(٧) التفتازانى: شرح العقائد النسفية، القاهرة سنة ١٣٣٥ هـ, ص ١٠٨ (ترجمة E. E. Adler، نيويورك، سنة ١٩٥٠ م، ص ٩٤).
(٨) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، وقد استشهد به أيضًا دلدار على في عماد الإِسلام في علم الكلام، لكهنؤ سنة ١٣١٩ هـ، جـ ٢، ص ١٤٩ - ١٥٣.
(٩) Free Will and pre -: W. M. Watt destination in early Islam، لندن سنة ١٩٤٨ م، ص ١٦ - ١٨، ٢٩، ٦٦، ١٠٨، ١٤٦.
(١٠) Maimonides uber die Le: G. Weil bensdauer، بازل سنة ١٩٥٣ م.
الأبيارى [كولد تسيهر- وات Goldziher - W. M. Wattt]
إجماع
إجماع. أحد الأصول الأربعة التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ويعرف بأنه اتفاق "المجتهدين" (هم الذين لهم الحق بفضل ما أوتوا من علم أن يقرروا حكمًا برأيهم: انظر مادة "اجتهاد") من الأمة بعد وفاة الرسول في كل عصر وفي كل أمر ديني. ولما كان هذا الاتفاق لا يحدث عن طريق هيئة من الهيئات أو مجمع من المجامع بل يحدث بالطبيعة ومن تلقاء ذاته، فإن وجوده في مسألة من المسائل لا يُعرف إلا إذا نظرنا إلى الماضي ورأينا أنه قد حدث بالفعل اتفاق فيها، وعند ذلك يسلم بهذا الاتفاق ويسمى "إجماعًا". وعلى هذا النحو تقررت رويدًا رويدًا بعض المسائل التي كانت موضع جدل، وتصبح المسألة التي تقرر على هذا النحو جزءًا أساسيًا من العقيدة يعد إنكاره كفرًا (انظر Uberigma: Goldziher فى Nachr. K. Ges. Phil. hist. kl. Wiss. Gottingen سنة ١٩١٦ م، ص ٨١ وما بعدها) ويصبح كل إجماع كهذا "حجة" في زمنه وفي الأزمان التالية؛ وقد يكون الاتفاق في القول فيسمى "إجماع القول"، أو في العمل فيسمى "إجماع الفعل"، أو في الصمت الذي يدل على القبول فيسمى "إجماع السكوت" أو"التقرير" (انظر ما يشبه هذا التقسيم في "سنة" الرسول). ولا يدخل في الإجماع اتفاق العوام، كما أن رواية صحابى واحد كانت ملزمة
стр. 457
للأجيال اللاحقة، وهذا هو رأى الشافعي في أول أمره قبل انتقاله إلى مصر، ولكنه رأى لا يقول به أحد الآن.
وقد أخذ المسلمون منذ صدر الإِسلام بمبدأ عام في الإجماع وإن اختلفت صوره: فقد اعتمد فقه مالك بن أنس إلى حد كبير على اتفاق أهل "المدينة"، بلدة النبي، وهذا إجماع محلى. وكثيرًا ما كان يعول على إجماع أهل المدينتين الكوفة والبصرة (أهل الأمصار) ومن كان فيهما من حشود الرجال المحنكين الذين اشتركوا في الفتوحات الإسلامية الأولى؛ وكان إجماع الصحابة بطبيعة الحال أمرًا مأخوذًا به عند الأجيال اللاحقة بصفة قطعية. والشافعي وحده هو الذي جعل من هذا المبدأ العام "أصلًا" مقررًا يعتمد عليه إلى جانب الأصول الثلاثة الأخرى. وإذ كان الإجماع لايتعرض للمسائل التي لم تبت فيها الأصول الأخرى فإنه قد أصبح هو الذي يطبع بطابع التوكيد ما يقرره أصل آخر. ويرجع هذا الشأن الذي للإجماع إلى "العصمة" من الوقوع في الخطأ، وهي ميزة خص الله بها المسلمين. ويقال عادة في كتب الشافعي: إن كذا وكذا من القرآن الكريم أو السنة هو الأصل المعتمد عليه في أمر كذا "قبل" الإجماع وينكر الوهابيون اليوم تعميم هذا المبدأ (يتبعون في ذلك المذهب الظاهرى الذي اندرس الآن) ويقصرون الإجماع على اتفاق الصحابة. وهناك "فِرَق" -كالشيعة والإباضية- لا تدخلَ بطبيعة الحال في "إجماع" أهل السنة.
ومنطوق هذا المبدأ الذي قرره الفقهاء هو كما ذكرناه آنفًا؛ ولكن تطبيقه كان في الحقيقة أوسع من ذلك. والحديث النبوى الذي يعد أساس الإجماع هو: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة"، يضاف إليه الآية ١١٥ من سورة النساء التي يتوعد فيها الله "من يتبع غير سبيل المؤمنين"، والآية ١٤٣ من سورة البقرة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (انظر شرح البيضاوى)؛ وعلى هذا فإنه يكون في مقدور الناس أن يخلقوا بطريقة تفكيرهم وأعمالهم عقائد وسننا، لا أن يسلموا بما تلقوه عن طريق آخر فحسب. وبفضل الإجماع أصبح ما كان في أول أمره "بدعة" (أي فعلة مخالفة للسنة وبذلك تكون ضلالة) أمرًا مقبولًا
стр. 458
نسخ السنة الأولى. فالتوسل بالأولياء مثلًا صار عمليًا جزءًا من السنة، وأعجب من هذا أن الاعتقاد بعصمة النبي قد جعل "الإجماع" ينحرف عن نصوص واضحة في القرآن الكريم (١). فلم يقتصر الإجماع هنا على تقرير أمور لم تكن مقررة من قبل فحسب بل غيّر عقائد ثابتة وهامة جدًا تغييرًا تامًا. وعلى هذا فهو يعد اليوم عند الكثيرين -مسلمين وغير مسلمين- وسيلة فعالة للإصلاح. فهم يقولون إن المسلمين يستطيعون أن يجعلوا من الإِسلام ما شاءوا على شريطة أن يكونوا مجمعين. على أن الآراء غير متفقة فيما يمكن أن ينتظر للإجماع، فكولدسيهر (Vorlesungen، ص ٩٦) الذي درس تاريخ الإجماع يعتقد أنه يمكن أن يكون له شأن كبير، على خلاف سنوك هركرونى (Politique: Snouk Hurgronje musulmane de La Hallande ص ٤٢، ٦٠) الذي يرى أن "الفقه" قد جمد، ولذلك فلا رجاء في الإجماع.
المصادر:
(١) الشافعي: الرسالة، طبعة القاهرة سنة ١٣١٢ هـ، ص ١٢٥ وما بعدها.
(٢) القرافى: شرح تنقيح الفصول في الأصول، طبعة القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ ص ١٤٠ وما بعدها، وانظر على هامشه شرح أحمد بن قاسم على شرح المحلى على "ورقات" الجوينى، ص ١٥٦ وما بعدها.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون، ص ٢٣٨ وما بعدها.
(٤) Zahiriten: Goldziher ص ٤٢ وما بعدها.
(٥) الكاتب نفسه: Muh. Studien، جـ ٢، ص ٨٥، ١٣٩، ٢١٤، ٢٨٤.
(٦) وله أيضًا: Vorlesungen، انظر الفهرس.
(٧) Le droit Musul: Snouck Hurgronje mam فى Rev. de l hist. des Religions المجلد ٣٧، ص ١٥ وما بعدها، ص ١٧٤ وما بعدها
(٨) Joynbull: Handb. des Islam. Ge setzes ص ٤٦ - ٤٩.
[ماكدونالد D. B. Macdonald]
стр. 459
أُحُد
جبل على نحو ثلاثة أميال من شمالى المدينة، اشتهر للمعركة التي دارت هناك في السنة الثالثة للهجرة والتي انتهت بما لا يحب محمد [ ﷺ ] وهو جزء من سلسلة عظيمة من التلال التي تمتد من الشمال إلى الجنوب حيث
تنتشر شرقًا على السهل مكونة مجموعة مستقلة من التلال. والجدر الصخرية المحاطة بنجد على هيئة مثلث قائم الزاوية -ليست بذات شناخيب "رؤوس" كما يقول ياقوت- والتي "ترتفع وكأنها أشبه بكتل من حديد"، (بيرتون) فوق السهل مقفرة تمامًا من الأشجار والنباتات، وكل ما هنالك أن صفحة الجدار الجنوبى تشقها مهواة كان لها نصيب حاسم في المعركة. والأرض المحيطة صخرية مغطاة بالحصباء، لكن إلى أقصى الجنوب ثمة قليل من حقول القمح وبساتين يرويها جدول صغير. غير أن هذه قد تغمرها في بعض الأحيان عواصف ممطرة مفاجئة حتى إن الحجاج الوافدين من المدينة لا يستطيعون أن يبلغوا التل.
والمكيون الذين أخذوا يعدون للثأر من هزيمة بدر عسكروا في حقول القمح التي سبق ذكرها قريبًا عند العِرض أو الجُرف، وكانت هذه الحقول عندهما مليئة بالقمح الناضج فأمدت حيواناتهم بالعلف. وقد استكره محمد [ ﷺ ] على ترك المدينة ليلقى عدوه في الحقل المكشوف، وكان هذا على غير إرادته وعلى غير ما نصح به الشيوخ، فمضى بلا عائق إلى ما وراء معسكر العدو وصف عسكره على سفح التل جاعلًا ظهورهم إليه، وكان تخطيط العدو لا يقل عن ذلك غرابة.
وقد رأى محمد [ ﷺ ] أولًا أن حمية أتباعه سوف تحقق له نصرًا أشبه بذلك يوم بدر. غير أن الرماة الذين أقامهم النبي فوق التل آمرًا إياهم في جلاء بأن يحولوا دون مهاجمة العدو لجناح الجيش وبألا يتركوا مراكزهم، كانوا غير قادرين على أن يضبطوا أنفسهم حين رأوا المعسكر المكي يُغنم فخفوا ليروا ما يمكنهم أخذه، وبنظرة خاطفة رأى خالد بن الوليد في الحال مكان الضعف، وحين هاجمه سرعان ما
стр. 460
انقلبت الكفة. وحين انتشرت الشائعة بأن محمدًا [ ﷺ ] سقط قتيلا أخذ المسلمون في التخاذل، ثم عم الهرب أخيرًا. وفي الحق إن محمدًا [ ﷺ ] لم تنله غير جراحات وأن نفرًا من أتباعه أفلحوا في إخفائه في المهواة. ومن حسن الحظ أن المكيين الذين كانوا أقل تجربة بالشئون العسكرية لم يعرفوا كيف يصلون نصرهم وأخذوا في الرجوع إلى ديارهم. وبهذا نجا النبي [ ﷺ ] من أسوأ العواقب، وقدر له أن يحزن لفقد كثيرين من أتباعه من بينهم عمه حمزة الذي أحس حسرة خاصة لفقده. وليس من السهل أن نحصل على فكرة واضحة عن معاملة القتلى، إذ إن النقول تختلف أشد اختلاف. فيقال إن المدينيين أحضروا موتاهم أول الأمر إلى المدينة، غير أن النبي [ ﷺ ] سرعان ما منع هذا؛ وبعض هذه النقول يسمى قبرًا عامًا وضع فيه حفظة القرآن في الصف الأول، وأما عن الآخرين فقد دفن الشهداء فرادى أو اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وبعض المراجع تقول إن المقابر العامة المزعومة لشهداء أحد هي في الحقيقة لأولئك البدو الذين ماتوا جوعًا في حكم عمر (الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص ١٤٣). وعلى أية حال فالأخبار كلها متفقة في ميلها إلى تمجيد حمزة. ويقال إن النبي [ ﷺ ] كبّر عليه أولًا، وإن جثث الموتى الآخرين وضعت إلى جانبه واحد، إلى جانب الآخر وصلى عليهم محمد [ ﷺ ] سبعين مرة، وكان يضمّن اسم حمزة الصلاة على كل جثة جديدة. وكان النبي [ ﷺ ] يذهب بعد ذلك إلى أحد كل سنة ليزور قبر حمزة والقبور الأخرى، وهكذا فعل الخلفاء الأولون أيضًا، ويقال إن محمدًا [ ﷺ ] أمر النساء في ندب كل ميت من الأنصار أن يبدأن بندب حمزة، وبهذا غدا أحد من أعظم الأماكن شهرة لحج المسلمين. وبنى مسجد على قبر حمزة؛ وقد ذكره المقدسى، وهو يقع إلى الخلف من بئر قريبة من مقابر الشهداء الآخرين. وثمة وصف مختصر لابن جبير في القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادى) وقد ذكر قبل كل شئ مسجد حمزة إلى الجانب الجنوبى من التل على مسيرة ثلاثة أميال إلى الشمال من المدينة. والمسجد مبنى على مقبرته
стр. 461
والضريح إلى الشمال منه في مكان مكشوف؛ وتلقاءه تقع مقابر الشهداء الآخرين، وتلقاءهم الكهف الذي أوى إليه النبي [ ﷺ ] وهو فى الجزء الأسفل من التل. وحول مقابر الشهداء جدار منخفض من التراب الأحمر يعزى إلى حمزة وعنده يطلب الناس البركة. وخير الأوصاف الحديثة هو وصف بوركارت الذي زار المكات سنة ١٨١٤ م بعد أن أتى عليه الوهابيون، ومن وصفه يمكن أن ننقل الآتى: "على نحو ميل من المدينة يقوم مبنى من الحجارة والآجر مخرب حيث ثمة صلاة قصيرة تتلى في ذكر ما فعله محمد [ ﷺ ] في هذا المكان حين وضع عليه درعه وخرج لمقاتلة العدو. وإلى بعيد من هذا حجر كبير إليه فيما يقال استند محمد بضع دقائق فى طريقه إلى أحد ... وإلى الشرق من هذا الحزن نجد الأرض المؤدية إلى الجبل قاحلة صخرية وبها رابية على منحدرها يقوم مسجد من حوله نحو من اثنى عشر بيتًا مخربًا كانت قبلا دورًا خلوية لمتعة أهل المدينة الأثرياء، وإلى القرب منها صهريج ملأه ماء المطر. والمسجد مبنى مربع صلد, على مساحة صغيرة. وقد أزال الوهابيون قبته، غير أنهم أبقوا على المقبرة. والمسجد يضم مقبرة حمزة ومقابر المبرزين من الرجال الذين قتلوا في المعركة، أعنى مصعب بن عُمَيْر، وجعفر بن شَمّاس (غير مذكور في الأخبار) وعبد الله بن جحش. والمقابر في ساحة صغيرة مكشوفة، وثمة أكوام من التراب حواليها أحجار قليلة مبعثرة تشبه تلك التي في البقيع، وإلى جانبها رواق صغير يستخدم مصلى. وغير بعيدء في الطريق إلى الجبل وعلى قيد مرمى طلقة فحسب، قبة صغيرة تشير إلى المكان الذي فيه رمى محمد [ ﷺ ] في المعركة بحجر ...
وعلى مسافة قصيرة من هذه القبة التي تدمرت كسائر المبانى الأخرى، ثمة مقابر لاثنى عشر آخرين من أشياع النبي [ ﷺ ] الذين قتلوا في المعركة ... وكثيرًا ما يزور أهل المدينة أحد ضاربين خيامهم في الدور الخربة حيث يمكثون أياما قلائل, لاسيما الناقهون من الأمراض، الذين نذروا خلال مرضهم أن يذبحوا شاة إكرامًا لحمزة
стр. 462
إن ظفروا بالشفاء. وفي سنة من السنين (في يوليو كما أعتقد) احتشد السكان هناك حشودًا، وبقوا أيامًا ثلاثة، وكأنها أيام عيد الولى. وثمة أسواق منتظمة قائمة هناك، وهذه الزيارة تكون للمدينة ملهاة من ملاهيها الرئيسية العامة". وفي الأزمنة الحديثة يسجل "ويفل Wavell" أن إنشاء الخط الحديدى إلى المدينة في سنة ١٩٠٦ م أحدث بلبلة بين البدو أن فيما أدت إليه إلى تنصل بني على -الذين كان عليهم حماية الحجاج الذين يزورون قبر حمزة- من تحمل أية مسئولية، على حين أنهم لم يضعوا أية عقبات في طريق الحجاج.
ولقد أباح الوهابيون الذين يحكمون اليوم شمالى الجزيرة العربية، الحج ولكنهم منعوا التوسل بالأماكن المقدسة جميعًا.
المصادر:
(١) الإصطخرى، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ١، ص ١٨.
(٢) المقدسي، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٨٢.
(٣) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، ص ٧٧.
(٤) ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٥٥٧ وما بعدها.
(٥) الطبرى، طبعة ده غويه، جـ ١، ص ١٣٩ وما بعدها.
(٦) الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص ١٠١ وما بعدها.
(٧) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ٢، قسم ١، ص ٢٥ وما بعدها، جـ ٣، قسم ١، ص ٤ وما بعدها.
(٨) Reisen in Arabien: Burckhardr، ص ٥٥٣ وما بعدها،
(٩) A Pilgrimage to Mekka: Burton طبعة تذكارية سنة ١٨٩٣ م، جـ ١، ص ٤٢٣ وما بعدها.
(١٠) A. Modern Pilgrim: Wavell سنة ١٩٠٨ م، ص ٦٢ وما بعدها.
(١١) Annali dell Islam: Caetani جـ ١، ص ٥٤٠ - ٥٦٦.
الأبيارى [بول Fr. Buhl]
стр. 463
الإحرام
مصدر أحْرَم، والأصل "حرم"، ومعناه المنع كما فى لسان العرب (جـ ١٥، ص ١١) وضده "الإحلال". وقد أصبح لفظ الإحرام لفظًا اصطلاحيًا للدلالة على الإمساك عن أمر من الأمور بدائع دينى, والممسك على هذا الوجه يسمى "مُحْرِم"، فالصائم مثلًا يسمى محرمًا، علىَ أن لفظ الإحرام لا يستعمل إلا للدلالة على حالتين: حالة الإمساك عند العمرة أو الحج، وحالة الإمساك عند الصلاة. ويمكن استعمال هذا اللفظ فى معنى ثالث للدلالة على اللباس الذى يرتدى عند أداء الحج أو العمرة.
١ - الإحرام للحج والعمرة: ينص الشرع على أن الحاج يثاب إذا أحرم منذ بدء رحلته إلى مكة. ولما كان هذا الأمر شاقًا فقد جرت العادة ألا يحرم الحاج إلا عند اقترابه من الحَرَم. ولكن يحدث فى كثير من الأحوال أن الحجاج الذين ينتقلون على البواخر يُحْرِمون بمجرد وصولهم إلى جدة. وقد بيّن الشرع بعض المواقيت التى يستطيع فيها الحاج أن يحرم وهي ذو الحُلَيْفَة للقادمين من المدينة، والجُحْفَة للقادمين من الشام ومصر، وقَرْن المنازل للقادمين من نجد، ويَلَمْلَم للقادمين من اليمن، وذات عرْق للقادمين من العراق. ومن يتأخر إحَرامه عن هذه المواقيت وجبت عليه الفدية، ويقال أيضًا للميقات "مَهَلّ" أي الموضع الذى يبدأ فيه الإهلال، والإهلال هو الدعاء "لبيك، لبيك". وعلى هذا يستعمل لفظ الإهلال
بمعنى لفظ الإحرام فيقال مثلًا: أهل بالحج بمعنى أحرم بالحج، ويوجب الشرع كذلك على القاطنين داخل البقاع التى تحدها المواقيت الإحرام فى ديارهم (التنبيه، طبعة كوينبول ص ٧٢) إذا اعتزموا الحج، أما إذا أرادوا العمرة فيجب عليهم الانتقال إلى حدود "الحِلّ" وهم ينتقلون عادة إلى "التَنْعيم" التى يسميها المحدثون خطأ "العمرة" للاعتمار فيها.
ولما كان المرء لا يستطيع أن يحرم إلا بعدأن يجتنب كل ما يعده الشرع نجسًا، كان عليه قبل الإحرام أن يقوم بالشعائر المندوبة كالغسل وتخضيب الأظافر (١) والتطيب وغيرها، وتلك
стр. 464
شعائر كانت تتصل قديمًا بالصلوات التي يقصد بها طرد الشياطين. وكثيرًا ما يقص الشخص شعره ويحف لحيته ويقلم أظافره (A Pilgrimage: Burton لندن، سنة ١٨٥٧ م، جـ ٢، ص ١٣٣، ٣٧٧؛ البتنونى، الرحلة الحجازية، الطبعة الثانية، ص ١٧٢؛ وانظر عن مغزى قص الشعر ما سيأتى بعد). ثم يرتدى المرء ثوبًا خاصًا غير مخيط، ويتكون هذا الثوب من قطعتينْ "الإزار" وهو ثوب يستر الجسم من السرة إلى الركبتين؛ و"الرداء" وهو ثوب يرسل على الكتف الأيسر والظهر والصدر ويعقد طرفاه عند الجانب الأيمن، ويسمى الرداء "وشاحًا" لطريقة عقده. وقد ندب الشرع أن يكون لون هذين الثوبين أبيض، ويجوز توشيتهما أيضًا بالخطوط الحمراء (انظر الصورة الموجودة في كتاب، Burton جـ ٢، أمام ص ٥٨). ونلاحظ أن ثوب الإحرام كان الثوب المقدس عند قدماء الساميين، إذ إن الجزء الأعلى من الثوب الذي كان يرتديه الكاهن الأعظم في "العهد القديم" كان غير مخيط كما يقول يوسفوس (Antiq: Josephus جـ ٢، ٧، س ٤) ويرتدى كهنة اليهود الأفود (الصُّدرة) حول الحرقفتين والمعيل حول الكتفين. ونجد لهذا شبيهًا في الإسلام عند الصلاة وفي تكفين الميت. وكذلك كان العرب في جاهليتهم عندما يستنبئون كاهنهم يلبسون رداء ومئزرًا، كما كان الزهاد المتأخرون يرتدون مثل هذا الثوب (Goldziher في Wierner Zeitschr. F. Kunde des Mor - genlandes، جـ ١٤, ص ١٣٨، ٣٣٨. Reste: Wellhausen, الطبعة الثانية، ص ١٢٢): يضاف إلى ذلك أن اللون الأبيض يعد مقدسًا في كثير من الأديان، فكان في أول الأمر دليلًا على الحداد (انظر Wilken: Verpreide Ges- chriften طبعة V. Ossenbruggen، جـ ٣، ص ٤١٦ - ٤٢٢) ثم اتخذ بعد ذلك رمزًا للتقديس، لذلدُ كان أفود الكهان وأردية الزهاد بيضاء (انظر Some: J. Wensinck Semitic rites of mourming and religion فى Verhandl. der Kon. Akad. van DI Nieuwe Reeks. Westenschappen، ١٨، رقم ١).
فلباس الإحرام والحالة هذه قديم جدًا ولا يرجع أصله إلى الإسلام، زد
стр. 465
على ذلك أن لبس الحذاء محرم كذلك، وأقصى ما يسمح به هو لبس النعل. وهذه أيضًا عادة سامية قديمة: فقد كان اليهود يسيرون في حدادهم حفاة الأقدام كما كان يفعل كهنتهم. ويجب على المحرم أيضًا ألا يغطى رأسه, وربما كانت هذه عادة من عادات الحزن قبل الإسلام (انظر سفر حزقيال، الإصحاح ٢٤، الآية ١٧).
وليست النساء في حاجة إلى ارتداء ملابس خاصة، ولكن في العادة يرتدين ثوبًا طويلًا يرسل من الرأس إلى القدمين، بينما يحجبن وجوههن -التى كان يجب أن تسفر (١) - بنوع من النقاب (انظر الرسم الموجود في كتاب Burton, جـ ٢، ص ٥٨).
ويضلى المحرم ركعتين ثم ينوى نية الحج. ويمكن أن تكون النية على ثلاثة أوجه لأن الإحرام إما أن يكون:
(أ) للحج أو للعمرة, ويقال له حينئذ "إفراد":
(ب) للعمرة، ولو أنه يقوم أيضًا بالحج ويقال له "تمتع" (بالعمرة إلى الحج).
(جـ) لكل من العمرة والحج معًا، ويقال له "قِران".
وهناك مؤلفات إسلامية عدة تبحث عن أصل وقيمة هذه الأوجه الثلاثة من النية. وتختلف المذاهب الأربعة في قدر الثواب الذي يثاب به المرء على كل نية من هذه النيات ولفظ "التمتع" مأخوذ من آية قرآنية (سورة البقرة، الآية ١٩٦ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) ثم أصبح بعد ذلك اصطلاحًا. وقد ذهب سنوك هركرونى (Het Mek-: Snouck Hurgronje kaansche Feesi، ص ٨٦ وما بعدها) إلى أن قيود الإحرام قد غدت قاسية في نظر النبى [ ﷺ ]، لذلك نجده أثناء مكثه في مكة قبل الحج يتحلل من هذه القيود، فلما نظر إليه صحابته نظرة عتاب واستفهام نزلت الآية: ﴿وَأَتِمُّوا
стр. 466
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة البقرة، الآية ١٩٦). وعلى ذلك فإن ما تراءى للنبى [ ﷺ ] ومعاصريه أنه إهمال يستوجب التكفير قد غدا في نظر الأجيال اللاحقة أمرًا مباحًا. والحجاج الذين يبلغون مكة قبل الحج بوقت طويل يتخلصون مما حرم عليهم "بالتمتع" فهم يخلعون ملابسهم بالإحرام عقب الانتهاء من العمرة ولكنهم يعودون فيرتدونها عند اقتراب موعد الحج. والتمتع محرم على الذين عندهم هدى للفدية (سورة البقرة، الآية ١٩٩) (١) وكانت العمرة في الأصل تحدث في شهر رجب، وتذكر بعض الروايات أن العمرة إبان الحج لم تكن معروفة في الجاهلية.
وبعد النية تبدأ التلبية التي تردد بقدر المستطاع ولا يفرغ منها إلا بعد حلق الشعر في العاشر من ذى الحجة. وقد منع الشرع المحرم من جملة أمور: النكاح والتطيب وإراقة الدم والصيد، كما حرم عليه اقتلاع النبات. ونلاحظ بهذه المناسبة أن بعض الأديان السامية يحرم النكاح في حالات أخرى غير الإحرام، ونخص بالذكر من هذه الأديان ما يقول بالتوحيد. وكان إهمال العناية بالبدن ظاهرة معروفة بين الشعوب السامية في الأحوال الدينية، وتصور لنا الروايات أن النادبات في الجاهلية كن قذرات ذوات شعر أشعث (ديوان الخنساء، طبعة شيخو، بيروت سنة ١٨٩٦ م، ص ٢٨، البيت الرابع).
ويمتنع اليهود مدة حدادهم عن الاستحمام وتقليم الأظافر. ويذكرون أن الحجاج في الجاهلية وفي عصر النبي كانوا يضمخون شعورهم بالأدهان وقت الإحرام تخفيفًا لوطأة
стр. 467
القذارة (صحيح البخاري كتاب الحج، الباب ١٢٦؛ مسلم، مع شرح النووى، القاهرة سنة ١٢٨٣ هـ، جـ ٣، ص ٢٠٥؛ وانظر لسان العرب، جـ ٤، ص ٣٩١). وفي حديث ذكره ابن ماجه (باب ما يوجب الحج) أن النبي [ ﷺ ] عندما سئل من هو الحاج أجاب أنه هو "الأشعث التَفِل. وربما كان مغزى هذه الشعائر بما فَيها قص الشعر عند بدء الإحرام هو أن كل ما ينمو فوق الجسم إبان هذه الفترة إنما هو للحج. وكثيرًا ما يحدث في نهاية الإحرام أن يضحى الإنسان بشعره. وقد يكون لسعى المرء أن يغم شخصه على الناس شأن في هذه الأمور.
وليس على المحرم أن يصوم، ولكن هناك جملة أحاديث يثبت بعضها ذلك وينكره بعضها الآخر، وربما كانت هذه الشعيرة من شعائر الزهد مرتبطة بغيرها من الشعائر في الأزمان القديمة.
وعند ما ينتقل المحرم من ميقاته إلى مكة يقوم فيها بالطواف والسعى وقد يشرب من ماء زمزم، ويقص شعره إذا كان الإحرام بقصد العمرة فقط؛ إما إذا كان بقصد الحج فلا يقص شعره ولا يحف لحيته إلا في العاشر من ذى الحجة في مني بعد أن تنتهى مناسك الحج، ويستطيع الحاج بعد ذلك أن يرتدى لباسه العادى، على أنه قد جرت العادة أن يرتدى ثيابًا جديدة (Travels: Burckhardt، لندن سنة ١٨٢٩ م، جـ ٢، ص ٦٠). وقد قضى الشرع بطواف آخر بمكة، ولهذا فإن كثيرًا من الحجاج لا يرتدون لباسهم العادى إلا بعد هذا الطواف، وأخيرًا فإن الحاج عندما يترك هذه المدينة المحرمة يقوم بعمرة الوداع، ولهذا فهو يذهب إلى التنعيم ويصلى ركعتين ثم يعود إلى مكة ليقوم بالطواف والسعى، ثم يخلع عنه لباس الإحرام نهائيًا.
٢ - الإحرام للصلاة: وهنا أيضًا لا يدخل الإنسان الصلاة إلا إذا كان طاهرًا في ثياب نُصّ عليها، ووقف خلف سُتْرَة. وتستهل الصلاة بالتكبير، ويقال له أيضًا "تكبير الإحرام"؛ وعند ذلك تبدأ الصلاة التي لا تصح إلا مع هذا الإحرام، إذ يجب على الإنسان أن يجتنب كل ما يفسده، أي أن يجتنب كل
стр. 468
فعل أو قول لا تقتضيه الصلاة. ويخص الفقهاء بالذكر من هذه الأفعال التحية وتكلف العطاس والسعال والضحك وكل ما يتصل بالنكاح وأخباث البدن، وكانت هذه الأمور وغيرها تنسب قديمًا إلى فعل الشياطين والأرواح. وكثيرًا ما يقال إن الملائكة تكون حاضرة إبان هذا الإحرام (انظر تفسير سورة بني إسرائيل، الآية ٧٨).
وتنتهى الصلاة بتسليمتين أولاهما إلى اليمين والأخرى إلى اليسار. ويقول بعض الفقهاء إن الغرض من التسليمتين: الأولى هو خروج المرء من الصلاة وتحية من معه، أما الأخرى فلتحية من معه فقط. وقد اختلفوا فيمن معه: فقال البعض إنهم الملائكة الذين لبوا تكبيرة الإحرام والذين ينصرفون عند تسليمة الإحلال.
ولما كان المصلى يخاف من الوقوع تحت تأثير الشياطين بعد خروجه من حرمة الصلاة فإنه يدفعها بما يسمى "القُنوت" (انظر: Goldziher في. Orient Studien. Theod. Noldeke gewidomet جـ ١، ص ٢٢٣ وما بعدها).
المصادر:
(١) كتب الفقه والحديث، باب الحج.
(٢) كتب الفقه، باب الصلاة.
(٣) Reste arabischen Hei-: Wellhausen dentums، الطبعة الثانية، ص ١٢٢ وما بعدها.
(٤) Het Mek-: Snouck Hurgonje Kaansche Feesi ص ٦٨ وما بعدها.
(٥) Handb. des Islam Ge-: Juynboll setzes ص ١٤٣ وما بعدها.
(٦) Lectures on: W. Robertson Smith the religion of the Semites الطبعة الثانية، ص ٤٨١ وما بعدها.
(٧) رحلة كل من Burckhardt و Burton.
(٨) H. Kazem Zadeh فى Revue du Monde Musulman جـ ١٩، ص ١٩٨ وما بعدها.
(٩) Some Semitic Rites: A. J. Wensinck of mourning and Religion فى Verhandl. der جـ ١٨.
(١٠) Der Islam: A. J. Wensinck نشره Becker، جـ ٨، ص ٢٢٩ - ٢٣٢.
[فنسفك A. J. Wensinck]
стр. 469
أحمد
من أسماء النبى محمد [ ﷺ ]، واسم علم عند المسلمين، وهو ببنيته إما مأخوذ من: محمود وحميد، بمعنى الأكثر أو الأعظم استحقاقًا للحمد؛ وإما من: حامد، وهذه أقلها احتمالا، والمعنى: الأكثر أو الأعظم حمدًا لله. على أنه إذا استخدم علما فإنه يكون متميزًا عن غيره من الصيغ الاشتقاقية الأخرى التى تتصل به، بما فى ذلك الاسم محمد. وهو لم يرد إلا عرضًا بين عرب الجاهلية وكان عندهم أقل شيوعًا من محمد. وفى النقوش الصفوية الشمالية العربية لمشارف الشام يبدو أن ثمة أسماء بهذه البنية مختصرات لمركبات من اسم الله مثل "حمد الله". أما أن يصدق هذا على العربية الفصيحة فى الحجاز فموضع شك.
والأساس فى استعمال أحمد عند المسلمين هو القرآن (سورة الصف، الآية ٦): ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
وليس ثمة نظير واضح لهذه الآية فى الإنجيل. ومن ثم قيل إن أحمد هو ترجمة بركلوتوس، أي المشهور. وهي بدورها قد تكون تحريفًا لبَرَكليتوس الوارد فى سفر يوحنا (الإصحاح ١٤، الآية ١٦؛ الإصحاح ١٥، الآية ٢٣ - ٢٧). ولكن تاريخ النص وترجمات الإنجيل مضافًا إلى ذلك أن بركلوتوس لم يكن مشهورًا فى اليونانية التى كانت معاصرة، كل هذا يدل على أن ذلك مستحيل، وفى الحق إن المسلمين لم يطلقوا على محمد اللقب المبشر به قبل منتصف القرن الثانى للهجرة (انظر ابن هشام، ص ١٥٠، فى روايته عن ابن إسحاق) ولكن المصطلحين المستعملين هما الكلمة الإغريقية بَرَكليتوس، أو ترجمتها الآرامية الصحيحة مِنَحِّمانا؛ والقول بأنهما واحد لا يعتمد إلا على تشابه الجرس بين الكلمة الآرامية والاسم محمد. والظاهر أن القائلين بهذا هم النصارى الذين أسلموا.
ومع أن المسلمين قد استعملوا الاسم "محمدا" منذ حياة النبى [ ﷺ ] إلى ما بعد ذلك، وأن صيغ: محمود وحَمِيد وحُمَيْد، وردت فى القرن الأول الهجرى
стр. 470
أيضًا، فإن استعمال كلمة "أحمد" علمًا بين المسلمين يبدو أنه لم يبدأ إلا حوالى سنة ١٢٥ هـ (٧٤٠ م) ومن ذلك انتهى إلى أن كلمة "أحمد" فى القرآن (سورة الصف، الآية ٦) لا تؤخذ على أنها اسم علم بل على أنها صفة (ومن ثم قد تحتمل هذه الآية إشارة غامضة إلى سفر يوحنا، الإصحاح ١٤، الآية ١٢) وأنها لم تفهم على أنها اسم علم إلا بعد ما قيل إن محمدًا هو برقليط، وعلى ذلك فإن الإشارات العارضة إلى النبى [ ﷺ ] بأحمد فى شعر القرن الأول الهجرى تؤول على أنها من ضرورات الشعر، والأحاديث التى تروى أن اسم النبى [ ﷺ ] هو أحمد (ابن سعد، جـ ١، قسم ١، ص ٦٤) تقدم تفسيرًا غير واضح فى جميع الأحوال. ولكن تردد المسلمين أصلًا فى استخدام اسم أحمد نجد له مبررًا كافيًا فى استعمال الكلمة فى صيغة التفضيل ولو أنها كانت منذ البداية اسم علم.
المصادر:
(١) Das Leben and die: A. Sprenger Lehre des Mohammed, جـ ١، سنة ١٨٦١ م، ص ١٥٨ وما بعدها.
(٢) Gesch. des Qor. جـ ١، ص ٩، تعليق.
(٣) H.Grimme فى Zeitchrift Fur Semi- tistik، سنة ١٩٢٨ م، ص ٢٤ وما بعدها.
(٤) E. A. Ficher فى Ber. Verh. Sachs Ak. Wiss. Phit. hist. Kt، سنة ١٩٣٢ م، رقم ٣.
(٥) M. W. Watt فى Muslim World سنة ١٩٥٣ م، ص ١١٠ وما بعدها.
الأبيارى [شاخت J. Schacht]
تعليق على مادة "أحمد"
إن التبشير بالنبى العربي [ ﷺ ] سبقت به كتب سماوية سبقًا عامًا وسبقًا خاصًا، وأعنى بالسبق العام الذى جاء يحمل الإشارة إليه [ ﷺ ] ولا يحمل التنويه باسمه.
ومن هذا الشق الأول ما جاء فى التوراة على لسان موسى ﵇ فى وصيته مبشرًا بعيسى [﵇] ثم بالنبى العربى [ ﷺ ] من بعده، وذلك حين يقول موسى: "جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من فاران".
стр. 471
وفى هذا إشارة إلى ظهور الرسل الثلاثة: موسى وعيسى ومحمد ﵈، فسيناء موطن موسى ﵇؟ وساعير -التى هي جبال فلسطين- حيث ظهر عيسى ﵇؛ وفاران -التى هي مكة- موطن محمد ﷺ .
وقد أورد هذا ياقوت فى كتابه معجم البلدان فى رسم "فاران" وقال: فاران: كلمة عبرانية معربة، وهي من أسماء مكة. وقيل: اسم لجبالها ... ثم قال: ومجئ الرب من سيناء تكليمه لموسى ﵇، وإشراقه من ساعير -وهي جبال فلسطين- هو إنزاله الإنجيل على عيسى ﵇، واستعلاؤه من فاران: إنزاله القرآن على محمد ﷺ .
وانظر فى ذلك أيضًا: صفة جزيرة العرب للهمدانى، والإعلام بأعلام بيت الله الحرام للنهروانى.
وتذكر التوراة (الآية الثانية عشرة، الإصحاح الثامن عشر، السفر الخامس، سفر التثنية): "أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك".
وما نظن هذه الآية تشير إلى عيسى ﵇، إذ كان من بني إسرائيل، وإنما هي لا شك وصفت هذا النبى على أنه من إخوتهم، أي من بني إسماعيل، فنحن نعلم أن محمدًا [ ﷺ ] من ولد إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحاق، وإسحاق جد بني إسرائيل.
ولست أذهب إلى هذا التأويل غير معتمد على دليل، بل دليلى من التوراة نفسها، فهي تبين هؤلاء الإخوة، وذلك حيث تقول: هؤلاء هم بنو إسماعيل ... وسكنوا -أي بنو إسماعيل- من حويلة إلى أشور التى أمام مصر حينما تجئ نحو أشور أمام جميع إخوته نزل (سفر التكوين، الإصحاح ٣٥، الآيات ١٦ - ١٨)، وكذلك حيث تقول: "وتدعين اسمه إسماعيل ... وأمام جميع إخوته يسكن (سفر التكوين، الإصحاح ١٦، الآيتان ١١، ١٢).
هذا ما جاء فى التوراة عن الشق الأول، وإليك ما جاء فى الإنجيل عنه، فقد جاء فى رؤيا يوحنا اللاهوتى (الإصحاح التاسع عشر، الآية ١١): "ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض
стр. 472
والجالس عليه يدعى أمينًا وصادقًا وبالعدل يحكم ويحارب".
ومن يكون هذا المبشر به بعد عيسى ﵇، والذى وصف بالأمين وبالصادق، غير محمد [ ﷺ ]؟
وجاء كذلك في رؤيا يوحنا اللاهوتى (الإصحاح التاسع عشر، الآية ١٥): "ومن فيه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم ... وهو يدوس معصرة خمر".
وما أظننى إلا على التأويل الحق حين أقول: إن هذه الآية تحمل إشارتين صريحتين، إحداهما عن كلام الله الذي أجرى به تعالى لسان محمد [ ﷺ ] وخرج من فيه أقوى مضاء من السيف في حجته وقطعه؛ وثانيهما ما جاء به الإسلام من تحريم الخمر، وما كانت محرمة على عهد عيسى ﵇، فلقد روى أنه صير الماء خمرًا في عرس قانا، كما حكى عنه أنه قال عن الخمر إنها دمه.
هذا ما جاء عن الشق الأول، وهو العام، في التوراة والإنجيل. وأما ما جاء عن الشق الثاني فيهما، وهو الذي فيه تنويه بالاسم، فإليك إجماله:
جاء في التوراة عن الترجمة العبرية (كمبردج سنة ١٩٣٤ م): "وعن إسماعيل سمعتك، هأنا باركته وأيمنته بمادماد" (سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، الآية ٢٠).
واهولى بمادماد: حصد [ ﷺ ].
يقول ابن قيم الجوزية في كتابه: جلاء الأفهام (ص): وأما قول كثير من المفسرين إن المراد بهذين الحرفين: جدًا جدًا، ولكون لفظة "ماد" قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى: جدًا، فهذا لا يصح، لأجل الباء المتصلة بهذا الحرف، فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل: أنا أكرمك بجدًا ... وإذا كان هذا الحرف قد نقل من التوراة الأزلية وفيها هذا الحرف موصولًا بالباء، علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال هي بعنى "جدَّا" إذ لا تأويل يليق بها غير هذا التفسير، بدليل ما جاء في التوراة في غير هذا الموضع عن ولد إسماعيل: إنه يلد اثنى عشر شريفًا، ومن شريف واحد يكون شخص يسمى بمادماد. فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل، فبطل قول من قال إنه بمعنى
стр. 473
المصدر للتوكيد، فإن التصريح بكونه اسم عين يناقض من يدعى أنه اسم معنى". ويقول عياض فى كتابه "الشفاء" (جـ ٣، ص ٤٣٩): "ومن أسمائه ﷺ فى الكتب السالفة: ماذ ماذ، ومعناه: طيب طيب".
وقيده البرهان فى كتابه "المقتفى"، وكذا الخفاجى شارح "الشفا"، والقسطلانى فى كتابه "المواهب اللدنية"، والسهيلى فى كتابه "الروض الأنُف".
وظاهر أن الترجمة العربية التى بين أيدينا هي على هذا الوجه الذى استبعده ابن قيم الجوزية، ففيها: "وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًا اثنى عشر رئيسًا يلد، وأجعله أمة كبيرة" (سفر التكوين، الإصحاح ١٧، الآية ٣٠).
وبعد نص التوراة هذا يجئ نص الإنجبلي يسوقه ابن هشام فى كتابه "السيرة" (١: ٣٤٨، طبعة الحلبى) ناقلًا عن ابن إسحاق: "وقد كان، فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله فى الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله ﷺ ، مما أثبت يحنس الحوارى لهم، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى بن مريم ﵇, فى رسول الله ﷺ إليهم أنه قال: من أبغضنى فقد أبغض الرب, ولولا أنى صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلى ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوننى -أى يغلبوننى- وأيضًا للرب, ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التى فى الناموس: أنهم أبغضونى مجانا -أى باطلًا- فلو قد جاء "المنحمنا" هذا الذى يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القدس، هذا الذى من عند الرب خرج، فهو شهيد علىّ وأنتم أيضًا؛ لأنكم قديمًا كنتم معى، فى هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا".
والمنحمنا، بالسريانية: محمد: وهو بالرومية: البرقليطس.
وهذا النص الذى ساقه ابن إسحاق نقلًا عن أصل قديم يعزى إلى يحنس الحوارى، يسوقه إلينا النص العربي المترجم عن اليونانية (كمبردج سنة
стр. 474
١٩٣٤ م): "الذى يبغضنى يبغض أبى أيضًا. لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالًا لم يعملها أحد غيرى لم تكن لهم خطية. أما الآن فقد رأوا وأبغضونى أنا وأبى. لكي تتم الكلمة المكتوبة فى ناموسهم إنهم أبغضونى بلا سبب. ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذى من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي (إنجيل يوحنا، الإصحاح الخامس عشر، الآيات ٢٣ - ٢٦).
ولقد جاءت كلمة "المعزى" مرة أخرى قبل هذه فى الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا أيضًا الآية ١٦: "وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد".
وإن صح أن الأصل فى الموضعين واحد، فتكون هذه الكلمة هي مكان "المنحمنا" السريانية و"البرقليطس" الرومية.
ويقول الخفاجى فى شرح الشفا، عن "المنحمنا" (٢: ٤٤٠) نقلًا عن البرهان فى كتابه "المقتفى"، وكذا الصفدى فى "التذكرة" وابن سيد الناس فى سيرته: "وهو بالسريانية: محمد، وبالرومية: البرقليطس". على نحو ما نقل ابن إسحاق.
ويقول القسطلانى فى المواهب اللدنية: "فمعناه بالسريانية: محمد".
ويزيد الزرقانى شارح المواهب: فمعناه: روح القدس.
وأما عن البارقليط، فيقول عياض (٤٣٨: ٢) وهو يذكر أسماء الرسول ﷺ : وروح الحق، وهو معنى البارقليط فى الإنجيل. وقال ثعلب: البارقليط الذى يفرق بين الحق والباطل. ويقول الخفاجى شارح الشفاء: والذى عليه أصحاب الإنجيل أن معناه: المخلص، وعبارة الإنجيل: إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم ليبعث إليكم الفارقليط (ذكر بالباء وبالفاء).
ويقول الدوانى فى شرح هياكل النور: هو لفظ عبرانى، معناه: الفارق بين الحق والباطل. ويقول السيوطى فى الرياض الأنيقة: معناه الحامد، أو الحماد.
ويقول ابن الأثير فى كتابه "النهاية" "فرق": إن اسمه ﵊ فى الكتب السالفة: فارق ليطا، أى يفرق بين الحق والباطل.
стр. 475
وثمة حديث يروى عن ابن عباس ﵁ أن [ ﷺ ] قال: اسمى فى القرآن محمد وفى الإنجيل أحمد وفى التوراة أحيد؛ لأنى أحيد أمتي عن نار جهنم.
وانظر لهذا: الشفاء (٢: ٤٤٠) وشرح المواهب (٣: ١٨٨) وتهذيب الأسماء واللغات للنووى (١: ٢٢).
ويروى مسلم فى كتاب الفضائل فى الباب الرابع والثلاثين فى أسمائه [ ﷺ ] (٤: ١٨٢٨ م، طبعة الحلبى) حديثًا يرفع إلى محمد بنْ جبير ابن مطعم عن أبيه: أن النبى [ ﷺ ] قال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على عقبى، وأنا العاقب.
والعاقب: الذى ليس بعده نبى.
ويقول ابن هشام فى سيرته (١: ١٦٦، طبعة الحلبى): ويزعمون أن آمنة بنت وهب حين حملت برسول الله [ ﷺ ] كانت تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله [ ﷺ ] فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا ما وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر
كل حاسد، ثم سميه محمدًا.
ويقول السهيلى فى كتابه "الروض الأنُف": وبه -أى بمحمد- سماه جده عبد المطلب، وذلك أنه لما قيل له: ما سميت ولدك؟ قال: محمد، فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأنى أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وذلك لرؤيا كان رآها عبد المطلب.
وينسبون إلى عبد المطلب فى ذلك شعرًا قاله حين التمس حفيده فلم يجده، وكان عندها ابن خمس سنين، وكانت حليمة قد رجعت به لترده إلى أهله، فاضلها فى الناس، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فقام عند الكعبة ينشد، بعد أن التمسه هو الآخر فلم يجده:
لا هم أد راكيي محمدًا ... أده إلىّ واصطنع عندي يدا
أنت الذى جعلته لى عضدا ... لا يبعد الدهر به فيبعدا
أنت الذى سميته محمدا
стр. 476
وتجد ابن سعد فى كتابه "الطبقات" (٦٤، ٦١: ١، طبعة مصر) ينقل خبرًا يرفعه إلى أبى جعفر محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، قال: أمرت آمنة، وهى حامل يرسول الله [ ﷺ ]، أن تسميه أحمد.
وينقل ابن سعد أيضًا خبر، مثل هذا يرفعه إلى ابن الحنفية أيضًا "الطبقات ١: ٦٤ - ٦٥) أنه سمع علي بن أبى طالب يقول: قال رسول الله [ ﷺ ] سميت أحمد.
ولقد سماه القرآن الكريم "أحمد" فى موضع واحد، حيث جاء على لسان المسيح مبشرًا به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
وسماه محمدًا فى مواضع أربعة، قال تعالى: (وما محمد إلا رسول) آل عمران: ١٤٤. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠، وقال تعالى: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ محمد: ٢، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الفتح: ٢٩.
وثمة سورة من سور القرآن الكريم، وهى السورة السابعة والأربعون، تحمل اسم محمد، ويذكر الإربلى عمر ابن محمد فى كتابه "وسيلة المتعبدين إلى متابعة سيد المرسلين" نقلا عن ابن عباس مائة وثمانين اسمًا للرسول [ ﷺ ].
ويذكر الزرقانى أكثر من أربعمائة.
ويرفعها ابن العربي إلى ألف (شرح المواهب، ٣: ١١٢).
ويعقب الزرقانى: هي أوصاف مدح، فلا تضاد العلمية فيها الوصفية.
ويضيف ابن قيم الجوزية: إن محمدًا علم وصفة فى حقه [ ﷺ ]، وإن كان علمًا محضًا فى حق غيره.
ويجلو ابن سعد (الطبقات ١: ٦٦) ذلك بيانًا فيذكر حديثًا يرفعه إلى أبى هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ]: يا عباد الله، انظروا كيف يصرف الله عني شتمهم ولعنهم -يعني قريشًا؛ قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا، وأنا محمد.
ويقول ابن قيم الجوزية (جلاء الأفهام: ١١٣): إن اسم النبى [ ﷺ ] فى
стр. 477
التوراة: محمد، كما هو فى القرآن: محمد، وأما المسيح فإنه سماه أحمد، كما حكاه الله عنه فى القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا فى التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا فى القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وهذان الاسمان صفتان فى الحقيقة، والوصفية فيهما لا تنافى العلمية، وإن معناهما مقصود.
ومن هذا التمهيد نتبين:
١ - أن التبشير بالنبى العربى فى الكتب السماوية حقيقة مقررة.
٢ - وأن هذا التبشير:
(أ) عام، يحمل الوصف دون التنويه بالموصوف.
(ب) خاص، يجلو الموصوف.
٣ - وأن هذا العام بما يحمل يتفق وما كان عليه النبى العربى، وأنه يمهد لذلك الخاص، ولذا قدمناه.
٤ - وأن هذا الخاص الذى ينوه بالموصوف لايخرج فى مدلوله عن مسمى محمد وحامد، أى محمد وأحمد.
٥ - وأن ما ألقى فى روع آمنة، يستوى فيه أن يكون الذى طلب إليها أن تسميه به: محمدًا أو أحمد. إذ الموصوف بهما لا يختلف بينهما.
٦ - وأن ما سماه به جده عبد المطلب عن رؤيا كان استملاءً من هذا الوصف العام وهو الحمد، وكلا اللفظين محمد وأحمد مؤد.
٧ - وأن ما جاء فى القرآن على لسان عيسى ﵇ من هذا الوصف العام، وكذا اللفظين أحمد ومحمد مؤد، لهذا كان لا بد من كلمة عن مدلول اللفظين وأدائهما، وهو ما سنطالعك به بعد قليل.
والمتقصى لمن تسموا بهذا الاسم أو ذاك، أعنى محمد، أو أحمد، قبل الرسول ﷺ ، لا يجد منهم إلا قلة، ذكرهم عياض فى الشفاء (٢: ٤١٢) ونقلهم عنه الزرقانى فى "شرح المواهب ٣: ١٥٨)، وهم:
١ - المسمون بأحمد: أحمد بن غُجيان -بغين معجمة، على وزن سفيان- وقال عنه: لا أصل له. وقيل: تسمى فى الجاهلية قبل الإسلام بزمن
стр. 478
طويل- وأحمد بن ثمامة الطائى، وأحمد بن دومان البكيلى، وأحمد بن زيد بن خراش السكسكى، ومن القبائل: بنو أحمد، فى همدان؛ وبنو أحمد، فى بكيل؛ وبنو أحمد، فى طيئ.
وأول من تسمى بهذا الاسم بعد الإسلام فيما يقال: أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدى، أبو الخليل النحوى.
٢ - المسمون بمحمد: محمد بن آحيحة بن الجلاح الأوسى، محمد بن مسلمة الأنصاري، محمد بن براء البكرى، محمد بن سفيان بن مجاشع التميمى، محمد بن حمران الجعفى، محمد بن خزاعة السلمى.
ولقد قصرهم السهيلى -أعنى من تسموا بمحمد- على ثلاثة، وجعلهم مغلطاى فى سيرته ثمانية، وجعلهم القسطلانى خمسة عشر.
ولعل الدافع إلى هذه التسمية أو تلك كان التيمن بما يحمد، وما من شك فى أن هذه الأوصاف المحمودة كان لها وجودها فى البيئة العربية على حال ما، وقد تكون تلك الدلالات التى حملتها الكتب المقدسة بمعنى هذا الاسم أو ذاك لها هي الأخرى أثرها، وما بعدت البيئة العربية عن جيران لها من يهود ونصارى. وما يدرينا لو تقصينا أن نجد من تسموا بهذين الاسمين أو بأسماء قريبة منهما لم يبعدوا كثيرًا عن هذا المحيط المؤله، وإذ كانت البيئة العربية فى جاهليتها غارقة فى الوثنية إلى الأذقان لهذا لم تقبل على هذا اللون من التسمية إقبالها على غيره مما يحمل طابع ما دانوا به.
ولقد ذهب بعض كتاب السيرة السابقون إلى أن هذا كان صونًا للاسم من أن يشارك فيه حتى لا تقع الشبهة، وأن الله منع ذلك بحكمته. وهذا الذى ذهبوا إليه -لو صح- لا يقوم دليلًا، إذ حسبنا أن نجد واحدًا تسمى بهذا الاسم أو ذاك، فما بالك وهم غير واحد، وقد يكون ثم غيرهم لم تصلنا أسماؤهم. ثم إليك ما وعدنا به من كلمة عن مدلول اللفظين وأدائهما:
فالاسمان -محمد وأحمد- واقعان على المفعول، وهو المختار، فأحمد على هذا يعني أنه [ ﷺ ] يحمد أكثر مما يحمد غيره وأفضل مما يحمد غيره، وذلك أبلغ فى مدحه وأتم معنى.
стр. 479
ولو أريد بأحمد معنى الفاعل لسمى: الحماد، وهو الكثير الحمد، كما سمى محمدًا، وهو المحمود كثيرًا, فإنه [ ﷺ ] كان أكثر الخلق حمدًا لربه، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى: حمادًا.
ثم إن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التى لأجلها استحق أن يسمى محمدًا وأحمد، فهو الذى يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التى تفوت عدد العادين سمى باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة فى القدر والصفة (جلاء الأفهام ١٠٧ - ١٠٨). وينقل القرطبي فى تفسيره (١٨: ٣٨ - ٨٤): وأحمد: اسم نبينا [ ﷺ ] وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل. فتلك الصفة هي "أفعل" التى يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد، أى أحمد الحامدين لربه.
وأما محمد [ ﷺ ] فمنقول من صفة أيضًا، وهى فى معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمحمد هو الذى حمد مرة بعد مرة. كما أن المكرم من كرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك.
ويقول ابن قيم الجوزية: والفرق بين محمد وأحمد من وجهين:
أحدهما: أن محمدًا هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه، وأحمد أفعل تفضيل من الحمد، يدل على أن الحمد الذى يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فمحمد زيادة حمد فى الكمية، وأحمد زيادة فى الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر.
والوجه الثاني: أن محمدًا هو المحمود حمدًا متكررًا، وأحمد هو الذى حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدل أحد الاسمين "محمد" على كونه محمودًا, ودل الاسم الثاني، وهو"أحمد" على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو القياس. فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل ولا يبنيان من فعل المفعول، بناء على أن أفعل التعجب
стр. 480
والتفضيل إنما يصاغان من الفعل اللازم لا من المتعدى، ولهذا يقدرون نقله من "فعل" بفتح العين وكسرها إلى بناء "فعل" بضم العين.
ونازع فى ذلك آخرون، وقالوا: يجوز بناء فعل التعجب والتفضيل من فعل الفاعل ومن الواقع على المفعول، تقول العرب: ما أشغله بالشئ، وهذا من: شُغل به، على وزن سئل - فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل.
ويقول ابن قيم الجوزية فى كتابه "زاد المعاد": وأما أحمد، فهو اسم على زنة أفعل التفضيل مشتق أيضًا من الحمد، وقد اختلف الناس فيه: هل هو بمعنى فاعل أو مفعول:
فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل، أى حمده لله أكثر من حمد غيره له، فمعناه: أحمد الحامدين لربه. ورجحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل أن يصاغ من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على المفعول، ولهذا لا يقال: ما أضرب زيدا, ولا زيد أضرب من عمرو، باعتبار الضرب الواقع عليه؛ ولا ما أشربه للماء، وآكله للخنزير؛ لأن أفعل التفضيل وفعل التعجب إنما يصاغان من الفعل اللازم.
ومضى بعد ذلك يلخص ما قاله قبل فى "جلاء الأفهام".
وقال عياض ("الشفاء"، ٢: ٤٠٨ - ٤٠٩): فأما اسمه أحمد، فأفعل، مبالغة فى صفة الحمد، ومحمد مفعل، مبالغة من كثرة الحمد، فهو [ ﷺ ] أجل من حَمد، بالبناء الفاعل - وأفضل من حُمد، بالبناء للمجهول.
هذا بعض ما قيل عن محمد وأحمد، اشتقاقًا ومعنى، وهو يؤيد ما قلناه قبل، وأنهما على معنى، إن لم يكن واحدًا، فهو أقرب إلى ذلك، لهذا لم يكن الخلاف حول التسمية بهذا أو ذاك مما يخلق قضية.
وبعد، فلقد تخلفت التسمية بعد الرسول بهذين الاسمين، وقد قدمنا أن أول من تسمى بأحمد هو والد الخليل. وإذا علمنا أن ميلاد الخليل كان حوالى سنة ١٠٠ هـ أدركنا أن هذه التسمية كانت مع أواخر القرن الأول الهجرى لم تتخلف عنه كثيرًا. وما نظن التسمية
стр. 481
بمحمد هي الأخرى تخلفت عن ذلك كثيرًا, ولقد كان هذا طبيعيًا بين بيئة مسلمة أكبرت أن تتسمى باسم الرسول أول الأمر هيبة ثم أقبلت على التسمى به تيمنا, ولعل تلك الهيبة كان معها شيء من الحرج الذى علق فى النفوس لما روى من أن رسول الله ﷺ كان فى السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت ﷺ , فقال الرجل: لم أعنك, إنما دعوت فلانا, فقال ﷺ : سموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى.
وحين يستمع المسلمون إلى هذا النهي الجزئى فقد يبعدون ويأخذون أنفسهم بأعم منه تحرجًا، ولعل هذا هو الذى أخذ به الناس أولًا، حتى إذا ما استقامت لهم المعانى أقبلوا يتيمنون باسم الرسول فإذا كثرة أسمائهم من اسمه الشريف.
ولعلى بهذا التعقيب الموجز أكون قد جمعت كل ما يتصل بما أثاره الدكتور شاخت، وتركت بين يدي القارئ كلمة فيها تفصيل وبيان لكل ما أوجز فيه وشك.
إبراهيم الإبيارى
أحمد البدوى
أكبر أولياء مصر، ومحل تقدير أهلها منذ قرون، ويقال إنه من نسل على، انتقل أجداده إلى مدينة فاس حوالى عام ٧٣ هـ (٦٩٢ م) عندما اضطربت أحوال الجزيرة العربية، وولد أحمد بفاس فى زقاق الحَجَر, والراجح أن ذلك كان عام ٥٩٦ هـ (١١٩٩ - ١٢٠٠ م) وهو فيما يظهر أصغر سبعة من الأولاد أو ثمانية. وكانت أمه تدعى فاطمة، أما أبوه فلم تذكر الروايات من أمره شيئًا. والمترجم له هو أحمد بن علي بن إبراهيم، وتتصل سلسلة نسبه بعلى، بل تمتد إلى معد وعدنان، وله جملة ألقاب فسرت المصادر بعضها وأهملت تفسير بعضها الآخر, فقد لقب "البدوى" لأنه كان يلبس اللثام على عادة بدو إفريقية، (أما عن اللقب ذى اللثامين فانظر ما سيأتى) ولقب أيضًا فى مكة بـ "العطاب" (الفارس المقدام ولم تفهم بعض المصادر هذا اللفظ المغربى) ويظهر أن لقبه "أبا الفتيان" معناه نفس معنى "العطاب" وإن لم تشر المصادر إلى ذلك، ولقب
стр. 482
فى مكة أيضًا بـ "الغضبان" كما قيل له "مهارش الحرب" و"أبو العباس" وربما كان هذا الاسم الأخير محرفًا عن أبى الفتيان. ودعاه الناس لصوفيته بـ "القدسى" و"القطب" و"الصامت" كما دعى فى عصر متأخر بـ "أبى فراج" (انظر ما سيأتى بعد عن مغزى هذا اللقب).
وقد حج بيت الله مع أسرته وهو بعد طفل واستغرقت رحلة الحج أربعة أعوام يجعلها الرواة بين عامى ٦٠٣ و ٦٠٧ هـ (١٢٠٦ و ١٢١١ م)؛ وذكرت الروايات استقبال البدو الحافل لهذه الأسرة، أما مصر فلم تذكر عنها شيئًا. وتوفى أبوه بمكة، ودفن بالقرب من باب المعلاة، ولما شب أحمد امتاز بالفروسية والفتوة ومن ثم لقب بالعطاب وأبى الفتيان. ولاشك أنه حدث له حوالى عام ٦٢٧ هـ (١٢٣٠ م) ما غير مجرى حياته، فقد قرأ القرآن بالأحرف السبعة، ودرس قليلًا من الفقه الشافعي، وعكف على العبادة ولم يقبل عرضًا قدم له بالزواج، وجاء عن هذا الموضوع فى مخطوط برلين (رقم ١٠١٠٤، ورقة رقم ١٩ ب) ما معناه أنه قد كتب له ألا يتزوج إلا من الحور العين. واعتزل الناس وعاش فى صمت لا يفصح عما يجول فى نفسه إلا بالإشارة، وأصبحت تغشاه حالة "الوله" فى كثير من الأحيان، وتذكر بعض المصادر أن رحلته إلى مكة لم تكن إلا نتيجة رؤيا رآها بينما تذكر، مصادر أخرى ثلاث رؤى متعاقبات جعلته يرحل (شوال ٦٣٣ هـ - يونيو - يولية ١٢٣٦ م) إلى العراق حيث كان أحمد الرفاعى المتوفى عام ٥٧٠ هـ (١١٧٤ - ١١٧٥ م) وعبد القادر الجيلانى المتوفى عام ٥٦١ هـ (١١٦٥ - ١١٦٦ م) موضع تقدير الناس الذين ظلوا جيلين يعدونهما أعظم أولياء الله، فهاجر أحمد مع أخيه الأكبر حسن إلى العراق. وقد غدت الروايات التى تتحدث عنه منذ هذه الهجرة مليئة بالمبالغات قليلة الوضوح. وزار الأخوان غير قبرى القطبين المذكورين قبور غيرهما من الأولياء، نذكر منهم: الحلاج المتوفى عام ٣٠٩ هـ (٩٢١ - ٩٢٢ م) وعدى ابن مسافر الهكارى أبا الفضائل المتوفى عام ٥٥٨ هـ (١١٦٣ - ١١٦٣ م). وقد
стр. 483
أثرت هذه الزيارات فى نفس أحمد، واتجه وجدانه الديني اتجاهًا جديدًا، فقد عرض عليه الرفاعى والجيلانى صاحبا "مفاتيح البلاد" أن يقاسماه إياها, ولكنه أعرض عنهما قائلًا إنه لا يقبل تلك المفاتيح إلا من الفتاح. ثم إنه انتصر على فاطمة بنت يرى التى كانت تسلب الرجال أحوالهم ورفض الزواج منها. وقد أورد كتاب "الجواهر" وغيره قصة لقائه لهذه المرأة على وجه أخاذ رائع. وبعد عام (٦٣٤ هـ = ١٢٣٦ - ١٢٣٧ م) رأى أحمد رؤيا أخرى سافر بعدها إلى طنطا (طندتا) بمصر، حيث بقى بها حتى وفاته، أما أخوه حسن فعاد من العراق إلى مكة. وتلونت حياة أحمد فى طنطا بآخر ألوانها وأروعها, وقد وصفت تلك الحياة على الوجه الآتى: "فصعد إلى سطح غرفته [فى إحدى الدور الخاصة]، وكان طول
نهاره وليله قائمًا شاخصًا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بحمرة تتوقد كالجمر، وكان يمكث الأربعين يومًا وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام". ومن الواضح أن أحوالًا كهذه وغيرها مستعارة من حياة نساك الهند (اليوجا). ولقى فى طنطا وما جاورها أصدقاء كما لقى خصومًا، وقد دفعته حاجته إلى مداواة عينيه إلى أن يتصل بعبد العال الذى كان يافعًا فى ذلك الوقت ثم صار فيما بعد خليفة له. وله كرامات وخوارق ذكرت المصادر الكثير منها بشيء من التفصيل. وقد أخملت شهرة أحمد منذ وصوله طنطا كل من كان فيها من الأولياء، وأبى حسن الإخنائى أن يعترف بأحمد فارتحل عن طنطا؛ وخضع له سليم المغربى فاستطاع بذلك أن يظل فى هذه المدينة، بينما دعا أحمد على حاسده "وجه القمر" فخرب مزاره واعتزله الناس, ويقال إن معاصره الملك الظاهر بيبرس كان يقدره وأنه قبل قدميه. ولما كان تلاميذه قد اعتادوا المكث فوق السطح معه فقد سموا لذلك بـ "السطوحية" أو"أصحاب السطح"، وتصفه الروايات فى ذلك الوقت بأنه كان ضخمًا قويًا عريض العظام قمحى اللون (وهو اللون الغالب على سكان شمالى مصر, أما المراكشيون فلونهم فى الغالب أدكن من ذلك) أقنى الأنف عليه شامتان، وتظهر فى وجهه أثر ثلاث نقط من الجدرى
стр. 484
وندبة بين عينيه من طعنة موسى، وكان يلبس بشتا من الصوف الأحمر وعمامة اعتاد ألا يخلعها للغسل حتى تذوب، وقد احتفظ خليفته بطرف من عمامة له واتخذه شعارًا، وأثر عنه أنه كان يقسم بـ "وعزة ربى"، ويظهر أنه قد أحس فى أخريات حياته أنه قد ملك على أهل مصر زمامهم، وهذا ما أفهمه من رواية الشعرانى (جـ ١، ص ٢٤٧، س ٣٤ وما بعدها) عنه أنه قال "سواقىّ تدور على البحر المحيط لو نفد ماء سواقى الدنيا كلها لما نفد ماء سواقىّ". وكان يقوم الليل على تلاوة القرآن كما كان يأتم به إمامان فى الصلاة. أما فيما يتعلق بحاله فقد قيل إن "حضوره أكثر من غيابه". وبعد أن عاش فى طنطا على هذا المنوال إحدى وأربعين سنة توفي فى الثانى عشر من ربيع الأول عام ٦٧٥ هـ (٢٤ أغسطس ١٢٧٦ م) أى أنه توفي فى اليوم الذى توفى فيه رسول الله [ ﷺ ]. ويؤخذ من سلوك أحمد البدوى أنه كان من طبقة الدراويش الدنيا الذين هم أشبه شيء بطائفة "اليوجا" فى الهند، كما كانت شخصيته ضئيلة القدر من الوجهتين العقلية والأدبية، وقد وصل إلينا من ثمار عقله ما يأتى:
١ - حزب (فهرس مكتبة برلين، جـ ٣، ص ٤١١، رقم ٣٨٨١).
٢ - صلوات، وقد شرحها عبد الرحمن بن مصطفى عيدروس (من عام ١١٣٥ - ١١٩٢ هـ = ١٧٢٢ - ١٧٧٨ م) وهو أحد مشاهير الصوفية فى القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) بعنوان "فتح الرحمن" (انظر فهرس الكتبخانة المصرية, ج ٧، ص ٧٨).
٣ - وصايا، وجهها بخاصة إلى عبد العال أول خلفائه. والأقوال والعظات التى وردت فى هذه الوصايا، هي جمل عامة ليس لها إلا طابع شخصى ضئيل، ولهذا فهي تتقق مع الآراء الأساسية للزهاد المسلمين فى جميع عصورهم، بل يشبه بعضها مذاهب غير المسلمين فى الزهد والتصوف. ونحن نشك فى أن تكون هذه الآراء ثمرة من ثمار أحمد الروحية وفى إمكان اتفاقها وذوقه الصوفى. وأول الوصايا ما يحث على التمسك
стр. 485
بالقرآن والسنة، وهو يمتدح قيام الليل تعبدًا كثير المدح، ويقول إن ركعة واحدة فى الليل تعدل ألف ركعة فى النهار، وهو ينزل "الذكر" منزلة كبيرة على أن يكون ذلك بالقلب، فإذا لم يكن كذلك كان شقشقة. وأقصى ثمار الذكر "الوجد" ويحصل على هذا الوجه: فى حالة الاتصال بالله يفيض نور إلهى على قلب العابد يقشعر له بدنه، ويغشاه الوجد حينئذ، ويتعلق بالله التعلق كله، والإيمان هو أثمن شئ، وأكثر الناس إيمانًا أتقاهم. أما تعاليمه الخلقية وتعاليم أتباعه فيمكن استخلاصها مما ذهبوا إليه من أن طريقتهم تعتمد على القرآن والسنة والحق والطهر والصدق والصبر على المكروه والوفاء بالوعد، وذهبوا كذلك إلى القول: "لا تشمت بمصيبة أحد من خلق الله تعالى، ولا تنطق بغيبة ولا نميمة، ولا تؤذ من يؤذيك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك"، ونجد للإنجيل أثرًا واضحًا فيما ذهبوا إليه من: "أشفق على اليتيم، واكس العريان وأطعم الجيعان، وأكرم الغريب والضيفان، عسى أن تكون عند الله من المقبولين". وقالوا كذلك: "إياك وحب الدنيا، فإنه يفسد العمل الصالح كما يفسد الخل الزيت". وهم يرون أن الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته وقد سموا عامة المتصوفة "القوم" بينما أطلقوا على غيرهم من الناس "الخلق" على أن الاسم الشائع للمتصوفة هو"الفقراء". ولسنا نفهم مغزى قول أحمد: "إن الفقراء كالزيتون، وفيهم الصغير والكبير، ومن لم يكن له زيت فأنا زيته"، وهذا يخالف قول يوحنا المعمدان (الإصحاح ١٥، الآية ٢).
وبعد أن توفي أحمد أصبح عبد العال الذى لازمه منذ طفولته أربعين عامًا خليفة له، وحمل آثاره وهى "البشت" الأحمر ولثامه وعلمه الأحمر، وابتنى خلوة حول قبره صارت على مر الأيام مسجدًا كبيرًا. ويظهر أنه كان صارمًا مع أتباعه، ورتب "الشعائر" وتوفى عام ٧٣٣ هـ (١٣٣٢ - ١٣٣٣ م).
ويظهر أن الاحتفال بمولد أحمد وتقدير الناس لهذا الولى فى البلاد الأخرى قد تزايد بسرعة وإن لم يخل ذلك من معارضة ومقاومة. فقد كان العلماء فى جملتهم يعادون التصوف
стр. 486
من جهة، كما كان رجال الدولة يناهضون المتصوفة الذين ينازعونهم السيادة من جهة أخرى، ويفسر لنا هذا ما يروى من أنهم تآمروا مرتين على قتل خليفة البدوى (ابن إياس، ج ٢، ص ٦١، س ١٥ - ١٦؛ جـ ٣، ص ٧٨، س ١٤)، ومن العلماء الذين عادوا أحمد فى بداية أمره والذين أصبحوا فيما بعد من أتباعه: ابن دقيق العيد المتوفى عام ٧٠٢ هـ (١٣٠٢ - ١٣٠٣ م) وابن اللبان المتوفى عام ٧٣٩ هـ (١٣٣٨ - ١٣٣٩ م) ويروى أنه حدث فى عهد خليفتيه الأولين اختلاف بين أتباع البدوى. فنحن نقرأ فى حوادث عام ٨٥٠ هـ (١٤٤٦ - ١٤٤٧ م) أنه قد أعيد الاحتفال بمولد أحمد بعد أن أهمل (ابن إياس، جـ ٢، ص ٣٠، س ٥).
وكان السلطان قايتباى من مقدرى أحمد المتحمسين، وقد زار قبره عام ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ م)، ثم وسع مقامه فيما بعد (ابن إياس، جـ ٢، ص ٢١٧، س ٧؛ ص ٣٠١، س ١٥)، وكان خلفاء البدوى يسيرون فى موكب سلاطين المماليك الدينية جنبًا إلى جنب مع كبار علماء الدين فى الدولة. أما فى عهد الحكم العثمانى فيظهر أن الاحتفال بالبدوى قد فقد روعة مظاهره لأنها لم تكن تتفق مع الأنظمة الصارمة التى وضعها الأتراك؛ ولكن هذه النظرة السياسية لم تستطع أن تحول دون تقدير المصريين له، فهو أكبر أولياء مصر ومفرج كل الكروب منذ عهد طويل. ويذكر من كراماته تحريره لأسرى المسلمين من أيدى النصارى ومن ثم سمى "مجيب الأسارى من بلاد النصارى" ويحتفل فى مصر بمولده ما لا يقل عن ثلاث مرات كل عام على الأقل تستلفت تواريخها نظر الباحثين فى تاريخ الأديان، فمن الواضح أن هذه الموالد تجرى وفقًا للتقويم القبطى أو بصفة عامة وفقًا للسنة الشمسية؛ فالمولد الكبير يحدث فى مسرى (أغسطس) والوسيط، ويسمى كذلك مولد "الشرنبلالى" فى برمودة (مارس - أبريل) والأصغر، ويسمى أيضًا مولد "الرجبى" أو"لف العمامة" فى أمشير (فبراير). وواضح أن موافقة وفاته عام ٦٧٥ هـ لتاريخ مولد النبى [ ﷺ ] من جهة، وحدوثها فى شهر أغسطس من
стр. 487
السنة الشمسية من جهة أخرى ليستا إلا صدفة، ومن الطبيعى أيضًا أن نتساءل: أليس تاريخ وفاة البدوى هذا مجرد استنتاج؟
ويجب أن نلاحظ أيضًا أن أعياد الربيع والخريف عند عرب الجاهلية هي فيما يرجح أساس تواريخ هذه الموالد. ولعل من المتعذر دحض هذا الفرض كما يقال من أن مولد الرجبى إنما سمى كذلك نسبة إلى رجل مجهول هو الشيخ رجب، وأن المولد الوسيط له أساس تاريخى سابق (على مبارك، ص ٥٠، س ٢٥ وما بعده). وبينما المولدان الأصغر والوسيط ليسا فى جوهرهما إلا سوقين كبيرين، فإن المولد الكبير - إذا تجاهلنْا أهميته التجارية- عبارة عن احتفال ديني سياسى بكل ما فى ذلك من معنى, تقدم فيه النذور وتقام الصلوات والدعوات والأذكار والحضرات وينتهى بركبة (أو ركوب) الخليفة فى جموع أتباعه للطواف فى أرجاء طنطا.
وأتباع البدوى منتشرون فى جميع أرجاء مصر ويعرفون بـ "الأحمدية" وشارتهم العمامة الحمراء. والبيومية والشناوية وأولاد نوح والشعيبية فروع للأحمدية.
ويعتبر أحمد البدوى منذ أمد طويل "قطبًا" هو وعبد القادر الجيلانى وأحمد الرفاعى وإبراهيم الدسوقى.
ولا يفوتنا أن نذكر من كبار محبيه عبد الوهاب الشعرانى المتوفى عام ٩٣٧ هـ (١٥٦٥ م) وهو من أسرة مغربية كأحمد البدوى ولكنها استوطنت مصر. وقد لقب الشعرانى نفسه: "الأحمدى" نسبة إلى أحمد البدوى (Vollers. فهرس مكتبة لييسك، رقم ٣٥٣)، وزار قبره أكثر من مرة، وأدخله فى عداد كبار الصوفية، واتصل به فى رؤاه. وفى إحدى هذه الرؤى وصف أحمد الشعرانى بأنه نور المتصوفة الذى لا يخبو، وأنه أخلص من يعتقد بعقده (Rev. Africaine جـ ١٤, سنة ١٨٧٠, ٢٩٩ م). ومن عجائب الحياة الدينية حقًا أن يتأثر رجل مثل الشعرانى بسحر البدوى مع أن البدوى دونه من الوجهتين العقلية والأدبية.
стр. 488
وبالجملة لا يمكننا إطلاقًا أن نفهم أهمية أحمد من الوجهة التاريخية إذا قصرنا دراستنا على شخصيته وحدها، ولكنا نستطيع ذلك إذا قلنا إنه -باعتباره من المتصوفة والأولياء- قد تركزت فيه شتى رغائب معاصريه وميولهم بل ورغائب الذين سبقوه وجاءوا بعده أيضًا. فقد أدخله الناس فى ميدان الأساطير من مناح عدة. وسبق أن ذكرت أن من المحتمل أن تكون تواريخ موالد أحمد بقية من أعياد الجاهلية. وأنا الآن أميل إلى الاعتقاد بأن النضال الذى ذكرناه بين أحمد البدوى وفاطمة بنت يرى والذى لم يفسر بعد، أعمق من أن يكون مقصورًا على ترويض امرأة. وقد لاحظ ماسبيروه Maspero وإيبرز Ebers وكولدسيهر Goldziher أن التوسل بأحمد خالطته عناصر مصرية قديمة. ونضيف إلى ما فى هذا التوسل من مظاهر تنافى الأخلاق لاحظها كولدسيهر. وإنى أميل إلى القول بوجود أثر أسطورى فى القصة التى رواها الشعرانى وغيره عن لثامى أحمد، إذ مسألة يومًا تلميذه وخليفته فيما بعد: عبد المجيد، أن يرفع لثامه ليرى وجهه فحذره قائلًا: "منظرة برجل" فلما أصر كشف له اللثام الفوقانى فصعق (قارن هذه القصة بالقصة التى تروى عن ابن جلا والتي لم يعرف العرب القدماء معناها ومبناها؛ الطبرى، ج ٢، ص ٨٦٤، س ٢؛ ص ٨٦٦، س ٩؛ الكامل، طبعة رايت Wright، جـ ١، ص ١٢٨، س ١٨، ص ٢١٥، س ١٤؛ ابن يعيش، ص ٧٣، س ١٢؛ البيضاوى، جـ ١، ص ٢٩٩، س ٢٥, Archiv. F. Religionswissensch, جـ ٩، سنة ١٩٠٦ م، ص ٨٣، ١٧٧). وكانت الدعوات توجه لأحمد البدوى من جميع نواحى القطر المصرى، ولم تكن الموالد التى تقام له مقصورة على مدينة طنطا بل تعدتها إلى القاهرة فى كثير من الأحيان -عند الأحمدية مثلا، أضف إلى هذا أنها كانت تقام فى القرى الصغيرة أيضًا مثل برمبال (على مبارك، جـ ٩، ص ٣٧، س ٢٤). ويصعب أن نتثبت مما إذا كانت الأضرحة والمقامات التى تنسب إلى السيد البدوى
стр. 489
تمت إليه حقيقة بسبب. فلقد اكتشفتُ ضريحًا ينسب للسيد البدوى بين "ترب الصحابة" بالقرب من أسوان، كما ذكر بورخارت Burckhardt وليًا بنفس الاسم قرب طرابلس بالشام (كتابه عن الشام، ص ١٦٦) وهناك ولى آخر بالقرب من غزة (Muh. Studien: Goldziher جـ ٢، ص ٣٢٨؛ Zeitscher. d. Deutschen، Palastiana - Vereins جـ ١١، ص ١٥٢، ١٥٨). ويمكننا أن نعتمد إلى حد كبير على الروايات التى ذكرت عن السيد أحمد البدوى مع ما يشوبها من المسحة الأسطورية. وكل الروايات القديمة تتحدث عن أخ له يدعى حسنا عاش معه فى مكة ثم فارقه بعد هجرتهما إلى العراق. ونستطيع أن نستخلص مكانة أحمد فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) من أن المقريزى وابن حجر العسقلانى قد خصا سيرته بفصلين (فهرس مكتبة برلين جـ ٣, ص ٢١٨، ٣٣٥، س ٦؛ جـ ٩، ص ٤٨٣، ١٠١٠١) وكذلك فعل السيوطى (حسن المحاضرة، طبعة القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، جـ ١, ص ٢٩٩ وما بعدها). أما الكلمة التى خصه بها الشعرانى فى طبقاته فتفيض بتبجيله وتقديره (الطبقات؛ الطبعة الحجرية، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، جـ ١، ص ٢٤٥ - ٢٥١).
وفى عام ١٠٢٨ هـ (١٦١٩ م) صنف رجل من خدام مقام هذا الولى يدعى عبد الصمد زين الدين كتاب "الجواهر السُنّية (السَنيّة؟ ) فى الكرامات والنسبة الأحمدية"، وأورد فيه كل ما يستحق الذكر فى هذا الموضوع (انظر المخطوطات الموجودة فى مكتبات كوتا ولييسك وبرلين وباريس وهذا الكتاب طبع بالقاهرة بالحجر وبالحروف عام ١٣٠٥ هـ إلخ .. ) ولم يعتمد هذا الكاتب فى مصنفه هذا على الكتب المذكورة فحسب بل أخذ أيضًا عن مصادر مجهولة علاوة على ما أخذه من أمثال أبى السعود الواسطى، وسراج الدين الحنبلى، ومحمد الحنفى، كما أخذ عن "نسبة" يونس (يقول البعض يوسف) ابن عبد الله المسمى بازبك الصوفى، وربما كان أزبك هذا هو صاحب "نسب البدوى" (ورقة
стр. 490
١٢٧) الذى لا يعلم مؤلفه (انظر فهرس الكتبخانة المصرية جـ ٥، ص ١٦٧). ولقد تكلم عبد الصمد فى أول الكتاب عن حياة أحمد والمصادر التى اعتمد عليها ووصف إكرام خلفائه ومريديه له ثم تحدث عن وفاته وأورد مراثى إخوته وأخواته فيه وعقب على ذلك بكلامه عن مولده وكراماته ووصاياه وأضاف إليها قصائد عديدة قيلت فيه ورتبها على حروف المعجم، وهى لشهاب العلقمى، وشمس البكرى، وعبد العزيز الدرينى المتوفى حوالى عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م) وعبد القادر الدنوشرى وغيرهم، وختم الكتاب بحديثه عن مريديه وعن الكلمات الثمانى التى فاه بها السيد فى أول سنى حياته والتى أصبح بعدها "صماتًا". وهناك كتاب آخر أقل أهمية من كتاب عبد الصمد هو"النصيحة العلوية فى بيان حسن طريقة السادة الأحمدية" (انظر فهرس مكتبة برلين جـ ٩، ص ٤٨٤، ١٠١٦٤). لمؤلفه على الحلبى المتوفى عام ١٠٤٤ هـ (١٦٣٤ - ١٦٣٥ م). وكان أكبر هم هذا الكاتب أن يمتدح زهد السيد البدوى ويطرى فقراءه. ويوجد غير هذين المصنفين مخطوط آخر (المتحف البريطانى، الملحق، رقم ٦٣٩، ورقة ٢٧ من المخطوط) لمؤلف مجهول يتحدث عن مناقب أحمد (انظر أيضًا، فهرس مكتبة برلين، جـ ٩، ص ٤٦٦، ١٠٠٦٤، س ٧، ورقة ٣).
وآخر كتاب طبع عن أحمد هو"النفحات الأحمدية والجواهر الصمدانية" لمؤلفه حسن رشيد الشهدى الخفاجى (القاهرة، سنة ١٣٣١ هـ، ص ٣١٦). وكتب كثير من المؤلفين عن أحمد مع غيره من الأقطاب، مثال ذلك ما كتبه محمد بن حسن العجلونى (حوالى عام ٨٩٩ هـ = ١٤٩٤ م، انظر فهرس مكتبة برلين، جـ ١، ٦٠، ١٦٣) وأحمد بن عثمان الشرنوبى (حوالى عام ٩٥٠ هـ = ١٥٤٣ م، انظر أيضًا الفهرس المشار إليه آنفًا، جـ ٣، ص ٢٢٦، ٣٣٧١). وهناك قصيدة قصيرة عن أحمد ترجع إلى عام ١١٧٥ هـ (فهرس مكتبة برلين. جـ ٥، ص ٢٩، ٥٤٣٢؛ جـ ٧، ص ١٩٧، ٨١١٥،
стр. 491
٣). وقد كتب عنه بعض الكتاب المتأخرين مثل على مبارك (جـ ١٣، ص ٤٨ - ٥١) وهؤلاء اعتمدوا كثيرًا على الشعرانى وعبد الصمد (انظر Brock Modern Egyptians: E. w. Lane Gesch. d. arab. Litter: elmann جـ ١، ص ٤٥٠).
[فولرز K. Vollers]
+ أحمد البدوى، ويلقب بأبى الفتيان: أشهر ولى عند المسلمين بمصر، وظل هذا شأنه حوالى سبعمائة عام. ويطلق عليه الناس فى كثير من الأحيان لقب "السيد" فحسب. ولقبته أغنية قيلت فى تمجيده (طبعة ليتمان) بشيخ العرب لأنه كان يلبس لثامًا مثل بدو المغرب. وأحمد البدوى الصوفى يلقب بالقطب.
والراجح أن أحمد ولد فى فاس سنة ٥٩٦ هـ (١١٩٩ - ١٢٠٠ م)، ويظهر أنه كان أصغر سبعة أو ثمانية من الأولاد، وكانت أمه تدعى فاطمة، واسم أبيه على (البدرى)، ولم تذكر صنعة أبيه، وكان نسبه يرفع إلى علي بن أبى طالب.
وقد مضى أحمد وهو فى شرخ شبابه صحبة أسرته للحج إلى مكة، وبلغوها بعد أربع سنوات من الرحلة، ويقال إن ذلك كان بين سنتى ٦٠٣ - ٦٠٧ هـ (١٢٠٦ - ١٣١١ م)، وتوفي أبوه فى مكة، ويروى أن أحمد قد أحسن ركوب الخيل فى مكة حتى غدا فارسًا مغوارًا, ومن ثم لقب هناك، فى قول الروايات، بالعطاب والغضبان. وقد يكون لقبه "أبو العباس" تحريفًا وقع فى كتابة "أبى الفتيان"، ولعل اللقب أبا الفتيان فيه الكثير من معنى العطاب. ومن الألقاب التى لقب بها من بعد: "الصمات" و"أبو فراج" أى المحرر ويقصد بذلك محرر الأسرى. وحوالى سنة ٦٢٧ هـ (١٢٣٠ م) كابد أحمد تحولا باطنيا، فقد قرأ القرآن بالقراءات السبع ودرس شيئًا من الفقه الشافعي، وانقطع للعبادة ورفض عرضًا للزواج، واعتزل الناس وأخلد إلى الصمت لا يتكلم إلا بالإشارة. وتذهب بعض الروايات إلى أن أحمد رأى سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م) ثلاث رؤى متعاقبات دعته إلى زيارة العراق، فشخص إليها صحبة
стр. 492
أخيه الأكبر حسن، وزار أحمد وأخوه قبرى الوليين القطبين أحمد الرفاعى وعبد القادر الجيلانى كما زار قبور غيرهما من الأولياء. ويقال إن أحمد استطاع وهو فى العراق أن يروض المرأة الجموح فاطمة بنت يرى التى لم تخضع من قبل لرجل، وقد عرضت عليه الزواج فأبى. وصيغ من هذه الحادثة قصة مغرقة فى الخيال والعاطفة بلغة العرب الدارجة، ولعل هذه القصة تعود إلى الأساطير المصرية القديمة. وفى سنة ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ - ١٢٣٧ م) رأى أحمد رؤيا أخرى دعته إلى الرحلة إلى طنطا بمصر، وعاد أخوه حسن من العراق إلى مكة. وفى طنطا دخل أحمد فى آخر وأهم فترة فى حياته، وقد وصفت طريقته فى الحياة على النحو الآتى: صعد أحمد فى طنطا إلى سطح دار من الدور الخاصة وظل قائما بلا حراك محملقًا فى الشمس حتى احمرَّت عيناه وتوقدتا كأنهما جمرتان. وكان يصمت أحيانًا فيطيل الصمت وينخرط أحيانًا فى صراخ متصل.
وقد وجد الأولياء الذين كان الناس لا يزالون يقدسونهم عند وصول أحمد إلى طنطا (أمثال الحسن الإخنائى، وسالم المغربى ووجه القمر) أن أحمد قد أخملهم، ويقال إن معاصره السلطان الظاهر بيبرس المملوكى كان يقدره وأنه قبل قدميه، وقد قدم عليه فتى يدعى عبد العال عندما كان يبحث عن دواء يداوى به عينيه الموجوعتين، وأصبح هذا الفتى من بعد موضع ثقته وخليفته. ومن ثم كنى السيد البدوى فى الأدب الشعبيّ بأبى عبد العال. وتوفى أحمد فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة ٦٧٥ هـ (٢٤ أغسطس سنة ١٢٧٦ م).
وقد ألف أحمد البدوى:
١ - حزبًا.
٢ - مجموعة صلوات شرحها عبد الرحمن بن مصطفى العيدروسى بعنوان "فتح الرحمن".
٣ - وصايا تتضمن عظات يغلب عليها الطابع العام.
وخلفه بعد مماته عبد العال المتوفى سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٢ - ١٣٣٣ م)، وقد
стр. 493
أقام عبد العال مسجدًا فوق قبره. وكان تقدير أحمد وزيارة قبره بطنطا يستنكرهما فى كثير من الأحيان العلماء ذوو الثقافة العالية وغيرهم من خصوم الصوفية. وكان بعض هؤلاء الخصوم ممن عارضوا التصوف بجميع أشكاله، وبعضهم من السياسيين الذين أبوا أن يتحكم الصوفية فى الناس. ونحن نسمع بمقتل خليفة للبدوى فى مناسبتين (ابن إياس، جـ ٢، ص ٦١؛ جـ ٣، ص ٧٨). وفى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م) حمل العلماء وأهل الورع من السياسيين السلطان الظاهر جقمق على منع الزيارة إلى طنطا, ولكن الحكم الذى أصدره هذا السلطان لم يكن له من الأثر لأن الناس أبوا أن يتخلوا عن عاداتهم القديمة. والظاهر أن السلطان قايتباى كان من المعجبين بهذا الولى (ابن إياس، جـ ٢، ص ٢١٧، ٣٠١). وقد تضاءلت فى عهد الحكم العثمانى مظاهر الأبهة التى كانت تلازم الاعتقاد فى الولى أحمد، ذلك أنها كانت تتعارض مع الأحكام التركية الشديدة. على أن هذا الاتجاه السياسى لم ينتقص من تقدير المصريين لأحمد. وتعد طريقة الدراويش الأحمدية التى أسسها هو من أهم الطرق الشعبية فى مصر هي والرفاعية والقادرية والبيومية. وكانت شعارات الأحمدية وعمائمهم حمرا. وللأحمدية فروع عدة مثل البيومية وغيرها.
والمكان الذى يزار فيه أحمد هو مسجد طنطا الذى أقيم فوق قبره؛ ويقول عنه لين (An Account: E. W. Lane of the Manners and Customs of Modern Egyptians سنة ١٨٤٦، جـ ١، ص ٣٢٨): "والقبر فى أيام المواسم السنوية الكبرى يجتذب من القاهرة ومن غيرها من أنحاء الوجه البحرى الأخرى عددًا من الزوار يكاد يماثل ما يؤم مكة من الحجاج القاصدين من جميع أرجاء العالم الإسلامى". ويذهب كثير من الحجاج القاصدين مكة إلى طنطا أولًا، ومن ثم قيل إن أحمد هو"باب النبى". والموالد الثلاثة الكبرى التى تقام لأحمد هي:
١ - مولد فى السابع عشر أو الثامن عشر من يناير. ٢ - مولد فى الاعتدال الربيعى أو حوالى ذلك. ٣ - بعد مضى شهر تقريبًا من
стр. 494
الانقلاب الصيفى حين يزداد النيل زيادة كبيرة وقبل أن تفتح السدود أو القنوات. وهذه الموالد هي كما يقول لين: "أسواق كبيرة وأعياد دينية أيضًا" وتواريخها تحسب بالسنة القبطية، وأغلب الظن أن فى هذه الأعياد والزيارات رواسب من الشعائر المصرية القديمة والمسيحية. وتاريخ المولد الأول يطابق تاريخ عيد الغطاس عند المسيحيين. ويذهب كولدسيهر (Muh. Stud.: Goldziher، جـ ٢، ص ٣٣٨) إلى وجود صلة بين موالد طنطا والمواكب المصرية القديمة لبوباسطس التى وصفها هيرودوت.
ولا تقام الموالد للسيد البدوى فى أماكن أخرى من مصر وفى القاهرة فحسب، بل تقام أيضًا فى القرى الصغيرة (انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ ٩، ص ٣٧). ويُشك بعض الشك فى أن جميع الأضرحة التى تحمل اسم "البدوى" هي لأحمد. ومثل هذه الأضرحة نجدها بالقرب من أسوان، وفى سورية بالقرب من طرابلس (J.L. Burchkardt: Syria ص ١٦٦) وفى غزة (Goldziher: Muh. Stud. جـ ٢، ص ٣٣٨؛ Zeitschrift des Deutschen Palastinavereins؛ جـ ١١، ص ١٥٢, ١٥٨).
وثمة كثير من الروايات تروى فى مصر عن أحمد البدوى: منها كرامات وهو بقيد الحياة، وكرامات تأتى من قبره؛ وكرامات تجعله يحيى الموتى؛ وكرامات يخص بها أولئك الذى يحيون موالده. وتدل الأغنية التى سجلها ليتمان (انظر المصادر) فى القاهرة عن مبلغ اعتقاد كثير من الناس فيه حتى اليوم. وفى هذه الأغنية تروى كرامات لأحمد لا يكاد يصدقها العقل. ويقال أيضًا إنه بدأ يتكلم من يوم أن ولد، وإنه كان أكولًا لا حد لنهمه، وقد اشتهر خاصة برد الأسرى والمفقودين والأمتعة، ومن ثم لقب، "جايب اليسير" أى جالب الأسير، وإذا نادى مناد عن فقد طفل أو حيوان أو متاع استغاث بأحمد البدوى؛ ويذكر سبور (Spoer فى Zeitscher. der Deutsch. Morgent. Ge
стр. 495
سنة ١٩١٤ م، ص ٢٤٣) خبر كرامة لهذا الولى وقعت فى فلسطين.
المصادر:
التراجم:
(١) المقريزى، مخطوط، برلين ٣٣٥٠، رقم ٦.
(٢) ابن حجر العسقلانى، مخطوط برلين ١٠١٠١.
(٣) السيوطى: حسن المحاضرة، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، ج ١، ص ٢٢٩.
(٤) الشعرانى طبقات الصوفية، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ ج ١، ص ٢٤٥ - ٢٥١) وكان الشعرانى من المعجبين بالولى، وقد لقب نفسه بالأحمدى" انظر Call. Leipzig: Vollres رقم ٣٥٣).
(٥) عبد الصمد زين الدين: الجواهر السنية فى الكرامات الأحمدية، وقد طبع مرارًا (وهذا المصنف الهام الذى كتب عام ١٠٢٨ هـ = ١٦١٩ م، يستشهد بكتب أخرى مفقودة علاوة على الكتب التى ذكرنا).
(٦) على الحلبى المتوفى سنة ١٠٤٤ هـ = ١٦٣٤ - ١٦٣٥ م: النصيحة العلوية فى بيان حسن طريقة السادة الأحمدية، مخطوط، برلين ١٠١٠٤.
(٧) حسن راشد المشهدى الخفاجى. النفحات الأحمدية، القاهرة سنة ١٣٢١.
(٨) قصة سيدى أحمد البدوى وما جرى له مع الثلاثة الأقطاب.
(٩) قصة السيد البدوى مع فاطمة بنت برى وما جرى بينهما من العجائب.
(١٠) قصة السيد البدوى مع فاطمة بنت برى وما جرى لهما من العجائب والغرائب (والمصنفات الثلاثة الأخيرة رسائل صغيرة طبعت فى القاهرة؛ والثانية والثالثة منهما متنهما متماثل إلى حد كبير).
والسيد البدوى يُتناول كثيرًا بالجمع بينه وبين أقطاب آخرين مثل.
(١١) محمد بن حسن العجلونى (حوالى عام ٨٩٩ هـ = ١٤٩٤ م) مخطوط ببرلين رقم ١٦٣.