← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

تأثيرًا راسخًا فى باقى المذاهب الإسلامية فى صميم تكوينها. ١ - المذهب الحنبلى من سنة ٢٤١ إلى ٣٣٤ هـ (٨٥٥ - ٩٤٥ م). كانت الحقبة الممتدة من عودة المتوكل إلى مذهب أهل السنة (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ = ٨٤٧ - ٨٦١ م) حتى ظهور البويهيين سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) هى التى شهدت قيام الحنبلية من حيث هى مذهب بالمعنى الصحيح. وليس ثمة شك فى أن المجموعات الكبيرة من "المسائل" التى خرجت إلى النور وقتذاك بفضل غيرة عدد لا يستهان به من علماء الدين الذين قدموا من شتى بقاع العالم الإِسلامى لشاهدة على الجهد المشترك فى سبيل البحث فى وحدة العقيدة. على أننا - إذا جاز لنا أن نصدر حكمًا على ضوء ما بقى من الرسائل - فإن هناك الكثير من الأسباب التى تجعلنا نذهب إلى أن هذه الرسائل كانت إلى حد كبير مجموعات ينصب التركيز فيها على أفكار بعينها لابن حنبل أو جوانب بعينها من مذهبه، وذلك حسب شخصيات الرواة أو اهتماماتهم. ولم تكن قط رسائل بسيطة من الفكر أو التأمل النظرى المحض، بل كانت بمثابة الاستجابة للحاجة إلى التوجيه الدينى والخلقى، وما أكثر ما كانت تتم فى وقت واحد مع نشر مسائل لشيوخ آخرين، وفى مقدمتهم شيوخ مدرسة الحجاز أو مدرسة خراسان مثل مالك ابن أنس أو الفضيل بن عياض أو عبد الله بن المبارك أو إسحاق بن راهويه. فقد أسهموا فى استقرار المذهب الحنبلي فى مرحلة مبكرة جدًا دون أن يخلصوا من ذلك إلى منهج محدد كل التحديد، تاركين الفرصة - فى الوقت ذاته - لقيام خلافات عن فكر صاحب المذهب تستمر من بعده. وقد كان لاثنين من أبناء ابن حنبل شأن فى إذاعة مذهبه - أكبرهما صالح المتوفى سنة ٢٦٦ هـ (٨٧٩ - ٨٨٠ م) وقد عمل فى عهد الخلافة العباسية قاضيًا فى طرسوس وأصفهان؛ أما الأصغر عبد الله المتوفى سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م) فقد رتب بصفة خاصة مادة كتاب "المسند" وضم إليه عددًا معينًا من الإضافات، وجاء تلميذه أبو بكر

стр. 4307

القطيعى المولود سنة ٣٦٨ هـ (٩٧٨ - ٩٧٩ م) فوضع للكتاب اللمسات الأخيرة. وإضافات القطيعى مثار نزاع فى كثير من الأحيان داخل المدرسة الحنبلية ذاتها. وثمة عدة محدثين آخرين من المحدثين البارزين رووا "المسائل" ولعلهم يعدون بحق تلاميذ لابن حنبل. فقد ألف أبو داود السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٨ - ٨٨٩ م) "كتاب السنن" ويعد مؤلفه "كتاب المسائل" (المنشور بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م) هو المجموعة الوحيدة من المسائل المتوفرة فى يومنا هذا. أما أبو حاتم الرازى المتوفى سنة ٢٧٧ هـ (٨٩٠ - ٨٩١ م) الذى يقرن فى بعض الأحيان فى صعيد واحد مع البخارى وأبى زرعة الرازى، فقد اتبع تعاليم ابن حنبل وجمع عددًا كبيرًا من المسائل. وهو يدافع فى كتابه "العقيدة" عن الأفكار الأساسية لمذهب ابن حنبل، مستندًا إلى طبيعة الإيمان وإلى القرآن ومعتمدًا كذلك بالدرجة نفسها على ذم علم الكلام. ومن أبرز الأسماء فى تاريخ المذهب الحنبلى فى ذلك العصر أبو بكر الخلّال المتوفى سنة ٣١١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م) الذى تتلمذ على أبى بكر المروزى وعرف الشيخ عبد الله وقام بالتدريس فى بغداد فى مسجد المهدي. وفى كتابه "الجامع" جمع وصنف "مسائل" ابن حنبل التى كانت من قبل موضع تنقيح يقوم به أفراد. وهذه المادة الضخمة التى جمعت أفاد منها أيضًا فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) ابن تيمية وابن القيِّم. وما تزال هناك آثار أخرى منسوبة لأبي بكر الخلّال، حظيت بثقة عظيمة، وعلى وجه الخصوص "كتاب الإيمان" و"كتاب السنة" و"كتاب فى العلم" و"كتاب العلل". وعلاوة على ذلك فقد وضع أبو بكر الخلّال أول تاريخ نعرفه للمذهب الحنبلى ثم أتم عمله هذا عبد العزيز بن جعفر المتوفى سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٣ - ٩٧٤ م) المعروف بغلام الخلّال. وثمة اسمان آخران يرتبطان كذلك ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المذهب الحنبلي فى ختام القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وبداية القرن الرابع الهجرى

стр. 4308

(العاشر الميلادى). أما أولهما فهو أبو بكر السجستاني المتوفى سنة ٣١٦ هـ (٩٢٨ م) وهو ابن المحدَّث أبى داود. ومما بقى لنا من مؤلفاته "كتاب المصاحف" (حققه ا. جيفرى A. Jeffery طبعة ليدن سنة ١٩٣٧) ورسالة قصيرة فى العقيدة وضعها شعرًا. وهى من خير ما أثر عن ابن حنبل. وثمة عدة كتب أخرى فى التفسير والحديث نسبت له. وأما الثانى فهو أبو محمد الرازى المتوفى سنة ٣٢٧ هـ (٩٣٨ - ٩٣٩ م) الذى حظيت آثاره بشهرة واسعة. ويعد مصنفه "كتاب الجرح والتعديل" من أهم ما كتب فى هذا الفرع. أما تفسيره للقرآن الكريم فهو فى رأى ابن كثير أعظم كتب التفسير التقليدية ويفوق فى قيمته المذهبية تفسير الطبري. ومصنفه "كتاب العلل" فى عيوب وعلل الحديث يبين ميله لاتباع طريقة أبواب الفقه. وينسب لأبى بكر الرازى كذلك رد على الجهمية وترجمة لحياة أحمد بن حنبل يثنى فيها عليه. ومن ناحية أخرى، كان للمذهب الحنبلى شأن أى شأن فى تاريخ الخلافة الدينى والسياسى مما يتجلى فى الهمة التى أبداها البربهارى المتوفى سنة ٣٢٩ هـ (٩٤٠ - ٩٤١ م) المحدث والفقيه، تلميذ أبى بكر المروزى وسهل التُسترى، وهو واعظ عالى الهمة ناضل التشيع ومذهب المعتزلة نضالًا مريرًا مبتغيًا إصلاح الخلافة السنية. غير أن حماسته المفرطة دفعت الخليفة الراضى إلى إصدار أمر فى سنة ٣٢٣ هـ - ٩٣٥ م بذم المذهب الحنبلى. أما معاصره أبو القاسم الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ - ٩٤٦ م) الذى ارتحل من بغداد عندما ظهر البويهيون ولجأ إلى دمشق، فهو صاحب أول رسالة فى الفقه الحنبلى، ونعنى بها "المختصر" الذى شرحه ابن حامد المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م) ثم القاضى أبو يعلى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) ثم الشيخ موفق الدين بن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (١٢٢٣ م). وهذا المختصر الذى شرحه ما يقرب من ثلاثمائة حسب رواية يوسف بن عبد الهادي المتوفى سنة ٩٠٩ هـ (١٥٠٣ - ١٥٠٤ م)

стр. 4309

ما يزال حتى اليوم مدخلا ممتازًا للمذهب الحنبلى فى مجال الفروع. ٢ - المذهب الحنبلى فى ظل البويهيين: (٣٣٤ - ٤٤٧ هـ = ٩٤٥ - ١٠٦١ م). منذ اللحظة التى اعتلى فيها البويهيون دست الحكم فى بغداد والمذهب الحنبلى مدرسة يغمرها النشاط وتمتاز بالقوة لكثرة أتباعها، ولها من التراث المذهبى ما يقف على قدم المساواة مع التراث الذى استطاعت المذاهب الأخرى أن تقدمه. ثم كان من أثر تقدم كل من الشيعة الإمامية التى شجعها البويهيون، والإسماعيلية بعد فتح الفاطميين لمصر سنة ٣٥٨ هـ (٩٦٩ م) وإنشائهم مدينة القاهرة، أن وقع صدام بين هذه المذاهب وبين علماء الدين الحنابلة ودعاتها الذين كان لهم نفوذ حاسم فى بدايات حركة العودة إلى السنة التى بدأت تفرض نفسها من عهد القادر (٣٨١ - ٤٢٢ هـ = ٩٩١ - ١٠٢١ م). ثم قام المذهب الحنبلى بعد ذلك بدور حرب المعارضة السياسى والدينى، وكان فى الطليعة من المذاهب الفكرية التى نمت أو تأسست دفاعا عن الخلافة والمذهب السنى. ومن بين أولئك النفر الكثيرين الذين يمثلون المذهب الحنبلى وحفظت أسماءهم لنا كتب الطبقات سنكتفى فيما يلى بذكر قلة قليلة منهم هم أولئك المعلمون الذين نرى فيهم - لما خلفوه من آثار وكتب وما عرف من نشاطهم كذلك - من مثل حيوية هذا المذهب وما امتاز به من تنوع فى داخله: أبو بكر النجاد المتوفى سنة ٣٤٨ هـ (٩٥٩ - ٩٦٠ م): عقد حلقات لدعوة الناس فى مسجد المنصور ببغداد. وجمع "مسند" ابن حنبل وألف "كتاب السنن"، وأما فى الفقه، ففضلا عن تصنيفه رسالة فى الفقه، فقد ألف "كتاب اختلاف الفقهاء". أبو بكر الآجُرى المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (٩٧١ م): ملقى العلم فى بغداد وبعدئذ عاش حياة من العزلة فى مكة، ويدعى كل من الحنابلة والشافعية فى الوقت نفسه انتسابه لمذهبهما، ومصنفه "كتاب الشريعة" (المنشور بالقاهرة سنة ١٣٦٩ هـ = ١٩٥٠ م) يفصح عن

стр. 4310

تشابه واضح مع كتب العقيدة ذات الأسلوب الحنبلى، ويمكننا أن نرى فيه كما يبدو واحدًا من أولئك المعلمين الشافعيين الذين دفعهم رفضهم للأخذ بأى شئ من علم الكلام أو المذهب الأشعرى، إلى أن يكونوا حنابلة فى الأصول وشافعية فى الفروع. أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (٩٧١ م) صاحب ثلاثة معاجم شهيرة وكتاب السنة وكتاب مكارم الأخلاق ... (الطبقات, جـ ٢، ص ٤٩ - ٥١). أبو الحسن بن سمعون المتوفى سنة ٣٨٧ هـ (٩٧٧ م): وهو، بحكم ممارسته للمذهب الحنبلى وميله إلى الصوفية، واحد من أولئك العلماء الذين يصعب تصنيفهم بأى قدر من اليقين فى حدود مذهب واحد؛ والقاضى أبو الحسين (الطبقات، جـ ٢، ص ١٥٥ - ١٦٢) وابن عساكر (تبيين المفترى، ص ٢٠٠ - ٢٠٦) كلاهما يدعى أنه من مذهبه. وقد شرح ابن سمعون "مختصر" الخرقى وعقد حلقات للوعظ الدينى والخلقى ببغداد حازت شهرة عريضة. أما معاصره ابن بطة العكبرى المتوفى سنة ٣٨٧ هـ (٩٩٧ م) فتلقى تعليمه ببغداد، ثم عاد إلى مسقط رأسه فى سن يناهز الأربعين بعد أن كان قد ارتحل إلى مكة والشام. ونحن ندين له بجملة آثار ذات شأن، ونخص بالذكر منها كتابًا يتبرأ فيه من الحيل الفقهية التى كان يلجأ إليها البعض، وكتابين فى العقيدة صارت لهما فيما بعد منزلة المرجع الواسع الانتشار وهما "الإبانة الكبيرة". و"الإبانة الصغيرة"، وكتاب "الإبانة الصغيرة" (انظر H. Laoust: Profession de foi d'Ibn Batta, ١٩٥٨) قصد به فى المقام الأول أن يكون كتابًا عامًا فى العقيدة يخاطب النشء الصغير وغير العرب على وجه الخصوص، وهو يرمى إلى العودة بكل أولئك الذين كانوا يميلون إلى التذبذب فى عقيدتهم بسبب شيوع الفرق والمذاهب المختلفة إلى اقتفاء سنة النبي [ ﷺ ]. ابن حامد المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م؛ الطبقات جـ ٢، ص ١٧١ - ١٧٧): واحد من المقربين

стр. 4311

للخليفة القادر، وكان فى المقام الأول معلمًا وفقيهًا وأشهر آثاره "كتاب الجامع فى اختلاف الفقهاء" الذى أصبح كثيرًا من بعد مرجعًا فى المذهب الحنبلى. وعلاوة على ذلك تنسب إليه رسالتان فى الأصول كثيرًا ما يستشهد بهما أيضًا، وهما: "كتاب فى أصول الدين" و"كتاب فى أصول الفقه". وقد أسهم ابن حامد، سواء عن طريق تدريسه أو عن طريق كتبه المؤلفة، فى تعليم عدد كثير من الحنابلة من أبناء بغداد أو من أولئك الذين اجتذبتهم قصبة الخلافة العباسية بما لها من شهرة فى مجال العلم. ومن تلاميذه القاضى أبو يعلى بن الفراء المتوفى سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) وقد عمل ببغداد فى خدمة الخليفة القائم. ومؤلفات القاضى أبى يعلى - التى فقدت كلها تقريبًا - معروفة لنا عن طريق كتابه "الأحكام السلطانية" (المنشور بالقاهرة سنة ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٨ م) ويظهر أنه نسخ نسخًا حرفيًا من رسالة الماوردى المتوفى سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) فى أحكام الشريعة العامة، ما لم يكن الكتابان قد استقيا من معين واحد؛ أما أكثر مؤلفاته التى كان يرجع إليها كثيرًا فهى حاشيته على الخرقى، ورسالة فى أصول الفقه هى كتاب "المجرد" ورسالة أخرى فى الآراء المتفاوتة لعلماء الشريعة هى "كتاب الاختلاف" وأخيرًا رسالة مهمة فى أصول الدين وهى "كتاب المعتمد"، الذى بقيت لنا نسخة مختصرة (مخطوط فى المكتبة الظاهرية، بدمشق). وكتاب "المعتمد" الذى ألف على غرار الرسائل المعاصرة له فى علم الكلام، يفرد فراغًا كبيرًا للكلام عن نظرية الخلافة. وقد كان القاضى أبو يعلى الذى حضر سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١ - ١٠٤٢ م) وسنة ٤٤٥ هـ (١٠٥٣ - ١٠٥٤ م) قراءة القادرية رسميًا - مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسياسة العودة إلى السنة فى عهد القائم من خلال واجباته الرسمية ومن خلال أستاذيته وتدريسه سواء بسواء. ٣ - المذهب الحنبلى خلال القرنين الأخيرين من الخلافة فى بغداد (٤٤٧ - ٦٥٦ هـ = ١٠٦١ - ١٢٥٨ م). احتل طغرل بك بغداد سنة ٤٤٧ هـ (١٠٦١ م) وأنهى حكم أسرة البويهيين

стр. 4312

الشيعية. وتميزت محاولة البساسيرى سنة ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م) لإعادة المذهب الشيعى إلى بغداد بكل ما تتميز به الأعمال اليائسة سريعة الزوال. وفى سنة ٤٥٩ هـ (١٠٦٧ م) افتتحت المدرسة النظامية فى بغداد لتدريس الفقه الشافعى. وتبع ذلك غزو المذهب السنى من جديد لأواسط الشام وجنوبيه. ثم أعاد الأمير أتسز سنة ٤٦٧ هـ (١٠٧٤ - ١٠٧٥ م) الخطبة للعباسيين فى دمشق. وقد بدأ أول تمزق سياسى فى الإمبراطورية السلجوقية الكبرى سنة ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م) بموت ملك شاه. وعقيب ذلك، ظهر الصليبيون فى الشام وفلسطين واحتلوا أنطاكية سنة ٤٩١ هـ (١٠٩٨ م) والقدس سنة ٤٩٢ هـ, وطرابلس سنة ٥٠٣ هـ (١١٠٩ - ١١١٠ م) إلا أن القوة الدافعة لحركة العودة إلى المذهب السنى استمرت بإحياء الخلافة، التى بدأت بالخليفة المكتفى (٥٣٠ - ٥٥٥ هـ - ١١٣٦ - ١١٦٠ م) وبتأسيس أسرة بنى زنكى وأسرة الأيوبيين الحاكمتين فى الشام. وكانت هذه الحقبة التى دامت قرنين هي العصر الذهبى للمذهب الحنبلى الذى بدأ أيضًا من خلال شخصيات أكابر دعاته فى صورة حركة تنطوى على خلافات فى الرأى بالرغم من التزامه الكبير بالتقاليد التى تقوم عليها العقيدة الحنبلية. الشريف أبو جعفر الهاشمى المتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ - ١٠٧٨ م) وهو يعد فى الجوهر خليفة للبربهارى وابن بطة، إلَّا أنه امتاز على وجه الخصوص بالجهود النشطة التى بذلها لتأييد العقيدة الحنبلية واستعادة سلطان الخلافة العباسية. فنراه وقتذاك فى بغداد متزعمًا لسلسلة من الانتفاضات الشعبية ضد مذهب المعتزلة والتصوف؛ وفى سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٨ م) ناهض تدريس مذهب المعتزلة بالمدرسة النظامية؛ وفى سنة ٤٦١ هـ ناهض ابن عقيل الذى أدين لتعاطفه مع فكر المعتزلة أو الحلاج؛ وفى سنة ٤٦٤ هـ شن حملة على شتى صور الفساد؛ وفى سنة ٤٦٥ هـ إلى مناهضة ابن عقيل الذى أجبر على أن يعلن على الملأ رجوعه عن معتقداته السابقة؛ وأخيرًا

стр. 4313

ناهض سنة ٤٦٩ هـ ابن القشيرى الذى عاد مرة أخرى فى محاضراته بالمدرسة النظامية إلى الهجوم على المذهب الحنبلى متهمًا إياه بتلك التهمة القديمة، وهى "التشبيه". أما أبو الخطاب الكلوذانى المتوفى سنة ٥١٠ هـ (١١١٦ - ١١١٧ م) فكان متبحرًا فى الفقه عاش بمنأى عن أى اضطراب سياسى أو قلاقل (الطبقات, جـ ٢؛ ص ٢٥٨) وقد أسدى إلى المذهب الحنبلى صنيعًا بتأليفه رسالة "الهداية" وهى مرجع مختصر ظل ردحًا من الزمن عمدة فى موضوعه. أما مصنفه "كتاب التمهيد فى أصول الفقه"، الموجود فى مخطوطة بدمشق، فمن الكتب الخليقة بالتحقيق. وثمة آثار أخرى كثيرة له يستشهد بها فى تراث هذه المدرسة، ومن ذلك رسالتان فى الاختلاف ورسالة أخرى فى موضوع ولاية الخلافة، وإن كانت هذه الرسالة موضع خلاف أكثر. ثم قصيدة موجزة فى العقيدة، وهى المعروفة "بالدالية" والتى ظلت تحفظ عن ظهر قلب فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى). أبو الوفاء بن عقيل المتوفى سنة ٥١٣ هـ (١١١٠ - ١١٢٠ م): وليس أبو الوفاء واحدًا من أعاظم علماء الحنابلة فحسب بل هو أيضًا واحد من أشهر الكتاب العرب فى النثر، وكان كثير من شيوخه من الحنفية أو الشافعية. وكان فى شبابه مهتمًا بمذهب المعتزلة وعقيدة الحلاج. وقد أشرنا فيما سبق إلى المعركتين (سنة ٤٦١ هـ = ١٠٦٩ م) و ٤٦٥ هـ = ١٠٧٣ م) اللتين كان يعارضه فيهما الشريف أبو جعفر إلى ان اضطره هذا إلى إعلان توبته عما كان يعتنقه من أفكار. وقد شن سنة ٤٧٥ هـ (١٠٨٢ - ١٠٨٣ م) هجومًا علميًا عنيفًا على مذهب الأشعرية. وحدث سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ - ١٠٩٢ م)، أى وقت قدوم ملك شاه ونظام الملك إلى بغداد، أن تم استدعاؤه ليشرح لنظام الملك معنى المذهب الحنبلى وأهميته. وقد حظى بسمعة حميدة وثناء عظيم لدى الخليفتين المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ = ١٠٧٤ - ١٠٩٤ م) والمستظهر (٤٨٧ - ٥١٢ هـ = ١٠٩٤ - ١١١٨ م) وكثر تدخله فى الحياة السياسية.

стр. 4314

كان ابن عقيل مؤلفًا غزير الإنتاج خصب القريحة على نحو خاص (الذيل، جـ ١، ص ١٥٨) ومؤلفه الضخم "كتاب الفنون"، الذى لم يبق لنا منه سوى مجلد واحد، هو رسالة فى الأدب كان ابن الجوزى يرجع إليها كثيرًا. على أن كتبه الأخرى الأكثر تخصصًا ينبغى ألا تغيب عن ذاكرتنا: وهى "كتاب الفصول" المعروف كذلك باسم "كفاية المفتى" و"كتاب الإرشاد فى أصول الدين وهو رسالته الكبرى فى هذا الباب، و"كتاب الواضح فى أصول الفقه"، وأخيرًا "كتاب الانتصار لأهل الحديث" الذى يدل عنوانه دلالة ما بعدها من مزيد على المكانة التى رفع إليها هذا المؤلف دراسة الحديث - G.Mak Ibn Akil et la resurgence de l'Islam: disi) traditionaliste, PIFD, ١٩٦٢). وفى القرن الذى سبق سقوط الخلافة سطعت فى تاريخ المذهب الحنبلى ثلاثة أسماء. أولهم الوزير ابن هبيرة المتوفى سنة ٥٦٠ هـ (١١٦٥ م) الذى تجول وهو بعد فى ريعان الشباب فى أسواق بغداد مع داع من دعاة الصوفية لحث أهلها على اتباع أحكام القرآن الكريم والسنة فى حياتهم. وكان للخليفة المقتفى الفضل فيما شغل ابن هبيرة من مناصب، فقد أقامه وزيرًا له. وثبته المستنجد (٥٥٥ - ٥٦٦ هـ = ١١٦٠ - ١١٧١ م) فى منصبه، وإن كان هذا الأمر لم يمر دون صعاب. وقد أسس ابن هبيرة سنة ٥٥٧ هـ فى حى باب البصرة مدرسة خصصت لتدريس الحديث والفقه على المذهب الحنبلى ووقف عليها مكتبته الخاصة ذات القيمة العظيمة. وقد قام برنامج ابن هبيرة السياسى على هدفين اثنين هما استعادة مكانة السنة واستعادة سلطان الخلافة. وأراد أن يوفق فى بغيته هذه، فسعى من ناحية إلى تحرير الخلافة من السيطرة السلجوقية وحث نور الدين على فتح مصر الفاطمية، كما جاهد من الناحية الأخرى لجمع كل أسر المذهب السنى حول العقيدة الحنبلية ومناهضة فكر الشيعة. وقد حوى مؤلفه "كتاب الإفصاح" بين دفتيه شرحًا لصحيحى البخارى ومسلم كما ضمنه رسالة فى الاختلاف (نشرت فى حلب سنة ١٩٢٨). والظاهر أن هذا

стр. 4315

الكتاب الذى كان يقرأ ويشرح فى المساجد حسب رغبة الوزير نال رواجًا كبيرًا وحظى بشهرة لا بأس بها فى حياة مؤلفه على الأقل (الذيل، جـ ١، ص ٢٥١ - ٢٨٩). الشيخ عبد القادر الجيلى المتوفى سنة ٥٦١ هـ (١١٦٦ م): هو مؤسس أول طريقة صوفية كبيرة، وهى الطريقة القادرية. غير أن موقفه المذهبى يصعب التثبت منه نظرًا لما تعرضت له شخصيته وأفكاره من تحريف وتشويه على يد مترجم حياته الرئيسى الشطانوفى المتوفى سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ - ١٣١٤ م) وكذلك الأساطير التى رواها عنه مريدوه. ولم يكن الشيخ عبد القادر ينتمى إلى المذهب الحنبلى عن طريق الدراسة فحسب، بل بحكم طبيعة مؤلفاته نفسها. فمؤلفه "كتاب الغنية" الذى حقق غير مرة هو رسالته الكبرى فى أصول الدين والأخلاق. وهنا سوف نجده قد جمع فى صعيد واحد بين كلام فى العقيدة ورسالة فى الآداب الشرعية وتلخيص لأحكام الفقه الأساسية ومبادئ أخرى - وكل ذلك مكتوب على منهج المذهب الحنبلى الذى يتسم بالورع والجهاد. أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ (١٢٠٠ م) وهو فقيه ومحدث ومؤرخ، وفوق ذلك كله واعظ. كان وطيد الصلة بالحياة السياسية فى عصره. وقد تتلمذ على شيوخ من الحنابلة كان كثير منهم من المشهورين. ويرجع الفضل فى نجاحه أولًا إلى المناصب التى شغلها بفضل الوزير ابن هبيرة فى خلافة المقتفى والمستنجد. فأما الفترة البارزة فى نشاطه من حيث قيامه بالدعوة الرسمية فقد بدأت فى خلافة المستضئ (سنة ٥٦٦ - ٥٧٤ هـ = ١١٧١ - ١١٧٩ م) ولم يضع ارتقاء الناصر (٥٧٥ = ٦٢٢ هـ = ١١٧٩ - ١٢٢٥ م) للخلافة حدًا لنشاط ابن الجوزى على الفور ولكنه كان بمثابة بداية لانحدار مكانته وتدهور شأنه شيئًا فشيئًا. وقد اعتقل سنة ٥٩٠ هـ (١١٩٤ م) وحبس خمس سنوات فى أحد المنازل بواسط، وما لبث أن قضى نحبه بعد إطلاق سراحه بقليل. ونستطيع القول بأن مجموعة مصنفاته

стр. 4316

الضخمة (انظر الذيل، جـ ١، ص ٤١٦ - ٤٢٠) تضم بين طياتها كل ضروب المؤلفات الإِسلامية وألوانها. فهو مؤرخ الخلافة فى كتابه "المنتظم" ومؤرخ الصوفية فى كتابه "صفة الصفوة" وقد تأثر فيهما غاية التأثر بابن عقيل وأبى نعيم الإصفهانى. كما أن كتابه "تلبيس إبليس" الذى شن فيه هجومًا على البدع التى استحدثت فى الإِسلام؛ وهو كتاب يسير على النهج الحنبلى فى مهاجمة الخصوم. على أن أفضل ما صنف هو كتبه المسماة "بالمناقب" التى خصصها لترجمة حياة الشخصيات الدينية والسياسية فى قرون الإِسلام الأولى. ولما كان ابن الجوزى ناقدًا لا يعرف المهادنة فقد وضع كذلك ردودًا يفند فيها آراء الحلاج وعبد القادر الجيلى والخليفة الناصر. وقد بقى للمذهب الحنبلى فى السنين الخمسين التالية عدة من الرجال البارزين يمثلونه فى بغداد، منهم ابن المارستانية المتوفى سنة ٥٩٩ هـ (١٢٠٣ م) وكان هذا الفقيه مشغوفًا بالعلوم الموروثة عن عصور الإغريق الغابرة، كما صنف تاريخًا لبغداد، وقد نافح بحماسة عظيمة عن سياسة ابن هبيرة فى الرسالة التى خصصها لترجمة حياته والإشادة به (الذيل، جـ ١ , ص ٤٤٢ - ٤٤٦)؛ ومحمَّد ابن عبد الله السامرى المتوفى سنة ٦١٦ هـ (١٢١٩ - ١٢٢٠ م) وكان قاضيًا فى سامراء ومحتسبًا فى بغداد وانخرط فى الخدمة بديوان الخلافة، وقد خلف رسالتين فى الفقه لهما شأن عظيم هما: "كتاب المستوعب" و"كتاب الفروق" (الذيل، جـ ٢ ص ١٢١ - ١٢٢)؛ وإسحاق بن أحمد العُلثى المتوفى سنة ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ - ١٢٣٧ م) وهو صوفى وأخو جدل لايلين، اشتهر بحاسة شديدة للإصلاح بلغت به حد انتقاد الخليفة الناصر فى السياسة التى انتهجها، وابن الجوزى لتسامحه فى موضوع التأويل (الذيل جـ ٢، ص ٢٠٥ - ٢١١). ومحيى الدين ابن الجوزى المتوفى سنة ٦٥٢ هـ (١٢٥٥ م) وهو ابن الواعظ الشهير أبى الفرج بن الجوزى، وقد اشتغل إسحاق فى خدمة الناصر والظاهر والمستنصر. وقبل مقتله هو وأبناؤه الثلاثة عند

стр. 4317

استيلاء التتار على بغداد خلف رسالة يدافع فيها عن المذهب الحنبلى. وأقام فى أثناء رحلته الرسمية مدرسة فى دمشق هى "الجوزيّة" التى أصبحت محكمة للقاضى الحنبلى. وفى الأقاليم كذلك كان للمذهب الحنبلى ظهور مبكر جدًا. ففي أصفهان كثيرًا ما يذكر أبو عبد الله بن منده المتوفى فى سنة ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ - ١٠٠٥ م) وابنه أبو القاسم المتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ - ١٠٧٨ م) باعتبارهما من الكتاب ذوى المكانة (الاختصار، ص ٣٣٩ - ٣٩٦). وفى هراة خلّف الأنصارى المتوفى سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٨ - ١٠٨٩ م) أشهر رسالة صوفية فى تاريخ المذهب الحنبلى وهى "كتاب منازل السائرين". وفى دمشق كان من أوائل شيوخ المذهب الشيخ أبو صالح مفلح المتوفى سنة ٣٣٣ هـ (٩٤١ - ٩٤٢ م) وقد أسس مسجدًا يحمل اسمه خارج الباب الشرقى (البداية، جـ ١١، ص ٢٠٤ - ٢٠٦). على أن المذهب الحنبلى أصبح راسخ القدم فى فلسطين والشام على يد أبي الفرج الشيرازي المتوفى سنة ٤٨٦ هـ (١٠٩٣ م) بوجه خاص (الطبقات, جـ ٢، ص ٢٤٨ - ٢٤٩؛ الذيل، جـ ١، ص ٦٨ - ٧٣). بل إن ابنه عبد الوهاب المتوفى سنة ٥٣٦ هـ (١١٤١ - ١١٤٢ م) الذى كان هو نفسه واعظًا ومؤلفًا لكتاب فى الرد على المذهب الأشعرى، قد أسس بدمشق أول مدرسة حنبلية عظيمة الشأن (الذيل، جـ ١، ص ١٩٨ - ٢٠١). ومن علماء الحنابلة الآخرين علا نجم أسرتين بدمشق أيام حكم بنى زنكى والأيوبيين وهما بنو منجى ثم بنو قدامة على وجه الخصوص وهم من أبناء فلسطين (Precis de: H. Laoust drou d'Ibn Kudama, فى PIFD، ١٩٥٠) ولهذه الأسرة الأخيرة ينتمى الشيخ عبد الغنى المتوفى سنة ٦٥٢ هـ (١٢٥٤ - ١٢٥٥ م) وهو محدث ذو ميول صوفية مناوئة للأشعرية، وكذلك الشيخ موفق الدين بن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (١٢٢٣ م) الذى ندين له برسالة فى الفقه الحنبلى هى "المغنى" (فى ١٢ مجلدًا، القاهرة, ١٩٢٢ - ١٩٣٠) , وكانت هذه الرسالة وما زالت

стр. 4318

عظيمة الشهرة. ومن ناحية أخرى، كانت مدينة حرّان من عهد قديم جدًا مركزًا لنشاط المذهب الحنبلى. أما أشهر شيوخ المدرسة فكان مجد الدين بن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ هـ (١٢٥٤ - ١٢٥٥ م) الذى ندين له بمصنفيه "المنتقى" (القاهرة سنة ١٩٣٢) و"المحرر" (القاهرة سنة ١٩٥٠). ٤ - المذهب الحنبلى فى ظل المماليك والعثمانيين: ظل المذهب الحنبلى على نشاطه الواسع بالشام وفلسطين فى ظل المماليك البحرية. وفى هذا العصر كان أحمد بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (١٣٢٨ م) هو أشهر من يمثل المذهب؛ وكانت أسرته قد احتمت بدمشق سنة ٦٦٦ هـ (١٢٦٧ - ١٢٦٨ م) تهيبًا من الغزو التترى الوشيك. وقد تلقى ابن تيمية تعليمه بدمشق ولم يشغف بالتراث الحنبلى فحسب بل بكل المذاهب الإِسلامية أيضًا يستوى فى ذلك شغفه وإقباله على الفقه وعلم الكلام والفلسفة. ولما كان ابن تيمية منهمكًا ومشاركًا عن قرب فى الحياة الدينية والسياسية فى عصره، فإنه سرعان ما وجد نفسه، بسبب حماسته فى الجدل، مصطدمًا بكثير من خصومه مما عرضه لمحن كثيرة. ولما حمل إلى القاهرة سنة ٧٠٥ هـ (١٣٠٥ - ١٣٠٦ م) سجن مرة حوالى ثمانية عشر شهرًا حتى سنة ٧٠٧ هـ (٢٥ سبتمبر ١٣٠٧ م). وبعد أن نفى إلى الإسكندرية سبعة أشهر أطلق سراحه الملك الناصر وأعاده إلى القاهرة بعد سقوط بيبرس الجاشنكير. وعاد إلى دمشق سنة ٧١٢ هـ (١٣١٣ م). وسجن مرة أخرى سنة ٧٢٠ هـ (١٣٢٠ م) بالقلعة قرابة خمسة شهور لاعتناقه رأيًا فى مسألة الطلاق عُدَّ من الزندقة. ثم سجن من جديد سنة ٧٢٦ هـ (١٣٢٦ م) لآرائه فى زيارة القبور حيث أنكر زيارة القبور وعدها بدعة. وكانت وفاته فى السجن بقلعة دمشق فى العشرين من ذى القعدة سنة ٧٢٨ هـ (٢٦ سبتمبر سنة ١٣٢٨ م). وسواء نظرنا إلى مصنفات أحمد بن تيمية فى المذهب أو إلى دروسه التى ألقاها أو إلى نشاطه الشخصى، فإنه فى كل هذه المجالات ترك بصمة

стр. 4319

واضحة وأثرًا عميقًا على تاريخ المذهب الحنبلى. وأهم تلاميذ ابن تيمية هو ابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ (١٣٥٠ - ١٣٥١ م؛ الذيل، جـ ٢، ص ٤٤٧ - ٤٥٣) وقد شاركه بعضًا من محنه الأخيرة. وكان واعظًا أكثر منه متكلمًا وله حاشية على كتاب "المنازل" للأنصارى (٣ مجلدات، القاهرة، سنة ١٩١٦) كما بقى لنا من مؤلفاته رسالة ذات أهمية فى أصول الفقه، وكتاب "إعلام الموقعين" (٣ مجلدات، القاهرة سنة ١٩١٥) ورسالة فى الفقه العام أدارها حول نظرية فى الأدلة وهى رسالة "الطرق الحكمية" (القاهرة، سنة ١٣١٧ هـ والطبعات التالية)، ثم منظومة فى العقيدة هى "النونية" انصرف كلامه فيها بصفة خاصة إلى الهجوم على الجهمية ومذهب الاتحاد (صدرت منها طبعات كثيرة بالقاهرة منذ سنة ١٩٠٢ م). عبد الرحمن بن رجب المتوفى سنة ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ م) وهو من أسرة كانت نشأتها فى بغداد ولكن المقام استقر بها فى دمشق. وقد تتلمذ على ابن القيم. ولما كان فقيهًا أصوليًا ومحدثًا فقد اكتسب لنفسه بمصنفه "الذيل" صفة المؤرخ المثبت الدقيق للمذهب الحنبلى. ومؤلفه الفقهى الضخم "القواعد" (القاهرة، ١٩٣٣) حرى بأن يكون رسالة تتناول موضوعًا واحدًا. ولابن رجب أيضًا عدة رسائل يسعى فيها لتوطيد دعائم موقف السلف، على أساس من العقيدة مع الاستمساك بشئ من الصلابة فى الرأى. وفى ظل حكم المماليك الجراكسة (٧٨٤ - ٩٢٣ هـ = ١٣٨٢ - ١٥١٧ م) فقد المذهب الحنبلى بعض ماله من مكانة فى الشام وفلسطين لأسباب من العسير التأكد منها، على أنه ليس ثمة ريب فى أن من بين ما يعين على جلاء الأمر وتعليل هذا الاضمحلال النسبى عداء المذهب الحنبلى لمدرسة ابن عربى ومذهب الاتحاد اللذين كان أثرهما فى نمو وازدياد. ومع ما اعتور المذهب الحنبلى من ضعف كبير، فإنه لم يغب عن الساحة غيابًا كاملًا. فقد كانت تمثله أسر عظيمة من الفقهاء الذين احتكروا

стр. 4320

التدريس كما احتكروا الوظائف الرسمية، كما يتميز هذا المذهب بكثيرين من علماء الأصول الذين تستوجب مكانتهم منا أن نعمل على إبرازها. وثمة قائمة بأسمائهم فى كتاب "مختصر طبقات الحنابلة" الذى ألفه المفتى الجليل للحنابلة فى دمشق الشيخ محمد جميل الشطى (نشر فى دمشق سنة ١٣٣٠ هـ = ١٩٢١ م) وهو يعتمد على كتاب "المنهج الأحمد" - الذى لم ينشر حتى الآن - لمجير الدين العُليمى المتوفى سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) مؤرخ القدس والخليل. قاضى القضاة برهان الدين بن المفلح المتوفى سنة ٨٨٤ هـ (١٤٧٩ - ١٤٨٠ م) وهو سليل أسرة أمدت المذهب الحنبلى بعلماء آخرين كثيرين يضارعونه فى الشهرة وذيوع الصيت، وقد صنف فيما صنف تاريخًا للمذهب الحنبلى، لم يقم أحد بتحقيقه حتى الآن. علاء الدين المرداوى المتوفى سنة ٨٨٥ هـ (١٤٨٠ - ١٤٨١ م) معروف على وجه الخصوص فى تراث المذهب بمرجعه الضخم فى الفروع وهو "كتاب الإنصاف" وبرسالة فى أصول الفقه هى "كتاب التحرير فى أصول الفقه". وقد بدا أثره واضحًا جليًا على كثيرين من علماء مصر فى هذا العصر (المختصر، ص ٦٩) وأتم كتابه شهاب الدين العسكري المتوفى سنة ٩١٢ هـ (١٥٠٦ - ١٥٠٧ م؛ المصدر السابق، ص ٧٨ - ٧٩). وبعد فتح الشام ومصر (١٥١٧ م) لم يكن نظام الحكم العثمانى موافقًا للمذهب الحنبلى، إلى حد أنه جعل الصدارة للمذهب الحنفى أو الماتريدى. على أن كثيرًا من العلماء فى الشام وفلسطين ومصر خليقون بأن نذكرهم هنا: شرف الدين موسى الحُجاوى المتوفى سنة ٩٨٦ هـ (١٥٦٠ - ١٥٦١ م) من أبناء القدس وقد كان موضع ثقة عظيمة فى هذه البلاد الثلاثة. وما يعنينا فى المقام الأول أنه مؤلف "كتاب الإقناع" (نشر بالقاهرة) الذى ظل على مدى زمن طويل من الرسائل الأساسية فى الفقه الحنبلى، وما يزال يرجع إليه بصفة مستمرة (المختصر، ص ٨٥).

стр. 4321

منصور البهوتى المتوفى سنة ١٠٥١ هـ (١٦٤١ م) وقد قام بالتدريس بجامعة الأزهر، وخلف أيضًا عدة رسائل ذات قيمة. ابن العماد المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ (١٦٧٩ م) ولد بدمشق وتلقى العلم بالقاهرة وتوفى بمكة. وهو فى المقام الأول، وفى عيون الأجيال التى تلته - مؤلف "شذرات الذهب" (المختصر، ص ٦١). على البرادعى المتوفى سنة ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ - ١٧٣٨ م) كان واعظًا رسميًا بمسجد سنان باشا بدمشق وتولى أمر المدرسة العمرية، وقد أثر عنه أنه كان واعظًا عظيمًا (المختصر، ص ١٢٣). الشيخ عبد الرحمن البَعْلى المتوفى سنة ١١٩٢ هـ (١٧٧٨ م) وقد أنجبت أسرته أيضًا علماء مبرزين آخرين فى العلوم الإِسلامية. وانخرط عبد الرحمن فى صوفية ابن عربى وابن الفارض بإرشاد الشيخ عبد الغنى النابلسى (المختصر، ص ١٣٣) - الأمر الذى لا يعد ظاهرة قائمة بنفسها، إذ إن المذهب الحنبلى لم يعدم من الحنابلة من سعوا إلى الجمع فى ذكاء بين الشريعة والحقيقة جنبًا إلى جنب. وأبرز حقيقة فى تاريخ المذهب الحنبلى فى ظل حكم العثمانيين هى ظهور المذهب الوهابى على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ (١٧٩٢ م؛ انظر H. Laoust: Essai sur Ibn Taymiya، ص ٥٠٦ - ٥٤٠). ولد محمد بن عبد الوهاب بالعُيَيْنَة حوالى سنة ١١١٥ هـ (١٧٠٣ م) ولكنه تلقى القدر الأكبر من علومه فى مكة والمدينة، ونجح فى استمالة الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية إلى دعوته بعد عدة محاولات لم يكتب لها النجاح. وهكذا ولدت الدولة السعودية سنة ١١٥٧ هـ (١٧٤٤) واستطاعت بعد تقلبات شتى أن تبقى. وما يزال محمد بن عبد الوهاب عبر هذا التاريخ الطويل، هو مُنَظِّر هذه الحركة الأول المشهود له بالقدح المعلى فى ذلك. وعلاوة على كتب أخرى كثيرة فى العقيدة ألفها محمد بن عبد الوهاب، فإن أخطر مؤلفاته شأنًا هو "كتاب التوحيد"

стр. 4322

(طبعت منه طبعات كثيرة). ويمكن العثور على المؤلفات التى تحمل سمة الحركة فى "مجموعة التوحيد النجدية" (القاهرة سنة ١٣٤٦ هـ) و"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" (القاهرة ١٣٤٦ هـ, ٤ مجلدات). واستفاد محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه استفادةً عظيمة من مؤلفات أحمد بن تيمية، ولا سيما "الواسطية" و"السياسة الشرعية" و"منهاج السنة" وسائر رسائل ابن تيمية التى حمل فيها على تقديس الأولياء وعلى صور بعينها من الصوفية فى مقدمتها مذهب الاتحاد. ويأتى بعد ابن تيمية، ابن القيم الذى يستشهد بمؤلفاته كثيرًا هو الآخر، وإن كان هناك مؤلفون آخرون من المتقدمين أو المتأخرين، مثل القاضى أبى يعلى أو الحجاوى اللذين رجع إليهم أيضًا الكتاب الوهابيون. على أن الوهابية لم تكتسب داخل المذهب الحنبلى تأييدًا مطلقًا أو مجمعًا عليه، فقد كان من المؤلفين الحنابلة من لم يتبع الوهابية بل ناصبها العداء أيضًا: ومن أمثال هؤلاء ابن حميد المكى المتوفى سنة ١٢٩٥ هـ (١٨٧٨ م؛ Brockelmann, قسم ٢, ص ٨١٢) وهو صاحب مجموعة هامة من التراجم الحنبلية وهى "السحب الوابلة"، وتحقيق هذا الكتاب من شأنه أن يسهم إسهامًا عظيمًا فى فهم أفضل للإسلام فى الزمن الحديث والمعاصر. إن الوهابية التى ناقشها الناس بحماسة وانفعال إبان ظهورها وفى أوقات أخرى من تاريخها كان لها خصوم ألداء فى الامبراطورية العثمانية وفارس وبلدان عربية مختلفة، واستطاعت أن تخلف أثرًا باقيًا وعميقًا - وإن تفاوت مقدار بقائه وعمقه - فى بلاد المغرب العربى والهند وشبه جزيرة العرب. وقد اتضح أثرها على الحركة الشامية المصرية للإصلاح الإِسلامى، وعلى الأخص فى شخص رشيد رضا المتوفى سنة ١٩٣٥ م فى الحقبة التى أعقبت الحرب العالمية الأولى. وقد كان هناك سعى فى بعض الأحيان للتأثير عن طريق المذهب الحنبلى فى مولد حركة الإخوان المسلمين (راجع J. Heyworth - Dunne: Religins and Political trends in modern

стр. 4323

Egypt، ص ١٦). أما فيما عدا ذلك، فما يزال الفقه الحنبلى يفعل فعله إلى حد كبير فى المملكة العربية السعودية. كما صدر الكثير من كتب الحنابلة فى غضون القرن الماضي، لا فى شبه الجزيرة العربية فحسب، بل فى الهند والشام ومصر أيضًا. المصادر: (١) Ie hanbalisme sous le: H. Laoust - ٨٥٦ - ٦٥٦ - ٢٤١) caliphat de Baghdad (١٢٥٨ فى REI، سنة ١٩٥٩، ص ٦٧ - ١٢٨. (٢) المؤلف نفسه: le hanbalisme sous les Mamhauks Baharides فى REI، سنة ١٩٦٠، ص ١ - ٧١. كما يمكن أن نشير هنا إلى المصادر الآتية المنشورة. (٣) أبو الحسين (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ = ١١٣٢ م): طبقات الحنابلة، تحقيق: محمد حامد الفقى، مجلدان، القاهرة , ١٣٧١ هـ = ١٩٥٢ م. (٤) ابن رجب (المتوفى سنة ٧٩٥ هـ = ١٣٩٣ م): ذيل على طبقات الحنابلة، تحقيق جزء منه قام به لاوست والدهان, PIFD, سنة ١٩٥١، وتحقيق كامل قام به: محمد حامد الفقى، مجلدان، القاهرة, ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣ م. (٥) النابلسى (المتوفى سنة ٧٩٧ هـ = ١٣٩٥ م): كتاب الاختصار، تحقيق: أحمد عبيد، دمشق، سنة ١٣٥٠ هـ - ١٩٣٢ م (٦) ابن العماد (المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ = ١٦٧٨ م): شذرات الذهب، ٩ مجلدات، القاهرة، ١٣٥١ هـ (١٩٣٣) (٧) جميل الشطى: مختصر طبقات الحنابلة، دمشق, ١٣٣٩ هـ - ١٩٢١ م. ومن الكتب التمهيدية المفيدة فى الموضوع: (٨) ابن بدران: مدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، دمشق، بدون تاريخ. معتز محمود [هنرى لاوست H. Laoust] الحناطة هى التطييب، وجذر الكلمة مألوف فى اللغات السامية، ويعنى أولا "تغير اللون" وبخاصة فى الثمرة الناضجة

стр. 4324

(ومن هنا حنطة = "قمح") ومن ثم الأثر الذى تخلفه الزيوت العطرية إلخ .. والمعنيان موجودان فى العربية والعبرية. وتفسر كلمة حَنَّاط (العربية) فيقال إنه الشخص الذى يحترف الحناطة؛ ويشرح السمعانى كلًا من كلمة "حَنَّاط" و"حَنّاطى" فيقول إنهما يطلقان على بائع الحنطة. ويبدو أن اللغة الآرامية وحدها هى التى تعنى بكلمة "هَنَّاطا" المُحَنِّط. والحنوط هو طيب، أو مرهم ذو رائحة زكية، ولكنه يرتبط بالموت على الدوام؛ وكان العرب حين يستعدون للحرب يضمّخون أنفسهم بالحنوط، ليكونوا أقوياء فى مجابهة الموت (عبيد بن الإبرص (١)، سنة ١٩١٣, ص ١٧). وثابت بن قيس الذى حمل راية الأنصار، حنط نفسه، وارتدى كفنه واحتفر حفرة غطس فيها حتى ظنابيب ساقيه، وحارب منها حتى قتل. وتردّ هذه العادة إلى ثمود، ذلك أنهم: لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع، وتحنطوا بالصبر لئلا يجيفوا وينتنوا. ولم يكن هذا التقليد مقصورًا على المحاربين؛ لأن ثمة شاعرًا يقول: "وكل ذى عمر يومًا سيحتنط"؛ ولم يكن هدفه المنفعة بالتأكيد لأن الإنسان وهو على شفا الموت، يجب أن يتطيب "تشريفًا للملائكة". ولم يحنط الشهداء، بما فيهم الحاج الذى هلك بسقوطه عن جمله. ويروى الإنجيل عبارة مماثلة هى "فطيبت جسدى سالفًا للدفن (٢) ". وكانت الأفاوية تحمل إلى القبر. وكان الحنوط أنواعًا مختلفة؛ وعبارة "أفضل حنوط هو الكافور" تناقض عبارة "كافور وحنوط" وعبارة "ضعوا الحنوط على رأسى ولحيتى، والكافور على مواضع سجودى", أى أجزاء الجسم التى تلمس الأرض فى أثناء الصلاة، ومقدمة الرأس (الجبين والأنف)، وأطراف اليدين، والركبتين، وأصابع القدمين. ويصنع الحنوط من

стр. 4325

ذريرة من نبات الأسل الحلو، أو من خليط من المسك والعنبر (والراجح من الزعفران)، أو من كافور أو قصب هندى، أو من خشب الصندل المسحوق. وقد أصر البعض على الكافور الجاف، ومنع آخرون استعمال الزعفران حنوطًا للذكور. وبالنسبة لحنوط الميت، يعد المسك ألطف من الكافور، والكافور أفضل لتجفيف الجسد، وحفظه باردًا، وزيادته صلابة، وفى إبعاد الحشرات عنه. ويجب ألا يوضع الكافور فى الماء الذى غسل به الجسد، بل يوضع فوق الجسد بعد أن يجف. وقال بعضهم إن الحنوط لا بد أن يوضع فوق الجسد، وقال آخرون، إنه ينبغي أن يوضع بين الأكفان، وألا يوضع فوقها، وقد سمحت جماعة ثالثة بوضع الحنوط على الأكفان وعلى النعش. فكيف كان يستعمل الحنوط إذن؟ جميع العبارات المستعملة يشوبها الغموض، ولكن ثمة عبارات كثيرة جدًا ليس ثمة شك فى مدلولها. كان الحنوط يوضع على العيون، والأنف والأذنين والبطن، وتحت الذقن والإبطين، وفوق السرة, وبين الفخذين، وخلف الركبتين، وعلى كعبى القدمين. وقد يسد البعض فتحات الجسم بالقطن، ويضعه بعضهم فى فتحة الشرج، ويضيف أحد الكتاب بأن الغرض من ذلك هو إبعاد الديدان. وقد منع واحد من أهل النظر، الإسراف فى استعمال القطن, لأن الجثة يجب أن تكون مثل عود واحد، وليس مثل الحزمة. ويجب ألا يوضع القطن فى الأنف، والحنجرة أو فى فتحة الشرج. وكان ثمة عادة تقتضى وضع سكين أو ثقل فوق البطن خشية أن ينتفخ القلب أو ينفجر البطن قبل الدفن. ولم تصل هذه العادات إلى ما يسمى الآن بالتحنيط. فقد قتل رجل فى البصرة فى أثناء فتنة الزنج سنة ٢٥٧ هـ (٨٧١ م)، ولم يعثر على جسده إلَّا بعد عامين؛ ولم يصبه أى تغير (لم يتحلل جسده) ولكن الجلد كان ملتصقًا بالعظام، ولم يكن بطنه مبقورًا. وثمة تفسير محتمل للعبارة الأخيرة، هو أن العرب كانوا يعرفون [حينئذ] نزع أحشاء الموتى. وقد حكم البعض بأن إخراج الجثة من

стр. 4326

القبر، لم يكن أمرًا مشروعًا, ولكن إعادة الدفن كان أمرًا شائعًا كل الشيوع مما يستدعى الالتفات. والأرجح أن تؤخذ عبارة "أخرجت عظامه، وأعيد دفنها" بمعناها الحرفى. وفى زمن لاحق، نجد كلمة صَبْر، من صَبِر، وتعنى عصارات نبات الصبر، أو عصارات بعض النباتات المرة الأخرى، كانت مستعملة مرادفة للحنطة. ويبدو أن عصارات الصبر ذكرها بعض الكتاب العرب فى قصة ثمود وحسب؛ بيد أنها لم ترد فى غير ذلك إلَّا فى معجم سرياني. وهناك كثير من القصص افترضت وجود التحنيط. ففي سنة ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م) مات رجل فى الموصل وحمل جسده إلى بغداد، والحلة، والكوفة، وارتحل به رحلات قصيرة إلى كربلاء, والنجف، ثم إلى مكة، وعرفات، حيث عومل معاملة الحجاج، وحمل آخر الأمر إلى المدينة ليدفن فى الرباط الذى سبق أن أقامه. وفى سنة ٦١٥ هـ (١٢١٨ م) توفى أمير دمشق؛ وظل أمر موته سرًا، وحنط جسده، ووضع فى محفة، ومعه عبد يقوم بالتهوية عليه، ثم حمل إلى دمشق. وفى سنة ٥٥٦ هـ (١٥٢٧ م). مات رجل فى بغداد، وحمل جسده مع الحجاج أثناء العودة إلى وطنهم، ولهذا تركت جثته لدى بعض البدو حتى العام التالى. وتوحى الشواهد بأن التحنيط كان له أثر، وأنه منع تحلل الجسد. ومن ناحية أخرى نجد ابن بطوطة (جـ ٢، ص ٣١٣, ترجمة كب Gibb, جـ ٢، ٤٤٧) يقول إن أحد أبناء صاروخان، حنط ووضع فى تابوت، ودفن فى كنيسة صغيرة ليس لها سقف، حتى لا تفوح الرائحة المنتنة، وقد حدث ذلك كما يبدو سنة ٧٣١ هـ (١٣٣١ م). وحين مات سيف الدولة سنة ٣٥٦ هـ (٩٦٧ م) غسل جسده بالماء عدة مرات، وبأنواع كثيرة من الطيب، ودهن بالمر والكافور؛ ووضع ١٠٠ مثقال من الغالية على صدغيه ورقبته و ٣٠ مثقالًا من الكافور فى أذنيه وعينيه وأنفه وقذاله. وكان ثمن الأكفان ١٠٠٠ دينار؛ ووضع جسده فى تابوت، ونثر فوقه الكافور. ولما مات ابن كلّس سنة ٣٨٠ هـ (٩٩٠ م) وهب له الخليفة الأكفان، وكانت ٥٠

стр. 4327

درجًا من الكتان الديبقى، يزن كل درج منها ٣٠ مثقالا لما اشتملت عليه من خيوط الذهب، وكان حنوطه صندوقًا من الكافور، وقارورتين من المسك، وحمل خمسون رجلًا ماء الورد، وبلغت جملة تكاليفه ١٠٠٠٠ دينار (المقريزى، الخطط سنة ١٢٧٠ هـ, جـ ٢، ص ٧؛ وتبدو كلمة الحنوط هنا اسم جمع للعطور). ولعل الأجساد التى تحمل للدفن فى كربلاء والنجف، كانت توضع فى توابيت غليظة، أو تُلف فى الحصير، وكان التحنيط على أى شكل بدائيًا، ذلك أن الرائحة المنتنة كانت مريعة. وتزودنا المعاجم الحديثة بمعنى "يحنط"، ولكن لسان العرب، يقول: "أحنط الرمث، أبيض وأدرك"؛ وفى تونس الآن، قد يكون الحنوط من المادة الصمغية للفستق، والقرنفل، وبراعم الورد. المصادر: (١) لسان العرب، وتاج العروس، وهذه المادة. (٢) Dozy: الملحق، ومادة "صَبَرَ". (٣) البخارى، صحيح (كتاب الجنائز)، الشروح. (٤) كتب الفقه السنية. (٥) ابن الحجاج، المدخل سنة ١٩٢٩, جـ ٣، ص ٢٣٧ - ٢٧٢. (٦) Renaissance des Islam: Mez ص ٣٧١. حسن شكرى [أ. س. تريتون A.S. Tritton] حنظلة بن صفوان حنظلة بن صفوان بن زهير الكلبى. تقلد ولاية مصر سنة ١٠٢ للهجرة (٧٢٠ - ٧٢١ م) من قبل الخليفة يزيد الثانى، فحل بذلك محل أخيه بشر بن صفوان الذى أنفذ إلى إفريقية. وقد دمر حنظلة الصور والتماثيل بأمر من يزيد، وحكم زهاء ثلاثة أعوام (شوال سنة ١٠٢ هـ - شوال سنة ١٠٥ هـ) إلى أن أقاله هشام. وقد اضطر هشام بعد ذلك إلى أن يعيده إلى مصر عندما تبين أن خلفه عبد الرحمن بن خالد كان من العجز بحيث عرض البلاد لغزو البوزنطيين

стр. 4328

(٧ من شعبان سنة ١١٨ = ٢٠ من أغسطس سنة ٧٣٦ م)، واستمرت ولاية حنظلة خمس سنوات وثمانية أشهر إلى أن تزعزع سلطان العرب فى المغرب بقيام دولة البربر، وهم من الخوارج، فأفنوا جيشًا عربيًا على شطوط وادى سبو وقتلوا الوالى كلثوم. وكان مجئ حنظلة فى الوقت المناسب لرد البربر الذين غزوا إفريقية وزحفوا صوب القيروان فأنزل الهزيمة بجيش كان يقوده عكاشة عند القرن، وأسر عكاشة ثم قتله، كما مثل بجيش آخر عند الأصنام يقوده عبد الواحد بن يزيد الذى سقط قتيلًا فى المعركة (جمادى الآخر عام ١٢٤ هـ = أبريل - مايو عام ٧٤٢ م). وكان الاضطراب الذى نشأ عن سقوط بنى أمية له أثره المحسوس فى المغرب كذلك، فإن عبد الرحمن بن حبيب، وهو من سلالة عقبة بن نافع، عاد من الأندلس وقوى عضده حتى طرد حنظلة. ولم يقاومه حنظلة لاعتبارات دينية، ولكنه غادر القيروان فى جمادى الأولى سنة ١٢٧ هـ (فبراير - مارس سنة ٧٤٥ م) وعاد إلى المشرق وهو يلعن إفريقية، وفى رواية أخرى أن عودته كانت سنة ١٢٩ هـ (يناير - فبراير سنة ٧٤٧ م). المصادر: (١) ابن عذارى: تاريخ إفريقية، جـ ١ ص ٤٥ - ٤٨, وما بعدها. (٢) ابن عبد الحكم: تاريخ فتح الأندلس طبعة Jones, كوتنكن ١٨٩٨. ص ٢٣ - ٢٤. (٣) الطبرى، جـ ٢ ص ١٨٧١. (٤) ابن واضح اليعقوبى: التاريخ, جـ ٢، ص ٣٨٢. (٥) ابن الأثير: الكامل، طبعة القاهرة ١٣١٢, جـ ٥، ص ١٢٤, ص ١٤٧. (٦) ابن خلدون: تاريخ إفريقية وصقلية طبعة باريس ١٨٤١، ص ١٣ - ١٤ من المتن، وص ٣٨ - ٤١ من الترجمة. (٧) ابن خلدون: كتاب العبر، جـ ٦، ص ١١١. (٨) المؤلف نفسه: تاريخ البربر ترجمة de slane، جـ ١، ص ٢١٧ - ٢١٩.

стр. 4329

(٩) النويرى على هامش الجزء الأول من تاريخ البربر ص ٣٦٢ - ٣٦٥. (١٠) ابن دينار: المؤنس، طبعة تونس ١٢٨٦ هـ, ص ٢٩٧ - ٣٠٢, ٣٢٢ - ٣٢٣. عباس محمود [رينيه باسيه Rene Basset] حنظلة بن صفوان من أهل "الفترة"، وقيل أنه نبى أصحاب الرس الذين أساءوا إليه وقتلوه قبل أن يهلكوا هم أنفسهم. والظاهر أن هذه القصة نشأت فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى؛ انظر الجاحظ: التربيع تحقيق بلا, الفهرس)، على أن ابن قتيبة لم يذكر حنظلة ضمن أنبياء "الفترة" واكتفى المسعودى (المروج، جـ ١ ص ١٢٥؛ جـ ٣، ص ١٢٥) بالحديث عنه فى سطور قليلة. ثم حدث من بعد أن بعض مفسرى القرآن الكريم لم يجدوا مندوحة من ان يلتمسوا تفسيرًا للعبارة القرآنية "أصحاب الرس" (سورة الفرقان، الآيات ٣٨ - ٤٠) فتوسعوا فى القصة توسعًا ذاع أمره، وانتهى بهم ذلك إلى أن نسبوا إلى حنظلة الشأن الذى كان لخالد بن سنان من أنه هو الذى طرد أو قضى على الطائر الخرافى "العنقاء" التى كانت تنزل الدمار بأصحاب الرس (القزوينى: عجائب المخلوقات، طبعة فستنفلد، ص ٣٦٧): وكان لهؤلاء قرب عدن بئر تمدهم بالماء الوفير وملك يحكمهم بالعدل ويكفل لهم السعادة. فلما مات هذا الملك حنّطه شعبه حتى يبقوا على صورته وتسلل الشيطان إلى جسد الملك الميت وأعلن أنه لم يمت فحثهم بذلك على عبادة هذا الصنم بعد إذ أمر بأن يختفى خلف قناع. وقيل بأنه أُرسل إلى هؤلاء الناس حنظلة بن صفوان العبسى، ليكشف لهم خدعة الشيطان ويردهم إلى عبادة الله، ولكن أصحاب الرس لم يصدقوا كلامه وقتلوه ورموه فى البئر. ولم يلبث عقاب الله أن نزل بهم فقضى عليهم. المصادر: علاوة على ما ذكر فى صلب المادة: (١) الثعلبي: قصص الأنبياء، القاهرة سنة ١٢٩٢ هـ ص ١٢٩ - ١٣٣. (٢) الدميرى: كتاب الحيوان، مادة العنقاء.

стр. 4330

(٣) المقدسى، جـ ٣، ص ١٣٤ من المتن، وص ١٣٨ من الترجمة. (٤) Contes, etc.: R. Basset, جـ ٣، ص ٨٦ - ٨٨, وهو هنا يستشهد بفقرة من ابن كثير: البداية، جـ ٢ متبعًا - Ham ongines russes: mer, سانت بطرسبرغ سنة ١٨٥٢، ص ١٥ - ١٦, ٨٧, ويقرن قوله بدراسة مقارنة للقصة والشيطان الذى يتخذ هيئة الميت. خورشيد [بلا Ch. Pellat] حنظلة بن مالك قبيلة عربية من بنى معد، نسبها حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ومن بطونها الهامة البراجم وإليها ينتسب الفرزدق الشاعر؛ ودارم ويربوع. ويرفع الشاعر علقمة بن عبادة نسبه إلى حنظلة. وكانت حنظلة تسكن جُراد والمبَروُت وهما تلان من الرمال بالقرب من حمى ضَريَّة باليمامة. ومن بلادهم الصَمّان وفيها كثير من الآبار وطرق الرى، والرقمتان. ومن وديانهم الغمتين ووادى العرِق. ومن بحيراتهم "خَبى" وتذكر خطأ باسم جبى (انظر Register: Wustenfeld، ص ٢٠٣) واللواحظ؛ وبها أيضًا جبال كرفة. تاريخها: كان لحنظلة شأن كبير فى أيام العرب. ففى يوم أوارة الثانى الذى حدث فى الدهناء بالقرب من البحرين أمر الملك اللخمى عمرو بن هند بأن يدفن مائة دارمى من حنظلة أحياء؛ لأن أخًا له كان فى جوار زرارة بن عدس شيخ قبيلة دارم قتله سويد بن ربيعة زوج ابنة زرارة. ومن ثم لقب عمرو بالمحرّق. وأشعلت قبيلة عامر بزعامة الأخوص أخى خالد بن جعفر الحرب على حنظلة لأن حاجب بن زرارة أجار حارث بن ظالم بعد أن قتل خالد بن جعفر رئيس قبيلة عامر بن صعصعة. فسطوا على قافلة لهم عند "رحرحان" وسبوا نساءهم، وأسروا معبدًا أخا حاجب واستولوا على إبله. وكان ذلك سبب الوقعة التى نشبت بين عامر وتميم.

стр. 4331

وفى الحرب التى نشبت بين بكر بن وائل وبين تغلب بزعامة شرحبيل وسلمة ابنى الحارث بن عمرو المقصور شيخ قبيلة كندة فى يوم كلاب الأول الذى وقع فى الدهناء، كانت حنظلة تقاتل فى صفوف قبيلة بكر بن وائل - ثم تركتها بعد ذلك فى المعمعة ولاذت بالفرار، فانتقمت اللواحظ - وهى بطن من بطون بكر بن وائل - من قبيلة حنظلة، وانضم إلى اللواحظ أقاربهم من بنى ذهل وبنى عجل فأغاروا على حنظلة وأسروا منهم أسرى كثيرين، واستولوا على أسلاب وغنائم كثيرة، وكان ذلك فى وسيط بناحية تمان من أعمال الدهناء. وفى يوم كلاب الثانى الذى نشبت الحرب فيه بين بلحارث وهمدان وقضاعة وغيرهم من ناحية، وبين تميم من ناحية أخرى، قاتلت حنظلة فى صفوف تميم. وادّعت سجاح النبوة، وكانت قد نشأت فى قبيلة تغلب بأرض الجزيرة، وكثر أتباعها من التغالبة ومن إياد وقضاعة إبان خلافة أبى بكر. فانحاز إليها كثير من الحناظلة نخص منهم بالذكر بنى يربوع، فجرد عليهم أبو بكر جيشًا بقيادة خالد بن الوليد فأخضعهم وأدوا الجزية. المصادر: (١) الهمدانى: الجزيرة (طبعة Mueller) ص ١٣٨، س ١٠ - ١٥، ص ١٤٨, س ٩, ١١, ص ١٥٣, س ١٨، ص ١٦٥، س ١٤, ص ١٧٠، س ١٨، ص ١٧٩, س ٦, ص ١٨٢ س ١٤. (٢) ياقوت: المعجم، طبعة - Wuesfen feld، جـ ٢، ص ٢٦١، ٣٤٨, ٤٠١, ٨٠١، جـ ٣، ص ١٨٢، ٣٨٤، ٤١٧, ٦٥١, ٧٨٥, ٨١٨, جـ ٤، ص ٢٦٠، ٧٤٤. (٣) الأغانى، جـ ١١، ص ٦٥، جـ ١٩، ص ٥، وص ١٢٩ - ١٣٠ وانظر الفهرس أيضًا. (٤) Essai sur: Caussin de Perceval l'hist. des Arabes avant I'Islamisme, جـ ٢، ص ١٢٠ - ١٢٤, ٢٩٧ - ٢٩٨, ٤٦٠ - ٤٧٢, ٥٨٠ - ٥٩٢, ٦٠٣, جـ ٣ ص ٣٥٤, ٣٦٤, ٣٦٦. (٥) Geneal. Tabel -: F. Wustenfeld len، جـ ٢ Table K. and Register: ص ٢٠٣. عباس محمود [شليفر J. Schleiferr]

стр. 4332

الحنفية هم أولئك المسلمون من أهل السنة الذين اتبعوا مذهب أبى حنيفة (المتوفى عام ١٥٠ هـ = ٧٦٧ م؛ ) الذى جمعه تلاميذه وضمّنوه تواليفهم الصحاح التى تتفاوت فى إسهابها. وأبو يوسف والشيبانى هما بخاصة تلميذا أبى حنيفة المباشران اللذان توسعا فى فقه أستاذهما مهتدين بهديه، وأقاما المذهب الحنفى على قواعد راسخة. وثمت مذاهب أخرى نافست هذا المذهب، فقد نشأ من بعده مباشرة مذهب مالك ثم تلا ذلك مذهب الشافعى، وتشيعت لهما بعض أقطار العالم الإِسلامى أكثر مما تشيعت للحنفية. على أن هذا المذهب استطاع دائمًا أن يمكن لنفسه فى الأقطار الشرقية للخلافة الإِسلامية ثم انتهى الأمر بغلبته على جميع المذاهب فى الامبراطورية العثمانية. أضف إلى ذلك أن معظم أهل السنة فى آسية الوسطى وفى الهند البريطانية من أتباعه. ولسنا بصدد كتابة مدخل لتاريخ المذهب الحنفى، ومن ثم فإننا لن نحاول فى هذا المقام تحديد الصلة بين هذا المذهب وغيره من المذاهب. ذلك أن القواعد التى يقوم عليها تماثل القواعد التى تستند إليها المذاهب الأخرى. هذا وقد اكتفى العرب بأن يجمعوا المواد الخاصة بالتراجم والكتب فيما يعرف بالطبقات, ومن خير هذه الطبقات الموجز الذى ألفه ابن قطلوبغا ونشره فلوكل Fluegel بعنوان - Die Klas sen der Hanefitischen Rechtsgelhrten فى Abhardi. der Koe-Saechs. Gesells. der Wissench .. المجلد الثامن ليبسك ١٨٦١ م. وحسبنا أن نذكر هنا عددًا قليلًا من أهم المختصرات الفقهية التى تعد حجة بين أتباع هذا المذهب ومن هذه المختصرات كتاب الخراج لأبى يوسف، والجامع الصغير للشيبانى، ومختصر القدورى، والهداية للمرغنانى، وشروحها وخاصة الوقاية لبرهان الدين محمود، والفرائض للسجاوندى، وكتاب مجمع البحرين لابن الساعاتى، وكنز الدقائق للنسفى، وملتقى الأبحر للحلبى. خورشيد

стр. 4333

+ الحنفية، المذهب الحنفى نسبة إلى أبى حنيفة النعمان بن ثابت، وقد نما هذا المذهب من صلب مدرسة الكوفة القديمة، واستوعب مدرسة البصرة القديمة أيضًا. ونحن نجد فى زمن متقدم يرجع إلى الجيل الذى تلا أبا حنيفة المتوفى سنة ١٨٢ هـ (٧٩٥ م) أن أبا يوسف أشار إليه بقوله "الإمام الأعظم" (كتاب الخراج، جـ ٢)، ويتحدث الشيبانى المتوفى سنة ١٨٩ هـ (٨٠٥ م؛ ) عن أتباع أبى حنيفة. ويردد الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ (٨٢٠ م؛ ) القول بأن أتباع أبى حنيفة جماعة متجانسة (اختلاف الحديث على هامش كتاب الأم، جـ ٧، ص ١٢٢, ٣٣٧ وغير ذلك من المواضع). وقد تحول معظم مادة مدرسة الكوفة القديمة إلى المذهب الحنفى بفضل النشاط الواسع لأبى يوسف فى التأليف عامة، وبفضل أمهات الكتب التى ألفها الشيبانى خاصة وهى "كتاب الأصل" (بدأ بتحقيقه شفيق شحاته، القاهرة سنة ١٩٥٤) وكتاب "الجامع الكبير" (بتحقيق أبى الوفا الأفغانى، القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ)، وكتاب "الجامع الصغير" (بولاق سنة ١٣٠٢ هـ على هامش كتاب الخراج لأبى يوسف)، وأصبحت هذه الكتب عمدة المذهب الحنفى، وأصبح أبو يوسف والشيبانى يعدان الصاحبين الأكبرين لأبى حنيفة، وغدا ثلاثتهما أوثق مراجع هذا المذهب، ولو أن أصحابًا آخرين له مثل زفر بن الهذيل والحسن بن زياد اللؤلؤى لا يقلون عنهما شأنًا فى ذلك الزمان. وهم يختلفون فيما بينهم كثيرًا، على أن صفة الوحدة فى المذهب الحنفى أقل وضوحًا بكثير من المذاهب الأخرى (والخلافات فى الرأى بين هؤلاء الأثبات الثلاثة سجلها أبو الليث السمرقندي فى كتابه "مختلف الرواية"). وقد أصبح أبو حنيفة ومذهبه لأسباب عارضة، الهدف الرئيسى لأهل الحديث فى إنكارهم للأخذ بالرأى فى مسائل الفقه. ونشأ المذهب الحنفى فى العراق ومن ثم أيده الخلفاء العباسيون الأولون. وقد عرض دائمًا العرض الحسن فى موطنه وفى الشام. وانتشر مبكرًا فى المشرق، فامتد إلى خراسان،

стр. 4334

وما وراء النهر، وأفغانستان (حيث يعترف الدستور بالمذهب الحنفى)، وشبه القارة الهندية، وكذلك امتد إلى آسية الوسطى التركية والصين. وثمة أعلام مشاهير كثيرون لهذا المذهب قدموا من خراسان وما وراء النهر. ومنذ القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) حتى دخل عصر المغول استطاع بنو مازة أن يمارسوا السلطان السياسى فى بخارى بوصفهم الرؤساء الوراثيين للحنفية فى هذه المدينة وتلقبوا بلقب "الصدر". وسن الحنفية فى خراسان منذ القرن الثالث الهجرى (والتاسع الميلادى) تشريعًا خاصًا بالرى يناسب شبكة القنوات هناك: (انظر الكرديزى زين الأخبار، ص ٨) وكان للمذهب الحنفى أيضًا أتباع فى المغرب إلى جانب المالكية أيام القرون القليلة الأولى للإسلام، وخاصة فى إفريقية أيام الأغالبة، بل لقد ساد الأحناف فى صقلية (انظر المقدسى، ص ٢٣٦ وما بعدها) وأخيرًا، نجد أن المذهب الحنفى أصبح المذهب الأثير لدى السلاطين السلاجقة الأتراك والأتراك العثمانيين. وحاز هذا المذهب الرضا المستمر لدى هذه الأسرة الحاكمة، وأصبح هو المذهب الرسمى الوحيد فى جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية. واحتفظ المذهب الحنفى، من حيث تراث الحكم العثمانى الأولى، بمكانته الرسمية فى تلك الولايات العثمانية السابقة ما بقى الشرع الإِسلامى سائدًا فيها، بل فى تلك الولايات التى كان معظم أهلها المسلمين يتبعون مذهبًا آخر مثل مصر والسودان والأردن، وفلسطين، ولبنان، وسورية. ونذكر من أعلام المذهب الحنفى فى العصر السالف ممن بقيت لنا من تآليفهم كتب يتفاوت حظها من الشأن: الخصّاف المتوفى سنة ٢٦١ هـ وكان فقيهًا لبلاط الخليفة المهتدى، وقد كتب رسالة فى "الوقف" أصبحت عمدة، ورسالة فى واجبات "القاضى"، وكتابًا فى "الحيل"؛ الطهاوى المتوفى سنة ٣٢١ هـ (٩٣٣ م) وهو حنفى كان من أتباع مذهب الشافعى؛ والحاكم الشهيد

стр. 4335

المتوفى سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) الذى اختصر محتويات الكتب الأمهات للشيبانى وضمنها كتابًا له هو "الكافى"؛ وأبا الليث السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٥ هـ (٩٨٥ م) وهو كاتب غزير المادة فى الفقه وغيره من فروع العلوم الدينية؛ والقدورى المتوفى سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٦ م) الذى اقتبست الكتب المتأخرة الكثير من كتابه "المختصر". وفى أثناء هذه الفترة كلها شاعت فى المذهب الحنفى سنة قوية تهدف إلى تأليف كتب فى تطبيق الشريعة الإِسلامية. فالمبسوط لشمس الأئمة السرخسى المتوفى سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ م)، وهو شرح على "الكافى" للحاكم الشهيد، يعد نقطة التحول إلى ترتيب المادة فى كل فصل ترتيبًا أكثر تمشيًا مع المنطق وأقرب إلى المنهجية. ثم أعقب ذلك كتاب "بدائع الصنائع" للكاسانى المتوفى سنة ٥٨٧ هـ (١١٩١ م) الذى التزم فى ترتيبه بالمنهجية التزامًا دقيقًا. على أن هذه الكتب القديمة أجملتها رسائل أحدث هى وشروحها، وهو أمر مألوف فى جميع مذاهب الفقه الإِسلامى. ومن أهم هذه الرسائل: "الهداية" للمرغينانى المتوفى سنة ٩٥٣ هـ (١١٩٦ م؛ الترجمة الإنكليزية بقلم Charles Hamilton لندن سنة ١٧٩١؛ وأعيد طبعها فى لاهور سنة ١٩٥٧). وكتبت عدة شروح على الهداية. وكتب مختصرًا لها برهان الدين محمود المحبوبى من أعيان القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) وسماه "وقاية الرواية". ومن هذا النوع من التأليف المستقى من الهداية: "جامع الرموز" للقهستانى المتوفى سنة ٩٥٠ هـ (١٥٤٣) وكانت له حجية كبيرة فى ما وراء النهر. والكتاب التالى لذلك فى الأهمية هو "كنز الدقائق" لأبى البركات النسفى المتوفى سنة ٧١٠ هـ (١٣١٠ م) وله أيضًا عدة شروح مثل "تبيين الحقائق" للزيلعى المتوفى سنة ٧٤٣ هـ (١٣٤٢ م)، وبخاصة "البحر الرائق" لابن نجيم المتوفى سنة ٩٧١ هـ (١٥٦٣ م). وقد كتب ابن نجيم هذا "كتاب الأشباه والنظائر" وهو رسالة فى الكيان المنهجى للفقه الوضعى. أما فى الإمبراطورية العثمانية فإن كتاب "درر الحكّام" لملاخسرو المتوفى سنة ٨٨٥ هـ (١٤٨٠ م) وهو شرح على كتابه "غرر الأحكام"، قد اكتسب حجية

стр. 4336

خاصة. واعتمد إبراهيم الحلبى المتوفى سنة ٩٥٦ هـ (١٥٤٩ م) على "المختصر" للقدورى, و"المختار" للبُلْدَجى المتوفى سنة ٦٨٣ هـ (١٢٨٤ م) و"كنز الدقائق"، و"وقاية الرواية" فكتب رسالته "ملتقى الأبحر" وسرعان ما أصبحت هذه الرسالة عمدة المذهب الحنفى فى الإمبراطورية العثمانية، وأشهر شرحين عليها هما "مجمع الأنهر، للشيخ زاده المتوفى سنة ١٠٧٨ هـ (١٦٦٧ م) , ودرر "المنتقى" للحَسْكفى المتوفى سنة ١٠٨٨ هـ (١٦٧٧ م). وهذا الحسكفى نفسه هو صاحب كتاب "درر المختار" الذى كتب عليه ابن عابدين المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ (١٨٣٦ م) شرحًا سماه "ردّ المحتار" وهو شرح نال تقديرًا كبيرًا ويعنى عناية خاصة بمشاكل عالمنا اليوم. وأحدث عرض كبير للمذهب الحنفى بالأسلوب التقليدى هو كتاب "حقوق إسلامية وإصلاحات فقهيه قاموسى" لعمر نصوحى بيلمن مفتى استانبول (فى ستة مجلدات، الطبعة الأولى، إستانبول سنة ١٩٥٠ - ١٩٥٢، مطبوعات جامعة إستانبول، رقم ٤٠٢، كلية الحقوق، رقم ٩٠). وأوثق رسالة فى المذهب الحنفى التقليدى بالهند بعد كتاب "الهداية" هو الكتاب الذى يعرف باسم "الفتاوى العالمكيرية" وليس هذا الكتاب مجموعة من الفتاوى، وإنما هو مختارات ضخمة من الكتب العمدة فى المذهب، صنفت بأمر من الإمبراطور المغلى أورنكزيب عالمكير (١٠٦٧ - ١١١٨ هـ = ١٦٥٨ - ١٧٠٧ م) وقد ترجمت أجزاء من هذه المختارات إلى الإنكليزية بقلمى: (Mahomed Ullah ibn S. Jung, N.B.E. Baillie). ومن أهم مجموعات الفتاوى الحنفية مجموعة برهان الدين ابن مازة المتوفى حوالى سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م) المسماة "ذخيرة الفتاوى"؛ ومجموعة قاضى خان المتوفى سنة ٥٩٢ هـ (١١٩٦ م)؛ ومجموعة سراج الدين السجاوندى من أعيان القرن السادس الهجرى (القرن الثانى عشر الميلادى)، وهو أيضًا صاحب رسالة ذائعة الصيت فى علم الوراثة؛ ومجموعة البزّازى الكردرى المتوفى سنة ٨٢٧ هـ (١٤٢٤ م)، ومجموعة أبى السعود المتوفى سنة

стр. 4337

٩٨٢ هـ (١٥٧٤ م) ومجموعة الأنقروى المتوفى سنة ١٠٩٨ هـ (١٦٨٧ م). ومن كتب الحنفية المشهورة فى الأصول: "كنز الوصول" للبزدوى المتوفى سنة ٤٨٢ هـ (١٠٨٩ م)؛ و"كتاب الأصول" لشمس الأئمة السرخسى؛ ومنار الأنوار لأبى البركات النسفى و"التوضيح لعبيد الله بن مسعود المحبوبى الملقب بصدر الشريعة الثانى المتوفى سنة ٧٤٧ هـ (١٣٤٦ م) وقد كتب عليه الكاتب الشافعى التفتازانى المتوفى سنة ٧٩٢ هـ (١٣٩٨ م) شرحًا سماه "التلويح" وكتاب "التحرير" لابن الهُمام المتوفى سنة ٨٦١ هـ (١٤٥٧ م) مع شرحه "التقرير" لابن أمير الحاج المتوفى سنة ٨٧٩ هـ (١٤٧٤ م)؛ و"مرقاة الوصول" لملاخسرو المتوفى سنة ٨٨٥ هـ (١٤٨٠ م؛ وانظر عن كتاب البزدوى Theorie gene-: R. Brunschvig rale de la capacite chez les Hanafites mes- dievaux فى Revue intern. des Droits de l'Antiquite. جـ ٢، سنة ١٩٤٩, ص ١٥٧ - ١٧٢). أما كتب الحنفية فى الطبقات فهى: "الجواهر المضيئة" لعبد القادر بن محمد المتوفى سنة ٧٧٥ هـ (١٣٧٣ م)؛ و"تاج التراجم" لابن قطلوبغا المتوفى سنة ٨٧٩ هـ (١٤٧٤ م؛ تحقيق Die Krone der Lebensbes-: G. Fluegel chreibungen، ليبسك سنة ١٨٦٢)؛ و"طبقات المجتهدين" لكمال باشا زاده المتوفى سنة ٩٤٠ هـ (١٥٣٤ م) وقد لخصه G. Fleugel فى Die Classen der Hanefitischen Rechtsgelehrten فى Abh. Saechs. Ges Wiss جـ ٨، ليبسك سنة ١٨٦٠, ص ٢٦٩ - ٣٥٨)؛ و"الشقائق النعمانية" لطاشكبرى زاده المتوفى سنة ٩٦٨ هـ (١٥٦٠ م؛ انظر الترجمة الألمانية له بقلم O. Rescher الآستانة - غلطة، سنة ١٩٢٧)؛ و"الفوائد البهية" و"التعليقات السنية" لمحمد عبد الحى اللكنوى المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ (١٨٨٦ م). أما فى الهند البريطانية (١) فإن الشريعة الإِسلامية كما كانت تطبق

стр. 4338

محليًا قد تأثرت بالفكر الانكليزى القانونى منذ سنة ١٧٧٢, وقام نظام قانونى مستقل يختلف اختلافًا جوهريًا عن الشريعة الإِسلامية وفقًا للمذهب الحنفى (أما عن الأقلية الشيعية فكانت تتبع الفقه الشيعي). وقد سمى ذلك النظام بالتشريع الإنكليزى الإِسلامى. وثمة رسائل عديدة فى الشرع الإنكليزى الإِسلامى أكثرها بساطة وأقربها إلى الدقة العلمية: - A.A.A. Fay Qutlines of Muhammadan Law: zee, الطبعة الثالثة، لندن سنة ١٩٦٤، وقد أتم هذه الرسالة فى كتابه Cases in the Muhammadan Law of India Pakistan، أوكسفورد سنة ١٩٦٥. أما الإمبراطورية العثمانية فقد وصف دوسون النظام الشرعى القائم وإقامة العدل فى نهاية القرن الثامن عشر (Tableau: I.Mouradgea d'Ohsson general de L'Empire Ottoman, باريس سنة ١٧٨٧ - ١٨٢٠, فى ثلاثة مجلدات, ١٧٨٨ - ١٨٢٤ فى سبعة مجلدات). ثم إن تركيا العثمانية سنت سنة ١٨٧٧ مجموعة من قوانين العقود والالتزامات والإجراءات المدنية طبقًا للمذهب الحنفى وهى التى سميت باسم "المجلة" وتأثرت فى ذلك بالأفكار الأوربية، وليست هذه القوانين إسلامية بقدر ما هى وضعية، على أن المحامين المحدثين قد يكونون طبقوها فى كثير من الأحيان على اعتبار أنها نصوص عمدة للمذهب الحنفى. ثم إن المجلة تضم أيضًا تعديلات بعينها للفقه الإِسلامي الدقيق.، ومعظم هذه التعديلات كانت بالإسقاط. على أن الهيكل الحنفى للشريعة قد أثر من خلال المجلة على القانون المدنى فى بلاد شتى من الشرق الأدنى. ذلك أنه حدث فى مصر حوالى هذا الوقت أن صاغ قدرى باشا المذهب الحنفى عن الأسرة والوراثة والملكية والوقف فى مجموعة قوانين، ولكن هذه الجهود قد شملت بالرعاية الرسمية فيما يختص بالأسرة فحسب، ولكنها لم تطبق من حيث هى قوانين. والكتب الغربية الوحيدة عن المذهب الحنفى الدقيق فى الشريعة الإِسلامية هى Istituzioni di diritto musul-: L.Blasi mano, مدينة كاستلّو سنة ١٩١٤؛

стр. 4339

Grundzuege des Isla-: G. Bergestraesser mischen Rechts, تحقيق شاخت، وقد حل محله الآن: Introduction to Isla-: Schacht mu Iaw, الطبعة الثانية أوكسفورد سنة ١٩٦٦. المصادر: (١) إسلام أنسيكلوبيدياسى، مادة حنفيلر. (٢) The Orgins of Mu-: J. Schacht hammadan Jurisprudence, جـ ١ فصل ٢ (عن ظهور المذهب الحنفى)، جـ ٢، فصل ٤ (عن الأدلة العقلية للثقات الأولين من الحنفية). (٣) المؤلف نفسه An Introduction to Islamic Law، الفصل ٩ (عن تمكن المذهب الحنفى)، الفصل ١٣ (عن المذهب الحنفى فى الإمبراطورية العثمانية)، فصل ٢٤ (عن المذهب الحنفى فى الهند المحلية وعن التشريع الإنكليزى الإِسلامى، فصل ١٥ (عن أثر المذهب الحنفى فى القوانين المدنية فى الشرق الأدنى). وانظر عن انتشار المذهب الحنفى: (١) Die Renaissance des Is-: A. Mez lam، هيدلبرغ سنة ١٩٢٢, ص ٢٠٢ - ٢٥٦ (الترجمة الإنكليزية ص ٢١٠ - ٢١٥). (٢) أحمد تيمور باشا: نظرة تأريخية فى حدوث المذاهب الأربعة، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ, ص ٨ وما بعدها. وانظر عن الكتب الحنفية العمدة: (١) Muhammedan: N. P. Aghnides theorites of finance, with a bibliograghy نيويورك سنة ١٩١٦, ص ١٦١, ١٧٣ وما بعدها، ١٧٧ وما بعدها (وأعيد طبعة فى لاهور سنة ١٩٦١). (٢) Remarks upon: J.H. Harington the authorities of muslman Law فى Asialu Researches or Transactions of the society instituted in Bengai, جـ ١، كلكته سنة ١٨٠٨، ص ٤٧٥ - ٥١٢ (فى الكتب الحنفية المستعملة فى الهند). خورشيد [هفننك وشاخت Heffening - Schacht]

стр. 4340

حنيف (والجمع حُنفَاء): تكرر ورود هذا اللفظ في القرآن الكريم للدلالة على أهل الدين الحق الصحيح، مثال ذلك ما ورد في سورة يونس الآية ١٠٥، وسورة الحج الآية ٣٢ (١)، وسورة الروم الآية ٢٩ (٢)، وسورة البينة الآية ٤ (٣) الخ. وهو ينطبق على إبراهيم [﵇] خاصة في عبادة الله الخالصة. وقد جرى القرآن على المقابلة بين إبراهيم والمشركين كما جاء في سورة آل عمران عمران، الآية ٨٩ (٤)، وسورة الأنعام الآيتين ٧٩، ١٦٢ (٥) وسورة يونس الآية ١٠٥ وسورة النحل الآيتين ١٢١، ١٢٤ (٦) وسورة الحج الآية ٣٢ (٧). على أنه يصفه في الوقت نفسه في آية أو آيتين بأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما في سورة البقرة الآية ١٢٩ (٨): "وَقَالُوا (أي أهل الكتاب) كُونُوا هُودًا أو نَصَاري تَهتَدُوا قُل بَل مِلَّةَ إبَراهيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ منَ المُشركينَ" وفى سورة آل عمران الآية ٦٠ (٩) "مَا كَانَ إبَراهيمُ يَهُوديًا وَلَا نَصْرانيًا ولكن كَانَ حَنيفَا مسلمًا ومَا كَانَ منَ الْمُشركينَ". وهذَا الجمَع البسيطَ بين كلَمَتي "حنيف" و"مسلم" في هذه الآية يكفى للدلالة على أن "حنيف" لم تكن عند النبي [ ﷺ ] علمًا على جماعة دينية بعينها. والأمر أوضح من ذلك في عبارة "حنفاء لله" الواردة في سورة الحج (الآية ٣٢) (١٠). أما الآية ٢٩ (١١) من سورة الروم فهى من الأهمية بمكان في فهم المدلول القرآنى للكلمة. قال [تعالى] " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (أي) فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. .﴾ (وانظر أيضًا سورة الأنعَامَ الآية ٧٩: وسورة يونس الآية ١٠٥). وهنا معناها: الدين الأول الفطرى

стр. 4341

القديم أما فيما يختص بوقت نزول هذه الآيات فإننا نستطيع أن نقطع بنسبتها في الغالب إلى العهد المدنى اللهم إلا الآيات ٧٩ من سورة الأنعام و ١٠٥ من سورة يونس و ٤ (١) من سورة البينة، فإن نسبتها إلى هذا العهد محل شك، ولكن يجب أن ندخل في حسابنا هنا أيضًا أن من الجائز أن تكون قد صيغت فيما بعد بصيغة أخرى (٢). وقد استعمل المسلمون المتأخرون كلمة "حنيف" قياسًا على معناها القرآني، والحنيفية (وقلما يقال الحنفية) معناها دين إبراهيم [﵇] (ابن هشام ص ١٤٣، س ٨ (٣)، ١٤٧، س ٤ (٤) , ٨٢٢، س ١) (٥) ولما كان محمد [ ﷺ ] قد بعث دين إبراهيم الحق فإن لفظ "حنيف" كثيرا ما يستعمل بمعنى "مسلم" كما ورد في ابن هشام (ص ٨٢، س ١٨ (٦)، ٩٩٥، س ١١ (٧). وانظر أيضًا ص ٧٨١، س ٥ (٨) إشارة

стр. 4342

إلى الدين ذاته أي الدين الخالص القويم، وكذلك في بيت الفرزدق (النقائض جـ ١، ص ٣٧٨) (١) حيث يؤدى الخلاف في رسم اللفظ إلى قراءة أخرى. ويصف النبي [ ﷺ ] في أحاديث مختلفة الدين الذي يدعو إليه بأنه "الحنيفية السمحة". تمييزًا له عن النزعات الرهبانية (ابن سعد، جـ ١، ص ١٢٨ (٢)، جـ ٣، ص ٢٨٧) (٣) وكان الفعل (المصدر) "تَحَنُّف "يرد أحيانًا بمعنى خلوص العبادة في العصر الجاهلي (Skizzen and Vo-٥ - : Wellhausen rarbeiten جـ ٤، ص ١٥٦) وأحيانًا أخرى مرادفًا بالفعل للدخول في الإسلام (الكامل، ص ٥٢٦: في بيت لجرير (٤) لسان العرب جـ ١٠، ص ٤٠٤ (٥). ويصدق هذا أيضًا على الفعل (المصدر) "تَحَنَّث". ويرى هرشفيلد Hirschfeld ولَيَال Lyall ومن قبلهما دويتش E. Deutsch أنه مشتق من اللفظ العبري "ثحنّوث" ولعل الأرجح أنه مشتق من "تَحَنُّفَ" (نولدكه Neue Beitrage zur Semit.: Noeldeke Sprach Wis senschaft ص ٧٢) ذلك لأن الاشتقاق الأخير يفسره ابن هشام (ص ١٥٢ (٦) جـ ١، ص ١٤٩ (٧) بـ"التبرر"، وإن كان من معانيه أيضًا الدخول في الإسلام (الطبرى جـ ١، ص ٢٨٢٧) (٨).

стр. 4343

والمعنى الذي جاءت به الآية المذكورة آنفًا (سورة الروم، الآية ٢٩ (١) وهو أن كلمة حنيف معناها الدين الفطري يتردد في مصنفات العرب المتأخرين مثل الكامل (ص ٢٤٤) (٢) ". . ما حنيف على الفطرة .. ؟ " أو الديار بكرى (جـ ٢، ص ١٧٧): إذا مت "على الفطرة لله". ويتصل بهذا، وإن أصابه تعديل جوهري، استعمال بعض المصنفين للفظ "حنيف" لا للدلالة على الدين الفطري الخالص، ولكن للدلالة على ما سبق الأديان المتأخرة القائمة بذاتها. ويستعمل المسعودي بخاصة في كتابه "التنبيه والإشراف" لفظ "الحنفاء" مرادفًا للصابئين من الفرس والرومان قبل اعتناقهم المجوسية فالنصرانية (٣) وهو يسمى هذا الطور من أطوار الرقى الديني بالحنيفية الأولى (٤) ليفرق بينه وبين الدين الحنيف. ويقرر في الوقت نفسه أن هذه الكلمة "حنيف" صيغة معربة من السريانية "حنيفوا (٥) " ويجب أن نذكر في هذا المقام أن الكلمة السريانية "حنف" إنما تستعمل للدلالة على الصابئين بالذات (ابن العبرى: التاريخ ص ١٧٦). وإذا أردنا الآن أن نحقق أصل كلمة "حنيف" وتاريخها الأقدم فإن أول ما ينبغي أن نعمله هو البحث عن عبارات قد ترد فيها الكلمة بمدلول مستقل عن الاستعمال القرآني. ومما يستوجب الأسف أن معظم هذه العبارات تكتنفها الصعاب الشديدة، إما للشك في صحتها وإما لأنها من التداخل والإلتباس بحيث تتعرض لكثير من التأويلات. ومن ثم انتهى العلماء إلى نتائج مختلفة،

стр. 4344

فقلهوزن Wellhausen مثلًا يخرج من هذه العبارات بأن "حنيف" كانت تدل في الأصل على الراهب النصراني. بينما يرى مرجوليوث D. S. Margoliouth أن "حنيف" معناها في كل ما وردت فيه "المسلم". ولا مشاحة في أن هذا المدلول الأخير يطابق كل المطابقة بيتًا من شعر القرن الأول الهجري كثيرًا ما يستشهد به (ياقوت، جـ ٢، ص ٥١: كتاب الأغاني جـ ١٦، ص ٤٥ الخ .. ) وفيه ينماز الحنيف من القس النصراني والحبر اليهودي (١) ونجد من ناحية أخرى أن من المشكوك فيه أن يكون هذا المعنى هو الذي يستخلص من قصة مصرع بسطام البكري النصراني، وقد جعلوا مسرح هذه القصة في الشمالى الشرقى من جزيرة العرب (الكامل، ص ١٣١؛ النقائض، طبعة بيفان جـ ١، ص ٣١٤) فقد صاح بسطام بأخيه عندما أراد أن يرجع إليه: "إن كررت يابجاد فأنا حنيف (٢) ". ومهما يكن من شيء فإن المبرد يبين بتعليقه على ذلك أن النبي [ ﷺ ] كان قد بُعث آنئذ، وأنه أي المبرد، قد عرف أن الحنيف هو المسلم (٣). بيد أن المعنى يكون أسوأ تأثيرًا إذا فسرنا الحنيف هنا بـ"الكافر" (نولدكه Noeldeke) أو المشرك. أما بيت صخر (هذيل Kosegarten جـ ١٨، ص ١١) الذي يرد فيه ذكر نفر من سكارى النصارى يصخبون حول "حنيف" من الحنفاء، فإن أحد الشراح يفسر الحنيف هنا بأنه المسلم، ولكن العبارة يمكن أن تدل أيضًا على راهب يرغب عن الخمر. ويصدق هذا أيضًا

стр. 4345

على بيت الشاعر ذي الرمة (لسان العرب جـ ١٣، ص ٢٠٦ (١) الذي يتجه في صلاته ناحية الغرب، وهي غير وجهة النصارى. أما بيت الهذلى (٢) لسان العرب جـ ٦، ص ١٣٣ الذي يشير إلى مقام الحنيف للعبادة فلا غناء فيه، على أننا قد نعلق أهمية أكبر على بعض أبيات ورد فيها لفظ "تحنف" بمعنى إقامة الشعائر، وهو المعنى الذي ذكرناه آنفًا، وأحد هذه الأبيات لشاعر جاهلي هو جران العود من بنى نمير من قبيلة هوازن بنجد (لسان العرب جـ ١٠، ص ٤٠٤ (٣): وانظر خزانة الأدب جـ ٤، ص ١٩٨ (٤) وفيه يذكر "العابد المتحنف" الذي يقيم صلاته، وهو لا يقصد بذلك إلا الناسك العربي، ولا شك أن جريرًا (النقائض جـ ٢، ص ٥٩٥) (٥) كان يفكر في رجل مثل هذا عندما تحدث عن إحدى القبائل بأن أهلها تحالفوا على الخزى والعار كما تحالف النصارى مع دين من يتحنف. وقد تدفعنا القصائد المنسوبة إلى بعض معاصرى النبي [ ﷺ ] خطوة جوهرية إلى الأمام إذا كانت صحتها ثابتة ولو بعض الشئ، ولكن الواقع يخالف ذلك للأسف. ويصدق هذا بصفة خاصة على الأبيات المنحولة لقيس بن الأسلت، وهو خصم للنبي [ ﷺ ] من الأوس، وفيها يدعو إلى "دين حنيف" (ابن هشام، ص ١٨٠) (٦) ويوازن بين هذه الديانة الفطرية وبين النصرانية واليهودية (المصدر السابق، ص ٢٩٣) (٧). أما قصيدة أمية بن أبي
следующие страницы →