدور أمر كتابى أو شفوى لهم من الشاه (مادة ٦٤).
وهكذا آذن الدستور ببداية عهد جديد فى حكومة فارس حيث لم يعد الوزراء مجرد عمال للشاه، ولكنهم مسئولين فرديًا وجماعيًا أمام مجلس منتخب.
المصادر:
(١) فريدون آدميت: فكر آزادى ومقدمه نهضت مشروطيت، طهران سنة ١٣٤٠ شمسية.
(٢) ميرزا على خان أمين الدولة: خاطرات سياسى، طبعة حافظ فرمان فرمائيان، طهران سنة ١٩٦٢.
(٣) محمود فرهاد معتمد: تاريخ سياسى دوره صدارت ميرزا حسين خان مشير الدولة سياه سالار أعظم، طهران سنة ١٩٤٧ - ١٩٤٨.
(٤) Persia: Guzon, لندن سنة ١٨٩٢.
(٥) Secret Societies: A.K.S Lambton and the Persian Revolution فى St. Antony Papers, رقم ٤ , Middle East Affairs رقم ١، لندن سنة ١٩٥٨.
(٦) The Persian Rev-: E.G. Browne ١٩٠٥ - ١٩٠٩ olution of, كامبردج سنة ١٩١٠.
(٧) قاسم زاده: حقوق أساسى، الطبعة السادسة، طهران سنة ١٩٥٥ - ١٩٥٦.
(٨) Iran: Political develop-: L.iBinder ment in a changing Society, بركلى ولوس انجليس، سنة ١٩٦٢.
نجلاء عبد الرازق [لامبتون A.K. Lambton]
стр. 4134
٣ - فى مصر وفى بلاد الهلال الخصيب (سوريا ولبنان والأردن والعراق) ظهر اتساع نظام الإدارة ونطاق الحكومة ومهامها أى السلطة الزمنية للدولة بصفة عامة) فى عصر المماليك والعثمانيين. وكان التفكك السياسى والعسكرى للمملكة قد أصبح حقيقة قبل سقوط الإمبراطورية الإسلامية وتخريب بغداد على يد المغول سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م) بوقت طويل. وهكذا لم يجرد الخليفة، وإمام الجماعة، من سلطته الدنيوية فحسب، بل انتقص أيضًا من سلطته الروحية حتى تقلصت فى الحق تمامًا. فقد أرسى ولاة الأقاليم فى مصر وسوريا على سبيل المثال، دعائم حكوماتهم المستقلة إستقلالًا ذاتيًا، وأقاموا أسرًا حاكمة فى كثير من الأحيان وأصبحت الحكومة فى الأراضى الإسلامية ملكية بسيطة، الكلمة العليا فيها للحاكم القوى. وكانت الحكومة غالبًا مستبدة قاسية، وكثر فى كل مكان الحكام الذين يستطيعون أن يسبغوا الشرعية على حكمهم بالقوة الغاشمة. وفى الهلال الخصيب، أدت الاختلافات الطائفية التقليدية العرقية والقبلية إلى أن تقوم مرة أخرى الأسس الحقيقية للحكومة والسياسة.
ويرتبط قيام الحكومة الدنيوية الحديثة والإدارة فى مصر بحكم محمد على الكبير (١٨٠٥ - ١٨٤٩). فقد أسس دولة حديثة مستقلة استقلالًا ذاتيًا هو وورثته من بعده. فبالإضافة إلى تكوين جيش قوى حديث على الطراز الأوروبى، أقام محمد على إدارة مركزية تحكمت وراقبت عن كثب شئون الدولة. واستعار محمد على من أوروبا فكرتين أساسيتين جديدتين، وبالنسبة لمصر طبق أفكارًا مبتكرة هى: أصول الإدارة الدنيوية الرشيدة ومهام الحكومة الواسعة وسلطاتها التنظيمية. وقد امتدت هذه السلطات لتشمل كل مظهر من مظاهر الحياة العامة: الزراعة والتجارة والداخلية والخارجية والصناعة والتعليم. وتركت الأحوال الشخصية فحسب لحكم الشريعة والمحاكم الشرعية، وحتى هذا المجال من مجالات الحياة كان يخضع لرقابة حكومية مباشرة فى ظل سياسة محمد على المركزية. وهكذا كانت هناك بعد
стр. 4135
بيروقراطية مقصودة للعلماء، وإصلاح تدريجى فى إدارة الأزهر ومعاهده، وسيطرة مالية تفرضها الحكومة آخر الأمر على الأوقاف والممتلكات الأخرى للمؤسسات الدينية.
وفى باكورة حكمه، أنشأ محمد على مجلسًا حكوميًا هو "الديوان العالى" لمساعدته فى جميع شئون الحكومة والإدارة، ويرأس هذا المجلس نائبه "كتخدابك" الذى كانت له سلطات واسعة فى جميع أمور الحكومة. ويعد هذا المجلس الممهد لمجلس الوزراء الحديث لأنه كان حتى ١٨٧٨ يعرف بالديوان الخديوى أو ديوان المعاونة. وفى نفس الوقت شكل محمد على مجالس قائمة بذاتها لكل فرع من فروع الحكومة مثل: الجهادية والبحرية والتجارة والتعليم والأشغال العمومية والشئون الخارجية. وقامت هذه المجالس مقام الوكالات التنفيذية أو المصالح التابعة لمجلس الدولة الحكومى. وأدى اتساع المهام الحكومية إلى تكوين مجلس أعلى جديد للدولة سنة ١٨٣٤ يتكون من رؤساء المجالس القائمة بذاتها. وضم إلى عضويته العلماء وكبار التجار وأعيان المديريات. أما "مجلس المشورة" الذى أنشئ مبكرًا سنة ١٨٢٩ , فلم تكن له سوى مهام إستشارية، أسسه محمد على بنية ضم أكبر عدد من الزعماء الوطنيين والمحليين والقبليين إلى نظام حكمه.
ويعتبر قانون السياستنامه أو القانون النظامى أكثر الأشياء دلالة على تأسيس الحكومة المنظمة والإدارة المنهجية، بالإضافة إلى نجاح الحاكم فى فرض النظام العام. وفى الواقع، كان هذا إجراءًا اتخذ لإعادة تنظيم الحكومة حدد نظامها ومجال مسئوليتها ومهام كل مصلحة. فقد أعيد تنظيم الحكومة فى سبع مجالس أو مصالح أو وزارات أولية، ويسيطر "الديوان العالى" الذى أصبح "الديوان الخديوى" فيما بعد، على السلطة القضائية، وخاصة بعض الجرائم التى تقتضى حفظ النظام العام والأمن فى القاهرة، بالإضافة إلى مسئوليته عن السياسة الداخلية العامة. وكانت هناك مصلحة تشرف على الدخل من
стр. 4136
المديريات فى مصر وكريت والسودان والأراضى الأجنبية الأخرى. كما كانت مسئولة عن دخل المكوس ولها السلطة فى تعيين مفتشى الأقاليم وغيرهم. وبالإضافة إلى مصالح الحربية والبحرية، أشرف ديوان المدارس على نظام المدارس الجديد فى الدولة ومطبعة الدولة فى بولاق وما يتصل بذلك من نشاطات. وكانت مصلحة شئون الفرنجة هى البداية لوزارة العلاقات الأجنبية والتجارة الخارجية. وأخيرًا أنشئت مصلحة المصانع التى عنيت بمشاريع الدولة الصناعية.
ومع إعادة التنظيم الشاملة تلك أنشأ محمد على "الديوان الخاص" للنظر فى المسائل السياسية العامة، ووضع التشريعات، وإصدار التوجيهات لكل مصالح الحكومة. كما كان هناك مجلس خاص فى مصلحة المالية والدخل للنظر فى مسائل السياسة المالية. وكانت إعادة تنظيم الحكومة وإصلاحها على يد محمد على، هى أول إدارة حديثة استحدثت فى البلاد. وكان لجميع مصالح الحكومة ومجالسها مهام تنفيذية صارمة، كما كانت مسئولة أمامه - وأكثر من هذا، فإن محمد على أعاد تنظيم مصالح البلاد فقسمها إلى ٧ مديريات و ٥ محافظات عين لها أول مديرين للأقاليم والنواحى باعتبارهم موظفين عموميين للحكومة المركزية. كما نظم قوة شرطة حديثة يرأسها حاكم أو مفوض يعمل تحت إمرته ضباط ينتشرون فى أرجاء البلاد كافة.
والقضاء نفسه تأثر بنظام محمد على الحديث. فبالرغم من أن هذا الميدان ظل إلى حد كبير من مهام المؤسسات الدينية ومسئوليتها، إلا أن محمد على قبيل سنة ١٨٣٠, منح سلطات قضائية لمجلس الدولة. وفى سنة ١٨٤٢, إستحدثت هيئة جديدة هى "الجمعية الحقانية" التى كانت إرهاصا بقيام مجلس إدارى الدولة، وخولها سلطة محاكمة كبار موظفى الدولة، والنظر فى المخالفات الإدارية التى تحيلها عليها مصالح الحكومة على اختلافها. كما أسس "مجلس التجارة" ليقضى فى المنازعات التجارية بين أهل البلاد بعضهم البعض وبينهم وبين الأجانب. وبهذا بدأت سلطة الحكومة العلمانية الحديثة تتعدى تدريجيًا على مجال من
стр. 4137
مجالات سلطة الدولة، كان حتى ذلك الوقت مدخرًا للشريعة.
والتعليم مجال آخر تقلصت فيه السلطة التقليدية إذ خرّجت مدارس الدولة العلمانية والكليات الجديدة ومدارس التجارة والتعليم الفنى والبعثات الدراسية إلى أوربا، مجموعة من الإداريين المصريين الوطنيين والفنيين للعمل بالدولة، فساعدوا على زيادة تطور الإدارة العلمانية والحكومة الحديثة فى مصر.
ووقعت المرحلة الكبيرة الثانية فى تطور الحكومة الحديثة بمصر، فى حكم الخديوى إسماعيل (١٨٦٣ - ١٨٧٩) وفى هذه الفترة تدفق الأوروبيون تدفقًا على البلاد. وكان برنامج إسماعيل فى التنمية فى جميع المجالات طموحًا للغاية وسريعًا بالنسبة لموارد الدولة. وأدى هذا إلى مديونيته للدائنين الأوروبيين، وإلى إفلاسه فى النهاية وفرض الرقابة المالية والسياسية الأوروبية على الحكومة المصرية، ثم الاحتلال البريطانى فى النهاية سنة ١٨٨٢. ومع ذلك، فإن هذه العوامل جميعًا أدت إلى تغييرات فى النظام الإدارى، وكان أكثرها دلالة إنشاء "مجلس النظار" فى أغسطس سنة ١٨٧٨ ليكون مسئولًا عن إدارة البلاد. ودل هذا على أن حاكمًا مستبدًا مثل إسماعيل كان مضطرًا تحت الضغط إلى أن يستحدث صورة معدلة للنظام الأوروبى الذى يقوم على حكم وزارى. وكان أعضاء هذا المجلس أو الوزراء مسئولين عن سياسة مصالحهم التى يرأسونها أو إدارتها، كما كانت لهم السلطة على جميع الموظفين العموميين أو العاملين المدنيين فى تلك المصالح. وكان للمجلس رئيس أو وزير أكبر، أصبح فى ذلك الوقت مسئولًا عن اختيار الوزراء الآخرين.
وحتى ذلك الوقت، ساعد المجلس المخصوص حاكم مصر فى إدارة البلاد. وكان أعضاؤه، بالإضافة إلى رؤساء المصالح المتعددة بالحكومة، موظفين لدى الحاكم ولا تقع عليهم أي مسئولية خاصة. وأصبحت الدواوين الجديدة وزارات فعلية، وحل مجلس الوزراء محل "المجلس المخصوص" القديم باعتباره الجهاز الشرعى المعترف به لحكومة مصر.
стр. 4138
وأعاد إسماعيل تنظيم الإدارة فى مصر فقسمها إلى ١٣ مديرية و ٨ محافظات وهو التقسيم الذى لا يزال قائمًا دون تغيير تقريبًا حتى اليوم.
وظهرت التغيرات البعيدة الأثر فى مجالات التشريع والقضاء، فى حين ظلت الأحوال الشخصية داخل نطاق القضاء الشرعى والمحاكم الدينية. وطغت القوانين الوضعية وسادت فى جميع المجالات الأخرى. وأعدت وصدرت مجموعة القوانين التجارية والمدنية والجزائية وقوانين العقوبات على الطراز الأوروبى، وأصبحت هذه القوانين فى الثمانينات من القرن التاسع عشر أساس القضاء الوطنى. وتحت حكم إسماعيل، تشكلت محاكم القضاة ومحاكم الدرجة الأولى فى جميع أرجاء البلاد. وبدأ العمل لإقامة المحاكم الوطنية فى عهد إسماعيل، وتم فى عهد توفيق باشا سنة ١٨٨٣. وأسست المحاكم المختلطة للقضاء بين أهل البلاد والأجانب سنة ١٨٧٦. وأصبحت وزارة العدل الجديدة مسئولة عن المحاكم الوطنية الجديدة وكل درجات القضاء فى البلاد.
وبإنشاء المراقبة الثنائية على مالية مصر سنة ١٨٧٦, بلغ النفوذ الأوروبى المباشر الحكومة والإدارة المصرية. وأصبحت مراقبة الميزانية وإدارة الدين والكفاية الإدارية أهم مجالات الإصلاح الحكومى لفترة الثلاثين عامًا التالية، وخاصة فى أثناء الاحتلال البريطانى. وأصبح نظام المستشارين الأوروبيين، والإنجليز فيما بعد، للوزارات الحيوية ومديرى المرافق العامة والأشغال والمواصلات والمفتشين، دعامة هامة فى الإدارة المصرية خاصة تحت حكم كرومر.
ومنذ الاستقلال سنة ١٩٢٣ وحتى الإطاحة بنظام الحكم القديم فى يولية سنة ١٩٥٢, كان الجهاز الإدارى فى مصر فى جوهره، هو الجهاز الذى طوره أولًا محمد على وإسماعيل ثم أصلح تحت الوصاية البريطانية. ودعت الزيادة السريعة فى السكان، وقيام صناعة قومية صغيرة ومعها قوة عمالية صغيرة أيضًا، إلى اتساع مهام الحكومة والسلطات التنظيمية. وكان أكثرها دلالة إنشاء وزارة الشئون الإجتماعية سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ تضم
стр. 4139
مصلحة للفلاح - وتنظر هذه الوزارة فى شئون العمل والأمن والرفاهية الإجتماعيين، على المستوى القومى فيما هو مفروض. وزادت القوة العمالية العامة خلال الحرب العالمية الثانية حتى أصبح إنشاء وزارة للعمل أمرًا حتميًا. كما تمخضت الحرب عن وزارة للتموين أيضًا.
ولعل الاقتصاد المصرى الذى ظل فى جوهره زراعيًا حتى وقت قريب يعتمد على التوزيع العادل لمياه النيل وحسن استخدامها، هو السبب فى أن أوجب واجبات الحكومة هو ما تقوم به وزارة الأشغال العمومية والرى منذ عصر محمد على. وكان الموقف السياسى بعد الحرب حريًا يخلق هوة واسعة بين الطبقات الحاكمة من السياسيين، أيًا كانت مذاهبهم السياسية، وبين الشعب. وقد خلقت مشاق الحرب، وما تبعها من بطالة، مشاكل جديدة دعت إلى التدخل الحكومى. وسرعان ما انتشرت بعد الحرب فكرة مؤداها أن المهمة الرئيسية للدولة والحكومة هى توفير الخدمات الاجتماعية وأسباب الرفاهية على نطاق واسع. زد على هذا، أن الناس أصبحوا ينظرون إلى الدولة والحكومات على اعتبار أنها أدوات للتغيير والتنمية. وفى هذه الأثناء، كانت الحكومات المصرية مشغولة كل الانشغال بالمنازعات الشخصية التى تتورط فيها الأحزاب السياسية والملك، بالإضافة إلى السعى إلى طرد القوات البريطانية من منطقة السويس. وفى الفترة بين ١٩٤٦ - ١٩٥٢, دعمت الحكومة قوات الشرطة والأمن، وهى من أجهزة الحكومة التى تشكلت وتطورت إلى حد كبير خلال الخمسين سنة السابقة بمساعدة البريطانيين. وكانت الحكومة تستخدم أجهزة الأمن وشتى إدارات الشرطة بأقصى قدراتها بدافع من المضايقة من قبل بعض الجماعات، مثل الإخوان المسلمين، وكانت هذه المعارضة تعمد إلى العنف أحيانًا.
وعندما انهار النظام البرلمانى، وأطاح الضباط الأحرار بالملكية فى يوليو ١٩٥٢ والشهور التالية، استولى هؤلاء الضباط على مقاليد الحكم القائمة
стр. 4140
ووضعوها تحت الإشراف العسكرى. وبعد إلغاء الملكية فى يونية سنة ١٩٥٣، أعلنت الجمهورية وأقيمت الحكومة على النظام الرئاسى سنة ١٩٥٦, واتسمت الحكومة منذ ذلك الوقت بالسلطة التنفيذية القوية والمركزية الشديدة. وبدافع من التركيز والعناية بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وسياسات الرفاهية، قام النظام الحاكم الجديد بتغييرات جذرية فى الإدارة، إذ توسعت فى مهامها إلى حد كبير. وانبثق عدد من الوزارات الجديدة من تلقاء نفسها نتيجة لانهماك الحكومة فى التخطيط القوى للاقتصاد والنشأة السريعة للصناعة والتعبئة السياسية للجماهير، وكانت وزارة الصناعة قد نشأت من قبل سنة ١٩٥٢, أما وزارة الثقافة والإرشاد القومى مثلًا، فكانت جديدة.
والتأميم الشامل للمشروعات الاقتصادية والتجارية سنة ١٩٦١, وهو الذى استحدث سياسة إشتراكية، أدى إلى تغيير آخر لمهام الحكومة لتشمل بالفعل كل مجال من مجالات العمل القومى والخاص. واتسع نشاط الحكومة فى هذه المجالات أكثر نظرًا لاتباع سياسة الإصلاح الزراعى واستصلاح الأراضى وإعادة توزيع الأراضى على الفلاحين مع ما تبعه من تكوين الجمعيات التعاونية للزراعيين والمستهلكين.
وبالرغم من أن الدولة التزمت بالتعليم المجانى والإجبارى لكل المصريين منذ ١٩٥٠ - ١٩٥١، إلا أن نشاط الحكومة فى هذا المجال إتسع حديثًا إلى درجة كبيرة خاصة فى المستويات العليا للتدريب الفنى والجامعى.
وتأميم الصحافة سنة ١٩٦١ واستيلاء الحكومة على دور النشر، جعل من هذه المؤسسات والوظائف أيضًا أجهزة للدولة وحكومتها. كما ظهرت الهيئات الحكومية والخاصة فى ظل النظام الحاكم الحالى وأبرزها هيئة قناة السويس. وكان مشروع سد أسوان، الذى بدأ فى سنة ١٩٦٠, من الضخامة بحيث تطلب وزارة خاصة له.
стр. 4141
وفى سنة ١٩٦٦ أصبحت الوزارة فى مصر إدارة تنفيذية بمعنى الكلمة، والرئيس هو ونائبه أو نوابه الذين يختارهم يضعون سياسة حكومية قومية. وفى ظل الدستور المؤقت لمارس سنة ١٩٦٤, أصبحت الوزارة وزارة رئاسية، أى ليس لها فى الحق مركز شرعى مستقل. ويتولى وزراء الوزارات شئون الحكومة بإرشاد وتعاون من وزاراتهم فيقترحون التشريعات وتقديمها للرئيس للنظر. ولكن الرئيس يرسم السياسة العامة للدولة بمشاورة حكومته (نواب الرئيس ووزراء الوزارة) فهو يصدر جميع قوانين ولوائح الأمن ويشرف على تنفيذها. ومنذ ١٩٦٢, شكلت الدولة تنظيمًا شعبيًا سياسيًا لتشجيع الشعب على المشاركة فى البرامج القومية. ويقال إن الاتحاد الاشتراكى العربى ضم، فى عام ١٩٦٦، ستة ملايين عضو، ونظم على المستويات المحلية والإقليمية والقومية ويرأس الرئيس اللجنة التنفيذية العليا له، ويعين هو أعضاءها. ومن ناحية أخرى، ما زالت ترتيبات الحكومة المحلية تتبع أساسًا النظام الذى نبع من الماضى. ويخضع ضباط الحكومة وكبار الموظفين العموميين لوزارة الداخلية. وما زالت هيئة القضاء تتبع النظام القديم لمحكمة النقض، التى تعمل فى ظلها ٦ محاكم إستئناف وعدة محاكم ابتدائية (أى محاكم الدرجة الأولى)، والكثير من المحاكم المستعجلة. وأدخل النظام الحاكم الجديد تغيرًا جذريًا واحدًا وهو إلغاء المحاكم الشرعية سنة ١٩٥٥ - ١٩٥٦.
وكان حكم العراق بالنسبة للعثمانيين، قبل عام ١٩١٤, صعبًا ومكلفًا. ومع أن البلاد كانت فى ذلك الوقت منظمة فى ٤ وحدات إدارية رئيسية هى ولايات الموصل، وبغداد، والبصرة ومتصرفية دير الزور، إلا أن سلطة ورقابة شتى الولاة الذين كانت تعينهم استانبول سلطة أقرب إلى الاسم من الفعل. وكان يصعب إخضاع العراق لسلطة مركزية أو ممثلين لها فى بغداد، إذ كان يسكنها مجتمع متفرق الأجناس والأديان من الأكراد والتركمان والأشوريين والشيعة واليزيدية وسكان البطائح والقبائل الأخرى.
стр. 4142
ومن المحتمل أن تطوير بعض وسائل المواصلات والخدمات البريدية فى القرن التاسع عشر قد أدى بلا شك إلى جنوحها إلى السلم وإخضاعها لسلطان مركزى.
وقد استغرقت قوات الاحتلال البريطانى عامين (١٩١٨ - ١٩٢٠) لفرض بعض النظام والأمن المظهريين فى أرجاء البلاد. وأسس المفوض المدنى، تحت حكم القائد الأعلى البريطانى، نواة إدارة لحكم العراق بتكوين مصالح جديدة وحديثة فى حكومة بغداد، كان أهمها تلك التى اضطلعت بالنظام والأمن العام، خاصة وأن عدة أقاليم فى البلاد كانت تجاهر بتحديها للسلطات فى بغداد. وكذلك تلك المصالح التى تختص بالزراعة والأشغال العمومية والرى والصحة والنظافة، ناهيك عن المالية. ومورست السلطة الإدارية لمصالح الحكومة الجديدة فى طول البلاد وعرضها عن طريق تنظيم المديريات. وكان هذا بالضبط هو نفس نظام الوحدات الإدارية الذى كان موجودًا قبل الحرب العالمية الأولى، وكان عددها وقتئذ ١٦ وحدة. أما اليوم فهى أربع عشرة وحدة إدارية.
وعندما انتهى الحكم العسكرى فى أكتوبر سنة ١٩٢٨, تشكل مجلس الدولة العراقى باعتباره جهازًا للدولة مسئولًا عن الإدارة، لكنه يستمع لنصيحة موظفين بريطانيين. واستمر الحكم بوزارة عراقية، مع بعض الوصاية البريطانية على جميع فروعه فى ظل الملكية من سنة ١٩٢٢ - ١٩٣٢, وهنالك حصلت العراق على استقلالها واشتركت فى عصبة الأمم. ثم انتهى الانتداب البريطانى رسميًا وحلت محله معاهدة إنجليزية عراقية.
وكان تكوين جيش قوى بعض الشئ وقوة طيران وقوة شرطة فى العراق، ضروريًا لحكم البلاد، وبحلول عام ١٩٣٦, كانت الشعب الثلاث التنفيذية للحكومة قد تقدمت إلى حد كبير بالمقارنة بمثيلاتها فى دول الهلال الخصيب الأخرى. ولا يقل عن ذلك أهمية، تطور القضاء بالنظر إلى تفرق البلاد بين طوائف دينية وقبلية وسلالية. وبالرغم من ازدياد المركزية
стр. 4143
للسلطة فى بغداد، ظلت محاكم التحكيم الخاص والإجراءات الإدارية للقبائل كما هى.
وأصبحت تنمية الموارد القومية منذ وقت مبكر مسئولية الحكومة فى العراق وخاصة فى مجال الرى والزراعة. وشجعت البلديات، ومدت بالمال لتطوير مواقعها (قانون البلدية العام سنة ١٩٢٩). وبتحسن المواصلات تقدمت الإدارة الحكومية المباشرة لبغداد على حساب القوى الأخرى خاصة شيوخ القبائل.
ويماثل نظام محاكم الدرجة الأولى للمديريات نظيره فى مصر. ومع ذلك، ظل "القانون المدنى العثمانى" مطبقًا فى العراق حتى سنة ١٩٥١ - ١٩٥٢, وهنالك حلت محله قوانين أخرى. وكما فى مصر تتحكم وزارة الداخلية فى العاصمة فى إدارة المديريات، حتى أن المبادرات المحلية ظلت محدودة. ويعد هذا شيئًا بالغ الأهمية فى العراق حيث تميل الجماعات إلى تحدى السلطة المركزية للحكومة، ومع هذا، تشكل بمرور السنوات جهاز دائم من الموظفين المدنيين تزايد عدد أفراده، كما هى الحال فى الدول العربية الأخرى، خاصة منذ بداية الانقلابات العسكرية فى يولية سنة ١٩٤٨, وهى الانقلابات التى أدت إلى أن تتوسع الحكومة فى الخدمة العامة. واستمرت هيئات الخدمة العامة فى استيعاب العراقيين المتعلمين. ونهض القانون الصادر عام ١٩٥٧ بإجراءات الخدمة المدنية، وأنشأ "مجلس الخدمة العامة". وكما فى مصر، أصبحت إدارة العمل والأمن الاجتماعى مسئولية الدولة سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠, وتوسع فيها سنة ١٩٥٦. كما أصبح من أكبر مهام الحكومة منذ ١٩٥٣، ترشيد استخدام موارد رسوم البترول لمشاريع التنمية الرئيسية. كما أصبح التعليم الإجبارى مسئولية الدولة وتديره الحكومة منذ سنة ١٩٤٠. ولكن عدم الاستقرار السياسى الذى ينعكس بعضه فى التورط الدائم للجيش فى السياسة والفتن القبلية المتعددة، والصراع الدائم بين الحكومة والأكراد، أثر بطريقة عكسية على سير الأجهزة الإدارية فى عملها برفق ويسر. كما تضاءلت كفاءة الحكومة منذ أغسطس
стр. 4144
سنة ١٩٥٨، حين أدى "القانون ضد التآمر" إلى أعمال التطهير وقيام المنظمات البرلمانية فى صورة أحزاب سياسية ومليشيات شعبية وغير ذلك.
ومنذ الانقلاب السياسى سنة ١٩٥٨، أصبح هناك اتجاه فى الجيش للسيطرة على الدولة والحكومة. وتمخض عن هذا فوضى فى الإجراءات الحكومية. وأدخل الدستور الجديد لمايو سنة ١٩٦٤ قوى تنفيذية كبيرة فى نظام رئاسى للحكومة، تفوق مثيلاتها فى ظل الملكية. ويعين الرئيس وزراء الوزارة ويعفيهم من مناصبهم، ويحكم بمعاونة مجلس الدفاع القومى. وحدث فى العراق ما حدث فى مصر. فأصبحت هيئة حكومية قومية واحدة هى التى أعلن عنها، ونعنى بها "الاتحاد الاشتراكى العربى العراقى". زد على ذلك أنه قد صرح بأن الدولة مسئولة عن التخطيط الذى يوجه الاقتصاد القومى ويتوسع فى المنهج التعاونى، واتخذت حديثًا سلسلة من التأميم للمشروعات.
وفى سوريا ولبنان، أعاقت الانقسامات السياسية والاجتماعية والسلالية الحكومة فى جميع الأوقات، وربما كان ذلك أوسع مدى مما حدث فى العراق. وقد حاول العثمانيون تطبيق صورة من صور الإدارة هنا تقوم على تقسيم البلاد إلى مديريات، ومع هذا. استطاع الحكام العثمانيون أن يحكموا حكمًا مباشرًا دمشق والمدن الكبرى الأخرى فحسب، وتم لهم ذلك حتى جاء الغزو والاحتلال المصرى سنة ١٨٣١ - ١٨٣٢. أما فى سائر المناطق، فقد حكمها شيوخ القبائل والزعماء المحليين لا يزعجهم فى ذلك مزعج. وقد حاولت السلطة المصرية فى تلك الفترة القصيرة من حكمها إقامة حكومة مركزية قوية، وفرض ضرائب منتظمة لمواجهة تلك الاتجاهات الانفصالية المحلية. وعمدت السلطات العثمانية إلى الأخذ ببعض الإصلاح الذى تفرع من نظام "التنظيمات"، فقامت بإجراء فى الإصلاح الإدارى يهدف إلى دفع مرتبات منتظمة للعاملين المحليين، وتوسيع التسهيلات التعليمية. وسرعان ما دخل النفوذ الأوروبى
стр. 4145
والأمريكى بعد ذلك إلى المنطقة فى صورة بعثات دينية وتعليمية، واقترن هذا بتحسن المواصلات فى البلاد.
وظلت لبنان، أو الجزء الجبلى منها على الأقل، حتى منتصف القرن التاسع عشر، تحكمها عائلتان قويتان على اعتبار أنها إمارة، وقضى على العائلة الثانية، وهى عائلة الشهابيين سنة ١٨٤٢, وقسم العثمانيون الولاية إلى ناحيتين: ناحية درزية وناحية مارونية، لكل منها مدير ومجلس إدارى يمثل الجماعات الدينية، وكان هذا بمثابة اعتراف غير رسمى بالأساس الطائفى للحكومة والإدارة فى لبنان، ولكنه أدى أيضًا إلى مشكلة خطيرة فى الفترة ما بين ١٨٥٦ - ١٨٦٠ تفاقمت فى صورة مذابح طائفية وتدخلت فيها الدول. وعلى هذا صدر قانون أساسى فى ١٨٦١ - ١٨٦٤ يجعل لبنان سنجقية مستقلة استقلالًا ذاتيًا يحكمها والٍ مسيحى غير لبنانى يعينه السلطان وتوافق عليه الدول.
وأدار هذا الوالى البلاد بمساعدة مجلس إدارى منتخب. وقد جسد هذا المجلس مبدأ الطائفية فى الحكومة والإدارة.
وأقام الانتداب الفرنسى سنة ١٩٢٠ "دولة لبنان الكبرى" بإضافة المناطق الساحلية: طرابلس وصيدا وصور وبعلبك والبقاع وبيروت إلى السنجقية الأصلية لجبل لبنان. وكذلك أقر الدستور الصادر فى سنة ١٩٢٦ الأساس الطائفى للحكومة رسميًا بجعل رئيس الجمهورية اللبنانى مسئولًا عن الإدارة أمام المندوب السامى الفرنسى. وخلال الفترة من ١٩٢٦ - ١٩٣٢ اضطلعت حكومة لبنانية قومية بالمهام الإدارية ولكن تحت الوصاية الفرنسية. فقد عين المندوب السامى الفرنسى العاملين بالحكومة فى الدول الأربع التى قسمت إليها سوريا أولا سنة ١٩٢٠ (انظر ما يأتى). ومع ذلك، أدارت السلطات الفرنسية المرافق مثل: الجمارك والبريد والبرق مباشرة وبالتعاون فى كل من لبنان وسوريا.
ومنذ عام ١٩٣٤، أصبح رئيس لبنان مارونيًا، طبقًا للعرف المعمول به، ورئيس الوزراء سنيًّا مسلمًا. وكان
стр. 4146
التركيز على سلطة تنفيذية قوية فى الحكومة تتمثل فى الرئيس ويقوم بها مجلس للوزراء. ويستطيع الرئيس أو المجلس أن يسنا التشريعات ويصدرا القوانين بالفعل. وامتد عمل جهاز الحكومة المركزية إلى المديريات، إذ يشرف وزير الداخلية ويسيطر على الإدارة المحلية والإقليمية. وهناك خمس مديريات هى: بيروت ولبنان الشمالية وجبل لبنان ولبنان الجنوبية والبقاع. وتتركز الإدارة الحكومية بصورة شديدة حتى أن مديرى المديريات ليسوا إلا ممثلين للسلطة المركزية، وليس للمجالس المحلية إلا مهام تنحصر فى تقديم النصح. ومنذ عام ١٩٥٥، ظهرت محاولة للتخفيف من حدة مركزية الإدارة إلى حد ما.
وبسبب الأساس الطائفى المميز للسياسة والحكومة اللبنانية، ظهر اتجاه شعبى ينظر للوزراء ومديرى المصالح الحكومية نظرته إلى ممثلين للمصالح الطائفية أكثر من تمثيلهم للنشاط الخاص بالوزارات التى يتولونها. وظل توزيع مناصب الخدمات المدنية، مثل مناصب الوزراء، خاضعًا للموازنة بين المصالح الطائفية. وتحت ضغط الأفكار القومية الحديثة، ظهرت محاولة للإصلاح الإدارى سنة ١٩٥٨ - ١٩٥٩ ووفق على قانون للعاملين سنة ١٩٥٩، وأنشئ بمقتضاه أيضًا مجلس للخدمات العامة، وكان هدف هذا التشريع الجديد إقامة مستويات عامة محايدة ومعايير للتعيينات فى الخدمة العامة وعلى معظم المستويات.
وتحكم الدولة فى لبنان من عدة وجوه عن طريق التوفيق بين مصالح الطوائف الدينية المختلفة، أكثر من حكمها بتدبير الحلول التى تفرض على الناس الأخذ بأحكامها الفعالة، والدولة تدير أيضًا المرافق. ومن ثم، فإن كثيرًا من أعمال الحكومة يقضى بمعرفة الحاشية التى تحيط بالرئيس سواء كانت رئيس وزراء أو وزير فى الوزارة. وكما يمارس الرئيس سلطة كبيرة، فإن مجلس النواب، وهو هيئة تشريعية وحيدة، يجنح إلى الخضوع للهيئة التنفيذية.
стр. 4147
وفى مجال إقامة العدل، حلت قوانين مدينة وقوانين عقوبات جديدة محل القوانين العثمانية فى وقت مبكر يرجع إلى سنة ١٩٣١ - ١٩٣٢, وأصبح لوزير العدل مع ذلك مهام تنفيذية بحتة. ويقيم العدل "المجلس الأعلى للعدل" الذى يهيمن على القضاة. ونظمت المحاكم آخذة فى الكثير بالنظام المتبع فى سوريا والعراق، أى أنه أصبحت هناك محاكم درجة أولى ومحاكم استئناف فى كل قاعدة من قواعد المديريات الكبرى ومحاكم نقض فى العاصمة، كما كان هناك أيضًا مجلس للدولة لتطبيق العدالة الإدارية. وعلى خلاف الموقف فى مصر، ظلت المحاكم الشرعية والدينية تمارس مهامها فى مسائل الأحوال الشخصية.
ولما كان التاريخ السياسى لسوريا منذ الانتداب الفرنسى وفى أثنائه شديد الاضطراب، فإن الجهاز الإدارى للحكومة فيها سار على منوال لبنان بالرغم من افتقاد سوريا للأساس الطائفى الذى نشأ فى لبنان وفهم ضمنًا. وبعد تقسيم ما يعرف الآن بالجمهورية السورية إلى أربع دول: اللاذقية للعلوييين، وحلب ودمشق وجبل الدروز، وحدّ الفرنسيون كل هذه الدول فى دولة واحدة سنة ١٩٣٦, وقسموا الدولة الجديدة إلى تسع مديريات، بالإضافة إلى مدينة دمشق، يديرها مديرون معينون تعاونهم مجالس محلية. وأنشأ دستور سنة ١٩٥٠ وزارة مسئولة أمام مجلس نيابى واحد. وفى سنة ١٩٥٣، وفى ظل الدستور الجديد للشيشكلى، أصبح هؤلاء مسئولين أمام الرئيس. ومن ثم كان الاتجاه فى سوريا أيضًا إلى إقامة سلطة تنفيذية أوسع. وأخذت الحكومة على عاتقها مسئولية أكبر لتنظيم الاقتصاد القومى والتخطيط له، كما حدث فى البلاد الأخرى.
وفى أثناء الوحدة القصيرة الأجل مع مصر من ١٩٥٨ - ١٩٦١، كان يحكم سوريا مجلس تنفيذى إقليمى قائم بذاته يخص الإقليم الشمالى (سوريا) من الجمهورية العربية المتحدة. وحاولت السلطات المركزية فى القاهرة شيئًا فشيئًا جعل الحكم أكثر
стр. 4148
انسيابًا فى إقليمى الجمهورية العربية المتحدة. وبذلت الجهود لفرض سيطرة أكبر على الاقتصاد السورى.
ولقيت السلطات فى مصر بعض العوائق السياسية، وألغت القاهرة بالفعل الوزارة الإقليمية سنة ١٩٦١، وأصبح يحكم سوريا حاكم إدارى مسئول أمام رئيس الجمهورية العربية المتحدة أو نائبه فى سوريا.
ويشبه تنظيم القضاء فى سوريا شبهًا قويًا نظيره فى لبنان والعراق إلى حد كبير بالرغم من وجود محاكم إدارية قائمة بذاتها فى سوريا ومجلس للدولة. وأدخل دستور سنة ١٩٥٠ المحكمة العليا لتستوثق من صلاحية القوانين والتشريعات.
وبالنظر للفورات السياسية المتعددة فى سوريا، فمن الإنصاف القول بأن الجيش فى الوقت الحاضر (سنة ١٩٦٦) يتحكم فى إدارة الدولة.
وتضع الأردن من حيث هى ملكية دستورية، مسئولية الحكم والإدارة على عاتق وزارة يكون أعضاؤها مسئولين أمام الجمعية الوطنية منذ سنة ١٩٥٢، حين حَلَّ دستور ١٩٥٢ محل دستور ١٩٤٧. وخولت الجمعية مجلس الوزراء سلطة أكبر سنة ١٩٥٥، وخاصة فى مسألة التصويت على الثقة فى الحكومة واستقالتها فى حالة حل الجمعية الوطنية.
وتحت الانتداب البريطانى ١٩٢٢ - ١٩٤٦، حكم الملك الأردن، وكانت وقتها تسمى إمارة شرقى الأردن، بمساعدة مجلس تشريعى أنشئ سنة ١٩٢٩ بمقتضى القانون الأساسى لسنة ١٩٢٨ ومجلس تنفيذى.
وباستقلال الأردن عام ١٩٤٦ وإعلان الملكية، أصبح المجلس التنفيذى مجلسًا للوزراء. وكان فى شرق الأردن مستشارون بريطانيون كما كانت الحال فى العراق، وكان الممثلون للمندوب السامى البريطانى فى فلسطين، المقيم فى عمان، يشيرون على حكومة شرق الأردن فى جميع المسائل السياسية الهامة. والحق أن جميع القرارات المتعلقة بالدفاع والمالية والعلاقات الخارجية لا بد أن تحظى بموافقته. وكانت قوات الأمن العامة
стр. 4149
والجيش بخاصة تنظم وتدرب على يد الضباط البريطانيين، وتزودها الحكومة البريطانية بالمال وتدعمها بالقروض حتى ١٩٥٦.
وحتى سنة ١٩٥٢، كانت للملك سلطات واسعة للحكم يتولاها بمساعدة قواته الخاصة بالأمن واحتفظ القضاء إلى حد كبير بالطابع العثمانى مستخدمًا القوانين العثمانية التجارية والمدنية وقوانين العقوبات حتى سنة ١٩٥٠. ومنذ ذلك الوقت، أعلنت واستخدمت قوانين جديدة. وأصبحت هناك محاكم مدنية ودينية ومحاكم خاصة بالإضافة إلى الديوان الخاص الذى يفسر القوانين.
وفى حين خول الدستور الجديد لعام ١٩٥٢، سلطات أكبر للوزارة والهيئة التشريعية، تقلصت سلطات العرش، فنشأ من إدماج فلسطين الوسطى فى المملكة، إزدياد المركزية فى الشئون الإدارية وتزايد سريع فى عدد الموظفين بالخدمة العامة. ويرجع هذا إلى العدد الكبير من السكان اللاجئين الذى انتقل إلى البلاد مع هذا الإدماج حاملًا معه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، كما زاد وزراء الوزارة بتطور المهام الحكومية. وأدت الحاجة إلى التشريع الاجتماعى والتخطيط الاقتصادى للتنمية إلى تشكيل أجهزة رسمية مثل "هيئة التنمية" و"هيئة خليج العقبة" وبنك التنمية وبنك التعمير.
ويتضمن التقسيم الإدارى للبلاد الآن (١٩٦٦) ثمانية ألوية. كل لواء يديره مدير تعينه الحكومة المركزية. ثم تنقسم هذه الألوية إلى نواح يحكمها قائمقام، ثم للبلدان والقرى عمدًا ومجالس بلدية، وللنواحى مجالس للإدارة.
وقد اتسم الحكم فى مصر وبلاد الهلال الخصيب بسمة أساسية هى تركيز الإدارة وسرعة التطور والتوسع فى مهام الحكومة اللذين صاحبا الحاجة المتزايدة لخدمات الإصلاح والخدمات العامة.
هذا باستثناء لبنان التى قام بها نظام متعدد يسمح بحسم الصراع بالاعتماد على أسلوب يقوم على
стр. 4150
الموازنة الدقيقة بين المصالح الطائفية، أما الحكومة فى مصر والعراق وسوريا بل الأردن فإنها تقوم على المركزية الشديدة ويسيطر عليها الجيش سيطرة مطلقة. وفى حين نلاحظ فى لبنان أن الشعب يفضل قيام حكومة صغيرة بقدر الإمكان، وهذا لا يصدق على سائر بلاد الهلال الخصيب ومصر، ففى هذه البلاد، تعد الحكومة على تفاوت فى المقدار، جهازًا للتغيير والتنمية لا بد أن يوفر للناس الخدمات الاجتماعية والفوائد الاقتصادية. وأكثر من هذا، فإن الحكومة فى مصر والعراق تجنح إلى التحكم الفردى المتسلط. وعلى هذا، لا تعكس الأحكام الدستورية فى هذه البلاد بدقة أسلوب الحكومة والإدارة. ويبدو أن السلطة التنفيذية تهيمن على المجالس التشريعية أينما وجدت وأينما حلت. وحدث أخيرًا فى المجالس التشريعية وخاصة فى مصر، أن نما الوعى إلى التمثيل المشترك أو المهنى. وعلى هذا، فليست هناك أى صلة بين حياة الوزارة أو الحكومة (وخاصة اليوم تحت النظام الرئاسى) وبين حياة هيئات التشريع فى تلك البلاد. وبعبارة أخرى، قلما تلتزم السلطة التنفيذية بحدود الجهاز التشريعى المنتخب ما دامت هذه السلطة تحظى بتأييد الجيش.
ولم تستطع الحكومة فى سوريا أو العراق، وإلى حد طفيف فحسب فى لبنان، تفويض الولاء للطائفة والقبيلة والأبرشية تفويضًا تامًا. ولعلنا إذا استثنينا لبنان، استطعنا أن نقول إن الحكومات فى هذه البلاد استمرت تعتمد على القسر والإجبار أكثر من اعتمادها على الإقناع فيما تؤديه من مهام. وإنا لندخل فى هذه البلاد الأردن وإن كان السبب فيها مختلفًا ألا وهو القضية الفلسطينية.
وربما يتمثل الدور الرئيسى الذى تلعبه الحكومة بالقوة فى هذه البلاد أيضًا فى حكم الجيش للدولة، فإن لم يكن ذلك هو الشأن، كان هو السبب فى اختلاط العناصر العسكرية والمدنية فى حكمها.
ونظرًا للتركيب الاجتماعى، والتباين الدينى والعرقى، فإن المهمة الرئيسية
стр. 4151
للحكومة فى العراق والأردن ظلت سنوات عدة تقوم على فرض النظام والأمن العام، أو بعبارة أخرى، فإن المهمة الأساسية للحكومة المركزية كانت هى التأكد من أن سلطتها تحظى بالاعتراف والقبول العام من جانب كل الجماعات التى تضمها الدولة. وكان هذا ضروريًا أيضًا لتحصيل الضرائب على نحو أكثر تنظيمًا وتوفير الدخل الكافى للتنمية الزراعية وتنفيذ الأشغال العمومية.
وفى سوريا والعراق خاصة، أدت الاضطرابات السياسية الحديثة كما تتبين فى الانقلابات والانقلابات المضادة والتطهيرات، إلى المعاناة الشديدة التى تلاقيها هيئات العاملين الإداريين الدائمة فى النهوض بأعمالها. وأسوأ من هذا عدم ثقة الشعب فى جميع نواحى الإدارة والشك فيها مما يجعل عمل أى حكومة أكثر صعوبة.
وقد خبرت جميع البلاد التى تناولناها هنا لونًا من الوصاية من قبل الاحتلال الإنجليزى أو الفرنسى. وأثر ذلك على بنائها الحكومى وإجراءاتها، وخاصة فى مجال القضاء والإدارة الإقليمية وإدارة التعليم العام. والاستقلال الحقيقى حديث جدًا بالنسبة لهذه البلاد، حتى يمكن للمرء أن يقول إنها تمر بفترة انتقالية. ومع هذا فالفرق بين الحكومة فى هذه البلاد الآن وفى الماضى، علاوة على المحافظة على القانون والنظام، هو أنها اضطلعت بمهام جديدة واسعة فى التخطيط، كما عالجت فى بعض الأحيان الاقتصاد القومى، ووفرت خدمات بعيدة المدى للجمهور.
ويبدو أن تنمية أحدث فى بعض هذه البلاد قد قدر لها أن تؤدى إلى تزايد المركزية، ومن ثم سيطرة وتنظيم إدارى أقوى، وهذه ظاهرة فى الدول ذات الحزب الواحد كالاتحاد الاشتراكى العربى فى مصر، والاتحاد الاشتراكى العربى العراقى فى العراق. وهكذا لا تمارس السيطرة على الدولة عن طريق الحكومة والإدارة فحسب، بل تمارس أيضًا عن طريق تنظيم سياسى شعبى ليس له منافسون، فقد حرمهم القانون حتى من حق الوجود العام.
стр. 4152
المصادر:
عامة:
(١) Royal Institute ot International Affairs: The Middle East: a political and economic survey، الطبعة الثالثة، لندن سنة ١٩٥٨.
(٢) G. Lenczowski فى طبعة Ruth Mid-East: World - Center, N. Anshen yesterday, today and tomorrow, نيويورك سنة ١٩٥٦، ص ١١٨ - ١٧٢.
(٣) D. A. Rustow فى (طبعة) , (. edd) -G A Almond and J. S. Coleman: the pol itics of the developing areas برنستون سنة ١٩٦٠، ص ٣٦٩ - ٤٥٤.
(٤) Government and pol-: M. Harari itics of the Middle East انجلوود كليفس، سنة ١٩٦٢.
(٥) Government and: H. Sharabi politics of the Middle East in the twentieth century، نيويورك سنة ١٩٦٢.
(٦) The Military in the: S. N. Fisher Middle East (ed.) Problems in society and government: ، كولمبوس، أوهيو ١٩٦٥.
مصر (١) Modern: Lord Cromer Egypt، فى مجلدين، لندن سنة ١٩١١.
(٢) The founder of: H. Dodwell modern Egypt، كمبردج سنة ١٩٣١.
(٣) Egypt Since Crom-: Lord Lloyd er، فى مجلدين، لندن ١٩٣٣ - ١٩٣٤.
(٤) L'evolution de: M. Colombe ١٩٥٠ - ١٩٢٤ L'Egypte باريس سنة ١٩٥١.
(٥) Egypt in tran-: J. et S. Lacoutur sition، باريس سنة ١٩٥٦.
(٦) Bureaucracy and so-: M. Berger ciety in Modern Egypt برنستون ١٩٥٧.
(٧) The Egyptian: P. J. Vatikiotis army in politics، بلومنكتون، إنديانا، سنة ١٩٦١.
(٨) Egypte societe: A. Abdelmalek militaire، باريس سنة ١٩٦٢.
العراق: (١) Longrigg & F. Stoakes: Iraq، لندن سنة ١٩٥٨.
(٢) Independent Iraq: M. Khadduri، الطبعة الثانية، لندن سنة ١٩٦٠.
стр. 4153
سورية ولبنان: (١) A. Hourani: Syria and Labanon، لندن سنة ١٩٤٦.
(٢) Les institutions pol-itiques du Liban: Rondot, لندن سنة ١٩٥٧.
(٣) A: A. Grassmuck and K. Salibi manual of Labanese administration بيروت سنة ١٩٥٥.
(٤) S. H. Longrigg & F. Stoakes: Syria and Lebanon under the French mandate لندن سنة ١٩٥٨.
(٥) A modern History of: K. Salibi Lebanon، لندن سنة ١٩٦٥.
(٦) The struggle for Syria: P. Steale, لندن سنة ١٩٦٥.
(٧) Politics in Lebanon: L. Binder (.ed) نيويورك سنة ١٩٦٦.
الأردن: (١) The Kingdom: R.patai of Jordan، برنستون سنة ١٩٥٨.
(٢) Jordan, a state: B. Schwadran of tension، نيويورك سنة ١٩٥٩.
(٣) Jordan, a Political: A. Abidi ١٩٥٧ - ١٩٤٩.study لندن سنة ١٩٦٥.
(٤) Politics and the military in Jorda: P. J. Vatikiotis, لندن سنة ١٩٦٧.
نجلاء عبد الرازق [فاتيكيوتس P. J. Vatikiotis]
٤ - شمالى إفريقية
يبدو أن استخدام كلمة "حكومة" فى المغرب بمعناها المعروف لم يحدث إلا فى وقت حديث جدًا. وفى بحث لم ينشر للأب دمير سمان، ولم تظهر الكلمة فى آثار الكتاب التونسيين حتى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، ثم ظهرت على نحو نادر فحسب بالمعنى الضيق وهو حكومة غير مستقلة أو ولاية مستقلة استقلالًا ذاتيًا فى دولة كبيرة. ولم يكتسب هذا المصطلح المعنى المجرد للحكومة إلا تحت النفوذ الأوربى. وعلى هذا فهو مثال للمصطلحات العربية الصرف التى استوعبت الأفكار الغربية.
وقبل أن تخضع الدول الثلاث فى المغرب للسيطرة الأوربية قام الحكام المحليون بعدة محاولات لإدخال بعض النظم الحديثة إلى الإدارة.
стр. 4154
ولنبدأ بالجزائر، حيث حاول الأمير عبد القادر أن يقوم بتنظيم دولة مسلمة تواجه السلطة الفرنسية، وأن يزودها خاصة بقوة عسكرية كافية تمكنها إذا قضت الضرورة من أن تقاتل القوات الفرنسية. ولكن الظروف أجبرت عبد القادر على توجيه اهتمامه الأكبر للحرب. ومنذ سنة ١٨٤٠, اضطرته حركة "بوجو" إلى أن يكتفى بحكومة بدوية ألزمتها الضرورة أن تتحاشى كل الأفكار الحديثة.
وفى تونس، كانت الأمارات الأولى لإدخال النظم الحديثة ترجع إلى النفوذ الفرنسى، الذى استقر فى الجزائر، وظهرت خلال حكم أحمد باى (١٨٣٧ - ١٨٥٥) وبدأت الإصلاحات العسكرية أيضًا هناك مع تجنيد جيش وأسطول فى "ثغر الحديد". ولكن سرعان ما تفاقمت الصعاب المالية واتجه أحمد باى للإصلاح المالى.
وكان محمد باى (١٨٥٥ - ١٨٥٩)، خليفة أحمد باى، مضطرًا بحكم الظروف وضغط بعض القناصل الأوربيين إلى إدخال إصلاحات أكثر شمولًا، فأنشأ المحكمة الشرعية للنظر فى مسائل قانون الوراثة وملكية الأراضى سنة ١٨٥٦، ثم أصدر رسميًا فى ١٠ سبتمبر ١٨٥٧ مرسومًا يطلق عليه بالعربية "عهد الأمان" وبالفرنسية " Pacte Fondamental" وفى السنوات التالية، أقيمت فى تونس حكومة محلية من أعيان المواطنين.
وكان خليفة محمد باى أخاه محمدًا الصدوق الذى أعلن فى ٢٦ أبريل ١٨٦١ سلسلة من الإجراءات التشريعية التى يمكن اعتبارها دستورًا، واستشار فى ذلك نابليون الثالث بالجزائر فى العام السابق. وظلت أحكامه فيما يختص بخلافة العرش لا تتغير حتى سنة ١٩٥٧. وأقيمت وزارة مسئولة أمام الباى، وهى مجلس أعلى من ٦٠ عضوًا يعينهم الباى. وشاركت الحكومة فى المسئولية التى ترمى إلى تطوير الجهاز القانونى والتصويت على ميزانية الدولة، وأعلن استقلال القضاء. ولكن هذه الإصلاحات أدخلت قبل أن يتأهب لها الرأى العام فى تونس بل الطبقات الحاكمة. ومنذ أن أدى الموقف
стр. 4155
المالى علاوة على ذلك، إلى فرض الضرائب، قام قطاع من الشعب بالثورة سنة ١٨٦٤. ثم عطل الدستور سنة ١٨٦١ عمليًا وليس قانونًا. وكان آخر من أدخل إصلاحات من التونسيين قبل قيام الحماية الفرنسية هو القائد خير الدين الذى تقلد منصب الوزير عدة مرات وأصبح بخاصة رئيسًا للوزراء من ١٨٧٣ - ١٨٧٧. ولم يكن الاعتقاد فى الحاجة إلى الإصلاح وليد الظروف، بل كان عقيدة عنده يثبتها كتابه: "أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك" (تونس ١٨٦٧). فلما تقلد السلطة بذل جهودًا كبيرة لإدخال برنامجه الخاص بصبغ البلاد بالصبغة الحديثة على المناهج الأوربية ولكن فى إطار إسلامى بحت، وبعد ٤ سنوات، أحاطته المؤامرات المتشابكة، وعجز الرأى العام عن فهم أهدافه مما دفعه إلى التخلى عن جهوده. وحدث بعد ذلك أن تفاقمت الأزمة نتيجة للانهيار المالى للبلاد والمؤامرات الأوروبية وعدم كفاية الحكام التونسيين الجدد أو الشك فى نزاهتهم، وانتهى الأمر بقيام الحماية الفرنسية.
ونهج التطور فى مراكش نهجًا مماثلًا، ولكن ذلك حدث فى تاريخ متأخر. إذ لم تتصل مراكش بأوروبا عن كثب إلا فى منتصف القرن التاسع عشر من خلال حربها القصيرة مع فرنسا فى أغسطس ١٨٤٤، والاتفاقية التجارية لعام ١٨٥٦ مع بريطانيا العظمى، والحرب المراكشية الأسبانية سنة ١٨٥٩ - ١٨٦٠.
وأدرك السلطان محمد بن عبد الرحمن (١٨٥٩ - ١٨٧٣) الذى كان قائمًا بالحكم عام ١٨٦٠ أن دولة مراكش لن تستطيع البقاء بعد كما هى وقد حاول الرجل من قبل، فى حياة أبيه، إدخال بعض الإصلاحات فى الجيش المراكشى. فلما أصبح سلطانًا، حاول أن يقود البلاد إلى اقتصاد حديث وأن يكبح جماح الفساد الذى لحق ببعض الموظفين بأن يدفع لهم مرتبات. ولكن الصعوبات الجمة واجهت تلك المهمة نظرًا للمؤامرات الأوروبية وفشل مراكش فى فهم أهدافه. وأخيرًا أجبرته الأزمة الزراعية التى وقعت سنة ١٨٦٧ - ١٨٦٩، على أن يعدل عن محاولاته.
стр. 4156
وأحس ابنه الحسن (١٨٧٣ - ١٨٩٤) أيضًا بالحاجة لتطوير الدولة المراكشية فقرر عند ولايته العرش أن يستأنف مشروعات أبيه الاقتصادية والعسكرية، وكان هو الذى استقدم إلى مراكش معلمين أوروبيين لجيشه. وكانت إصلاحاته محدودة المدى تعوقها دائمًا المنافسات الأوروبية وتضعفها الأزمة المالية التى بدأت فى الظهور بمراكش فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، إلا أن هذه الإصلاحات نجحت فى إثارة الرأى العام المراكشى، ليس فى المدن فحسب بل بين القبائل المنشقة أيضًا. وظلت الحال كما هى عليه إلا من بعض التحصينات القليلة على الساحل والقليل من سريّات مدفعيات الميدان، والكثير من المشاعر التى تنطوى على السوء.
وحين اعتلى ابنه عبد العزيز العرش (١٨٩٤ - ١٩٠٨) لم يكن الوقت مناسبًا للإصلاح، إذ كانت مراكش تتدهور أكثر من أن تتقدم. وظل عبد العزيز حتى موت وزيره وناصحه أحمد بن موسى، لا يمارس سلطته إلا نادرًا، وإذا به يجد نفسه وحيدًا فى مايو ١٩٠٠، لكنه رغب فى أن يدخل إصلاحات. ولم يكن الذى دفعه إلى ذلك الموقف فى مراكش فحسب، بل دفعته أيضًا نظرته إلى التجديد. وقد جلب من أوروبا جملة من الآلات والمعدات بنية إقامة سكة حديدية تمتد إلى فاس، ثم تصور بخاصة أن يقيم إصلاحًا فى المالية المراكشية عن طريق إصدار مرسوم يقضى بأن يتساوى ممولو الضرائب فى أداء ضريبة الأرض. وأدت ردود الفعل العنيفة للقبائل المراكشية، والمنافسة الشديدة لبعض الدول الأوروبية إلى إغراق مراكش فى إضطرابات أجبرت عبد العزيز سنة ١٩٠٨ على النزول عن العرش دون أن تثمر محاولاته للإصلاح أية ثمرة.
وقبل أن يعتزل عبد العزيز السلطة، نودى بأخيه الأكبر عبد الحافظ سلطانًا على مراكش (١٩٠٧ - ١٩١٢)، ليواجه الإنتهاكات الأوروبية، ثم اعتلى العرش أخيرًا سنة ١٩٠٨ ولكنه ووجه بأزمة مالية، وقبائل غاضبة على استعداد للإنتقاض، ودول أوربية لها أطماع
стр. 4157
كبيرة فى مراكش. واعترف عبد الحافظ كأسلافه بالحاجة إلى الإصلاح الذى حثه عليه عدد من المراكشيين الذين رأوا فى الإصلاح الطريقة الوحيدة للخلاص من قبضة الدول الأوروبية. وقد بلغ من أمر إحدى هذه الجماعات التى أسست فى طنجة وعززها السوريون المطرودون من تونس، إلى وضع مشروع دستور فى ١١ أكتوبر سنة ١٩٠٨، نشرته صحيفة عربية بطنجة هى "صوت المغرب" (نشر الترجمة الفرنسية J. Robert فى - La Mon archie، باريس سنة ١٩٦٣، ص ٣١١ - ٣٢٣) ولكن الحكومة المراكشية لم تأخذ بهذا الدستور، كما أدى فشل الخطط المختلفة للإصلاح إلى توقيع السلطان والمسيو رينو Regnauult ممثل فرنسا، معاهدة الحماية فى ٣٠ مارس ١٩١٢ بفاس.
وهكذا يتبين أن محاولات الحكام فى القرن التاسع عشر لإدخال النظم الحديثة إلى الحكومة فى بلادهم، كانت بلا جدوى. إذ أن الرأى العام لم يكن معدًا أى إعداد لهذا التغيير، فقد ظن الرأى العام (ليس بدون مبرر) أن هذه النظم هى ثمرة للنفوذ الفرنسى الذى كانت ترتاب فيه البلاد، ثم إنه لم يكن ثمة حاكم قوى يمتد عهده مدة طويلة تسمح له بفرض نظام جديد للحكومة.
وقد نجم عن الاحتلال الأوروبى، وخاصة الاحتلال الفرنسى. لشمالى إفريقية تغييرات كبيرة فى تنظيم الحكومات هناك.
وفى الجزائر، مرت البلاد بمدة طويلة من التجربة والخطأ، ثم قسمت حكومة الجمهورية البلاد بمقتضى مرسوم صدر فى ٩ ديسمبر سنة ١٨٤٨ إلى قطاعات تحت إمرة مدير، كما هى الحال فى فرنسا. وقبل ذلك منح المواطنون الفرنسيون المقيمون فى الجزائر الحق فى أن يرسلوا نوابًا عنهم إلى الجمعية الوطنية. ويمكن القول بأنه إعتبارًا من سنة ١٨٤٨, اعترف بالتمثيل الإدارى حقيقة واقعة بالرغم من تقلبات شتى ليس لها شأن كبير.
وكذلك يتساوى الأمر، ذلك أن حكم السكان الوطنيين كانت له مشاكله، ومن ثم استحدث نظام خاص جديد للحكم
стр. 4158
فى بلاد الجزائر. ففى البداية، أقيمت حكومة حقيقية للجزائر فى وقت مبكر، تتألف من حاكم عام، تكون المرافق العامة التى أقيمت محليًا مسئولة أمامه معظم الوقت، وألغى منصب الحاكم العام وحل محله، ابتداء من ٢٤ يونية وحتى ديسمبر سنة ١٨٦٠، وزير للجزائر مقره باريس. ثم جعلت حكومة الجمهورية الثالثة جميع المواطنين العاملين فى الجزائر مسئولين مباشرة أمام وزاراتهم فى باريس، فى الوقت الذى استرجعت فيه وظيفة الحاكم العام، واستمرت هذه التجربة حتى ٣١ ديسمبر سنة ١٨٩٦، لكنها أثبتت فشلها، فاستعيد النظام القديم، وظهر واضحًا فى تلك الحالتين، أن المركزية الشديدة لم تسفر عن نتائج حسنة وأن الجزائر لا بد وأن تحكم من داخلها تحت سلطة الحكومة الفرنسية وسيطرة البرلمان الفرنسى.
وفى الواقع، لقد تبين منذ السنين الأولى للغزو أن الإدارة الفرنسية لا يمكن أن تطبق دون تعديل، ذلك أن العادات وردود الأفعال والعقائد المتأصلة فى شعوب المسلمين تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة فى فرنسا. ومن ثم، بقى فى جميع الأحوال نظامان للحكومة بالرغم من وجود الحكام والقوانين والنظم وجميع المؤسسات الفرنسية التى زرعت زرعًا فى الجزائر، لأن ذلك البلد الواحد ضم شعبين مختلفين تمامًا لا يجمع بينهما شَبَهُ كاف للتفكير فى إقامة وحدة. وبدأ هذا النظام بالمكاتب العربية وهى منظمة عسكرية مسئولة عن حكم السكان المسلمين، وانتهى بقانون ٢٠ سبتمبر سنة ١٩٤٧ الذى أنشأ فى الجزائر هيئتين منتخبتين. واحدة للأوروبيين والأخرى للمسلمين، بالرغم من تفاوتهما فى العدد والتركيب، وذلك أن نساء المسلمين لم يعطين حق التصويت حتى عام ١٩٥٨.
وكانت هيئة مكتب الحاكم العام والمصالح الإدارية التابعة لها تتألف عادة من الفرنسيين، ولم يشغل الجزائريون المسلمون وظائف مسئولة فيها إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا كان حكم الجزائر فى أثناء العهد الفرنسى حكمًا هجينًا لعب فيه
стр. 4159
الفرنسى المقيم فى بلده والفرنسى المقيم فى الجزائر دورًا غالبًا، فى حين نزل الجزائريون إلى مرتبة ثانوية دنيا بالرغم من مطالبتهم بحقوقهم، وخاصة منذ سنة ١٩٣٦ وما بعدها.
وفى تونس، أقامت إتفاقية قصر سعيد المعروفة باسم "باردو" والمبرمة فى مايو ١٨٨١ إحتلالًا فرنسيًا مؤقتًا، إنقلب بعد ذلك إلى حماية فرنسية بمقتضى إتفاقية المرسى فى ٨ يونية سنة ١٨٨٣. وظلت الحكومة التونسية وإدارتها قائمتين، لكن القائد الفرنسى المقيم وهيئته كان لهما السلطة للسيطرة عليهما، ولإنشاء مصالح إدارية فنية حديثة بجانبهما للمالية والأشغال العمومية والتعليم والصحة العامة. إلخ من أجل إدخال الإصلاحات التى تصورتها إتفاقية المرسى فى تونس.
وهكذا وجدت إدارتان جنبًا إلى جنب حتى إبرام إتفاقيات ٣ يونيو سنة ١٩٥٥ التى أنشأت فى تونس نظامًا حاكمًا مستقلًا فى الداخل استقلالًا ذاتيًا يقوم على إدارة تونسية تعمل تحت سلطة الباى ويديرها وزراء تونسيون كانوا هم أنفسهم تحت سيطرة موظفين فرنسيين، ونظام إدارى حديث يعمل نظريًا تحت سلطة الباى، ولكنه فى الواقع يعمل تحت سلطة المقيم والسكرتير العام لحكومة تونس، وكان فرنسيًا فى جميع الأحوال. ولم تستعد الحكومة التونسية استقلالها إلا فى ٣ يونيه سنة ١٩٥٥. ويجب أن نضيف إلى ما قلنا أن المصالح الإدارية الفنية كانت فى البداية تعج بالفرنسيين، إذ كان القليلون من التونسيين هم الذين حظوا بالتعليم الحديث وقد أظهروا ميلًا واضحًا للبقاء متفرنسيين تحت الإدارة الفرنسية وأن يطبقوا المقاييس الفرنسية ويعترفوا بسلطة القائد المقيم والحكومة الفرنسية فحسب، وكانت النتيجة أن الحامية الفرنسية قد انقلبت إلى إدارة مباشرة بالرغم من التصريحات الرسمية.
وكان فى مراكش عاملان على الأقل شجعا على التطبيق المحكم لروح الحماية: الموقف الداخلى وشخصية ليوتى. ولم تنجح فرنسا بالفعل فى
стр. 4160
التمكين لحاميتها بمراكش بقبول رهونات دولية خطيرة والاتفاق على أن جزءًا من الأراضى التونسية ينبغى أن يظل تحت الحماية الأسبانية. ولم يكن غالبية الموقعين على اتفاق الجزيرة الخضراء فى ١٧ أبريل سنة ١٩٠٦ يميلون إلى السماح للسلطة الحامية أن تنتهك أى حق من الحقوق التى اعترف بها هذا المؤتمر الدولى. صحيح أن الحرب العالمية الأولى تسببت فى اختفاء بعض هذه الدول مثل ألمانيا والنمسا والمجر. ولم يستمر الاتحاد السوفيتى فى دعاواه الإمبراطورية فى تلك المسألة، ولكن ظل عدد من الموقعين على جانب كبير من اليقظة يؤكدون أن فرنسا تشعر بأنها هى نفسها ملتزمة بتلك الاتفاقية، ليس أمامهم فحسب، بل أمام مراكش أيضًا. أما ليوتى، فكان يؤمن إيمانًا راسخًا بصيغة الحماية. فقد درسها فى أراض أخرى من قبل ووجدها أكثر مرونة وبساطة من نظام المستعمرات. كما أنه لم يكن لمراكش احترامًا وتقديرًا عاليًا وتمنى أن يحيى البلاد لا أن يخربها.
إذن فقد تركت إتفاقية الحماية فى ٣٠ مارس سنة ١٩١٢ الهيكل الحكومى والإدارى، من حيث المبدأ، فى مراكش كما هو وإن كانت وضعته تحت سيطرة سلطات الحماية وقد أثبت الاحترام الذى لم يدخر وسعًا فى إبدائه للسلطان وحاشيته المراكشية مبلغ الإخلاص فى تطبيق هذا النظام. ومع ذلك فإن الطبقات الحاكمة المراكشية كانت أقل استعدادًا لقبول الأفكار الغربية الحديثة إلى حد لعله يفوق فى ذلك استعداد التونسيين. فقد اضطر الفرنسيون إلى البدء فى إقامة مصالح فنية تتكون بالضرورة من الفرنسيين ومن ثم فإن هدا العمل نفسه الذى لاحظناه فى تونس، قد تكرر بنصه وفصه فى مراكش، حيث نما فيها تدريجيًا نوع من الإدارة الفرنسية (نظام إقطاعى) إلى جانب الموظفين المراكشيين ومن حكموهم. وفى خطتهم للإصلاح سنة ١٩٣٤، طالب "المراكشيون الوطنيون"، وكانت حركتهم وقتذاك حركة صغيرة، بالتحاق المراكشيين بالمصالح الإدارية الفنية، والحد فى صرامة من عدد
стр. 4161
الفرنسيين الذين يجب أن يتخلوا عن أى فكرة للإدارة المباشرة وأن ينحصر دورهم فى مراقبة الأجهزة المراكشية وأداء الواجبات الفنية ومراقبة الأجهزة المراكشية وأداء الواجبات الفنية ومراقبة الأجهزة المراكشية وأداء الواجبات الفنية الصرف. وفشلت هذه المطالبة، وظلت الإدارة المباشرة موضوعًا من الموضوعات الكبرى التى استغلتها فى الدعاية للحركة المراكشية الوطنية. وظل الموقف ثابتًا لا يتغير حتى وقع التصريح الفرنسى - المراكشى فى لاسال سان كلود فى ٦ نوفمبر سنة ١٩٥٥، واعلن قيام المفاوضات لجعل مراكش دولة مستقلة متحدة مع فرنسا بروابط دائمة للمصلحة المشتركة المحددة والمتفق عليها اتفاقًا حرًا محددًا. وأعلن الاستقلال فى ٢ مارس سنة ١٩٦٥.
الموقف الحالى (ديسمبر سنة ١٩٦٦)، طبقًا لدستور ٣٠ يولية سنة ١٩٥٩، يقوم فى جمهورية تونس الآن حكومة رئاسية. وانتخب الحبيب بورقيبة رئيسًا فى نوفمبر ١٩٥٩، ثم أعيد انتخابه فى شبه إجماع لفترة رئاسة أخرى فى ٨ نوفمبر سنة ١٩٦٤، وعين بمقتضى مرسوم ١٢ نوفمبر سنة ١٩٦٤، أعضاء حكومته المكونة من ١٣ وزيرًا وثلاثة وكلاء وزارة ومديرين: أحدهما للخدمة الإذاعية والآخر للوزارة الرئاسية، وهم جميعًا مسئولون أمامه. وظل موظفو هذه الوزارة ومهامها بلا تغيير فيما عدا وزير الشئون الداخلية الذى أدركته المنية واستبدل به غيره.
وتعاقبت على مراكش ست وزارات فى الفترة ما بين ٤ ديسمبر سنة ١٩٥٥ وإعلان الدستور فى ٧ ديسمبر سنة ١٩٦٢، ورأس الوزارتين الأخيرتين الملك محمد الخامس (٢٦ مايو سنة ١٩٦٠) والملك الحسن الثانى (٢ يونيو سنة ١٩٦١). ولما أنشئت المؤسسات الدستورية، عين الملك الحسن الثانى السيد أحمد بحنينى رئيسًا للوزراء وشكل الوزارة من ١٤ وزيرًا وخمسة وكلاء وزارة. وأعيد تنظيم المناصب الوزارية فى ٢٠ أغسطس سنة ١٩٦٤ ثم تشكلت
стр. 4162
حكومة جديدة فى ٨ يونيو سنة ١٩٦٥ برئاسة الملك ثم عدل تشكيلها تعديلًا بسيطًا فى ١٠ يولية. وقد اتخذت هذه الترتيبات بعد أن قرر الملك فى ٧ يونيو إعلان حالة الطوارئ بتطبيق المادة ٣٥ من دستور سنة ١٩٦٢.
وتتكون الحكومة الحالية (ديسمبر سنة ١٩٦٦) من عشرين وزيرًا، وثلاثة مديرين للوزارة الملكية ووكيلين للوزارة. وأصبحت الحكومة مسئولة أمام الملك فحسب، إذ أوقف البرلمان لأجل غير مسمى.
وفى الجزائر قرر المجلس المنتخب فى ٢٠ سبتمبر سنة ١٩٦٢، تكليف السيد أحمد بن بلاّ بتشكيل الحكومة الجزائرية وتقلد منصب رئيس دولة الجزائر حتى يتم إعداد دستور وإعلانه، وشملت تلك الحكومة نائب رئيس و ١٧ وزيرًا.
ولما تم التصويت على الدستور الجزائرى فى ٢٨ أغسطس ١٩٦٣، ثم الموافقة عليه فى استفتاء ٨ سبتمبر، انتهى الأمر بانتخاب السيد أحمد بن بلاّ فى ١٥ سبتمبر رئيسًا للدولة، وتشكلت فورًا حكومة شرعية على يد الرئيس فى ١٨ سبتمبر وبالإضافة إلى رئيس الجمهورية الذى تقلد أيضًا منصب رئيس مجلس الوزراء تكونت الحكومة من ثلاثة نواب للرئيس أحدهم وزير بلا وزارة و ١٢ وزيرًا. وأعيد تنظيم الوزارة فى ٢ ديسمبر سنة ١٩٦٤ وجعل عدد نواب رئيس الوزراء إثنين فحسب أحدهما وزير دولة، وزاد عدد الوزراء من ١٢ إلى ١٥ وزيرًا، بالإضافة إلى وكيل وزارة. وفى أعقاب الإنقلاب العسكرى فى ١٩ يونيو سنة ١٩٦٥ الذى عزل فيه أحمد ابن بلاّ من منصبه وأقيم بدله العميد هوارى بومدين، شكل هوارى فى ١٥ يوليو حكومة برئاسته تتكون من ١٩ وزيرًا.
ونص المرسوم الدستورى على أن رئيس الحكومة ورئيس المجلس يتولى بالإضافة إلى ذلك منصب وزير الدفاع القومى، وتقوم الحكومة بمهامها تحت سلطة مجلس الثورة الذى قام بالانقلاب العسكرى فى ١٩ يونيو. ويشارك هذا المجلس كليًا أو جزئيًا فى إعادة تنظيم الوزارة بأمر من المجلس.
стр. 4163
وقضى بأن أعضاء الوزارة مسئولون كل بشخصه أمام رئيس الحكومة وجماعيًا أمام مجلس الثورة. ويعملون بالسلطة المخولة لهم من قبل هذا المجلس. وأخيرًا تعلن كل الإجراءات الحكومية فى صورة أمر أو مرسوم وأعيد تنظيم هذه الحكومة من بعض النواحى نتيجة للاستقالة أو عزل عدد من الوزراء.
المصادر:
الجزائر (١) Trente deux: L.Roches ans a 'travers l 'Islam, جـ ١، باريس سنة ١٨٨٤
(٢) L'Agerie a l'epoque: M.Emerit d'Abdel-Kader، باريس سنة ١٩٥١
(٣) Histoire de lAlg: Gh. A. Julien contemporaine، جـ ١، باريس سنة ١٩٦٤
(٤) Manuel de legisla-: J. Lambert tion algerienne، الجزائر سنة ١٩٥٢.
تونس: (١) A. Demeersman سلسلة مقالات عن خير الدين فى مجلة. I.B.L.A الفصل الرابع سنة ١٩٥٦، والفصول الأول والثالث والرابع سنة ١٩٥٧.
(٢) Docu-: D.S.Mzalu et J.Pignon ments relatifs a Khereddine فى، RT سنة ١٩٣٤ - ١٩٤٠.
(٣) Origines de Pro-: J.Ganiage tectoral francais en Tunisie, باريس سنة ١٩٥٩.
(٤) La: D'Estournelles de Consta - Politique trancaise en Tunisie: Le protc (١٨٩١ - ١٨٥٤) torat et ses origines باريس سنة ١٨٩١.
(٥) E. Fitoussie: ، رسالة جامعية فى القانون، باريس سنة ١٩٠١.
مراكش: (١) Le Maroc et: J.L.Miege L'Europe جـ ٣، ٤، باريس سنة ١٩٦٢ - ١٩٦٣.
(٢) Histoire du Maroc: H.Terrasse - des origines a l'etablissment du Pro tectorat francais، جـ ٢، الدار البيضاء سنة ١٩٥٠.
(٣) Le government mar-: M. Lahbabi ocain a I'aube duXXe siecle الرباط سنة ١٩٥٨.
стр. 4164
(٤) Traite de droit public: E. Durand marocain، باريس سنة ١٩٥٥.
[له تورنو R. Le Tourneu]
٥ - باكستان
كانت المنطقة التى تعرف الآن بباكستان الشرقية جزءً من ولاية البنغال قبل الاستقلال، وكانت هذه أول الأراضى الهندية فى الخضوع للحكم البريطانى، ثم قسمت إلى مقاطعات إدارية شاسعة المساحة، مثال ذلك أن عدد سكان مقاطعة (ميمنسنغ) يفوق عدد سكان سويسرا، وكان جابى الضرائب فى المقاطعة هو العامل الرئيسى المسئول عن النظام العام، وتحصيل الضرائب. ورأس قاضى المقاطعة هيئة الفضاء، وبعيدًا عن رئاسة المقاطعة، كان ممثلو الحكومة الوحيدون هم ضباط الشرطة.
وقد ساعد حاكم البنغال مجلس ينبثق منه مجلس تشريعى يختار منه الوزراء منذ سنة ١٩٢٠ للنهوض بمهام المصالح فى الحكومة الإقليمية.
ولم تكن للمنطقة المعروفة حاليًا بباكستان الغربية تلك الإدارة الموحدة التى وصفت من قبل.
وكانت هناك ثلاث ولايات هى: البنجاب والسند، والحدود الشمالية الغربية، قسمت إلى مقاطعات إدارية أضيق نطاقًا من مثيلاتها فى البنغال، وكانت هذه الولايات آخر ما انضم للهند البريطانية، ولذلك كان لها إدارة تحمل سمات إدارات الحدود، وفى البداية كانت جميع المهام الحكومية فى المقاطعة، بما فيها القضاء، يقوم بها مأمور إنجليزى واحد، هو نائب المندوب البريطانى، وبالرغم من أنه قد عين فيما بعد قضاة للمقاطعة قائمون بذاتهم، وعاون نائب المندوب جهاز قوى من المآمير يقيمون فى المراكز الأقل أهمية فى المقاطعة، ومع هذا كان نصف منطقة باكستان الغربية الحالية يخضع وحده للإدارة البريطانية المباشرة، كما كان هناك عدد من دول الإمارات أكبرها: بها ولبور وكلات ثم آمب، وشيترال، ودير، وسوات وقد اعترف بالاستقلال الداخلى الذاتى لها، وكانت كلات
стр. 4165
مقسمة إلى مشيخات تابعة لها من بينها (خران) التى كانت شبه مستقلة، زد على ذلك أن جزءًا كبيرًا من ولاية الحدود الشمالية الغربية وجزءً كبيرًا من ولاية الحدود الشمالية الغربية وجزءً كبيرًا من بلوجستان التى تقوم فيها كلات كانتا تعاملان معاملة الأراضى غير المحكومة التى لا يسودها القانون البريطانى. فقد كانت القبائل فيها تجرى على عاداتها القديمة.
وكان على قمة هذا النظام، الحاكم العام الذى يرأس الهند البريطانية كلها ويمارس الوصاية على الأمراء، وكان يساعده فى الإدارة المركزية مجلس تنفيذى يرأس كل واحد من أعضائه واحدة أو أكثر من مصالح الحكومة.
وقد كان المسلمون قبل الحكم البريطانى غالبين على الجهاز الإدارى، وقد استبدل البريطانيون شيئًا فشيئًا الإنجليزية بالفارسية، لغة للإدارة العليا، بينما حلت اللغات العامية كالبنغالية محل الفارسية والأردية بين المستويات الدنيا. وزاد الاعتماد فى التعيين أيضًا على التنافس فى اختبار مفتوح تفضل فيه موضوعات العلوم الغربية على الموضوعات الشرقية القديمة. ونتيجة لذلك وجدت العائلات الإدارية المسلمة التقليدية نفسها فى خسارة مستمرة، وكانت خسارتهم للوظائف الإدارية والقضائية أكثر وضوحًا فى البنغال. وكان المسلمون فى ولاية البنغال الكبيرة القديمة التى شملت بها وأورسّه والبنغال عينها، يضمون ٣١ % من مجموع السكان، ولكنهم لم يتقلدوا بحلول سنة ١٨٨٠ إلا ٨,٥ % فحسب من المناصب التنفيذية. وعلى العكس من ذلك فى البنجاب، حيث كان عدد المسلمين فيها ٥١ % من السكان تقلدوا ٣٩ % من المناصب. ومع ذلك نجح المسلمون فى الحفاظ على مكانتهم فى بعض الولايات. ففى الولايات الشمالية الغربية وفى أوده (تسمى الآن أوتار براديش) فى الإتحاد الهندى، شكل المسلمون ١٣ % من السكان ولكنهم تقلدوا ٤٥ % من المناصب التنفيذية. وفى جميع أرجاء الهند شغلوا ٢٠ % من المناصب التنفيذية، ولا يقل هذا كثيرًا عن نسبتهم فى عدد السكان هناك، وكان
стр. 4166
يتم اختيار رؤسائهم من العاملين الهنود المدنيين. وكان هذا الجهاز إنجليزيًا بالكامل حتى ١٨٥٣ حين فتح فيه مجال التنافس بشروط مشددة.
وقد حصل مرشح من الطائفة الهندية الإصلاحية على منصب سنة ١٨٦٤, وبعد ذلك بدأ تيار صغير، لكنه ثابت، من الهندوس فى إقتحام الوظائف. ولم يعين أى مسلم فى جهاز الخدمة الهندية إلا سنة ١٨٨٥. وما وافى عام ١٩١٥، حتى كان عدد موظفى هذا الجهاز قد بلغ ١٩٧١ موظفًا: ١٣٠٥ من البريطانيين ٣٢ من الأوروبيين الآسيويين، و ٤١ من الهندوس، و ٦ من الزرادشتيين الهنود، و ٧ من الهنود المسيحيين، و ٩ من المسلمين. ومع ذلك، نجح المسلمون فى الخمس والعشرين سنة الأخيرة من الحكم البريطانى فى الاستيلاء على أماكن أكثر فى جهاز الخدمة الهندية المدنية. ووقت الاستقلال، كان فى هذا الجهاز حوالى مائة عضو من المسلمين، ثلثهم من البنجاب والباقى من المناطق التى أصبحت فيما بعد الإتحاد الهندى. ولم يكن من بينهم أحد ينتمى إلى البنجاب الشرقية، إذ كان مستوى التعليم فيها منخفضًا.
زد على ذلك أن المسلمين حصلوا لأنفسهم على نصيب أكثر عدلًا فى التنظيمات العليا الأخرى للخدمة العامة، واستبدل جهاز الخدمة العامة للباكستان بجهاز الخدمة العامة الهندى وخاصة فى إدارة الحسابات والمراجعة. وكان من بين العاملين بهذه الإدارة (جودهرى محمد على) الذى أصبح رئيس وزراء، وشخص آخر هو (غلام محمد) الحاكم العام لباكستان. ومنذ سنة ١٩١٨، أصبح الهنود قابلين للترشيح لقطاع الضباط فى الجيش الهندى، كما حصل المسلمون على نسبة من التعيينات والترقيات تتناسب ومجموع عددهم، وغلب فى هذا المضمار الضباط من البنجاب ولاية الحدود الشمالية الغربية.
وبعد الاستقلال الذى تم سنة ١٩٤٧, ظلت الصفوة هى التى تحصل على الوظائف المدنية العليا. وحل جهاز الخدمة الباكستانى محل جهاز الخدمة
стр. 4167
المدنية الهندى. وأصبح التعيين يتم بأسلوب جديد فى التنافس. وشغلت الوظائف العليا، وتبلغ نسبتها ٢٠ % من مجموع الوظائف العليا، وتبلغ نسبتها ٢٠ % من مجموع الوظائف، بالكفاية فى الإمتحانات المفتوحة، أما نسبة الـ ٨٠ % الباقية فتوزع بالتساوى بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية. وما وافت سنة ١٩٦١، حتى أصبح العاملون فى جهاز الخدمة المدنية الباكستانى ٢٥٧ عاملا منه ٢٨ ما زالوا تحت التمرين. واستمر هذا فى إمداد الغالبية العظمى من عاملى المقاطعات والعاملين الرؤساء فى المصالح والوزارات.
وكانت المهمة الرئيسية للحكومة فى دولة الباكستان الحديثة هى ضم جناحى الدولة معًا، وكان يفصلهما ما يزيد على ألف ميل من الأراضى الهندية، والموازنة المعقولة بين باكستان الشرقية والغربية. ولكن الاختلاف الإدارى فى باكستان الغربية عقد المشكلة. على أنه قد حدث تدريجًا إدماج العناصر المختلفة فى عنصر واحد، إذ حرم أمراء (بهاولبور) وكلات من سلطانهم. وفى سنة ١٩٥٥، أقام القانون الخاص بباكستان الغربية وحدة واحدة، أو ولاية واحدة للجناح الغربى لباكستان قاعدتها لاهور. واستبعدت المناطق القبلية فى بلوجستان ومناطق الحدود الشمالية الغربية هى ودويلات آمب، ودير، وجترال، وسوات من هيمنة باكستان الغربية وكذلك كراتشى التى كانت العاصمة. وظلت جميع هذه المناطق تحت سيطرة الحكومة المركزية مباشرة.
وأصبح الطريق آنئذ معبّدًا لإصدار دستور لباكستان. وفى التسع سنوات الأولى استمرت الباكستان تحكم بمقتضى القانون الهندى لسنة ١٩٣٥ مع تعديل بسيط. وقد استبقى هذا القانون حاكمًا عامًا على قمة النظام مع سلطات واسعة فى يده. وكانت الحكومة فى الظاهر فى يد رئيس الوزراء والوزارة وهى مسئولة أمام مجلس تشريعى وطنى، ولكن السلطة الحقيقية كان يمارسها الحاكم العام إلى حد كبير (وقد كان منذ ١٩٥١ غلام
стр. 4168
محمد من العاملين السابقين، ثم خلفه عامل آخر أكبر هو إسكندر ميرزا). وتحت إمرة هذين الرجلين، كان يتولى الإدارة الفعلية فى الباكستان الإداريون وضباط الشرطة.
واستحدث دستور سنة ١٩٥٦ عددًا من القيود على رئيس الدولة الذى أصبح وقتذاك رئيسًا معينًا. ولكن الإضطراب السياسى استمر، وفى عام ١٩٥٨، أعلن الرئيس حالة الطوارئ، وألغى الدستور. وعزز خليفة إسكندر ميرزا، وهو المشير أيوب خان (أصبح بعد مشيرًا)، مركز الرئيس، وفى ظل الدستور سنة ١٩٦٢ (مادة ٣١) تمركزت السلطة التنفيذية فى رئيس الجمهورية ومن أجل تأمين القوات المسلحة، يقضى الدستور (مادة ٢٣٨) بأن يكون وزير الدفاع حاصلًا على رتبة لواء أو ما يوازيها فى البحرية أو القوات الجوية. ويختار الرئيس مجلس الوزراء دون أى قيد خارجى وقد يشارك الوزراء فى أعمال الجمعية الوطنية ولكنهم مسئولون أمام الرئيس.
وقامت الثورة العسكرية سنة ١٩٥٨، فنقلت العاصمة بعد ذلك بقليل من كراتشى إلى "راولبندى" كانت توجد إحدى عشرة وزارة هى: المالية والتجارة والشئون الداخلية وكشمير والصناعة والمصادر الطبيعية والمواصلات والتعليم والإعلام والعدل وشئون البرلمان والزراعة والأشغال والصحة والعمل والرخاء الاجتماعى. وتشمل الأجهزة الهامة، الخاضعة للرئيس مباشرة، مجلس التخطيط القومى ومكتب التعمير القومى. ويطلق على الموظف الدائم الذى يرأس الجهاز "سكرتير الحكومة" وتتكون طبقة الرؤساء من سكرتيرين، وسكرتيرين مشاركين ونواب سكرتيرين وسكرتيرين مساعدين. وفى عام ١٩٥٦، كان ينتمى إلى الجناح الغربى لباكستان ١٩ سكرتيرًا ومعهم ٣٨ من ٤١ سكرتيرًا مشتركًا و ١٢٣ من ١٣٣ من نواب السكرتيرين.
وتسبب الاستياء من السيطرة المزعومة للجناح الغربى فى إثارة الخواطر دائمًا فى باكستان الشرقية التى كانت تطالب لنفسها باستقلال أوسع. وقدمت لها عدة تنازلات
стр. 4169
وتحولت "السكك الحديدية" من السلطة المركزية إلى السلطة الإقليمية. ويحكم الولايتين حاكمان يعينهما الرئيس. وقد يكون الحكام موظفين مدنيين أو ضباط جيش أو زعماء سياسيين، ولكل ولاية سكرتارية تتكون من المصالح التى تقع تحت السيطرة الإقليمية مثل التعليم والصحة العامة والزراعة. وتنقسم الولايات إلى مناطق إدارية كبيرة تسمى وحدات تحت إمرة وكلاء، وهى أربع وحدات فى الشرق و ١١٢ وحدة فى الغرب. وتظل المنطقة الإدارية الرئيسية هى المقاطعة التى يديرها نائب الوكيل أو جابى الضرائب، ويوجد ١٧ مقاطعة فى الشرق و ٥١ مقاطعة ووكالة سياسية فى الغرب.
وقد جاء الرئيس أيوب خان ببدعه، فقد أقام جهازًا استشاريًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قاعدته الشعب. وينتخب الشعب المجالس المعروفة باسم الديمقراطيات الأساسية على مستوى القرى وأحياء المدن. وترسل هذه المجالس الاتحادية بأعضاء إلى مجالس فروع المقاطعات (أى مجلس التحصيل) وهذه بدورها تشارك فى مجالس المقاطعات وعلى المستويات الدنيا، يغلب ممثلو الشعب (أى الديمقراطيون الأساسيون) فإن إلتحام الإداريين بالأجهزة الفنية يصبح أقوى. وفوق هؤلاء "المجالس الجزئية والإقليمية" وثلث أعضائها من الديمقراطيين الأساسيين.
ولا يكتمل وصف حكومة الباكستان إلا بذكر دور القوات المسلحة فى الحكومة. وكان الجيش هو العنصر الأساسى بما يشمله من فرقة مدرعة وست فرق أو أكثر من المشاه بالرغم من أن القوات الجوية كانت حديثة وقوية. وقد حدث كثيرًا أن الجيش كان يستدعى لإعادة النظام إلى نصابه حين عجزت الإدارة المدنية عن السيطرة، كما يصبح الجيش مسئولًا عن تدبير الخلاص فى حالة الكوارث العامة مثل الأعاصير التى تجتاح باكستان الشرقية فى مواسم. كما استدعى ضباط الجيش لإدارة برنامج الديمقراطيات الأساسية، فى حين أن الجيش منح الحق فى ترشيح ١٠ % من المرشحين لشغل
стр. 4170
وظائف جهاز الخدمة المدنية الباكستانى، وإن كانت النسبة فى كثير من الأحيان تزيد على ذلك فى الحقيقة. وفى ظل هذه الظروف، كان من المهم أن يتم تجنيد أغلبية القوات المسلحة للجناح الغربى، وخاصة من البنجاب، من ولاية الحدود الشمالية الغربية، وفى سنة ١٩٥٥، كان من بين الـ ٩٠٠ ضابط برتبة المقدم فما فوقها ١٤ فحسب من باكستان الشرقية، ومن بين الـ ٦٨٠ ضابط فى القوات الجوية ٤٠ من باكستان الشرقية.
وليس من المنتظر أن يتغير هذا الحال من التوازن عدة سنوات أخرى، وهو السبب الأكبر فى قيام الحركة التى تدعو إلى التوسع فى الاستقلال الإقليمى الذاتى والتى تؤرق الباكستان الشرقية باستمرار. ومع هذا، فإننا فيما يظهر يمكننا التنبؤ بأن جناحى باكستان لن ينفصلا (١)، وسوف تبقى باكستان مثالًا فريدًا لدولة واحدة وحكومة تعتمد على شطرى دولة متلاحمين.
[هـ. تنكر H.Tinker]
٦ - إندونيسيا
منذ نشأة شركة الهند الشرقية المتحدة فى مستهل القرن السابع عشر، تولى السلطة فيها حاكم عام يساعده مجلس للهند الشرقية Raad van indie, مع سلطات تشريعية وتنفيذية محلية. ولكن السلطة المطلقة كان يمارسها كاملة مجلس إدارة الشركة وهو "السادة السبعة عشر Heren Zeventien" فى هولندا. وحينما تحمل التاج مسئولية الشركة سنة ١٨٠٠، ظل الجهاز الحكومى فى جزائر الهند الشرقية إلى حد كبير لا يتغير. كما ظلت أحوال البلاد كما هى حتى عندما انتزع البرلمان الهولندى الامتياز الملكى فى الهيمنة على شئون المستعمرات (القانون الحكومى لجزر الهند الشرقية سنة ١٨٥٤، وقانون المساءلة المالية سنة ١٨٦٤). وبالرغم من أنه حدث من وقتها أن وقعت المسئولية عن حكومة المستعمرات وميزانيتها على عاتق وزير