← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

يتم اختيار رؤسائهم من العاملين الهنود المدنيين. وكان هذا الجهاز إنجليزيًا بالكامل حتى ١٨٥٣ حين فتح فيه مجال التنافس بشروط مشددة. وقد حصل مرشح من الطائفة الهندية الإصلاحية على منصب سنة ١٨٦٤, وبعد ذلك بدأ تيار صغير، لكنه ثابت، من الهندوس فى إقتحام الوظائف. ولم يعين أى مسلم فى جهاز الخدمة الهندية إلا سنة ١٨٨٥. وما وافى عام ١٩١٥، حتى كان عدد موظفى هذا الجهاز قد بلغ ١٩٧١ موظفًا: ١٣٠٥ من البريطانيين ٣٢ من الأوروبيين الآسيويين، و ٤١ من الهندوس، و ٦ من الزرادشتيين الهنود، و ٧ من الهنود المسيحيين، و ٩ من المسلمين. ومع ذلك، نجح المسلمون فى الخمس والعشرين سنة الأخيرة من الحكم البريطانى فى الاستيلاء على أماكن أكثر فى جهاز الخدمة الهندية المدنية. ووقت الاستقلال، كان فى هذا الجهاز حوالى مائة عضو من المسلمين، ثلثهم من البنجاب والباقى من المناطق التى أصبحت فيما بعد الإتحاد الهندى. ولم يكن من بينهم أحد ينتمى إلى البنجاب الشرقية، إذ كان مستوى التعليم فيها منخفضًا. زد على ذلك أن المسلمين حصلوا لأنفسهم على نصيب أكثر عدلًا فى التنظيمات العليا الأخرى للخدمة العامة، واستبدل جهاز الخدمة العامة للباكستان بجهاز الخدمة العامة الهندى وخاصة فى إدارة الحسابات والمراجعة. وكان من بين العاملين بهذه الإدارة (جودهرى محمد على) الذى أصبح رئيس وزراء، وشخص آخر هو (غلام محمد) الحاكم العام لباكستان. ومنذ سنة ١٩١٨، أصبح الهنود قابلين للترشيح لقطاع الضباط فى الجيش الهندى، كما حصل المسلمون على نسبة من التعيينات والترقيات تتناسب ومجموع عددهم، وغلب فى هذا المضمار الضباط من البنجاب ولاية الحدود الشمالية الغربية. وبعد الاستقلال الذى تم سنة ١٩٤٧, ظلت الصفوة هى التى تحصل على الوظائف المدنية العليا. وحل جهاز الخدمة الباكستانى محل جهاز الخدمة

стр. 4167

المدنية الهندى. وأصبح التعيين يتم بأسلوب جديد فى التنافس. وشغلت الوظائف العليا، وتبلغ نسبتها ٢٠ % من مجموع الوظائف العليا، وتبلغ نسبتها ٢٠ % من مجموع الوظائف، بالكفاية فى الإمتحانات المفتوحة، أما نسبة الـ ٨٠ % الباقية فتوزع بالتساوى بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية. وما وافت سنة ١٩٦١، حتى أصبح العاملون فى جهاز الخدمة المدنية الباكستانى ٢٥٧ عاملا منه ٢٨ ما زالوا تحت التمرين. واستمر هذا فى إمداد الغالبية العظمى من عاملى المقاطعات والعاملين الرؤساء فى المصالح والوزارات. وكانت المهمة الرئيسية للحكومة فى دولة الباكستان الحديثة هى ضم جناحى الدولة معًا، وكان يفصلهما ما يزيد على ألف ميل من الأراضى الهندية، والموازنة المعقولة بين باكستان الشرقية والغربية. ولكن الاختلاف الإدارى فى باكستان الغربية عقد المشكلة. على أنه قد حدث تدريجًا إدماج العناصر المختلفة فى عنصر واحد، إذ حرم أمراء (بهاولبور) وكلات من سلطانهم. وفى سنة ١٩٥٥، أقام القانون الخاص بباكستان الغربية وحدة واحدة، أو ولاية واحدة للجناح الغربى لباكستان قاعدتها لاهور. واستبعدت المناطق القبلية فى بلوجستان ومناطق الحدود الشمالية الغربية هى ودويلات آمب، ودير، وجترال، وسوات من هيمنة باكستان الغربية وكذلك كراتشى التى كانت العاصمة. وظلت جميع هذه المناطق تحت سيطرة الحكومة المركزية مباشرة. وأصبح الطريق آنئذ معبّدًا لإصدار دستور لباكستان. وفى التسع سنوات الأولى استمرت الباكستان تحكم بمقتضى القانون الهندى لسنة ١٩٣٥ مع تعديل بسيط. وقد استبقى هذا القانون حاكمًا عامًا على قمة النظام مع سلطات واسعة فى يده. وكانت الحكومة فى الظاهر فى يد رئيس الوزراء والوزارة وهى مسئولة أمام مجلس تشريعى وطنى، ولكن السلطة الحقيقية كان يمارسها الحاكم العام إلى حد كبير (وقد كان منذ ١٩٥١ غلام

стр. 4168

محمد من العاملين السابقين، ثم خلفه عامل آخر أكبر هو إسكندر ميرزا). وتحت إمرة هذين الرجلين، كان يتولى الإدارة الفعلية فى الباكستان الإداريون وضباط الشرطة. واستحدث دستور سنة ١٩٥٦ عددًا من القيود على رئيس الدولة الذى أصبح وقتذاك رئيسًا معينًا. ولكن الإضطراب السياسى استمر، وفى عام ١٩٥٨، أعلن الرئيس حالة الطوارئ، وألغى الدستور. وعزز خليفة إسكندر ميرزا، وهو المشير أيوب خان (أصبح بعد مشيرًا)، مركز الرئيس، وفى ظل الدستور سنة ١٩٦٢ (مادة ٣١) تمركزت السلطة التنفيذية فى رئيس الجمهورية ومن أجل تأمين القوات المسلحة، يقضى الدستور (مادة ٢٣٨) بأن يكون وزير الدفاع حاصلًا على رتبة لواء أو ما يوازيها فى البحرية أو القوات الجوية. ويختار الرئيس مجلس الوزراء دون أى قيد خارجى وقد يشارك الوزراء فى أعمال الجمعية الوطنية ولكنهم مسئولون أمام الرئيس. وقامت الثورة العسكرية سنة ١٩٥٨، فنقلت العاصمة بعد ذلك بقليل من كراتشى إلى "راولبندى" كانت توجد إحدى عشرة وزارة هى: المالية والتجارة والشئون الداخلية وكشمير والصناعة والمصادر الطبيعية والمواصلات والتعليم والإعلام والعدل وشئون البرلمان والزراعة والأشغال والصحة والعمل والرخاء الاجتماعى. وتشمل الأجهزة الهامة، الخاضعة للرئيس مباشرة، مجلس التخطيط القومى ومكتب التعمير القومى. ويطلق على الموظف الدائم الذى يرأس الجهاز "سكرتير الحكومة" وتتكون طبقة الرؤساء من سكرتيرين، وسكرتيرين مشاركين ونواب سكرتيرين وسكرتيرين مساعدين. وفى عام ١٩٥٦، كان ينتمى إلى الجناح الغربى لباكستان ١٩ سكرتيرًا ومعهم ٣٨ من ٤١ سكرتيرًا مشتركًا و ١٢٣ من ١٣٣ من نواب السكرتيرين. وتسبب الاستياء من السيطرة المزعومة للجناح الغربى فى إثارة الخواطر دائمًا فى باكستان الشرقية التى كانت تطالب لنفسها باستقلال أوسع. وقدمت لها عدة تنازلات

стр. 4169

وتحولت "السكك الحديدية" من السلطة المركزية إلى السلطة الإقليمية. ويحكم الولايتين حاكمان يعينهما الرئيس. وقد يكون الحكام موظفين مدنيين أو ضباط جيش أو زعماء سياسيين، ولكل ولاية سكرتارية تتكون من المصالح التى تقع تحت السيطرة الإقليمية مثل التعليم والصحة العامة والزراعة. وتنقسم الولايات إلى مناطق إدارية كبيرة تسمى وحدات تحت إمرة وكلاء، وهى أربع وحدات فى الشرق و ١١٢ وحدة فى الغرب. وتظل المنطقة الإدارية الرئيسية هى المقاطعة التى يديرها نائب الوكيل أو جابى الضرائب، ويوجد ١٧ مقاطعة فى الشرق و ٥١ مقاطعة ووكالة سياسية فى الغرب. وقد جاء الرئيس أيوب خان ببدعه، فقد أقام جهازًا استشاريًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قاعدته الشعب. وينتخب الشعب المجالس المعروفة باسم الديمقراطيات الأساسية على مستوى القرى وأحياء المدن. وترسل هذه المجالس الاتحادية بأعضاء إلى مجالس فروع المقاطعات (أى مجلس التحصيل) وهذه بدورها تشارك فى مجالس المقاطعات وعلى المستويات الدنيا، يغلب ممثلو الشعب (أى الديمقراطيون الأساسيون) فإن إلتحام الإداريين بالأجهزة الفنية يصبح أقوى. وفوق هؤلاء "المجالس الجزئية والإقليمية" وثلث أعضائها من الديمقراطيين الأساسيين. ولا يكتمل وصف حكومة الباكستان إلا بذكر دور القوات المسلحة فى الحكومة. وكان الجيش هو العنصر الأساسى بما يشمله من فرقة مدرعة وست فرق أو أكثر من المشاه بالرغم من أن القوات الجوية كانت حديثة وقوية. وقد حدث كثيرًا أن الجيش كان يستدعى لإعادة النظام إلى نصابه حين عجزت الإدارة المدنية عن السيطرة، كما يصبح الجيش مسئولًا عن تدبير الخلاص فى حالة الكوارث العامة مثل الأعاصير التى تجتاح باكستان الشرقية فى مواسم. كما استدعى ضباط الجيش لإدارة برنامج الديمقراطيات الأساسية، فى حين أن الجيش منح الحق فى ترشيح ١٠ % من المرشحين لشغل

стр. 4170

وظائف جهاز الخدمة المدنية الباكستانى، وإن كانت النسبة فى كثير من الأحيان تزيد على ذلك فى الحقيقة. وفى ظل هذه الظروف، كان من المهم أن يتم تجنيد أغلبية القوات المسلحة للجناح الغربى، وخاصة من البنجاب، من ولاية الحدود الشمالية الغربية، وفى سنة ١٩٥٥، كان من بين الـ ٩٠٠ ضابط برتبة المقدم فما فوقها ١٤ فحسب من باكستان الشرقية، ومن بين الـ ٦٨٠ ضابط فى القوات الجوية ٤٠ من باكستان الشرقية. وليس من المنتظر أن يتغير هذا الحال من التوازن عدة سنوات أخرى، وهو السبب الأكبر فى قيام الحركة التى تدعو إلى التوسع فى الاستقلال الإقليمى الذاتى والتى تؤرق الباكستان الشرقية باستمرار. ومع هذا، فإننا فيما يظهر يمكننا التنبؤ بأن جناحى باكستان لن ينفصلا (١)، وسوف تبقى باكستان مثالًا فريدًا لدولة واحدة وحكومة تعتمد على شطرى دولة متلاحمين. [هـ. تنكر H.Tinker] ٦ - إندونيسيا منذ نشأة شركة الهند الشرقية المتحدة فى مستهل القرن السابع عشر، تولى السلطة فيها حاكم عام يساعده مجلس للهند الشرقية Raad van indie, مع سلطات تشريعية وتنفيذية محلية. ولكن السلطة المطلقة كان يمارسها كاملة مجلس إدارة الشركة وهو "السادة السبعة عشر Heren Zeventien" فى هولندا. وحينما تحمل التاج مسئولية الشركة سنة ١٨٠٠، ظل الجهاز الحكومى فى جزائر الهند الشرقية إلى حد كبير لا يتغير. كما ظلت أحوال البلاد كما هى حتى عندما انتزع البرلمان الهولندى الامتياز الملكى فى الهيمنة على شئون المستعمرات (القانون الحكومى لجزر الهند الشرقية سنة ١٨٥٤، وقانون المساءلة المالية سنة ١٨٦٤). وبالرغم من أنه حدث من وقتها أن وقعت المسئولية عن حكومة المستعمرات وميزانيتها على عاتق وزير

стр. 4171

المستعمرات وهو مسئول أمام المجلس البرلمانى الثانى، أثبتت الرقابة البرلمانية نفسها أنها زادت مركزية فى تناول الشئون الإندونيسية أكثر من سلطة الملك أو الشركة فى الماضى. وفى الوقت الحديث، أصبحت أيضًا أكثر فاعلية بفضل النهوض بالمواصلات بين الأرض الأم والمستعمرة. وفى بداية القرن العشرين، حين امتدت السلطة الهولندية إلى جميع أجزاء الأرخبيل، ضمت جزر الهند الشرقية الهولندية مجتمعات وطنية متباينة غاية التباين تحكمها إجراءات دستورية وإدارية شتى. وكانت السيطرة الهولندية المتزايدة تدير مباشرة جزيرة جاوة قلب المستعمرات الكثيفة السكان، مثلها كمثل عدة مناطق هامة فى الجزائر الأخرى (أى الأراضى الخارجية) وأخصها بالذكر أجزاء من سومطرة. أما فى غير ذلك من البقاع، فقد حكم الهولنديون بطريقة غير مباشرة من خلال زعماء ورؤساء من الأهلين. وكان هذا الخلاف يرجع فى بعضه إلى الحوادث التاريخية ومتطلبات الاقتصاد العربى، وبعضه الآخر إلى المستويات المختلفة للتطور السياسى للشعوب والمجتمعات المحلية فى المستعمرة. وكانت النظرية الدستورية الهولندية، علاوة على ذلك، تتمسك بالمبدأ الأساسى للسلطة المقسمة، بمعنى أنها تترك أهل البلاد يحكمونها كلما أمكن ذلك. وهكذا اقتصر دور المديرين الهولنديين رسميًا فى الجزء الأكبر من الجزائر الخارجية على النصح للأمراء والسلاطين المرتبطين بالأراضى المنخفضه باتفاقات تعاهدية أو عقود. وحتى فى جاوة التى كان الحكم فيها مباشرًا، فقد كان فيها طبقات بيروقراطية مزدوجة: واحدة هولندية والأخرى جاوية. وهذا الإزدواج كان له نظيره فى مجموعة القوانين القائمة بذاتها وفى الإجراءات وفى المحاكم الخاصة بالمجتمعات العرقية المختلفة فى جزر الهند الشرقية. أما من حيث الواقع، فقد شكلت المستعمرات وحدة إدارية مركزية صرف، قوامها بيروقراطية خاضعة،

стр. 4172

يتم توجيهها مباشرة من جاكرتا، فى جاوة، قاعدة حكومة المستعمرات. وعلاوة على الحاكم العام ومجلس الجزر الهندية، تكونت حكومة المستعمرات من عدة مصالح تزايد عددها بنمو الخدمات المتخصصة فى القرن العشرين، وكان مديروها مسئولين أمام الحاكم العام، ولكنها لم تشكل مجتمعة الجهاز الوزارى الجامع الموازى لذلك الجهاز المحكم لشركة الجزر الهولندية وكانت مصلحة الإدارة الداخلية (Binnenlands Bestur) وجهاز السكرتارية الموجودين فى المقر الرسمى الدائم لنائب الملك فى غرب جاوة (الذى يسمى بوغور) هما أرفع المؤسسات الحكومية بعد الحاكم مكانة. وفى كلتا الإدارتين المركزية والإقليمية، احتل الموظفون الهولنديون الوظائف السياسية الهامة، وكلها خاضعة بطبيعة الحال للمراقبة الشديدة فى تفصيلات المسائل المالية لوزارة المستعمرات فى لاهاى. وبفشل الجهود المتفرقة للتقليل من سلطة هولندة على شئون المستعمرات، وفى نفس الوقت لتقليل الاحتكار البيروقراطى لزمام حكومة المستعمرات، إستمر الانقسام بين الديمقراطية فى هولندة والحكم المطلق فى الجزر الهندية حتى منعطف القرن العشرين، وبدأت البلديات وبخاصة من وقتها تتمتع بالنذر اليسير من الحكم الذاتى الذى أفاد مع ذلك الأوروبيين أكثر من أهل البلاد. وقد استغرق إدخال إصلاحات جديدة بعيدة الأثر قرابة خمسة عشر عامًا، وبدأ بتأسيس هيئة إستشارية (Volksraad) فى باتافيا (جاكرتا) افتتحت فى سنة ١٩١٨ وبعد ذلك بقليل، وضعت الحكومة الهولندية، آخذة بتوصيات الهيئة التى عينها الحاكم العام، سنة ١٩١٨ تشريعًا بعيد الأثر للحد من المركزية، يضع الأسس الإدارية والسياسية للمجلس الشعبى المركزى الذى نشأ سريعًا. وفى نفس الوقت، مهد القانون الأساسى الجديد لجزر الهند عام ١٩٢٥ الطريق لمنح استقلال ذاتى أكبر للمستعمرات فى مواجهة برلمان العاصمة خاصة فيما يختص بمسألة الميزانية. وكان الحد من المركزية فى جزر الهند مقصورًا على

стр. 4173

جاوة حتى منتصف الثلاثينات، وكان هدفه تحرير الأجهزة الإدارية الوطنية، التى كان معظم موظفيها من الطبقة الأرستقراطية من السيطرة الدقيقة لكبار الموظفين الأوروبيين فى الإدارة الداخلية وأنشئت وحدات إقليمية جماعية جديدة، وهى الإمارات والسلطنات، للقيام بمهمة تحويل هذه الأجهزة وكذلك لإقامة الأجهزة الدينية الأقل مستوى، وهى المجالس الأقليمية والقائمقاميات، وشغلت بعض وظائف هذه المؤسسات بالتعيين، ومعظمها بالاختيار القائم على تصويت ضيق النطاق، وقامت المجالس القائمقامية الستون العارضة بدور مجمعات انتخابية للمجالس الاقليمية الثلاثة بالجزيرة, وهذه المجالس أدت الخدمة نفسها لمجلس الشعب. وسرعان ما ارتبطت هذه الوسيلة الشبيهة بالديمقراطية بل المعوقة بنظام الدولة البيروقراطية الذى استغرق تدعيمه ٤٠ عامًا قبل الاحتلال اليابانى للجزر الأندونيسية، ولم يكن نجاحه فى تلك الفترة القصيرة منتظمًا، وإن كان قد بلغ أقصى النجاح فى المركز حيث يقوم مجلس الشعب الذى وفر نوعًا من التدريب على الإجراءات السياسية الحديثة بالرغم من المعوقات الكثيرة الخطيرة ومنها مقاطعة عدة جماعات وطنية له. وفى آخر العشرينات من القرن العشرين، اكتسب غالبية إندونيسية أو كاد، وأسبغت عليه سلطات تشريعية مشتركة هامة خاصة بالنسبة للميزانية السنوية. ولكن التطرف المتزايد للحياة السياسية الإندونيسية زاد من شأنه الثورات المسلحة سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧، وما تلا ذلك من تقوية الجهاز البيروقراطى، وقد قلل ذلك كثيرًا من فائدة مجلس الشعب. كما أعقب الإجراءات الجائحة التى اتخذت للقضاء على المركزية إنبعاث لسلطان البيروقراطية، فأعاق ذلك أيضًا العمل السليم للمجالس الدينية الصغرى. ولما امتدت اللامركزية إلى الأراضى الخارجية فى نهاية الثلاثينات من هذا القرن، كادت أن تخلو تمامًا من التجربة السياسية التى حدثت فى جاوة. وهكذا أورث الحكم الهولندى لإندونيسيا نظامًا مركزيًا فى جوهره،

стр. 4174

ظل سائدًا بالاعتماد على موظفى الدولة، لكن اكتسب بعض السمات البدائية الضعيفة للحكم الذاتى الديمقراطى. وكان الوجود اليابانى فى إندونيسيا قصير الأمد (١٩٤٢ - ١٩٤٥) إلا أنه أحدث تغييرات بعيدة الأثر فى النظام الهولندى. فإذا استبعدنا تمامًا تقسيم الأرخبيل (كانت الجزر المختلفة تدار بأوامر عسكرية متفرقة) طرد اليابانيون الموظفين الهولنديين وأحلوا اليابانيين والإندونسيين محلهم، وأدخلوا مجالس ذات اختصاصات محدودة للغاية محل النمط الغربى للأجهزة التشاورية شبه الديمقراطية وظهرت التغيرات الأساسية فى مجال السياسة القائمة على إثارة المشاعر مصحوبة بالتجديدات التنظيمية اليابانية التى أثرت بعمق فى السكان وخاصة الجيل الجديد الأصغر، ووقف هذا التحرك السريع للحياة السياسية الإندونيسية والذى زاد من حدته التصدع الفكرى وظهور التفوق السياسى للقوات العسكرية، فى تناقض واضح مع مبدأ المحافظة الثابت فى جوهره للأجهزة الإدارية البيروقراطية التى كانت تنطبع فى إطراد بالطابع الإندونيسى وكذلك لم تتأثر السيطرة الحكومية بالتغير فى السيادة الاستعمارية ولو فى الأسلوب التحكمى الذى لا يرحم. وزاد من إهتمام المجتمع الإندونيسى إهتمامًا جادًا بالسياسة، والاستقلال الإندونيسى الذى أعلن فى أغسطس ١٩٤٥، وما تبعه من سنوات الكفاح الأربع للمحاولات الهولندية العسكرية لعودة استعمارها لإندونيسيا. ودفع الدستور المؤقت للجمهورية الإندونيسية الذى أعلن بعد ثلاثة أسابيع فحسب من الاستسلام اليابانى والذى كان متأثرا بالوصاية اليابانية إلى قيام حكومة على النظام الرئاسى. ووضع تصور لمجلس تشريعى منتخب طبقًا للدستور، ولكن الثورة والصراع المسلح الدائم مع الهولنديين، لم يسمح بإجراء الانتخابات إلا فى سنة ١٩٥٥، وفى تلك الأثناء قامت لجنة قومية إندونيسية مركزية معينة بعمل السلطة التشريعية

стр. 4175

وقوى سلطانها كثيرًا حين نقلت إليها مسئولية الوزارة فى أواخر عام ١٩٤٥، وتضاعف عدد أعضائها، ثم سرعان ما تأثرت بقيام تنظيمات سياسية أبرزها حزب "مسجومى" المسلم الوطنى والأحزاب الاشتراكية. ولم تفعل الأجهزة الجمهورية للحكومة ما فعلها إلا فى بعض أجزاء إندونيسيا، وأخصها بالذكر جاوة وسومطرة، أما فى باقى الأنحاء، فقد أدت عودة القوات العسكرية والإداريين الهولنديين إلى قيام عدة مجموعات شتى من دويلات شبه مستقلة استقلالًا ذاتيًا تحت الرعاية الهولندية، ثم انتهت فى أواخر سنة ١٩٤٠ إلى ١٦ وحدة سياسية متميزة بما فى ذلك الجمهورية وغير الهولنديون السيادة إلى جمهورية الولايات المتحدة الإندونيسية الاتحادية ذات مجلسين فى عام ١٩٤٩، وفى أقل من سنة أفسح الميثاق الفيدرالى الطريق لدستور أندونيسيا المؤقت الثالث سنة ١٩٥٠، وظل هذا الدستور قائمًا مدة تقل عن عشر سنوات، فأسس نظامًا برلمانيًا موحدًا، وقامت الوزارات على أساس من أحلاف جمعت الأحزاب الثلاثة الكبرى التى كان لها الصدارة (الوطنى ومسجومى ونهضته العلما وهو حزب العلماء المسلمين) قبل الانتخابات العامة سنة ١٩٥٥، وخاصة بعد هذه الانتخابات. وظل الحزب الرابع. الهام وهو الحزب الشيوعى خارج ائتلاف الحكومة بالرغم من أثره المتزايد فى المركز، وخاصة بين الناخبين، وخلال الفترة الأولى، عمل النظام الديمقراطى الليبرالى فى يسر لا بأس به بالرغم من أن جذوره لم تكن تأصلت فى الثقافة السياسية الأندونيسية وبدأ هذا العمل باللامركزية بمفهوم الكلمة السليم. وقامت الحكومة الإقليمية والمحلية على المجالس الانتخابية، ولكن نمو الاستقطاب الفكرى بين الجماعات الإسلامية والعلمانية الذى تجلى بخاصة فى المجلس التأسيسى الذى انتخب على هذا النحو سنة ١٩٥٥، وتكاثر الأحزاب مع الافتقار إلى نظام الأحزاب الداخلى وعدم الاستقرار فى الوزارات مع الإحباطات الدولية المستمرة بسبب استبقاء هولندا الأراضى الغربية لغينيا الجديدة

стр. 4176

والتدهور الاقتصادى المقترن بسخط الأقاليم والتدخل العسكرى المتزايد فى السياسة، كل هذه العوامل المعاكسة أدت إلى عدم الثقة بالحكومة الدستورية من جانب وبين صفوة المجتمع وقطاعات واسعة من الجمهور السياسى من جانب آخر. وفى أعقاب الثورة المسلحة الواسعة النطاق والتهديد بانفصال الأراضى الخارجية، نهجت السلطات العسكرية المركزية والتنفيذية الرئيسية نهجًا متسلطًا يتزايد فى شدته، وألغى الرئيس المجلس التأسيسى الذى كان فى حالة توقف كامل، وقضى على بعض الأحزاب وخاصة الحزب السياسى المسلم، منذ عام ١٩٥٧ أخذ يقيم نظامًا سياسيًا جديدًا هو "الديمقراطية الموجهة" وأقر أول دستور مؤقت للجمهورية عام ١٩٥٥، وهو الذى أعيد إقراره بمرسوم الرئاسة فى يوليو سنة ١٩٥٩، الأساس الشرعى لنظام الحكم الجديد. وهكذا اضطرت الحكومة البرلمانية إلى الخضوع لنظام مركزى لا يختلف فى مادته كثيرًا عن الأشكال القديمة. وسرعان ما طغت الذرائع التى تذرعت بها الديمقراطية الموجهة والتى قامت على صورة متفرقة لا تتسم بحال بتناسق واضح، على البرلمان الذى كان ينعكس عليه التدهور الشديد للأحزاب، وأعيد تشكيله فى الواقع باعتباره تشريعًا يقوم على "المساعدة المشتركة" ويكون أعضاؤه بالتعيين، واتسعت عضويته بانضمام عدة جماعات من العاملين وخاصة من الجيش. وسرعان ما أضيفت إليه أجهزة جديدة كانت فى كثير من الأحيان أضخم من أن تحكم كما كانت متعارضة الإختصاصات. وكان ذلك يتم بإيعاز من الرئيس وباختياره بما فى ذلك "المجلس الاستشارى الأعلى" و"مجلس الشعب الاستشارى المؤقت" (وكلاهما فى الحقيقة قد نص عليه فى أحكام ميثاق ١٩٤٥) بالإضافة إلى "مجلس التخطيط القومى". وتحقيقًا لذلك عينت وزارة رئاسية من ٩٠ وزيرًا. وكان المجلس الاستشارى،

стр. 4177

وليس البرلمان، وأعضاؤه يفوقون ٦٠٠ عضوًا، هو الذى قام بعمل الجهاز الشرعى الأعلى وله حق إنتخاب المُنَفذ الأول والذى كان بدوره مسئولا أمامه. ومع هذا، لم يعتمد السير الرفيق للديمقراطية الموجهة كثيرًا على الإجراءات الرسمية التى كان يظهر عليها الافتقار إلى التناسق. وسحبت القوة السياسية الفعلية من الأحزاب السياسية العشرة التى سمح لها بعد بالبقاء، باستثناء جزئى للحزب الشيوعى الذى شكل تنظيمه الضخم بؤرة من البؤر الحقيقية للقوة السياسية. وكان يوازيه ويقف أمامه الجيش الذى كان يزداد تنظيمه تنظيمًا جيدًا، وتنمو مشاركته باطراد فى المسائل السياسية والإدارية نتيجة للإضطراب الداخلى والمواجهات الأجنبية مع هولندة أولا ثم مع إتحاد ماليزيا. وكان الجيش أيضًا هو المستفيد الأول من تأميم المشروعات الأجنبية وتجريد الأحزاب السياسية من قوتها بالأجهزة اللامركزية للحكم المحلى والإقليمى. وكان الرئيس على قمة "الديمقراطية الموجهة" الذى أسسها هو وصاحب الفكر الأول فيها، وقد خولت له سلطات تنفيذية مدى الحياة فى جلسة المجلس الاستشارى الأول. وما وافت الستينات من هذا القرن، حتى تحول نظام الحكم فى إندونيسيا إلى الأنظمة الحكومية الممعنة فى التحكم والتى تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأشخاص. ومع أن الرئيس كانت له سلطات شرعية وفوق شرعية واسعة فى الحق جدًا، فإن نطاقها لم يتحدد بالرسميات بمقدار ما كانت تحدده عوامل قوى أخرى وقامت ثورة سياسية كبرى بدأت فى أكتوبر سنة ١٩٦٥ وظلت أسبابها ونتائجها غامضة إلى وقت كتابة هذه السطور (اواسط ١٩٦٦. وقد يتوقع المرء أن يكون لها آثار بعيدة المدى على الحكومة الأندونيسية حتى لو بقى إلى حين الهيكل الدستورى الهش لنظام "الديمقراطية الموجهة". وقد كان من النتائج الأساسية لهذه الأحداث الهامة تقوض الحزب الشيوعى إن لم يكن

стр. 4178

دماره الفعلى على يد الجماعات الإسلامية المناهضة له. وثمة نتيجة أخرى أقل من هذه وضوحًا بكثير هى ما بدا من انتقاص لسلطات الرئيس جرده من التمتع بها مدى الحياة مجلس الشعب الاستشارى المؤقت، وفى أواسط الستينات كان الجيش هو المستفيد الأول من إعادة البناء السياسى، على أن جميع المظاهر تدل على أنه أخذ فى ممارسة السلطة فى صورة أقل تحكمًا وتمركزًا عما كان عليه فى نظام الحكم السابق لذلك مباشرة وسوف يظل التساؤل قائمًا: هل كان فى إمكان الديمقراطية السياسية، أو هل هى تقدر مرة أخرى على تطعيم هذه الشجرة القديمة الحديثة، أو هل هى تستطيع مرة ثالثة أن تضرب فى الشجرة بجذور أقوى؟ المصادر: (١) The Cresent and the: H. Benda rising sun: indonesian islam under the Ja- ١٩٤٥ - ١٩٤٢ phanse occupation, لاهاى وباندونج سنة ١٩٥٨. (٢) The decline of con-: H. Fieth stitutional democracy in indonsesia، إيتاكا، نيويورك سنة ١٩٦٢. (٣) المؤلف نفسه: - Dynamics of Guid ed Democracy n indonesia فى (ed) Ruth. T.Mcvey، نيوهافن، كونكتيكت سنة ١٩٦٣، فصل ٨ (٤) المؤلف نفسه: Indonesia فى Government and: (ed) G.Mc.T.Kahin politics in southeast ASIA, الطبعة الثانية، إيتاكا، نيويورك، سنة ١٩٦٤ ص ٣٠٩ - ٤٠٩ (٥) Neth-: A study of: J.SFumivall erlands india plural ecomomy، كمبردج ونيويورك سنة ١٩٤٤ (٦) Nationalism and: G. mc T Kahin revolntion in indinesia، إيتاكا، نيويورك سنة ١٩٥٢ (٧) المؤلف نفسه: Indonesia فى (Major governments: G.M T. Kahin (ed of Asia، الطبعة الثانية، إيتاكا، نيويورك سنة ١٩٦٣، ص ٥٣٥ - ٧٠٠

стр. 4179

(٨) Central authority: J.D. Legge - ١٩٥٠ and regional autonony in indonesia ١٩٦٠, إيتاكا، نيويورك سنة ١٩٦٢. (٩) المؤلف نفسه: Indonesia، انكلوود كلفس، نيوجيرسى سنة ١٩٦٤. (١٠) A. Vandebisch: هفس The: Duch East indies government, problems and politics؛ الطبعة الثالثة، بيركلى ولوس انجليس سنة ١٩٤٤. (١١) a history of: B.H.M. Vlekke: Nusantara indonesia الطبعة الثانية، لاهاى وباندونج، سنة ١٩٥٩. (١٢) indonesiam a: W.F. Wertheim society in transi-: study of social change tion، الطبعة الثانية، لاهاى وباندونتج سنة ١٩٥٩. نجلاء عبد الرازق [بندا H. j. Banda] حكيم (والجمع حكماء) الاسم العربى للطبيب، وأصل معناه العاقل الحاذق الماهر وقد تطور من هذا المعنى كلمة حاكم وحكيم وهى موضوع بحثنا (قارن الكلمة الفرنسية Sage-femme بمعنى حكيمة وكلمة Sag-homme بمعنى فقيه) وعلى هذا النحو أيضًا يكون معنى الكلمة العربية الأخرى طبيب (والجمع أطباء) هو الطب بمعنى الحاذق بالأمور العارف بها. وتطور هذا الأصل بوجه خاص فى اللغة الإثيوبية. وكانت كلمة طبيب فى الزمن القديم أكثر شيوعًا من كلمة حكيم وخاصة فى اللغة الفصحى. أما فى الزمن المتأخر فقد غلبت كلمة حكيم وخاصة فى اللغة العامية. وقد مُيز بين الكلمتين أحيانًا تمييزًا دقيقًا فاستعملت كلمة حكيم للدلالة على من يزاول مهنة الطب وكلمة طبيب لمن درس الطب، وثمة أسماء أخرى للإخصائيين عدا اللفظ العام "حكيم" فيقال الجراح والكحال (وهو طبيب العيون) وقد جرى العرف فى اللغة الحديثة على استعمال لفظ الحكيم مركبة للدلالة على الاخصائيين كحكيم العيون وحكيم الأسنان؛ وقد وضعت عدة مصنفات فى تاريخ الطب بعنوان تاريخ الحكماء أشهرها كتاب ابن القفطى الذى نشره ليبر (J Lippert) بليبسك عالم ١٩٠٣ خورشيد [متفوخ Mittwoch E.]

стр. 4180

موجز دائرة المعارف الإسلامية «الحلاج - الخالدي» [الجزء الرابع عشر]

стр. 4181

الحلاج (أى حلَّاج الصوف)، أبو المغيث الحسين بن منصور بن محمّى البيضاوى، متصوف من علماء الكلام المتحدثين بالعربية (٢٤٤ - ٣٠٩ هـ = ٨٥٧ - ٩٢٢ م)، تلقى حياته وتعاليمه ووفاته الضوء على فترة حرجة فى تاريخ الثقافة الإسلامية، وتعد رياضته الباطنة نقطة تحول فى تاريخ التصوف (وتشمل هذه المادة، بالإضافة إلى ما ورد فى صدرها من هذه الدائرة إضافات مسهبة منقولة من أحدث مؤلفات ماسينيون L. Massignon). ١ - تفصيلات سيرته: أصله: ولد الحلاج حوالى سنة ٢٤٤ هـ (٨٥٧ - ٨٥٨ م) فى بلدة الطور، شمالى شرق البيضاء ببلاد فارس. وكانت الطور تتحدث بلهجة إيرانية؛ والبيضاء بلدة مستعربة ولد بها سيبويه. ويقال إن الحلاج حفيد رجل يدعى "جبر" كما كان من سلالة أبى أيوب أحد صحابة النبى ﷺ . وغادر أبوه، الذى كان فيما يرجح حلاجًا للصوف، بلدة الطور إلى منطقة صناعة النسيج التى امتدت من تستر إلى واسط (على نهر دجلة)، وهى مدينة صغيرة أسسها العرب، ومعظم سكانها من السنيين الحنابلة (كان بضواحيها الريفية أقلية من غلاة الشيعة). وكانت مركزًا لمدرسة شهيرة لقراء القرآن الكريم. وفى واسط، فقد الحسين القدرة على الكلام بالفارسية. وقبل أن يبلغ الثانية عشرة من عمره، كان قد حفظ القرآن كله، وأصبح حافظًا. وحاول فى مرحلة مبكرة جدًا أن يكتشف بعض المعانى الباطنة فى سور القرآن، ودخل فى التصوف على مدرسة سهل التسترى. فى البصرة: وعندما بلغ الحلاج العشرين من عمره ترك التسترى وقصد البصرة. وهناك، تلقى شعائر التصوف على يد عمر المكى، وتزوج أم الحسين بنت أبى يعقوب الأقطع، ولم يبن بأخريات وظل هو وزوجته على وفاق طوال حياتهما، وأنجبا مالا يقل عن ثلاثة أبناء وبنت واحدة. وقد جلب عليه زواجه هذا معارضة عمر المكى وغيرته، وكان الحلاج حينما يغيب عن

стр. 4182

بيته يعهد برعاية أسرته إلى شقيق زوجته، واسمه الكرَنْبَائى. وعن طريق صهره هذا، وجد الحلاج نفسه على صلة بعشيرة كانت تؤيد انتقاض الزيديين من الزنج الذين كانوا متشبعين على تفاوت بمبادئ غلاة الشيعة؛ ولعل هذا هو السبب فى الشهرة التى لزمته من غير أساس بأنه داعية شيعى. وإلى هذه الفترة يرجع احتفاظه بتعبيرات عجيبة تظهر عليها اثار الشيعة، بيد أنه واصل فى البصرة حياة النسك الشديد، وظل مؤمنًا أعمق الإيمان بمذهب أهل السنة. وشخص الحلاج إلى بغداد لمشاورة الجنيد المتصوف الذائع الصيت وقد ضاق بالصراع الذى نشأ بين والد زوجته الأقطع، وبين عمر المكى، ولم يستمع إلى نصيحة الجنيد فرحل بعد إخماد فتنة الزنج مباشرة. الحجة الأولى: وفى مكة أدى فريضة الحج الأولى، ونذر البقاء عامًا معتمرًا بساحة البيت الحرام، ملازمًا الصيام والصمت لا يتحول. وكان يمارس فى هذا رياضته الشخصية للاتحاد بالله، وذهب مذهبًا مناقضًا للكتمان الذى يلتزم به المتصوفة، وبدأ فى الإعلان عن طريقته. وهنالك قطع عمرو المكى علاقته به، بيد أن الحلاج أخذ يجتذب المريدين. خوزستان وخراسان، والرحيل من تستر: وعاد الحلاج إلى خوزستان، وخلع خرقة الصوفية، واتخذ لباس عامة الناس (لعله القباء، وهو عباءة يلبسها الجند) حتى يستطيع أن يتكلم ويعظ بحرية أكثر. وهذه هى بداية دعوته التى كان هدفها الأساسى تمكين كل إنسان من أن يجد الله فى قلبه، مما أكسبه لقب "حلاج الأسرار"، وعرضه للريبة والكراهية وإلى افتضاح أمر الصوفية وأصبح من مريديه بعض السنيين الذين كانوا من قبل نصارى، وصار منهم وزراء فى بغداد من بعد. ولكن بعضًا من المعتزلة والشيعة الذين كانوا يشغلون مناصب هامة فى بيت المال، اتهموه بالخديعة وبزائف المعجزات، وأثاروا عليه الدهماء. فنزح إلى خراسان ليواصل دعوته بين الجاليات العربية

стр. 4183

بشرقى إيران، ومكث فيها خمس سنوات يعظ فى المدن، كما مكث غير قليل فى الرباطات على الحدود، التى كانت ملجأ للمتطوعين فى "الجهاد" ثم عاد إلى إقليم تستر، واستطاع بمساعدة الوزير حمد قنائى أن يوفر لأسرته الإقامة فى بغداد. الحجة الثانية، والأسفار البعيدة، والحجة الثالثة: حج الحلاج حجته الثانية بمكة، ومعه أربعمائة من مريديه، وهناك اتهمه بعض أصدقائه السابقين والصوفية بالسحر والعرافة ومخاواة الجن. وبعد حجته الثانية هذه رحل رحلة طويلة فى بلاد الهند (الهندوكية) وفى تركستان (المانوية والبوذية) فيما وراء حدود دار الإسلام. "متوجهًا إلى ما يجاوز المجتمع الإسلامى، إلى البشرية جمعاء يريد أن يكشف لها الشوق الحبيب إلى الله فى صبر وصفاء مما اتصف به الحلاج منذ ذاك ... " (L. Massignon) وحوالى سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٢ م) عاد الحلاج إلى مكة ليؤدى حجته الثالثة والأخيرة، أجل عاد إلى مكة مرتديًا المرقعة والفوطة حول وسطه. وكان يدعو الله بعرفات أن ينزل به إلى مرتبة العدم ليكون محتقرًا منبوذًا، ومن ثم فالله وحده هو الذى يفئ على نفسه تعالى نعمته من خلال قلب عبده وشفتيه. الموعظة الأخيرة فى بغداد: عاد الحلاج إلى بغداد، وأقام فى بيته أنموذجًا للكعبة المشرفة، وظل يقوم الليل بجوار المقابر، ويعلن بالنهار فى الطرقات والأسواق عن حبه المتوقد لله، وعن رغبته فى أن يموت مغضوبًا عليه من مجتمعه بحكم اتحاده بالله. وكان يقول: "أيها الناس أغيثونى عن الله" .. "اعلموا أن الله تعالى أباح لكم دمى: فاقتلونى" .. وقد أثارت هذه الدعوة مشاعر الجمهور، وأشاعت القلق بين الطبقات المثقفة. وغضب محمد بن داود الظاهرى من ادعاء الحلاج بأنه اتحد صوفيًا بالله؛ وشكاه إلى القضاء، وطالب بالحكم عليه بالقتل، ولكن القاضى الشافعى المذهب ابن سريج قال إن الإلهام الصوفى خارج عن ولاية المحاكم. وفى هذه الفترة، وحيال الموقف العدائى لنحاة البصرة، قام الحلاج بالرد على الشبلى، فى جامع المنصور

стр. 4184

بالشطحة الشهيرة: أنا الحق، والحق لله حق لابس ذاته، فما ثم فرق". القبض عليه: كان ثمة حركة لصلاح المجتمع أخلاقيًا وسياسيًا، أخذت تتبلور فى بغداد، مستلهمة مواعظ الحلاج، وما دعا إليه أولئك المخلصون المهتمون بأن يروا فيه قطب الزمان المستتر فى عصره. وقد أهدى الحلاج لابن حمدان وابن عيسى بعض الرسائل عن واجبات الوزراء. وفى سنة ٢٩٦ هـ (٩٠٨ م) قام بعض المصلحين من أهل السنة (تحت تأثير الحنابلة أتباع البربهارى، انظر La: H. Laoust Profession de foi d'Ibn Batta دمشق سنة ١٩٥٨، فى مواضع مختلفة) بمحاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة، ولمبايعة ابن المعتز بالخلافة. ولكنهم أخفقوا، وأعيد الخليفة الصبى المقتدر، وكان وزيره ابن الفرات المدبر للمال. وكان الحلاج متورطًا فيما تلا ذلك من حركة القمع المناهضة للحنابلة، ونجح الحلاج فى الفرار إلى السوس من أعمال الأهواز، وهى بلدة حنبلية، على الرغم من أن أربعة من مريديه قد تم القبض عليهم. وبعد ثلاث سنوات، ألقى القبض على الحلاج نفسه، وحمل إلى بغداد ضحية لكراهية حامد السنى، ومكث فى السجن تسع سنوات. سجنه: فى سنة ٣٠١ (٩١٣ م) وضع الوزير ابن عيسى، وهو ابن عم واحد مريدى الحلاج، حدًا للمحنة (انظر فتوى ابن سريج) وأطلق سراح المسجونين من أنصار الحلاج. وأدى ضغط أعدائه ونفوذ رئيس الشرطة الذى كان عدوًا للوزير ابن عيسى، إلى وضع الحلاج فى "الصليبة" ثلاثة أيام، وكتب فوقه عبارة "عميل قرمطى". وحبس بعد ذلك فى القصر، حيث استطاع أن يعظ السجناء من العامة وفى سنة ٣٠٣ هـ (٩١٥ م) شفى الحلاج الخليفة من الحمى، وفى سنة ٣٠٥ هـ "أعاد إلى الحياة" ببغاء ولى عهد الخليفة. وفضح المعتزلة "شعوذته". وفى سنة ٣٠٤ - ٣٠٦ هـ, صرف الوزير ابن عيسى الذى كان من المحابين للحلاج، وحل محله ابن الفرات المعادى للحلاج، ولكن نفوذ أم الخليفة منع ابن الفرات من إعادة المحاكمة.

стр. 4185

ويظهر أن اثنين من أهم مؤلفات الحلاج يرجع تاريخها إلى هذه الفترة، هما: طآسين الأزل، وهو تأمل فى حالة إبليس "الموحد العاصى" والرسالة المختصرة عن "معراج" محمد ﵊، الذى وقف قاب قوسين أو أدنى من جوهر الذات الإلهية. وقد أدانت هذه التأملات رفض إبليس طاعة الله وذهبت إلى أن اتحاد المحبة بين الله والإنسان أمر ممكن خارج عن تجربة النبى ﵇. ويبدو أن هذه التأملات إنما كانت ردًا على رجل من غلاة الشيعة هو الشلمغانى، الذى ذهب إلى أن الإيمان والإلحاد، والفضيلة والرذيلة، والإصطفاء واللعنة ليست جميعًا سوى "مقابلات" ترضى الله على حد سواء. وكان للشلغمانى نفوذ كبير فى بلاط بغداد، بل حتى فى مجرى محاكمة الحلاج. الحكم: أعيدت المحاكمة، وأثيرت القضية سنة (٣٠٨ - ٣٠٩ هـ = ٩٢١ - ٩٢٢ م). وكان أساسها مضاربة حامد المالية التى عارضها ابن عيسى دون جدوى. وأراد حامد القضاء على نفوذ ابن عيسى، فدبر إعادة محاكمة الحلاج. وساعده على ذلك ابن مجاهد الشيخ الوقور لجماعة قرّاء القرآن، وصديق الصوفيين ابن سالم والشبلى ولكنه كان من المعارضين للحلاج. وتظاهر الحنابلة بتحريض ابن عطاء، وهو نفسه حنبلى متصوف، وصلوا "للدعاء" على حامد: منكرين سياسته المالية ومستهدفين إنقاذ الحلاج. بل هم قد تظاهروا أيضًا على الطبرى الذى أدان أعمال الشغب. وقد هيأت هذه الاضطرابات الفرصة للوزير حامد، ليدخل ابن عطاء فى المحاكمة. ولكن ابن عطاء رفض أن يشهد على الحلاج، وقرر أن الوزير لا يملك حق الحكم على سلوك "الأولياء". وأهانه أحد الحراس فى جلسة المحاكمة، ومات متأثرًا بما لحق به من جراء ذلك. وقد أعد الحكم سلفًا كل من حامد، والقاضى المالكى أبو عمر بن يوسف، الذى كان دائم التأييد لمن فى يدهم السلطة وقتذاك، وكان الحكم يدين

стр. 4186

الحلاج. وقد قال الحلاج ما معناه: إن أهم الأمور أن يطوف قلب الإنسان حول الكعبة سبع مرات: ولذلك اتهموه بأنه ثائر قرمطى، أراد أن يهدم الكعبة. ولم يحضر المحاكمة أى واحد من الشافعية. وامتنع القاضى الحنفى عن إصدار حكم، ولكن مساعده وافق على تأييد أبى عمر، ونجح وكيل الشهود المحترفين فى تقديم أربعة وثمانين موقعًا على عريضة الاتهام. وفى أثناء الجلسة، نطق أبو عمر، بتحريض حامد، بهذه العبارة: "الشرع يحل إهدار دمك". تنفيذ الحكم: وظل كبير الحجاب نصر، وأم الخليفة يومين يتشفعان للحلاج عند الخليفة الذى داهمته الحمى، فألغى تنفيذ الحكم. ولكن دسائس الوزير انتصرت على تردد المقتدر الذى وقع الأمر بقتل الحلاج فى أثناء مغادرته وليمة كبرى. وفى الثالث والعشرين من ذى القعدة، أعلنت أصوات الطبول قرب تنفيذ الحكم. وسلم الحلاج لرئيس الشرطة، وفى المساء وعظ نفسه، وهو فى زنزانته استعدادًا للاستشهاد، وتنبأ ببعثه المجيد. وقد دونت هذه الأدعية والمواعظ وجمعت فى كتاب أخبار الحلاج. وفى الرابع والعشرين من ذى القعدة، وعند باب خراسان، "وأمام حشد هائل" ضرب الحلاج وعلى رأسه تاج ضربًا مبرحًا، حتى أصبح شبه ميت، ثم صلب وهو بعد حيى على "صليب". وفى هذه الأثناء، أشعل المشاغبون النار فى الحوانيت وراح الأصدقاء والأعداء يسألونه، وهو مصلوب، وتحكى الروايات بعض إجاباته عن هذه الأسئلة. ولم يصل أمر الخليفة بضرب عنق الحلاج حتى حل الليل، وواقع الأمر، أن التنفيذ النهائى للحكم أرجئ حتى اليوم التالى. وفى أثناء الليل، ذاعت أخبار عن وقوع أحداث عجيبة خارقة، ولما أصبح الصباح تجمع فى قول التوزرى أولئك الذين وقعوا العريضة، حول ابن مكرم، وصاحوا قائلين: إنه فى سبيل الإسلام، دع دمه يسيل فوق رؤوسنا. وسقط رأس الحلاج، ورش جسده بالزيت وأحرق، وألقى رماد رفاته فى نهر دجلة من قمة مئذنة فى ٢٧ مارس سنة ٩٢٢ م.

стр. 4187

وروى شهود تنفيذ الحكم فى الحلاج أن آخر كلمات هذا الإنسان المكروب معناها: أن كل ما يعنى صاحب الوجد أن الواحد الأحد قد ينقله إلى الوحدة مرددًا الدعوة إلى التوحيد الحق الذى يلقيه الله فى قلب أحبابه، ثم قرأ الآية رقم ١٨ من سورة الشورى من القرآن الكريم. ٢ - آثاره الكبرى (المنشورة) (١) سبع وعشرون رواية جمعها مريدوه سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٢ م) تقريبًا فى صورة أحاديث قدسية والنص العربى منشور بالطبعة الثالثة من كتاب أخبار الحلاج (الترجمة الفرنسية Massihnon؛ passion d'aj halla، باريس سنة ١٩٢٢، ص ٨٩٣، ص ٩٠٤). (٢) كتاب الطواسين، وهو سلسلة من إحدى عشرة رسالة (بما فيها طآسين الأزل)، النص العربى وترجمة فارسية للبقلى، تحقيق L. Massignon، باريس سنة ١٩١٣ (الترجمة الفرنسية d'al: L. Massignon passion ص ٨٣٠ - ٨٩٣)؛ بعض الأشعار المجموعة (انظر، كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذى) فى ديوان الحلاج، النص العربى، والترجمة الفرنسية - L. Massig non, باريس سنة ١٩٣١، وله ترجمة فرنسية جديدة، باريس سنة ١٩٣٨؛ بعض تعاليمه وخاصة آخر أقواله فى الليلة الأخيرة، جمعت فى كتاب أخبار الحلاج، تحقيق L. Massignon . (باريس سنة ١٩١٤؛ والطبعة الثانية باريس سنة ١٩٣٦؛ والطبعة الثالثة باريس سنة ١٩٥٧). وعن الكتابات الأخرى للحلاج وعن بحث حجيتها انظر L. Massignin, كتاب الطواسين، المقدمة، ص ١ - ٤؛ Passion d'al Hallaj ص ٨٠٤ - ٨٢٢؛ ديوان الحلاج، طبعة سنة ١٩٣١، ص ١ - ٩؛ Opera Minora، بيروت سنة ١٩٦٣، جـ ٢، ص ٤٠ - ٤٥، ١٩١). ٣ - التهم الأساسية: حدثت محاكمة الحلاج على أساس من المكائد الدينية والسياسية، وتلك التى تتعلق بالسياسة المالية، وأقلقت بلاط بغداد والمقتدر الذى كان يعد

стр. 4188

قاصرًا. وقد أوضحت هذه المحاكمة وضع الأسرة العباسية الحاكمة فى بداية القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) والدور الذى قام به الوزراء الذين جمعت بينهم المصالح المشتركة. وكان العدوان اللدودان للحلاج هما الوزير الشيعى ابن الفرات، والوزير السنى حامد. وقد استهدفت جميع مواعظ الحلاج فى أسواق بغداد التطبيق الصارم لقيم الإيمان على الحياة الباطنة، وإعلان وحدة الحب بين النفس والله: وكلها تدخل فى إطار عقيدة تؤكد تمسكه بمذهب أهل السنة عن بصيرة. ولكن مواعظ الحلاج لم تلق آذانًا صاغية، ليس فى الدوائر السياسية لبلاط الخلافة فحسب، بل فى عالم الفقهاء التقليديين أيضًا، ومعظمهم من المالكية والحنفية، الذين التفوا بهم. ومما يثير الدهشة أن أقوى مؤيدى الحلاج كانوا من الحنابلة الذين كان لتقواهم وقتذاك أثر كبير بين عامة الناس. وكانت مطالب الحلاج بالإصلاح الروحى وأثره فى الناس، مصدر إزعاج لكثير ممن كانوا فى السلطة. وقد أقاموا اتهامهم له على ادعائين: (١) الاداء الدينى: أقوال الحلاج غير المتزنة التى أثارت مسألة البصيرة الباطنة ومبدأ الكتمان الذى أصبح القاعدة فى دوائر المتصوفة منذ استدعى نورى ومريدوه للمساءلة أمام القضاء عن تعاليمهم فى حب الله. وكانت إحدى نتائج هذا أن الصوفية من أمثال عمر المكى والجنيد اللذين كانا من أصدقاء الحلاج لاماه على التحدث علنا عن رياضته الشخصية وتعبيره عنها بشطحات؛ زد على ذلك أن بعضهم قد جنحوا إلى إنكار النزعات الصوفية، وتلك التى كانت تتعلق "بالحب العذرى" خاصة، وشعروا أن من واجبهم إدانة البحث عن الواحد من خلال الحب المراد وأسلوب مجاهدة النفس. ولربما كان هذا هو السبب الجوهرى فى أن أصبح ابن داود الظاهرى عدوًا للحلاج، ونزع إلى هلاكه. وبعد هذا اتهم الحلاج بالتجديف وادعاء الحلول وحرصه على أن يجعل للشعائر مدلولًا باطنيًا (الطواف بالقلب حول الكعبة سبع مرات") وعد ذلك منة بمثابة رغبة فى إبطال الشعائر نفسها.

стр. 4189

(ب) الادعاء السياسى: والراجح أن هذا الادعاء كان أعظم الادعاءات مغزى وأشدهما حسمًا. فقد ربط زواج الحلاج بينه وبين الزنج الزيدية؛ وجعلته أسفاره البعيدة يبدو للأعين كما لو كان داعية قرمطيًا؛ كما أن اللغة التى استعملها بل موضوعات تأملاته، استعارت عددًا من العناصر الشيعية، على الرغم من أن إجاباته عن الأسئلة فى هذا الموضوع ظلت تفصح عن استلهام عميق للمذهب السنى، ومن ثم قرر متهموه الذين خافوا تأثيره على الناس، وعلى قضاة المحكمة، تقديمه للمحاكمة على أنه مهيج للخواطر وثائر يهدد نظام، المجتمع. ومن التأويلات الحفية الزائفة لبعض أقواله (انظر ما تقدم) ما اتهم به من الرغبة مثل القرامطة فى هدم الكعبة المشرفة. ومن ثم أصبح "إهدار دمه حلالا شرعًا" باسم المجتمع نفسه. وواقع الأمر أن الحلاج فى السنوات الأخيرة من حياته، قد جلب على نفسه فيما يظهر العذاب والهلاك وإن كان ذلك لأسباب مختلفة كل الاختلاف. فقد اعترف بأن الطريق الذى يجب أن يتبعه من خلال الحب، ومجاهدة النفس أمر يسمو على الإطار الشرعى للمجتمع، وقدم نفسه ضحية للمجتمع بالخضوع لقوانينه عن طيب خاطر. ٤ - مغزى الرياضة والشهادة: وفى تاريخ التصوف، يحتل الحلاج مكانة ممتازة بين القائلين بوحدة الشهود. وقد قيل فى بعض الأحيان أن هذه العبارة يجب أن تكون "وحدة الرؤية" أو النظرة (إشارة إلى معنى الوزن الثالث للجذر ش. هـ. د)؛ وأفضل من ذلك إلى حد بعيد أن تكون "وحدة الحضور". ولكن كلمة شهود تعنى حقًا حضور شئ أو شهوده؛ ونحن نرى من الأصوب الاحتفاظ بمعنى "وحدة الشهود" (أو شهادة الوحدانية، Lexique Tech-: L. Massignon nique de la mystique musulmane باريس سنة ١٩٥٤، ص ١٠٣). ووحدة الشهود ليست "البصر" أو "النظرة" وحسب، بل هى وجود فعلى، هو شهود كلى: شهود الله لذاته فى قلب عبده. ويؤدى هذا الجمع بالله إلى "اتحاد"

стр. 4190

ليس هو اتحاد المادة، ولكنه: عشق ومحبة يرحبان فى فراغ نفس الإنسان بالزائر المحبوب (= الله) أى "الجوهر الذى جوهره الحب" كما عبر الحلاج عنه. والرياضة التى فهمت على هذا النحو تعرضت لنقد لاذع من الفرع الصوفى الأساسى الآخر أى القائلين بمذهب وحدة الوجود (انظر Massignon المرجع نفسه)، الذى كان سائدًا منذ القرنين - السادس والسابع الهجريين (الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين)؛ وقد واجهت هذه الرياضة اعتراضًا مزدوجًا. (١) اعتراض على فكرة الحلول ودخل هذا الاعتراض فى التهم التى حوكم من أجلها: قال الحلاج: (جبلت روحك فى روحى كما يجبل العنبر فى المسك الفَتِق) (ديوان الحلاج، م.- ٤١)، ثم قوله فوق ذلك "نحن روحان حللنا بدنًا" (انظر م. - ٥٧). ولكن النص الكامل للأشعار والكتابات يوضح أن الحلول هنا، لم يكن ليفهم بالمعنى الذى شاع بعد أى "التجسيد" أو اتحاد المادة. وحلول الحلاج بأجلى معانيه، يجب أن يفهم على أنه اتحاد كامل مراد (فى الحب) يعمل فيه عقل العبد إرادته وكل ما يمكنه فى واقع الأمر من أن يقول "أنا" بفضل الله. ومن ثم فإن عبارة "نحن روحان حللنا بدنًا" يجب أن تقارن بقول المتصوف النصرانى القديس يوحنا الصليبى: "طبيعتان، إله وإنسان فى روح واحد، وحب الله". (٢) ومن هذه نشأ الاعتراض الثانى الذى شاع كثيرًا، ووجه إلى الحلاج وقوله بوحدة الوجود، وهو قول كان يجب أن يعبر عنه فى رأى ابن عربى، بأنه قرر بالجمع والاتحاد (ثنوية). ووحدانية "وحدة الموجود" يقصد بها فى واقع الأمر، أن الاتحاد يجب ألا يعمل حقًا من خلال الحلول؛ ولكن من خلال بديل كامل لأنا الإلهية بأنا القائمة على الرياضة. فالاتحاد بالله هو أن تحقق اللاهوت الذى فاض من الله على روح الإنسان (فاض، ولم يوجد من عدم؛ انظر، رواية الغزالى فى الرسالة اللدنِّية: ["روح الإنسان من أمر الله"].

стр. 4191

وهذه التهمة "بالثنوية" التى استهدفت "وحدة الشهود" تكشف الفرق فى الغرض بين الطريقتين: الاتحاد بالإيمان والحب ومن خلالهما "الشهادة العظمى" من أجل وحدة الشهود، وإعادة استيعاب أفعال الموجود فى أول فعل مارسه فى الوجود (تفهم هنا على أنه فاض من الوجود الإلهى) من أجل وحدة الوجود. ٥ - المفردات و"المصطلحات ": كتابات الحلاج الأساسية إما تأملات فى موضوعات ترمز إلى تقدم الصوفى فى بحثه عن الله، وإما تعبيرات (شعرية) مباشرة عن هذا التقدم الفعلى. وكان الحلاج يحرص دائمًا على أن يجعل مفرداته أكثر إحكامًا، وقد اجتمعت له معرفة عميقة بمصطلحات الفقه وعلم الكلام، والفلسفة التى كانت فى دور التكوين فزودته بزاد من المعانى أهله على نحو عجيب لتحليل الأحوال عند الصوفية، وقد حاول الحلاج الذى كان من أرباب الجدل وأصحاب المواجد (انظر - Lullius sweden borg) أن يوفق بين العقيدة وبين الفلسفة اليونانية على أساس من الرياضة الصوفية؛ وكان رائدًا للغزالى فى هذا المجال (L.Massignon). وفى الفصل الأخير من كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، أفرد الكلاباذى عدة فصول للمصطلحات الصوفية، وتقوم تعريفات هذه المصطلحات بصورة واضحة على الحلاج: ومن ثم، نجد مصطلح "وجد"، و"سكر" و"جمع"، الخ. وبخاصة تلك المقابلات مثل التجريد والتفريد، والتجلى والاستتار، وفناء وبقاء الخ .. وكان لا مناص من أن يكون لهذه المصطلحات معنى دقيق كل الدقة فى وحدة الشهود عند مدرسة الحلاج، وقد اكتسبت معنى آخر فى المستقبل هو وحدة الوجود؛ وفى كل حالة، وكان لا بد لفهمها من الإشارة مباشرة إلى الرياضة التى وصفت وإلى تصور العالم الذين ينطوى عليه صياغتهما ومع ذلك فإن أول تعريف لهما وضعه الحلاج، كان له أهمية كبرى فى تطور علم التصوف. وقد نشأ عن ذلك فى كثير من الأحيان اختلافات، وحتى بين مريدى الحلاج أنفسهم: كاستعمال مصطلح عشق باتفاق الآراء، مع

стр. 4192

تفضيله كثيرًا على المصطلح محبة، لحب الله وحب الإنسان. وكان مصطلح العشق جزءًا من مفردات الصوفية الأولين (انظر، الحسن البصرى)؛ ولكن معنى "الرغبة" الذى كان أحد مدلولاته المألوفة، كان يذكر خوفًا من أن ينسب إلى الله عدم الثبات أو السلبية. وقد أوضح ماسينيون L. Massignon، أن محققى نصوص الحلاج، ومن بينهم البقلى الشيعى، لم يترددوا فى استبدال مصطلح محبة، بمصطلح عشق فى هذه النصوص، ومن ثم خففوا نظرية الحلاج بأن المصطلح عشق من صفات الذات الإلهية (انظر Notion de L'essentiel) فى ماسينيون Opera Mino- ra، بيروت سنة ١٩٦٣، جـ ٢، ص ٢٢٦ - ٢٥٣). ٦ - مدرسة الحلاجية وفرقها: يبدو أن مريدى الحلاج أنشأوا سنة ٣٠٩ هـ (٩٢٢ م) طريقة. وقد لجأوا بعد قتل شيخهم إلى الاختفاء والتشتت، بل انشقوا على أنفسهم. وفى واقع الأمر، أن الاضطهاد الشرعى قد استمر، وفى سنة ٣١١ - ٣١٢ هـ (٩٢٤ - ٩٢٥ م) ضربت أعناق الكثيرين من أتباع الحلاج فى بغداد. وقد هرب عدد من مريدى الحلاج إلى خراسان حيث شارك كثير منهم فى حركة الإصلاح الحنفية - الماتريدية. فابن بشر بعامة وفارس بن عيسى بخاصة (مؤسس الحلاجية الحلولية) اعتنق تعاليم الحلاج فى الدوائر الصوفية بخراسان ونشرها، وقد انبثق كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذى من هذه المدرسة. وفى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). يقول السلمى والخطيب أنه كان لا يزال فى نيسابور بعض غلاة الحلاجية، ولربما كان من بينهم ابن أبى الخير (وهو موضوع دراسة للمستشرق نيكلسون Nicholson) والفارمذى الذى كان شيخًا للغزالى - ومن هنا كان حكم الغزالى فى صالح الحلاج. وثمة مريدون آخرون للحلاج مثل ابن خفيف (الذى كان صديقًا للحلاج فى أواخر حياته، أكثر منه مريدًا له) وأدخل بعض العناصر السالمية فى حركة الإصلاح التى قام بها الأشعرى. وفى الأهواز والبصرة، يقال إنه كان ثمة طائفة عابرة من الحلاجية (لا

стр. 4193

تعرف إلا من خلال حملات أعدائها عليها وحسب، وبخاصة التنوخى) وكانت تذهب مذاهب متطرفة. وكان ممثلها الأكبر: الهاشمى، ويقال إنه نادى بنفسه نبيًا توحى إليه الروح التى اتحدت بالحلاج ثم حلت فى واحد من زبنائه، وقد استترت عن الجميع (وهذه مؤثرات إسماعيلية). وفى بغداد ادعت طائفة حلاجية أخرى، ذكر العطار أنها من أهل السنة، ولكن بمعنى متحرر كل التحرر، ورأت أن ثمة علاقة بين أنا الحق التى قال بها شيخها الحلاج، وكلمة الله التى خوطب بها موسى حين رأى نارًا (سورة طه، الآية ١٤). وهناك ابن عقيل الحنبلى النابه الشأن (الذى قام بدراسته جورج مقدسى)، فقد دافع عن الحلاج أول الأمر، ثم اضطر إلى التراجع. وفى كتاب الفرق للبغدادى، تذكر الحلاجية بين الفرق التى يجب أن تعامل شرعيًا على اعتبار أنها فرقة متزندقة، وحلال القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، كان ثمة جدل نشط، ويبدو أن النقاط الأساسية التى دار حولها هذا الجدل هى: (أ) فى الفقه: كانت التكاليف الشخصية الخمس (الفرائض) قابلة للاستبدال، بما فيها الحج (= إسقاط الوسائط). (ب) فى علم الكلام: تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين (طول، عرض)؛ ووجود "روح ناطقة" تتحد فى روح الزاهد المخلوقة (حلول اللاهوت فى الناسوت) ويصبح "الولى" هو الشاهد الحى الشخصى لله (هو هو) ومن ثم التعبير الانجذابى "أنا الحق". (جـ) فى التصوف: الاتحاد التام بالإرادة الإلهية (عين الجمع) من خلال المجاهدة المقبولة والمرغوبة. والذكر الذى ينسبه الشيخ السنوسى إلى الحلاجية، قول حديث. وفى دوائر الشيعة الإمامية، كان أول أثر لإدانة الحلاجية وتكفيرها، هو أنهم غلاة زنادقة. ونجد من بعد تلميذًا

стр. 4194

لابن سينا، هو نصير الدين الطوسى (القرن السابع الهجرى = الثالث عشر الميلادى) كما نجد صدر الدين الشيرازى (القرن الحادى عشر الهجرى = السابع عشر الميلادى يصرحان بأن الحلاج ولى، على الرغم من أنهما فى واقع الأمر، قد فسرا طريقه للاتحاد حسب أفكارهما الفلسفية الخاصة. وعلى هذا النحو استمر الاعتقاد فى الحلاج موجودًا فى بعض الدوائر الإيرانية، ولكن حركات أخرى هاجمته هجومًا عنيفًا. وعند أهل السنة لم يعد مصطلح الحلاجية يعنى بعد الأخوة الدينية، ولكن هناك من الأصوليين، وعلماء الكلام، والصوفية من اقتنعوا اقتناعًا شخصيًا فى ولاية الحلاج (انظر فيما تقدم مواقف ابن عقيل والغزالى وغيرهما ... ) على أن ابن تيمية استنكر هذا الاتجاه بشدة، ولم يجد آخر المتمسكين بالحلاجية بدًا من أن يندمجوا فى طريقة القادرية ولا نجد اليوم أحدًا من أهل السنة يعتقد فى الحلاج، ويعذر كثير منهم الحلاج عملا بالقاعدة الشافعية الفقهية، ولكنهم وقفوا عند هذا الحد. وعلى أية حال، فإن التوسل بالحلاج مستمر، وما زال الحجاج يفدون من القرى البعيدة لزيارة قبره. ٧ - أحكام معاصريه، ومن أتى بعدهم عليه: لم يدرس فى الإسلام مثلما درس الحلاج، سوى قلة من الأشخاص. وعلى الرغم من إجماع القضاة الذين أدانوه فإننا نجد له متعصبين من الحكماء، وعامة الناس. ونقدم هنا آراء الحكماء الذين شاركوا فى النقاش المشهور مع بعض التعليقات. وتنقسم هذه الآراء المختلفة إلى ثلاث مجموعات: (أ) ترد (إدانة) وينقسم إلى رد (رفض هين) وتكفير (حرمان) وسنضع أمام أصحاب هذا الرأى كلمة (رد)؛ (ب) ترحم (تمجيد) أو ولاية (إقرار بالولاية) وينقسم إلى اعتذار (تبرير وصفح) وقبول (قبول تام) وسنضع أمام أصحاب هذا الرأى كلمة

стр. 4195

(ولاية)؛ (جـ) توقف (تعليق الحكم، وامتناع) وسنضع أمام أصحاب هذا الرأى كلمة (توقف). (أ) فقهاء: ظاهرية: ابن داود، وابن حزم (رد)، إمامية: ابن بابويه، وأبو جعفر الطوسى، والحلِّى (رد)، والشوسترى، والعاملى (ولاية)؛ مالكية: الطرطوشى، وعياض، وابن خلدون (رد)، العبدرى، الدلنجاوى (ولاية)؛ حنابلة: ابن تيمية (رد) وابن عقيل (الذى تراجع عن رأيه)، والطوفى (ولاية)، حنفية: ابن بهلول (توقف) والنابلسى (ولاية)؛ شافعية: ابن سريج، وابن حجر، والسيوطى، وعُرْضى (توقف)، والجوينى، والذهبى (رد) والمقدسى، واليافعى، والشعراوى، والهيثمى، وابن عقيلة، وسيد مرتضى (ولاية). (ب) علماء الكلام: المعتزلة: الجبّائى والقزوينى (رد)، ونصير الدين الطوسى، والميبذى، وأمير داماد (ولاية)؛ سالمية: جمهورهم (ولاية)؛ أشعرية: الباقلانى (رد)، وابن خفيف، والغزالى، وفخر الدين الرازى (ولاية)؛ الماتريدية: ابن كمال باشا (رد)، والقارى (ولاية). (جـ) الفلاسفة: (فلاسفة وحكماء): ابن طفيل، والسهروردى (شيخ الإشراق)، وصدر الدين الشيرازى (ولاية). (د) المتصوفة: عمرو المكى، وأغلبية الشيوخ المتقدمين (رد) باستثناء ابن عطاء، والشبلى، وفارس، والكلاباذى، ونصر آباذى، والسلمى (ولاية). الحصرى، والدقاق، والقشيرى (توقف). وبعدهم: الصيدلانى، والحجويرى، وابن أبى الخير، والأنصارى، والفارمذى، وعبد القادر الجيلانى، والبقلى، والعطار، وابن عربى، وجلال الدين الرومى، وأغلبية المحدثين: (ولاية). ويجب أن نذكر توقف أحمد الرفاعى، وعبد الكريم الجيلى. ويمكن القول بأنه على الرغم من أن الحلاج كان خليقًا بإنكار أقوالهم

стр. 4196

الباطنة المتبصرة، إلا أن المتصوفة عامة قد جعلوه شهيدهم الأول. وللوقوف على مزيد من التفصيلات والبحوث والتحليلات انظر Passion,d'al-Hallaj L. Massignon devant le sufisme الفصل ٩، ص ٤٠٠ - ٤٢٩. ولقد استحال الحلاج بعد موته أسطوة على نحو علمى أحيانًا فى (العربية، والفارسية، والتركية. والهندوستانية، والملاوية، والجاوية) وعند عامة الشعب أحيانًا (انظر L.Massignon المرجع نفسه، الفصل العاشر، ص ٤٣٠ - ٤٦٠ والمؤلف نفسه , La legende de Hallace Mansur en pays turcs فى opera Minora، جـ ٢، ص ٩٣ - ١٣٩. وفى الغرب، كان ثمة اختلاف كبير فى الرأى عن الحلاج، وكانت آراء الكتاب المتقدمين آراء سطحية. ومن ثم ذهب ميلر ودربلو D`Herbelot, A. Mueller إلى أن الحلاج كان فى سريرة نفسه نصرانيًا، واتهمه ريسكه Reiske بالكفر، ووصفه ثولوك Tholuck بأنه شخصية متناقضة الأحوال، ورأى كريمر Kremer أنه موحد، وقال كازانسكى Kazanski أنه مريض بالعصاب، وقال Browne إنه "شخصية خطيرة بارعة فى تدبير المكائد" الخ .. ولكن البحوث الدقيقة المتميزة التى أجراها. L. Massignon، أعادت هذه الشخصية الفذة إلى مكانها الصحيح فى بيئتها وفى تطور الفكر الإسلامى. وبعد، فإننا قلما نجد كتابًا عن ثقافة البلاد الإسلامية يغفل ذكر الحلاج؛ فى حين أننا نجد تأكيدًا متصلًا لقيمة وأصالة منهجه الصوفى ولشهادة حياته ومماته. وبالإضافة إلى كتابات هؤلاء المتخصصين، يمكننا القول بأن شهرة الحلاج قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العالمية (انظر مثلا، مقالات P. Marechal التى كتبها فى أوائل سنة ١٩٢٣. والمؤلف الحديث (سنة ١٩٦٤) للمستشرق R. Arnaldez. المصادر: أضف إلى مؤلفات L.Massignin المذكورة فى صلب المادة: (١) للمؤلف نفسه: Recueil de:

стр. 4197

texts indits concernant L'histoire: de la mystique en pays d'ilslam باريس سنة ١٩٢٩، ص ٥٧ - ٧٠. (٢) المؤلف نفسه: Opera Minora بيروت سنة ١٩٦٣، جـ ٢، ص ١١ - ٣٤٢. وثمة قائمة مسهبة بالمصادر عن الحلاج (حتى سنة ١٩٢٢) فى La passion d'al hallaj, Mar-: L.Massignon tyr mystique de L'islam، الفصل الخامس عشر (الفهرس). (٣) وحتى سنة ١٩٤٨ للمؤلف نفسه، قائمة مصادر حلاجية جديدة فى Opera Minora، جـ ٢، ص ١٩١ - ٢٢٠. ويجب أن نضيف إلى هذه المصادر الكثيرة الأحدث عهدًا التى تشمل: (١) Experiences my: L. Gardet tiques en terres non chetiennes باريس سنة ١٩٥٣، ص ١٣١ - ١٤١، ص ١٧٣. (٢) revelation and rea-: A.J. Arberry son in islam. لندن ونيويورك سنة ١٩٥٧، ص ٢٩ - ٣٠، ص ١٠٧ - ١٠٨. (٣) Themes et textes mys-: L.Gardet tiques، باريس سنة ١٩٥٨، ص ١٩، ص ١٣٥ - ١٤٠. (٤) ibn Abbad de Ron-: Paul Nwyia da، بيروت سنة ١٩٦١. (٥) L. Gardet و G - C. Anawati و Mystque musulmane، باريس سنة ١٩٦١، ص ٣٥ - ٤٠، ١٠١ - ١٠٤، ١٠٧ - ١١٠، ١١٨ - ١٢١، ١٧١ - ١٧٣، وفى مواضع مختلفة. (٦) ibn Aquil et la Resur -: G. Makdisi -gence de L'islam traditionnel au Xle site cle، دمشق سنة ١٩٦٣. (٧) Hallaj de la relig-: R. Arnaldez ion، باريس سنة ١٩٦٤. (٨) Histoire de la philoso-: H.Corbin phie islamique، باريس سنة ١٩٦٤، ص ٢٧٥ - ٢٧٩. وثمة طبعة منقحة لكتاب Le passion d'al-Hallaj, ومزيدة بزيادات كثيرة بالنصوص والتعليقات التى خلفها L.massignon, يقوم بإعدادها G. D. Massignon. [ماسينيون، ل كارديه L.Massignon] حسن شكرى

стр. 4198

الحلم والحلم كلمة عربية تفيد فكرة مركبة من لطائف الأفهام تشمل عددا من الصفات الشخصية والمواقف الخلقية تتراوح بين العدل الرصين والاعتدال، وبين التحمل والترفق المقترنين بالتحكم فى الذات والصبر الكريم الذى يتوسط بين هذين النقيضين. وهذا المصطلح الذى يرتبط أحيانًا بالعلم ارتباطًا أقرب إلى اعتبارات الأسلوب وتذوق الجناس منه إلى أية ارتباطات تتعلق بالتصور، هو فى أساسه نقيض الجهل والسفه أو السفاهة. وثمة اشتقاق من الجذر الأخير يظهر فى عبارة "سَفّه الأحلام". ولم تزودنا المعاجم العربية إلا بتعريفات جزئية؛ فقد جاء فى لسان العرب أن الحلم هو "الأناة والعقل" على حين يقال للحليم الصابر. وجاء فى تاج العروس أن الحلم هو "ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب" وقد عّرفه المحيط فقال: "الحلم الطمأنينة عند ثورة الغضب" (انظر أيضًا ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، جـ ٤، ص ٢٩٠، ٣٣٥، وفى مواضع أخرى) ويتبين من هذه التعريفات أن فقهاء اللغة يرون أن الأساس فى الحلم هو ضبط النفس والعزة والترفع (ولو أن هذا الترفع لا يبلغ مبلغ البراءة من الهوى عند اليونان كما ذهب إلى ذلك إزوتسو T.Izutsu فى كتابه The structure of the ethical terms in the koran، طوكيو سنة ١٩٥٩، ص ٢٦ = الطبعة المنقحة بعنوان Ethico. religious concepts in the Quran, مونتريال سنة ١٩٦٦, ص ٣١، ٦٩)، ولم يشيروا أية إشارة إلى غفران الذنوب، فى حين أن الكلمة فى العصر الحديث (منذ عدة قرون فيما يرجح) تدل بعامة على الصفات التى تقترن بالصبر والترفق والتفهم (انظر Woerterbuch: H. Wehr, مادة الحلم). وثمة مصدر حديث (. S.H The etical system underlying: AI- Shamna the Quran توينكن سنة ١٩٥٩، ص ٧) يقتصر على القول بأن معنى الكلمة هو "السلوك الحسن" فحسب. والمشاكل التى تثيرها هذه الكلمة ليست بسيطة بحال. ذلك أن كولدتسيهر (Muh. Stud. I. Goldziher جـ ١ ص ٣١٩ وما بعدها) عند دراسته لفكرة الجاهلية فى التحليل الذى بسطه

стр. 4199

بوسكويه (G.H. Bousquet فى مجلة Arabica جـ ٧، عدد ٣، ص ٢٤٦ - ٢٤٩) قد أصاب كبد الحقيقة بقوله إن الحلم ضد الجهل، ويتضمن ذلك "فكرة الصلابة الطبيعية ومن ثم الاستقامة الخلقية والتماسك والفكر المطمئن البعيد عن الهوى واللطف فى التعامل مع الناس. والحليم هو الرجل المتمدن بخلاف الجاهل وهو الهجمى. ويضيف كولدتسيهر "المروة" ويجوز أن يجدها المرء فى الحالات التى يجوز فيها الركون إلى الجهل، أى فى الحالات التى يسمح المرء لنفسه أن يضله ضرب من العفوية غير المصقولة، ذلك أن الحلم يمكن أن يكون دليلا على الضعف (انظر الميدانى، جـ ١، ص ٢٢٠: "الحليم مطية الجهول") وبعد فإن بشر فارس (فى كتابه؛ L'honneur chez les Arabes avant l'Islam باريس سنة ١٩٣٢، ص ٢١) الذى لم يرجع إلا إلى المجلد الثانى من الدراسات الإسلامية لكولدتسيهر (Muh. Stud: Goldziher) يجعل الحلم من العناصر الأربعة للشرف هو والكرم والنهى والشجاعة (المصدر المذكور، ص ٥٦) وإذ يذكر (المصدر نفسه، ص ٥٥) أن الحلم يقوم على "عدم الاستسلام للغضب" فإن هذا الكاتب يدرك أن الحلم يتجاوز أحيانًا الاعتدال البسيط فيصبح مطابقا للاحتمال، وفى هذه الحالة "فإن الرئيس يعانى باختياره الإهانات ويمسك عن ردها بالانتقام، ومن عجب فيما يبدو أنه لا يبالى بشرفه هو". وفى هذا الموقف الذى يختلف كل الاختلاف مع تشدد العرب القدماء يرى بشر فارس تفسيرا لذلك هو "أن العار الذى تستثيره ممارسة الحلم يزكى هيبة الجماعة ويتحاشى طغيان الرئيس". والحق أن هذا الضرب من الحلم وهو النظر إلى الإهانات باحتقار، ينطوى على قوة خلقية كبيرة، ذلك أن إهمال الإهانات يمكن إذا اتصف المرء بنبل فى خلقه أن يحصل عبرة أكبر ثمرة من عقوبة بدنية يوقعها بالمذنب. على أن هذه الفضيلة إنما هى من شيمة الأشراف، ولا شك أن الروايات تحكى نوادر عدة يمكن أن ترى فيها أحلام الناس يتغاضون عن أخطاء تتفاوت فى عظمها، فى حين أن

стр. 4200

الكتاب يقولون فى مثل هذه الحالات إنها لو وقعت لعامة الناس لخرجوا عن وعيهم وامتشقوا الحسام. ويربط أبو العتاهية (الديوان، ص ٢٨٦ - ٢٨٧، البيت الثالث وما بعده) بين الحلم والصمت فيقول: (والصمت للمرء الحليم وقاية ينفى بها عن عرضه ما يكره) ومن ثم فإن الحلم قبل الإسلام كان فيما يبدو يقوم على مزيج من الخصائص تضفى على أصحابها الذين كانوا من السادة سلطانًا أدبيًا لا ينازعهم فيه أحد. فلما جاء الإسلام لم يكن بد من أن تتغير طبيعة الحلم تغيرا كاملا من حيث المبدأ على الأقل إذا حكمنا بالتفسيرات التى وردت عنه. والكلمة ذاتها لم ترد فى القرآن، أما الصفة الحليم التى يوصف بها الله، وإبراهيم (سورة التوبة، الآية ١١٤؛ سورة هود، الآية ٧٥) وإسماعيل (سورة الصافات الآية ١٠١) وشعيب سورة هود، الآية ٨٧) فإنها تفسر بعامة بأنها الطويل المعاناة الصابر، الذى رزق التسامح، والمتريث فى العقاب. ثم هذه الصفة هى الاسم الثالث والثلاثين من أسماء الله الحسنى. ولكن لما كان من المسلم به أن الإسلام هو نقيض الجاهلية وأن الجهل هو الصفة الأساسية لذلك العصر الجاهلى، فإن المنطق الذى لا يحيد يستتبع أن يكون الحلم هو السمة الأساسية للإسلام. وهذا هو المنطق الذى اتبعه كولدتسهير (كتابه المذكور) فيما ارتآه من أن الدين الجديد "رغب فى أن يسود حلم أرفع من الحلم الذى عرفه العرب فى وثنيتهم". وهذا الرأى المبتكر قد أحياه وبسطه حديثا إيسو تزو (كتابه المذكور آنفا، ص ٢٥) إذ ذهب إلى أن "سعى محمد [ ﷺ ] " كله فى جانبه الخلقى يمكن أن يصور فى اطمئنان بأنه محاولة جريئة لمحاربة روح الجاهلية حتى آخر نفس، والقضاء عليها قضاء مبرما، وأن تحل محلها حتى النهاية "روح الحلم". على أنه ينبعث من بعض الآيات وأخصها على التحقيق الآية ٦٣ من سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. والحق أنه للخلاص من

стр. 4201

نزعات العرب فإنه كان من المناسب أن تحل الحضارة محل "همجية" الجاهلية، وأن يتحول العرب إلى أناس متحضرين قادرين على أن يكبحوا جماح غرائزهم والعفو عن الإهانات، وصفوة القول أن المراد كان أن تنشر فضيلة الحلم خارج محيط الصفوة التى كان الحلم مقصورا عليهم؛ وهذا الإصلاح فى الأخلاق كان يدعمه الاعتقاد فى يوم الحساب الذى يفرض نظاما للحياة على الأرض، وفى الله الذى يجمع فى ذاته جميع عناصر الحلم والمسؤولية التى تنتقم من الناس بتطهير المذنب. وهذا التحليل للأخلاق عند المسلمين الذى ارتآه كولدتسيهر وردده إيسوتزو ترديدا أكثر منهجية لا يثير أية معارضة كبيرة؛ يطابق تعريف هذه الفضيلة المركبة، ثم إننا نجد فى الحياة العملية أن المسلم الحق حليم بالضرورة وإن كان ثمة بقاء فكرة الحلم الجاهلية نجده فى المقام الأول فى الحقائق التى سيقت لتفسير الأصل فى القول المأثور "أحلم من الأحنف" (الميدانى، جـ ١، ص ٢٢٩). وهذا التميمى النبيل المتوفى سنة ٦٧ هـ (٦٨٦ - ٦٨٧ م؛ انظر مادة "الأحنف") لا يزال يمثل السيد الأمثل فى العصر الجاهلى؛ والحلم الذى جعله مضرب المثل يشمل العناصر الآتية: ضبط النفس، والترفق بالأعداء، وكبح جماح الغضب، والميل إلى الجد، والتبصر، وكراهية الاتهام. ومن بعد الأحنف يعد معاوية أكثر الناس حلما، على أن هذا الخليفة من ناحية ينتمى إلى أسرة لم تهدر جميع صفاتها البدوية، ومن ناحية أخرى فإن تحليل حلمه يدل على أنه قد جعل منه مبدأ سياسيا، وقد نجح بلينه فى تجريد بعض أعدائه من سلاحهم وبتسامحه من تحقيق الخضوع من جانب الآخرين قائلا إن الحرب أبهظ ثمنا من الكرم. ومثل هذا الحلم لا يعد بحال فضيلة إسلامية (انظر - H. Lam Etudes sur le regne du calife: mens omaiyade Moawia) والجاحظ الذى بذل دون سائر الكتاب القدماء أقصى الجهد فى تحليل مشاعر الأشخاص وخلائقهم لم يجد صعوبة (فضل هاشم على عبد شمس فى الرسائل، طبعة السندوبى، ص ١٠٤) فى القضاء على أسطورة حلم الأحنف ومعاوية، فقد لاحظ أن الرجلين

стр. 4202

لم يحققا شروط الحلم الصحيح الذى يقتضى الجمع بين صفات عَدَّدَها وخاصة فى فقرة جيدة عن "كتمان السر" (طبعة مراوس والحاجرى، ص ٤٠) وقد ذكر كتاب الأدب من بعد أسماء عدة أشخاص آخرين اشتهروا بالحلم ونخص بالذكر منهم المأمون (انظر الأبشيهى: المستطرف، طبعة القاهرة بدون تاريخ، جـ ١، ص ٢٦٢) ولكن هؤلاء الكتاب اعتمدوا بعامة وفى المقام الأول على الروايات الجاهلية وروايات القرون الأولى للإسلام (انظر بصفة خاصة ابن قتيبة: عيون الأخبار، فى مواضع شتى؛ وابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٨ م، جـ ٢، ص ٧٥) بل إننا نجد فى الجاحظ فى الفقرة التى ذكرناها، عنصرًا جديدًا منتظرًا من كاتب معتزلى وهو أن العقل بالضرورة الذى يكبح جماح الأهواء. ومسكويه فى كتابه "تهذيب الأخلاق" (ص ٢٥) يدخل الحلم ضمن صفات أخرى، ويقول (ص ٢٣٢) إن الحلم هو "استشارة العقل". أما الغزالى فى كتابه الإحياء (الكتاب ٢٥) فيجمع بين الغضب والكراهية والحسد، ولكنه يربط بين الحلم والغضب ويصف الحلم بأنه سمو العقل والتحكم فى النفس وإخضاع الأهواء للعقل، وأما ابن سينا فإنه يدخل الحلم فى منهج الفلسفة الإغريقية. وأما الهروى (كتاب التذكرة الهروية فى الحيل الحربية، حققه وترجمه J. Sourdel Thomine فى BEt. Or جـ ١٧، سنة ١٩٦٦ - ١٩٦٧ ص ٢٣٦، ٢٤٦) فيرى أن الحلم بعد القدرة من صفات الحاكم، ونجد صاحب موسوعة شعبية مثل الإبشهى فى الفصل السادس والثلاثين من كتابه الجامع المستطرف يجمع بين العفو والحلم والوداعة وكبح جماح الغضب، ويستشهد بعدد من الأقوال المأثورة التى ترجع إلى القرون الأولى للإسلام، وختم قوله بأنه يجب على كل امريء أن يسعى إلى اكتساب هذه الصفات وتقليد الرسول ﷺ الذى كان أحلم الناس. ونتبين من هذا أن الحلم كان يعد من الصفات المحمودة. والرأى العام الذى يقصر الحلم عمومًا على ضبط النفس ومغفرة الإهانات، فإن الحلم فى هذا

стр. 4203

الرأى صفة تتحول آثارها إلى الظاهر. على أن المنكرين ورجال الأخلاق يجنحون إلى القول بأن هذه الصفة هى ضرب من التحكم الباطنى والسيطرة على الأهواء بفضل الرجوع إلى العاقل الذى يجب أن يحكم السلوك الذى يتبعه المرء حيال ظرف خاص. المصادر: وردت فى متن المادة. خورشيد [بلا. آ H. Pellat] حمزة بن حبيب ابن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة التيمى الكوفى الزيات: أحد "القراء السبعة" للقرآن الكريم. وهو مولى أسرة عِكْرمة بن ربيع التيمى، ولد فى حلوان سنة ٨٠ هـ (٦٩٩ م) وصار تاجرًا؛ وقد جاء لقبه "الزيات" من أنه كان ينقل الزيت من الكوفة إلى حلوان ومنها كان يجلب الجبن والنقل. واستقر بالكوفة واهتم بالحديث والفرائض، وخلف فى هذا الشأن "كتاب الفرائض" الذى جمعه على الأرجح تلاميذه (الفهرست، ص ٤٤). ومع ذلك فإن شهرته تقوم على "قراءته" بوجه خاص. وهو فى هذا الميدان تلميذ للأعمش ولعمران بن أعين، وقد اتبع كلاهما قراءة ابن مسعود عن عاصم وابن أبى ليلى الذى استند فى قراءته إلى علىّ. وأقام حمزة منهجًا مستقلًا، وجمعه فى "كتاب قراءة حمزة" (الفهرست؛ ص ٤٤)؛ وإن كان قد انتقده بوجه خاص كل من ابن حنبل، وابن عياش. وكان من أبرز تلاميذ حمزة الكثيرين سفيان الثورى، والكسائى، ولكن من نقلوا "قراءته" هم تلاميذه المباشرون، ومنهم خلف بن هشام (سنة ١٥٠ - ٢٢٩ هـ = ٧٦٧ - ٨٤٣ م) فى ٢٢٠ هـ (٨٣٥ هـ) فى الكوفة. وتوفى حمزة فى حلوان سنة ١٥٦ هـ (٧٧٢ م). وكانت قراءته قد انتشرت فى أرجاء المغرب، إلا أن قراءة نافع حلت محلها بفضل عالم من القيروان اسمه الخيرون المتوفى سنة ٣٠٦ هـ (٩١٨ م). ويعزى انتشار هذه القراءة إلى أن الإمام مالك أخذ بها، ومن ثم فقد كان انتشارها تابعًا لانتشار المذهب المالكى، ومع ذلك فإن قراءة حمزة لم تزل قائمة فى بعض أنحاء المغرب، حيث نجد النسبة "حمزاوى" شائعة.

стр. 4204

المصادر: (١) ابن قتيبة، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، ص ٥٢٩. (٢) الفهرست، ص ٤٤. (٣) ابن خلكان، طبعة القاهرة سنة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ١٦٧. (٤) ابن العماد: الشذرات، جـ ١. (٥) ابن الجزرى: القراء، جـ ١، ص ٢٦١، ٢٦٤، رقم ١١٩٠. (٦) المؤلف نفسه: النشر، جـ ١. (٧) الدانى، التيسير، ص ٦ - ٧، ص ٩، وما بعدها. (٨) ابن حجر: تهذيب التهذيب، هذه المادة. (٩) الذهبى، الميزان، هذه المادة. (١٠) ياقوت: معجم، الأدباء، جـ ١٠، ص ١٨٩ - ٢٩٣. حسن شكرى [بلاّ Ch. Pellat] حمزة الحرانى فى دمشق أسرة وجيهة من نسل العلويين ظل أفرادها قرونًا طويلة يلون منصب نقيب الأشراف فى هذه المدينة، ومن هنا يكتفى فى بعض الأحيان بتسمية هذه الأسرة ببيت النقيب. وقد ضمن المحبى كتابه خلاصة الأثر (جـ ٢، ص ١٠٥) نسب هذا البيت كاملًا حتى القرن الحادى عشر للهجرة (القرن السابع عشر الميلادى). وكان أحد رجال هذا البيت، وهو إسماعيل بن حسين النتيف نقيبًا فى تاريخ مبكر جدًا يرجع إلى عام ٣٣٠ هـ (٩٤٠ - ٩٤١ م) ثم ظل هذا المنصب مقصورًا على الأسرة يتوارثه الابن عن الأب إلى يومنا هذا. وقد عرف عدد من أفراد هذا البيت بالعلم والتبريز فى الأدب كما يستفاد من كتاب المحبى (جـ ٢، ص ١٠٥ وما بعدها؛ جـ ٤، ص ١٢٤ وما بعدها)؛ ومن أشهر رجال هذه الأسرة فى العصر المتأخر محمود حمزة المولود بدمشق عام ١٢٣٦ هـ (١٨٢١ م) فقد ولى منصب الإفتاء فى الشام وكان سلوكه فى أثناء المذابح التى حدثت فى مسقط رأسه عام ١٨٦٠ م باعثًا على رضى النصارى. وقد كتب محمود سلسلة من الرسائل الرائعة بلغ عددها

стр. 4205

خمسًا وثلاثين رسالة معظمها فى المسائل الفقهية الشرعية، وقد طبع بعضها؛ وكان أيضًا خطاطًا مبدعًا شغف بأن يقضى أوقات فراغه فى كتابة الفاتحة على حبة من الأرز أو كتابة أسماء من استشهدوا فى غزوة بدر على فص خاتم التوقيع، ومات محمود حمزة عام ١٣٠٥ هـ (١٨٨٧ م). المصادر: (١) جورجى زيدان: مشاهير الشرق؛ جـ ٢، ص ١٦٥ وما بعدها. (٢) Gesch d. Arab.: Brockelmann Lit؛ جـ ٢، ص ٤٦٦. خورشيد حمزة بن عبد المطلب عم النبى [ ﷺ ]، وتزيد الروايات أنه أخوه فى الرضاعة سعيًا منها إلى تمجيد هذا البطل من أبطال الإسلام فى عهده الأول (١)، ولا نعرف عن حمزة فيما عدا ذلك إلا القليل. ويذكر مادحوه أيضًا أنه اشترك فى حرب الفجار ولكن
следующие страницы →