← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

نزعات العرب فإنه كان من المناسب أن تحل الحضارة محل "همجية" الجاهلية، وأن يتحول العرب إلى أناس متحضرين قادرين على أن يكبحوا جماح غرائزهم والعفو عن الإهانات، وصفوة القول أن المراد كان أن تنشر فضيلة الحلم خارج محيط الصفوة التى كان الحلم مقصورا عليهم؛ وهذا الإصلاح فى الأخلاق كان يدعمه الاعتقاد فى يوم الحساب الذى يفرض نظاما للحياة على الأرض، وفى الله الذى يجمع فى ذاته جميع عناصر الحلم والمسؤولية التى تنتقم من الناس بتطهير المذنب. وهذا التحليل للأخلاق عند المسلمين الذى ارتآه كولدتسيهر وردده إيسوتزو ترديدا أكثر منهجية لا يثير أية معارضة كبيرة؛ يطابق تعريف هذه الفضيلة المركبة، ثم إننا نجد فى الحياة العملية أن المسلم الحق حليم بالضرورة وإن كان ثمة بقاء فكرة الحلم الجاهلية نجده فى المقام الأول فى الحقائق التى سيقت لتفسير الأصل فى القول المأثور "أحلم من الأحنف" (الميدانى، جـ ١، ص ٢٢٩). وهذا التميمى النبيل المتوفى سنة ٦٧ هـ (٦٨٦ - ٦٨٧ م؛ انظر مادة "الأحنف") لا يزال يمثل السيد الأمثل فى العصر الجاهلى؛ والحلم الذى جعله مضرب المثل يشمل العناصر الآتية: ضبط النفس، والترفق بالأعداء، وكبح جماح الغضب، والميل إلى الجد، والتبصر، وكراهية الاتهام. ومن بعد الأحنف يعد معاوية أكثر الناس حلما، على أن هذا الخليفة من ناحية ينتمى إلى أسرة لم تهدر جميع صفاتها البدوية، ومن ناحية أخرى فإن تحليل حلمه يدل على أنه قد جعل منه مبدأ سياسيا، وقد نجح بلينه فى تجريد بعض أعدائه من سلاحهم وبتسامحه من تحقيق الخضوع من جانب الآخرين قائلا إن الحرب أبهظ ثمنا من الكرم. ومثل هذا الحلم لا يعد بحال فضيلة إسلامية (انظر - H. Lam Etudes sur le regne du calife: mens omaiyade Moawia) والجاحظ الذى بذل دون سائر الكتاب القدماء أقصى الجهد فى تحليل مشاعر الأشخاص وخلائقهم لم يجد صعوبة (فضل هاشم على عبد شمس فى الرسائل، طبعة السندوبى، ص ١٠٤) فى القضاء على أسطورة حلم الأحنف ومعاوية، فقد لاحظ أن الرجلين

стр. 4202

لم يحققا شروط الحلم الصحيح الذى يقتضى الجمع بين صفات عَدَّدَها وخاصة فى فقرة جيدة عن "كتمان السر" (طبعة مراوس والحاجرى، ص ٤٠) وقد ذكر كتاب الأدب من بعد أسماء عدة أشخاص آخرين اشتهروا بالحلم ونخص بالذكر منهم المأمون (انظر الأبشيهى: المستطرف، طبعة القاهرة بدون تاريخ، جـ ١، ص ٢٦٢) ولكن هؤلاء الكتاب اعتمدوا بعامة وفى المقام الأول على الروايات الجاهلية وروايات القرون الأولى للإسلام (انظر بصفة خاصة ابن قتيبة: عيون الأخبار، فى مواضع شتى؛ وابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٨ م، جـ ٢، ص ٧٥) بل إننا نجد فى الجاحظ فى الفقرة التى ذكرناها، عنصرًا جديدًا منتظرًا من كاتب معتزلى وهو أن العقل بالضرورة الذى يكبح جماح الأهواء. ومسكويه فى كتابه "تهذيب الأخلاق" (ص ٢٥) يدخل الحلم ضمن صفات أخرى، ويقول (ص ٢٣٢) إن الحلم هو "استشارة العقل". أما الغزالى فى كتابه الإحياء (الكتاب ٢٥) فيجمع بين الغضب والكراهية والحسد، ولكنه يربط بين الحلم والغضب ويصف الحلم بأنه سمو العقل والتحكم فى النفس وإخضاع الأهواء للعقل، وأما ابن سينا فإنه يدخل الحلم فى منهج الفلسفة الإغريقية. وأما الهروى (كتاب التذكرة الهروية فى الحيل الحربية، حققه وترجمه J. Sourdel Thomine فى BEt. Or جـ ١٧، سنة ١٩٦٦ - ١٩٦٧ ص ٢٣٦، ٢٤٦) فيرى أن الحلم بعد القدرة من صفات الحاكم، ونجد صاحب موسوعة شعبية مثل الإبشهى فى الفصل السادس والثلاثين من كتابه الجامع المستطرف يجمع بين العفو والحلم والوداعة وكبح جماح الغضب، ويستشهد بعدد من الأقوال المأثورة التى ترجع إلى القرون الأولى للإسلام، وختم قوله بأنه يجب على كل امريء أن يسعى إلى اكتساب هذه الصفات وتقليد الرسول ﷺ الذى كان أحلم الناس. ونتبين من هذا أن الحلم كان يعد من الصفات المحمودة. والرأى العام الذى يقصر الحلم عمومًا على ضبط النفس ومغفرة الإهانات، فإن الحلم فى هذا

стр. 4203

الرأى صفة تتحول آثارها إلى الظاهر. على أن المنكرين ورجال الأخلاق يجنحون إلى القول بأن هذه الصفة هى ضرب من التحكم الباطنى والسيطرة على الأهواء بفضل الرجوع إلى العاقل الذى يجب أن يحكم السلوك الذى يتبعه المرء حيال ظرف خاص. المصادر: وردت فى متن المادة. خورشيد [بلا. آ H. Pellat] حمزة بن حبيب ابن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة التيمى الكوفى الزيات: أحد "القراء السبعة" للقرآن الكريم. وهو مولى أسرة عِكْرمة بن ربيع التيمى، ولد فى حلوان سنة ٨٠ هـ (٦٩٩ م) وصار تاجرًا؛ وقد جاء لقبه "الزيات" من أنه كان ينقل الزيت من الكوفة إلى حلوان ومنها كان يجلب الجبن والنقل. واستقر بالكوفة واهتم بالحديث والفرائض، وخلف فى هذا الشأن "كتاب الفرائض" الذى جمعه على الأرجح تلاميذه (الفهرست، ص ٤٤). ومع ذلك فإن شهرته تقوم على "قراءته" بوجه خاص. وهو فى هذا الميدان تلميذ للأعمش ولعمران بن أعين، وقد اتبع كلاهما قراءة ابن مسعود عن عاصم وابن أبى ليلى الذى استند فى قراءته إلى علىّ. وأقام حمزة منهجًا مستقلًا، وجمعه فى "كتاب قراءة حمزة" (الفهرست؛ ص ٤٤)؛ وإن كان قد انتقده بوجه خاص كل من ابن حنبل، وابن عياش. وكان من أبرز تلاميذ حمزة الكثيرين سفيان الثورى، والكسائى، ولكن من نقلوا "قراءته" هم تلاميذه المباشرون، ومنهم خلف بن هشام (سنة ١٥٠ - ٢٢٩ هـ = ٧٦٧ - ٨٤٣ م) فى ٢٢٠ هـ (٨٣٥ هـ) فى الكوفة. وتوفى حمزة فى حلوان سنة ١٥٦ هـ (٧٧٢ م). وكانت قراءته قد انتشرت فى أرجاء المغرب، إلا أن قراءة نافع حلت محلها بفضل عالم من القيروان اسمه الخيرون المتوفى سنة ٣٠٦ هـ (٩١٨ م). ويعزى انتشار هذه القراءة إلى أن الإمام مالك أخذ بها، ومن ثم فقد كان انتشارها تابعًا لانتشار المذهب المالكى، ومع ذلك فإن قراءة حمزة لم تزل قائمة فى بعض أنحاء المغرب، حيث نجد النسبة "حمزاوى" شائعة.

стр. 4204

المصادر: (١) ابن قتيبة، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، ص ٥٢٩. (٢) الفهرست، ص ٤٤. (٣) ابن خلكان، طبعة القاهرة سنة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ١٦٧. (٤) ابن العماد: الشذرات، جـ ١. (٥) ابن الجزرى: القراء، جـ ١، ص ٢٦١، ٢٦٤، رقم ١١٩٠. (٦) المؤلف نفسه: النشر، جـ ١. (٧) الدانى، التيسير، ص ٦ - ٧، ص ٩، وما بعدها. (٨) ابن حجر: تهذيب التهذيب، هذه المادة. (٩) الذهبى، الميزان، هذه المادة. (١٠) ياقوت: معجم، الأدباء، جـ ١٠، ص ١٨٩ - ٢٩٣. حسن شكرى [بلاّ Ch. Pellat] حمزة الحرانى فى دمشق أسرة وجيهة من نسل العلويين ظل أفرادها قرونًا طويلة يلون منصب نقيب الأشراف فى هذه المدينة، ومن هنا يكتفى فى بعض الأحيان بتسمية هذه الأسرة ببيت النقيب. وقد ضمن المحبى كتابه خلاصة الأثر (جـ ٢، ص ١٠٥) نسب هذا البيت كاملًا حتى القرن الحادى عشر للهجرة (القرن السابع عشر الميلادى). وكان أحد رجال هذا البيت، وهو إسماعيل بن حسين النتيف نقيبًا فى تاريخ مبكر جدًا يرجع إلى عام ٣٣٠ هـ (٩٤٠ - ٩٤١ م) ثم ظل هذا المنصب مقصورًا على الأسرة يتوارثه الابن عن الأب إلى يومنا هذا. وقد عرف عدد من أفراد هذا البيت بالعلم والتبريز فى الأدب كما يستفاد من كتاب المحبى (جـ ٢، ص ١٠٥ وما بعدها؛ جـ ٤، ص ١٢٤ وما بعدها)؛ ومن أشهر رجال هذه الأسرة فى العصر المتأخر محمود حمزة المولود بدمشق عام ١٢٣٦ هـ (١٨٢١ م) فقد ولى منصب الإفتاء فى الشام وكان سلوكه فى أثناء المذابح التى حدثت فى مسقط رأسه عام ١٨٦٠ م باعثًا على رضى النصارى. وقد كتب محمود سلسلة من الرسائل الرائعة بلغ عددها

стр. 4205

خمسًا وثلاثين رسالة معظمها فى المسائل الفقهية الشرعية، وقد طبع بعضها؛ وكان أيضًا خطاطًا مبدعًا شغف بأن يقضى أوقات فراغه فى كتابة الفاتحة على حبة من الأرز أو كتابة أسماء من استشهدوا فى غزوة بدر على فص خاتم التوقيع، ومات محمود حمزة عام ١٣٠٥ هـ (١٨٨٧ م). المصادر: (١) جورجى زيدان: مشاهير الشرق؛ جـ ٢، ص ١٦٥ وما بعدها. (٢) Gesch d. Arab.: Brockelmann Lit؛ جـ ٢، ص ٤٦٦. خورشيد حمزة بن عبد المطلب عم النبى [ ﷺ ]، وتزيد الروايات أنه أخوه فى الرضاعة سعيًا منها إلى تمجيد هذا البطل من أبطال الإسلام فى عهده الأول (١)، ولا نعرف عن حمزة فيما عدا ذلك إلا القليل. ويذكر مادحوه أيضًا أنه اشترك فى حرب الفجار ولكن

стр. 4206

هذا القول يناقض ما رواه صاحب كتاب الأغانى. وفى أول الأمر وقف حمزة من الدين الجديد موقف العداء شأنه فى ذلك شأن سائر بنى هاشم، على أن لجاج أبى جهل فى خصومة النبى [ ﷺ ] استثاره، ومن ثم يقال إنه دخل فى الإسلام بعد نزول الوحى على محمد [ ﷺ ] بسنتين، أو بست فى روايات أخرى. ثم هاجر معه إلى المدينة وقد وصف حمزة فيما عدا ذلك بأنه جندى باسل، وأكسبته هذه الصفة لقب أسد الله ورسوله، وانتقل هذا اللقب إلى الشعر. واستعان محمد [ ﷺ ] بعمه حمزة فأنفذه على رأس سرية ليقف فى سبيل قافلة قرشية. وقد لازمته صفة الشجاعة فى غزوة بدر بصفة خاصة، فكان هو وعلى أصحاب القدح المعلى فيها. كما اشترك حمزة فى حصار عشيرة بنى قينقاع اليهودية فى المدينة. ولقى مصرعه فى غزوة أحد بعد أن أبدى فيها كثيرًا من ضروب الشجاعة الخارقة، ذلك أن العبد وحشى طعنه بحربة بقرت صدره ثم انتزع قلبه ولما يزل ينبض وسلمه إلى هند أم معاوية فلاكته بأسنانها: هذا على الأقل هو ما ترويه رواية واحدة ضعيفة السند مناهضة للأمويين. وقيل إن حمزة مات وهو بين السابعة والخمسين والتاسعة والخمسين من عمره. على أنه إذا صح رأينا الذى يحتم إسقاط عشر سنين من عمر النبى [ ﷺ ] وهو يتراوح بين الستين والخامسة والستين على حد القول الشائع (١) فإنه ينبغى إسقاط عشر سنين أخرى من عمر حمزة. هذا ولم يعقب أحد من أولاد حمزة. المصادر: (١) ابن سعد: الطبقات (طبعة سخاو Sachau) جـ ٣، ص ٣ - ١١. (٢) ابن حجر: الإصابة (الطبعة المصرية)، جـ ١، ص ٣٥٣ - ٣٥٤. (٣) Fatima et les filles: H.Lammens de Mahomet؛ ص ٢٣ و ٢٥ و ٣٠ و ٤٥، و ٤٦ و ١٣٨.

стр. 4207

(٤) ابن هشام: السيرة (طبعة Wuestenfeld)؛ ص ٦٩ و ١٢٠ و ١٨٣ و ٢٣٢ و ٣٤٤ و ٤١٩ و ٤٣٣ و ٤٤٢ و ٤٨٥ و ٥١٦ و ٥٦٣ و ٦٥٧. (٥) ابن قيس الرقيات: الديوان (طبعة Rhodokanakis) رقم ٣٩، س ٢٠. (٦) الأغانى؛ جـ ٤، ص ٢٥؛ جـ ١٤ ص ١٥ و ٣٢، جـ ١٩، ص ٨١ - ٨٢. (٧) Das Leben des Mo-: Sprenger hammed جـ ٢، ص ٦٩ و ٨١ و ٨٨؛ جـ ٣، ص ١٠٠ و ١٢٠ و ١٧٢ و ١٨٠. (٨) L'age de (Journ: H.Lammens Mahomet et la chronologie de la (Asiat Sira المجلة الآسيوية، سنة ١٩١١، ص ٢٠٩ - ٢٥٠). خورشيد [لامنس H. Lammens] + " حمزة بن عبد المطلب": عم النبى [ ﷺ ]، وهو ابن عبد المطلب وهالة بنت وهيْب، وقد شارك فى التحدث مع خويلد بن أسد والد السيدة خديجة رضى الله عنها طالبًا يدها للنبى [ ﷺ ]، وأصبح بعد دخوله فى الإسلام أعظم أبطال الإسلام شجاعة، مع أنه كان قبل ذلك خصمًا للدين الجديد. دافع حمزة عن النبى [ ﷺ ] ودفع عنه إهانات أبى جهل، واشترك فى المعركة التى دارت مع عشيرة بنى قينقاع اليهودية، وقاد حملة إلى ساحل البحر عند العيس فى ثلاثين من المهاجرين. ولقوا أنصار أبى جهل فى الطريق، ولم يدر بينهما قتال، ويرجع الفضل فى هذا إلى تدخل مجدى ابن عَمْرِ الجهنى. وقاتل حمزة بشجاعة عظيمة فى وقعة بدر سنة ٢ هـ (٦٢٤ م)، وأبلى البلاء الحسن بدخوله فى مبارزات فردية مع كثير من المشركين، ولكنه قتل فى السنة التالية، وهو يقاتل ببطولة فى وقعة أحد على يد العبد الحبشى "وحشى" الذى أعتق من أجل ذلك. ولما سقط حمزة مثل بجثته تمثيلًا وحشيًا ومضغت كبده. ومن الواضح أن هذا العمل كان إحياء لمذهب حيوية المادة. المصادر: (١) ابن هشام، ص ٦٩، ١٢٠، ١٨٤، ٢٣٢، ٣٢٢، ٣٤٤، ٤١٩، ٤٣٣، ٤٤٢، ٤٨٥، ٥١٦، ٥٦٣، ٥٦٧، ٥٨٤، ٦٠٧. (٢) ابن سعد، جـ ٣ - ١، ص ٣ - ١١. (٣) ابن حجر، الإصابة (طبعة القاهرة)، جـ ١، ص ٣٥٣ - ٣٥٤.

стр. 4208

(٤) L'age de Mahomet: H.Lammens et la chronologie de la sira فى المجلة الآسيوية، سنة ١٩١١ - ١، ص ٢٠٩ - ٢٥٠. (٥) Das Leben des Mo-: Sprenger hammad جـ ٢، ص ٦٩، ٨١، ٨٨؛ جـ ٣، ص ١٠٨, ١٢٠، ١٧٢، ١٨٠. (٦) Fatima et les Fille: H.Lammens de Mahomet ص ٢٣، ٢٥، ٣٠، ٤٥، ٤٦، ١٣٨. (٧) ابن قيس الرقيات: الديوان (تحقيق Rhodokanakis)، رقم ٣٩، ص ٢٠. (٨) الأغانى، جـ ٤، ص ٢٥؛ جـ ١٤، ص ١٥، ٢٢؛ جـ ١٩، ص ٨١ - ٨٢. حسن شكرى [ج، م مرديث أويتز - G.M. Meredith - Owens] حمزة فنصورى متصوف إندونيسى كتب الرسائل والأشعار باللغة الملاوية، وهو من بلدة بنصور، أى بروس Barus على الساحل الغربى لسومطرة. عاش قبل شمس الدين البسائى (توفى سنة ١٦٣٠) الذى استشهد بأشعاره وعلق عليها، قبل أن يصبح مذهب الفيض على سبع درجات مذهبًا مألوفًا فى إندونيسيا بتأثير كتاب محمد بن فضل الله (توفى سنة ١٦٢٠) المسمى "التحفة المرسلة" ولربما كانت حياته واقعة فى النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى). وينتمى إلى مدرسة الصوفية المتجسدة فى ابن العربى، والعراقى. كتبه: أسرار العارفين، وشراب العاشقين، ورباعيات بالشعر (تحقيق De ges-: J. Doorenbos chriften van Hamzah Pansoeri سنة ١٩٣٣، وكثير من القصائد غير المحققة من الواضح أنها ليست من أشعار حمزة؛ انظر TITLV.Drewes العدد ٧٣، ص ٣٩١)، وكتاب المنتهى (غير مطبوع، وانظر Twee Maleise ges-: Voorhoeve chrifter ص ٢٥). مذهبه: (H.Kraemer: Een Jauaansche Primbon سنة ١٩٢١، ص ٢٤ - ٤٤, فى Djawa، جـ ٤، ص ٢٩ وما بعدها. A.Johns، فى JABRAS, العدد ٢٨ - ١ سنة ١٩٥٥، ص ٧٤. حسن شكرى [ب وور هوف P.Voorhoeve]

стр. 4209

الحمس الحُمْس: هو الاسم الذى جرى العرف بإطلاقه على أهل الحرم بمكة أيام ظهور النبى [ ﷺ ] من حيث أنه كانت لهم مناسك خاصة إبان الإحرام يتميزون بها عن القبائل الأخرى التى كانت تعرف جميعًا باسم الحلّة. ويقال إن الحُمْس كانوا إذا نسكوا لم يسلئوا أو يأكلوا سمنًا ولم يدخروا لبنًا ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى تعافه، ولم يأكلوا اللبن الخثر (الأقط) أو اللحم ولم يدهنوا ولم يمسوا الطيب ولا النساء، ولم يجزوا شعرا ولا ظفرًا. ويلبسون فى حجهم جديدًا ولا يلبسون وبرًا ولا صوفًا ولا شعرا. ويروى عنهم أيضًا أنهم لا يخرجون إلى عرفات ويلزمون المزدلفة أو نمرة فى رواية أخرى (- Snouck Hur gronje، المصدر المذكور بعد، ص ١٣٠ وما بعدها) ومنها يبدءون الإفاضة (ويقال إن القرآن نهى عن ذلك، سورة البقرة: الآية ١٩٨؛ الطبرى: التفسير، جـ ٢، ص ١٦٣ وما بعدها) وأنهم إنما يسكنون فى حال نسكهم قباب الأدم، ويطوفون بالبيت فى نعالهم، ولا يدخلون البيوت من أبوابها (ولكنهم يدخلونها من ثقب فى السقف مثلا) والنهى الذى ورد فى الآية ١٨٩ من سورة البقرة موجه إلى هذه العادة. وهناك روايات متناقضة تذهب إلى أن الأنصار هم الذين كانوا يمارسونها (انظر الطبرى: التفسير، جـ ٢، ص ١٠٥ وما بعدها) على أن الأزرقى (ص ١١٢) يُسلك الأوس والخزرج فى زمرة الحمس. ويروى أيضًا أن ملابس الحلة تبقى فى الحرم بعد أن ينتهوا من الطواف، ذلك أنها تلقى حول الكعبة بوصفها لقى (وقد يصبح الرداء لقى فى أحوال أخرى؛ انظر الأزرقى، ص ١١٨ س ٤ وما بعده) حتى تبلى بتأثير الجو. ومن أراد الاحتفاظ بردائه خلفه على باب الكعبة وطاف بالبيت عاريًا أو فى ثوب يستعيره أو يكريه من الحمس (Lectures on the Re-: Robertson smith ligion of the Semites ص ٤٥١). ويقال أيضًا إن الحلة الذين كانوا يفدون للحج أو العمرة لم يكن يباح لهم أكل الطعام الذى يجلبونه معهم من الحل، وإنما

стр. 4210

يأكلون ما يشترونه من أهل الحرم أو ما يزودهم به هؤلاء. وتشير الآيتان ٢٧، ٢٩ من سورة الأعراف إلى هذين المنسكين فيما يقال (الطبرى: التفسير، جـ ٨، ص ١٠٤، ص ١٩ وما بعده، ص ١٠٨ - ١١١). ويكتنف الغموض معنى كلمة حمس (ومفردها أحمَس أو أحمسى) ويذهب فلهوزن إلى أن المقابلة بين كلمة حمس وكلمة حلة تفيد معنى المقدّس. أما نولدكه فقد أظهر فى رسالة خاصة ميلا إلى الشك فى حقيقة هذه المقابلة وقال إن الحمس كالأحامس (الحماسة، ص ٢٨٣، ٥، ١) قد تفيد معنى المتحمس من حيث صلتها بأصل الكلمة التى نحن بصددها. وقد استعمل الأزرقى (ص ١٢٣، س ١٠، ١١) الفعل المضعف حمّس فى الحديث عن أم نذرت ابنها ليكون أحمس. المصادر: (١) ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ١٢٦ وما بعدها. (٢) اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ١، ص ٢٩٧، س ١١ وما بعده. (٣) الأزرقى فى Chron der Stadt Mekka جـ ١، ص ١٨ - ١٢٥، ١٣٠ وما بعدها. (٤) Het Mek-: Snouck Hurgronje kaansche Feest ص ٢١ وما بعدها، ٧٧ وما بعدها، ١١. وما بعدها، ١٣٠ وما بعدها. (٥) Reste Arahischen: Wellhausen Heidentums ص ٥ وما بعدها، ص ١٠٠، ١٢٢ وما بعدها، ٢٤٥ وما بعدها. (٦) Annali dell' Islam: Caetani جـ ١، فقرة ١٢١، ١٢٢. الشنتناوى [أرندنك C. van Arendonk] حمص (وتنطق حمص بضم الحاء المهملة): مدينة فى سهل العاصى الكبير الذى فى أواسط سورية، على مسيرة نحو ميل من نهر العاصى وعلى قناة متصلة به. وعدد سكانها خمسون ألف نسمة منهم خمسة عشر ألفًا من الروم الأرثوذكس؛ وهى قصبة لواء ويشرف عليها قائمقام. وتتبع ولاية دمشق (١).

стр. 4211

ويصلها خط حديدى بطرابلس وحماة وحلب كما تتصل بدمشق عن طريق الرياق. وليست حمص (ويطلق عليها اليونان والرومان Emesa, انظر حول صيغها المختلفة مادة Emesa فى Pauly Realencyct: - Wissawa) من المدن التى أنشأها السلوقيون Seleucids, وبليناس هو أول من ذكرها. وكانت الرستن (Arethusa) المجاورة لها مقر دولة عربية (انظر Roemische Staas-: Marquardt verwaltung جـ ١، ص ٢٤٥) وحمص هى مسقط رأس الإمبراطور إلاكابالوس Elagabalus الذى جدد فيها بناء معبد إله الشمس فى كثير من الأبهة والفخامة ومنه أخذ اسمه. وهو الذى منحها بعض المزايا فزاد ذلك فى ازدهارها من كل ناحية، كما كانت فى عهد البوزنطيين مدينة زاهرة ومقر أسقفية، وكان الاسم تشمسى معروفا بالفعل فى ذلك العهد. وعقد سكان حمص فى ختام العام الثالث [الهجرى] صلحًا مع العرب تعهدوا فيه بأن يدفعوا قدرًا من المال تأمينًا لتجارتهم. واستطاعوا فى بداية العام الرابع عشر أن يصدوا غارة عربية على المدينة بمعاونة حامية من الروم، لكنها سقطت فى يد العرب فى نهاية هذا العام بعد حصار دام شهرين. والظاهر أن العرب جلوا عن المدينة ثانية فى العام التالى، وأقل ما يقال فى هذا الصدد ما روى مرارًا من أنها قد استسلمت لأبى عبيدة فى العام السادس عشر ومنحت عهد الأمان. وعند تقسيم بلاد الشام إلى مناطق، عسكرية، أصبحت حمص قصبة "جند" وقد شقت عصا الطاعة فى عهد الخليفة مروان بن محمد فاجتاحها بجنده، وأنزل بها العقاب الصارم. وجرت العادة أن يدير جند حمص وحلب عامل واحد. ولدينا بعض الأخبار عن دخل حمص فى عهود مختلفة، وإذا أعوزتنا الأرقام فيما أورده جراح الدولة والمقدسى، فحسبنا الأرقام التى ذكرها اليعقوبى والإصفهانى. وكان ما تؤديه حمص من الضرائب (انظر Le Strange:

стр. 4212

Palestine under the Moslems ص ٤٤ - ٨٤؛ ويحسب الدينار بعشرة شلنات) (١). (أ) فى حكم هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ) وفقًا لفقرة أوردها الجهشيارى فى كتابه الوزراء: ٠٠٠ ر ٣٢٠ دينار، ١٠٠٠ حمل بعير من الزبيب (وكانت كروم حمص مشهورة ولم تتلف إلا إبان الحروب الصليبية). (ب) فى عام ٣٠٤ هـ (قدامة: كتاب الخراج): ١٨,٠٠٠ دينار (أورد ابن خرداذبة عن الإصفهانى الرقم نفسه). (جـ) فى عام ٢٥٠ هـ: ٢٤٠,٠٠٠ دينار كما جاء فى ابن خرداذبة. (د) فى عام ٢٧٨ هـ: ٢٢٠,٠٠٠ دينار (عن اليعقوبى الذى صنف كتابه حوالى ذلك العهد). والسبب فى انخفاض الأرقام التى أوردها قدامة والأصفهانى واليعقوبى راجع إلى اتباع طريقة مخالفة فى حساب الإيراد، ولعلهم أسقطوا من حسابهم مرتبات العمال أو غيرها من نفقات الإدارة. ودخلت حمص أيام سيف الدولة الحمدانى فى حكم ملوك حلب، وكثيرًا ما أقطعوها بعض الأمراء، نذكر منهم الشاعر المشهور أبا فراس على ابن عم سيف الدولة، وقد اغتصبها منه سعد الدولة، فمنحها عام ٣٦٧ هـ قائده بكجور وهو الذى أثنى الناس على حكمه ثناءً عاطرًا، وإليه تنسب مئذنة لها قيمتها فى فن العمارة، وعليها نقوش بالخط الكوفى. وابتليت حمص فى ذلك العهد بغارات الروم المتتالية. وفى عام ٤٧٥ هـ كانت حمص فى يد الأمير البدوى خلف بن ملاعب (انظر Zeitscher. d Deutsch Pal.: M. Hartmann Verein جـ ٢٤، ص ٤٩ - ٦٦) الذى اعترف بولائه للخليفة الفاطمى فأغضب ذلك السلطان السلجوقى وتحركت نفسه لشكاوى الأهلين من جور ذلك الأمير فأمر صاحب الشام أن يزج به فى السجن، فحوصر عام ٨٤٣ هـ وأسر وحمل فى قفص إلى إصفهان. وأقطعت حمص بعد ذلك إلى السلطان تُتُش وعنه ورثها ابنه رضوان. ووهبها

стр. 4213

رضوان عام ٤٩١ زوج أمه جناح الدولة وهو الذى قتله الإسماعيلية فى العام نفسه. ونجد بعد ذلك على حمص أميرًا يدعى قراجا (ولعله القيل صاحب حران أحد مماليك ملكشاه) وبموته عام ٥٠٦ هـ خلفه عليها ابنه خرخان الذى توفى عام ٥٢٣ هـ. ولاقى أبناؤه - وكانوا لا يزالون أحداثًا - عناء كبيرًا من جراء الجهود التى بذلها زنكى ليفتح حمص، وظلوا على هذا الحال حتى أعطاها الوصى عليهم عام ٥٣٠ هـ شهاب الدين محمود صاحب دمشق، وأخذ بدلا منها تدمر والرحبة، وأقطعها شهاب الدين أول الأمر إلى وزيره أونور ثم نزل عنها بعد مفاوضات طويلة إلى زوج أمه زنكى عام ٥٣٢ هـ (وقد أخذ أونور مدنًا أخرى فى مقابل حمص) وعنه ورثها ابنه نور الدين فإسماعيل بن نور الدين ثم أخذها صلاح الدين عام ٥٧٠ هـ، ونصب عليها بعد أربعة أعوام ابن عمه محمد بن شيركوه. وظل أبناؤه يحكمون حمص إلى عام ٦٦١ هـ، مع استثناء فترة واحدة (فقد استولى عليها الناصر الثانى صاحب حلب عام ٦٤٦ هـ وأذعنت له ولكن يلوح أنها ظلت فى حوزته أمدًا قصيرًا) وهم الذين فتحوا أبوابها مختارين لخان المغول هولاكو. ولبث على حكمها منذ عام ٦٦١ هـ نواب من قبل حماة حينًا ودمشق حينًا آخر، وحكمها إبان القرن السابع عشر أغا من أسرة وطنية مستقلا عن الباشا التركى والى دمشق. وانتقلت فى القرن التاسع عشر إلى الحكم المصرى (١٨٣١ - ١٨٤٠ م) مثلها فى ذلك مثل مدينة حلب فعانت كثيرًا من تعسف العمال وأدى ذلك إلى نشوب ثورة لم تقمع إلا بعد جهد. ولم يبق من سور المدينة وأبوابها إلا أطلال لا قيمة لها فى حين بقى من القلعة التى خربها إبراهيم باشا برج عليه نقش لابن عم صلاح الدين محمد بن شيركوه يرجع إلى عام ٥٩٤ هـ. وأعيد حديثًا بناء ضريح القائد العظيم خالد بن الوليد وزوجه فضة (وقد تم نقل النقوش النفيسة من قبل - van Ber chem و Freiheriv Oppenheim و M. So-bernheim) وفى زمام حمص عدد من طواحين نهر العاصى ترجع إحداها كما

стр. 4214

تدل النقوش العربية إلى عام ٨٢٤ هـ. وترجع أخرى عليها نقوش تركية إلى عام ٩٧٥ هـ (يلاحظ أن هذه النقوش التركية هى الوحيدة عن هذا العهد فى بلاد الشام). وأهم أبنية حمص المسجد الجامع ويقال إن نصف الكتدرائية أدمج فى بداية الحكم الإسلامى. وقد كتب عنه هرزفلد Herzfeld البيان الآتى: المسجد الجامع فى وسط السوق والدخول إليه من جنوبه. ويؤدى المدخل الرئيسى، وهو فى الجانب الغربى، إلى الصحن عن طريق ممر معقود، كما يؤدى مدخل جانبى ناحية الشرق إلى الحرم مباشرة. والحرم ساحة مستطيلة لها صحنان لكل منهما ثلاثة عشر قبوًا متقاطعًا. وللمسجد قبة صغيرة فوق المدخل أمام المحراب الساذج. وناحية الغرب محراب أقدم من هذا عليه فسيفساء مذهبة، والظاهر أنه يرجع إلى العهد الإسلامى القديم. وتدل وجهة صحن الحرم على أن خطة الجامع قد طرأ عليها تعديلات كثيرة. ومن الواضح أن هذا الحائط كان فى الأصل فاصلا بين الصحن الرئيسى والصحن الجانبى لكنيسة بازيكيلية من طراز مألوف. فهو عبارة عن أربعة عقود كبيرة يتعاقبها ثلاثة أقسام ذات طابقين لكل منها خمسة عقود صغيرة. والأعمدة وتيجان الأعمدة، وكثير منها فى صحن المسجد، هى بقايا المبنى القديم. وهذا الصحن مستطيل يحيط به أروقة ضيقة غير مزخرفة على الإطلاق تكاد تملؤها منصة بها حوض ومحراب، وإلى جانبها، ناحية الغرب، بئر تعلوه قبة تعتمد على ستة أعمدة أثرية. المصادر: (١) Inscriptions de Syrie: v. Berchem القاهرة ١٨٩٧، ص ٥٤ - ٥٦. (٢) Inschriften: Frhr.v. Oppenheim aus Syrien etc ص ٤ - ١٣. يونس [سوبرنهيم M. Sobernheim] + حِمصْ (باللاتينية Emesa, وبالفرنسَية والإنكليزية Homs, وبالتركية حُمَص): مدينة فى سورية على خط عرض ٣٦ شرقًا، وخط طول ٣٤ و ٢٠ شمالا، وترتفع عن سطح البحر ٥٠٠ متر، وتقوم على الضفة الشرقية لنهر العاصى، وتتوسط سهلا

стр. 4215

مترامى الاطراف صالحًا للزراعة يحدّه من الشرق الصحراء ومن الغرب جبال بركانية. وهى تقوم أيضًا فى مدخل منخفض بين جبال لبنان وجبل أنصاريّة فتفيد من المؤثرات الجوية للبحر التى تتخلل هذه الفتحة، وتنعم بجو أقل قارية من سائر أنحاء سورية. ودرجة حرارتها السنوية فى المتوسط ١٦ درجة مئوية، ويجودها أكثر الأمطار غزارة فهو يبلغ فى المتوسط السنوى ٦٠٠ مم، على حين أن مدينة حماة القريبة منها يبلغ متوسط ما يسقط عليها من أمطار: ٣٥٠ مم. وتربتها متنوعة تكونت من رسوب الغرين وجداول البازلت المتحللة، ومن ثم فهى صالحة للزراعة والرعى بفضل مواردها المائية الوافرة، وقد سبق المصريون فأقاموا فى الألف الثانية قبل الميلاد سدودًا على نهر العاصى، ولعلهم كانوا أول من رتب نظام الرى الذى اكتمل بمرور الزمن. وكان ثمة قناة فى القرون الوسطى تحمل ماء سلمية ليروى الأرض المزروعة فى شرقى المدينة. وأقيم نظام حديث للرى سنة ١٩٣٨ أسفل البحيرة، وتخرج قناة من السد وتتفرغ فى عدة قنوات فرعية تتيح الرى بين نهر العاصى وحمص. وحمص فى مفترق طرق هام، فهى تقوم على رفرف يعرف بثغرة حمص، وهو أيسر ممر من الخليج الفارسى إلى البحر المتوسط عن طريق تدمر، وكان هذا الممر منذ عهد ضارب فى القدم معبرًا لمنتجات ما وراء النهر، وهو اليوم ييسر أن تحمل خطوط الأنابيب البترول من كركوك إلى طرابلس وبانياس. وتقوم حمص أيضًا فى منتصف الطريق الذى يربط حلب بدمشق. وكانت الرحلة إلى دمشق تقطع على متن الخيل فى خمسة أيام قبل إنشاء السكة الحديدية. والخط المفرد من السكة الحديدية التى أنشئت سنة ١٩٠٢ يحقق الاتصال ببيروت عن طريق رَيك. وكان لهذه السكة الحديدية فى عصر الدولة العثمانية شأن استراتيجى كما تبين سنة ١٩١٤ إذ أقيم رصيف بحمص له أهمية عسكرية عظيمة.

стр. 4216

تاريخها استقرار الإنسان فى هذا الموقع ظل يحكمه الرى خمسة آلاف عام، والأصل فيه يعود إلى أزمان ضاربة فى القدم. وكانت حمص فى الألف الثانية قبل الميلاد لا يزال شأنها ضئيلا، ذلك أن المدن الكبرى فى هذا الإقليم كانت هى قادش التى احتلها الحيثيون أيام الملك رمسيس الثانى، وقتنة التى هى مشرفة حاليًا. ويذكر ياقوت أن نسبة المدينة ترجع إلى حمص بن المَهْر بن هاف بن مكنيف العمالقى، وأن الذى أسسها هم الأغريق القدماء الذين زرعوا فيها الزيتون الفلسطينى. وما من ريب فى أن حمص كانت من المدائن التى أنشأها سلوق نيكاتور أو قل إنها من المدن التى سماها هو بأسماء إغريقية، ولكن هذه المدن لم تحقق هويتها حتى اليوم. ودخلت حمص فى فلك الإمبراطورية الرومانية حين جعل بومبى سورية ولاية رومانية. ولا شك فى أن فن تخطيط المدن عند الرومان قد ترك آثاره على حمص، ذلك أن المرء يستطيع بعد أن يتتبع آثار مدينة شيدت على خطة مربعة تقوم قلعة فى ركنها الجنوبى الغربى، ولكن يندر أن نستطيع أن نميز فى شبكة طرقاتها بوابات المعسكرات الرومانية والمفارق. وقد نزل عرب كثيرون هذا الصقع قبل الإسلام بمدة طويلة، وقامت فيما بين سنة ٨١ ق. م و ٩٦ م أسرة محلية حكمت حمص، وكان ألمع أمير من هذه الأسرة هو سامبسيجراموس الذى آثر أن يقيم فى رستان (Arethusa) ومنها تحكم فى الطرق القائمة على نهر العاصى. والضريح الهرمى الذى شيده هذا الأمير فى حمص سنة ٧٨ م تخرب سنة ١٩١١. وكان معبد الشمس الذى كان يتعبد الناس فيه على صورة كتلة من البازلت الأسود ينافس بعلبك فى العصور القديمة. ونهضت حمص، مفترق طرق الإمبراطوريات، من غمرتها فى أيام دوميتيان وحملت اسم إيمسا، وبدأت تضرب السكة فى القرن الثانى للميلاد أيام انطونينوس بيوس، ولكنها لم تصبح لها المكانة الأولى بين مدائن الشرق الرومانية حتى جاءت سنة

стр. 4217

٢١٧ م. ونادى جنود الكاهن الأكبر للشمس هليو جابالوس إمبراطورًا. وحكم هذا الإمبراطور باسم مرقس أوريليوس أنطونينوس، وكان له وريث للعرش مواطن آخر من حمص هو ابن عمة إسكندر سفروس الذى قاتل الساسانيين. وشهدت حمص سنة ٢٧٢ م هزيمة زنوبيا ملكة تدمر على يد الكتائب الرومانية. وقد رسخت أقدام المسيحية فى حمص منذ بداية القرن الخامس، وكان فيها مقر أبرشية فى الولاية اللبنانية الكنسية فينيقيا التى كانت تتبع دمشق ثم اكتشف رأس القديس يوحنا المعمدان بالقرب من حمص (سنة ٤٥٢) فأصبحت المدينة بذلك مقر مطرانية. وكان بنو تنوخ من القبائل العربية التى نزلت آنئذ بهذا الإقليم. وفى أيام الفتح العربى جاءت عدة قبائل عربية شبه متبدية من الجنوب لتنزل هذه المنطقة، ومن ثم أصبحت حمص مركزًا يمنيًا هامًا ودخلت فى أرض بنى كلب الذين كانوا مهرة فى تربية الخيل. وهجر الإمبراطور هرقل حمص بعد وقعة اليرموك. ولما ظهر جيش المسلمين بقيادة أبى عبيدة بن الجراح وفى صحبته خالد بن الوليد أمام أسوار حمص، طلب أهلها الأمان ورضوا بأن يؤدوا فدية قدرها ٧١,٠٠٠ دينار. ودخل المسلمون حمص دون إراقة الدماء سنة ١٦ هـ (٣٦٧ م) وجعلوا كنيسة القديس يوحنا التى كانت من أكبر الكنائس فى الشام، مسجدًا، ويروى أن خمسمائة صحابى تقريبًا قدموا للعيش فى المدينة المفتوحة حديثًا وكان واليها فى عهد الخليفة عمر سعيد بن عامر. وفى سنة ٢٦ هـ (٦٤٧) استولى معاوية على حمص وقنسرين وأدخلهما فى ولايات الشام. ولما قسمت هذه الولايات خمسة أجناد أصبحت حمص قصبة واحد من هذه الأجناد. وفى هذه الفترة من أيام حكم المسلمين أصبح هذا الجند يشمل الإقليم الذى إلى الشمال من حمص حيث تقوم قنسرين والعواصم. وكان خراج حمص يدر على بيت المال ٨٠٠,٠٠٠ دينار.

стр. 4218

وأقام الخليفة واليا عليه الأمير شرحبيل، وبدأ هذا الأمير يوزع البيوت فاحتل المسلمون الأحياء والمساكن التى هجرها النصارى. وفى وقعة صفين سنة ٣٧ هـ (٦٥٧ م) انضم أهل حمص إلى على، وظل المذهب الشيعى مدة طويلة هو المذهب السائد فى هذه المنطقة. وفى سنة ٤١ هـ (٦٦١ م) أى فى عهد يزيد بن معاوية انتقص من جند حمص إقليمه الشمالى لإقامة جند جديد دخلت فيه قنسرين وحلب ومنبج، إذ أصبحت هذه المدائن مراكزه الرئيسية. والظاهر أن الحدود بين الجندين كانت خطًا يمر ببانياس، وطرطوس وجسر الشُغُر ومعرة النعمان، وأفامية، وشيزر، وحماة، ورستان، وسلمية، وقريتين، وتدمر. ويقال إنه لما مات يزيد آل جند حمص إلى النعمان بن بشير المتوفى سنة ٦٥ هـ (٦٨٤ م)، على أن كثيرًا من الكتاب يقولون إنها كانت من نصيب ابنه خالد بن يزيد الذى كان قد بنى قصرًا فى حمص. وبموت يزيد الثالث حدث أن تدخل مروان الثانى فى شئون الشام بتأييد من القيسية، وهاجم سليمان بن هشام الذى كانت تؤيده الكلبية. وهزم سليمان سنة ١٢٧ هـ (٧٥٤ م) وفر إلى حمص ومنها إلى الكوفة. وثبتت حمص مدة لمروان الثانى، وانتهى الأمر باستيلائه على هذه المدينة. وأراد مروان هذا أن يحول دون استخدام حمص، التى كان جندها يبلغ عشرين ألفا من اليمنيين، قاعدة عسكرية للكلبية فهدم أسوارها. وفى سنة ١٢٨ هـ (٧٤٦) استعيد الأمن فى حمص. وفى سنة ١٣٢ هـ (٧٥٠ م) ظهر فى الشام عبد الله بن على العباسى الذى قدر له أن يطيح بآخر الخلفاء الأمويين مروان الثانى. ومن وقتها خضع الشام لسيطرة العراق. وفى سنة ١٣٧ هـ (٧٤٥ م) ولى الخليفة العباسى أمر حلب وقنسرين وحمص صالحًا بن على ابن عبد الله بن العباس، وكان عمر العباسيين عصرًا مظلمًا فى تاريخ

стр. 4219

حمص. فقد انتقض أهلها، ومعظمهم من أصل يمنى، على القيسية واستدعى ذلك إنفاذ عدة حملات تأديبية عليهم منذ أيام هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ = ٧٨٦ - ٨٠٩ م) وكانت حمص فى تلك الأيام تنعم بالرخاء، ذلك أن خراجها بلغ فى قول الجهشيارى ٣٢٠,٠٠٠ دينار وحمل ألف جمل من العنب، وكانت آخر حملة تأديبية شنت عليها فى عهد المستعين، ذلك أنه عمد سنة ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) إلى وضع حلب وقنسرين وحمص فى ولاية والٍ واحد. فلما ضعفت الخلافة العباسية مَدَّ أحمد بن طولون والى مصر سلطانه إلى الشام سنة ٢٦٤ هـ (٨٧٨ م) وظل سلطان الطولونيين يمكن لنفسه حتى سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٦ م) وفى سنة ٢٦٩ هـ (٨٨٣ م) أقام أحمد نائبًا له الأمير لؤلؤًا ففرض لؤلؤ سلطان مولاه على حمص وحلب وقنسرين وديار مضر. وظهر القرامطة فى هذه الأيام وبذروا بذور الفتنة فى أرجاء هذا الإقليم وبلغ زعيمهم حسين الملقب بصاحب الشامة حمص سنة ٢٩٠ (٩٠٣ م) قادمًا من دمشق، وأراد أهل المدينة أن يتحاشوا أعمال الغصب والابتزاز فقبلوا أن تكون الخطبة باسم السيد الجديد، واستولى هذا السيد على حماة وسلمية ومعرة النعمان قبل أن يبلغ حلب، حيث امتشق الحمدانيون الحسام فى وجهه. وفى منتصف القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) سعت حمص إلى الاستعانة بالحمدانيين أصحاب حلب تحاشيًا لوقوعها فى سلطان الإخشيديين أصحاب دمشق. وفى سنة ٣٣٣ هـ (٩٤٤ م) انتصر الحمدانيون فى وقعة رستان على نهر العاصى، واستولى سيف الدولة على حمص وظلت فى حكم أسرة الحمدانيين حتى سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٦ م). وفى سنة ٣٥٦ هـ ٩٦٧ م) توفى سيف الدولة، فحكم حمص سنة أبو فراس. وحاول هذا الشاعر الفحل أن يشعل فتنة على سعد الدولة ولكنه هزم وأسر وقتل فى الثانى من جمادى الأولى سنة ٣٥٧ (٤ أبريل سنة ٩٦٩).

стр. 4220

وفى السنة التالية احتل نقفور فوكاس حمص فى حملته الظافرة على الشام، وجعل المسجد الجامع كنيسة وأقام القداس فيها ثم أشعل فيها النار. وفى سنة ٣٦٢ هـ (٩٧٣ م) رحل نقفور وعاد الحمدانيون إلى حكم المدينة. وفى رجب من سنة ٣٦٤ (مارس - أبريل سنة ٩٧٥) نجح القائد البوزنطى يوحنا تزيمسكس فى احتلال جزء كبير من الشام، وحصّل الجزية من حمص، ودمشق، وبيروت وبعلبك. وهنالك ظهر أمير تركى هو ألبتكين بكجور الذى انتقض فى حمص على الحمدانيين أصحاب حلب. وخاب فأله فى تلقى الإمدادات البوزنطية التى كان يعول عليها فأجبر على الانسحاب. وبعد ذلك بثلاث سنوات أقطعه سعد الدولة حمص. وقد خلد ذكر هذا الأمير بنقش بالخط الكوفى، وهو الأثر الباقى الوحيد لمنارة خرِّبت سنة ١٩١٢. وظلت حمص رهينة المنافسة بين العرب والروم، وأشعل الإغريق فيها النار فى ربيع الثانى سنة ٣٧٣ (سبتمبر سنة ٩٨٣). وفى سنة ٣٨٥ هـ (٩٩٥ م) مكّن الإمبراطور بازيل الثانى لسلطانه على حلب وشيزر وحمص. ولم تؤخذ هذه المدينة إلا بعد مقاومة عنيدة. وأعملت فيها يد التخريب ثم وضعت فى حكم دوق أنطاكية البوزنطى. وفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩٩ م) أحرقت بأمر من باسليوس. وفى سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٦ م) ولّى سلطان الحمدانيين، ووقعت حلب فى قبضة المرداسيين وبعد ذلك بعشر سنوات كانت حمص فى حكم صالح بن مرداس أمير بنى كلاب، ثم حدث سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) أن صارت حمص فى حكم شبل الدولة نصر بن مرداس. ومنذ منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) مَدَّ الفاطميون سلطانهم إلى الشام ولم تفلت حمص من أيديهم وكان الأمر فى حمص سنة ٤٧٥ هـ (١٠٨٢ م) لأمير مشايع للفاطميين هو خلف بن ملاعب وقد أثار هذا الأمير كثيرًا من الاضطراب بقطعه الطرق وغارات السلب والنهب التى كان يشنها. وفى

стр. 4221

سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ م) قدمت فى حقه شكوى من الأمراء والقادة السلاجقة فى الشام، فاستجاب لها السلطان ملك شاه وكتب إليهم يأمرهم بمهاجمته والتخلص منه. وأخذت حمص بعد حصار وقبض على خلف وحمل إلى إصفهان. وولى على حمص تاج الدولة تتش، ثم انتقلت سنة ٤٨٧ (١٠٩٤ م) إلى يد ابنه رضوان والى حلب. وتشاحن الأمير جناح الدولة حسين أتابك رضوان مع حراسه فالتجأ إلى حمص واستقل بأمرها سنة ٤٩٠ هـ (١٠٩٧ م) فلما قدم الفرنجة من بعد، لم يجد بدًا من الانضمام إلى دقاق لحربهم. واستولى الصليبيون على انطاكية سنة ٤٩١ هـ (١٠٩٨ م) فاتجهوا فى هجمتهم الأولى صوب الجنوب، ونهبوا معرة النعمان، وحاصروا حمص بلا طائل. وكان يحكم المدينة وقتذاك الأمير قرجه الذى كان مملوكًا للملكشاه، بوصفه نائبًا لجناح الدولة، وأمر حمص كان مخالفًا للأسطورة التى أخذ بها دربلو d'Herbellot ثم بوكوك Pococke وله سترانج Le Strange من بعده، ذلك أن الفرنجة فشلوا فى الاستيلاء على حمص التى أطلقوا عليها اسم "الناقة". وكل ما استطاعوه أنهم عزلوا ثغر طرطوس. وفى منتصف سنة ٤٩٦ هـ (مايو سنة ١١٠٣) اغتيل جناح الدولة على يد ثلاثة من الإسماعيلية فى المسجد الجامع بحمص. واتخذ أمير دمشق إجراءات سريعة تحسبًا لمحاولة يبذلها الفرنجة لاستغلال هذا الموقف بمهاجمة حمص فوضع حمص تحت ولاية دمشق. أما رواية ابن الأثير التى تجعل مقتل جناح الدولة سابقًا بسنة لجميع التواريخ التى حددتها المصادر الأخرى، ومن ثم يحدد تاريخها باللحظة التى كان فيها جناح الدولة يتأهب لمهاجمة رايموند ده سانت جيل، ويقرن ذلك بالهجوم المباشر لرايموند على حمص، فرواية يجوز لنا أن ننكرها. وفى السنة التالية توفى دقاق وخلفه ظهير الدين طغتكين وترك قرجه واليًا على حمص. ومن هذا الوقت أصبحت حمص معسكرًا ضخمًا يناهض الفرنجة، ومجمعًا للجنود، ودار صناعة، ومخزنًا لأدوات الحصار الثقيلة ثم إنها

стр. 4222

فوق ذلك كانت تمد جهاز الحرب بعدد كبير من المقاتلين. وفى سنة ٥٠٦ هـ (١١١٢ م) خلف خيرخان (قراخان) أباه فى الولاية على حمص. وبعد ذلك ظهر نجم الدين إيلغارى خارج حمص، ولكن خيرخان تغلب على خصمه فى شعبان سنة ٥٠٨ (يناير سنة ١١١٥) وفى سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) استولى ظهير الدين بن بورى على حمص وفرض سلطانه على خيرخان. وبعد ذلك بخمس سنوات هاجم أتابك دمشق حمص مرة أخرى، ولكنه أجبر على الانسحاب أمام خيرخان الذى كان قد تلقى مددا. وفى ربيع الثانى من سنة ٥٢٠ (مايو سنة ١١٢٦) غزا الفرنجة منطقة حمص وخربوها، ولكن عز الدين مسعود بن آق سنقر أقبل من حلب وخلّص المدينة. وكان زنكى قد جعل فى صفوف جيشه الأمير خيرخان سنة ٥٢٤ هـ (١١٢٩ م)، ولكنه طرده وقبض عليه وحاصر حمص وطلب من أهل حمص أن يستسلموا. وأراد أن يشجعهم على التسليم بعد إذ حاصرهم، فقسا أشد القسوة فى تعذيب أميرهم خيرخان أمام أعينهم، ولكن المدينة لم تستسلم. وبعد ذلك بسنوات قلائل حدث أن كان الأمير خُمَرتاش يحكم حمص نائبًا عن أبناء خيرخان، فقدم زنكى مرة أخرى لحصار المدينة التى كانت من خير المدن تحصينًا كما كانت قلعتها لا تُنال، وهنالك استنجد خمرتاش بأمير دمشق شهاب الدين محمود. وتفاوض أبناء خيرخان لتسليم المدينة إلى أمير دمشق فى ربيع الأول سنة ٥٣٠ (ديسمبر سنة ١١٣٥) فما كان من هذا الأمير إلا أن منح ولايتها للحاجب يوسف بن فيروز. وفى رمضان سنة ٥٣١ (مايو سنة ١١٣٧) عاد زنكى إلى صف جنده خارج حمص فقاومه أنر مقاومة شديدة وحدث بعد ذلك بأشهر قلائل إبان حصار آخر لحمص دام ثلاثة أشهر، أن تبادل الرسائل زنكى وشهاب الدين

стр. 4223

محمود وانتهت بحلف يقوم على المصاهرة، فقد تزوج أمير دمشق ابنة زنكى وتزوج زنكى صفوت الملك الملكة الأم لأمير دمشق فأهدته حمص صداقا لها. وتلقى والى هذه المدينة معين الدين أنر بارين ولكمة وحصن الشرقى على سبيل التعويض. وتوفى زنكى بعد ذلك بسنتين فبادر أنر إلى التمكين لسلطانه على والى حمص، وكانت الرحبة على نهر الفرات، وتدمر تعتمدان على حمص. وكانت حمص من المعاقل الهامة التى دار حولها الصراع مع الفرنجة، ومجمعًا لجنود المسلمين تحميها من الهجمات المباغتة الضفة اليمنى لنهر العاصى، ومن ثم أصبحت من قواعد الحرب تتوسط خطًا يسير من الشمال إلى الجنوب، من حلب مارًا بشيزر وحماة إلى دمشق وبصرى وصلخد. وقد عسكر نور الدين هناك سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م). ولما حوصرت دمشق على يد الفرنجة فى الحرب الصليبية الثانية أصبحت حمص معقلا تتجمع فيه جنود نور الدين وسيف الدين غازى. وقد وصف الإدريسى الجغرافى المعاصر لتلك الأيام حمص فقال إنها مدينة عامرة الأسواق طرقاتها مبلطة، ولاحظ أنه يقوم فيها أكبر مسجد جامع، ويذكر بصفة خاصة القنوات الكثيرة التى تروى البساتين والحدائق. وفى سنة ٥٤٨ هـ (١١٥٣ م) عسكر نور الدين فى حمص ومنع المؤن من أن تحمل إلى دمشق آملا أن تستسلم هذه المدينة. ونجح نور الدين بعد أشهر قلائل فى الاستيلاء على دمشق فى ١٠ صفر سنة ٥٤٩ هـ (٢٥ أبريل سنة ١١٥٤)، فمنح مجير الدين أبق الأمير المهزوم حمص تعويضًا له عن دمشق، إلا أن مجير الدين لم يحتفظ بها إلا مدة قصيرة. وابتليت حمص وغيرها من مدن شمالى الشام بلاء شديدًا بالزلازل المتصلة التى وقعت سنة ٥٥٢ هـ (١١٥٧ م) فلما جاءت هزة سنة ٥٦٥ هـ (١١٧٠ م) أصابت حصونها التى قد وهنت بفعل الزلازل الأولى بأضرار فادحة.

стр. 4224

وبعد وقوع الحملة الأولى للجنود الشآمية على مصر سنة ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م) أقطع نور الدين الأمير إسفهسلار أسد الدين شيركوه حمص هى والرحبة وتدمر، وكان ذلك هو منشأ الأسرة الأسدية الحاكمة فى حمص. وتوفى شيركوه سنة ٥٦٤ هـ (١١٦٩ م) واسترجع نور الدين المدينة من ابنه ناصر الدين محمد ومنحها أميرًا آخر. وفى منتصف سنة ٥٧٠ هـ (أوائل سنة ١١٧٥ م) استولى صلاح الدين على حمص وحماة. وأعاد صلاح الدين تنظيم شمالى الشام بعد ذلك بأربع سنين فردّ حمص لابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه. وبعودة الأسرة الأسدية إلى حكم حمص أخذت على عاتقها رد فرنجة طرابلس الذين كانوا يزيدون من غاراتهم على الإقليم الغنى بالمزارع حول حمص حيث كانوا يفرون إليه بجيادهم. ولاحظ ابن جبير الذى مر بحمص سنة ٥٨٠ هـ (١١٨٥ م) أن الأسوار المحيطة بحمص كانت فى حالة جيدة. وفى سنة ٥٨١ هـ (١١٨٦ م) خلف الملك المجاهد أسد الدين شيركوه الثانى أباه فى حمص. وفى سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٥ م) قاتل هذا الملك المجاهد الاسبتارية فرسان حصن الأكراد وفى سنة ٦٠٤ هـ (١٢٠٧ م) لم يجد بدًا من الاستنجاد بأمير حلب الأيوبى الملك الظاهر غازى. وفى السنة التالية تولّى الملك المنصور إبراهيم القيادة فى حمص، فاضطر عدة مرات إلى رد البروفنساليين أصحاب طرابلس واسبتارية حصن الأكراد، وأراد أن يزيد دفاعه تمكينًا فأشرف على دعم أسوار المدينة ورمم الباب المسدود. وفى سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م) شاركت حمص فى الصراع الذى دار بين الأمراء الأيوبيين، فكان إبراهيم حليفًا للملك الأشرف صاحب حلب. وهوجمت المدينة على يد المعظم عيسى أمير دمشق. وفى سنة ٦٤٠ هـ (١٢٤٢ م) استعان إبراهيم بجنود من حمص للتغلب على الخوارزمية الذين قدموا من

стр. 4225

الشرق. وأدركته المنية فى دمشق سنة ٦٤٤ هـ وحملت رفاته إلى حمص وخلفه ابنه الأشرف موسى فى الولاية عليها. وفى سنة ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) استولى الملك الناصر الأيوبى صاحب حلب على حمص وقطع إلى حين سيادة الأسرة الأسدية عليها. وفى صفر سنة ٦٥٨ (فبراير سنة ١٢٦٠) استولى المغول عليها، واستعاد موسى أملاكه وحارب فى صفوف هولاكو فى وقعة عين جالوت وبعد هزيمته فى ٢٥ رمضان سنة ٦٥٨ (٣ سبتمبر سنة ١٢٦٠) منحه قطز الأمان وعاد إلى موقعه فى حمص. وبعد ذلك بمدة قصيرة أطيح بجيش مغولى بالقرب من حمص فقد أنزل به أميرها بمعاونة أمير حماة هزيمة منكرة. واستولى بيبرس على مقاليد الحكم فى القاهرة سنة ٦٥٩ هـ (١٢٦١ م) وأصلح القلعة فى حمص وزودها بالمئونة حتى تستطيع ردّ أى هجمة للمغول إذا عاودوا الهجوم فجأة. وتوفى الأشرف موسى سنة ٦٦١ هـ (١٢٦٢ م) ودالت بموته دولة الأسرة الأسدية التى حكمت حمص قرابة قرن من الزمان. وفقدت المدينة استقلالها. فقد حكمها من يومها نائب أمير فكانت تتبع حينًا أمير حماة وتتبع حينًا أمير دمشق. وفى سنة ٦٨٠ هـ (١٢٨٢ م) شهدت حمص انتصار قلاوون على حلف من الأرمن والمغول، ومنذ عهد محمد بن قلاوون لم يصبح لحمص أى شأن سياسى آخر. فقد كان يحكمها أمير ألف، ثم عهد بالقيادة إلى أمير الطبلخانة، وما من واحد من هؤلاء الحكام ترك أثرًا فى تاريخ المدينة. وكان النائب على القلعة مملوكًا من مماليك سلطان القاهرة. وفى تلك الأيام أقيمت دار رسمية للحمام فى حمص لتحقيق الاتصال بين قرا فى الجنوب وحماة فى الشمال. وفى ربيع الأول سنة ٦٩٩ (ديسمبر سنة ١٢٩٩) حطم غازان المماليك فى حمص ولكنه لم يبق فى الإقليم. ويروى الجغرافى الدمشقى أن حمص كانت فى ذلك الوقت أصغر ولاية فى الشام وشملت شمسين وشُمَيمس وسلمية، وألحقت نيابة

стр. 4226

حمص بنيابة دمشق. والظاهر أن الفوضى التى سادت الشام فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) لم توقف الحياة الاقتصادية فى حمص إذا أخذنا بالمرسومين المملوكيين اللذين صدرا سنة ٨١٧ هـ (١٤١٤ م) وسنة ٨٤٤ هـ (١٤٤٠ م) ذلك أنهما يدلان على الشأن الهام للنساجين فى حمص حيث ظلوا قرونا ينسجون الصوف عامة والحرير خاصة منافسين الإسكندرية فى قيمة منسوجاتهم وجمالها. وعمد تيمورلنك بعد استيلائه على حلب سنة ٨٠٣ هـ (١٤٠٠ م) إلى الاستيلاء على حماة وحمص قبل أن يحتل دمشق. وفى القرن التالى لم يقع حادث له شأن فى حمص، وتعرضت منطقتها لغارات السلب والنهب يشنها البدو. وفى سنة ٩١٦ هـ (١٥١٠ م) وقعت حمص تحت تهديد قبيلة آل فضل بن نُعَيْر القوية الشوكة. وأنقذت من هذا التهديد بمعونة سيباى أمير دمشق، واغتنم سيباى هذه الفرصة وغنم غنائم وافرة من الجمال والأغنام وأخضع السلطان سليم العثمانى الشام سنة ٩٢٢ هـ (١٥١٦ م) فأصبحت حمص لواء من الألوية الخمسة الملحقة بطرابلس. وتوفى السلطان سليم سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) فنادى جانبر دى الغزالى أمير دمشق بنفسه أميرًا مستقلا واستولى على طرابلس وحمص وحماة. ومنح منصب والى حمص للمقدم ابن حرفوش. وبين أيدينا صورة لحمص فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) دبجها قلم بيير بلون Pierre Belon, إذ قال فى وصفها إنها مدينة جيدة الأسوار من الحجر المنحوت وقلعة بناها الرومان فى قوله. والأسوار المحيطة بها بقيت كما هى لم تمس. أما داخل الأسوار فإن المدينة فى رواية هذا الرحالة الفرنسى "ليس فيها شئ جميل يشاهد إلا السوق والبزستان اللذين شيدا على الطراز التركى. وحدث فى عهدى سليمان الأول وسليم الثانى أن توفرت عدة مساحات للأراضى، وإحصاءات لعدد الذكور البالغين من السكان وخراج المكوس والرسوم التى جبيت من مدن الشام وولاياته" (انظر عن حمص:

стр. 4227

The Ottoman archives as a: B. Lewis source for the history of Arab Lands فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، سنة ١٩٥١، ص ١٥٢ - ١٥٣). ونستطيع أن نستخلص من اللوائح المالية العثمانية معلومات عن النشاط الاقتصادى فى حمص لذلك العهد، وأصبح اليوغورت الذى جلبه التركمان إلى حمص يصدر حتى بلغ دمشق وكانت الطواحين المائية التى تطحن الحنطة والسمسم كثيرة، كما كانت عصارات الزيت ناشطة كل النشاط. وظلت الأعناب من أهم موارد حمص وكان يتوفر لها محصولات جيدة من الأرز تضاف إلى محصولات البطائح المزروعة لتوفير الغذاء للمدينة وكانت الصناعة الأولى هى النسيج. وكانت حمص من أهم المراكز التى يصنع فيها الحرير، ذلك أن أشجار التوت التى تقوم فى جوارها كانت تغذى ديدان القز، وكان ينسج فى حمص المنسوجات المرقشة تتخللها خيوط الذهب وتصدّر حتى بلغت استانبول وكانت تتجمع فى حمص الإبل والماشية العابرة من دمشق إلى حلب، فتلقى قطعان الأغنام والماعز القادمة من حلب وحماة إلى دمشق. ودمر العثمانيون خلال القرون أبواب الأسوار فى حمص واحدًا بعد الآخر، مما حمل فولنى Volney على وصف حمص سنة ١٨٧٥ قائلا إنها: "مدينة كانت من قبل منيعة عامرة بالسكان ولم تعد بعد إلا قرية خربة واسعة بعض الاتساع لا يسكنها أكثر من ألفى نفس بعضهم من الإغريق وبعضهم من المسلمين. وفى البلدة يقيم أغا يلى من باطن باشا دمشق جميع أراضى الريف حتى تدمر. وكان إيجار المزارع يعطى للباشا وقدره ٤٠٠ كيس أو ٥٠٠,٠٠٠ ليرة، ولكنها كانت تدر أربعة أضعاف ذلك" (انظر Volney، طبعة سنة ١٨٢٣، جـ ٣، ص ١٨ - ١٩). وكان الأغا ينتسب إلى أسرة من أهل حمص. وفى سنة ١٢٤٦ هـ (١٨٣١ م) وقعت حمص فى يد المغامرين، ثم خضعت لسلطان إبراهيم باشا الذى ظل حتى سنة ١٢٥٦ هـ (١٨٤٠ م) ممثلا لسلطان محمد على فى الشام. وفى تلك

стр. 4228

الأيام قامت فى المدينة فتنة خطيرة بنوع خاص حتى أن الجنود المصريين لقوا صعوبة فى إخمادها. وكان من آثار هذه الفتنة تدمير القلعة كلها تقريبًا. وبعد سنة ١٨٤٠ عادت المدينة فخضعت للحكم العثمانى. وحمص مركز زراعى هام ومدينة صناعية ناشطة، وبها مدرسة حربية، وهى قصبة محافظة وقد بلغ عدد سكانها سنة ١٩٢٠: ٥٠,٠٠٠ نسمة، زادوا على ١٣٠,٠٠٠ نسمة سنة ١٩٦٢ خمسهم من النصارى ومعظم هؤلاء من الأروام الأرثوذكس. وسهل حمص ينتج الحبوب وخاصة الشعير والحنطة، وفيه مزارع مترامية الأطراف فى شرقيه. وتحيط بحمص من جميع النواحى آثار عدة لقنوات تشهد بالجهود التى بذلها الإنسان قرونًا لإستغلال الأرض وأقيمت بتشجيع الدولة عدة قرى جديدة على محلات قديمة، ومن السمات الأصلية لإقليم حمص ملكية الفلاحين، ذلك أن المزارع هو مالك الأرض التى يعمل فيها. زد على ذلك أن أصول الاقتصاد الزراعى تبلغ شأوًا عظيمًا من الكمال. فتجد هناك علاوة على الشعير والحنطة الأذرة (وهى تنحدر منذ سنة ١٩٤٠) والعدس والقطن (تشجع زراعته منذ سنة ١٩٤٠) وكذلك سكر البنجر الذى زرع منذ سنة ١٩٤٩. أما الأشجار التى تنمو فهى الجوز والزيزفون والسرو، وأشجار الفاكهة كالمشمش والرمان والكمثرى والتفاح والبرقوق. وقد ظلت الأعناب تنمو شرقى حمص فيما وراء البطيحة وفى منطقة وأر البازلتية على الضفة اليسرى لنهر العاصى من أهم موارد البلاد منذ القدم. وقد امتدح خمرها الأخطل أيام الأمويين، وهو محصول اقتصادى على أعلى درجة، ذلك أن الكروم لا تعالج بسلفات النحاس أو تخمّر، وهى لا ترفع مستندة إلى حوامل بل إن الفروع تنمو مفترشة الأرض وتباع الأعناب طازجة أو مجففة أو محولة إلى دبس. وتمتد حول حمص البطائح وبساتين التسويق شاغلة مساحة تقرب من

стр. 4229

١,٢٠٠ هكتار، وهى أكبر رقعة خضراء فى وادى العاصى، وأكبر جزء فى منطقة الوادى المروية تكثفت فيه الزراعة إلى أقصى حد، وهذه البساتين عمادها الآن ملكيات صغيرة (صيفية) تبلغ مساحة كل منها فى المتوسط ٣٠ دونمًا ومعظمها تملكه أسرة واحدة، وهى ثمرة من ثمار إنسان دؤوب استفرغ الجهد فى عمل دام قرونًا. وحمص سوق هامة. ولا تربط أهلها بالهضبة الغربية إلا صلات قليلة، فهم يؤثرون الاتجار مع القبائل البدوية، إذ لا توجد عوائق تفصلهم عن الصحراء ففى الصيف يقبل البدو مصعدين إلى نهر العاصى يشترون من الأسواق، على حين يتلقى أهل حمص منهم منتجات الألبان ويعهدون إلى هؤلاء البدو رعى قطعانهم. وحمص مركز هام للاستهلاك تأخذ المحصولات الزراعية وتعطى البلاد الملابس والأمتعة المصنوعة. وقد ظلت الصناعة فيها قرونًا. فالحنطة والشعير تعالجان ليستخرج منهما النشا اللازم لصقل المنسوجات وفيها صناعة كبيرة للدبس، وبقيت حتى تاريخ حديث ست عشرة معصرة. وكان فى حمص سنة ١٩٤٩ مصنعان لمعالجة السمسم واستخراج السراج أو الطحينة. على أن النسيج ظل أهم صناعاتها وعماد تجارتها. ذلك أن أقمشة حمص وحرائرها اشتهرت منذ أوائل القرون الوسطى فى أسواق العالم وقبل سنة ١٩١٤ كان فى حمص ٤,٠٠٠ نول تستخدم ٣٠,٠٠٠ عامل. والمدينة تصدر اليوم منسوجاتها من القطن والحرير إلى مصر والعراق. وأقيمت مصانع حديثة فى حمص ومنطقتها، وهناك مطحنتان للدقيق (١٩٣٨) ومعصرة، ومصانع للنشا، ومصنع للدبس، ومصنع للسكر، ومصنع للزيت النباتى يستخرجه من بذرة القطن وعباد الشمس (١٩٥١). ثم نذكر أخيرًا أن المرء يستطيع أن يرى على مسافة بعيدة خزانات البترول تتألق فى الشمس، على حين تفصح المداخن الطويلة عن وجود معمل هام لتكرير الزيت وينقل الزيت فى خط من

стр. 4230

الأنابيب من كركوك إلى طرابلس أو بانياس، على أن بعضه يكرر فى حمص سدًا لحاجات البلاد. وتقوم حمص فى مفترق طرق هامة ثم هى إلى ذلك مركز زراعى وصناعى، ومن ثم فإن لها شأنًا رائدًا فى الاقتصاد السورى. آثارها أوشك السور القديم القائم الزوايا أن يختفى سنة ١٨٩٥ حين مر فان برشم بحمص سنة ١٨٩٥ أما أبوابه فلم يبق إلا اسمها وبعض الحجارة لم تزل تدل على بعض الأبواب. وحول المدينة امتدادًا من الشمال الشرقى: باب تدمر حيث يبرز من المدينة منحدر يضم آثارًا هلينية وإلى الجنوب خندق واسع عميق يساير السور الدفاعى الذى دعّم بأبراج مدورة ومربعة لا تزال أطلالها ظاهرة للعيان؛ وباب الدُرَيْد ولم يبق منه إلا الاسم المسمى به الحى القائم فى الركن الجنوبى الشرقى من المدينة، وتقوم فى الجنوب كتل ضخمة من الحجر تدل على موقع باب السباع. وعلى مسافة غير بعيدة من هذه الكتل باب التركمان. ثم الباب المسدود على الجانب الغربى، وقد رمم عدة مرات فى القرون الوسطى، وهو لا يزال فى مظهره يدل عن أثر جيد التحصين فيه بقايا من قواعد عمد. ويكتنف هذا الباب من ناحيتيه برج مربع والطريق الذى يرتد فى اتجاه شمالى يسمى شارع الخندق، مما يذكر بالخندق الذى اندثر، وثمة باب آخر هو باب هود ينفتح على السور قبل أن يبلغ المرء الركن الشمالى الغربى الذى تحدد ملامحه ثلاثة أبراج مدورة لا تزال قائمة. ونجد أخيرًا بابًا ينفتح فى الواجهة الشمالية بالقرب من المسجد الجامع وهو باب السوق، وقد اندثر الآن. القلعة: وفى الركن الجنوبى الشرقى من المدينة تقوم القلعة المشرفة على المدينة التى تبدو منها كالظل، إذ ترتفع أكمة قطرها ٢٧٥ مترًا. والمظنون أن هذا التل، الذى يبدو صناعيًا، من أصل حيثى أو آرامى. ووصف القلعة

стр. 4231

رحالة متعددون حتى بداية القرن التاسع عشر. وقد دمر إبراهيم باشا القلعة سنة (١٨٣١ - ١٨٤٠) , ولم يترك بداخلها إلا جامع السلطان الذى لم يبق له أثر الآن. وكل ما بقى فى واجهته الشمالية جزء من برج له أهمية خاصة إذ رسم سنة ١٩٥٢، وعليه نقشان يرجعان إلى سنة ٥٩٤ هـ (١١٩٨ م) وسنة ٥٩٩ هـ (١٢٠٢ م) باسم الملك المجاهد شيركوه الأسدى. ولم يبق من القلعة الأيوبية المملوكية إلا قليل من الحجارة، والأحدور، وصهريج ضخم، وقطع ممتدة من الأسوار وأبراج مربعة نال منها الخراب تشرف على الخندق. المساجد: ومعظم المساجد القديمة فى حمص وخاصة المسجد الجامع ومسجد أبى لبادة ومسجد الفضائل، ومسجد العُمَرى، ومسجد السراج، تشترك فى ثلاث خصائص: المئذنة ورواق الصلاة والمصطبة، والمئذنة مربعة يبلغ طولها نحوًا من عشرين مترًا. وفى قاعدتها أسس من حجارة ضخمة وقواعد عمد وحجارة مستعملة بعضها عليه قطع من نقوش إغريقية، وإذا ارتفعنا عن ذلك وجدنا أساسات من البازلت أقل ضخامة. وعلى قمة كل واجهة تنفتح فسحة مزدوجة عالية تعلوها أسطوانة مثمنة الشكل تحمل هى نفسها قبة مطلية بالجير. أما رواق الصلاة المسقوف بسلسلة من العقود ذوات الروافد وقد زود بمرافق للوضوء، فينفتح بأبواب ضخمة على صحن المسجد، وتقوم إلى الشمال من الصحن مصطبة تظلل بعضها كرمة، وهى تستخدم للصلاة فى العراء. مسجد نور الدين الجامع: وهو يقوم فى شمالى المدينة وسط الأسواق. وامتداد موقع المحاريب يحملنا على الذهاب بأن هذا المسجد أقيم على موقع معبد الشمس وكاتدرائية القديس يوحنا التى كان صحنها الأمامى يشغله فيما يقال المسجد الأصلى. ومسجد نور الدين عمارة ضخمة قائمة الزوايا محورها الأساسى يتجه اتجاهًا شرقيًا غربيًا. وللمسجد بابان، الباب الغربى ويؤدى من الطريق إلى الصحن، والباب

стр. 4232

الجنوبى ينفتح على حى باب السوق ويؤدى بدهليز معقود إلى رواق الصلاة. وهذا الرواق طوله ٩٩ مترًا وعرضه ١٧ مترًا، وله باحتان طويلتان تغطى كلّا منهما عقود ذات روافد. وكل محراب من المحاريب الثلاثة التى فى الجدار الجنوبى يكتنفه عمودان من المرمر الأبيض. ولا يزال المحراب الأوسط تحمل محارته فسيفساء مذهبة يمكن أن تكون أقدم من القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). وإلى الشمال من هذا المحراب باب ينفتح على حجرة مربعة يضيئها مصباح وهى مخصصة للنقشنبدية وينفتح رواق الصلاة على صحن المسجد من خلال أحد عشر بابًا واسعًا. وهذا الرواق المستطيل له مصطبة مرصوفة بالمرمر الأسود والأبيض وقد زود بحوض صغير للوضوء. وثمة حجر على النمط القوطى قوِّس بحدة وثقب حتى يستخدم محرابًا. وإلى الشمال تحت ظلة ذات عمد انفتحت سبع حجرات، فى حين زود الجزء الغربى من هذا الرواق بصنابير لزوم الوضوء. وبالقرب من المسجد الجامع، فى السوق التى إلى الغرب، كانت تقوم قبة تعلوها دوارة للريح فى صورة تمثال صغير من النحاس يقف فوق سمكة. وكانت هذه القبة تعد طلسمًا يقى من العقارب. ويقوم فى الوقت الحالى نحو من خمسة عشر حمامًا لا تزال تستعمل، وأروجها حمام صفاء، وحمام السراج، والحمام العثمانى. ويقوم هذا الحمام فى سوق الصباغة، وهو وقف على المسجد. ويستبين من خطته أنه فيما يظهر أقدم حمام فى حمص. وبقى فى حمص من أيام القوافل حوالى عشرين خانًا، اتخذ بعضها حظائر للحافلات. صحيح أن خان السبيل حيث نزل الرحالة ابن جبير اندثر، إلا أنه قد بقى خان أسد باشا، وخان الحرير الذى هو فى حقيقة الأمر قيسارية ظل الحرير يباع فيها قرونًا.

стр. 4233

أما الأسواق التى كانت مبلطة فى القرون الوسطى فقد رصفت الآن بالقرميد، ولم يقتصر الرواج الشديد على سوق المنسوجات بل تعدى ذلك إلى سوق الصاغة وجيرانهم صناع الصناديق. ويقوم سوق دكاكين الفطائر فى الوسط، فى حين تقوم أسواق الخضر ومنتجات الألبان فى طرف المنطقة التجارية هى وصناع الصناديق والسروجية وصناع المعادن والحدادين. المزارات: المزارات متعددة خارج المدينة القديمة (الهروى: الزيارات، ص ٨ - ٩). وأكثرها إقبالا من الناس جامع خالد بن الوليد القائم فى الضاحية الشمالية، وترجع شهرته إلى العصر الأيوبى على الأقل، وقد احتفظ بهذه الشهرة فى أيام المماليك. ويقال إن خالد ابن الوليد الذى توفى فى المدينة دفن فيه هو وزوجته فضّى. ويعجب ياقوت من ذلك متسائلا ألا يكون من الأقرب أن يكون هذا المسجد ضريحًا لخالد بن يزيد بن معاوية الذى شيد القصر الذى بجواره أو لخالد بن عياض بن غنم القرشى الذى فتح الجزيرة، وكان الضريح الأصلى يقوم بجوار المسجد. وقد غير من ذلك صلاح الدين ثم السلطان بيبرس سنة ٦٦٤ هـ. (١٢٦٥ م). وقد قام الملك الأشرف خالد بن سيف الدين قلاوون بعمارات هناك سنة ٦٩١ هـ (١٢٩٢ م). وفى سنة ١٣٢٦ هـ (١٩٠٨ م) دمر هذه الجامع كله وأعيد بناؤه بالطراز العثمانى على نسق مساجد إستانبول، وقام بذلك ناظم باشا والى الشام. ورصد السلطان عبد الحميد ٦,٠٠٠ دينار لعمارة به تمت سنة ١٣٣١ هـ (١٩١٣ م). فقد علت رواق الصلاة الذى يكاد يكون مربعًا (٣٢ فى ٣٠ مترًا) سبع قباب، ترتفع القبة الرئيسية التى يبلغ قطرها ١٢ مترًا، ٣٠ مترًا، وتقوم على أربعة عمد متينة. وأقيم متنزه عام حديثًا من المقبرة الواسعة التى تحيط بهذا المسجد. وبعض القبور تعود إلى أيام الرومان، يشهد بذلك الضريح الذى وجد هناك. ونذكر من المزارات خارج باب دريد: مقام كعب الأحبار، وهو مسجد فى

стр. 4234

الطابق الأعلى. وفى المقبرة المجاورة بناء مربع متسع بعض الشئ فوقه قبه، وهو مقام جعفر، ويقوم على مبعدة منه وسط مقابر من البازلت طليت بالجير عقد كبير الحجم يدل على مقام عبد العزيز. ويقوم فى حمص أيضًا قبران لأميرين أيوبيين هما مسجد الخضر إلى الجنوب من المدينة حيث دفن الملك المنصور إبراهيم المتوفى سنة ٦٤٤ هـ (١٢٤٦ م فى دمشق)، وتقوم داخل الجدران تربة الملك المجاهد أسد الدين شيركوه الثانى، وهو بناء مكعب نالت منه يد التخريب كثيرًا تحيط به أسطوانة قائمة الزوايا لها قبة من الآجر. وقد تطلبت مقتضيات التخطيط الحديث للمدن اختفاء تكية الدراويش المولوية سنة ١٩٥٠، وكانت من قبل تقوم غربى المدينة بالقرب من دار الحكومة الحالى، وكانت هذه التكية ترجع إلى سنة ٤٨٠ هـ (١٠٨٧). وأخيرًا نذكر دارين واسعتين خربتين قائمتين، هما بيت الزهراوى وبيت الملاح، من آثار العز القديم. أما الكنائس العشر القائمة فى حمص فليس لواحدة منها أية قيمة أثرية كبيرة، ويصدق هذا على كنيسة مار إليان للأروام الأرثوذكس، وعلى الكرسى السابق للبطرق السريانى الكاثوليكى ونعنى بها كنيسة أم الزَنّار، ذلك أن الكنيستين كلتيهما من العمائر الحديثة. وخارج الأسوار تقوم عدة طواحين مائية تطحن الحبوب على نهر العاصى، أقدمها طاحونة السبعة التى يدل نقشها على أنها ترجع إلى سنه ٨٢٤ هـ - (١٤٢١ م) وطاحون الخصوبة التى ترجع إلى سنة ٩٧٥ هـ (١٥٦٧ م) كما يدل النقش التركى الذى عليها، وطاحون الميماس، وليس عليها نقش يدل على تاريخها. المصادر: جغرافيتها: (١) G. Le strange: Palestine.

стр. 4235

(٢) Topographie de la: R. Dussand Syrie باريس سنة ١٩٢٧، ص ١٠٣. (٣) La vie rurale en Syrie: A. Latron et au Liban، بيروت سنة ١٩٣٦. (٤) L'Oronte etude de: J. Weulerre Fleuve . تور سنة ١٩٤٠. (٥) Le Probleme de l'eau: N. Mously en syrie، ليون سنة ١٩٥١ ص ٢٣٣ - ٢٤٧. (٦) Le pays de Homs,: A. Naaman -etude de regime agraire et d'economie ru rale (رسالة مكتوبة بالآلة الكاتبة سنة ١٩٥١). (٧) La Med-: J. Birot & J. Dresch iterranee et le Moyen Oriemt، جـ ٢، باريس سنة ١٩٥٦، الفهرس. تاريخها القديم: (١) - Pauly - Wis sowa، جـ ٥، ص ٢٤٩٦. (٢) Dict. Archeologie Chre-: Cabrol tienne et Liturgie، باريس سنة ١٩٢١، جـ ٤ - ٢ مادة Leclercq) Emesene). (٣) Aubert & van Cauwenbergh: -Dict. Histoire et geographie Ec clesiastiques، باريس سنة ١٩٦١، العدد ٨٥، مادة Emese، ص ٣٩٧ - ٤٠٠. النصوص العربية (١) ابن العديم: تاريخ حلب، جـ ١، جـ ٢، تحقيق الدهّان، دمشق سنة ١٩٥١ - ١٩٥٤. (٢) ابن جبير، الرحلة، الترجمة الفرنسية بقلم Gaudefroy - Demombynes باريس سنة ١٩٥٦، جـ ٣، ص ٢٨٩ = الترجمة الإنجليزية بقلم Broadhurst, ص ٢٦٧ - ٢٦٨. (٣) الهروى: الزيارات تحقيق- J. Sourdel Thomine، دمشق سنة ١٩٥٣، ص ٨ - ٩. (٤) ياقوت، جـ ٣، ص ٣٣٥ (ينقل عن الهروى). (٥) ابن بطوطة، جـ ١ ص ١٤٠، ترجمة كب، كمبردج سنة ١٩٥٦، جـ ١، ص ٩٠. (٦) وصفى زكرياء: جولة آثارية فى بعض البلاد الشآمية، دمشق سنة ١٩٣٤.

стр. 4236

(٧) سليم عادل عبد الحق: بحث موجوز فى تأريخ مدينة حمص وآثارها فى ASAS، جـ ١٠، سنة ١٩٦١، ص ٥ - ٣٦. تاريخها وآثارها (١) أوليا جلبى: سياحتنامه، جـ ٩، إستانبول سنة ١٩٣٥، ص ٢٤٣. (٢) Voyage en Egypte et en: Volney Syrie، تحقيق Gaulmier، لاهاى سنة ١٩٥٩، ص ٣٣٠. (٣) Mittelsyrien und: A. von Kremer Damaskus فينا سنة ١٨٥٣، ص ٢١٩. (٤) Arabische Ins-: M. van Berchem chriften فى E.Fatio & F. von Berchem: Voyage en Syrie, القاهرة سنة ١٩١٤. (٥) La digue du lac de: R. Dussaud Homs et le mur egyptien de Strabon فى Monuments Piot جـ ٢٥، سنة ١٩٢١ - ١٩٢٢، ص ١٣٣. (٦) L'enceinte Primitive: J.Sauvaget de la ville d'Alep فى MIFD، سنة ١٩٢٩، ص ١٣٣ - ١٥٩. (٧) Etudes sur le siecle: H. Lammens des Omeyyades، بيروت سنة ١٩٣٠، الفهرس. (٨) L'architecture mu-: J.Sauvget sulmane en Syrie فى Revue des Arts Asiatiques, جـ ٨، سنة ١٩٣٤، ص ٢١، ٢٨. (٩) Histoire des Croi-: R: Grousset sades. فى ثلاثة مجلدات، باريس سنة ١٩٣٤ - ١٩٣٦, الفهرس. (١٠) Damascus, Studies: E. Herzfeld in Architecture, جـ ٢ فى - Ars Is Iamiea جـ ١٠، سنة ١٩٤٣، ص ٦٦ - ٧٠. خورشيد [إليسيف N. Elisseeff] + " حمص" معركة: أول امتحان كبير بين المماليك والمغول وقع فى حمص سنة ٦٨٠ هـ (١٢٨١ م) بعد معركة عين جالوت بأكثر من عشرين سنة. صحيح أن المعركة كسبها قلاوون، ولكن المخطط الحقيقى لها كان بلا شك السلطان بيبرس الذى أقام فى السنة السابعة عشرة من حكمه

стр. 4237

(٦٥٨ - ٦٧٦ هـ = ١٢٦٠ - ١٢٧٧) عدّة حربية أثبتت أنها بلغت من القدرة ما استطاعت به أن تحطم أقوى الجيوش طرًا التى قذف بها المغول الإيلخانية فى ميدان القتال ولو أن هذه العدة اضمحلت بعد أربع سنوات من وفاة بيبرس. وكان المماليك فى وقعة عين جالوت عدوا جديدا لم يكن للمغول به عهد، ومن ثم نالت منهم المفاجأة. على أنه ما إن وقعت وقعة حمص حتى كان المغول قد خبروا كل الخبرة جيش المماليك إذ كانوا نازلوه فى سلسلة طويلة من المعارك. ومن ثم أقبلوا على حمص وقد اكتملت عدتهم وتجهزوا لها أكمل تجهيز. وشاهد ذلك ما لاحظه بيبرس المنصورى بحق بأنه لم يحدث من المغول قط أن ساروا إلى الشام بمثل هذه الجيوش الجرارة. ومن ثم فإن انتصار حمص كان انتصارا مشهودا يفوق كل نصر سبقه (ورقة رقم ١١٧ أ، س ١٢ - ١٧). وقد وقعت المعركة فى وطاء من أرض حمص قرب مشهد خالد بن الوليد وكانت عدة الجيش المغولى ٨٠,٠٠٠ مقاتل، خمسين ألفا منهم مغول فى رواية، وأربعة وأربعين ألفا فى رواية أخرى أما البقية فكانوا من الكرج والروم والأرمن والفرنجة. وتقدم الجيش المغولى حتى جناح ميمنته حماة وبلغت ميسرته سلميّة. أما قلبه وقوامه ٤٤,٠٠٠ مقاتل فكان يقتصر على المغول. وقد استقر عزمهم على شن هجوم كثيف على قلب جيش المماليك. وكانت ميمنة المغول بالغة القوة (وعشية المعركة زود آبق من المغول المماليك بمعلومات قيمة عن قوة الجيش المغولى. وقبل هذا زود آبق من المماليك المغول بمثل ذلك من المعلومات عن قوة جيش المماليك). ولم تذكر المصادر عدة جيش المماليك. وقد قسم هذا الجيش ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحين وجاليش. وكانت الميمنة تضم أمير حماة الأيوبى وعددا من أمراء المماليك بجيوشهم الخاصة. ووضع فى مقدمة الميمنة بدو الشام بقيادة عيسى بن مُهنّى. وقد دعمت الميسرة وفقا

стр. 4238

للتحذيرات التى قدمها الآبق المغولى، وكانت تتألف من ظاهرية بيبرس بقيادة سنقر الأشقر، وعدد من أمراء المماليك بجيوشهم الخاصة، وكان فى مقدمة الميسرة التركمان وجنود حصن الأكراد. أما الجاليش الذى هو طليعة القلب فكان يتألف من نائب السلطنة وغيره من الأمراء بجيوشهم الخاصة وعدد لم يحدد من مماليك قلاوون. وكان السلطان قلاوون فى القلب فى ظل الأعلام السلطانية وفى صحبته ٤,٠٠٠ جندى من نخبة جنود الحلقة و ٨٠٠ جندى من المماليك السلطانية وعدد غير محدد من مماليك. ولم تذكر المصادر مم تألف الجناحان. وقبيل المعركة اختار السلطان ٢٠٠ من مماليكه الخاصة، وترك لواءه ومضى معهم إلى قمة تل يشرف على المعركة وكان أى "طُلْب" يتمزق يزود بمدد بناء على أوامره. وسددت ميسرة التتر ضربة ثقيلة إلى ميمنة المسلمين ولكن هذه الضربة لم تمزقها. وفى الجانب بادرت ميمنة المصريين بكرّة اكتسحت ميسرة التتر. وفى الجانب الآخر من ميدان المعركة نجحت ميمنة التتر فى إلحاق هزيمة ثقيلة بميسرة المصريين. وبذلك ألحقت هزيمة منكرة بجناح القلب الأيسر. ولم يكن الجناح المهزوم من المماليك ولا الجناح المظفر من التتر لديهما أية فكرة عما يدور فى الطرف الآخر من ميدان المعركة وتابعا الفرار والمطاردة. وبلغ جزء من ميسرة المماليك المهزومين هزيمة نكراء صفد، وبلغ جزء آخر دمشق، وبلغ جزء ثالث بعيدًا حتى بلغ غزة. وتوقف التتر الذين يطاردونهم بعد لحظة، وترجلوا منتظرين أن يلحق بهم بقية الجيش المغولى، ولم يظهر الباقون من زملائهم فاستقر عزمهم على الرجوع إلى ميدان المعركة. وهنالك مضى المسلمون فى انتصاراتهم، ولكن قواهم كانت قد وهنت. على أن الحظ كان حليف المسلمين، ذلك أن القائد المغولى منكو تيمور وهم بأن الجيش الذى يواجهه لم يزل قويًا بالغ القوة.

стр. 4239

والحق أن قلاوون ترك وليس معه إلا ٣٠٠ من الفرسان (فى رواية) و ١٠٠٠ فارس (فى رواية أخرى) وبهذه القوة الصغيرة هاجم قلاوون التتر وهزمهم. وفى هذه الأثناء عادت ميسرة التتر إلى ميدان المعركة. وأراد قلاوون أن يخفى ما جرى لجيشه من التتر العائدين، فأمر طبوله بالسكوت وطويت اللواءات السلطانية ونجحت خدعته، ذلك أن التتر مروا به دون أن يلاحظوا شيئًا. وما أداروا له ظهورهم حتى هاجم مؤخرتهم وألحق بهم هزيمة منكرة. وزاد عدد قتلى التتر فى تقهقرهم كثيرًا عما فقدوه من القتلى فى المعركة. المصادر: (١) بيبرس المنصورى: زبدة الفكرة، المتحف البريطانى، المخطوطات الإضافية ٢٣، ٣٢٥، الأوراق من ١١٢ ب إلى ١٢١ ب. (٢) المقريزى: السلوك، جـ ١، ص ٦٩٠ - ٦٩٩. (٣) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، القاهرة سنة ١٩٣٤ - ١٩٤٢, جـ ٧، ص ٣٠٣ - ٣٠٥. (٤) أبو الفداء: المختصر، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ٤، ص ١٤ - ١٥. (٥) المفضل بن أبى الفضائل: النهج السديد ضمن Patrol .Or، جـ ٢٤، ص ٤٩١ - ٤٩٣. (٦) ابن الفرات: تاريخ الدول والملوك، بيروت سنة ١٩٣٦ - ١٩٤٢. جـ ٧، ص ٢١٤ - ٢١٨. وتجد أوصافًا مختصرة فى: (٧) A. History of: S.Lane - Poole Egyptian in the Middle Ages الطبعة الثانية، لندن سنة ١٩١٤، ص ٢٧٩ - ٢٨٠. (٨) L'Egypte arabe: G. Wiert, باريس سنة ١٩٣٧، ص ٤٤٥ - ٤٤٨. (٩) A History of the: S. Runciman Crusades، جـ ٣، كمبردج سنة ١٩٥٤، ص ٣٩١ - ٣٩٢. خورشيد [آيالون D. Ayalon]

стр. 4240

حماد، بنو أسرة حاكمة بالمغرب الأوسط (سنة ٤٠٥ - ٥٤٧ هـ = ١٠١٥ - ١١٥٢ م) تعادل أسرة بنى زيرى فى بلاد البربر الشرقية، وقد نسبت إلى مؤسسها حماد بن بلكين بن زيرى بن مناد. وحدث أن كانت لأمراء صنهاجة وبنى زيرى ونواب الفاطميين وأقيالهم فى المغرب، أطماح إفريقية فأدى ذلك إلى الفُرقة بين المغرب الأوسط وإفريقية عينها. وفى أيام الخليفة الثانى من خلفاء بنى زيرى، المنصور بن بلكين حاول عمه أبو البهار بن زيرى، أن يقيم مملكة فى المغرب الأوسط (سنة ٣٧٩ - ٣٨٣ هـ = ٩٨٩ - ٩٩٣ م). ولكن محاولته باءت بالخيبة. وهنالك كتب على باديس خليفة المنصور أن يواجه فورة عاتية لقبيلة زناتة انطلقت من تاهرت إلى طرابلس منذ سنة ٣٨٦ هـ (٩٩٦ م) واكتسحته آخر الأمر سنة ٣٩١ هـ (١٠٠١ م)، ومعظم الفضل فى ذلك يرجع إلى عمه حماد بن بلكين. وفى سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ - ١٠٠٥ م) عهد إلى حماد بتهدئة الغرب الجامح، ولم يقم قط باستدعائه أو بالتنازل له عن آشير، والمغرب الأوسط, أو أية بلدة كان قادرًا على فتحها. وبلغ من نجاح حماد أنه أسس سنة ٣٩٨ هـ (١٠٠٧ - ١٠٠٨ م) مدينة جديدة إلى الشمال الشرقى من مسيلة، متطلعا أن تكون حاضرة لملكه، وهي القلعة الشهيرة (قلعة حماد/ قلعة بنى حماد/ القلعة. ولم يمتثل حماد لأمر باديس بتسليم جزء من أراضى قسنطينة إلى ولى عهده، وانتقض عليه هو وأخوه إبراهيم سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٥ م). ١ - حماد بن بلكين (سنة ٤٠٥ - ٤١٩ هـ = ١٠١٥ - ١٠٢٩ م). قطع حماد علاقته بالفاطميين فى القاهرة، وأعلن ولاءه للعباسيين فى بغداد؛ ومن ثم خرجت مملكة بني حماد إلى حيز الوجود. وحاصر باديس القلعة، وبعد ستة أشهر حقق انتصارا حاسما سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٥ م)؛ ولكن المنية أدركته، حينما كان فيما يظهر على وشك أن يجبر عمه على الطاعة فى أواخر سنة ٤٠٦ هـ (مايو سنة ١٠١٦ م). وقد وجه
следующие страницы →