نَوْبَخْت الشيعية المتضلعة. وقد اتصل بهذه الأسرة، لاسيما بإسماعيل بن أبى سهل النوبختى، بصداقة وثيقة، غير أن هذه الصداقة لم تمنعه من أن ينظم فيه هجاء جارحًا (الديوان، ص ١٧١). وعلى هذا فالتأكيد بأن النوبختيين قتلوه مجرد فرية فيما يرجح، وخاصة أن هذه الأسرة عنَّت نفسها حتى بآخرة بجمع أشعار أبى نواس وأفاد حمزة الإصفهانى بالأخبار الماخوذة عنهم (انظر مخطوط مكتبة فاتح، رقم ٣٧٧٣، ورقة ٣ وجه).
ونقَّاد الأدب العربى أنفسهم يعدّون أبا نواس ممثل شعراء المدرسة الحديثة (المحدثين): "كما كان امرؤ القيس عند القدامى كان أبو نواس عند المعاصرين" (مكتبة فاتح رقم ٣٧٧٣، ورقة ٧ ظهر)؛ وليس على الأكثر غير بشّار بن بُرْد من يمكن أن يباريه. ومع أن مدائح أبى نواس بقيت بعامة تستخدم القالب التقليدى (انظر مثلًا: الديوان، ص ٧٧، المديحة المعروفة باسم "المنهوكة" التى قيلت فى الفضل بن الربيع والتى خصها ابن جنِّى بشرح مستفيض) فإن القوالب القديمة، لاسيما قوالب النسيب، اتخذت على خلاف ذلكء هدفًا لسخريته، واستهل مرة دون تمهيد:
"لا أندب الربع قفرًا غير مأنوس. . ." (مكتبة الفاتح، رقم ٣٧٧٥، الورقة ١٢ ظهر) وبدلاً من بكائه المكان السالف العامر بالمحبوب فإنه يبكى الحانات لدثورها ويندب غيبة الندماء نأيا وشتاتًا (انظر أيضًا القصيدة التى ترجمها H. Ritter في Orientalia جـ ١، إستانبول سنة ١٩٣٢ م).
وكان أبو نواس أجود ما يكون فى تغنيه بالخمر واللواط، ولم يكن قادرًا فحسب على أن يتغنى بمباهج كل فى جرس متجدد دومًا، بل صور كذلك مغامراته فى ذلك الميدان فى واقعية ساخرة، كما لم يتورع عن سخريته بنفسه كما فعل فى وصف اللطمات
التى تلقاها من أيدى الشبان الذين كان يسكرهم ليعبث بهم (انظر مثلا: مكتبة فاتح، رقم ٣٧٧٥، ورقة ٢١). ومثل هذا سخرية مراثيه التى نظمها فى رثاء بدنه الذى هذه المرض (الديوان، ص ١٣١). وأقر أبو نواس بخطيئاته فى
стр. 422
صراحة ملحوظة، وكثيرًا أيضًا ما دعا قرناءه لأن يندموا ندمه، وطلب من هؤلاء الذين يلوهونه أن يتركوه وشأنه، إذ إن لومهم لا يغريه إلا بالمزيد، كما اعتزم ألا يصلح مناهجه حتى اللحد. وكان يباهى بأنه لم يترك شيئًا مما يغضب الرب إلا الشرك (الديوان، ص ٢٨١) وسخر بجميع نظم الإسلام. ولم تكن أشعاره ضد الإسلام مستمدة على أية حال من أسس عقلية، ولكنها كانت عن حبه للمتعة التى كانت أحكام الإسلام سدًا دونها. وأخيرًا عقد آماله بمغفرة الإله وعدّ نفسه كذلك أقل شأنًا من أن يؤاخذه الله بأعماله (مكتبة الفاتح، رقم ٣٧٧٥ الورقة ١٦). وقصائده فى الزهد لا تغنى فى البرهنة على أنه تاب فى شيخوخته، وقد تكون نظمت فى أحوال عارضة، أو كانت قصائد مناسبات ترجع إلى دوافع خاصة، وإلا فثمة أيضًا متناقضات صريحة فى الديوان، ولا ينبغى أن تتخذ أدلة على تغير الرأى أو مجانبة الفجور، فأبو نواس كان أكثر اهتماما بالصورة اللامحة لأفكاره منه بالقنوع بالفكرة نفسها.
وقصائد حب النساء قليلة إذا قيست بتلك التى فى عشق الغلمان، وقيل إن أبا نواس لم يقع غير مرة واحدة فى حب فتاة مولاة تسمى جَنان. ولقد صح أن حمزة الإصبهانى أنكر هذه فى إصرار وساق ثبتاً طويلاً لنساء ادعى أن أبا نواس كان يحبهن (مكتبة الفاتح، رقم ٣٧٧٤، ورقة رقم ٧٦ وجه)، غير أن هذه لم تكن غير أسماء أخذت من قصائده وقد تكون كذلك وهمية.
وديوان أبى نواس ينتظم، للمرة الأولى فى تاريخ الأدب العربى، بابًا خاصًا يحتوى على طَرْديَات، وأكثر ما تصف كلاب الصيد والصقور والخيل، وكذلك أيضًا أنواعًا مختلفة من الصيد، وهى ملحوظة لغناها بمفرداتها اللغوية. وكان لأبى نواس نماذج لهذا الضرب من وصف الحيوانات فى الشعر البدوى القديم، غير أنه اصطنع لها فيما يظهر ضربًا مستقلاً أبعد ابن المُعْتَز فى تنميته بعد ذلك.
ولغة أبى نواس وإن كان قد استخدم فيها عبارات معاصرة دارجة، فهى فى الجملة سليمة. والأخطاء التى
стр. 423
زل فيها كانت شائعة من قبل بين أسلافه. (انظر Arabiya: J. Fuck ص ٥١ وما بعدها). وفى بعض مجموعات من قصائده كلمات أعجمية تتكرر كثيرًا جدًا (انظر مثلًا "دشت بيابان، الفاتح رقم ٣٧٧٥ ورقة ٢٩، ففيها تركيب كامل لمضاف ومضاف إليه) وفى الجملة فقد أثرت الحضارة الفارسية تأثيرًا ملحوظًا فى شعره (انظر Gabrieli في oriente moderno, سنة ١٩٥٣ م، ص ٢٨٣) وكثيرًا ما نجده يشير إلى أبطال من التاريخ الفارسى، غير أن هذه لا تحمل فى الحق دلالة خاصة إذ كان العرب القدامي لهم الآخرون ذكر، ومن الصعب أن يسمى أبو نواس شاعرًا شعوبيا، فآثاره لا يستشف منها غير العناصر الثقافية للعصر العباسى التى انتشر فيها شيئًا فشيئًا أثر الطابع الإيراني.
وكانت صورة أبى نواس فى خيال العالم العربى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتلك التى كانت لهارون الرشيد الذى يمثل بدوره أبهة الخلافة. وعلى هذا دخل فى ألف ليلة وليلة ولا يزال إلى اليوم الشخصية المحببة فى القصص الشعبى حيث يقوم فى الأكثر مقام مضحك البلاط (انظر zur herkunft der urform eij: A. Schaade niger Abu Nuwas Geschichten in ١٠٠١ Zeitschr. der Deutsch, Mor- في nacht genl Gesells, سنة ١٩٣٤ م، ص ٢٥٩ وما بعدها؛ الكاتب نفسه: - Wei teres zu Abu Nuwas in ١٠٠١ nacht فى Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells سنة ١٩٣٦ م، ص ٦٠٢ وما بعدها؛ Abu Nwas in life and: W. H. Ingrams Legend، لندن سنة ١٩٣٣ م، انظر Schaade: فى Orientalische Literaturzeitung، سنة ١٩٣٥ م، ص ٥٢٥ - ٥٢٧).
ولم يقم أبو نواس نفسه بجمع أشعاره، وعلى هذا ضاع الكثير منها من ناحية، وعلى الأخص قصائده التى كتبت فى مصر فإنها بقيت غير معروفة فى العراق (انظر مخطوط مكتبة الفاتح رقم ٣٧٧٣، ورقة رقم ٤ ظهر)؛ ومن ناحية أخرى فقد عزى إليه باطلاً كثير من الأشعار ولاسيما فى الخمر وفى
стр. 424
اللواط. وديوانه موجود بتنقيحات عدة والتنقيحان الأكثر شهرة من هذه التنقيحات تعزيان إلى الصولى وحمزة الإصبهانى (انظر عن الأخير: - E. Mitt Mitteilungen des Sem- orien- في woch tal. sparacher, westasiat studien، سنة ١٩٠٩ م، ص ١٥٦ وما بعدها) وعلى حين هدف الصولى إلى استبعاد الأشعار المزيفة كلها ورتب القصائد ضمن الأبواب القائمة بذاتها على نظام هجائى لا يختلف، فإن حمزة كان أقل بصرًا بالنقد حتى أن المرء لا يستطيع أن يعرف أبدًا إذا ما كانت القصيدة المشكوك فيها سوف لا يتضح آخر الأمر أنها صحيحة.
وعلى هذا فإن ما جمع يكبر عن مجموع الصولى بما يقرب من ثلاث مرات، ويضم نحوًا من ١٥٠٠ قصيدة فى ١٣٠٠٠ بيت. هذا إلى ما أضافه إلى كثير من الأبيات من أخبار نفتقدها عند الصولى، كما أضاف إلى بعض الأبواب شرحًا؛ كما ضمنها أيضًا مجموعة ما يسمى رسالة الشآمى فى سرقات أبى نواس، وجّهت إليه من مُهلْهل بن يَمُوت. واعتمدت طبعة الوارت فى الخمريات تنقيحات الصولى، على حين أن طبعة القاهرة سنة ١٨٩٨ م اتخذت أساسها حمزة. ونحن اليوم نملك لكلا التنقيحين مخطوطات، لاسيما فى إستانبول، أحسن من تلك التى كانت متاحة فى ذلك العهد لهذه الطبعات.
المصادر:
(١) الطبعات: diwan: W. Ahiwardt d Abu Nuws I, Die Wienlieder، كريسفالد سنة ١٨٦١ م؛ وقد طبعت على الحجر فى القاهرة سنة ١٢٧٧ هـ؛ وطبعت فى بيروت سنة ١٣٠١ هـ؛ وطبعة إسكندر آصف، القاهرة سنة ١٨٩٨ م، ١٩٠٥ م؛ وطبعة محمود كامل فريد، القاهرة سنة ١٩٣٢ م؛ وطبعة النَبْهانى، القاهرة سنة ١٣٢٢ - ١٣٢٣ هـ؛ وطبعة ١. ع. الغزالى، القاهرة سنة ١٩٥٣ م.
(٢) حديقة الإيناس فى شعر أبي نواس، بومباى سنة ١٣١٢ هـ.
(٣) منصور عبد المتعالى: الفكاهة والائتناس فى مجون أبى نواس، القاهرة سنة ١٣١٦ هـ.
стр. 425
(٤) الترجمات: Di-: A. Von Kremer wan des Abu Nuwas, des grossten lyrischen rischen Dichter der Araber، فينا سنة ١٨٥٥ م.
(٥) مصادر فى سيرته: ابن قتيبة: كتاب الشعر، ص ٥٠١ - ٥٥٢.
(٦) ابن المعتز: طبقات الشعراء المحدثين، سلسلة كب التذكارية، ص ٨٧ - ٩٩.
(٧) المرزبانى: الموشح، القاهرة سنة ١٢٩٤ هـ، ص ٢٦٣ - ٢٨٩.
(٨) ابن الأنبارى: نزهة الألبّاء، ص ٩٦ - ١٠٣
(٩) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ٧، ٤٣٦ - ٤٤٩.
(١٠) ابن خلكان، رقم ١٦٩.
(١١) كتاب محدثون كتبوا عنه: بروكلمان، جـ ١، ص ٧٤ - ٧٦، قسم ١، ص ١١٤ - ١١٨، ٩٤٠؛ جـ ٣، ص ١١٩٣.
(١٢) الكاتب نفسه، المادة الأولى التى كتبها عن أبى نواس فى هذه الدائرة.
(١٣) H. Ritter. فى. I. A ..
(١٤) ابن منظور: أخبار أبى نواس، تاريخه، نوادره، شعره، مجونه، القاهرة سنة ١٩٢٤ م.
(١٥) أبو العباس مصطفى عمّار: أبو نواس، حياته وشعره، طبعة القاهرة، غير مؤرخه.
(١٦) عمر فروخ: أبو نواس شاعر هارون الرشيد ومحمد الأمين، جـ ١، دراسة ونقد، بيروت سنة ١٩٣٢ م.
(١٧) عبد الرحمن صدقى: أبو نواس، القاهرة سنة ١٩٤٢.
(١٨) OB Abu NUWAS I: V. Rosen ego poesii فى pamiati Akademika v. R. R.OZENA موسكو لينينغراد، سنة ١٩٤٧ م، ص ٥٧ - ٧١.
(١٩) Abu Nuwas poeta: F Gabrieli oriente Moderna abbaside، سنة ١٩٥٣ م، ص ٢٧٩ - ٢٩٦.
стр. 426
أبو الهذيل
محمد بن الهُذَيْل العَبْدى العَّلاف: من أهم شيوخ المعتزلة، ولد عام ١٣٥ هـ (٧٥٢ - ٧٥٣ م) وأصله من البصرة، وكان مولى لقبيلة عبد القيس، رحل إلى بغداد، ودرس فيها على أحد تلاميذ واصل بن عطاء. واشتهر كثيرًا بحسن الجدل والمناظرة. ويروى المسعودى (المروج، ياريس، ب ٨، ص ٣٠١) أنه لما عاد إلى بغداد عام ٢٠٤ هـ استدعاه المأمون إلى بلاطه، كما استدعى النَّظَّام وهو أحد المعتزلة المشهورين، ليناظرا أنصار مذهبهما أو خصومه. وذكر الشهرستانى (طبعة كيورتن، ص ١٤١) مناظرات أخرى جرت بينه وبين هشام ابن الحكم الذى كان يأخذ ببعض آراء المشبهة فى مسألة "الله".
وكثيرًا ما يذكر أن أبا الهذيل توفى عام ٣٣٥ هـ (٨٤٩ - ٨٥٠ م) وهذا مما يجعلنا نقول إنه عاش مائة عام هجرى. مع أن أبا المحاسن (طبعة كوينبول وغيره، جـ ١، ص ٧١١) اعتمد على رواية للذهبى فذكر أن وفاة هذا المتكلم كانت فى ذلك التاريخ، إلا أنه تعرض فى موضع آخر فى شئ من التفصيل لأبى الهذيل (الكتاب المذكورص ٦٧١) فقرر أنه توفى عام ٢٢٦ هـ (٤٨٠ - ٤٨١ م)، ويظهر أنه ينبغى أن نرجح القول الأخير.
ولم تصل إلينا مصنفات أبي الهذيل، ولكننا نعرف طرفا من آرائه مما ذكره الشهرستانى والإيجى. ويقرر الشهرستانى أنه خالف تعاليم المعتزلة فى عشر مسائل، تتصل بالإلهيات والاستطاعة والأخلاق.
ففى الإلهيات أثبت أبو الهذيل لله صفات مخالفًا بذلك رأى المعتزلة الذين أنكروها، ولكنه جعلها عين ذات الله: فالله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته إلخ. . . وعلى هذا فإن الصفات تكون من لوازم الذات الإلهية. ويشبهها الشهرستانى بالأقانيم المعروفة فى لاهوت النصارى، وهو تشبيه يعسر علينا فهمه، اللهم إلا إذا تذكرنا الطريقة التى جرت عليها الأدرية فى تشخيص الصفات. أما فيما يختص بمسألة إرادة الله فقد فرق أبو الهذيل بين الإرادة والشئ المراد، وفرق فوق
стр. 427
ذلك بين الإرادة الخالقة والإرادة المُشَرِّعة. فإرادة الخلق هى الخلق فى ذاته، وهذه الإرادة التى تتميز عن الشئ المخلوق ليست فى مكان. وكان أبو الهذيل أول من أحدث هذه المقالة وتابعه عليها المعتزلة لتوهم. وذهب فى تقسيم "كلام" البارى عين ما ذهب إليه فى تقسيم الإرادة: فكلمة الخلق يعبر عنها بقول "كن" وهى عين الخلق وليس لها مكان تحل فيه، والكلمة المشرعة التى تشتمل على السنن والنواهى والوحى تحل فى محل حلولاً بالعَرَض.
أما فى مسألة القدر فقد اعتقد أبو الهذيل بطبيعة الحال بالإرادة الحرة، شأن المعتزلة جميعًا، ولكنه خالفهم فقط فى أن أفعال الإنسان فى الآخرة كلها جبرية. فالحركات فى الآخرة كلها ضرورية خلقها الله. إذ لو لم تكن كذلك لاحتاج الأمر إلى التكليف. وفوق ذلك فإن هذا المتكلم ذهب إلى أن الحركات فى العالم الآخر سوف تنقطع وأن العباد سيصيرون إلى سكون دائم، يرى البعض فيه لذة لهم ويرى البعض الآخر فيه آلامًا. وهذا الرأى لا يقوم على أساس دينى وإنما يستند إلى أصل منطقى، وهو أن أبا الهذيل لم ير أنه يمكن أن تكون هناك حركة بدون بداية أو نهاية. أما فيما يتعلق بفترة الحياة فقد ذهب إلى مذهب معتدل فى القضاء والقدر: فالإنسان لا يموت إلا إذا حان أجله ولو كان موته نتيجة حادث مفاجئ.
أما فى الأخلاق فقد تعرض أبو الهذيل لبحث المسألة الناجمة عن مسئولية الإنسان الخلقية ومعرفة اللحظة التى يوجد فيها الفعل، فهو لا يعترف إلا بالفعل التام الحدوث، فحال "يفعل" عنده غير حال "فعل". هذا فيما يتعلق بأفعال الجوارح، والأمر كذلك فى أفعال القلوب: فالرغبة أو الإرادة لا توجد تامة ما دامت تنقص الجوارح القدرة على تنفيذها. وهناك فكرة أخلاقية أخرى يمكننا أن نسميها بالقانون الطبيعى، فهذا المتكلم يذهب إلى أن الإنسان القادر على التفكير الذى عاش قبل نزول الوحى تجب عليه معرفة الله وبعض الشئ عن المسائل الخلقية، وذلك بالدليل النظرى، فإذا
стр. 428
أخفق فى الوصول إلى هذه المعرفة استوجب العقوبة أبدًا. والمعتزلة يشاركونه إلى حد كبير هذا الرأى.
المصادر:
(١) الشهرستانى، طبعة كيورتن، ص ٣٤ - ٣٧) (Haarbrucker، جـ ١، ص ٤٨ - ٥٣).
(٢) Die Mutazilliten oder: H. Steiner die Freidenker im Islam، لييسك سنة ١٨٦٥ م.
(٣) The History of phi-: de Boer losophy in Islam لندن سنة ١٩٠٣ م.
(٤) Avicenne: Carra de Vaux باريس سنة ١٩٠٠ م.
(٥) Statio quinta et sexta oppendix libri Mevakif, auctore Adhod ed- Din el- lgi، ليبسك سنة ١٨٤٨ م.
(٦) كتاب المواقف، الأستانة ١٢٣٩ هـ.
(٧) al- Mu tazilah: T. W. Arnold لييسك سنة ١٩٠٢ م.
+ أبو الهذيل العلّاف، محمد بن الهذيل بن عبيد الله بن مَكحول، ونسبته العَبْدى لأنه كان مولى لعبد القيس: أول متكلم معتزلى، ولد فى البصرة حيث كان يقيم فى حى العلافين، ومن هنا نسب إليهم: وتاريخ مولده مشكوك فيه؛ فيقال إنه سنة ١٣٥ هـ (٧٥٢ - ٧٥٣ م) أو سنة ١٣٤ هـ (٧٥١ - ٧٥٢ م) بل يقال سنة ١٣١ هـ (٧٤٨ - ٧٤٩ م).
وفى سنة ٢٠٣ هـ (٨١٨ - ٨١٩ م) أقام ببغداد، وتوفى فى سن عالية بسامراء سنة ٢٢٦ هـ (٨٤٠ - ٨٤١ م)؛ وتذهب رواية إلى أن وفاته كانت فى أيام الواثق (٢٢٧ - ٣٣٢ هـ = ٨٤٢ - ٨٤٧ م) وتذهب أخرى إلى أنها كانت سنة ٢٣٥ هـ (٨٤٩ - ٨٥٠ م) فى أيام المتوكّل. وقد كان تلميذًا غير مباشر لواصل بن عطاء، إذ درس على صاحب لواصل هو عثمان الطويل، وكان إلى ذلك أديبًا مثل واصل. وقد أشادوا خاصة بعلمه الواسع بالشعر، ورويت عنه بعض الأحاديث.
стр. 429
وكان علم الكلام الذى ورثه عن مدرسة واصل لا يزال بعدُ أوليَّا، يقوم فى جوهره على الجدل ومن ثم فإن هذا العلم عارض بطريقة غير منهجية فيما يظهر: حَشَوية العامة من المسلمين والمحدّثين، ومذهب الجبر الذى كان يؤيده الأمويون لأسباب سياسية، وتأليه على الذى كان يدعو إليه غلاوة الشيعة. ومضى أبو الهذيل فى هذا الجدل، وكان فى الوقت نفسه أول من خاض المناظرات التى قامت فى عصره، وكان مستعدًا لذلك استعداد، فائقًا بفضل عقله الفلسفى ورجاحة تفكيره وفصاحته، حتى لقد أصبح المدافع عن الإسلام ضد الأديان الأخرى وضد التيارات الفكرية الكبيرة للعصر السابق له، ألا وهى الثنوية، التى كان يمثلها الزرادشتية؛ والمانوية؛ وغيرهم من الغنوصية؛ والفلاسفة الذين استوحوا الإغريق، والدهرية الذين كان يمثلهم بخاصة أنصار العلوم الطبيعية؛ ثم أخير، المسلمين المتزايدى العدد الذين تأثروا بهذه الأفكار الدخيلة: وهم الشعراء الذين كانوا يبطنون المانوية مثل صالح ابن عبد القدوس، والمتكلمون المحدثون الذين كانوا قد اعتنقوا بعض المذاهب الغنوصية والفلسفية، وغيرهم.
والظاهر أن أبا الهذيل لم يبدأ فى دراسة الفلسفة إلا عندما أدرك سن النضوج، ففى حجه (ولا يعرف متى حج) لقى بمكة المتكلم الشيعى هشام بن الحكم وناقشه فى آرائه الحشوية التى يبدو فيها أثر الغنوصية. وعندئذ فقط بدأ يدرس كتب الدهرية.
وقد لاحظ المؤرخون المتأخرون بعض وجوه الشبه بين مذهبه فى صفات الله وفلسفة أمباذقليس المزيَّف التى وضعها الأفلاطونيون المحدثون والفلاسفة الطبيعيون فى أواخر الزمن القديم. والواقع أن مصادره الفلسفية كانت من ذلك النوع الذى تمثله بصفة عامة أرسطيّة القرون الوسطى. وقد اجتذبه هؤلاء الفلاسفة كما نفّروه، وكان وهو يدافعهم قد اصطنع مناهجهم وطريقتهم فى النظر إلى المسائل. كان مفكر، فطريًا لا سلطان لتقليد عليه فعرض للمسائل النظرية بإقدام جعله لا يتردد حتى فى بحث المحال، وهذا هو السر فى كل ما يتصف
стр. 430
به مذهبه الكلامى من عدم النضوج والافتقار إلى التوازن، وما تتميز به أيضًا محاولاته من جدة. فقد كان أول من أثار كثيرًا من المسائل الأساسية التى كان على جميع المعتزلة المتأخرين أن يكابدوها.
وقد بلغت وحدانية الله وروحانيته وتنزهه فى مذهب أبى الهذيل الكلامى أقصى درجة من التجريد، فالله واحد لايشبه بأى وجه مخلوقاته، وهو ليس بجسم (بخلاف قول هشام بن الحكم) وليست له هيئة ولا صورة ولا حد. والله عالم بعلم، قادر بقدرة، حى بحياة، قديم بقدم، بصير ببصر. . . إلخ (بخلاف الشيعة الذين يقولون إن الله هو العلم إلخ)، ولكن علمه وقدرته. . إلخ هى ذاته (بخلاف المذهب الكلامى الذى عليه الناس والذى يقول إن الصفات الإلهية أشياء خارجة عن الذات)، وهذه صيغ قصد بها التوفيق لم ترض عنها الأجيال المتأخرة.
والله موجود فى كل مكان بمعنى أنه يدبر كل شئ وتدبيره نافذ فى كل مكان، وهو لا يرى، وسيراه المؤمنون بقلوبهم فى العالم الآخر. وعلم الله لا نهاية له فيما يخص علمه ذاته، أما علمه بخلقه فمحدود بحدود خلقه وخلقه له كلٌ ينتهى إليه، (وإذا لم يكن ينتهى لما كان له كل)، وينطبق هذا على القدرة الإلهية. وقد جهد أبو الهذيل فى أن يوفق بين قول القرآن بالخلق من العدم ومذهب أرسطو فى الكون الذى يقول إن العالم بعد أن حركه الله قديم لأن الحركة قديمة قدم المحرك الأول نفسه. ومع تسليمه بأن الحركة هى مبدأ الكون فإنه يصرح بأن الكون خلق على نحو ما بيّن القرآن، ومن ثم فإن الحركة أيضًا ستبلغ نهايتها وتنقطع، وهذه النهاية جعلها الله فى العالم الآخر بعد اليوم الآخر، وإذ تنقطع الحركة تصير الجنة والنار إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات فى ذلك السكون لأهل الجنة وتجتمع الآلام فى ذلك السكون لأهل النار. وهذا المذهب العجيب الذى تقول الرواية إن أبا الهذيل نفسه أنكره، قد أجمع على رفضه كل المتكلمين المسلمين معتزلة وغير معتزلة، ولم تخف عليهم العواقب الخطيرة التى تترتب على أقواله فى علم الله الكلى
стр. 431
وقدرته الكلية. وفيما يخص أفعال الله فإن أبا الهذيل يقول إن الله قادر على الشر والجور ولكنه لا يفعلهما لرحمته وحكمته. والله يسع أفعال الإنسان الشريرة ولكن ليس هو فاعلها. فالإنسان قادر على اقترافها وهو مسؤول عنها، بل هو مسؤول أيضًا عن عواقب أفعاله التى تحدث على غير إرادته. (نظرية التولد التى كان أبو الهذيل أول من قال بها). فالكائن المسؤول هو الإنسان على إطلاقه روحًا وجسدًا.
وأبو الهذيل هو الذى استحدث فى أنظار المعتزلة فكرة "أعراض" الأجسام وفكرة الجوهر؛ وهاتان الفكرتان اللتان كان لهما فى الأصل مدلول مادى خالص قد جعلهما أبو الهذيل أساسًا لعلم الكلام الحق وعلم الكون وعلم الإنسان Anthropologie وعلم الأخلاق. وهذا أكثر ما استحدث أصالة وأشده خطورة، إذ هو الذى صبغ المذهب المعتزلى بصبغته الميكانيكية، فالحياة والنفس والروح والحواس الخمس كلها أعراض، ومن ثم فهى لا تدوم، بل إن الروح نفسها لا تدوم. وأفعال الإنسان يمكن أن تقسم إلى حالين وكلا الحالين حركة، وقال بتقديم الأولى فيفعل بها فى الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا فى الحال الثانية، فحال "يفعل" غير حال "فعلت"، فالعبرة إذن بالفعل الذى يحدث. والفعل الإلهى يفسر بمذهب الأعراض: فكل فعله فى العالم هو خلق سلسلة لا تنتهى من أعراض تحل فى الأجسام. على أن بعض الأعراض ليست فى مكان ولا فى جسد مثل الزمان والإرادة الإلهية. وهذه الإرادة هى عين كلمة "كن" التى تتعلق بالخلق الأبدى، وهى تتميز عن "المُراد" وعن "الأمر" الإلهى الذى يستطيع الإنسان أن يطيعه أو يخالفه (على حين أن سلطان كلمة الخلق "كن" مطلق: "كن فيكون" سورة البقرة، الآية ١١٧). وأولئك الذين لم يعرفوا ما نزل به القرآن وعملوا عملاً صالحًا أوصى به القرآن فقد أطاعوا الله دون أن تنعقد نيتهم على ذلك (المذهب القائل "طاعة لا يراد الله بها" وقد نسب فى غير ذلك من مصادر إلى الخوارج).
стр. 432
والقرآن عرضٌ خلقه الله، ومن حيث أنه مكتوب يتلى أو يحفظ فهو موجود فى أماكن مختلفة فى وقت واحد.
وفى مسألة "المنزلة بين المنزلتين" فإن أبا الهذيل قد اتخذ موقفًا يتفق والحالة السياسية فى عصره، فلم ينكر أحدًا من المقاتلين فى صف على ولكنه فضَّل عليا على عثمان. وقد نال الحظوة لدى المأمون فدعاه إلى بلاطه ليشارك فى المناظرات الكلامية.
أما مؤلفات أبى الهذيل فقد ضاعت كلها.
وكان لأبى الهذيل أثناء حياته الطويلة سلطان عظيم فى تطور علم الكلام، وقد جمع حوله عددًا كبيرًا من المريدين من مختلف الأجيال، أشهرهم النظّام وإن كان قد تشاحن مع شيخه لسبب أنظاره الهدامة فى الجوهر الفرد. وأدانه أبو الهذيل وكتب عدة رسائل فى حقه. ونذكر من مريدى أبى الهذيل أيضًا يحيى بن بشر الأرجانى والشحّام وغيرهما. وظلت مدرسته قائمة مدة طويلة، بل إن الجُبّائى قد اعترف بعدُ بفضل مذهب أبى الهذيل فى علم الكلام بالرغم من المسائل العديدة التى كان يختلف فيها معه.
ومن المؤسف أن مذهب أبى الهذيل فى الكلام قد تعرض لحقد مرتد عن الاعتزال هو ابن الراوَنْدى المشهور الذى شوه هذا المذهب فى كتابه "فضيحة المعتزلة"، وذلك بنقده فى كثير من الأحيان نقدًا رخيصًا غاية الرخص. وقد نقل هذا التشويه على علاته البغدادى فى كتابه "الفرق بين الفرق"، كما نجده يتردد كثيرًا فى المختصرات التى كتبت عن المعتزلة. ونحن لا نستطيع أن نكشف القناع عن فعلة ابن الراوندى وأن نخرج بفكرة دقيقة عن المقاصد الحقيقية لمذهب أبى الهذيل إلا إذا استعنّا بكتاب "الانتصار" الذى ألفه الخيّاط وسل فيه سيف الثقد الصارم على ابن الرواندى وقد نقل الأشعرى فى "مقالات الإسلاميين" أقواله فى حيدة جديرة بالإعجاب وفقًا للمأثور من مذهب المعتزلة. أما الشهرستانى فقد أقام عرضه على المأثور المتأخر لمذهب المعتزلة، معتمدًا فيما يظهر على الكَعْبى خاصة.
стр. 433
المصادر:
(١) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ٣، ص ٣٦٦ - ٣٧٠.
(٢) المسعودى: مروج الذهب، الفهرس.
(٣) ابن خلكان، رقم ٦١٧.
(٤) ابن المرتضى (The: T. W Arnold Mu tazila)، الفهرس
(٥) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ، ص ٥٣ - ٥٥.
(٦) الخيّاط: الانتصار، طبعة نيبرج، الفهرس.
(٧) الأشعرى: مقالات الإسلاميين، طبعة ريتر Ritter، الفهرس.
(٨) البغدادى: الفرق بين الفرق، الفهرس.
(٩) ابن حَزْم: الفِصَل، جـ ٢، ص ١٩٣، ٤٨٧؛ جـ ٤، ص ٨٣ وما بعدها، ١٩٢ وما بعدها إلخ.
(١٠) المُطَهّر المقدسى: البدء والتاريخ، طبعة إيوار Huart، فهرس الترجمة.
(١١) الشهرستانى: كتاب المِلَل والنِحَل، طبعة كيورتن، ص ٣٤ - ٣٧.
(١٢) صاعد الأندلسى: طبقات الأمم، طبعة شيخو، بيروت سنة ١٩١٢ م، ص ٢١.
(١٣) المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٣٤٦.
(١٤) Beirtrage zur is-: S Pines lamischen Atomlehre، برلين سنة ١٩٣٦ م [وقد ترجمه إلى العربية الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريدة بعنوان: "مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود، القاهرة سنة ١٩٤٦ م].
(١٥) Muslim Theol-: A. S Tritton ogy، لندن سنة ١٩٤٧ م.
(١٦) L. Garder et. M. M Anawati: introduction a la theologie Musulmane، ياريس سنة ١٩٤٨ م [وقد ترجمه إلى العربية الدكتور فريد جبر والشيخ الدكتور صبحى صالح بعنوان "فلسفة الفكر الدينى بين الإسلام والمسيحية"،
стр. 434
بيروت، دار العلم للملايين، فى ثلاثة أجزاء، سنة ١٩٦٧ - ١٩٦٩ م).
(١٧) ا. ن. نادر: فلسفة المعتزلة، الإسكندرية سنة ١٩٥٠ - ١٩٥١ م.
الأب قنوانى [نيبرج H. S. Nyberg]
أبو هريرة
من عشيرة سُلَيمْ بن فَهْم، من قبيلة أزْد إحدى قبائل العرب الجنوبية، وهو أحد صحابة الرسول المتحمسين لإذاعة أقواله وأفعاله، ويعرف عادة بكنيته "أبى هُرَيْرَة"، وقد وصلت إلينا جميع الروايات المتعلقة باسمه الحقيقى فى الجاهلية والإسلام وهى تختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا. ففى أوثق الروايات يتردد اسمه بين عبد الرحمن بن صخر (انظر النَوَوى، طبعة فستنفلد، ص ٧٧٠) وعُمَيْر بن عامر (ابن دريد: كتاب الاشتقاق ص ٢٩٥): ويقال إنه كنى بأبى هريرة لحدبه على الهررة. وقد قدم إلى المدينة فى أيام غزوة خيبر عام ٧ هـ (٦٢٩ م) فاتصل بالنبى ﷺ ولزمه منذ ذاك، ويقال إنه كان يعيش أول أمره من عمل يده. وقد شجعته ملازمته للنبى ﷺ على أن يروى عنه بعد وفاته من الأحاديث أكثر مما رواه غيره من الصحابة. وتقدر الأحاديث التى تضاف إليه بخمسمائة وثلاثة آلاف حديث، لاريب أن عددًا كبيرًا منها قد نُحل له. ونجد بين الذين رووا عن أبى هريرة كثيرًا من أكابر الإسلام فى عهده الأول. وقد اختلق الناس قصة تبرر اعتقادهم بعصمة ذاكرته عن الوقوع فى الخطأ، تلك الذاكرة التى استطاع أن يستوعب بها عددًا عظيمًا من الأحاديث، فقالوا إن النبى ﷺ لفه بيده فى بردة بسطت بينهما أثناء حديثهما وبذلك ضمن أبو هريرة لنفسه ذاكرة تحفظ كل ما سمع؛ وتروى هذه القصة أيضا دليلًا على صداقته الوثيقة للنبى ﷺ . وقد استعمله عمر على البحرين اعترافًا منه بفضله فى إذاعة الأحاديث. ولما عزل من هذا المنصب وأراده الخليفة على العمل ثانية، أبى وآثر أن يعيش فى المدينة كما يعيش عامة الناس. ومن المستبعد أن مروان الذى كان يقدره من نواح عدة استعمل هذا الشيخ على المدينة. وتوفى أبو
стр. 435
هريرة عام ٥٧ أو ٥٨ هـ (٦٧٦ - ٦٧٨ م) بالغًا من العمر ٧٨ عامًا.
وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التى ضمنها أقل الأشياء شأنًا بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح، الأمر الذى كان سببا فى ظهور كثيرا من القصص (ابن قتيبة، طبعة فستنفلد، ص ١٤٢). ويظهر أن علمه الواسع بالأحاديث التى كانت تحضره دائمًا (تشغل الأحاديث التى رواها أبو هريرة أكثر من ٢١٣ صحيفة فى "مسند" ابن حنبل: جـ ٢، ص ٢٢٨ - ٥٤١) قد أثار الشك فى نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة، والذين لم يترددوا فى التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر (انظر أيضًا البخارى: فضائل الأصحاب، رقم ١١). وقد اضطر أحيانًا إلى أن يدفع عن نفسه تقوّل الناس. وقد وصفه شيرنكر بأنه "المتطرف فى الاختلاق ورعًا (١) ". ويجب أن نلاحظ أيضًا أن كثيرًا من الأحاديث التى تنسبها الروايات إليه إنما قد نحلت له فى عصر متأخر.
المصادر:
(١) مسلم: صحيح، جـ ٥، ص ٢٠٢ (ليس فى كتابى البخارى والترمذى شئ خاص عن فضائل أبى هريرة).
(٢) ابن الأثير: أسد الغابة جـ ٥، ص ٣١٥.
(٣) Das Leben und die: Sprenger Lehre des Mohammad، جـ ٣، ص ٨٣.
(٤) Abh zur arab, philol.: Golziher جـ ١، ص ٤٩.
(٥) الكاتب نفسه فى. Zeitschr. d Deutsch Morgenl. Gesells المجلد ٥٠، ص ٤٨٧.
(٦) Mohammad: D. S Margoliouth ص ٣٥٢.
[كولدتسيهر Goldziher]
+ أبو هريرة الدوْسى اليمانى: صحابى كان اسمه عبد شمس فلما أسلم سمى عبد الرحمن؛ وقد اجتمع فى اسمه عدة أقوال؛ وكُنى أبا هريرة لأنه كان يلعب بهرة صغيرة وهو يرعى غنم أهله. ولما قدم المدينة كان النبى (صلى
стр. 436
الله عليه وسلم) فى غزوة خيبر سنة ٦ هـ (٦٢٩ م).
وأسلم أبو هريرة ولزم النبى ﷺ على شبع بطنه، وكان من الفقراء الذين لقبوا بأهل الصُفَّة. وكان بارًا بأمه، وقد أقنعها بالإسلام. وأقامه عمر - رضى الله عنه- والياً على البحرين ولكنه أقاله واستصفى مالًا كثيرًا كان فى حوزته، ثم دعاه عمر إلى استئناف عمله فأبى.
ويقال إن مروان أقامه نائبًا له عندما غاب عن المدينة، على أن ثمة رواية أخرى تزعم أن معاوية هو الذى أنابه.
وقد اشتهر أبو هريرة بالتقوى وحب المزاح. ويقال إنه توفى سنة ٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩ هـ، فإذا صدق أنه صلى على عائشة عند وفاتها سنة ٥٨ هـ لوجب أن تكون وفاته سنة ٥٨ هـ (٦٧٨ م) أو سنة ٥٩ هـ وقد بلغ الثامنة والسبعين.
وأسلم أبو هريرة قبل وفاة النبى ﷺ بأقل من أربع سنوات، ومع ذلك فإنه أكثر من الحديث عن النبى ﷺ حتى لقد قدرت الأحاديث التى رواها بخمسمائة وثلاثة آلاف حديث. وقد شمل مسند أحمد بن حنبل ٢١٣ صحيفة من الأحاديث التى رواها (المسند، جـ ٢، ص ٢٢٨ - ٥٤١). وروى الحديث عن أبى هريرة ٨٠٠ محدث أو أكثر.
وثمة رواية -تروى باختلافات يسيرة- وتفسر كيف كان أبو هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ : يقول أبو هريرة إن الآخرين كان يشغلهم القيام على أموالهم، أما هو فقد لزم النبى ﷺ وسمع منه أكثر مما سمعوا، وإن النبى ﷺ قال له أن يبسط رداءه فبسطه ثم قال له أن يضمه إلى صدره فضمه فما نسى حديثًا بعد.
وقد اضطر أبو هريرة إلى الدفاع عن نفسه حيال الشكوك التى ساورت الناس حول الأحاديث التى رواها. ومن المستحيل أن نتثبت: هل وقع هذا الأمر فعلا أم أنه اخترع للتغلب على الشكوك التى ساورت الناس من بعد فى الأحاديث التى رواها. والأحاديث المنسوبة إليه فيها مادة لا يمكن أن تكون صحيحة، ولكن يصعب علينا أن نقر ما نعته به شيرنكر بقوله: إنه
стр. 437
المنافق الورع من الطراز الأول، لأن الأحاديث التى رفعت إليه ليست كلها بالضرورة من روايته؛ فقد لا يكون أبوهريرة أكثر من سند موات نسبت إليه أحاديث وضعت فى زمن متأخر عنه. والمظنون أن أبا هريرة روى أخبارًا كثيرة عن النبى ﷺ ، على أن الصحيح منها قد يكون عددًا صغيرًا من ذلك الحشد الهائل من الأحاديث التى رفعت إليه.
وقد ظهر كثير من الأحاديث التى رويت عنه فى صحيحى البخارى ومسلم.
المصادر:
(١) ابن قتيبة: المعارف، ص ١٤١.
(٢) الكاتب نفسه: عيون الأخبار، جـ ١، ص ٥٣.
(٣) الدولابى: الكنى والأسماء، حيدر آباد سنة ١٣٢٢ - ١٣٢٣ هـ، جـ ١، ص ١١.
(٤) ابن عبد البر: الاستيعاب، حيدر آباد سنة ١٣٣٦ هـ، ص ٦٩٧.
(٤) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٥، ص ٣١٥ - ٣١٧.
(٦) النووى: تهذيب الأسماء، طبعة فستنفلد، ص ٧٦٠.
(٧) الذهبى: تذكرة الحفاظ، جـ ١، ص ٣١ - ٣٥.
(٨) ابن حجر: الإصابة، القاهرة سنة ١٣٥٨ هـ = جـ ٤، ص ٢٠٠ - ٢٠٨.
(٩) تهذيب التهذيب، جـ ١٢، ص ٢٦٢ - ٢٦٧.
(١٠) V Handbook: Wen sinck .
(١١) Das Leben and: A Sprenger dis Lehre des Muhammed. جـ ٣، ص ٨٣ - ٩٥.
(١٢) Mohammed: D. S. Margoliouth ص ٣٥٢.
(١٣) der Deutsch. (Y e Zeitschr .Morgenl. Ceslls، سنة ١٨٩٥ م، ٤٨٧.
(١٤) أما "الصحيفة" المنسوبة إلى همام بن منبه والتى تشمل أحاديث منقولة عن شيخه أبى هريرة فقد نشرها م. حميد الله فى مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق، سنة ١٩٥٣ م، ص ٩٦ وما بعدها.
خورشيد [روبسون J. Robson]
стр. 438
أبو يزيد البسطامى
(بايزيد) طَيفْور بن عيسى بن سروشان البسطْامى: من أشهر الصوفية المسلَمين، قضى حياته فى بسْطام من أعمال قومس فيما عدا فَترات قصيرة اضطر فيها إلى العيش بعيدًا عن بلده لعداوة المتكلمين من أهل السنَّة له؛ وتوفى فى بسطام سنة ٢٦١ هـ (٨٧٤ م) أو سنة ٢٦٤ هـ (٨٧٧ - ٨٧٨ م)، وقد ذاع أن ألْجايتو محمد خدُابَنْدَة الإخشيدى بنى ضريحا فوق قبره سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م).
ولم يكتب أبو يزيد شيئًا، على أنه قد انتهى إلينا نحو خمسمائة قول من أقواله، بعضها جريء كل الجرأة يستشف منه أن الصوفى بلغ بالمجاهدة حالة الفناء فى الله فأصبح "عين الجمع". وقد جمع هذه الأقوال ورواها أهل حضرته وزواره وخاصة مريده وتابعه أبو موسى (الأول) عيسى بن آدم أكبر أبناء أخيه آدم، وقد تلقى عنه الصوفى البغدادى الشهير الجنيد أقوالا من هذا القبيل باللغة الفارسية وترجمها إلى العربية (كتاب النور، ص ١٠٨، ١٠٩، ١٢٢).
وأهم من أخذ عن أبى موسى هو ابنه موسى بن عيسى الملقب "عَمّى" وعنه نقل مأثوره طيفورٌ الأصغر بن عيسى الذى لا نتبين بوضوح موضعه من شجرة نسب الأسرة، وغيره من الرواة،
ويجب أن نذكر بخاصة من بين زوار أبى يزيد الذين دونوا أقواله أبا موسى (الثانى) الدبَيلى، وهو من دبيل بأرمينية (انظر كتاب النور، ص ٥٥) وأبا إسحق إبراهيم الهروى المعروف بـ "إستنبه" وهو تلميذ إبراهيم بن أدهم (حلية الأولياء، ج ١٠، ص ٤٣ - ٤٤)، والصوفى المشهور أحمد بن خدرويه الذى زاره فى الحج. وكان أبو يزيد صديقًا لذى النون المصرى، وقد كتب الجنيد شرحًا لأقواله بقيت أجزاء منه فى كتاب "اللمع" للسراج.
وأكمل مصدر لحياة أبى يزيد وأقواله هو"كتاب النور فى كلمات أبى يزيد طيفور" لأبى الفضل محمد بن على بن أحمد بن الحسين بن سهل السهلجى البسطامى المولود سنة ٣٨٩ هـ (٩٩٨ - ٨٩٩ م) والمتوفى سنة
стр. 439
٤٧٦ هـ (١٠٨٤؛ وقد نشر هذا الكتاب فى طبعة غير موفقه كل التوفيق عبد الرحمن بدوى: شطحات الصوفية، القاهرة سنة ١٩٤٩ م، جـ ١)، ومن أهم أسانيد السهلجى: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازى بن بابويه الكاتب المشهور لسيرة الحلاج الذى توفى سنة ٤٤٢ هـ (١٠٥٠ م) والذى لقيه السهلجى سنة ٤١٩ أو ٤١٦ هـ (كتاب النور، ص ١٣٨)؛ وشيخ المشايخ أبو عبد الله محمد بن على الداستانى (الهجويرى: كشف المحجوب، الفصل ١٢)، أما كتاب "القصد إلى الله" المنحول للجنيد فيشمل تنميقًا لقصة "معراج" أبي، يزيد (An: R. A .Nicholson of Early Arabic Uersion Of the Miadraj s Abu Yazid al- Bistam . في Islamica سنة ١٩٢٦ م، ص ٤٠٢ - ٤١٥)
وكان شيخ أبي يزيد فى التصوف صوفيًا جاهلا باللغة العربية اسمه أبو على السندى، لم يجد أبو يزيد بدًا من أن يلقنه من آيات القرآن ما يقيم به فرضه، وجازاه السندى على ذلك بإرشاده إلى التوحيد، ولا نستبعد كل الاستبعاد أن تكون بعض مؤثرات هندية قد أثرت فى أبى يزيد عن طريق شيخه هذا.
وقد كان أبو يزيد -على خلاف المتصوفين المتأخرين أبى إسحق الكازرونى وأبى سعيد بن أبى الخير- منطويًا على نفسه كل الانطواء، فلم يقم مثلهم بخدمة الفقراء، ولكنه كان مستعدًا لأن يخلص الناس من النار بأن يتحمل من أجلهم العذاب، بل لقد مضى إلى حد أن يجد من الأقوال ما ينقد عذاب جهنم الذى أعد لمن حلت بهم النقمة وهم ليسوا آخر الأمر إلا قبضة من تراب.
وكان شعوره بجلال الله يملأ شعاب نفسه مقترنًا بشعور من الخشوع والخشية لله حتى ليحس فى حضرته بأنه زنديق يكاد يهم بإلقاء زنار المجوس، وكان شوقه ينصرف إلى مجاهدة نفسه مجاهدة دائبة (أو على حد تعبيره "أنا حداد نفسى) حتى يحررها من جميع الحجب التى تحول بينه وبين الوصول إلى الله. وهو يصف هذه المجاهدة وصفا ممتعًا جدًا
стр. 440
يكشف فيه عن نفسه بأقوال فيها تشبيهات غاية فى العظمة؛ فالدنيا، والزهد، والعبادات، والكرامات، والذكر، بل المقامات، ليست فى نظره غير حجب تحجبه عن الله، وحين خرج آخر الأمر من إنسيته بالفناء كما تنسلخ الحية من جلدها، بلغ المقام المطلوب وعبر عن هذا التغير فى وعيه بنفسه بتلك الشطحات المشهورة التى أثارت ثائرة معاصريه وصدمت مشاعرهم:
"سبحانى ما أعظم شأنى"
"طاعتك يارب أعظم من طاعتى لك"
"أنا العرش والكرسى"
"أنا اللوح المحفوظ"
"كنت اطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه وجدت البيت يطوف حولى" وفى تفكره حلق بقفزات في العالم العلوى غير المحسوس، فأخذ عليه أنه ادعى أنه عرج به إلى السماء كما هى الحال فى معراج النبى ﷺ . وقد زينه الله أثناء هذه القفزات بوحدانيته، وألبسه إنّيته، ولكنه أمسك عن أن يظهر للناس وهو على هذه الحال؛ أو أنه طار بجناحى الديمومية فى فضاء اللاكيفية،
ونزل على أرض الأزلية وراى شجرة الأحدية فتحقق أن هذا كله كان وهما أو أن نفسه كانت كل ذلك. . إلخ. وقد واجه فى كل هذه الأقوال على ما يظهر المشكلة القصوى فى كل تصوف.
وثمة أسطورة متأخرة فى الزمن تجعله يحل فى يسر ألغازًا طرحت عليه فى دير للنصارى مما حدا بجميع سكان الدير إلى الدخول فى الإسلام:
المصادر:
(١) السراج: اللمع، طبعة نيكلسون، ص ٣٨٠ - ٣٩٣، والفهارس.
(٢) السُّلَمى: طبقت الصوفية، القاهرة سنة ١٩٥٣ ام، ص ٦٧ - ٧٤.
(٣) أنصارى هروى: طبقات الصوفية، مخطوط نافذ باشا، رقم ٤٢٥، في ١٣٨ - ٤١ ب.
(٤) جامي: نفحات الأنس، طبعة Nassau Lees، ص ٦٢ وما بعدها.
(٥) أبو نعيم: حلية الأولياء، جـ ١٠، ص ٣٣ - ٤٢.
стр. 441
(٦) القشيرى: الرسالة، القاهرة سنة ١٣١٨ م، ص ١٦ - ١٧.
(٧) الهجويرى: كشف المحجوب، الفصل ١١، رقم ١٢
(٨) عبد الرحمن بدوى: شطحات الصوفية ١، ، أبو زيد البسامى، القاهرة سنة ١٩٤٩ م، ويشمل كتاب النور للسهلجى وما يقابله من نصوص فى مرآة الزمان لبسط بن الجوزى، ونفحات الأنس لجامى، وطبقات السلمى، والأسطورة الخاصة بالرهبان. (وقد تناول هذه الأسطورة A. A. J. Arbery Bistami Legend Society في Royal Asiatic سنة ١٩٣٨ م، ص ٨٩ - ١٩١؛ وهذه الأسطورة توجد أيضًا فى مخطوط أيوب مهرشاه سلطان، ص ٢٠٢، ٤٤٣؛ وفاتح رقم ٥٣٣٤؛ وفاتح بالعربية رقم ٥٣٨١).
(٩) روزبهان بقلى: شرح الشطحيات، مخطوط شهيد عالى بشا، رقم ١٣٤٢، ص ١٤ ب - ٢٦ ب.
(١٠) ابن الجوزى: تلبيس إبليس، ص ٣٦٤ وما بعدها.
(١١) العطار: تذكرة الأولياء، طبعة نيكلسون ص ١٣٤ وما بعدها.
(١٢) ابن خلكان، طبعة بولاق سنة ١٢٧٥ هـ، جـ ١، ص ٣٣٩.
(١٣) نور الله الششترى: مجالس المؤمنين، مجلس ٦.
(١٤) الخوانسارى: روضات الجنات، ص ٣٣٨ - ٣٤١.
(١٥) A. Nicholson Journal of: R. the Royal Asiatic Society فى سنة ١٩٠٦ م، ص ٣٢٥ وما بعدها.
(١٦) Essai Mystique mu: Massignon sulmane ياريس سنة ١٩٢٢ م، ص ٢٤٣ - ٢٥٦.
(١٧) وتوجد صورة لقبره فى صنيع الدولة محمد حسن خان: مطلع الشمس، طهران سنة ١٣٠١ هـ، جـ ١، ص ٦٩ - ٧٠.
(١٨) Die Kunst der is-: E. Diez lamischen Volker برلين سنة ١٩١٧ م، ص ٦٩.
стр. 442
أتاتورك
(مصطفى كمال): مؤسس الجمهورية التركية وأول رؤسائها، ولد فى سلانيك سنة ١٨٨١ م، وتوفى باستانبول فى العاشر من نوفمبر سنة ١٩٣٨ م. وفقد مصطفى أباه وهو بعد صغير جدًا، فأشرفت على أمر تعليمه أمه زبيدة هانم؛ وقد دخل المدرسة التجهيزية العسكرية بسلانيك، فأضاف أحد أساتذته اللقب "كمال" إلى اسمه. وفى سنة ١٨٩٥ م دخل المدرسة العسكرية بمناستر، ثم التحق بمثيلتها فى استانبول سنة ١٨٩٩ م، حيث بدأ يهتم بالحياة السياسية ويلعب دورًا فعالاً فى حركات المعارضة السرية التى أوجدها استبداد السلطان عبد الحميد. وحصل على إجازة الأكاديمية الحربية باستانبول سنة ١٩٠٥ م فأرسل إلى دمشق برتبة نقيب حيث أقام جماعة "وطن وحريت" أى الوطن والحرية. ولما عاد من سلانيك لم يسهم فى نشاط حركة الاتحاد والترقى إلا من بعيد. واشترك فى الدفاع عن طرابلس عندما غزاها الايطاليون سنة ١٩١١ - ١٩١٢ م؛ وعين ملحقًا عسكريًا ببلغاريا، وأبلى فى الحرب العظمى الأولى بلاءً حسنًا فى معارك الدردنيل (سنة ١٩١٥ م) وكذلك فى القتال الذى دار وهو قائد جيش فى القوقاز سنة ١٩١٦ م، وفى فلسطين سنة ١٩١٧ م، وزار ألمانيا زيارة قصيرة ثم عاد إلى قيادة الجيش السابع فى فلسطين الذى انسحب به إلى المنطقة التى تقع شمالى حلب حيث كان وقت هدنة مدروس (٣٠ أكتوبر سنة ١٩١٨ م). ولم يوافق مصطفى كمال على الشروط الهمجية التى فرضتها هذه الهدنة واصطدم بالسلطان محمد السادس. واستدعى إلى استانبول حيث وضعت مشاعره الوطنية على محك الاختبار الشديد، ثم عين مفتشًا للجيش المرابط شمالى أرضروم (أرزن الروم) فى ٣٠ أبريل سنة ١٩١٩ م. وفى التاسع عشر من مايو أرسى فى صامصون وقد استقر عزمه على القتال فى سبيل الاستقلال التام لتركية الذى كانت تهدده مؤامرات الحلفاء بالاعتماد على الجنود الذين ظلوا مخلصين له. وفى ٢٢ يونية أصدر منشورًا من أماشية يدين به ٤٣٥
стр. 443
حكومة السلطان والصدر الأعظم داماد فريد باشا. وأعلن فى المؤتمرين اللذين عقدهما فى أرضروم (٢٣ يولية) وفى سيواس (٤ سبتمبر) المطالبة باستقلال تركية ووحدتها. واستطاع أن يكتسب لقضيته عددًا من الشخصيات السياسية والعسكرية، فعقد أول اجتماع للمجلس الوطنى الكبير (بُويُوك ملَّتْ مجلسى) فى أنقرة، فانتخبه هذا المجلس رئيسًا للجمهورية، وبدأ الصراع مع حكومة استانبول ومع الحلفاء، وخاصة اليونانيين (١٩٢٠ - ١٩٢٢ م). وكان لدوره الحاسم فى الحملات التى شنت على اليونانيين الفضل فى منحه لقب غازى بمعرفة هذا المجلس.
وقد أقرت هدنة مدانية التى عقدت فى ١١ أكتوبر سنة ١٩٢٢ م انتصار مصطفى كمال، وفى أول نوفمبر سنة ١٩٢٢ م صوت المجلس الوطنى على إلغاء السلطنة. وأعطى مؤتمر لوزان (نوفمبر سنة ١٩٢٢ م - يولية سنة ١٩٢٣ م) الاستقلال التام لتركية كما عين حدودها الوطنية. وأعلن المجلس الوطنى الثانى فى ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٢٣ م الجمهورية، وكانت أغلبية أعضاء هذا المجلس من حزب الشعب (خلق فرقه سى) الذى أسسه مصطفى كمال (أصبح من بعد حزب الشعب الجمهورى: جمهوريت خلق بارتيسى)؛ وانتخب هو رئيسا للجمهورية، وهو منصب كان يعاد انتخابه لتوليه حتى وفاته، وعين عصمت باشا (عصمت إينونو) رئيسًا للوزراء وأصبحت أنقرة عاصمة تركية. وصوت على إلغاء الخلافة فى الثالث من مارس سنة ١٩٢٤ م.
وقد تميزت السنوات الأولى للجمهورية التركية بتصميم مصطفى كمال العارم على صبغ البلاد بالصبغة الحديثة، وتحريرها من الوصاية الاقتصادية الأجنبية ووسمها بالسمة الدنيوية. واعتمد مصطفى على حزب واحد مخلص له كل الإخلاص ففرض دستورًا وضع فى الواقع كل السلطات فى يد رئيس الجمهورية (٣٠ أبريل سنة ١٩٢٤ م). وصبغ البلاد بالصبغة الدنيوية - بإبطال المحاكم الشرعية ومدارس القرآن وطرق الدراويش،
стр. 444
وتحريم لبس الطربوش، وإلغاء للك المادة من الدستور التى تعلن أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام - قد اقترن بفتن محلية (كردستان وإقليم إزمير) وردود فعل فى بعض الدوائر السياسية، ولكن هذه الحركات سرعان ما أخمدت. ومضى صبغ البلاد بالصبغة الحديثة يسير جنبًا إلى جنب مع صبغها بالصبغة التركية، وذلك بتأميم الشركات الأجنبية وتنشيط الزراعة والصناعة، وإنشاء المصارف الوطنية، وتطوير وسائل المواصلات، وإصلاح الحروف الهجائية، ومنح المرأة حق التصويت وسن مجموعة من القوانين المدنية والجنائية والتجارية الجديدة. وكانت قرارات مصطفى كمال يصدق عليها المجلس الوطنى بلا معارضة، فينشرها فى أرجاء البلاد الممثلون المحليون لحزب الشعب وبيوت الشعب (خلق أولرى). وقد حرك ذلك الأمة بأسرها وتشبعت بالأفكار الجديدة. ثم صدر قانون فى نوفمبر سنة ١٩٣٤ م يطلب من جميع المواطنين أن يستعملوا ألقاب أسرهم؛ وأطلق المجلس الوطنى لقب "أتاتورك" على مصطفى كمال.
وفى ميدان السياسة الخارجية أظهر مصطفى كمال ميله إلى الإسلام، وإن كان قد عقد العزم على الدفاع عن استقلال البلاد؛ وعقد معاهدات صداقة أو تحالف مع الدول المجاورة والدول الكبرى. وأبرم اتفاقًا مع اليونان ورومانيا ويوغوسلافيا (اتفاق البلقان الودى) فى ٩ فبراير سنة ١٩٣٤ م. وقد امتد هذا الاتفاق شرقًا بفضل اتفاق سعد آباد (بين تركية والعراق وإيران وأفغانستان فى يولية سنة ١٩٣٧ م).
وتوفى مصطفى كمال فى ١٠ نوفمبر سنة ١٩٣٨ م فى استانبول، وحزنت عليه الأمة بأسرها، فقد رأت فيه محرر البلاد ومجدد شبابها. وأقيم له ضريح مؤقت فى متحف السلالات البشرية بأنقره. وفى ١٠ نوفمبر سنة ١٩٥٣ م نقلت رفاته فى احتفال مهيب إلى الضريح الرحيب الذى أقيم تكريمًا له فى قصبة البلاد.
وكان مصطفى كمال رجلًا لا يحب بطبيعته أنصاف الحلول، يضيق
стр. 445
بالمعارضة ولا يعرف هوادة فى فرض مطالبه على نفسه وعلى الناس؛ وكان هدفه الوحيد تجديد بلاده والنهوض بها إلى مراقى العظمة. وكان يعارض السلطنة والإسلام فسعى دون رحمة إلى قمعهما لأنه كان يرى أنهما مسؤولان عن اضمحلال الإمبراطورية العثمانية. وقد أدى به حبه المشتعل لبلاده إلى الاشتداد فى معاملة الأقليات التى استقرت فى تركية طويلًا ومعاملة وجوه الأتراك الذين كانت جريرتهم أنهم لم يستجيبوا لكل أفكاره السياسية. على أن أتاتورك قد وسم نظام الحكم التركى الجديد بالطابع العميق لشخصيته. وما من مجال لخلفائه لأن يعاودوا النظر فى عمله اللهم إلا فى مسألة الدين وصبغ النظام بالصبغة الديموقراطية.
المصادر:
(١) يجد القارئ ثبتًا كاملًا بالمصادر التى تتناول أتاتورك فى إسلام أنسيكلوييدياسى، جـ ١، عدد ١٠, استانبول سنة ١٩٤٩ م.
(٢) وثمة مراجع زيادة على ذلك: أتاتورك: نطق (١٩١٩ - ١٩٢٧ م) مجلد ١, ٢، استانبول سنة ١٩٣٤ م؛ وثمة ترجمة إنكليزية لحديث أدلى به الغازى مصطفى كمال، ليبسك سنة ١٩٢٩ م.
(٣) أتاتوركك صويله وديمجلرى (١٩١٩ - ١٩٣٨ م) استانبول سنة ١٩٤٥.
(٤) برهان جاهد: غازى مصطفى كمال، استانبول سنة ١٩٣٠ م.
(٥) ضياء شاكر: أتاتوركك حياتى، إستانبول سنة ١٩٣٨ م.
(٦) يعقوب قدرى قره عثمان أوغلى: أتاتورك، استانبول سنة ١٩٤٦ م.
(٧) Souvenirs du Gazi: J. Deny Moustafa Kemal Pacha في Revue des etudes Islamiques سنة ١٩٢٧ م, جـ ١ ص ١١٩ - ١٣٦؛ جـ ٢, ص ١٤٥ - ٢٢٢.
(٨) Moustafa Kemal ou: P. Gentizon LOrient en marche، باريس سنة ١٩٢٩ م.
стр. 446
(٩) Mustapha Kemal: H.E. Worthmam of Turkey، نيويورك وبوسطن سنة ١٩٣٠ م.
(١٠) The Grey Wolf: H. Armstrong Mustafa Kemal. An Intimate study of a dictator، لندن سنة ١٩٣٣ م؛ نيويورك سنة ١٩٣٣ م.
(١١) Kemal Ataturk: H. Melzig، فرانكفورت على الماين سنة ١٩٣٧ م.
(١٢) أنور ضيا قارال: تورك إنقلابنك ماهيتى وأونمى، استانبول سنة ١٩٣٧ م.
(١٣) جوتهارد باشكه ونيازى رجب آقصو: تورك إنقلابى تاريخى قرونولوزيسى، مجلد ١ - ٢، استانبول سنة ١٩٣٩ - ١٩٤١ م.
(١٤) ويجب أن نضيف إلى المصادر المستفيضة الواردة في إسلام أنسيكلوبيدياسى، جـ ١، عدد ١٠، ص ٨٠٠ - ٨٠٠٤: تاريخ وثيقة لرى، السلسلة الجديدة، جـ ١ عدد ١.
(١٥) أغسطس سنة ١٩٥٥ م، ص ١ - ١٥.
(١٦) حرب تاريخى وثيقة لرى دركيسى، الأرقام ١ - ١٠، سبتمبر سنة ١٩٥٢ م - ديسمبر سنة ١٩٥٤ م.
(١٧) Belleten، مجلد ٢٠، رقم ٨٠، أكتوبر سنة ١٩٥٦ م.
خورشيد [مانتران R-Mantran]
الاثنا عشرية
(من اثنى عشر): اسم يطلق في مقابل "السبعية"، [وهم أتباع الأئمة السبعة] على الشيعة الذين يقولَون بوجود سلسلة من اثنى عشر إمامًا، كما يقولون إن الإمامة قد انتقلت من على الرضا إلى ولده محمد التقى، ثم إلى ابنه على النقى، ثم إلى ابنه الحسن العسكري الزكى، وأخيرًا إلى محمد المهدي، الذي استتر وسوف يظهر في آخر الزمان معلنًا قيام الساعة فيملأ الأرض عدلًا. وترتيب الأئمة الاثنى عشر كما يفي: (١) على المرتضى، (٣) الحسن المُجْتَبى، (٣) الحسين الشهيد، (٤) على زين العابدين السَجّاد، (٥) محمد الباقر، (٦) جعفر الصادق، (٧) موسى الكاظم، (٨) على الرضا،
стр. 447
(٩) محمد التقى. (١٠) على النقى، (١١) الحسن العسكري الزكى، (١٢) محمد المهدي الحجة.
وهذا هو ترتيب الأئمة الذين استقر عليهم الرأى منذ القرن الخامس الهجري (الحادى عشر الميلادى) بيد أن هذه الفرقة لم تكن على الدوام متفقة فيما بيبها، فلقد كانت في وقت من الأوقات منقسمة إلى ما لا يقل عن إحدى عشرة فرقة ليس لها أسماء خاصة بها، بل كانت تتميز إحداها عن الأخرى بما يلى: الأولى قالت إن الحسن العسكري لم يمت ولكنه غائب فقط؛ والثانية قالت إن الحسن قد مات ولا ولد له ولكنه يجئ بعد الموت؛ والثالثة قالت إن الحسن قد مات وأوصى إلى جعفر أخيه؛ والرابعة قالت إن الحسن قد مات دون أن يترك وارثًا له في الإمامة؛ والخامسة قالت إن محمد بن على هو الإمام؛ والسادسة قالت إن للحسن ابنًا ولد قبل وفاة أبيه بسنتين واسمه محمد؛ والسابعة قالت إن للحسن ابنًا ولكنه ولد بعد موت أبيه بثمانية أشهر؛ والثامنة قالت بصحة وفاة الحسن من غير أن يعقب نسلًا، وألا امام بعده على أهل الأرض لمعاصيهم؛ والتاسعة قالت إن الحسن قد ولد له ابن ولكنه غير معروف؛ والعاشرة قالت إن الحسن قد مات ولا
بد للناس من إمام، ولا يعلم أهو من ولد الحسن أم من ولد غيره؛ والحادية عشرة توقفت عند على الرضا، وهي تنتظر الحجة (الإمام الأخير)، ومن ثم سميت الواقفية أعنى أولئك الذين توقفوا عن الحكم في موت الإِمام. وكان يطلق عليهم أول الأمر القَطْعيّة (قطيَعية) وهؤلاء -على عكس الواقفية - قطعوا بوفاة الإِمام، أو -كما يقول البعض- إنهم توقفوا في سلسلة الأئمة عند موسى الكاظم ولد جعفر لكي يجعلوا الإمامة في أنساله فقط. وهناك غير أولئك وهؤلاء جماعة تقول بإمامة
أحمد بعد أبيه موسى من غير الاعتراف بعلى الرضا. ويقال إن محمدًا ولد الأخير كان صغير السن عند وفاة أبيه، ولذلك لم يكن في استطاعته أن يتلقى عنه مناهج الإمامة. ويعترف آخرون بإمامة محمد هذا, ولكنهم اختلفوا في أى ولديه أحق بالامامة أهو موسى أم
стр. 448
على؟ . وبعد على نشأ نفس هذا الاختلاف بين جعفر والحسن. ولُقِّب الذين قالوا بإمامة الحسن العسكري من خصومهم بالحمَارِيّة لأنهم وصموا الحسن بالجهل. وَبعد وفاة الحسن، قال البعض بإمامة جعفر، ويقال إنه ابن جارية، والحسن في اعتقادهم لم يخلف ولدًا.
والصفوية الذين يدعون أنهم من سلالة موسى الكاظم، جعلوا مذهب الشيعة -أو مذهب الاثنى عشرية بنوع أدق- المذهب الرسمى في فارس. وقد أمر الشاه إسماعيل الصفوى بعد اعتلائه العرش عام ٩٠٦ هـ (١٥٠٠ م) الخطباء في أذربيجان أن تكون الخطبة باسم الأئمة الاثنى عشر، كما أمر المؤذنين أن يضيفوا إلى الأذان صيغة الشيعة وهي: "أشهد أن عليا ولىّ الله". وأمر الجند أن يقتلوا كل من يعارض ذلك.
ولمذهب الاثنى عشرية أهمية كبرى عند الفرس، فلقد نظروا إلى هؤلاء الأئمة كما نظر النصارى إلى أقانيمهم، وقالوا إن في أيديهم مقادير العالم، عليهم حفظه وهدايته، الخلاص معهم والهلاك بدونهم (Religions et: Gobineau philosophies ص ٦٠). وطاعتهم والتوسل إليهم أمران واجبان، وهناك صلوات خاصة بهم. ويوم الأحد مقدس عندهم من أجل علىّ وفاطمة، والساعة الثانية من كل يوم مقدسة من أجل الحسن، والثالثة من أجل الحسين، والرابعة من أجل زين العابدين، وهكذا. وللذين يزورون قبورهم أجر معلوم.
المصادر:
(١) الفَرْق بين الفِرَق، طبعة محمد بدر، ص ٤٧.
(٢) ابن حزم، انظر Friedlaender: The Heterodoxies of the Shiites، انظر الفهرس
(٣) الشهرستانى: الملل، ص ١٧، ١٢٨ ترجمته Haarbucker، ص ٢٥، ١٩٣.
(٤) أبو المعالى: بيان الأديان في Ghrest. Pers: Scheter، جـ ١, ص ١٦١، وما بعدها، ١٨٤، وما بعدها.
(٥) الديار بكرى: الخميس، جـ ٢، ص ٢٨٦ - ٢٨٨.
стр. 449
(٦) مطهر بن طاهر المقدسي، (ينسب خطأ للبلخى): كتاء البدء، طبعة وترجمة Huart، جـ ٥، سنة ١٩١٦ م، ص ١٣٢، وما بعدها.
(٧) ابن بابويه القُمْى: كتاب كمال الدين ... إلخ Moller طبع جزء منه في Beitr z. Mahdilehre des Islam، هيدلبرغ سنة ١٩٠١ م.
(٨) على البحرانى: منار الهدى، ص ٣١٤، وما بعدها
(٩) خواندمير: حبيب السير، جـ ٤، ص ٣، ٣٤.
(١٠) Vorlesungen: Goldziher
[إيوار Cl. Huart]
الاجتهاد
لغةً بذل الوُسع في طلب المقصود، واصطلاحًا استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له "ظَنّ" بقضية أو حكم فقهى (كشاف اصطلاحات الفنون ص ١٩٨؛ لسان العرب، جـ ٤، ص ١٠٩، س ١٩ وما بعده) ويكون ذلك "بالقياس" على القرآن والسنة. وقد استعمل لفظ "الاجتهاد" في أول الأمر بمعنى "القياس" وخاصة في "رسائل" الشافعي (طبعة القاهرة سنة ١٣١٢ هـ، ص ١٢٧، س ٧ وما بعده "باب الإجماع") فهو في كلامه عن "الاجتهاد"، يذكر أولا الآية ١٤٨ من سورة البقرة ثم يدلل على أنها تتضمن وجوب اتباع كل فرد رأيه الخاص في تعيين موضع القبلة. وإذن فهو في الحقيقة يستعمل هنا "الاجتهاد" بمعنى "الرأى". والمجتهد هو الذي يبذل وسعه ليحصل له "ظن"، على نقيض "المُقَلِّد" الذي يقول عنه السبكي في كتابه جمع الجوامع: هو"من يأخذ بمذهب غيره دون دليل"، وورد في حديث للنبى ﷺ أن للمجتهد أجرًا إذا أخطأ وأجرين إذا أصاب (Goldziher فى Zeitschr. d. Deutsch. Mor- genl Ges.، جـ ٥٣ ص ٦٤٩). فالاجتهاد إذن لا يقتضى عدم الوقوع في الخطأ، ونتيجته دائمًا "ظن" ولذلك كان الخطأ محتملًا. ولا يصبح الاجتهاد معصومًا عن الخطأ إلا إذا اتفق عليه المسلمون جميعًا فصار "إجماعًا" (فيما يتعلق بإمكان وقوع المجتهد في الخطأ. انظر
стр. 450
شرح التفتازانى على "عقائد" النسفى، طبعة القاهرة سنة ١٣٢١ هـ، ص ١٤٥ وما بعدها). ولكن سرعان ما ضاق هذا المعنى الواسع للاجتهاد فأصبح لفظ "الاجتهاد" يدل على معنى خاص هو اجتهاد أولئك الذين لهم الحق في تقرير أحكام يجب أن يأخذ بها غيرهم. وقد حدث في هذا الموضوع خلاف بين المتكلمين والفقهاء استدعته طبيعته، ولا يزال يوجد إلى اليوم من المتكلمين من يقول إن الإنسان لا يصل بالتقليد إلى إيمان منجّ (انظر مثلًا فضالى: كفاية العوام، في مواضع مختلفة، وترجمة ماكدونالد في كتابه - Develop ment of Muslim Theology ص ٣١٥ - ٣٥١) ومع ذلك فقد كان الفقهاء جميعًا -منذ قرون كثيرة- يعتبرون مقلدين وإن تفاوتوا في درجة التقليد، ذلك لأن
المسلمين عندما أخذوا في عصور متأخرة ينظرون في نشأة المذاهب الأربعة خصوا بالاجتهاد كله مؤسسى تلك المذاهب وبعض من عاصرهم، فقد كان من حق هؤلاء أن يلتمسوا لكل ما يعرض لهم من مسائل حلا برأيهم الخاص، معتمدين في ذلك على القرآن والسنة والقياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب إلخ ... إذ كان كل منهم مجتهدًا "مطلقًا". ثم جاء بعدهم من حذا حذوهم ولكن في حدود المذهب الذي يقلدونه، فسبيَّن هؤلاء "فروع" المسائل كما حدد الأئمة "أصول" الفقه وجمعوا لها "النصوص". وكان مجتهدو المذهب يطلقون كلمة "وجه" على المعنى الذي يفيده ضمنًا نص الإمام. ثم جاء بعدهم كذلك من كان أقل شأنًا، وهم أولئك الذين كان من حقهم -بما لهم من علم بمذاهب المتقدمين- أن يفتوا فيما يعرض عليهم من المسائل، وقد أطلق عليهم "المجتهدون بالفتوى"، ومع إن كل مجتهد هو مفت على نحو ما، إلا أن المجتهد بالفتوى ليس إلا مفتيًا فقط، على هذا كان أمر الاجتهاد في الجملة. بيد أنه كان يظهر من حين إلى آخر أفراد يدفعهم الطموح وإنكار الجمود إلى الرجوع للاجتهاد بمعناه الأول، فسوغوا لأنفسهم أن يجتهدوا برأيهم معتمدين على النصوص الأولى، من هؤلاء ابن تيمية المتوفى عام ٧٢٨ هـ وهو حنبلى المذهب (Die Za-: Goldziher
стр. 451
hiriten، ص ١٨٨ وما بعدها)، والسيوطى المتوفى عام ٩١١ هـ الذي اجتمع له مع صفة الاجتهاد أنه "مجدد" عصره. وقد ذهب السيوطى إلى أنه يجب ألا يخلو زمن من مجتهد واحد على الأقل (Gharacteristik .. us: Goldziher Suyutis، ص ١٩ وما بعدها) كما أنه يجب أن يكون على رأس كل مائة سنة مجدد. وهناك غيرهما كالإمبراطور أكبر، ولكنه كان زنديقًا (Goldziher: Vorlesungen ص ٣١١). ولا يزال يوجد إلى الآن في بلاد الإسلام الشيعية مجتهدون بالإطلاق لأنهم يعتبرون دعاة للإمام المحتجب، وبذلك يختلف شأنهم تمامًا عن شأن العلماء عند أهل السنة. فأولئك ينقدون أعمال الشاه ويهيمنون عليها, وليس الشاه إلا نائبًا للإمام المنتظر وقائمًا على أوامره أثناء غيبته. وعلى عكس ذلك شأن علماء أهل السنة الذين يعتبرون خدامًا للحكام (Vorlesungen: Goldziher، ص ٢١٥ - ٢١٨، ٢٢٣، ٢٨٥).
المصادر:
(١) القرافى: شرح تنقيح الفصول في الأصول، طبعة القاهرة سنة ١٣٠٦ هـ، ص ١٨ وما بعدها، ويوجد على هامشه شرح أحمد بن قاسم على شرح المحلى على "ورقات" الجوينى، ص ١٩٤ وما بعدها.
(٢) Le droit musul: Snouck Hurgronje mans فى Rev. de lHist. des Religion جـ ٣٧ في مواضع مختلفة.
(٣) وانظر استعراض هذا المؤلف أيضًا لكتاب Mohammedanisches: Sachau Rechi قوله Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl Ges، ب ٥٣ ص ١٣٩ وما بعدها.
(٤) Handb. d. Islam. Ges.: Juynboll، ص ٣٢ وما بعدها.
[ماكدونالد D. B. Macdonald]
الأجل
غاية الوقت، ويقال أجل لغاية الحياة التي كتبها الله على الأحياء سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات، وهي غاية لا تستأخر ساعة ولا تستقدم. (سورة الأعراف، الآية ٣٤؛ سورة يونس، الآية ٤٩؛ سورة النحل، الآية ٦١؛ سورة العنكبوت، الآية ٥٣؛ سورة نوح، الآية ١٤). قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ
стр. 452
مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (سورة فاطر، الآية ١١). وآجال الناس لا تنقص بذنوبهم (سورة فاطر، الآية ٤٥؛ سورة الشورى، الآية ١٤) ولو أننا نستطيع أن نستنتج من جهة أخرى مما أنزل من الوحي أن الناس قد يعاقبون بتقصير آجالهم وقد يؤخرون إلى أجل مسمى إذا تابوا (سورة هود، الآية ٣؛ سورة إبراهيم، الآية ١٠). وما أكثر ما يتبع القرآن الأجل بلفظ "مسمى" توكيدًا بأنه غاية الحياة التي كتبها الله على وجه لا يقبل التغيير (سورة الزمر، الآية ٤٢؛ سورة المؤمن، الآية ٦٧، وفي آيات أخرى) مثل قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الشورى: الآية ١٤). ويطلق الأجل المسمى كذلك على المدة التي كتبت على الظواهر الطبيعية الجارية على منوال ثابت ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (سورة لقمان الآية ٢٩؛ سورة فاطر، الآية ١٣؛ والزمر، الآية ٥). وكثيرًا ما يطلق الأجل المسمى كذلك على المدة المكتوبة لبقاء الدنيا (سورة الأنعام، الآية ٢، الآية ٦١؛ سورة فاطر، الآية ٤٥). وبعد انقضاء الأجل المسمى للدنيا يبدأ البعث لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، ويمكننا أن نقول إن المفسرين يميلون إلى حمل "الأجل المسمى" على نهاية الدنيا كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
وقد أدى ما جاء في الدين عن الأجل إلى جملة مسائل كانت موضع جدل عنيف بين الفرق الإسلامية، ونشأت حولها عقائد مختلفة وخاصة فيما يتعلق بالمسائل الآتية: هل يدخل انقطاع الحياة فجأة في حدود ما كتبه الله من أجل؟ . وهل الموت بالقتل هو أجل من الآجال التي كتبها الله والتي يعلم بها منذ الأزل؟ (الأمر كذلك عند الأشاعرة وأبى الهذيل العلاف، انظر Zeitschr. d. Deutsch Morgent Geselisch جـ ٣٠، ص ٢١) أو إذا كان الله قد قدر لعبد من عباده أجلًا ما فقتل قبل غاية أجله فهل كانت حياته تمتد به حتى أجلها إذا لم يحدث له هذا الحادث المفاجئ؟ وهل القاتل مختار في فعله ومستقل فيه عن إرادة الله؟ (المعتزلة، وهنالك فى "رسائل" الخوارزمى إلمامة بالآراء المختلفة في الأجل، إستانبول سنة
стр. 453
١٢٩٧ هـ ص ١٠٨). ويستطيع أنصار هذا الرأى الأخير أن يدافعوا عن مذهبهم: بأنه إذا جاز رأى مخالفيهم فإنه يكون من التناقض والظلم الثأر من القاتل أو القصاص منه على أي وجه. ويتعرض كذلك أصحاب الفرق في كلامهم عن الأجل للمسائل الآتية: إلى أي حد يطيل الله الأجل أو يقصره ثوابًا على طاعة أو عقابًا على معصية؟ والجواب عن هذه المسألة يستخرج من التوفيق بين الآيات القرآنية التي سبق أن ذكرناها، وهو يرد مسألة الأجل إلى ما دار من جدل حول موضوع "البداء" وهناك وجه آخر من اوجه مسألة الأجل وهو الخاص بموت الجماعات من الأحياء نتيجة للكوارث العامة كالحروب والاضطهادات.
وقد كوَّن بحث هذه المسائل منذ ظهور مصنفات في العقائد عند المسلمين بابًا خاصًا في تلك المصنفات كما في كتاب الأشعرى "الإبانة في أصول الديانة". (حيدر آباد سنة ١٣١٠ هـ، ص ٧٢) وكتاب "المواقف" للإيجى (إستانبول سنة ١٢٦٦ هـ، ص ٥٢٥) وغيرهما من الكتب. وقد بسط ابن أبي الحديد بالتفصيل الخلاف بين الفرق الإسلامية في هذا الموضوع في شرحه على "نهج البلاغة" وهو الكتاب الذي ينسب خطأ إلى على، واقتطف دلدار على الشيعي من هذا الشرح بعض نبذ في فصل قيم له في كتابه "عماد الإسلام في علم الكلام" (طبعة لكهنؤ، سنة ١٣١٩، جـ ٢، ص ١٤٩ - ١٥٣). وقد بحثت الفلسفة الدينية اليهودية هذه المسألة أيضًا من نفس الوجهة التي بحثها المسلمون (انظر D. Kaufmann في Zeitschr. d. Deutsch Morgent. Geseilsch.، جـ ٤٩، ص ٧٣ - ٨٤، نما S.Poznanski في Monatsschr. f. Gesch. d. Judent، جـ ٤٤، ص ١٤٢ - ١٤٣.
[كولدتسيهر I. Goldziher]
+ الأجل: الأمد المحدد لحياة إنسان أو تاريخ وفاته. وقد نوقش هو والرزق على اطراد في علم الكلام المبكر. والفكرة في أن تاريخ وفاة الإنسان ثابت ترجع ظنًا إلى فكرة سبقت الإِسلام. والكلمة "أجل" مستخدمة في القرآن بطرق مختلفة، مثال ذلك تصور الجنين في الرحم (سورة
стр. 454
الحج، الآية ٥) والمدة التي كان على موسى أن يخدمها من أجل زوجته (سورة القصص، الآية ٢٨) وتاريخ استحقاق الدين (سورة البقرة، الآية ٢٨٢) وغيرها. وقد وقَّت الله لخلق السموات والأرض والشمس والقمر أجلا (سورة الأحقاف، الآية ٣: سورة الزمر، الآية ٥ وما بعدها)، وبهذا يرتبط مجئ اليوم الآخر. وقد استخدمت في الأكثر خاصة لأمد الوجود الذي قدَّره الله للأمم (سورة المؤمنون، الآية ٤٣ وما بعدها) وللأفراد (سورة المنافقون، الآية ١٠ وما بعدها، سورة الأنعام، الآية ٢). وهذا الأجل لا يقدم ولا يؤخر، وثبوته يفسر لم لا يعاقب الآثمون في الحال ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (سورة فاطر، الآية ١١). والأجل لا ينقص حتى مع ارتكاب الخطيئة (سورة فاطر، الآية ٤٥؛ سورة الشورى، الآية ١٤). على أننا قد نخلص من هذا إلى أن محمدًا (١)
ﷺ فترض نقص الأجل عقوبة، ولكنه قد يرد إلى طوله الأول مع التوبة (سورة هود، الآية ٣؛ سورة إبراهيم، الآية ١١). وما أكثر ما يؤكد القرآن أن كلمة الأجل هي مدة الحياة التي لا تنقص فيتبعها الله بالوصف "مسمى" (سورة الزمر، الآية ٤٢؛ سورة غافر، الآية ٦٧، إلى غير هذا من الآيات): "ولولا كلمة سبقت من ربك" (سورة الشورى، الآية ١٤). وهذا النعت نفسه يطلق على جريان الظواهر الطبيعية غير المتغير (سورة لقمان، الآية ٢٩؛ سورة فاطر، الآية ١٣؛ سورة الزمر، الآية ٥). وكثيرًا ما يوصف أيضًا أجل الدنيا المقضى بهذا الوصف المقرر (سورة الأنعام، الآية ٢، ٦١؛ سورة فاطر، الآية ٤٥). ويلحظ المرء في تفاسير القرآن الجنوح إلى الإشارة بالأجل المسمى ما أمكن إلى زمن انتهاء الدنيا.
ولوفق ما جاء في الحديث (البخاري، كتاب القدر، الباب الأول؛ مسلم، كتاب القدر، الباب الثالث، وغير ذلك) فإن الأجل والرزق اثنان من أشياء أربعة مكتوبة على الإنسان حين يكون في الرحم. وذهب بعض السابقين من المعتزلة فيما يظهر إلى أن الإنسان الذي يموت في فاجعة لم يبلغ اجله
стр. 455
الذي قدره الله له. وقد يكونون قالوا هذا لكراهيتهم أن ينسبوا إثم القتل إلى الله، كما قالوا إن الرزق الذي هو من المتاع المنهوب لا يكون من عند الله. وفي مثل الآية ٦٧ من سورة غافر يمكن أن يفسر الأجل على أنه الزمن الطبيعى، أو كما قالوا: "الزمن سبق في علم الله أنه قاض نحبه عنده ولو لم يكن قد قتل" (انظر الإبانة) على أن هذا الرأى يخالف الشعور المتأصل بأن أجل الموت محدد. وحتى أبو الهذيل يقول إن الإنسان إن لم يقتل فلقد كان حريًا أن يموت على وجه آخر. ويصر النجار على أنه على آية صورة كان الموت فالإنسان يموت عند أجله؛ وقد تتبعه خصوم عقيدة القدر ومعهم الأشعرى. وحاول الكعبى أن يتجنب نسبة الشر إلى الله بالتفرقة بين الموت والقتل. ولم يثر جديد بعد ذلك، وكرر المتكلمون الموضوعات القديمة. وعن "الأجل" يعرض العقائديون للمسائل الآتية: إلى أي مدى يطيل الله الأجل أو ينقصه ثوابًا على الطاعة أو عقابًا على المعصية على الولاء؟ والجواب عن هذه المسألة ينتهى بالتوفيق بين الآيات القرآنية المذكورة آنفًا، وهو يرد مسألة الأجل إلى ما دار من جدل حول موضوع "البداء". وثمة وجه من وجوه مسألة الأجل وهو الخاص بفناء مجموعات عظيمة من الأحياء بفعل الكوارث الطبيعية والحروب والاضطهادات وغيرها.
وتعالج الفلسفة الدينية اليهودية المشكلة من وجهة النظر نفسها.
المصادر:
(١) الأشعرى: مقالات الإِسلاميين، طبعة Ritter، ص ٣٥٦ وبها مصادر أخرى ص ٢٨٥.
(٢) الكاتب نفسه: الإبانة، القاهرة سنة ١٣٤٨ هـ، ص ٥٩ (حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ، ص ٧٦؛ ترجمته W. C. Klein، نيوهافن سنة ١٩٤٠، ص ١١٥ - ١١٧.
وقد سقط من المتن شيء.
(٣) البغدادى: أصول الدين، إستانبول سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٣٨ م، ص ١٤٢ - ١٤٤.
(٤) الغزالى: اقتصاد، قطب ٤، باب ٢، فصل ٢، مسألة.
(٥) الشهرستانى: نهاية الأقدام، طبعة Guillaume، ص ٤١٦.
(٦) الإيجى: المواقف، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ٨، ص ١٧٠.
стр. 456
(٧) التفتازانى: شرح العقائد النسفية، القاهرة سنة ١٣٣٥ هـ, ص ١٠٨ (ترجمة E. E. Adler، نيويورك، سنة ١٩٥٠ م، ص ٩٤).
(٨) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، وقد استشهد به أيضًا دلدار على في عماد الإِسلام في علم الكلام، لكهنؤ سنة ١٣١٩ هـ، جـ ٢، ص ١٤٩ - ١٥٣.
(٩) Free Will and pre -: W. M. Watt destination in early Islam، لندن سنة ١٩٤٨ م، ص ١٦ - ١٨، ٢٩، ٦٦، ١٠٨، ١٤٦.
(١٠) Maimonides uber die Le: G. Weil bensdauer، بازل سنة ١٩٥٣ م.
الأبيارى [كولد تسيهر- وات Goldziher - W. M. Wattt]
إجماع
إجماع. أحد الأصول الأربعة التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ويعرف بأنه اتفاق "المجتهدين" (هم الذين لهم الحق بفضل ما أوتوا من علم أن يقرروا حكمًا برأيهم: انظر مادة "اجتهاد") من الأمة بعد وفاة الرسول في كل عصر وفي كل أمر ديني. ولما كان هذا الاتفاق لا يحدث عن طريق هيئة من الهيئات أو مجمع من المجامع بل يحدث بالطبيعة ومن تلقاء ذاته، فإن وجوده في مسألة من المسائل لا يُعرف إلا إذا نظرنا إلى الماضي ورأينا أنه قد حدث بالفعل اتفاق فيها، وعند ذلك يسلم بهذا الاتفاق ويسمى "إجماعًا". وعلى هذا النحو تقررت رويدًا رويدًا بعض المسائل التي كانت موضع جدل، وتصبح المسألة التي تقرر على هذا النحو جزءًا أساسيًا من العقيدة يعد إنكاره كفرًا (انظر Uberigma: Goldziher فى Nachr. K. Ges. Phil. hist. kl. Wiss. Gottingen سنة ١٩١٦ م، ص ٨١ وما بعدها) ويصبح كل إجماع كهذا "حجة" في زمنه وفي الأزمان التالية؛ وقد يكون الاتفاق في القول فيسمى "إجماع القول"، أو في العمل فيسمى "إجماع الفعل"، أو في الصمت الذي يدل على القبول فيسمى "إجماع السكوت" أو"التقرير" (انظر ما يشبه هذا التقسيم في "سنة" الرسول). ولا يدخل في الإجماع اتفاق العوام، كما أن رواية صحابى واحد كانت ملزمة
стр. 457
للأجيال اللاحقة، وهذا هو رأى الشافعي في أول أمره قبل انتقاله إلى مصر، ولكنه رأى لا يقول به أحد الآن.
وقد أخذ المسلمون منذ صدر الإِسلام بمبدأ عام في الإجماع وإن اختلفت صوره: فقد اعتمد فقه مالك بن أنس إلى حد كبير على اتفاق أهل "المدينة"، بلدة النبي، وهذا إجماع محلى. وكثيرًا ما كان يعول على إجماع أهل المدينتين الكوفة والبصرة (أهل الأمصار) ومن كان فيهما من حشود الرجال المحنكين الذين اشتركوا في الفتوحات الإسلامية الأولى؛ وكان إجماع الصحابة بطبيعة الحال أمرًا مأخوذًا به عند الأجيال اللاحقة بصفة قطعية. والشافعي وحده هو الذي جعل من هذا المبدأ العام "أصلًا" مقررًا يعتمد عليه إلى جانب الأصول الثلاثة الأخرى. وإذ كان الإجماع لايتعرض للمسائل التي لم تبت فيها الأصول الأخرى فإنه قد أصبح هو الذي يطبع بطابع التوكيد ما يقرره أصل آخر. ويرجع هذا الشأن الذي للإجماع إلى "العصمة" من الوقوع في الخطأ، وهي ميزة خص الله بها المسلمين. ويقال عادة في كتب الشافعي: إن كذا وكذا من القرآن الكريم أو السنة هو الأصل المعتمد عليه في أمر كذا "قبل" الإجماع وينكر الوهابيون اليوم تعميم هذا المبدأ (يتبعون في ذلك المذهب الظاهرى الذي اندرس الآن) ويقصرون الإجماع على اتفاق الصحابة. وهناك "فِرَق" -كالشيعة والإباضية- لا تدخلَ بطبيعة الحال في "إجماع" أهل السنة.
ومنطوق هذا المبدأ الذي قرره الفقهاء هو كما ذكرناه آنفًا؛ ولكن تطبيقه كان في الحقيقة أوسع من ذلك. والحديث النبوى الذي يعد أساس الإجماع هو: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة"، يضاف إليه الآية ١١٥ من سورة النساء التي يتوعد فيها الله "من يتبع غير سبيل المؤمنين"، والآية ١٤٣ من سورة البقرة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (انظر شرح البيضاوى)؛ وعلى هذا فإنه يكون في مقدور الناس أن يخلقوا بطريقة تفكيرهم وأعمالهم عقائد وسننا، لا أن يسلموا بما تلقوه عن طريق آخر فحسب. وبفضل الإجماع أصبح ما كان في أول أمره "بدعة" (أي فعلة مخالفة للسنة وبذلك تكون ضلالة) أمرًا مقبولًا
стр. 458
نسخ السنة الأولى. فالتوسل بالأولياء مثلًا صار عمليًا جزءًا من السنة، وأعجب من هذا أن الاعتقاد بعصمة النبي قد جعل "الإجماع" ينحرف عن نصوص واضحة في القرآن الكريم (١). فلم يقتصر الإجماع هنا على تقرير أمور لم تكن مقررة من قبل فحسب بل غيّر عقائد ثابتة وهامة جدًا تغييرًا تامًا. وعلى هذا فهو يعد اليوم عند الكثيرين -مسلمين وغير مسلمين- وسيلة فعالة للإصلاح. فهم يقولون إن المسلمين يستطيعون أن يجعلوا من الإِسلام ما شاءوا على شريطة أن يكونوا مجمعين. على أن الآراء غير متفقة فيما يمكن أن ينتظر للإجماع، فكولدسيهر (Vorlesungen، ص ٩٦) الذي درس تاريخ الإجماع يعتقد أنه يمكن أن يكون له شأن كبير، على خلاف سنوك هركرونى (Politique: Snouk Hurgronje musulmane de La Hallande ص ٤٢، ٦٠) الذي يرى أن "الفقه" قد جمد، ولذلك فلا رجاء في الإجماع.
المصادر:
(١) الشافعي: الرسالة، طبعة القاهرة سنة ١٣١٢ هـ، ص ١٢٥ وما بعدها.
(٢) القرافى: شرح تنقيح الفصول في الأصول، طبعة القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ ص ١٤٠ وما بعدها، وانظر على هامشه شرح أحمد بن قاسم على شرح المحلى على "ورقات" الجوينى، ص ١٥٦ وما بعدها.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون، ص ٢٣٨ وما بعدها.
(٤) Zahiriten: Goldziher ص ٤٢ وما بعدها.
(٥) الكاتب نفسه: Muh. Studien، جـ ٢، ص ٨٥، ١٣٩، ٢١٤، ٢٨٤.
(٦) وله أيضًا: Vorlesungen، انظر الفهرس.
(٧) Le droit Musul: Snouck Hurgronje mam فى Rev. de l hist. des Religions المجلد ٣٧، ص ١٥ وما بعدها، ص ١٧٤ وما بعدها
(٨) Joynbull: Handb. des Islam. Ge setzes ص ٤٦ - ٤٩.
[ماكدونالد D. B. Macdonald]
стр. 459
أُحُد
جبل على نحو ثلاثة أميال من شمالى المدينة، اشتهر للمعركة التي دارت هناك في السنة الثالثة للهجرة والتي انتهت بما لا يحب محمد [ ﷺ ] وهو جزء من سلسلة عظيمة من التلال التي تمتد من الشمال إلى الجنوب حيث
تنتشر شرقًا على السهل مكونة مجموعة مستقلة من التلال. والجدر الصخرية المحاطة بنجد على هيئة مثلث قائم الزاوية -ليست بذات شناخيب "رؤوس" كما يقول ياقوت- والتي "ترتفع وكأنها أشبه بكتل من حديد"، (بيرتون) فوق السهل مقفرة تمامًا من الأشجار والنباتات، وكل ما هنالك أن صفحة الجدار الجنوبى تشقها مهواة كان لها نصيب حاسم في المعركة. والأرض المحيطة صخرية مغطاة بالحصباء، لكن إلى أقصى الجنوب ثمة قليل من حقول القمح وبساتين يرويها جدول صغير. غير أن هذه قد تغمرها في بعض الأحيان عواصف ممطرة مفاجئة حتى إن الحجاج الوافدين من المدينة لا يستطيعون أن يبلغوا التل.
والمكيون الذين أخذوا يعدون للثأر من هزيمة بدر عسكروا في حقول القمح التي سبق ذكرها قريبًا عند العِرض أو الجُرف، وكانت هذه الحقول عندهما مليئة بالقمح الناضج فأمدت حيواناتهم بالعلف. وقد استكره محمد [ ﷺ ] على ترك المدينة ليلقى عدوه في الحقل المكشوف، وكان هذا على غير إرادته وعلى غير ما نصح به الشيوخ، فمضى بلا عائق إلى ما وراء معسكر العدو وصف عسكره على سفح التل جاعلًا ظهورهم إليه، وكان تخطيط العدو لا يقل عن ذلك غرابة.
وقد رأى محمد [ ﷺ ] أولًا أن حمية أتباعه سوف تحقق له نصرًا أشبه بذلك يوم بدر. غير أن الرماة الذين أقامهم النبي فوق التل آمرًا إياهم في جلاء بأن يحولوا دون مهاجمة العدو لجناح الجيش وبألا يتركوا مراكزهم، كانوا غير قادرين على أن يضبطوا أنفسهم حين رأوا المعسكر المكي يُغنم فخفوا ليروا ما يمكنهم أخذه، وبنظرة خاطفة رأى خالد بن الوليد في الحال مكان الضعف، وحين هاجمه سرعان ما
стр. 460
انقلبت الكفة. وحين انتشرت الشائعة بأن محمدًا [ ﷺ ] سقط قتيلا أخذ المسلمون في التخاذل، ثم عم الهرب أخيرًا. وفي الحق إن محمدًا [ ﷺ ] لم تنله غير جراحات وأن نفرًا من أتباعه أفلحوا في إخفائه في المهواة. ومن حسن الحظ أن المكيين الذين كانوا أقل تجربة بالشئون العسكرية لم يعرفوا كيف يصلون نصرهم وأخذوا في الرجوع إلى ديارهم. وبهذا نجا النبي [ ﷺ ] من أسوأ العواقب، وقدر له أن يحزن لفقد كثيرين من أتباعه من بينهم عمه حمزة الذي أحس حسرة خاصة لفقده. وليس من السهل أن نحصل على فكرة واضحة عن معاملة القتلى، إذ إن النقول تختلف أشد اختلاف. فيقال إن المدينيين أحضروا موتاهم أول الأمر إلى المدينة، غير أن النبي [ ﷺ ] سرعان ما منع هذا؛ وبعض هذه النقول يسمى قبرًا عامًا وضع فيه حفظة القرآن في الصف الأول، وأما عن الآخرين فقد دفن الشهداء فرادى أو اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وبعض المراجع تقول إن المقابر العامة المزعومة لشهداء أحد هي في الحقيقة لأولئك البدو الذين ماتوا جوعًا في حكم عمر (الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص ١٤٣). وعلى أية حال فالأخبار كلها متفقة في ميلها إلى تمجيد حمزة. ويقال إن النبي [ ﷺ ] كبّر عليه أولًا، وإن جثث الموتى الآخرين وضعت إلى جانبه واحد، إلى جانب الآخر وصلى عليهم محمد [ ﷺ ] سبعين مرة، وكان يضمّن اسم حمزة الصلاة على كل جثة جديدة. وكان النبي [ ﷺ ] يذهب بعد ذلك إلى أحد كل سنة ليزور قبر حمزة والقبور الأخرى، وهكذا فعل الخلفاء الأولون أيضًا، ويقال إن محمدًا [ ﷺ ] أمر النساء في ندب كل ميت من الأنصار أن يبدأن بندب حمزة، وبهذا غدا أحد من أعظم الأماكن شهرة لحج المسلمين. وبنى مسجد على قبر حمزة؛ وقد ذكره المقدسى، وهو يقع إلى الخلف من بئر قريبة من مقابر الشهداء الآخرين. وثمة وصف مختصر لابن جبير في القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادى) وقد ذكر قبل كل شئ مسجد حمزة إلى الجانب الجنوبى من التل على مسيرة ثلاثة أميال إلى الشمال من المدينة. والمسجد مبنى على مقبرته