بعض حماماتها القديمة ذات الخطة المتميزة بالانتشار فى كل الاتجاهات والتى يعود منشأ معظمها إلى العصر المملوكى، لم تُدرس بعد الدراسة الأثرية ذات التفاصيل الشافية.
أما فى الأندلس والمغرب فيبدو أن أبنية الحمامات تنتمى لتراث مختلف ذى منشأ أندلسى أو أموى. وهكذا تكشف لنا بعض النماذج التى ترجع إلى تاريخ قديم ومنها حمامات من القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) والسادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) بغرناطة وتلمسان عن قدر عظيم من البساطة فى التصور والتنفيذ دون بذل محاولة للزخرفة المعمارية فى أى مكان ما خلا غرف تغيير الثياب. ثم يظهر فى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) والثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) نوع بعينه من الزخرفة المعقدة لأبنية الحمامات بسبب اتخاذ أنماط الغرف الباردة والدافئة والساخنة (مع طغيان الغرفة الدافئة) - فى تصميمات محورية ومستطيلة - كتلك التى وجدت فى الحمامات الأيوبية فى الشرق. على أن العلاقة التى يحتمل وجودها بين الحمامات المرينية ذائعة الصيت ونماذجها الشرقية التى تتباعد عنها على نحو يتفاوت مقداره هى مسألة لم تدرس بعد ولا حتى ذكرت بالعناية التى يستحقها هذا الافتراض.
وتكوّن الحمامات التى بنيت بعد الغزو السلجوقى لإيران وحمامات تركيا فصلًا له أهمية خاصة فى تاريخ الحمام. وتلاحظ هذه الأهمية بالذات فى انتشار الأبنية من هذا الطراز على نحو مدهش فى الأناضول واستانبول. والحمامات التركية تمتاز ببناء أكثر متانة من الحمامات الصفوية التى نفتقر - فى كل الأحوال - إلى دراسات وبحوث عنها (ويوجد لها نموذج واحد نادر هو حمام كاشان الذى نشر كوست P. Coste خطته فى كتاب Monu- ments modernes de la Perse, باريس، ١٨٦٧, لوحة رقم ٤٥) والحمامات التركية لها هذه الميزة، فقد تواتر ذكرها
стр. 4272
فى معرض الاستشهاد بأعمال تمتاز بالكمال الفنى الذى يبلغ الذروة وهى فى ذلك تتطابق مع النسق الإِسلامى من ناحية العادات والتقاليد، وترث فى الوقت نفسه الخبرة التى اكتسبها البناة البوزنطيون من قبل فى هذا المضمار. وقد شهد العصر العثمانى - فوق هذا كله - تشييد كثير من الأبنية المرتبة ترتيبًا منسجمًا تم فيه التخلى عن مبدأ كثرة الغرف فى سبيل التركيز على تغيير الثياب غرفة البخار، التى كانت تبنى فى أكثر الأحيان فى شكل قاعات مقببة تمتاز بالروعة والفخامة. وكانت هذه الحمامات فى معظم الأحيان تتألف من مجموعتين متماثلتين من المبانى تخصص إحداهما للرجال والأخرى للنساء، ولكنهما كانتا مزودتين بالملاحق نفسها المشتملة على الخدمات، على مثال العمائر المختلفة المأثورة عن المهندس سنان (والحمام الخاصفى فى استانبول.
المصادر:
سبقت الإشارة إلى المصادر العربية فى صلب المادة، وانظر أيضًا:
(١) الهمذانى الذى يقدم فى "المقامة الحلوانية" وصفًا فكاهيًا لسلوك القائمين بالخدمة فى أحد الحمامات. وعن دور الحمامات فى المجتمع الإِسلامى، وخصوصًا فى بعض المدن الكبيرة، انظر:
(٢) Renaissance A. Mez.
(٣) La Poesie andalouse en: H. Peres arabe classique, باريس, ١٩٣٧, ص ٣٣٣, ٣٣٨.
(٤) Hist Esp.: E. Levi Provencal .mus, الجزء الثالث، ص ٤٣٠ - ٤٣١.
(٥) Fes avant le: R. Le Tourneau protectorat, الدار البيضاء, ١٩٤٩، ص ٢٤٧ - ٢٤٩.
(٦) Les hammams du: E. Pauty Caire, القاهرة، ١٩٦٣ (فى MIFAO, المجلد ٦٤).
(٧) Istanbul dans la sec-: R. Mantran onde moitie du Xvlle siecle, باريس، ١٩٦٢, ص ٥٠٣ - ٥٠٥. وعن تصميم
стр. 4273
إدارة الحمام لأغراضه المختلفة، من نماذج دمشق مع أوصاف فنية ومعمارية بالغة الاستفاضة ومسهبة التفاصيل فإن المصدر الأساسى هو.
(٨) Ch. Le Coeur & M. Ecochard: Les bains de Dam مجلدان، بيروت (PIFO), ١٩٤٢ - ١٩٤٣؛ وانظر أيضًا.
(٩) العرض الذى قدمه J. Sauvaget فى المجلة الأسيوية، العدد ٢٤٣, سنة ١٩٤٣ - ١٩٤٥, ص ٣٢٧ - ٣٣٢.
(١٠) J. de Maussion de Favieres: Note Sur Les bains de Damas, فى. B. Et .On، العدد ١٧, ١٩٦١ - ١٩٦٢، ص ١٢١ - ١٣١ و ١٢ لوحة. وعن وجهة النظر المعمارية الخالصة انظر.
(١١) Early Mus-: K. A. C. Creswell lim architecture, الجزء الأول، أوكسفورد، ١٩٣٢, ص ٢٥٣ - ٢٨٠ (قُصَير عَمْرهَ وحمام الصرخ).
(١٢) Les fouilles: D. Schlumberger de Qasr el. Heir el-Gharbi , ١٩٣٦ - ١٩٣٨، فى "سورية"، رقم ٢٠, ١٩٣٩, ص ٢١٣ - ٢٢٣.
(١٣) Les ruines amayy-: J. Sauvaget ades du Djebel Seis, فى "سورية"، رقم ٢٠، ١٩٣٩, وخصوصًا ص ٢٤٦ - ٢٤٧, ٢٥٤.
(١٤) المؤلف نفسه Remarques sur Les monuments Omeyyades, الجزء الأول: Chateaux de Syrie. فى المجلة الأسيوية JA، العدد ٢٣١، ١٩٣٩, ص ١٥ - ١٦، رقم ١، ص ٣٦ - ٣٩، ٥٢.
(١٥) khirbat al: R. W. Hamilton Mafjar، أوكسفورد، ١٩٥٩، ص ٤٥ - ١٠٥.
(١٦) Un bain da- J. Sauvaget masquin du Xlllle siecle، فى "سورية"، الجزء الحادى عشر, ١٩٤٠, ص ٣٧٠ - ٣٨٠.
(١٧) Trois pains ayy-: M. Ecochard oubides de Damas فى Les monuments ayyaubides de Damas, باريس, ١٩٤٠. ص ٩٢ - ١١٢.
(١٨) Larchitechture mu-: G. Marcais sulmane d'Occident, باريس، ١٩٤٥.
стр. 4274
وخصوصًا ص ٢١٥ - ٢١٧ وص ٣١٥ - ٣١٦.
(١٩) Trois bains mer-: H. Tesrasse inides du Maroc فى Melanges W. Marcais، باريس, ١٩٥٠، ص ٣١١ - ٣٢٠.
(٢٠) Cronica ar-: L. Tarres Balbas quocologica فى al. And , الجزء السابع، ١٩٤٢, ص ٢٠٦ - ٢١٠, (جبل طارق) الجزء التاسع، ١٩٤٤, ص ٤٧٥ - ٤٤٧, (رندة)، الجزء الحادى عشر، ١٩٤٦ (ص ٤٤٣ - ٤٤٦)؛ الجزء السابع عشر، ١٩٥٢, ص ١٧٦ - ١٨٦ (Torres Torres ومواضع أخرى فى الشرق)، ص ٤٣٣ - ٤٣٨، (مرسيه).
(٢١) Tuerlcische: K. Klinghardt Bader اشتوتجارت، ١٩٢٧.
(٢٢) Turkish Islamic ar- chitecture ; E - Unsal لندن، ١٩٥٩، ص ٧٤ - ٧٦.
معتز محمود [سوردل تومين J. Sourdel Tomine]
والحمام فى المغرب - علاوة على كونه مكانًا مقصودًا به التطهر الأكبر (أو الاغتسال) للمؤمن والحفاظ على صحته الجسمانية يعد أيضًا مكانًا للالتقاء ومركزًا للحياة الاجتماعية. فإن مدخله القريب من المسجد - والذى يقوم الحمام تقريبًا مقام الغرفة المؤدية إليه - وموقعه الذى يتوسط السوق فى بعض الأحيان، يجعلان الحمام فى المدينة المغربية يضطلع بدور المركز الاجتماعى. والحمام فى معظم الأحيان عتيق يتطاول تاريخه إلى عدة قرون خلت، ويكشف متباهيًا عن شجرة نسبه الأصيل، وأما بابه ذو المدخلين المطلى بالطلاء الأخضر والأحمر فتعلوه فى بعض الأحيان لوحة رخامية عليها نقوش تشهد على بنائه فى عهد قديم.
والحمامات التركية فى تونس العاصمة يبلغ عددها فعلًا أربعين حمامًا أو نحو ذلك، وتختلف من حيث الحجم وألوان الرفاهية التى توفرها لروادها، إلَّا أنه ليس ثمة تفاوت يذكر فى الخطة العامة لمبنى الحمام والطريقة التى يعمل بها.
стр. 4275
والساحة المخصصة لمستعملى الحمام تتألف من قسمين متمايزين عن بعضهما البعض تمامًا: القسم الخاص بارتداء الثياب والراحة ثم الحمام نفسه الذى يشتمل على غرف دافئة وساخنة يصل عددها جميعًا إلى ثلاثة بصفة عامة، كل واحدة تفضى إلى الأخرى.
وصاحب الحمام "الحمامجى" والعاملون به كانوا فى العهود السابقة يخرجون من بين المزابيين من جنوبى الجزائر، الذين سبق لهم أن استقروا فى تونس العاصمة، وأقاموا لهم نقابة. فعلاوة على المدير، يتكون طاقم العاملين من عامل يتولى غرفة ارتداء الثياب "حارس المحرص" يعاونه فريق من المساعدين يقيمون فى غرفة الاستراحة، ويسمى كل منهم "حارس المقصورة"، وعامل يتولى شئون الثياب "حارس البِدَل" يعاونه عدد من مضيقى وخدم اللواوين الذين يغسلون المآزر، والمدلكين "الطيّابين" الذين يقدمون خدماتهم عند الطلب، وعامل يتولى التسخين "فرانقى" ومعه مساعد أو مساعدان.
ولقب "رئيس الحمام" وهو الذى كثيرًا ما يطلق على من يتولى رئاسته فيه إشارة واضحة إلى أهمية واجباته. وفى الزمن السابق كان رئيس التنوّر ومعاونوه جميعهم من مواطنى ورجلا (جنوبى الجزائر) وكانوا كذلك ينتمون إلى نقابة خاصة بهم، وكان يتم توظيفهم من غير عقد ويتقاضون من صاحب الحمام (المالك) كل عام مبلغًا من المال دفعة واحدة. ولا يعد الحلاق ونادل القهوة اللذان يوجدان تحت طلب الزبائن، من طاقم العاملين، بل مجرد مستأجرين للحمام.
وطاقم العاملين بحمامات النساء كلهم من النساء: المديرة ونائبتها يساعدهما عدد من العاملات "حارزه" على أنه ليس ثمة مدلكات محترفات.
ويقدم الزبون نفسه للمدير الذى يقوم أيضًا بدور أمين الصندوق، وحينما يدلف إلى غرفة الثياب يتولى
стр. 4276
خدمته "حارس المحرص" أو المشرف على "المقصورة" الذى يناوله مئزرًا عبارة عن "فوطة" ومنشفة للحمام "بشكير" وزوجًا من "القباقيب". كما يناوله فوطة ثانية ليصر فيها ثيابه. ثم يذهب بعد ذلك إلى "البيت البارد" وعند خروج المستحم من هذه الغرفة "الباردة" يناول رداء الاستحمام الطويل إلى "حارز البدل" المكلف بحفظ الثياب، ويساق وليس عليه من الثياب سوى المئزر إلى الغرفة الثانية "بيت السخون". وما إن يتعود تعودًا كافيًا على الحرارة حتى يمضى إلى الغرفة الثالثة حيث ينتظر إلى أن يبدأ جسمه فى إفراز العرق. وبعد أن يتصبب عرقه بغزارة يغادر "العراقة" ويعود أدراجه إلى الغرفة الثانية لحك جسمه بقفاز خاص "كاسة" ودعك جلده، ثم للتدليك أو "التمسيد" إذا هو رغب فى ذلك. وقفاز الحك يصنع من خليط من الخيوط الصوفية والخيوط المغزولة من شعر الماعز بعد نسجها معًا وإعدادها بحيث يتألف منها سطح خشن غليظ. وهذا الحك العنيف يجعل الطبقة التى تعلو الجلد ومعها القذارة "الوساخة" المتراكمة فى المسام تخرج بالحك فى صورة دوائر تضرب إلى اللون الرمادى.
وبعد انتهاء الحك والدعك والتدليك يتوجه المستحم إلى الليوان لإتمام عملية التطهير وضروب العناية اللازمة للصحة العامة. فإذا ما طلب منه خادم الليوان أن يدس مئزرة من تحت الباب فعل ذلك، وأخذ "البشكيرين" اللذين يمررهما له الخادم فيتدثر بهما ويذهب إلى "بيت البدل" حيث يجففه "حارس البدل" ويلفه فى مناشف جافة جديدة ويغطى رأسه بقماش إسفنجى على صورة عمامة.
وهنالك يستقبله المشرف على غرفة الثياب أو غرفة الاستراحة إما فى ردهة المدخل أو فى إحدى غرف الاستراحة الصغيرة الملاصقة لها، ويتمنى له تمام الصحة والعافية، ويعد له مكانًا ليستلقى فيه. ويحضر إليه نادل القهوة
стр. 4277
ليعرض عليه المرطبات. وهذا هو وقت الاسترخاء بعد كل ضروب الرعاية والخدمة التى تلقاها المستحم، ويستمر ذلك حتى موعد الغذاء الذى يدعو الزبائن للتخلى عن أماكنهم لمستحمين جدد.
وغالبية الحمامات تقوم بخدمة الرجال والنساء فى أوقات مختلفة، وإن كان بعضها مخصصًا على نحو صارم لجنس بعينه من الجنسين. وفى كثير من الأحيان يستخدم خمار معلق بالعرض على واجهة ردهة المدخل يدل على أن هذا هو دور النساء. وعندما يستحم النساء تحل مديرة وطاقم من العاملات محل نظرائهن من الرجال ..
وفيما مضى كانت السيدة التونسية تذهب إلى الحمام فى كثير من مظاهر الاحتفال ترافقها حاشية من اثنتين أو ثلاث من الخادمات، واحدة تحمل الثياب النظيفة ملفوفة فى وشاح من الحرير "صرة"، وأخرى تحمل الدلو الفضى أو النحاسى (سُطُول الحمام جمع سطل) حيث توضع الحاجيات التقليدية وهي: وعاء نحاسى له مقبض طويل لغرف الماء به "طاسة"، وصندوق تراب القصّار (١) "طفّالة"، والمشط خشن الأسنان "الخلّاص"، والمشط ناعم الأسنان المصنوع من عظم ظهر السلحفاة "الفلّاية"، والمشط المستدير الصغير "المِحَاكَّة أو الحَكَّاكة" المصنوع من خيوط من الصوف الغليظ أو نسالة القنب تركب على قرص من الفلين. أما الصلصال "الطفل" فيكون قد سبق شراؤه قبل ذلك بفترة طويلة من السوق وتم تعطيره بماء الورد أو بروح العِتْر الوردى أو بماء زهرة البرتقال.
وفى معظم منازل المدينة كل ما تحتاجه المرأة لزينتها الخاصة والعناية بجسمها، إلَّا أن المرأة التونسية ما تزال ترتاد الحمام. وفى أيامنا هذه حل الكثير من أدوات التجميل الحديثة محل التركيبات السائلة التقليدية (الغسول)
стр. 4278
التى كانت تصطحبها المرأة هى والثياب النظيفة فى الحقيبة إلى الحمام. ولكن بعض الطقوس ما تزال تتكرر وتتوارثها النساء جيلًا بعد جيل: فبعد غسل الجسم وحكه يأتى دهن الشعر بـ "الطفل" ونزع شعر الجسم إلى آخره. وقد يطول بهن المكوث فى الحمام ما لم تطلق رئيسة التسخين نفثة عنيفة من البخار تسمى "القطُّوس" لتذكر المستحمات أنه قد حان الوقت لكى يتدثرن بالمناشف التى يناولنها لهن العاملات ثم يذهبن للاستراحة فى المقصورة.
وتتيح هذه الزيارات النسائية للحمام الفرصة - سواء فى المدن أو القرى - للعروس الشابة أن تستعرض نفسها أمام صديقاتها وعليها مختلف بنود جهازها. وتضفى الأغانى "يويو" والأحاديث الطويلة أو القيل والقال البهجة والحيوية على إجراءات الاحتفال، كما تهتبل النساء فرصة اجتماعهن بالحمام لكي يجملن وجوههن بالمساحيق ويرتدين أجمل ثيابهن وحليهن وأفخرها.
وعلاوة على استخدام الحمام للتطهر باعتباره شعيرة دينية، فإنه يعد طبيبًا صامتًا أو كما تقول العبارة الشائعة "الطبيب البكوش" القادر بجوه الدافئ وبما يحدثه أيضًا من عرف غزير متصبب على مداواة كل الأوجاع وعلى الأخص الروماتزم بمختلف أنواعه.
وكل المناسبات العظيمة الشأن فى الحياة يصاحبها اغتسال فى الحمام. فالمرأة الحامل تذهب إلى الحمام لكى تضمن ولادة أكثر يسرًا وسهولة، ثم تحضر مرة أخرى للاغتسال والتطهر بعد انقضاء أربعين يومًا على الولادة. كما يحمل الصبي الصغير إلى الحمام قبل ختانه. وتزور العروس الشابة الحمام ثلاث مرات خلال فترة احتفالات الزواج = "حمام الأوساخ" وهو اغتسال للنظافة قبل الزفاف بسبعة أيام و"حمام الدباغ" وهو حمام لوضع الحنة فى اليوم الثالث من الاحتفالات، و"حمام التشليل" وهو
стр. 4279
حمام الشطف أو الغسل الرفيق فى ليلة البناء بها أو "الدُخلة". أما العريس فيدعو أصدقاءه ليصحبوه إلى الحمام فى مستهل احتفالات الزواج، ويعود بعد وضع الحنة، ثم يذهب مرة أخرى قبل دخوله بيت الزوجية بساعات قلائل، ويذهب أيضًا فى اليوم التالى لليلة الزفاف.
ولم يفت مشاهير الشعراء أن يتحدثوا عن ذلك الاسترخاء اللذيذ. للجسم الذى يصرف عن النفس كل ذكريات المعاناة والقلق، وأن يتحدثوا عن الحرارة المفيدة التى تؤدى إلى الراحة والاسترخاء وعن الجو الذى لا سبيل إلى وصفه من الرفاهية والغموض الذى تتميز به الحمامات، ولذلك قالوا عن الحمام إنه: "ماء الشتاء وحرارة الصيف وحلاوة الخريف وابتسامة الربيع".
المصادر:
عن الحمامات التركية: أولًا: (تونس):
(١) Tunis et ses en-: Ch. Lallemand virons باريس، سنة ١٨٨٠, ص ٨٥ - ٩٧.
(٢) Fragmens his-: Comte Filippi torique et statistique sur la Regence de Tunis (١٨٢٩) فى Ch. Monchicourt: - Relations inedits de Nyssen, Filippi et cal ligaris, باريس، ١٩٢٩, ص ٨٢ (قوائم خاصة بتونس: ١٨ حمامًا للرجال و ٤ للنساء).
(٣) cours pratique: J. Jourdan d'arabe dialectal, تونس، ١٩٥٧، جـ ٢ ص ١٤٤ - ١٤٦ (وصف لحمام تركى والمصطلحات المستعملة).
(٤) Element algeriens al-: G. Marty logenes a Tunis, فى IBLA، الجزء العاشر, ١٩٤٨, ص ٤٢٨ - ٣٣٣, بخصوص طاقم العمال المزابيين.
(٥) المدرسون بكلية - College Louise Rene Millet فى تونس Les hammams ou bains maures فى Bulletin economique et social de la Tunisie, رقم ٣٦، يناير ١٩٥٠، ص ٦٣ - ٧٠، ورقم ٣٧، فبراير
стр. 4280
١٩٥٠، ص ٦٥ - ٧٣ (وصف للحمام وطقوسه وزبائنه ومزاياه وما يدور حوله من أساطير وما نظم فيه من قصائد).
(٦) Le hammam con-: A. Bouhdiba tributions a une psychanalyse de l'lslam فى مجلة Revue Tunisienne des sciences sociales الجزء الأول، ١٩٦٤, ص ٥ - ١٤ (وهو يحلل على وجه الخصوص الطبيعة المزدوجة "لطقوس" الحمام:
(٧) Tunisie agriculture, industrie, commerce ١٩٠٠, الجزء الأول، ص ٤٤٦ - ٤٥١ (٧) النورى: لولا القُفَّة، فى مجلة "الفكر"، العدد الثامن، ٧ أبريل ١٩٦٣, ص ٦١ - ٦٣. ثانيًا، (الجزائر):
(١) Eidenschenk & Cohen - Solal: Mots usuels de la langue arabe، الجزائر، ١٨٩٧, ص ١١٣ - ١١٨.
(٢) nootumes in-: J. Desparmet stitutions et croyances des indigenas de I'Algerie، الجزائر، ١٩١٣, الجزء الأول، ص ١٧ - ٢٠، الجزء الثانى، ص ٥٩ - ٦٠، ١٠٠ - ١٠٣, ١٤٦ - ١٤٨, (الترجمة من العربية إلى الفرنسية قام بها - G. Bous quet, H. Peres، الجزائر، ١٩٣٩, ص ٢٥ - ٢٧, ١٧٦ - ١٧٧, ٢٠٣ - ٢٠٥, ٢٣٤, ٢٣٧.
(٣) O mes soeurs: Zoubeida Bittari musulmanes, pleurez! , باريس, ١٩٦٤, ص ٥٤ - ٥٩. ثالثًا، المغرب):
(١) Essan de folklore: Desse Legey marocain، باريس، ١٩٢٦ , ص ١٢، ١٤, ١٨, ٩٢ - ٩٤, ١١٣ - ١١٤.
(٢) Les hammams de Fes: E. Secret, فى Bull. de l'lnst. d'Hygiene du Maroc، العدد الثانى, ١٩٤٢, ص ٧٧٦١.
(٣) Vue d'ensemble sur les: E. Pauty hammams de Rabat - Sale, فى R A، الجزء ٨٨, ١٩٤٤, ص ٢٠٢ - ٢٢٦, ٢٣ شكلا (النظام المعمارى، التأثير التاريخى والطقوس فى الحمامات).
(٤) La boete a mer-: A. Sefrioui veilles (زيارة للحمام).
معتز محمود [لويس A. Louis]
стр. 4281
حمام الصرخ
حمام خرب، خرائبه فى ساحة قائمة بذاتها لها سور على مسيرة نحو ستة عشر ميلًا شرق الزرقاء فى البلقاء، وثلاثة أميال جنوبى شرق قصر الحلابات. وزار هذه الخرائب ورسم خطتها لأول مرة بتلر H.C. Butler، سنة ١٩٠٥, ١٩٠٩. ولكن أحدث رسوم لهذا البناء كانت على يد فنسنت. P. H Vincent وكروزويل K. A. C. Creswel: Early Muslim Architecture جـ ١، ص ٢٧٤ - ٢٧٥). وقد عانت الخرائب كثيرًا من الزلزال ولصوص الأحجار حتى أن جميع الصور الشمسية المطبوعة لها بما فيها صور أحدث من سنة ١٩٢٦ تظهر جدرانًا وقناطر قائمة سليمة، وليس لها وجود فى الوقت الحالى. ومن ثم فإننا نصف فى هذا المقام ما سبق أن كانت عليه الأحوال فى هذا الحمام:
بركة مربعة مرصوفة بالحجر ومبطنة، هى الدلائل الظاهرة الوحيدة على الماء. أما الحمام فقد بنى بالحجر وقنطر فى جميع أرجائه بمواد جلبت من محاجر محلية، وأقيمت معظم الجدران بالحجر الجيرى المربع، وأما القناطر فشيد بعضها بالحجر المربع، ولكن معظمها أقيمت بقطع من الحجر المصفح بالصخر أو من خليط من الرماد البركانى الخفيف، والأقبية والقناطر فى جميع أرجائه حادة الطرف قليلًا. وتعلو الحجرات المربعة أقبية برميلية الشكل تقوم على أقبية مستطيلة وأقبية متقاطعة، وقد وجد كل من بتلر Butler وموزل Musil على الجدران سنة ١٩٠٩ آثار رسومات حائطية مزينة بالصور. أما الأسقف فقد غطيت بملاط لا ينفذ فيه الماء خلط بكسر الفخار.
ويشبه البناء شبهًا وثيقًا قصير عمرة فى خطته كما يشبه من بعض الوجوه حمام خربة المَفْجَر وهو يتألف من جزئين متمايزين تمايزًا واضحًا: دهليز واسع له رواق عميق على أحد المحاور تكتنفه حجرتان منعزلتان، وسلسلة من الغرف الصغيرة. وكان الدهليز بلا شك يستخدم استراحة
стр. 4282
وحجرة استقبال، أما الغرف الصغيرة فكانت تستخدم للاستحمام.
وكان الدهليز مربعًا تقريبًا (٨,٩ × ٨,٩ مترًا) تتجه أركانه فى اتجاه البوصلة، وكان الجدار الأقصر الجنوبى الغربى يشمل مدخلًا تخرب الآن تمامًا، وفى منتصف الجانب الجنوبى الشرقى رواق عميق، أو إيوان، ومنه يوصل بابان إلى الحجرتين المكتنفتين له، وقد أنارت كل غرفة منهما ثلاثة نوافذ بالطول، زودت بمشكاة مربعة تقوم فى ركن خلفي. وتنير الدهليز الرئيسى ثلاث نوافذ فتحت على ارتفاع فى الجدار المقابل للرواق. وسقف الرواق بثلاثة أقبية برميلية الشكل تستند إلى قنطرتين متقاطعتين ترتفعان من دعامتين واطئتين ملحقتين بالجدران الطويلة، والقبوة الوسطى تنفذ إلى الرواق، وثمة أقبية من هذا القبيل تغطى الغرف المكتنفة.
وهناك باب فى الجدار الشمالى الشرقى يؤدى إلى الحمامات عينها، التى هى أصغر إلى حد عجيب من الدهليز. وتقوم ثلاث حجرات أو أربع متصلة هى سلسلة متعاقبة تزداد سخونتها واحدة بعد أخرى. ولا يوجد تنور ظاهر، ولكن الذى يظهر مداخن عمودية فى جدران الحجرتين الثانية والثالثة مما يثبت أنهما كانتا تحميان، فالأولى للتدفئة والثانية للسخونة، أما الغرفة الأولى فكانت باردة. وكان الاهتمام المعمارى ينصب خاصة على الغرفة الساخنة، وهى غرفة مربعة مقببة ذات زوايا قبوية شبه مدورة فى جدارين متقابلين. وفى هذه الغرفة أربع حنايا فى الحائط تحمل مدليّات من الحجر المربع تستند إليها قبة مشيدة بكسر من الطفل المصفح تنحشر بين رافدتين بارزتين نصف قطريين مشيدتين من أطوال على هيئة الأوتاد من الطفل المصفح. وكانت ثماني نوافذ مدورة تضئ القبة. أما القباوات فشبه مقبية كل فقرة من فقرات العقد فيها قد وضعت فى مجار على هيئة الأوتاد تتشعب من كتلة هلالية فى وسط خصر العقد، وكل رواق له نافذة مدورة الرأس.
وفى مقابل باب الحجرة الساخنة ممر مقبو يبلغ اتساعه مبلغ الحجرة
стр. 4283
نفسها، وهو يؤدى إلى غرفة مستطيلة تخربت الآن تمامًا. وثمة ترتيبات من هذا القبيل احتفظت بحالها جيدًا فى خربة المفجر، تثبت أن هذا الممر كان يضم غلاية كانت بلا شك تحمى بتنور تحتها وتزود بالبخار الغرفة الساخنة.
وخطة حمام الصرخ تكاد تطابق خطة قصير عمرة، وهذه المطابقة هى والصور الحائطية قد تحملنا على الذهاب بأن عقلًا واحدًا هو الذى خطط الحمامين بهدف واحد هو أن يهيئ على الفور مكانًا يسترخى فيه أمير أموى ويستقبل استقبالًا رسميًا. وما من مأوى فى كلتا الحالتين يقوم بالقرب من الحمامين. وكان فى كل حمام منهما رواق مستطيل هو المحراب الأميرى، يواجه مباشرة محور دهليز يجتمع فيه الزبائن ويستريحون. وهذا يدل على احتفال أبسط من غرفة الاستقبال القائمة بنفسها المحكمة التى كانت قائمة فى خربة المفجر والتى تنسب عمارتها إلى الوليد بن يزيد. ومن ثم يجوز لنا أن ننسب حمام الصرخ إلى ما قبل ذلك ببضع سنين أو بعقود من السنين، ولعله يرجع إلى خلافة الوليد بن عبد الملك، إذا كان قصير عمرة وحمام آخر يشبهه شبهًا وثيقًا وهو الحمام القائم عند جبل سيس (Syria, جـ ٢٠، ص ٢٤٦ - ٢٥٦) كانت نسبتهما صحيحة.
المصادر:
(١) Ancient Architec-: H. C. Butler ture in Syria القسم ١, South Syria، ص ٧٧ - ٨٠, والملحق، ١٩ - ٢٥.
(٢) Early muslim: K. A. C. Creswel architecture، جـ ١, ص ٢٧٣ - ٢٨٤).
خورشيد [هاملتون R.W. Hamilton]
الحمة
الحَمّة أو الحّامة Alhama، والحامة الحمام الساخن: اسم عدة مواضع وبضع مجار مائية فى الأندلس أشهرها:
(١) الحمة إلى الجنوب الغربى لغرناطة عند السفح الشمالى لجبال الحمة وعلى نهر الحمة. وفى عام ١٤٨٢ باغتها فرديناند الكاثوليكى
стр. 4284
صاحب أرغون واستولى عليها، وكان ذلك تمهيدًا للاستيلاء على غرناطة عام ١٤٩٢ م (انظر الأغنية الشعبية المشهورة) (١) وفى ٢٥ ديسمبر سنة ٨٨٤ دهمتها الزلازل وكادت تأتى عليها.
(٢) الحمة على وادى شلون الأعلى إلى الجنوب الغربى من سرقسطة، وهى أكواى بلبلتناى القديمة - Aquae Bil bilitanae.
(٣) الحمة، وهي بين مرسية ولورقة.
خورشيد [تسيبولد C.F. Seybold]
+ الحَمّة، وبالأسبانية ALHAMA: اسم يطلق عامة على الينابيع الساخنة فى تلك النواحى من أسبانيا التى احتلها المسلمون أمدًا طويلًا، وقد حل هذا الاسم محل الاسمين، الرومانيين القديمين كالداس Aquas cali-) Caldas das) وبانيوس balneos)) Banios. على أن هذا الاسم نفسه يطلق على نهرين ليسا يتصفان بالسخونة بأى مدلول، أحدهما ينبع من مقاطعة سورية وهو يعد الضفة الغربية لنهر إبره، والآخر جدول صغير ينبع من المنحدر الشمالى لجبال الثلج Sierra Nevada ثم يصب مياهه فى نهر فاردس. وأشهر الحمّات بتاريخها وحماماتها أربع: حمة المرّية التى يقول كتاب الروض المعطار إن فيها خير مياه طبية فى شبه جزيرة أيبريا؛ وحمة أراجون التى عرفها الرومان الأسبان باسم Aqua Bilbilitanae؛ وحمة مرسية، وهي رومانية أيضًا استردها جيمس الأول صاحب أراجون ونزل عنها لقشتالة، ثم نذكر أخيرًا أشهر الحمات وهى حمة غرناطة، وكانت غنية بمنسوجاتها الذائعة الصيت ومنعة حصونها الطبيعية والصناعية وقد اتخذها ملوك غرناطة مصيفًا لهم. وهى تقوم على مسيرة ٢٥ ميلًا تقريبًا من القصبة وظلت فى حوزة المسلمين حتى سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م) وفى هذه السنة استولى عليها عنوة بعد مقاومة عنيدة دييجو بونثه ده مرلو مركيز قادس ودييجو هرنانديز بوركوكاريرو والى الأندلس. وقد حاول السلطان أبو
стр. 4285
الحسن على ثلاث مرات أن يستردها وبذل فى سبيل ذلك جهدًا دؤوبًا وأراق دماء كثيرة، ولكن الملوك الكاثوليك كانوا قد عقدوا العزم على السيطرة عليها ومنها يستطيعون السيطرة على مملكة غرناطة بأسرها، ومن ثم أعادوا تحصينها وأمدوها بجنود كثيرة مما حمل السلطان على العدول عن محاولته. وهناك قصص مشهورة مثل " Ay de mi Alhama" تتغنى بهذه الخسارة التى حزت فى قلوب المسلمين، وقد خلد ذكر هذا الهجوم الملحمى فى نقش بارز رائع بكاتدرائية طليطلة.
المصادر:
(١) Diccionario geografico: Madoz de Espania, هذه المادة.
(٢) Encyclopedia Espania, جـ ٤، ص ٦٦٠ - ٦٦٣.
(٣) Manual d' His-: Aguado Bleye toria de Espania، جـ ٢، ص ٤٤.
(٤) Historia de Espania: Soldevila جـ ٢، ص ٤١٩.
[هويثى ميراندا A. Huici Miranda]
حمود (بنو)
هم خلفاء ابنى سليل النبى حمود بن ميمون أحمد بن على بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن ابن على بن أبى طالب، ويتصلون بصلة النسب بأدارسة مراكش (١٧٢ - ٣٧٥ هـ = ٧٨٨ - ٩٨٥ م) من ناحية إدريس بن عبد الله مؤسس هذه الدولة؛ وقد ولى الأخ الأكبر القاسم على الجزيرة الخضراء فى أثناء الاضطراب الذى حدث من جراء الفتنة التى سبقت سقوط الدولة الأموية فى قرطبة, كما ولى أخوه الأصغر، على، وكان رجلًا طموحًا، طنجة وسبتة، فلما فتحت ملقا Malaga خلع على الخليفة الأموى الضعيف سليمان المستعين (٤٠٧ هـ = ١٠١٦ م) ونادى بنفسه خليفة على قرطبة، ولما قتل حذا أخوه القاسم حذوه (٤٠٨ هـ = ١٠١٨ م)، وفى سنة ٤١٢ - ٤١٣ هـ (١٠٢١ - ١٠٢٢ م) خلعه ابن أخيه يحيى بن على إلَّا أنه استرد عرشه سنة ٤١٣ - ٤١٤ هـ (١٠٢٢ - ١٠٢٣ م) وحكم فى الوقت نفسه ملقا فى السنوات من ١٠١٨ إلى ١٠٢١
стр. 4286
ومن ١٠٢٢ إلى ١٠٢٥ وقد بقى أحفاد على وعددهم ثمانية فى ملقا من سنة ١٠٢٥ إلى سنة ١٠٥٧ ثم انتقلت هذه المدينة إلى الأمير الزيرى البربرى باديس صاحب غرناطة، على حين ظلت الجزيرة الخضراء خاضعة لسلطان محمد المهدى بن القاسم (٤٣١ - ٤٤٠ هـ الموافقة ١٠٣٩ - ١٠٤٨ م) وسبطة القاسم الواثق (٤٤٠ - ٤٥٠ هـ = ١٠٤٨ - ١٠٥٨ م) ثم استولى عليها بنو عبّاد أصحاب إشبيلية؛ وقد حكم يحيى بن على ملقا فى السنوات ٤١٦ - ٤٢٧ هـ (١٠٢٥ - ١٠٣٥ م) وخلفه إدريس الأول بن المتأيد (٤٢٧ - ٤٣١ هـ = ١٠٣٥ - ١٠٣٩ م) ثم حسن المستنصر (٤٣١ - ٤٣٤ هـ = ١٠٣٩ - ١٠٤٢ م) فإدريس الثانى العالى (٤٣٤ - ٤٣٨ هـ = ١٠٤٢ - ١٠٤٦ م) فمحمد الأول المهدي (٤٣٨ - ٤٤٤ هـ = ١٠٤٦ - ١٠٥٢ م) فإدريس الثالث الموفق (٤٤٤ - ٤٤٥ هـ = ١٠٥٢ - ١٠٥٣ م) فإدريس الثانى (تولى الحكم مرة أخرى عام ٤٤٥ هـ = ١٠٥٣ م) فمحمد الثالث المستعلى (٤٤٦ - ٤٤٩ هـ = ١٠٥٤ - ١٠٥٧ م).
وكما أن بنى حمود الأوائل الذين أصبحوا أشبه بالبربر قد ساهموا فى مجد أسبغته عليهم الخلافة فى قرطبة وكانت مؤذنة بزواله، فكذلك حدث بعد قرن من الزمان أن بدد عِلم الشريف الإدريسى الظلام الذى أخذت تتردى فيه هذه الدولة، وكان الشريف الإدريسى جغرافيًا فى بلاط نورمان روجر الثاني صاحب صقلية فى بلرمو، وهو حفيد إدريس الثانى صاحب ملقا الذى عرف بدماثة الخلق وإن كان قد وصف بالضعف.
المصادر:
(١) Dozy: Histoire des Muslmans d'Espagne؛ جـ ٣، ص ٣١٢ وما بعدها، جـ ٤، ص ٢٢٩.
(٢) Guillen Robles: Malaga Musul- mana؛ ملقا (١٨٨٠) , ص ٥٨ - ١٢٤.
(٣) ابن الأثير؛ طبعة تورنبرغ؛ جـ ٩، ص ١٨٨ وما بعدها.
(٤) ابن خلدون: كتاب العبر؛ جـ ٤، ص ١٥٢ - ١٥٥ (وقد نقل عنه
стр. 4287
البستانى فى دائرة المعارف، جـ ٧، ص ٢٢٩ وما بعدها).
(٥) عبد الواحد المراكشى: The His- tory of the Almoheds ص ٤٠ وما بعدها.
(٦) Tratado de numismatia: Codera arabigo - espanola؛ مدريد (١٨٧٩)، ص ١١٣ - ١٣٠.
(٧) De la Rada y Delgado: Catalogo de Monedas arabigo. espanolas؛ مدريد (١٨٩٢)، ص ٧٤ - ٧٨.
(٨) Mo-: Antonio Vives y Escudero nedas de las dinastias arabigo-espanolas؛ مدريد (١٨٩٣)، ص ٩٨ - ١٠٧.
(٩) Catalg der orientalis-: Nutzel chen Muenzen, برلين، جـ ٢، (١٩٠٢)، ص ٦٦ - ٨٢.
(١٠) Estudios criticos de: Codera -Coleccion: des es) = historia arabe espanola tudios aerabes. Vii. - ٣٠١. ٨٢٢ Hamudies de Malaga y Algeciras, noticias tomadas de .(Abenhazam
خورشيد [تسيبولد C. F. Seybold]
+ حَمّود، بنو: دولة حكمت عدة مدن فى الأندلس من عام ٤٠٧ إلى ٤٥٠ هـ (١٠١٦ - ١٠٥٨ م)؛ ولما تولى سليمان المستعين مقاليد الخلافة للمرة الثانية فى شوال سنة ٤٠٣ هـ (مايو سنة ١٠١٣). لم يجد بدا من توزيع إقطاعات واسعة بين البربر الذين أقاموه على عرش الخلافة؛ فأقطع عليا ابن حمود ولاية سبتة كما أقطع أخاه القاسم الجزيرة الخضراء وطنجة وأرزيلة. وكان هذان الأميران إدريسيين حميمين فقد كان جدهما الأكبر حمود ابنًا لحفيد إدريس الثانى. وزعم على أنه وريث هشام الثانى فأعلن استقلاله بأمر نفسه، وتذرع بتخليص هشام (ظن أنه لا يزال بقيد الحياة) فاستقر عزمه على أن يصبح سيدًا لقرطبة. ولم يبذل سليمان المستعين مقاومة تذكر فهزم وأسر فى المحرم من سنة ٤٠٧ (يولية سنة ١٠١٦). وأمر على صاحب الأطماع بنبش جثمان هشام الثانى، فلما ثبت له أنه قتل، عاهد نفسه على أن يقتل سليمان بيده انتقامًا من قتله لأبيه، وحمل النَّاس على مبايعته بالخلافة مبايعة رسمية فى احتفال وتكريم. ومن
стр. 4288
ثم أصبح أول خليفة من غير المروانيين يلى عرش الخلافة القرطبية منذ عودة الأمويين إلى إمارة الأندلس. وفى الأشهر الثمانية الأولى من حكمة حاز رضا رعاياه بأخذ البربر فى شدة بحكم الشرع بعد أن كانوا قد درجوا على عدم الخضوع. على أنه لم يلبث أن رأى أن القرطبيين بدءوا يتذمرون منه ويعدونه مغتصبًا أجنبيًا للخلافة وراحوا يبدون تعاطفهم مع المرتضى المطالب الأموى بالعرش، فنسى ما جرى عليه من اعتدال، وسمح للزناتة بأن ينعموا بامتيازاتهم وحصاناتهم وأخضع قصبة البلاد لحكم إرهابى حتى اغتاله ثلاثة صقالبة من مماليك قصره. ودعا أنصاره الزناتة أخاه القاسم الذى كان يتولى أمر إشبيليه، ونادوا به خليفة. وكان المطالب الوحيد الذى ينازعه الخلافة ابن حفيد عبد الرحمن الثالث، فنودى بهذا المطالب خليفة فى ١٠ ذى الحجة سنة ٤٠٨ (٢٩ أبريل ١٠١٨) على يد الفتى الصقلى خيران صاحب المرية والمنذر العربى صاحب سرقسطة، ولكنه إذ هاجم غرناطة تمهيدًا للسير إلى قرطبة، اختفى عن الأنظار وقتل. وهنالك استطاع أهل قرطبة أن ينعموا بسلام لم يكونوا يتوقعونه ثلاث سنوات بفضل اعتدال القاسم الذى استطاع بحرسه أن ينتصر على زعماء الصقالبة الذين كانوا يساندون المرتضى. ولم يكن هذا النظام السمح فى الحكم ليستطيع أن يدوم. فقد أحس بربر القصبة أنهم أهينوا فدعوا يحيى الابن الأكبر لعلى ابن حمود إلى العبور من مراكش إلى مالقة والسير إلى قرطبة. وانصرف عمه المسن القاسم عن النضال والتجأ إلى إشبيلية. ونودى بيحيى خليفة بقصر قرطبة فى الثانى والعشرين من ربيع الآخر سنة ٤١٢ (٥ أغسطس ١٠٢١). واستطاع أن يدعم عرشه سنة واحدة ونصف السنة، ذلك أن فظاظته التى باعدت بينه وبين عطف أولئك البربر أنفسهم الذين ولوه الخلافة فولى هاربًا إلى مالقة. وعاد عمه من إشبيلية ليتولى بنفسه الخلافة مرة أخرى فى القصبة، ومضت ستة أشهر ضاق أهل قرطبة بالإفريقيين فانقضوا عليه فى ٢١ جمادى الآخرة سنة ٤١٤ (١٠ سبتمبر ١٠٢٣) وأجبروه على
стр. 4289
الفرار. وأبى الإشبيليون أن يلقوه فمضى ليستقر فى شريش فسار ابن أخيه يحيى من مالقة ليضرب عليه الحصار. فاستسلم وسجن هو وابناه ثم قتل فى السجن بعد سنوات قلائل. وحكم يحيى فى مالقة سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٥ م)، وتولى الحكم بعده خلفاؤه فى مالقة حتى سنة ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م) وهنالك دخلها باديس أمير غرناطة البربرى. وأقال محمد الثانى المستعلى آخر بنى حمود. وحكم محمد المهدى بن القاسم فى الجزيرة الخضراء من سنة ٤٣١ إلى ٤٤٠ هـ (١٠٣٩ - ١٠٤٨) كما حكم ابنه القاسم الواثق من سنة ٤٤٠ إلى ٤٥٠ هـ (١٠٤٨ - ١٠٥٨ م) وفى هذه السنة استولى على مالقة بنو عبّاد أصحاب إشبيلية.
المصادر:
(١) Hist Mus. Esp.: Dozy الطبعة الثانية، جـ ٢، ص ٣١٠ - ٣٢١؛ جـ ٣ ص ٥ - ١٧, ٢٣٤.
(٢) Levi Provencal: Hist. Esp. Mus جـ ٢، ص ٣٢٨ - ٣٣٠.
(٣) ابن عذارى: البيان، جـ ٣، ص ١١٥.
(٤) ابن حيان فى ابن بسام: الذخيرة جـ ١، ص ٧٨ - ٨٢.
(٥) المقرى: نفح الطيب = Ana- lectes، جـ ٢، ص ٣١٥ - ٣١٩.
(٦) المراكشى: المعجب، ص ٣٥ - ٣٨ (الترجمة ص ٤٢ - ٤٦).
(٧) ابن الأثير، جـ ٩، ص ١٨٨.
(٨) النويرى تحقيق Gaspar Remiro ص ٢٣١.
(٩) ابن الخطيب: الأعمال، ص ١٤٢.
(١٠) المؤلف نفسه: الإحاطة، مخطوط فى الإسكوريال، مادة على بن حمود.
(١١) ابن الأبار: الحلة فى Dozy: Notices، ص ١٦٠ - ١٦١ (تحقيق حسين مؤنس، الفهرس).
(١٢) Estudios criticos de: Codera - historia arabe-espaniola, Coll. de estudi os arabes, جـ ٧، ص ٣٠١ - ٣٢٢ (بنو حمود أصحاب مالقة والجزيرة الخضراء نقلًا عن ابن حزم).
خورشيد [هويثى ميراندا A Huici Miranda]
стр. 4290
حمى
(كلمة عربية هي: لغة ما حُمى من شئ، ومنها الأرض الحِمى): رقعة ممتدة من الأرض فيها بعض الزرع يعلن الذين انتحلوا ملكها سواء كانوا فردًا أو أكثر أنه ممنوع دخولها أو استغلالها، وهذا النظام الذى يرجع إلى أيام العرب الجاهلية له أصل دنيوي فيما يظهر. ذلك أن شيوخ البدو الأقوياء أرادوا أن يحموا قطعانهم من مضار الجفاف واحتفظوا لأنفسهم بحقوق الرعى والرى فى بعض المراعى الخصبة. وثمة قصة ذائعة الصيت عن كليب بن ربيعة المشهور مفادها أنه استحوذ على بعض المراعى وحدد حدود حماه بمسمع نباح كلب. وأقبلت ناقة غريبة ترعى فى وسط حماه فرماها بسهم جرحها جرحًا مميتًا. وانتقم جسَّاس منه فقتله. ويقال إن هذا كان منشأ الحرب المشهورة بحرب البسوس.
وكان الحمى فى كثير من الأحيان يوضع تحت حماية رب قبلى، ومن ثم يشبه بالحرم الذى كان له الامتيازات نفسها. فقد مُنع حيوانه ونباته، كما كان من حقه أن يُلتجأ إليه، وقد اشتهرت منعة حمى صنمين همَا فَلس وجَلْسَد، وكانت الأنعام المخصصة له تُرى آمنة لا يجسر أحد على أن يقتلها أو يسرقها. والحيوان الضال الذى يتجاوز حدود الحمى يصبح ملكًا لصاحب الحمى، ذلك أنه يدخل بذلك فى رعاية إله الحمى.
والقرآن الذى لا يعترف إلَّا بالحرم (سورة القصص، الآية ٥٧؛ سورة العنكبوت، الآية ٦٧) قد أشار مع ذلك إشارة حكيمة إلى الحمى حين أثار قصة النبي صالح ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (سورة هود، الآية ٦٤؛ سورة الأعراف، الآية ٧٣). وواضح أن الآية تشير إلى حيوان موقوف على العيش آمنًا فى أرض الله. على أن الإسلام الذى أصبح معترضًا على وسم الحيوانات وتكريسها للآلهة (سورة المائدة، الآية ١٠٣؛ سورة الأنعام، الآية ١٣٨) كان
стр. 4291
قد استقر على وضع حد لهذه الشعائر الوثنية، ومن ثم فإن الأرض الوحيدة التى غدت حرمًا محرمًا كانت هي مكة التى قضى الله سبحانه بمنعتها (سورة الإسراء، الآية ٩١ (١)؛ العيني: العمدة، جـ ٥، ص ٨٩, ٩٢) وتوسع فى ذلك بحكم ظروف اتخذ فيها النبي [ ﷺ ] تصرفًا خاصًا فأصبحت المدينة من ثم تتمتع بالامتيازات الدينية، على أن نظام الحمى لم يحظر لهذا، ذلك أن الإِسلام رده ببساطة إلى التطبيقات الدنيوية ومن ثم فقد لجأ إليه النبي [ ﷺ ] والخلفاء الراشدون فى حفظ عدة الجيوش الإِسلامية سواء الجمال التى حصل عليها بيت المال والقطعان الصغيرة الخاصة بفقراء المسلمين والانتفاع ببعض المراعى واحتلالها (فى أماكن تعرف بالنقيع، والربدة، والشرف).
ويتجادل الفقهاء حول الإجراءات التى اتخذها خلفاء النبي [ ﷺ ]، ذلك أنه جاء فى حديث مشهور "لا حمى إلا لله ورسوله".
المصادر:
(١) ابن الكلبى: كتاب الأصنام.
(٢) الميدانى: مجمع الأمثال، بولاق سنة ١٢٨٤ هـ، جـ ١، ص ٤٢٧.
(٣) ياقوت، طبعة بيروت سنة ١٩٥٦، جـ ٢، ص ٣٠٧؛ جـ ٣، ص ٢٤، ٣٣٠, ٣٣٦, ٤٥٧؛ جـ ٤, ص ٢٨٢؛ جـ ٥، ص ٣٠١.
(٤) العيني: عمدة القارئ، هذه المادة.
(٥) الآلوسى: بلوغ الأرب فى معرفة أحوال العرب، ص ١٧٨ وما بعدها؛ جـ ٣، ص ٣١ وما بعدها.
(٦) الماوردى: الأحكام السلطانية، ص ١٧٨ وما بعدها. (الفصل ١٧) القاهرة من غير تاريخ.
(٧) Le bercean de l'Is-: Lammens lam ص ٦٠ - ٧٠.
خورشيد [تشيلهود J. Chelhod]
стр. 4292
حميد الأرقط
شاعر عربى من العصر الأموى الأوسط، لا نعلم عن حياته إلَّا القليل، اللهم إلَّا ما نعلمه من قصائده. ويمكن تحديد تاريخ حياته على وجه التقريب من قصائده فى مدح الحجَّاج. ولا شك أن قصيدة منها (البكري: سمط اللالئ، ٦٤٩) يهجو فيها عبد الله بن الزبير قد نظمت أيام حصار مكة سنة ٧٢ هـ (٦٩١ - ٦٩٢ م). وترجع قصيدة أخرى (الطبري، جـ ٢, ص ١١٣٧) إلى وقت الحرب التى شنها الحجاج على ابن الأشعث، ومن ثم فهى قد نظمت فيما بين سنتي ٨١ و ٨٥ للهجرة (انظر أيضًا Proverbia Arabum، جـ ٢، ص ٣٢٦). وينسب إلى حميد قصيدة هجاء فى الحجاج (البيهقي: المحاسن، ص ٣٩٤) ولكنها فيما يبدو أمر غير محتمل.
وقد جمع أشعار حميد الأصمعي أبو عمرو الشيباني، وابن السكيت والطوسى (انظر فهرست ص ١٥٨). وكان ديوانه لا يزال بين يدي ابن المستوفى (الخزانة، الطبعة الأولى، جـ ٢، ص ٢٥٣) واشتهر حميد ببراعته فى الزجل، وعدّه النقاد فى زمرة شعراء الرجز (البيهقي: المحاسن، ٤٥٨، ١٠) كما كان سابقًا للعجاج ورؤبة. ولم تكن أشعاره فيض الخاطر، ذلك أنها كانت منظومة فى رؤية وتتناول جميع المواضيع المأثورة عن الشعر العربي. فهو يصف على سبيل المثال جوادًا (المبرد: الكامل، ص ٤٩٥)، ومشهد صيد (الحماسة، ٧٩٥) وحمارًا وحشيًا (ابن السكيت: المنطق، ص ٢٩١) وشكوى محب (المصدر نفسه، ص ٤٩٦). وثمة بعض أشعار تشير إلى سورة الفيل وقصته، ولكنها تنسب أَيضًا إلى رؤبة (رقم ٧٧ Ahlwardt). ونظم حميد أيضًا قصائد من أوزان أخرى غير الرجز (ولو أن بعضها ينسب إلى حميد بن ثور؛ انظر Lane, جـ ١، ص ٢١١٢) , ومنها قصيدتان يلوم فيها ضيف جشع (الميدانى جـ ١، ص ٤٢٧؛ العينى، جـ ٢، ص ٨٢). وهذه الصفة التى تخالف جميع ما تواضع عليه كرم البدوي أن إلى إدخال حميد
стр. 4293
فى عداد أبخل البخلاء (الأغانى الطبعة الثالثة، جـ ٢، ص ١٦٣) ويخلط أحيانًا بينه وبين سميه حميد بن ثور .
المصادر:
ذكرت فى صلب المادة.
خورشيد [فوك J. W. Fueck]
حميد بن ثور
الهلالى: شاعر عربى من أعيان القرن الأول الهجرى (السابع الميلادى)، ويقول الأصمعي (ابن عساكر: تاريخ دمشق، جـ ٤، ص ٤٥٧) إنه شاعر من شعراء صدر الإِسلام، لغته سليمة، ولكنه لا يعده من البلغاء الفصحاء. ويرى المرزبانى (الموشح، ص ٨٠) والجمحى (الطبقات, ص ١١٣)، وابن قتيبة (الشعر، ص ٢٣٠) أنه شاعر "إسلامى". ومن قصائده قصيدة فى رثاء عثمان (ابن عساكر، ص ٤٥٨) وأشعار مدح بها الخليفة مروان. على أن المصادر المتأخرة فى الزمن تذكر أنه كان من صحابة الرسول [ ﷺ ] وتوفى فى عهد عثمان.
وقد جمع شعره الأصمعيّ، وأبو عمر، والشيبانى، وابن السكيت، والطوسى، والسكرى (الفهرست، ص ١٥٨، س ٧؛ وانظر أيضًا القالى، جـ ١، ص ١٣٣، ٢٤٨, ٢٥٢). وكان شعره لا يزال بين يدي البطليوسى (الاقتضاب ص ٤٧٥، س ١) وابن خير (فهرسته، ص ٣٩٧, س ١٩) بل عبد القادر (الخزانة، جـ ١، ص ٩). ولم يبق لنا من هذا الشعر إلَّا قطعًا مثل أوصافه المشهورة للذئب (ابن قتيبة: الشعر، ص ٢٣١؛ مرتضى، جـ ٢، ص ١٢١ مع تعليق للشنقيطى؛ ابن الشجرى: الحماسة، ص ٢٠٧) والقطا (الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٧، ص ١٥٩ = الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٢٦٠؛ العيني، جـ ١ ص ١٧٨) واليمامة (ياقوت: . Geogr wtb, جـ ٢، ص ١٠٠٦).
المصادر:
وردت فى صلب المادة. وقد نشر ديوانه عبد العزيز الميمنى، القاهرة سنة ١٩٥١.
خورشيد [فوك J. W. Fueck]
стр. 4294
الحميدي
أبو عبد الله محمد بن أبى نصر فتوح ابن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل (١) الأزدي. ولد أبوه فى قرطبة بحى الرصافة ثم نزح إلى ميورقة ليعيش فيها. وفيها ولد الحميدي قبل عام ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) ببضع سنين، ودرس فى الأندلس بإرشاد أبي عمر يوسف بن عبد البر وأبى محمد على بن أحمد بن حزم الظاهرى، وقد لازم الحميدى ابن حزم بصفة خاصة ثم شخص إلى المشرق عام ٤٤٨ هـ (١٠٥٦ م). ودرس فى خلال رحلاته الرسالة ومختصر المدونة على مؤلفهما الفقيه ابن أبي زيد. وزار القاهرة ومكة والمدينة والشام والعراق، واستقر ببغداد حيث توفى فى ليلة الثلاثاء ١٧ ذى الحجة سنة ٤٨٨ (١٧ - ١٨ ديسمبر ١٠٩٥ م) ودفن بمقبرة باب أبرز، ولكن رفاته نقلت فى صفر عام ٤٩١ هـ (يناير ١٠٩٨ م) إلى مقبرة باب حرب ووريت التراب بالقرب من قبر بشر الحافى.
ونذكر من شيوخه المشارقة أبا عبد الله بن أبي الفتح والمؤرخ أبا بكر الخطيب وأبا نصر بن ماكولا، ومن تلاميذه يوسف بن أيوب النهرانى ومحمد بن طرخان وشيخه أبا بكر الخطيب. وكان الحميدي فقيهًا ومحدثًا ومؤرخًا وأديبًا، ويعده معاصروه أوحد. زمانه لعلمه ودماثة خلقه. وكان ظاهريًا، ومن ثم عاش عيشة بسيطة ولم يكن له مطمع فى الحياة إلَّا العلم.
ولم يبق لنا من المؤلفات التى نسبها له كتاب سيرته إلَّا "جوهرة المقتبس فى ذكر ولاة الأندلس وأسماء رواة الحديث وأهل الفقه والأدب وذوى النباهة والشعر" وهو مخطوط في مكتبة بودليان (الفهرس، جـ ١، ص ٧٨٣).
المصادر:
(١) ابن بشكوال؛ الصلة، ص ٥٠٨، رقم ١١١٤.
(٢) الضبي: بغية الملتمس، ص ١١٣، رقم ٢٥٧.
стр. 4295
(٣) ابن خلكان: الوفيات، القاهرة ١٣١٠ هـ, جـ ١، ص ٤٨٥.
(٤) الذهبي: تذكرة الحفاظ، حيدر آباد، طبعة مجهولة التاريخ, جـ ٤، ص ١٧.
(٥) السيوطي: طبقات الحفاظ، طبعة فستنفلد جـ ١٥، ص ٩.
(٦) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، طبعة بوبر W. Popper, جـ ٢، ص ٣١٣.
(٧) المقري: نفح الطيب، القاهرة ١٣٠٢ هـ, جـ ١، ص ٣٧٥.
(٨) ابن الأثير: الكامل، طبعة القاهرة ١٣٠٣, جـ ١٠، ص ٨٨.
(٩) أبو الفدا: التاريخ، الآستانة ١٢٨٦ هـ, جـ ٢، ص ٢١٨.
(١٠) Biblioth. arab. hisp.: Casiri . Escur, ص ١٣٤, ١٤٦.
(١١) Die Geschichts-: Wustenfeld chreiber der Araber، ص ٧٣، رقم ٢١٩.
(١٢) Ensayo biblio-: Pons Boigues grafico ص ١٦٤, رقم ١٢٦.
(١٣) Dozy: البيان المغرب، المقدمة ص ٦٧.
(١٤) Die Zahriten: Goldziher، ص ١٧٢.
(١٥) Gesch. d. Arab.: Brockelmann .Litt جـ ١، ص ٣٣٨.
خورشيد [محمد بن شنب]
+ الحميدي، أبو عبد الله بن محمد بن أبي نصر بن فتوح بن عبد الله فتوح بن حميد بن باسل: عالم أندلسى من أصل عربى، تنتسب أسرته إلى قبيلة أزد اليمنية. ولد أبوه فى الرصافة من أرباض قرطبة، ولكنه شخص إلى ميورقة حيث ولد ابنه هذا فى حدود سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م). وقد انصرف أبو عبد الله إلى دراسة علم الكلام، والحديث، والفقه على عدة شيوخ، وكان بخاصة من أتباع المذهب الظاهرى يهتدى بأشد أنصار ابن حزم فى معتزله بنبلة. ثم هاجر أبو عبد الله إلى المشرق واستطاع بلين عريكته وورعه وواسع علمه فى قيامه بالتدريس فى
стр. 4296
بغداد (حيث توفى سنة ٤٨٨ الموافق ١٠٩٥ م) أن ينجو من الاضطهاد والكره اللذين أثارتهما سرعة بادرة شيخه، وأصبح من أعظم علماء عصره استحقاقًا للإعجاب والثناء.
ويمتدح كاتب سيرته الضبى ثم متممها الذهبي وكذلك المقرى فى أسلوب حار أبا عبد الله ويشيدون به أصوليًا ومحدثًا ومؤرخًا وشاعرًا. على أنه لم يبق لنا من كتبه فيما نعلم إلَّا "جذوة المقتبس فى ذكر ولاة الأندلس وأسماء رواة الحديث وأهل الفقه والأدب وذوى النباهة والشعر" (تحقيق محمد بن تاويت الطنجى، القاهرة سنة ١٩٥٣) ويدل هذا الكتاب على أن أَبا عبد الله كان أعلم بالمحدثين منه بالمؤرخين، ذلك أنه يفسح فراغًا كبيرًا لعلماء مجهولين كانوا زملاءه ثم يمر مر الكرام على مؤرخين ذوى شأن مثل عيسى الرازى وغريب بن سعد، وقد كنا نتوقع من شهرته التى نالها فى التدريس أن يكون كتابه أحسن من ذلك، ولكنه كتبه ليرضى معجبيه فى بغداد الذين كانوا يريدون أن يعرفوا حالة الأدب فى الأندلس، فاكتفى بالاعتماد على ذاكرته دون أن تتاح له المصادر التى كانت خليقة أن تعينه فى كتابة مصنفه، ومن ثم فإنه ما من عجب أن يضم بين دفتيه كثيرًا من الوقائع التى تفتقر إلى الدقة أما فى تأريخه للحوادث فقد اكتفى بالتقريب مما أدى إلى وقوعه فى بعض الاضطراب بل انتهى الأمر به إلى أخطاء فاحشة فى بعض الأحوال. أما عدا ذلك، فالأمر فيه كما يقول دوزى فى نقده الصارم، أننا قد نصفه بالبعد عن الهوى لأنه كان رجلًا أمينًا, ولا نزيد، ذلك أن عقله كان لا يسمو على عقل أوساط الناس.
المصادر:
(١) ابن بشكوال، ص ٥٠٨، رقم ١١٤.
(٢) الضبي، ص ١١٣، رقم ٢٥٧.
(٣) ابن خلكان، جـ ١، ص ٤٨٥.
(٤) الذهبى: كنز الحفاظ، جـ ٤، ص ١٧.
стр. 4297
(٥) السيوطي: طبقات الحفاظ تحقيق فستنفلد رقم ١٥، ص ٩.
(٦) ابن تغرى بردى، جـ ٢، ص ٣١٣.
(٧) المقرى: نفح الطيب، القاهرة سنة ١٣٠٢ هـ = ١٧٨٤, جـ ١، ص ٣٧٥.
(٨) ابن الأثير: الكامل، القاهرة سنة ١٣٠٣ هـ = ١٨٨٥ م، جـ ١٠، ص ٨٨.
(٩) أبو الفداء: التاريخ, إستانبول سنة ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩ م) جـ ٢، ص ٢١٨.
(١٠) Bibl. ar. hisp. escur.: Casiri جـ ٢، ص ١٣٤, ١٤٦.
(١١) Die Geschichts-: Wustenfeld chreiber der Araber، ص ٧٤, رقم ٢١٩.
(١٢) Pons Boigues, ص ١٦٤ - ١٦٧, رقم ١٢٦.
(١٣) Dozy: البيان، المقدمة, جـ ١، ص ٦٧.
(١٤) Die Zahiriten: Goldziher, ص ١٧٢.
(١٥) Brockelmann، جـ ١، ص ٣٣٨، رقم ١، ص ٥٧٨.
خورشيد [هويثى ميراندا Huici Miranda]
حميدى
وهو حَميد الدين أبو بكر عمر بن محمود البلخي، صاحب مقامات فارسى توفى عام ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م)، وكتب مقاماته، وبعضها يعد من قبيل المناظرات، عام ٥٥١ هـ (١١٥٦ م) على نسق مقامات سلفيه العربيين، الهمذانى والحريرى، ويبلغ عدد مقاماته ٢٣ أو ٢٤ مقامة طبعت بكاونبور عام ١٢٦٨ (١٨٥٢ م) ولكنهو عام ١٧٨٩ م، وطهران عام ١٨٧٣ م.
المصادر:
(١) Ethe فى Grundriss der lran. Phil. جـ ٢, ص ٢٢٨.
(٢) A Literary History of: Browne Persia، جـ ٢، ص ٣٤٦ وما بعدها.
(٣) Cat. of Pers. Mss. in the: Rieu British Mus.؛ ص ٧٤٧.
خورشيد
стр. 4298
حمير
اسم شعب قديم فى بلاد اليمن. وتوحى الصيغة هوميريتاى Homeritae التى ذكرها المصنفون الأقدمون بأنها صيغة تصغير؛ ولا توجد الصيغة العربية المستعملة الآن إلَّا عند تيودورس أناغنوسطس Theodoros Anagnostes الذى عاش فى القرن السادس الميلادى (جـ ٢، فصل ٥٨؛ انظر Hist. eccles: Nicephoros Callistos جـ ١٦، فصل ٣٧) بصيغة إمَريس أو إمّرينوى. وقد استعمل نونّوزوس - Non nosos الذى ذهب إلى أكسوم وبلاد اليمن موفدًا من قبل يوستينانوس الصيغة إمريتاى وتبعه فى ذلك ملالاس Malalas, وهذه الصيغة ترجع إلى حمير الإثيوبية، أما الصيغة الموجودة على النقوش فهي حميرم بالتمويم، والجمع إحمرن ولعلها تنطق أحموران (= الأحمور).
وتقول المصادر العربية إن حمير التى تنقسم إلى قبائل صغيرة كانت تعيش حول لحج بناحية ظفار ورداع وكذلك ناحية الشرق فى سر وحمير ونجد حمير. وذكرت الهوميرتاى Homeritae لأول مرة فى وصف إيليوس جالوس Aelius Gellus لحملته على جنوبى بلاد العرب عام ٢٥ ق. م. وقد حفظ بليناس (Hist. Nat.: Pliny جـ ٦، ص ١٦١) هذا الوصف وعلق عليه بأن هؤلاء القوم أوفر القبائل عددًا (mumerosissmus esse)؛ ويذهب استرابون (جـ ١٦، فصل ٤، باب ٢١) إلى أن مريابا Meriaba أو مأرب، حاضرة سبأ، كانت أيام الفتح الرومانى متابعة لـ "إلا زاروس" Ilasaros الذى كان يحكم الرهمنيين Rhammanites وتشير هذه الرواية فيما يرجح إلى إيليشرح يحضب ملك سبأ وذوريدان، أو بعبارة أخرى ملك سبأ وحمير المعروف فى النقوش. وعندما ألف كتاب Periplus Maris Erythrael الذى لا يعلم مؤلفه (حوالى عام ٧٠ م) كان الحميريون يحكمون الجزء الأكبر من نواحى جنوبى بلاد العرب، أعنى ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندى إلى حضرموت مع ما يتصل بها من البلاد الداخلية التابعة لأهل سبأ؛ كما كانوا يحتلون جانبًا من الساحل الإفريقى
стр. 4299
الشرقى (Azania) وقد اتخذ ملكهم شربئيل - وهو الحاكم الشرعي للحميريين وأهل سبأ - مقره فى ظفار (ظ - ف - ر، فى النقوش؛ علاوة على الصيغة التى ورد فيها حرف التاء ترار، ترادون، تارارا، وتفورا وتفره Taphra - كما وردت أيضًا الصيغة التى فيها حرف السين: سفَّر Sapphar, فى بليناس وبطلميوس، والصيغة الإثيوبية صفار؛ وينبغي ألا يخلط بينها وبين الثغر الذى يحمل الاسم نفسه على المحيط الهندى) وظلت ظفار أهم بلاد اليمن حتى الفتح الفارسى. وكان هذا الحاكم على صلة ودية بالرومان، ويظن أنه هو نفس "كزبئيل وتريُنْعِم" ملك سبأ وذوريدان، الذى ذكر فى النقوش؛ وقد عرفت كذلك السكة الخاصة به المضروبة فى ريدان. وانتقلت زعامة جنوبى بلاد العرب من أهل سبأ الحميريين حوالى نهاية القرن الثانى قبل الميلاد، ولعل بعض السبب فى ذلك راجع إلى الكشف عن الطريق البحرى إلى الهند على يد امراء البحر البطلميين مما أفقد سبأ أهميتها باعتبارها مركز التجارة البرية فى جنوبى بلاد العرب. ولم يذكر أى مصدر من المصادر اليونانية والرومانية شيئًا عن تاريخ الحميريين حتى القرن الرابع؛ وتزودنا النقوش التى كشفت إلى الآن بمجموعة من أسماء الملوك دون أن تذكر تواريخ محققة. وفى عهد الإمبراطور قسطنطين الثانى (٣٣٧ - ٣٩١ م) دخلت المسيحية إلى هذه البلاد على يد ثيوفيلوس الهندى Theophilos وهو من أهل ديو؛ وقد شيد هذا الرجل الكنائس فى عدن وظفار وغيرهما من البلدان، وكانت هناك حتى فى ذلك الوقت جاليات يهودية كبيرة العدد (Hist. eccles.: Philostorgius جـ ٣، فصل ٤) وثمة إشارة أخرى أوردها تيودورس أناغنوسطس تقول إن دخول الحميريين فى المسيحية لم يحدث حتى عهد أناستاسيوس Anastasius (٤٩١ - ٥١٨ م) ونجد حوالى منتصف القرن الرابع الميلادى أن الأحباش (الأحبشن المذكورين فى النقوش)؛ أو بعبارة أخرى حكام أكسوم، قد وطدوا أقدامهم فى بلاد اليمن، ومن الألقاب التى اتخذها أيزناس Aezanas ملك أكسوم فى نقوشه، وهو معاصر للإمبراطور قسطنطين الثانى، لقب "ملك الحميريين
стр. 4300
وأهل ريدان" ويظهر أن الغزوة الحبشية ترجع إلى القرن الثالث الميلادى. ويصف مرقيانوس Marcianus (فى بداية القرن الرابع) الحميريين بأنهم شعب إثيوبى ويتردد هذا الوصف دائمًا عند المصنفين البوزنطيين القدماء. وكان أباطرة الرومان على اتصال منظم بهم (انظر. Zeitschr. d .Deutsch Morgenl Gesellsch جـ ٣١، ص ٧٣) تحقيقًا للمصالح التجارية حينًا وتأييدًا لنفوذهم ضد الساسانيين الذين كانوا يحاولون التسلل إلى بلاد اليمن عن طريق عمان. وقام الأمراء الوطنيون حوالى عام ٥٢١ م بزعامة ذو نواس (Dimnos, Dunaas Damianos وهى الصيغ الواردة فى المصادر اليونانية) بثورة عنيفة على الفاتحين الأحباش. ويقال إن ذا نواس تهود وقام على اضطهاد المسيحيين فى نجران، وقد اشتهرت نجران باستشهاد القديس أرتاس. St Arthas الذى مات عام ٥٢٦ فى قتال "كلب إلَ أصبحه" ملك أكسوم، وهكذا دخلت البلاد فى حكم أسرة حبشية استقل مؤسسها "إلَ أبرهة" بالأمر فى أكسوم بعد أعوام من انسحاب "كلب إلَ أصبحه". ولدينا مصدر موثوق به عن تاريخه وصلاته ببوزنطة وفارس وبلاد الحبشة، وعلاقاته بالغساسنة وغيرهم من أمراء العرب، وهو نقش مأرب الكبير الذى يرجع إلى عام ٥٤٠ م، وفيه يصف قيامه بترميم السد العظيم. ونشأت فى هذا العهد "قوانين الحميريين" وغيرها من المصنفات المنحولة التى تقترن باسم القديس غريجنتيوس St Gregentios أسقف ظفار أيام إل أبرهة وخلفه (apr tol.: Migne Graeac، مجلد ٨٦, جـ ١, ٥٦٣ - ٧٨٢) ودعا أمراء الحميريين فى عهد الإمبراطور يوستن الثانى Justin II حوالى عام ٧٥٠ م الفرس إلى دخول بلادهم، وسقط مسروق - آخر الحكام من أسرة إل أبرهة (وقد حرف إلى San- aturkes فى Theophranus Byzantius) فى قتاله الفرس الذين أخضعوا البلاد للاحتلال العسكرى تاركين نواحيها المختلفة (مخلافاتها) تحت حكم أمراء من الوطنيين. وكان مرازبة الفرس يقيمون فى صنعاء. ولما بعث محمد [ ﷺ ] برسله الأوائل إلى بلاد اليمن كانت مملكة حمير كما وصفناها قد
стр. 4301
عفى عليها الزمن منذ أمد طويل فدخل فى الدين الجديد بلا مقاومة تذكر أمراء حمير وسلالة الفرس الذين يدعون "الأبناء".
وترجع النقوش التى عثر عليها إلى الآن فى جنوبى بلاد العرب، والمكتوبة بالأبجدية المحلية وهي التى نطلق عليها عادة النقوش الحميرية، إلى عصور جد متفاوتة (أى من حوالى عام ٧٠٠ ق. م إلى ٥٥٠ ق. م تقريبًا) وقليل منها أصله حميرى بالمعنى الأخص للكلمة، وهى تندرج من الناحية اللغوية فى مجموعتين أساسيتين: النقوش السبئية والنقوش المعينية. وتنتسب النصوص الحميرية إلى المجموعة الأولى فى حين نجد أن السكة التى كشفت إلى الآن، وجلّها من الفضة، تنسب فى مجموعها إلى حمير مع استثناء قليل منها ضرب فى عهود قديمة. والأبجدية (ويطلق عليها العرب المسند وإن كانت تسمى فى النقوش بالكتابه فقط) عبارة عن مجموعة متنوعة من الحروف الفينيقية اقتبست للأبجدية الإثيوبية، وهى تحوى جميع حروف اللغة العربية، بإضافة حرف صفير مغاير للسين. ولغة حمير السبئية لهجة عربية تنماز عن عربية الشمال بخصائص نحوية معينة (التمويم بدلا من التنوين واستبدال آن بأداة التعريف وهفعل بأفعل فى الفعل الرباعى) وتنماز منها كذلك فى المفردات. أما قول اللغويين من العرب إن لهجات اليمن المتأخرة بل لهجتى مهرة وقارة هي فروع من لغة حمير القديمة فقد ثبت بطلانه، وإن احتفظوا فى مفرداتهم بمصادر وكلمات كثيرة، لا تعرفها عربية الشمال ولو أنها وجدت فى النقوش.
وقبل أن تكشف هذه النقوش كانت روايات العرب مضافًا إليها الإشارات الضئيلة التى أوردها المصنفون الأقدمون والبيزنطيون مصدرنا الوحيد عن تاريخ اليمن القديم. وقد ذكر القرآن الكريم من قبل تبابعة اليمن، ومن ثم عرف ملوك حمير بهذا الاسم، ونحن نعلم الآن من النقوش أن ملوك سبأ وحمير كانوا يلقبون أنفسهم دائما بـ "الملك" وأن "تبع" تحريف لاسم الأسرة القوية "بتَعْ" من قبيلة همدان، وتعلمنا النقوش
стр. 4302
نفسها أن الأخبار الواردة فى كتب الأدب عن "قيل" و"أذوى" حمير (أى الملوك وأمراء الإقطاع) قامت فى جملتها على خلط. ولا تزال قوائم الملوك التى وصلت إلينا بهذه الطريقة، والأعمال التى قام بها التبابعة منفردين أكثر تعرضًا للشك. ونجد فى القرآن الكريم إشارات إلى قصة العهد القديم عن ملكة سبأ (انظر - Zeitschr, der Deutsch. Mor genl جـ ١٥، ص ٦١٠ وما بعدها) وعن حملة أحد التبابعة على مكة. وفى عهد جد متقدم بدأ مفسرو القرآن الكريم والقصاص فى بلاط الخلفاء الأول يهتمون بالتاريخ القديم لتلك البلاد (ابن عباس، كعب الأحبار، وهب بن منبه، عبيد بن شريه) وهم وإن كان كثير منهم من أهل اليمن، فإنهم لم يعنوا كثيرًا بالروايات الصحيحة الشائعة عنايتهم بالأساطير الدخيلة مثل قصة الإسكندر والإسرائيليات، كما أضافوا مادة أخرى من مخيّلهم.
والآثار الأخيرة لهذا الضرب من البحث التاريخى عبارة عن كتب شائعة لا يزال يشغف بها الشعراء مثل قصة بلقيس وذى القرنين وسيرة سيف بن ذى يزن إلخ. على أن ثمة كتبًا ثلاثة ألفها كتَّاب يمنيون هي: التيجان فى ملوك حمير لابن هشام كاتب السيرة النبوية المشهور، والإكليل، وصفة جزيرة العرب للهمدانى، وهذه الكتب أرصن من سابقتها، أضف إلى ذلك القصيدة الحميرية بما عليها من شرح لغوى وتعليق عنوانه "شمس العلوم" لنشوان (المتوفى سنة ٥٧٣ هـ) فقد قرأ هؤلاء كتابات المسند القديمة، ولو أن لغتها لم تكن بعد مفهومه لهم تمامًا، وأفادوا منها فى أبحاثهم الخاصة بالأنساب والتاريخ؛ أما مدى ما أفادوه من الروايات المحلية القديمة فلا يزال قيد البحث، ومهما يكن من شيء فقد استقلوا بآرائهم عن العلماء الذين ذكرناهم، ولا يمكن الاعتماد فى كتابة التاريخ الصحيح إلَّا على المعارف المتصلة بالقرن الأخير قبل الإِسلام.
المصادر:
تجد ثبتًا خاصًا بالمصادر وبخاصة عن قراءة النقوش القديمة إلى ١٨٩٣ فى:
стр. 4303
(١) Suedarabische: F Hommel Chrestomathie ص ٦٣ وما بعدها؛ كما تجد تتمتها إلى عام ١٩٠٨ فى:
(٢) Studien Sur Suedar: O. Weber Altertamskunde، جـ ٣، ص ٧١ - ١٠١ وانظر فيما يختص بتاريخ حمير القديم مقالات:
(٣) Blau. O وغيره فى Zeitscher der .Deutsch. Morgenl. Ges، جـ ٢٢، ص ٦٥٤ - ٦٧٣؛ جـ ٢٤، ص ٥٥٩ - ٥٩٢؛ ٢٥، ص ٥٢٥ - ٥٩٢؛ جـ ٢٧، ص ٢٩٥ - ٣٦٣؛ جـ ٣٠، ص ٣٢٠ - ٣٢٤, جـ ٣١, ص ٦١ - ٧٤.
(٤) Die alte geographie: Sprenger Arabiens عام ١٨٧٠؛ وانظر فيما يختص بالغزوة الحبشية:
(٥) De Aethiopum imperio: George in Arabia Felicl طبعة برلين عام ١٨٣٣.
(٦) Ueber dle An-: A. Dillmann faenge des Axumitischen Reiches طبعة برلين عام ١٨٧٩.
(٧) Zur Geschichte des Axumitischen ,Reichs Vom IV bis VI ibid Zahrhundert الطبعة ذاتها عام ١٨٨٠ , Bemerkugen sur Grammatik des Geez und zur alten Gesechichte Abessiniens فى - Berliner Sit zungsber عام ١٨٩٠ جـ ١.
(٨) Die Christenverfolgung: W. Fell in Suedarabien und die himjarisch. aethi-opischen Kriege nach abessinischer Ue berlieferung فى Zeitcher. d. Deutsch. .Morgenl. Ges, جـ ٣٥، ص ١ - ٧٤, وكذلك المصدر السابق ص ٦٩٣ - ٧١٠.
(٩) La lettera di Simeone,: J. Guidi vescoco di Beth. Arsham Sopra i martiri Omeriti طبعة رومة عام ١٨٨١.
(١٠) Sopra i martiti Om-: E. Glaser eriti عام Die Abessinier in Arabien und Afrika عام ١٨٩٥.
(١١) Un doc-: Carolo Conti Rossini unento sul Cristianesimo nello yemen طبعة رومة عام ١٩١١. وأخيرًا نجد نقوش أكسوم الملكية، وأحدثها فى
(١٢) جـ ٤ من: Deutsche Aksum. Ex- pedition عام ١٩١٣ ويضاف إلى ما نشر من النقوش التى ذكرها Hommel
стр. 4304
and Weber فى المصدر المذكور آنفًا وإلى المقالات الكثيرة التى صدرت منذ ذاك فى المجلات العلمية تكملة باريس بصفة خاصة.
(١٣) - Corpus inscriptionum Semiti carum.
(١٤) Der Isla-: Martin Hartmann mische Orient مجلد ٢: Die Arabische -Frage: mil einein Versuche der Archaeol ogie yemens طبعة برلين عام ١٩٠٩. ووصف السكة الحميرية فى:
(١٥) La Tzesor de: Schlumberger San'a. طبعة باريس عام ١٨٨٠.
(١٦) Num Chron: Barclay V. Head, N. S .. مجلد ١٨، ص ٢٧٣ - ٢٨٤، المجلد ٢٠ ص ٣٠٣ - ٣١٠.
(١٧) Suedar, Alter-: D.H. Muller thuemer im Kunsthistorischen Hofmu- seum طبعة فينا عام ١٨٩٩. ص ٦٥ - ٧٨. وجمع الروايات العربية.
(١٨) Historia imperi: A. Schultens Zoctanidarum، Harderovici Gelrorum عام ١٧٨٦.
(١٩) Caussin de Perceval فى - His toire des Arabes avant L'Islamisme, انظر كذلك الفقرات المتصلة بالموضوع فى.
(٢٠) ابن إسحق
(٢١) ابن قتيبة
(٢٢) الطبري
(٢٣) حمزة الإصفهانى
(٢٤) المسعودى
(٢٥) ابن خلدون. وانظر فيما يتصل بنشوان والهمدانى:
(٢٦) Die Himyarische: V. Kremer Kassideh طبعة ليبسك عام ١٨٦٥.
(٢٧) Ueber die Suedarabische Sage طبعة ليبسك ١٨٦٦.
(٢٨) Altarabische Gedichte Ueber die Volkssage von yemen طبعة ليبسك ١٨٦٧.
(٢٩) Zeitschr.d.: D. H. Muller Deutsch. Morgenl. Ges المجلد، ٢٩ ص ٦٢٠ - ٦٢٨.
(٣٠) Suedarabische Studien طبعة فينا ١٨٧٧.
стр. 4305
(٣١) - Die Burgen und Schloesser Sue darabiens جـ ١، ٢ طبعة فينا ١٨٧٩ - ١٨٨١ مع
(٣٢) ملحق فى Suedarab Alteruemer. الخ ص ٨٠ - ٩٥.
(٣٣) The: Captain W. F. Prideaux Lay of the Himyarites طبعة سيهور عام ١٨٧٩. وأهم مصدر عن الجغرافية التاريخية هو:
(٣٤) الهمداني: صفة جزيرة العرب، نشره ميلر، ليدن عام ١٨٨٤ - ١٨٩١. انظر كذلك الفقرات المنقولة عن ابن المجاور فى:
(٣٥) Post. und Reiserout-: Sprenger en des orients طبعة ليبسك عام ١٨٦٤ وانظر فيما يتصل بلهجة اليمن:
(٣٦) Etudes sur les Dia-: Count lectes de l'Arabie؛ Landberg Meridionale المجلد ١، ٢ طبعة ليدن عام ١٩٠١ وما بعدها ومصنفات. A. Jahn, D. H Muller عن - Die Mehri. und Sokotris prache فى
(٣٧) Suedarabische Expedition الخ المجلد ٣، ٤ طبعة فينا عام ١٩٠٢.
يونس [ج. هـ مورتمان J. H. Mordtmann]
الحنابلة
جمع "حنبلى": هم أتباع المذهب الدينى والفقهى والأخلاقى الذى نشأ من تعاليم أحمد بن حنبل (المتوفى سنة ٢٤١ هـ = ٨٥٥ م) الذى بدئ العمل فى تقنين كتابيه البارزين "المسند" و"المسائل" فى حياة صاحبهما نفسه. والمذهب الحنبلي، على عدائه من حيث المبدأ نفسه لعلم الكلام وللصوفية الباطنية (صوفية الحلول والمعرفة والإباحة) - فإنه لم يتطور بمعزل تام عنهما. فقد كان عدد كبير من مؤلفى الحنابلة هم أنفسهم من المتكلمين أو المتصوفة المتشددين، بل إن الصلابة الصارمة التى يتميز بها فى كثير من الأحيان ذلك الموقف المتشدد للمذهب الحنبلي من حيث عدم الاعتراف بأى مصدر آخر خلاف القرآن والسنة لم تعجز على غير المنتظر عن أن تؤثر
стр. 4306
تأثيرًا راسخًا فى باقى المذاهب الإسلامية فى صميم تكوينها.
١ - المذهب الحنبلى من سنة ٢٤١ إلى ٣٣٤ هـ (٨٥٥ - ٩٤٥ م).
كانت الحقبة الممتدة من عودة المتوكل إلى مذهب أهل السنة (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ = ٨٤٧ - ٨٦١ م) حتى ظهور البويهيين سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) هى التى شهدت قيام الحنبلية من حيث هى مذهب بالمعنى الصحيح. وليس ثمة شك فى أن المجموعات الكبيرة من "المسائل" التى خرجت إلى النور وقتذاك بفضل غيرة عدد لا يستهان به من علماء الدين الذين قدموا من شتى بقاع العالم الإِسلامى لشاهدة على الجهد المشترك فى سبيل البحث فى وحدة العقيدة. على أننا - إذا جاز لنا أن نصدر حكمًا على ضوء ما بقى من الرسائل - فإن هناك الكثير من الأسباب التى تجعلنا نذهب إلى أن هذه الرسائل كانت إلى حد كبير مجموعات ينصب التركيز فيها على أفكار بعينها لابن حنبل أو جوانب بعينها من مذهبه، وذلك حسب شخصيات الرواة أو اهتماماتهم. ولم تكن قط رسائل بسيطة من الفكر أو التأمل النظرى المحض، بل كانت بمثابة الاستجابة للحاجة إلى التوجيه الدينى والخلقى، وما أكثر ما كانت تتم فى وقت واحد مع نشر مسائل لشيوخ آخرين، وفى مقدمتهم شيوخ مدرسة الحجاز أو مدرسة خراسان مثل مالك ابن أنس أو الفضيل بن عياض أو عبد الله بن المبارك أو إسحاق بن راهويه. فقد أسهموا فى استقرار المذهب الحنبلي فى مرحلة مبكرة جدًا دون أن يخلصوا من ذلك إلى منهج محدد كل التحديد، تاركين الفرصة - فى الوقت ذاته - لقيام خلافات عن فكر صاحب المذهب تستمر من بعده.
وقد كان لاثنين من أبناء ابن حنبل شأن فى إذاعة مذهبه - أكبرهما صالح المتوفى سنة ٢٦٦ هـ (٨٧٩ - ٨٨٠ م) وقد عمل فى عهد الخلافة العباسية قاضيًا فى طرسوس وأصفهان؛ أما الأصغر عبد الله المتوفى سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م) فقد رتب بصفة خاصة مادة كتاب "المسند" وضم إليه عددًا معينًا من الإضافات، وجاء تلميذه أبو بكر
стр. 4307
القطيعى المولود سنة ٣٦٨ هـ (٩٧٨ - ٩٧٩ م) فوضع للكتاب اللمسات الأخيرة. وإضافات القطيعى مثار نزاع فى كثير من الأحيان داخل المدرسة الحنبلية ذاتها.
وثمة عدة محدثين آخرين من المحدثين البارزين رووا "المسائل" ولعلهم يعدون بحق تلاميذ لابن حنبل. فقد ألف أبو داود السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٨ - ٨٨٩ م) "كتاب السنن" ويعد مؤلفه "كتاب المسائل" (المنشور بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م) هو المجموعة الوحيدة من المسائل المتوفرة فى يومنا هذا. أما أبو حاتم الرازى المتوفى سنة ٢٧٧ هـ (٨٩٠ - ٨٩١ م) الذى يقرن فى بعض الأحيان فى صعيد واحد مع البخارى وأبى زرعة الرازى، فقد اتبع تعاليم ابن حنبل وجمع عددًا كبيرًا من المسائل. وهو يدافع فى كتابه "العقيدة" عن الأفكار الأساسية لمذهب ابن حنبل، مستندًا إلى طبيعة الإيمان وإلى القرآن ومعتمدًا كذلك بالدرجة نفسها على ذم علم الكلام.
ومن أبرز الأسماء فى تاريخ المذهب الحنبلى فى ذلك العصر أبو بكر الخلّال المتوفى سنة ٣١١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م) الذى تتلمذ على أبى بكر المروزى وعرف الشيخ عبد الله وقام بالتدريس فى بغداد فى مسجد المهدي. وفى كتابه "الجامع" جمع وصنف "مسائل" ابن حنبل التى كانت من قبل موضع تنقيح يقوم به أفراد. وهذه المادة الضخمة التى جمعت أفاد منها أيضًا فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) ابن تيمية وابن القيِّم. وما تزال هناك آثار أخرى منسوبة لأبي بكر الخلّال، حظيت بثقة عظيمة، وعلى وجه الخصوص "كتاب الإيمان" و"كتاب السنة" و"كتاب فى العلم" و"كتاب العلل". وعلاوة على ذلك فقد وضع أبو بكر الخلّال أول تاريخ نعرفه للمذهب الحنبلى ثم أتم عمله هذا عبد العزيز بن جعفر المتوفى سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٣ - ٩٧٤ م) المعروف بغلام الخلّال.
وثمة اسمان آخران يرتبطان كذلك ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المذهب الحنبلي فى ختام القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وبداية القرن الرابع الهجرى
стр. 4308
(العاشر الميلادى). أما أولهما فهو أبو بكر السجستاني المتوفى سنة ٣١٦ هـ (٩٢٨ م) وهو ابن المحدَّث أبى داود. ومما بقى لنا من مؤلفاته "كتاب المصاحف" (حققه ا. جيفرى A. Jeffery طبعة ليدن سنة ١٩٣٧) ورسالة قصيرة فى العقيدة وضعها شعرًا. وهى من خير ما أثر عن ابن حنبل. وثمة عدة كتب أخرى فى التفسير والحديث نسبت له. وأما الثانى فهو أبو محمد الرازى المتوفى سنة ٣٢٧ هـ (٩٣٨ - ٩٣٩ م) الذى حظيت آثاره بشهرة واسعة. ويعد مصنفه "كتاب الجرح والتعديل" من أهم ما كتب فى هذا الفرع. أما تفسيره للقرآن الكريم فهو فى رأى ابن كثير أعظم كتب التفسير التقليدية ويفوق فى قيمته المذهبية تفسير الطبري. ومصنفه "كتاب العلل" فى عيوب وعلل الحديث يبين ميله لاتباع طريقة أبواب الفقه. وينسب لأبى بكر الرازى كذلك رد على الجهمية وترجمة لحياة أحمد بن حنبل يثنى فيها عليه.
ومن ناحية أخرى، كان للمذهب الحنبلى شأن أى شأن فى تاريخ الخلافة الدينى والسياسى مما يتجلى فى الهمة التى أبداها البربهارى المتوفى سنة ٣٢٩ هـ (٩٤٠ - ٩٤١ م) المحدث والفقيه، تلميذ أبى بكر المروزى وسهل التُسترى، وهو واعظ عالى الهمة ناضل التشيع ومذهب المعتزلة نضالًا مريرًا مبتغيًا إصلاح الخلافة السنية. غير أن حماسته المفرطة دفعت الخليفة الراضى إلى إصدار أمر فى سنة ٣٢٣ هـ - ٩٣٥ م بذم المذهب الحنبلى.
أما معاصره أبو القاسم الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ - ٩٤٦ م) الذى ارتحل من بغداد عندما ظهر البويهيون ولجأ إلى دمشق، فهو صاحب أول رسالة فى الفقه الحنبلى، ونعنى بها "المختصر" الذى شرحه ابن حامد المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م) ثم القاضى أبو يعلى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) ثم الشيخ موفق الدين بن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (١٢٢٣ م). وهذا المختصر الذى شرحه ما يقرب من ثلاثمائة حسب رواية يوسف بن عبد الهادي المتوفى سنة ٩٠٩ هـ (١٥٠٣ - ١٥٠٤ م)
стр. 4309
ما يزال حتى اليوم مدخلا ممتازًا للمذهب الحنبلى فى مجال الفروع.
٢ - المذهب الحنبلى فى ظل البويهيين: (٣٣٤ - ٤٤٧ هـ = ٩٤٥ - ١٠٦١ م).
منذ اللحظة التى اعتلى فيها البويهيون دست الحكم فى بغداد والمذهب الحنبلى مدرسة يغمرها النشاط وتمتاز بالقوة لكثرة أتباعها، ولها من التراث المذهبى ما يقف على قدم المساواة مع التراث الذى استطاعت المذاهب الأخرى أن تقدمه. ثم كان من أثر تقدم كل من الشيعة الإمامية التى شجعها البويهيون، والإسماعيلية بعد فتح الفاطميين لمصر سنة ٣٥٨ هـ (٩٦٩ م) وإنشائهم مدينة القاهرة، أن وقع صدام بين هذه المذاهب وبين علماء الدين الحنابلة ودعاتها الذين كان لهم نفوذ حاسم فى بدايات حركة العودة إلى السنة التى بدأت تفرض نفسها من عهد القادر (٣٨١ - ٤٢٢ هـ = ٩٩١ - ١٠٢١ م). ثم قام المذهب الحنبلى بعد ذلك بدور حرب المعارضة السياسى والدينى، وكان فى الطليعة من المذاهب الفكرية التى نمت أو تأسست دفاعا عن الخلافة والمذهب السنى.
ومن بين أولئك النفر الكثيرين الذين يمثلون المذهب الحنبلى وحفظت أسماءهم لنا كتب الطبقات سنكتفى فيما يلى بذكر قلة قليلة منهم هم أولئك المعلمون الذين نرى فيهم - لما خلفوه من آثار وكتب وما عرف من نشاطهم كذلك - من مثل حيوية هذا المذهب وما امتاز به من تنوع فى داخله:
أبو بكر النجاد المتوفى سنة ٣٤٨ هـ (٩٥٩ - ٩٦٠ م): عقد حلقات لدعوة الناس فى مسجد المنصور ببغداد. وجمع "مسند" ابن حنبل وألف "كتاب السنن"، وأما فى الفقه، ففضلا عن تصنيفه رسالة فى الفقه، فقد ألف "كتاب اختلاف الفقهاء".
أبو بكر الآجُرى المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (٩٧١ م): ملقى العلم فى بغداد وبعدئذ عاش حياة من العزلة فى مكة، ويدعى كل من الحنابلة والشافعية فى الوقت نفسه انتسابه لمذهبهما، ومصنفه "كتاب الشريعة" (المنشور بالقاهرة سنة ١٣٦٩ هـ = ١٩٥٠ م) يفصح عن
стр. 4310
تشابه واضح مع كتب العقيدة ذات الأسلوب الحنبلى، ويمكننا أن نرى فيه كما يبدو واحدًا من أولئك المعلمين الشافعيين الذين دفعهم رفضهم للأخذ بأى شئ من علم الكلام أو المذهب الأشعرى، إلى أن يكونوا حنابلة فى الأصول وشافعية فى الفروع.
أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (٩٧١ م) صاحب ثلاثة معاجم شهيرة وكتاب السنة وكتاب مكارم الأخلاق ... (الطبقات, جـ ٢، ص ٤٩ - ٥١).
أبو الحسن بن سمعون المتوفى سنة ٣٨٧ هـ (٩٧٧ م): وهو، بحكم ممارسته للمذهب الحنبلى وميله إلى الصوفية، واحد من أولئك العلماء الذين يصعب تصنيفهم بأى قدر من اليقين فى حدود مذهب واحد؛ والقاضى أبو الحسين (الطبقات، جـ ٢، ص ١٥٥ - ١٦٢) وابن عساكر (تبيين المفترى، ص ٢٠٠ - ٢٠٦) كلاهما يدعى أنه من مذهبه. وقد شرح ابن سمعون "مختصر" الخرقى وعقد حلقات للوعظ الدينى والخلقى ببغداد حازت شهرة عريضة.
أما معاصره ابن بطة العكبرى المتوفى سنة ٣٨٧ هـ (٩٩٧ م) فتلقى تعليمه ببغداد، ثم عاد إلى مسقط رأسه فى سن يناهز الأربعين بعد أن كان قد ارتحل إلى مكة والشام. ونحن ندين له بجملة آثار ذات شأن، ونخص بالذكر منها كتابًا يتبرأ فيه من الحيل الفقهية التى كان يلجأ إليها البعض، وكتابين فى العقيدة صارت لهما فيما بعد منزلة المرجع الواسع الانتشار وهما "الإبانة الكبيرة". و"الإبانة الصغيرة"، وكتاب "الإبانة الصغيرة" (انظر H. Laoust: Profession de foi d'Ibn Batta, ١٩٥٨) قصد به فى المقام الأول أن يكون كتابًا عامًا فى العقيدة يخاطب النشء الصغير وغير العرب على وجه الخصوص، وهو يرمى إلى العودة بكل أولئك الذين كانوا يميلون إلى التذبذب فى عقيدتهم بسبب شيوع الفرق والمذاهب المختلفة إلى اقتفاء سنة النبي [ ﷺ ].
ابن حامد المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م؛ الطبقات جـ ٢، ص ١٧١ - ١٧٧): واحد من المقربين