القديم أما فيما يختص بوقت نزول هذه الآيات فإننا نستطيع أن نقطع بنسبتها في الغالب إلى العهد المدنى اللهم إلا الآيات ٧٩ من سورة الأنعام و ١٠٥ من سورة يونس و ٤ (١) من سورة البينة، فإن نسبتها إلى هذا العهد محل شك، ولكن يجب أن ندخل في حسابنا هنا أيضًا أن من الجائز أن تكون قد صيغت فيما بعد بصيغة أخرى (٢).
وقد استعمل المسلمون المتأخرون كلمة "حنيف" قياسًا على معناها القرآني، والحنيفية (وقلما يقال الحنفية) معناها دين إبراهيم [﵇] (ابن هشام ص ١٤٣، س ٨ (٣)، ١٤٧، س ٤ (٤) , ٨٢٢، س ١) (٥) ولما كان محمد [ ﷺ ] قد بعث دين إبراهيم الحق فإن لفظ "حنيف" كثيرا ما يستعمل بمعنى "مسلم" كما ورد في ابن هشام (ص ٨٢، س ١٨ (٦)، ٩٩٥، س ١١ (٧).
وانظر أيضًا ص ٧٨١، س ٥ (٨) إشارة
стр. 4342
إلى الدين ذاته أي الدين الخالص القويم، وكذلك في بيت الفرزدق (النقائض جـ ١، ص ٣٧٨) (١) حيث يؤدى الخلاف في رسم اللفظ إلى قراءة أخرى.
ويصف النبي [ ﷺ ] في أحاديث مختلفة الدين الذي يدعو إليه بأنه "الحنيفية السمحة". تمييزًا له عن النزعات الرهبانية (ابن سعد، جـ ١، ص ١٢٨ (٢)، جـ ٣، ص ٢٨٧) (٣) وكان الفعل (المصدر) "تَحَنُّف "يرد أحيانًا بمعنى خلوص العبادة في العصر الجاهلي (Skizzen and Vo-٥ - : Wellhausen rarbeiten جـ ٤، ص ١٥٦) وأحيانًا أخرى مرادفًا بالفعل للدخول في الإسلام (الكامل، ص ٥٢٦: في بيت لجرير (٤) لسان العرب جـ ١٠، ص ٤٠٤ (٥). ويصدق هذا أيضًا على الفعل (المصدر) "تَحَنَّث". ويرى هرشفيلد Hirschfeld ولَيَال Lyall ومن قبلهما دويتش E. Deutsch أنه مشتق من اللفظ العبري "ثحنّوث" ولعل الأرجح أنه مشتق من "تَحَنُّفَ" (نولدكه Neue Beitrage zur Semit.: Noeldeke Sprach Wis senschaft ص ٧٢) ذلك لأن الاشتقاق الأخير يفسره ابن هشام (ص ١٥٢ (٦) جـ ١، ص ١٤٩ (٧) بـ"التبرر"، وإن كان من معانيه أيضًا الدخول في الإسلام (الطبرى جـ ١، ص ٢٨٢٧) (٨).
стр. 4343
والمعنى الذي جاءت به الآية المذكورة آنفًا (سورة الروم، الآية ٢٩ (١) وهو أن كلمة حنيف معناها الدين الفطري يتردد في مصنفات العرب المتأخرين مثل الكامل (ص ٢٤٤) (٢) ". . ما حنيف على الفطرة .. ؟ " أو الديار بكرى (جـ ٢، ص ١٧٧): إذا مت "على الفطرة لله".
ويتصل بهذا، وإن أصابه تعديل جوهري، استعمال بعض المصنفين للفظ "حنيف" لا للدلالة على الدين الفطري الخالص، ولكن للدلالة على ما سبق الأديان المتأخرة القائمة بذاتها.
ويستعمل المسعودي بخاصة في كتابه "التنبيه والإشراف" لفظ "الحنفاء" مرادفًا للصابئين من الفرس والرومان قبل اعتناقهم المجوسية فالنصرانية (٣) وهو يسمى هذا الطور من أطوار الرقى الديني بالحنيفية الأولى (٤) ليفرق بينه وبين الدين الحنيف. ويقرر في الوقت نفسه أن هذه الكلمة "حنيف" صيغة معربة من السريانية "حنيفوا (٥) " ويجب أن نذكر في هذا المقام أن الكلمة السريانية "حنف" إنما تستعمل للدلالة على الصابئين بالذات (ابن العبرى: التاريخ ص ١٧٦).
وإذا أردنا الآن أن نحقق أصل كلمة "حنيف" وتاريخها الأقدم فإن أول ما ينبغي أن نعمله هو البحث عن عبارات قد ترد فيها الكلمة بمدلول مستقل عن الاستعمال القرآني. ومما يستوجب الأسف أن معظم هذه العبارات تكتنفها الصعاب الشديدة، إما للشك في صحتها وإما لأنها من التداخل والإلتباس بحيث تتعرض لكثير من التأويلات. ومن ثم انتهى العلماء إلى نتائج مختلفة،
стр. 4344
فقلهوزن Wellhausen مثلًا يخرج من هذه العبارات بأن "حنيف" كانت تدل في الأصل على الراهب النصراني.
بينما يرى مرجوليوث D. S. Margoliouth أن "حنيف" معناها في كل ما وردت فيه "المسلم". ولا مشاحة في أن هذا المدلول الأخير يطابق كل المطابقة بيتًا من شعر القرن الأول الهجري كثيرًا ما يستشهد به (ياقوت، جـ ٢، ص ٥١: كتاب الأغاني جـ ١٦، ص ٤٥ الخ .. ) وفيه ينماز الحنيف من القس النصراني والحبر اليهودي (١) ونجد من ناحية أخرى أن من المشكوك فيه أن يكون هذا المعنى هو الذي يستخلص من قصة مصرع بسطام البكري النصراني، وقد جعلوا مسرح هذه القصة في الشمالى الشرقى من جزيرة العرب (الكامل، ص ١٣١؛ النقائض، طبعة بيفان جـ ١، ص ٣١٤) فقد صاح بسطام بأخيه عندما أراد أن يرجع إليه: "إن كررت يابجاد فأنا حنيف (٢) ". ومهما يكن من شيء فإن المبرد يبين بتعليقه على ذلك أن النبي [ ﷺ ] كان قد بُعث آنئذ، وأنه أي المبرد، قد عرف أن الحنيف هو المسلم (٣). بيد أن المعنى يكون أسوأ تأثيرًا إذا فسرنا الحنيف هنا بـ"الكافر" (نولدكه Noeldeke) أو المشرك. أما بيت صخر (هذيل Kosegarten جـ ١٨، ص ١١) الذي يرد فيه ذكر نفر من سكارى النصارى يصخبون حول "حنيف" من الحنفاء، فإن أحد الشراح يفسر الحنيف هنا بأنه المسلم، ولكن العبارة يمكن أن تدل أيضًا على راهب يرغب عن الخمر. ويصدق هذا أيضًا
стр. 4345
على بيت الشاعر ذي الرمة (لسان العرب جـ ١٣، ص ٢٠٦ (١) الذي يتجه في صلاته ناحية الغرب، وهي غير وجهة النصارى. أما بيت الهذلى (٢) لسان العرب جـ ٦، ص ١٣٣ الذي يشير إلى مقام الحنيف للعبادة فلا غناء فيه، على أننا قد نعلق أهمية أكبر على بعض أبيات ورد فيها لفظ "تحنف" بمعنى إقامة الشعائر، وهو المعنى الذي ذكرناه آنفًا، وأحد هذه الأبيات لشاعر جاهلي هو جران العود من بنى نمير من قبيلة هوازن بنجد (لسان العرب جـ ١٠، ص ٤٠٤ (٣): وانظر خزانة الأدب جـ ٤، ص ١٩٨ (٤) وفيه يذكر "العابد المتحنف" الذي يقيم صلاته، وهو لا يقصد بذلك إلا الناسك العربي، ولا شك أن جريرًا (النقائض جـ ٢، ص ٥٩٥) (٥) كان يفكر في رجل مثل هذا عندما تحدث عن إحدى القبائل بأن أهلها تحالفوا على الخزى والعار كما تحالف النصارى مع دين من يتحنف. وقد تدفعنا القصائد المنسوبة إلى بعض معاصرى النبي [ ﷺ ] خطوة جوهرية إلى الأمام إذا كانت صحتها ثابتة ولو بعض الشئ، ولكن الواقع يخالف ذلك للأسف.
ويصدق هذا بصفة خاصة على الأبيات المنحولة لقيس بن الأسلت، وهو خصم للنبي [ ﷺ ] من الأوس، وفيها يدعو إلى "دين حنيف" (ابن هشام، ص ١٨٠) (٦) ويوازن بين هذه الديانة الفطرية وبين النصرانية واليهودية (المصدر السابق، ص ٢٩٣) (٧). أما قصيدة أمية بن أبي
стр. 4346
الصلت التي يتحدث فيها عن دين الحنيفية على أنه الدين الحق الذي سيبقى بعد البعث (انظر Schulthess: Beitraege Zur Assyriologie جـ ٨، ٣، ص ٧٢، ١٢٩، على أننا إذا طرحنا هذه القصائد جانبًا، فإن الأبيات المذكورة آنفا تكفي لتبيان ما ينبغي أن نسلم به وهو أن محمدًا ﷺ إنما كان في استعماله لهذه الكلمة متبعًا استعمالًا مقررًا؛ ويمكن أن نرجح أن كلمة حنيف كانت حتى قبل عهده تدل على القوم الذين رفضوا النصرانية واليهودية، وإن تأثروا بالأولى، التماسًا لدين أبسط وأدنى إلى الفطرة. بيد أن التطور التاريخي لمثل هذه الحركة يكتنفه غموض لا يمكن كشفه بالمعلومات التي بين أيدينا الآن. ومن المحتمل أن تكون الكلمة متصلة بالحركات الدينية التي نشأت في بلاد اليمن، كما يذهب إلى ذلك بعض العلماء المحدثين، ولكن ذلك غير مقطوع به، لأن أكثر ما يروى من أبيات الشعر الموثوق بها إنما ينسب لعرب الشمال.
أما كلمة "حنيف" من حيث الاشتقاق، فإن المسعودي نفسه -كما ذكرنا آنفًا- يرى فيها كلمة آرامية دخيلة، ولرأيه مؤيدون في العصر الحديث، يجعلونها مشتقة من الكلمة الكنعانية الآرامية "حنف".
ومهما يكن من شئ فحسبنا هذا الاشتقاق من الآرامية، ذلك لأن الكلمة الإثيوبية الموافقة لها التي يفترض فنكلر Winckler أنها قد اشتقت منها، إنما هي كلمة دخيلة لا توجد إلا في المؤلفات. وقد أشار شولتس Schulthess بحق إلى أن الكلمة الآرامية "حنف" أو "حنفا" لا يمكن أن تصير إلى "حنيف" العربية، وقد لا نستطيع أن نخرج من هذا إلا بأمر واحد يقتضينا أن نفرض صيغة وسطًا تؤيد الصيغة التي وجدت عند الماندويين [الصائبة] (انظر اسم المعنى السريانى "حنيفوا" الذي ذكره المسعودي). أضف إلى ذلك أننا نستطيع، إذا لم نجد سبيلًا آخر، أن نستخلص معنى "المنشق" من الكلمة العربية "حنف" أي (كسر أو شق) التي قد تشير إلى تطور مماثل في المعنى. وينبغي أن لا نطرح من حسابنا أن
стр. 4347
النصوص اليمنية الجديدة قد تلقى بعض الضوء على الكلمة وتاريخها.
المصادر:
(١) لسان العرب، جـ ١٠، ص ٤٠٢ - ٤٠٥.
(٢) اليعقوبى: التاريخ طبعة hout- sma جـ ١، ص ٥١ وما بعدها.
(٣) المسعودي: المكتبة الجغرافية العربية، طبعة ده خويه جـ ٨، ص ٦، ٩٠ وما بعدها , ١٢٢ وما بعدها ١٣٦ (الحاشية).
(٤) Leben Muhammeds: Sprenger جـ ١، ص ٤٦ وما بعدها.
(٥) National Religions and: Kuenen Universal Religions (محاضرات هيبرت) Hibbert، ١٨٨٢، ص ١٩ وما بعدها.
(٦) Reste arab. Hei-: : Wellhausen dentums ص ٢٣٨، وما بعدها.
(٧). Deutsch.: Noeldeke Morgenl. Gesellsch Zeitschr. d. جـ ٤١، ص ٧٢١، - Neue Beitraege Z Semit. Sprachewis sensch ص ٣٠.
(٨) New researches into: Hirschfeld the composition and exegesis of the qo- ran، ص ١٩، ٢٦.
(٩) Arabisch. Semitisch: H. Wincker . Orientalisch ص ٧٩.
(١٠) Mohammed: H. Grimme جـ ١، ص ١٣؛ جـ ٢، ص ٥٩ وما بعدها.
(١١) Journal of: D. S. Margoliouth , the Roy. As. Soc ١٩٠٣ ص ٤٦٧ - ٤٩٣.
(١٢) lyall: المصدر السابق ص ٧٧١ - ١٨٧.
(١٣) Orient Studien: Schulthess Noeldeke) (festschrift جـ ٨٦ - ٨٨ Bei-، traege Zur Assyrlologie جـ ٨ ص ٣، ٥.
يونس [بول Fr. BuhlD]
حنيفة بن لجيم
بطن هام من بطون القبيلة العربية العظيمة بكر بن وائل التي نزلت شمالى بلاد العرب وربطتها بقبيلة عجل أواصر
стр. 4348
الدم. وكان بعض حنيفة في الجاهلية وثنيًا وبعضها نصرانيًا. وكان الوثنيون منهم يعظمون صنمًا مصنوعًا من الزبد والعسل على هيئة كعكة، وقد جروا على أكله إذا جد بهم الجدب.
واستقر المقام بحنيفة في اليمامة حيث أنشأت فيها مدينة حجر الحصينة، واتخذوها قصبة لهم فيما بعد. ونذكر من منازلهم فيما عدا وادى العرض: العَوقَة (وتنزل بها عشيرة عدى) وفَيْشان (وتقطنها عامر) والكِرْس وهي في وادى العرض الأدنى وَتقطنها (عدى) والخضرمة، وهى مدينة كبيرة تتبعها قرى عدة (تسكنها سحيم وعامر مع قبيلة عجل) وقُرّان (وهي لقبيلة سحيم) والمَنْصف (مدينة حصينة تسكنها عامَر)، وتلعة ابن عطاء (وتسكنها عامر) والثقب -هكذا في كتاب الهمدانى: صفة جزيرة العرب، ص ١٤١ ,س ٧؛ وورد في الكتاب، ص ١٦٢ , س ٢٥ اسم النقب؛ والظاهر أن الأسمين لمسمى واحد أو أنه خطأ مطبعى أو تحريف وقع في المخطوط- (وتسكنها عدى)، وتَوَم (ويسكنها كل من الأزد وعبد القيس)؛ وأباض، وقد حدثت عندها وقعة خالد بن الوليد ومسيلمة؛ وأثال. وكانت حنيفة تنزل أيضًا في إيصان وهى منزل نمير بن كعب.
تاريخها: انفصلت حنيفة في السنوات الأخيرة من حرب البسوس عن بكر وانضمت إلى خصومهم تغلب وحاربت في صفوفهم آنئذ. وكانت حنيفة مثل تغلب تقر بالسيادة للخميين في الحيرة، وهم أقيال الساسانيين. والتزمت حنيفة الحياد في وقعة ذي قار الشهيرة التي نشبت بين بكر والفرس وكان هودَة بن على زعيم حنيفة يسكن الحجر. وقد قدر له أن يقود القوافل الفارسية القادمة من العراق إلى اليمن ليحميها من مخاوف الطريق. وقد أغارت عليه نميم بالدهناء في رحلة من هذه الرحلات. ولم تكن هذه هي الوقعة الوحيدة التي اضطرت فيها حنيفة إلى قتال تميم، ذلك أن قبيلة عمرو هاجرت من اليمامة إلى حنيفة عقب وقعة هباءة التي نشبت بينها وبين ذبيان، ثم خاسحت زعيم حنيفة قتادة
стр. 4349
ابن مسلمة، فشخصت إلى سعد بن زيد مناة التميمية واستجاروا بهم. وقد حدث في وقعة الستار أن قتل قيس بن عاصم التميمي قتادة. ونذكر من الوقائع الأخرى التي نشبت بين حنيفة وتميم وقعة الخشيبة بالقرب من اليمامة ووقعة الظهر.
وفي المحرم من العام السادس للهجرة (٦٢٨ ميلادية) كان زعيم حنيفة ثمامة بن أثال في طريقه إلى العمرة فباغته ثلاثون رجلًا من المسلمين وأسروه، فدخل في الإسلام فأخلوا سبيله. واستطاع ثمامة بفضل سلطانه على حنيفة وبدافع من صداقته للنبي [ ﷺ ] أن يحول دون وصول الميرة من اليمامة إلى قريش في مكة، وكانت قريش تلتمسها من اليمامة. وفي عام الوفود (٩ هـ = ٦٣١ م) مثلت حنيفة أمام النبي [ ﷺ ] وعلى رأسها هرون بن حبيب المعروف بمسيلمة، وهو الذي ادعى النبوة فيما بعد وزعم أنه صاحب النبي [ ﷺ ] وخليفته. وظهر مسيلمة الكذاب -كما كان يسميه النبي [ ﷺ ]- على مسرح الحوادث عام ١١ هـ (٦٣٣ م) في الوقت الذي ادعى النبوة فيه الأسود العنسى وطليحة -فتبعه قسم كبير من حنيفة بإيعاز زعيمهم الرجّال بن عنفوة، فقد أذاع رجَال بين الناس أنه سمع النبي [ ﷺ ] في المدينة يقول إن مسيلمة صاحبه وخليفته. وقد ظلت كثرة حنيفة موالية له حتى في عهد الخليفة أبي بكر. وحلت الهزيمة بعكرمة بن أبي جهل الذي خرج لمقاتلة مسيلمة. وصدت حنيفة أيضًا هجومًا شنه عليها شرحبيل بن حسنة، ومن ثم حشد مسيلمة جموعه عند عقرباء، وهو موضع بالقرب من حجر، وهناك حدثت وقعة مشهورة بينه وبين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد انتهت بهزيمة حنيفة واستئصال شأفتهم. وقد هلك في هذه الوقعة المحكم بن طفيل والرجال بن عنفوة قائدًا حنيفة، وأخذ مسيلمة الكذاب فقتل، ويقال إن حنيفة فقدت في هذه الوقعة ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف رجل، وتقدم خالد ابن الوليد لحصار حجر فاستسلمت حنيفة بتدخل مجاعة، وقبلت أن تدخل في الإسلام وأن تسلم كل مالها من
حنين
(لعله الشرائع في الوقت الحالي):
واد عميق غير منتظم به أحراج من شجر النخيل، وهو على مسيرة يوم من مكة على طريق من الطرق الممتدة إلى الطائف. وقد شهد من هذا الوادي الوقعة الشهيرة التي حدثت بعد فتح مكة وهي ثاني وقعة تذكر بالاسم في القرآن (سورة التوبة الآية ٢٥ - ٢٦)، ذلك أن قبائل هوازن المتحالفة لم تشأ التمهل انتظارًا لما يسفر عنه هذا النضال الأخير فحشدت جميع ما لديها من الجند، وعسكرت في الدروب المشرفة على سهل حنين. وعمد مالك بن عوف قائدهم إلى جلب أسر المحاربين وقطعانهم إلى هناك اعتقادًا منه بأن ذلك يثبت من أقدام جنده فلا يمكن قهرهم.
ويوحى لنا القرآن بجملة ملاحظات عن سير هذه الوقعة. قهو ينبئنا بأن المسلمين هزموا في أول المعركة على الرغم من كثرة عددهم، ولم يسلم جيش النبي [ ﷺ ] إلا بعد أن أنزل الله جنودًا من عنده لم ترها العين. وقد خرج كل مؤلف من ذلك برواية تصف هاتين المرحلتين من مراحل المعركة ولم يفته أن يشيد بشجاعة أفراد قبيلته أو أشخاص كان لهم شأن خاص في صدر الإسلام، أما فيما عدا ذلك فإن الروايات تتضارب ويسودها الاضطراب، وهي تدلنا على أن كتاب السيرة النبوية في طورها المتقدم قد لاقوا صعابًا كثيرة في استعادة تطور الحركات التي وقعت في هذه المعركة، ويدخل الطريق بعد أن يغادر واحة حنين الضيقة في ثنيات متعرجة صالحة لأن تكون مكامن ومخابئ.
ومن ثم كمن مالك بن عوف في هذه الدروب انتظارًا لمقدم المسلمين. وأقبل هؤلاء في غير نظام دون أن يتوقعوا مباغتة العدو لهم فدهمتهم خيالة البدو بهجوم مفاجئ وانهالت عليهم السهام من كل ناحية فولى جنود النبي [ ﷺ ] مدبرين ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (سورة التوبة. الآية ٢٥) وتركوا النبي [ ﷺ ] وحده فترة من الزمن فأحاط به
стр. 4352
خطر داهم. وتجد كتب السيرة غضاضة في التعليق على هذا التخلى عن النبي [ ﷺ ] وهي تلقى تبعة ذلك على البدو المتحالفين من قبيلة سُليم وعلى الطلقاء من أهل مكة الذين كان الإسلام لم يتغلغل في قلوبهم. وتختلف الروايات في وصف المعركة باختلاف أسانيدها، فالقرشية تنسب الفضل في ثبات من ثبت من المسلمين إلى المهاجرين، أما الأنصارية فتنسب هذا إلى الأنصار. وكذلك لم تكن الروايات المتأثرة ببلاط الخليفة في بغداد أقل تحمسًا من الأولى للهاشميين. وقد حاول بعض المؤلفين المساس بسمعة أبي بكر وعمر اللذين وليا الخلافة بعد ذلك.
وقد كان النصر حليف المسلمين آخر الأمر، وشاهد ذلك ما جاء في القرآن وما كان من أمر تقدم النبي [ ﷺ ] لمحاصرة الطائف، ذلك أن الطريق إلى هذه المدينة كان قد عبد، ولكن كيف تم لجند المسلمين الغلبة والنصر؟ ذلك ما يحدثنا عنه القرآن: "ثم أنزَلَ الله سكينَتَهُ على رَسُوِلِه وعلى المؤمنينَ وأَنزل جنودًا لم تروهَا وعَذَبَّ الذَين كَفَرُوا وذَلكَ جزاء الكافرين". سورة التوبة الآيه (٢٦) وقد كان خالد ابن الوليد قائد الفرسان من المسلمين القلائل الذين جرحوا في ذلك اليوم، ولا شك أنه كان يخاطر بحياته، ومن ثم يدعونا واجب الإنصاف إلى أن ننسب إليه الفضل في انتصار المسلمين، وكذلك ينسب الرواة من أهل المدينة هذا الفضل إلى الأنصار. ولم تكن حنين معركة بالمعنى الحقيقي للكلمة بل كانت هزيمتين منكرتين أصابت الأولى المسلمين ونزلت الثانية بالبدو من هوازن، وهذا يفسر لنا السبب في كثرة الأسرى، فقد جاء في الروايات أن عدد الأسرى بلغ نحوًا من ستة آلاف امرأة وطفل، علاوة على خسائر المسلمين التي لا يؤبه لها والتي بلغت نحو اثنى عشر قتيلًا. أما الغنائم التي غنمها المسلمون فهائلة، فهي تربى على ٢٤ ألف جمل. وقد اعتصم البدو الهاربون وراء أسوار الطائف.
المصادر:
(١) معجم ياقوت، الطبعة المصرية، جـ ٣، ص ٣٥٤.
стр. 4353
(٥) البكري: المعجم، طبعة فستنفلد، ص ٢٨٧.
(٣) تاريخ اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٦٤.
(٤) صحيح مسلم، جـ ١، ص ٢٨٩, ٢٩١، جـ ٢، ص ٦١، ٦٢، ٦٧.
(٥) طبقات ابن سعد، طبعة سخاو جـ ٢، ص ١٠٨ - ١٠٩، ١١٠، ١١٢، ١١٣، جـ ٣، ص ١١ - ١٢، ١٢٤، ١٩٥.
(٦) مسند ابن حنبل، جـ ١، ص ٢٠٧، ٤٥٤، جـ ٣، ١٥٧، ١٩٠ , ٢٧٩، ٢٨٠، جـ ٤، ص ٥٨، ٢٨١، ٢٨٩، ٣٥١.
(٧) تفسير الطبرى، جـ ١٠، ص ٦٢، ٦٣، ٦٤.
(٨) سيرة ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٨٨٤، ٨٤٥، ٨٥٩ - ٨٥٦. .
(٩) تاريخ الطبري طبعة ده خويه، جـ ٣، ص ٢٣٤٢، ٢٣٤٣.
(١٠) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٤، ص ٥٩.
(١١) النووى: التهذيب، ص ٤٥٠.
(١٢) Annali: caetani جـ ٢، ص ١٦٧.
الشنتناوى [لامنس H. Lammens]
حنين بن إسحاق العبادي
أهم معرّب للعلم الإغريقي القديم، وكان لترجماته الوثيقة البينة لبقراط وجالينوس الفضل الأكبر في أن أصبح الأطباء العرب في القرون الوسطى جديرين بأن يكونوا خلفاء للإغريق.
حياته: ولد حنين سنة ١٩٢ هـ (٨٠٨ م) في الحيرة حيث كان أبوه حسين صيدلانيَّا. وتدل نسبته إلى أنه كان سليل العباد وهم قبيلة عربية اعتنقت مرة النصرانية وظلت بعد ظهور الإسلام أمينة للكنيسة السريانية النسطورية، وأبت أن تدخل في الدين الجديد. ويمكن أن نذهب إلى أن حنين كان منذ شبابه يتكلم بلسانين، ذلك أن العربية كانت لغة مسقط رأسه، أما السريانية فكانت لغة الطقوس الدينية النصرانية ولغة الدراسة المسيحية العالية، واستقر حنين في بغداد في مرحلة تالية من حياته وفيها ترجم كتبا إلى السريانية أكثر بكثير مما ترجم إلى
стр. 4354
العربية مستجيبًا في ذلك لرغبة الزبائن. وأبدى هو نفسه نزوعًا إلى اللغة السريانية على حساب العربية، فقد نعى عليها الافتقار إلى الأسماء العلمية المناسبة إذا قورنت بالسريانية أو الإغريقية أو الفارسية (انظر قطعة من مؤلفه "كتاب النُقَط" نشرها شيخو في مجلة المشرق، جـ ٢٠، سنة ١٩٢٢، ص ٣٧٣). على أنه هو وأفراد مدرسته تحاشوا قدر الاستطاعة أن ينقلوا الأسماء بالحرف، وبذلك ساعدوا على نحت مصطلحات عربية علمية. وكان حنين إلى ذلك يشق عليه أن يكتسب معرفة سليمة بالنحو العربي، بل يقال إنه درسه في البصرة وأنه استحضر منها كتاب العين للخليل بن أحمد. أما أنه قد تهيأت له الفرصة للقاء هذا النحوي المشهور شخصيًا كما أشار إلى ذلك ابن جُلْجُل وغيره فأمر مستحيل لأسباب تتعلق بالتسلسل الزمنى (انظر M. Plessner في rso، جـ ٣١، سنة ١٩٥٦، ص ٢٤٤ وما بعدها) ويجمع أصحاب الطبقات من العرب على أن حنين كان "فصيحًا".
وأخبرنا شاهد عيان كيف تأتى لحنين أن يحصل هذه المعرفة العجيبة باللغة الإغريقية، وهذا الشاهد يدعى يوسف بن إبراهيم (انظر ابن أبي أصيبعة، طبعة Mueller, جـ ١، ص ١٨٥)، ويبدو أن هذه الرواية وثيقة كل الثقة حقًا، فهي تقول إن حنين بدأ دراسة الطب في بغداد على يوحنا بن ماسويه طبيب البلاط المشهور ورئيس "بيت الحكمة". وجرى حنين على الإكثار من الأسئلة العويصة فأثار غضب شيخه وانتهى الأمر بأن أمره الشيخ بترك مدرسته. وهنالك اختفى حنين من قصبة الخلافة نيفًا وسنتين، وسكت الراوى عن ذكر تنقلاته، وإن كانت بعض المراجع تناقض ذلك فتقول إنه شَخَص إلى الإسكندرية، وبعضها تذهب إلى أنه كان يقيم في "بلاد الروم". فلما عاد كان قد تضلع في اللغة الإغريقية حتى بلغ به الأمر أنه كان يستطيع أن يتلو شواهد من هوميروس. ثم اصطلح مع ابن ماسويه الذي شجعه تشجيعًا على الترجمة من الإغريقية (انظر Les axiomes medicaux de Yuhanna Ben
стр. 4355
Massawaih تحقيق P. Sbath القاهرة سنة ١٩٣٤، ص ٨، ٣٣).
وفي عهد الخليفة المتوكل أقيم حنين رئيسًا لأطباء البلاط، ولكنه قاسى المحن الشداد من جراء تقلبات هذا الخليفة. ففي يوم من الأيام وقع حنين فريسة لمكيدة دبرها زملاؤه النصارى. ذلك أنه كان عدوًا لعبادة الأصنام فأغروه بأن يبصق على أيقونه في حضرة أناس، وأثار ذلك غضب الجاثليق النصراني بل غضب الخليفة نفسه. فجلد وحبس وحرم من ضيعته كلها بما في ذلك مكتبته (وانظر عن نصيب هذه الرواية من التاريخ B. Hemmerdinger في Actes du XII .، Int. d'Etudes Byzant, Congr جـ ٢، بلغراد سنة ١٩٦٤، ص ٤٦٧ - ٤٦٩ و Klio ,i G. Strohmaier، جـ ٥٣ - ٥٥، سنة ١٩٦٥، ص ٥٢٥ - ٥٣٣). وأطلق سراحه بعد ستة شهور ورد إلى منصبه وظل متوليًا له حتى وفاته سنة ٢٦٠ هـ (٨٧٣ م). وخلف حنين ابنين داود واسحاق، وأصبح الاثنان طبيبين ممارسين، وسار الثاني على منوال أبيه، وبرع في الترجمة من الإغريقية، ولكنه ركز على ترجمة الكتب الفلسفية.
ترجماته: نسب إلى حنين ترجمة عدد ضخم من الكتب، من طبية إلى فلسفية إلى فلكية إلى كتب في الرياضيات والسحر وتفسير الأحلام. وترجمته العربية للتوراة نقلًا عن ترجمتها السبعينية من أفضل الترجمات (انظر المسعودي: التنبيه، ص ١١٢). وبقدر ما بقى من ترجماته فإن ذلك الذي بقى يمكن أن يساعد على إقرار النص الإغريقي، ذلك أن حنين كانت بين يديه مخطوطات إغريقية أقدم مما بين أيدينا بعدة قرون. ثم إن هذه الترجمات تعد بديلًا قيمًا لبعض الكتب التي فقدت.
وبفضل التحقيق الهام لكتاب حنين "رسالة. . . إلى على بن يحيى في ذكر ما ترجمه من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم" الذي قام به بركسنراسر , Hunain: G. Bergstraesser -Ishaq ueber die Syrischen and Arabis م Ibn chen Galen. ubersetzungen، ليبسك سنة ١٩٢٥، جـ ١٧ - ٢) توفر
стр. 4356
لنا ثبت مفصل بالترجمات المختلفة لجالنيوس التي كانت ميسورة في زمن حنين. وهناك نسخ مختلفة من هذه الرسالة عثر عليها بعد ذلك (- G. Berg Neue Materialen zu Hunain: straeser Ibn Ishaq's Galen Bibliographie، لييسك سنة ١٩٣٢ Abh. K. M.، جـ ١٩ - ٢).
ويذكر حنين ١٢٩ عنوانا من الكتب التي ترجمها هو ١٠٠ منها إلى السريانية والعربية أو إلى كلتا اللغتين. وليس هذا الثبت شاملًا مع ذلك، لأن الرازى كتب رسالة خاصمة "في استدراك ما بقى من كتب جالنيوس مما لم يذكره حنين ولا جالنيوس في فهرسته" (انظر الفهرست، جـ ١، ص ٣٠٠؛ وانظر Epitre de Be-: P. kraus باريس سنة ١٩٣٦، رقم ١٧٥).
ويجب ألا يغيب عنا أن حنين كتب رسالته بعد ضياع مكتبته بأكملها وهو أمر ينوه به حنين مرارًا (ص ١، ١١ ورقة ٣٢، ٥ - ١٠، رقم ٩٥، انظر الرقمين ٤٢ و ١١٨). وفي رسالته كما في مقال آخر هو "في ذكر الكتب التي لم يذكرها جالينوس في فهرست كتبه" (تحقيق Bergstraesser في - Neue Materi alen، ص ٨٤ - ٩٨) يدلى بأقوال عن عدة كتابات نسبت زورًا إلى جالنيوس، ومما هو جدير بالتنويه أن نلحظ مبلغ اتفاق هذه الأقوال مع النتائج التي توصل لها البحث أخيرًا (انظر M. Meyerhof: في SBPr. AK. W. Phil - hist. Kl سنة ١٩٠٠، ص ٥٣١ - ٤٨؛ F. Kudlien في Rheinisches Museum " جـ ١٠٨، سنة ١٩٦٥ ص ٢٩٥ - ٢٩٩)، وإنما مسألة شرح قسم أبقراط هي التي بقيت موضع شك. ويروى حنين أن هذا الشرح صحيح، والذي لا مناص من أن نعتمد عليه الآن هو قطع عربية قليلة منه (جمعها - F. Rosen thal في Bulletin of the History of Medi cine جـ ٣٠، سنة ١٩٥٦. ص ٥٢ - ٨٧) على حين أن حنين كان بين يديه النص كاملًا.
ويورد حنين أيضًا في الرسالة بعض ملاحظات عارضة عن مناهجه في فقه اللغة، وهي لا تختلف عما لدينا، ققد جرى على أن يجمع أكبر عدد ممكن من المخطوطات ويقارن بعضها ببعض حتى يخرج بأساس من النص سليم
стр. 4357
يترجم منه، وكان يرحل في طلب المخطوطات إلى الشام وفلسطين بل إلى مصر. على أن المبادئ التي التزم بها في فقه اللغة تختلف من وجه واحد عن مبادئنا. فقد أحس شأنه شأن غيره من المترجمين النصارى أن الواجب يقتضيه أن يُسقط كل شيات الوثنية من كتب الأقدمين، وشاهد ذلك أنه كان يستبدل بالآلهة الوثنية الإله الواحد وملائكته وما إلى ذلك. ولم يكن هذا في معظم الأحوال ينقص من القيمة العلمية لترجماته، وإن كان يجور على المادة الأسطورية الغنية الواردة في كتاب الحلم لارتميدورس (انظر G. Strohmaier في Die Araber in: Altheim & F. Steih der Alten Welt، جـ ٥، برلين وما يستجد).
وتشمل الرسالة أيضًا معلومات قيمة عن ترجمات جالينوس سواء صنعها حنين أو معاصروه، ولم يعفهم من النقد العنيف، إذا لزم الأمر، كما أنه كان يراجع في كثير من الأحيان ترجماتهم إلى السريانية أو العربية. وكان هو شخصيا يترجم إلى السريانية خدمة لزملائه النصارى أو إلى العربية خدمة لرعاته. ومما يستلفت النظر أنه لم يتحدث بكلمة عن "بيت الحكمة"، والظاهر أن النشاط الكامل في هذا الميدان كان يعتمد على ضرب من الجهود الشخصية: واستخدم حنين شخصين من أفراد عائلته: ابنه إسحاق، وابن أخته حبيش بن الحسن الأعصم، وتلميذًا آخر اسمه عيسى بن يحيى الذي اشترك أيضًا في ترجمة جالينوس. ولم يكن حبيش ولا عيسى يحسنان فهم الإغريقية جيدا، ومن ثم كانا يترجمان إلى السريانية ما ترجمه حنين إلى العربية (رقم ٣٦، ٣٨، ١١٩)، وكانا في أكثر الأحوال يترجمان إلى العربية ما ترجمه حنين إلى السريانية. وكان هذا يؤدى إلى بعض الفساد في نقل النصوص (انظر Galeni Compendium Timaei Platonis تحقيق P. R. Waltzer و Kraus . لندن سنة ١٩٥١، ص ٢٢ - ٢٤) إذا لم يجد حنين أو إسحاق فرصة لمقارنة الترجمات المختلفة الجديدة بالأصل الإغريقى (الأرقام ٢٠، ٤٩، ٦٩، ٨٦، ١١٣،
стр. 4358
١٢٦). وجرت الحال بأن تذكر البيانات التي في آخر مخطوطات هذه الترجمات الجديدة غير المنقولة عن اللغة الأصلية اسم حنين على اعتبار أنه المترجم الوحيد، وهو أمر ذكره بالفعل كتاب الفهرست (جـ ١، ص ١٢٨، ٢٨٩) والسبب في ذلك ليس واضحًا. ولعله يرجع إلى تواضع المترجمين أنفسهم أو أنهم أرادوا أن يخفوا ترجمتهم عن غير اللغة الأصلية كما يفطن إلى ذلك ذو النهى من المسلمين إذ يدركون قصر باع المترجمين.
ومن سوء الحظ أنه لم يتوفر لنا رسالة أخرى من هذا القبيل تذكر ما لم يصنعه جالينوس، وبقى علينا أن نثبت بالتحليل اللغوى وبما قد يقع من أخطاء ناشئة من غموض الكلمات السريانية هل الترجمات العربية الحالية من صنع حنين نقلها مباشرة عن الإغريقية أو هي من صنع مترجم آخر نقلها عن الترجمة السريانية؟ على أن جل هذه الترجمات السريانية مفقود في الوقت الحالي (انظر عن إمكان نسبة بعض القطع من الترجمات إلى حنين: - G. Fur lani في Zs جـ ٣، سنة ١٩٢٤، ص ٢٨؛ J. Schleifer في RSO، جـ ١٨، سنة ١٩٤٠، ص ٣٤٨).
مؤلفات حنين: ألف حنين علاوة على ترجماته عدة كتب معظمها في الطب، وبعضها في الفلسفة وعلم طبيعة الأرض، وعلم الأرصاد، وعلم الحيوان، وفقه اللغة والمسائل الدينية. بل إنه لينسب إليه تاريخ للعالم من آدم إلى عهد المتوكل. ورسائله الطبية معظمها ملخصات لمعارف القدماء وترتيب موادها ترتيبًا جديدًا. وكثير منها كتب في صورة السؤال والجواب، وهذا اللون من التأليف شائع جدًا أيضًا في تفاسير الكنيسة النسطورية في ذلك الزمن للكتاب المقدس (انظر E. G. The selected questions of Ishobar: Clarke Nun on the Pentateuh، ليدن سنة ١٩٦٢، ص ١٠ - ١٣) وكتابه الأساسى في ذلك هو "المسائل في الطب (ومنه مخطوطات كثيرة) وقد ترجم بعد إلى العبرية واللاتينية. وبقى له أيضًا ما يعرف بعنوان - Isagoge Johannitii ad Parvan art en Galeni (ومنه كثير من المخطوطات
стр. 4359
اللاتينية ومتون مطبوعة متقدمة في الزمن). ويقول شتابنشنيدر (Uebersetzungen Die: M. Steinschneider Hebraeischen ص ٧١٠) إن هذا الكتاب هو نسخة أخرى من المسائل في الطب.
وعناوين الرسائل التالية تفصح عن اهتمام حنين بطب العيون خاصة: "العشر مقالات في العين" (تحقيق. M. The book of the ten treatis-: M. Meyerhof es on the eye ascribed to Hunain ibn Ishak القاهرة سنة ١٩٢٨). وهذه الرسالة ظهرت في ترجمتين لاتينيتين هما Liber des oculis Constantini Africani Galini de oculis liber a Demetrio, translatus و (انظر في J. Hirschberg في SBPr. AK. W. سنة ١٩٠٣، ص ١٠٨٠ - ١٩٠٤). وكتب حنين لابنيه داود وإسحاق "المسائل في العين" (تحقيق. P. Le livre des ques-: Sbath & M. Meyerhof tions Sur l'aeil de Honain ibn Ishak، القاهرة سنة ١٩٣٨، MIE، ص ٣٦). وله مقالة صغيرة في حقيقة الضوء هي "الضوء وحقيقته" يظهر فيها أنه جعل أرسطو عمدته في ميدان الفيزياء (تحقيق لويس شيخو في مجلة المشرق، جـ ٢، سنة ١٨٩٩، ص ١١٠٥ - ١١١٣ مع ترجمة فرنسية لها في أعمال مؤتمر المستشرقين الدولى، باريس سنة ١٨٩٧، القسم الثالث، باريس سنة ١٨٩٩، ص ١٢٥ - ١٤٢؛ ومع ترجمة ألمانية بقلم C. Pruefer و M. Meyerhof في مجلة. Isl جـ ٢، سنة ١٩١١, ص ١١٧ - ١٢٨).
أما مصنفه "نوادر الفلاسفة" الذي يستشهد به كثيرًا فموجود في مختارات عربية لاحقة في الزمن. وثمة ترجمة عبرية لها صنعت في القرون الوسطى حققها لوينتال (thal- A. Loewen " سفر موسرى هابيلوسوفيم" فرانكفورت على الماين سنة ١٨٩٦. وترجمها إلى الألمانية هذا الكاتب نفسه، برلين سنة ١٨٩٦): أما النسخة العربية فلا تزال تنتظر من يحققها (انظر Die Sitten sprueche der Philo-: K. Merkl sophen "Kitab adab al -falasifa" von Hon ein ibn Ishaq in der Ueberarbeitung des Muhammed ibn Ali al-Ansari, ليبسك
стр. 4360
سنة ١٩٢١؛ M. Plessner في Tabriz جـ ٢٤، سنة ١٩٥٤ - ١٩٥٥، ص ٦٠ - ٧٢، ٦ ورقة؛ J. Kraemer في. Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells، جـ ١٠٦، سنة ١٩٥٦، ص ٢٩٢ - ٣٠٢). والكتاب في جوهره مجموعة من القصص والرسائل والأقوال المنسوبة إلى الفلاسفة الإغريق القدماء مختلطة بأفكار حنين نفسه، وهي تعتمد على ديوان من مختارات بوزنطية من هذا القبيل وتشتمل على مادة عتيقة (انظر G. Strohmaier في Hermes، عدد ٩٥، سنة ١٩٦٧) ويتناول الجزء الثالث وفاة الإسكندر الأكبر. أما صلته بقصة الإسكندر فلا تزال تفتقر إلى التحقيق. وثمة مقال صغير يقوم على التبرير هو في كيفية إدراك حقيقة الديانة، وهو محفوظ في صيغته المختصرة (تحقيق L. Cheikho في. Noeldeke-Festschrift. جـ ١، كيسن سنة ١٩٠٦، ص ٢٨٣ - ٢٩١ و P. Sbath j في - Vingt traites philos ophiques apologetiques. القاهرة سنة ١٩٢٩، ص ١٨١ - ١٨٥) ويمكن أن تفهم بعض النقاط في هذا المقال على اعتبار أنها مناظرة ذكية حذرة تحمل على الإسلام. أما رسالة حنين إلى على ابن يحيى في المراجع فقد ذكرناها آنفا. وبقيت لنا أيضًا رسالة صغيرة إلى راعيه سلمويه بن بونان على اعتبار أنها مقدمة لترجمته لكتاب جالينوس المعروف باسم De consuetudinibus (الترجمة الألمانية بقلم Corpus: F. Pfaff. Medicorum Craecorum, الملحق، جـ ٣، ص ٤١).
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة:
(١) الفهرست، جـ ١، ص ٢٩٤.
(٢) ابن جلجل: طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق ف. سيد، القاهرة سنة ١٩٥٥، ص ٦٨ - ٧٢.
(٣) ابن صاعد الأندلسي: كتاب طبقات الأمم، طبعة لويس شيخو، باريس سنة ١٩٣٥، ص ٨٠.
(٤) على بن زيد البيهقى: تتمة صوان الحكمة، تحقيق م. شفيع، لاهور سنة ١٩٣٥، جـ ١، ص ٣.
стр. 4361
(٥) ابن القفطي: تاريخ الحكماء، تحقيق j. Lippert، ليبسك سنة ١٩٠٣، ص ١٧١ - ١٧٧.
(١) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء تحقيق A. Mueller القاهرة سنة ١٨٨٢، جـ ١، ص ١٨٤ - ٢٠٠.
(٧) ابن خلكان، رقم ٢٠٨.
(٨) ابن العبرى: Chronicon eccle- siasticum: تحقيق J. B. Abbeloos و Th. J. amy لوفان سنة ١٨٧٢ - ١٨١٧، جـ ٣، ص ١٩٧ - ٢٠٠.
(٩) المؤلف نفسه: - Chronicon syria com، تحقيق J. Bedjan باريس سنة ١٨٩٠، ص ١٦٢، الترجمة اللاتينية بقلم P. J. Bruns G. Kicch و، ليبسك سنة ١٧٨٩، جـ ١، ص ١٧٣.
(١٠) المؤلف نفسه: تاريخ مختصر الدول، تحقيق أ. صالحانى، بيروت سنة ١٨٩٠، ص ٢٥٠ - ٢٥٣.
(١١) Biblioteca J. S. Assemanus orientalis، جـ ٣/ ١ رومة سنة ١٧٢٥ , ص ١٦٤.
(١٢). Geschichte: F. Wuestenfeld. der arabischen Aerzte und Naturforscher كوتنكن سنة ١٨٤٠ (وأعيد طبعه في هلدسهايم، سنة ١٩٦٣) ص ٢٦ - ٢٩.
(١٣) Histoire de la: L. Leclerc medicine arabe جـ ١، باريس سنة ١٨٧٦ (وأعيد طبعه في نيويورك من غير تاريخ)، ص ١٣٩ - ١٥٢) طبعة غير نقدية).
(١٤) Die Her-: M. Steinschneider -baeischen Uebersetzungen des Mittelal ers , برلين سنة ١٨٩٣ (وأعيد طبعه في كراتز سنة ١٩٥٦، ١٠٥٥ (الفهرس).
(١٥) المؤلف نفسه: Die arabischen Uebersrtzungen aus dem Griechischen في Z.DMG - العدد ٥٠، سنة ١٨٩٦ (أعيد نشره في كراتز سنة ١٩٦٠ , ص ٣٩٠، الفهرس).
(١٦) Suter، ص ٢١ - ٢٣.
(١٧) Geschichte der: J. Hirsherg Augenheilkunde، جـ ٢ - ٢، ليبسك سنة ١٩٠٥ ص ٣٤ - ٣٧.
стр. 4362
(١٨) Die euro-: M. Steinschneider paeischen Uebersetzungen aus dem Ara- bischen في Wien, phil. hist. . Kl . ,.SBAK سنة ١٩٠٥. (أعيد طبعة في كراتز سنة ١٩٥٦، ص ٩٨، الفهرس).
(١٩) Hunain Ibn: G. Bergstraesser Ishak und seine Schule، ليدن سنة ١٩١٣ (ولا يزال محتفظًا بأهميته) ليدن سنة ١٩١٣.
(٢٠) Geschichte der: A. Baumstark syrischen literatur، بون سنة ١٩٢٢، ص ٢٢٧ - ٢٣٠.
(٢١) G. Gabrieli ,Ishaq: Hunayn Ibn في Isis جـ ٦، سنة ١٩٢٤، ص ٢٨٢ - ٢٩٢.
(٢٢) New light on: Meyerhof Hunain Ibn Ishaq and his period, في Isis جـ ٨، سنة ١٩٢٦, ص ٦٨٥ - ٧٢٤.
(٢٣) المؤلف نفسه: Les version sy riaques et arabes des ecrits galeniques في Byzantion، جـ ٣، سنة ١٩٢٦، ص ٣٣ - ٥١.
(٢٤) Introduction to the: G. Sarton history of science جـ ١، بالتيمور، سنة ١٩٢٧، وأعيد طبعه سنة ١٩٥٠) ص ٦١١ - ٦١٣.
(٥) Die arabische Ue-: Tkatsch ber setzung der Poetik des Aristotles, جـ ١، فينا سنة ١٩٢٨، ص ٨٠ - ٨٤.
(٢٦) Ara-: H. Ritter & R. Waltzer -bische Uebersetzungen Rriechischer Aerz te in Stambuler Bibliotheken في SBPr AK. W. Phil. hist Kl سنة ١٩٧٤، ص ٨٠١، ٨٤٦.
(٢٧) A bibliogarphi-: Lutfi M. Sa'di cal study of في Hunayn ibn Is-haq al- Ibadi of the Institute of the history of Medicine جـ ٢، سنة ١٩٣٤، ص ٤٠٩ - ٤٤٦.
(٢٨) Brockelmann جـ ١، ص ٢٢٤ - ٢٢٧؛ قسم ١، ص ٣٦٦ - ٣٦٩.
(٢٩) Die arabische: F. Rosenthal Autobiographie في Studia Arabica جـ ١، سنة ١٩٣٧, ص ١٥ - ١٩.
стр. 4363
(٣٠) المؤلف نفسه: Review f Galen on medical experience، تحقيق R. Walzer. في Isis جـ ٣٦ سنة ١٩٤٥ - ١٩٤٦. ص ٢٥٣.
(٣١) المؤلف نفسه: The technique and approach of Muslim Scholarship رومة سنة ١٩٤٧، في مواضع مختلفة.
(٣٢) Geschichte der: G. Graf lireratur chriatirschen arabischen جـ ٢، مدينة الفاتيكان سنة ١٩٤٧ studi etesti ١٣٣)، ص ١٢٢ - ١٢٩ هو مصدر هام).
(٣٣) صلاح الدين المنجد: مصادر جديدة عن تاريخ الطب عند العرب في Revue de L'lnstitut Des Manuscrits Arabes جـ ٥، سنة ١٩٥٩، ص ٢٢٩ - ٣٤٨.
(٣٤) إبراهيم شبّوح: فهرس المخطوطات المصورة، جـ ٣ - ٢، الطب، القاهرة سنة ١٩٥٩.
الترجمات: أرتميدورس:
(١) Le Livre: Artemidore de Ephese des songes traduit du grec en arabe Par Hunayn b. Ishaq. تحقيق ت: فهد، دمشق سنة ١٩٦٤؛ جالنيوس.
(٢) lung darueber Galens: P. Bachmann dass der vorzuegliche Aerzt Philosoph sein muss في Nachrich - ten der Akad d. Wissensch in , Goetlingen phil - hist KI سنة ١٩٦٥، رقم ١.
(٣) On the parts of medi-: Galen cine , On cohesive causes. On regimen in accordance with the the ories of acute diseases in Hippocrates (تحقيق: M. C. Corpus medicorum Graecorum,: Lyons SuppL Orient جـ ٢، برلين).
(٤) Ueber die Verschieden: Galen heit der homoiomeren Koerperteile تحقيق، Gorpus Medic: G. Strohmaier orum Graecorum Suppl. Orient جـ ٣.
أبقراط:
(٥) The ophorisms of Hippocrates, translated into Arabic by Honain Ben Is-chak تحقيق J. Tytzer كلكتة سنة ١٨٣٢.
стр. 4364
(٦) Prognosticon في M. Klamroth: ueber die Auszuege aus griechischen Schriftstellern bei al Ja'qubi في ZD.M.G جـ ٤٠، سنة ١٨٨٦، ص ٢٤ - ٢٣٣.
وانظر عن المقارنات الجديدة:
(٧) Prognostikon Die hippokra-: B. Alexanderson tische Schrift. كوتبوغ سنة ١٩٦٣، ص ١٥٦ - ١٧٣.
(٨) De Diaeta in morbis acutis تحقيق C. Lyons، كمبردج سنة ١٩٦٦.
بروقلوس: (٩) قطعة من الشرح
على طيماوس في - Galeni De conuetudin ibus تحقيق J. M. Schmutte & F. Pfaff ليبسك، برلين سنة ١٩٤١ Corpus me- dicorum Graecopum, Suppl. جـ ٣) ص ٥٥ - ٦٠ (الترجمة الألمانية).
خورشيد [شتروهماير G. Strohmaier]
حواري
وهي مأخوذة من الكلمة الإثيوبية "حواريا" التي تحمل المعنى نفسه (انظر Beitraege zur sem. Sprach-: Noeldeke wiss ص ٤٨) ولا صحة للاشتقاقات التي تقول إن الكلمة مأخوذة من العربية بمعنى "من يرتدى الثياب البيض"، وكان لقب الزبير بن العوام "الحواري".
ونحن نجد في الوقت نفسه أن صيغة الجمع "الحواريون" تطلق على اثنى عشر شخصًا، روى أن محمدًا [ ﷺ ] في بيعة العقبة الثانية أو شهود هذه البيعة) أقامهم نقباء على أهل المدينة قائلًا لهم "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي"، وقد تواتر القول بأن مجموع من شهدها بلغ سبعين أو اثنين وسبعين شخصًا.
وكان من الحواريين الاثنى عشر تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وهم: سعد بن عبادة، وأسعد بن زُرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن أبي خيثمة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وأبو الهيثم بن التيهان، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن
стр. 4365
عمرو، وعبادة بن الصلت، ورافع بن مالك.
على أن رواية أخرى تذهب إلى أن الحواريين كلهم من قبيلة قريش وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان ابن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، (انظر الثعالبي: قصص الأنبياء، طبعة القاهرة، ١٢٩٠، ص ٣٤٤)
وربما أوّلَ البعض الحديث الخاص بهؤلاء الحواريين المسلمين الاثنى عشر تأويلًا لآية من آيات القرآن، ففي سورة آل عمران الآية ٤٥ (١) وسورة الصف الآية ١٤، قال عيسى ". . . من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله. . .".
وثمة أقوال لبعض المصنفين المسلمين تتعلق بتلاميذ المسيح ﵇ يعود أغلبها إلى آيات في الأناجيل.
يونس [فنسنك A. J. Wensinnck]
الحور
جمع حوراء، والمذكر أحور. ومعناها لغة "النساء البيض" أي العذارى في الجنة، ويتميزن بسواد إنسان العين مع اشتداد بياضها. وتعرف الواحدة منهن nomen unitatis في الفارسية باسم حورى (حورى بهشتى أيضًا) وبالعربية حورية. وتفسر الكتب العربية هذه الكلمة بقولها أن الحور هن اللواتى يحار الناظر إليهن، ولا شك أن هذا التفسير خاطئ، بل إن اللغويين العرب الآخرين يرفضونه. وقد وصف القرآن في آيات مختلفة حور الجنة بأنهن "أزواج مطهرة" (سورة البقرة، الآية ٢٣ (٢)؛ سورة آل عمران، الآية ١٣ (٣)؛ سورة النساء، الآية ٦٠) (٤) ويقول المفسرون في معنى ذلك أن الحور مطهرات أيضًا من أدران الجسد ونقائص الخلق. وجاء في سورة
стр. 4366
الرحمن أنهن قاصرات الطرف إلا على أزواجهن: "فيهن قاصراتُ الطرف لم يَطمثهنَّ إِنس قبلهم وَلا جَانٌ" (الآية ٥٦) وجاء في تفسير هذه الآية أن الحور على صنفين أناسى وجن. والحور كما جاء في القرآن (سورة الرحمن، الآية ٧٢) مقصورات في الخيام، وقد شبهوا بالياقوت والمرجان (سورة الرحمن، الآية ٥٨).
وقد استطاعت الكتب العربية فيما بعد أن تفيض في وصف جمال خلق الحور، فذكرت أنهن خلقن من الزعفران، والمسك والعنبر والكافور، وأنهن على ألوان أربعة: بيض وخضر وصفر وحمر، وأنهن من الشفوف بحيث يظهر نخاع عظامهن من خلال سبعين رداء من الحرير. وإذا تنخمن فإن نخامتهن على الأرض تنعقد مسكا. ومكتوب على صدورهن اسمان: اسم من اسماء الله واسم زوجهن. وهن يتقلدن جواهر وحليًا كثيرة .. إلخ. وتسكن الحور القصور الجميلة تحيط بهن الجوارى وتحف بهن مظاهر الترف .. الخ.
وعندما يدخل المؤمن الجنة ترحب به حورية من هؤلاء الحور. ولكل مؤمن عدد كبير منهن رهن مشيئته، وهو يواقع كل واحدة منهن بعدد الأيام التي صامها من رمضان وبعدد الحسنات التي أداها. وهن مع ذلك عذارى كلما أتاهن أزواجهن (سورة الواقعة، الآية، ٣٥) (١) وهن مستويات في السن مع أزواجهن (سورة الواقعة، الآية ٣٦) (٢) أي أن الواحدة منهن في سن الثالثة والثلاثين (البيضاوى).
وهذه الأوصاف إلى جانبها أوصاف أخرى من طبيعة مغايرة. فالبيضاوى يتساءل عند تفسيره لكلمة أزواج (سورة البقرة، الآية ٢٣) (٣) عن هدف المضاجعة في الجنة من حيث أن الغرض منها في الحياة الدنيا هو التوالد وحفظ النوع، وهو يقول في تفسير هذه المعضلة أنه وإن كانت المساكن والمطاعم والمناكح وسائر الأحوال في العالم العلوى تشارك نظائرها وتسمى بأسمائها فإنما يكون ذلك "على سبيل
стр. 4367
الاستعارة والتمثيل ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها".
ويلاحظ البيضاوى في آية أخرى (سورة الدخان، الآية ٥٤) أنه اختلف في أن الحور نساء الدنيا أو غيرها.
ويذهب سيل The Koran) Sale لندن ١٨٢١، Preliminary Discourse ص ١٣٤) إلى أن النبي محمد ﷺ استقى فكرة حور الجنة من المجوس Parsis ولكن دوزى (Het Islamisme: Dozy هارلم سنة ١٨٨٠، ص ١٠١، التعليق) يرفض هذا الرأي، ويلاحظ أن المصدر المجوسى الذي يقول به سيل أحدث عهدًا بكثير من القرآن، وعلى ذلك تنعكس الحجة.
المصادر:
(١) انظر تفاسير القرآن للآيات الواردة في هذه المادة.
(٢) البخاري: صحيح، كتاب بدء الخلق، باب في صفات الجنة.
(٣) الغزالي: إحياء علوم الدين، القاهرة سنة ١٨٢٨، جـ ٤، ص ٤٦٤.
(٤) كتاب أحوال القيامة، طبعة وولف Wolff ص ١١١ وما بعدها، النسخة الألمانية، ص ١٩٩ وما بعدها.
(٥) وانظر المؤلفات الأوربية التي كتبت عن الإسلام.
الشنتناوى [فنسنك A. J. Wensinck]
حوران
وهي بالعبرية حورن الواردة في الكتاب المقدس، وحوارنو المذكورة في الكتابات المسمارية، وأيرانيتيس باليونانية التي ذكرها يوسفوس - Jose phus. إلخ: إقليم على الجانب الآخر من نهر الأردن ليس له حدود معينة واضحة المعالم. وحوران ذاتها هي جبل حوران وسهل النقرة، أما حوران بمعناها الواسع فتشمل الأراضى الممتدة إلى إقليم جيدور ونهر العلان أحد روافد اليرموك ووادي الشلّالة. وتمتد جنوبًا حتى البلقاء وسهوب الحماد، ومع ذلك فإن متصرفية حوران التركية تضم أيضًا إقليم جيدور وجولان (Gaulanitis) وعجلون Gilead والبلقاء. ويقيم الحاكم (المتصرف) في الشيخ
стр. 4368
سعد. أما المراكز الإدارية التي يتولاها القائممقام فهي بصر الحريرى والسويداء والقنيطرة ودرعات (Edrei) وإربد والسلط وهي تابعة له. وكان هذا الإقليم يعرف في عهد مماليك مصر باسم القبلية، وكان الوالى يقيم في درعات. وكانت بصرى قصبة هذا الإقليم في عهد متقدم على ذلك. وتتكون أرض حوران بأكملها من الحمم البركانية، وهي وافرة الخصوبة. وسهل النقرة هو بمثابة أهراء الشام. على أن منطقة اللجاء المجاورة له عبارة عن صحراء موحشة. وجبل حوران (يعرف باسم Asalmanos عند القدماء) ويسمى عادة باسم الدروز نسبة إلى سكانه الحاليين هو أعلى جبل في إقليم شرق الأردن إذ يبلغ إرتفاعه ستة آلاف قدم.
تاريخها: لحوران شأن كبير في الأحداث التاريخية. ولما كانت هذه الأحداث ترجع إلى عصور موغلة في القدم أو إلى العهود الرومانية والبوزنطية فلسنا بحاجة إلى التحدث عنها في هذا المقام. فقد كان يقوم في هذه البقعة حتى في العهد السابق على الفتح العربي مملكة عربية تحت حماية البوزنطيين (الروم)، وكانت العاصمة بصرى أول مدينة فتحها العرب (عام ٦٣٤ م) وكانت حوران وفقًا لنظام الجند تابعة لجند دمشق، وظل هذا شأنها منذ ذلك، وإن كان هذا التقسيم الحربى قد بطل استعماله من بعد، وظهر الاسم ولاية "دمشق" بعد اصطناع التقسيم الإدارى. وعلى هذا فإن تاريخ حوران يندمج في تاريخ الشام. بل إن تاريخ حوران كان له، في فترة من الزمن، شأن أهم من ذلك إبان الحروب الصليبية عندما أخرج المسلمون من فلسطين وهاجروا إلى هذا الإقليم واستطاعوا الصمود أمام النصارى هناك، وعاد هؤلاء المهاجرون إلى أوطانهم الأولى بعد سقوط بيت المقدس، ولم يتخلف بحوران سوى أشتات من القبائل العربية ينتظمون تحت ذلك الاسم العام ألا وهو "عربان الجبل".
стр. 4369
وأخذت حوران في العمران في القرن الثامن عشر فسكنها دروز لبنان، ذلك أن الشهابيين انتصروا على خصومهم اليمنيين عام ١٧١١ ثم هاجروا إليها، وكان على رأسهم أسرة حمدان التي استقرت في السويداء. وقد تكررت هذه الهجرات في القرن التاسع عشر عندما أخذت أحوال لبنان تزداد سوءًا بالنسبة للدروز. وكان الدروز من ناحية يعيشون في حوران عيشة مستقلة لا يؤدون الضرائب، وسرعان ما عمهم الرخاء لخصوبة أرض هذه البلاد. وانقرضت أسرة حمدان التي كانت حتى ذلك الحين في طليعة الأسرة الدرزية البارزة فحلت محلهم أسرة الأطرش. ثم إن الباب العالى قرر عام ١٨٥٢ إنفاذ حملة لإخضاع الدروز، ولكن هذه الحملة سحبت ثانيًا عند نشوب حرب القريم. وقد رأى مدحت باشا أن يتفق وديًا مع الدروز فاختار واحدًا من شيوخهم قائمقامًا على حوران وجعل مقره السويداء. وأفلح هذا القائمقام في إدارة هذا الإقليم على النمط التركى، وقد رضى الشيوخ عن ذلك رضاءً تامًا لأن الحكومة التركية كانت تشد أزرهم، إلا أن الفلاحين حنقوا أشد الحنق وانتفضوا على الحكومة فعادت الفوضى وعمت أرجاء حوران سريعًا بل أفلح الدروز عام ١٨٩٥ في محاضرة السكان المسلمين في قرية الحراك من أعمال النقرة، وكان هؤلاء قد احتموا بالمسجد وأجبروهم على التسليم وهدموا المسجد. واضطر الباب العالى مرة أخرى إلى التدخل، وحدثت حروب دموية لم تؤد إلى استقرار السلام في ربوع البلاد، واخيرًا تمكن عبد الله باشا بما اتخذه من إجراءات حاسمة من كسر شوكة الدروز وأقام الأمور في مجراها الحسن.
المصادر:
لقد ذكر Le Strange المصادر العربية القديمة في كتابه (١) Palestine under the Moslems، ص ٣٢ - ٣٤.
(٢) على جواد: ممالك عثمانية تاريخ جغرافيات لغات، ص ٣٥٠ وما بعدها.
(٣) ابن فضل الله: التعريف بالمصطلح الشريف، القاهرة ١٣١٢ هـ، ص ١١٧، وما بعدها.
стр. 4370
(٤) Erdkunde: Ritter جـ ١٥.
(٥) Damascus: Porter Five Years in جـ ٢، ص ١ وما بعدها.
(٦) and Drake Syria Unexplored: Bunion جـ ١، ص ١١٢ وما بعدها.
(٧) Reiseber uber den: Wetzstein Hauran and die Trachonen .
(٨)Zeitschr. des Deutsch. Palaesti- na- Vereins جـ ١٢، ٢٠، ٢١.
(٩) Vom mittelmeer zum: Oppenheim Pers. Golf. جـ ١، ص ٨٧ وما بعدها.
(١٠) Geographie des alt. Pa-: Buhl Last انظر الفهرس.
(١١) Palestine and Syria.: Baedeker
[الشنتناوى]
حوران إقليم في جنوبى سوريا، تتاخمه من الشرق الكتلة البركانية لجبل الدروز، ومن الشمال هضبة اللجاء وسهل دمشق، ومن الغرب الجولان ومن الجنوب اليرموك، وهو إقليم يطابق تقريبًا المنطقة الإدارية، أو اللواء الذي يحمل الاسم نفسه، ويمتد حوالى ١٠٠ كيلو متر من الشمال إلى الجنوب، و ٧٥ كيلو مترًا من الشرق إلى الغرب، وكان قد أطلق اسم حوران فيما سبق على الإقليم البازلتى الذي يفصل سوريا عن الأردن. ومن ثم كان يشتمل على جبل الدروز واللجاء. والهضبة المنخفضة (متوسط ارتفاعها ٦٠٠ متر فوق مستوى البحر)، التي هي "قلب حوران (المعروفة باسم النقرة) وسفوح الجبل أيضًا، مغطاة بأرض صالحة للزراعة، نشأت من تحلل الصخرة البركانية، والماء المستمد من الينابيع العديدة التي تنبجس على جانب الكتلة الضخمة، هي ومياه الأمطار التي تسقط كثيرًا نسبيًا، تسمح بزراعة الحبوب.
وقد كانت حوران آهلة بالسكان منذ تاريخ قديم جدًا. وورد ذكر مدنها الصغيرة وقراها في رسائل تل العمارنة وفي سفر التثنية (الإصحاح الثالث، الآية ٤ و ٥)، ولكن الإقليم، وقتذاك، كان بصفة عامة معروفًا باسم
стр. 4371
بشان. واحتله العبرانيون في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وتنازعت على ملكيته مملكتا إسرائيل ودمشق، وأخيرًا اجتاحه وغزاه الأشوريون الذين ظلت لهم السيادة عليه طوال قرن من الزمان (٧٣٢ - ٦١٠ ق. م). وفي القرون التالية حققت سيطرة الأكمينيين لحوران فترة طويلة عَمّ فيها السلام، وازدهرت في خلالها المدن واصطبغت البلاد بالصبغة الآرامية على نطاق واسع. وكان العصران اليوناني المتأخر والرومانى أقل استقرارًا. ولما اضمحلت الإمبراطورية السلوقية نما عدد من الدويلات الأهلية حول حوران وأصبحت من بعد مسرحًا للمعارك التي نشبت بينها. وكان النبط، وهم من أصل عربي، هم في الغالب الذين تسللوا إلى حوران واستقروا بصفة دائمة في الجنوب في بصرى وصلخد، على حين عهد الرومان إلى الإيدوميين بحفظ النظام في مناطق تراخونيتس (لجاء) وأورانيتيس (جبل حوران) وباتانيا (سهل حوران) وفي عام ١٠٦ م ضم الرومان حوران، التي أصبح جنوبها جزءًا من الولاية الجديدة للجزيرة العربية، على حين أن الباقى الذي ألحق أولًا بولاية سوريا، أصبح شيئًا فشيئًا ملحقًا بالجزيرة العربية أيضًا.
وقد اتسم العصر الرومانى بتطور مدن وقرى كبيرة، يسكنها في الغالب آراميون ويهود، وازدادت عمرانا بالتسلل المتزايد لعناصر عربية، ونبطية وصفاوية. واستمر هذا التسلل في اطراد في العصر البوزنطى، عندما نفذت جماعات جديدة، من جنوبى الجزيرة العربية أحيانًا إلى حوران والسهب المجاورة، لتكسب السيطرة على أطراف الصحراء. والتحق البعض بخدمة البوزنطيين. وحلوا أي هؤلاء الغساسنة، محل بنى صالح حوالى القرن الخامس الميلادى. وكانوا شبه بدو، نصبوا في حوران مخيمات دائمة، أشهرها مخيم الجابية ثم أصبح الإقليم مستعربًا مستغرقًا في عروبته على حين انتشرت النصرانية في الوقت نفسه.
стр. 4372
وفتح المسلمون آخر الأمر حوران، في رجب سنة ١٣ هـ (سبتمبر سنة ٦٣٤ م) بعد وقعة اليرموك، التي أوقفت الهجوم المضاد للروم (البوزنطيين) ويبدو أن سكانها قد أيدوا الأمويين، وبعد سقوطهم في أيديهم قاموا، بزعامة من يدعى حبيب بن موسى، بفتنة قمعها عبد الله بن على عم الخليفة العباسى.
وخلال العصر العباسى، عانت حوران، بصفة خاصة، من غارات عصابات القرامطة ثم كانت حوران، في عصر الحروب الصليبية، مسرحًا لمعارك وغارات عديدة قام بها الصليبيون الذين كانوا يجيئون من آن لآخر لنهب المنطقة، محاولين الاستيلاء على حصونها الرئيسية، أو كانوا يعبرون بها في طريقهم لمهاجمة دمشق. على أن حوران عانت أيضًا من فعال زنكى، عندما كان يحاول الاستيلاء على دمشق. وفي عام ٦١٤ هـ (١٢١٧ م) ظهر الصليبيون آخر مرة في حوران. وبعد ذلك بقليل، أي في عام ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) نهب الخوارزميون الذين كان الحكام الأيوبيون قد استدعوهم، شمال حوران، ثم ظهر المغول هناك عام ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م) قبل هزيمتهم على يد المماليك في عين جالوت.
وفي القرن السادس -السابع الهجري (القرن الثاني عشر- الثالث عشر الميلادى) قسمت حوران مقاطعتين، هما حوران بعينها، التي تناظر أورانيتيس في الأزمنة القديمة، والبثنية، التي تناظر بتانيا، وكلاهما يتبعان ولاية دمشق. وكانت وقتذاك إقليما ينعم بالرخاء، فيه قرى عديدة، وله إنتاج كبير من الحبوب، وفريق من سكانه نصارى.
وكان الإقليم في عصر المماليك، يتكون من ولايتين هما حوران وعاصمتها بصرى، والبثنية، وعاصمتها أذرعة، هما ونيابة صلخد، التي كان الآمر في حصنها المنيع أمير رتبته رفيعة وضم إليها، على الأرجح، منطقة تناظر اللجاء، بعاصمتها في زرع. وفي هذا الوقت كان
стр. 4373
يمر بالإقليم طريق البريد من دمشق إلى غزة، على حين كانت قوافل الحجاج تنطلق من بصرى. ولكن الإقليم عانى في القرن الثامن الهجري (العاشر الميلادى) من تسلل جماعات بدوية، تنتسب إلى بنى ربيعة الذين استقروا بالتدريج هناك.
وشهد العصر العثماني تسللا لجماعة بدوية أخرى تنتسب إلى بنى ربيعة هي جماعة عنزة، التي ساقت تجاه الغرب البدو الذين وصلوا في وقت سابق، وتغلغلوا في المنطقة المستقرة، ونشروا أسباب الاضطراب وتعكير الأمن. وأكره سكان القرى على أداء "ضريبة أخوة"، وهناك نشبت بين الجماعات المتنافسة، وبخاصة في بداية القرن التاسع عشر، معارك لم يجد باشا دمشق مناصًا من أن يوقفها. وفي القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادى) انتقل طريق الحج إلى أبعد من ذلك غربًا، ولم يعد الحجاج يتجمعون في بصرى، بل في المُزَيْرِب، حيث تقام سوق سنوية منذ ذاك.
وشهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر أيضًا توطن الدروز، الذين كانوا في الأصل يقطنون جنوبى لبنان، في جبل حوران. وفي القرن الثامن عشر، طرد هؤلاء القوم الجبليون السكان الأصليين إلى السهل، فأصبح وجودهم عنصرًا جديدًا من عناصر القلق. وعلى حين ظهرت، حوالى عام ١٨٤٤ , قبيلة الروالة في حوران، واشتبكت في صراع مع عنزة، فإن الدروز الذين كانوا قد ظلوا في لبنان وتورطوا في مذابح عام ١٨٦٠، فروا أيضًا إلى جبل حوران وطردوا آخر الباقين من السكان غير الدروز. وفي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، أدمج العثمانيون حوران في ولاية أكبر، شملت علاوة على جبل حوران ونقرة، جيدور، والجولان، وعجلون والبلقاء. وهذه الولاية الجديدة كانت بمثابة قاعدة للحملات التي قصد بها إخضاع الدروز، وفي هذا الوقت أدخلت في الإقليم مستعمرات الشراكسة. وعجز العثمانيون عن أن يجعلوا السلام التام
стр. 4374
يسيطر على الإقليم، ومع ذلك فإنهم أعادوا الأمن للسهل، الذي كف فيه البدو عن طلب دفع ضريبة الأخوة من بعض القرى. ولما أنشئت السكة الحديدية للحجاز عام ١٩٠٤ وضع ذلك حدا لتجمع الحجاج في المزيرب وللسوق السنوية التي كانت تقام هناك. وكان لهذه السكة الحديدية شأن استراتيجى في حرب ١٩١٤ - ١٩١٨ وبخاصة في أثناء إنسحاب الجيش التركى في سبتمبر سنة ١٩١٨.
واحتل جنود الأمير فيصل حوران عامين تقريبًا، وثارت حوران في يوليو عام ١٩٢٠، عندما دخل الجنود الفرنسيون دمشق. وقمع تمرد آخر قام به الدروز عام ١٩٢٥ بمشقة أكبر. ومع ذلك فإن الدروز وإقليم حوران شهد أيام الانتداب الفرنسى فترة ساد فيها الأمن وانتشر الرخاء بعض الانتشار، ولقى فيها السكان المستوطنون الحماية من مطالب جيرانهم البدو.
وأعيدت حوران في دولة سوريا إلى حدودها العادية مكوّنة لواء، عاصمته أذرعة، ويتألف، من قضاءين -أذرعة وأزرع. وكان سكانها عام ١٩٣٣، ٠٠٠. ٨٣ نسمة، منهم ٠٠٠. ٧٧ نسمة يقطنون في ١١٠ قرية، بعضها مثل أذرعة، ونوى وبصرى وأزرع، مدن صغيرة في الواقع. والسكان مختلفو الجنس: ويوجد هناك مع الدروز، الذين يعيشون في الغالب على سفح الجبل، والفلاحين الحورانيين المسلمين السنيين، شراكسة وبدو في سبيلهم إلى أن يصبحوا مستوطنين، وبعض النصارى من الأرثوذكس والكاثوليك يتجمعون بصفة عامة على حافة الجبل. وحوران إقليم يعج بالحركة، وينعم بالرخاء. وهو يعتبر "مخزن الحبوب لسوريا" ويشقه طريق وسكة حديدية يربطان دمشق والأردن، ويطرقه البدو الذين يأتون هناك بعد الحصاد ليستبدلوا بالصوف والزبد السلع المختلفة التي يحتاجون إليها.
المصادر:
(١) Les cultes au Hauran: D. Sourdel L'epoque romaine باريس سنة ١٩٥٢، المقدمة.
стр. 4375
(٤) La Penetration des: R. Dussaud Arabes en Syrie avant L'Islam باريس سنة ١٩٥٥.
(٣) Les Parlers arabes: J. Cantineau du Horan باريس سنة ١٩٤٦، ص ١ - ٦٥.
(٤) Topographie histo-: R. Dussaud rique de La Syrie,، باريس سنة ١٩٢٧، ص ٨١.
(٥) Glographie de la: F. M. Abel Palestine جـ ١، باريس سنة ١٩٣٨ ص ٨ - ١١.
(٦) Palestine under: G. Le Strange .the Moslems ص ٣٣ - ٣٥.
(٧) La: M. Gaudefroy Demombynes Syrie a L'epoque des Mamelouks باريس سنة ١٩٢٧، ص ٦٥ - ١٩، ١٧٨ , ١٩١ - ١٩.
(٨) Hiestoire des Croi-: R. Grousset sades، باريس سنة ١٩٣٤ - ١٩٣٦ الفهرست، انظر Hauran.
(٩) La Poste aux che- J. Sauvaget vaux dans L'empire des Mamelouks باريس سنة ١٩٤١، ص ٦٨.
(١٠) Le Pelerinage syrien: R. Tresse aux Villes Saintes de L'Islam باريس سنة ١٩٣٧.
(١١) البلاذرى: فتوح، ص ١١٢ و ١٣٥.
(١٢) اليعقوبى: البلدان، ص ٣٢٦.
(١٣) ابن خرداذبة، ص ٧٧.
(١٤) ابن حوقل: ص ١٢٦.
(١٥) ياقوت: جـ ٢، ص ٣٥٨؛ جـ ٤، ص ٣١٦.
(١٦) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة، جـ ٢ - ٢: لبنان والأردن وفلسطين، تحقيق س. الدهان، دمشق سنة ١٩٦٣، ص ٥٥ - ٦٦.
(١٧) الطبرى: جـ ٣، ص ٥٢ و ٥٥ - ٥٦، ٢٢٥٨.
(١٨) المسعودي: التنبيه، ص ٣٧٢.
آدم [د. سوردل D. Sourdel]
стр. 4376
الحوض
وهو الحوض الذي يلقى عنده محمد [ ﷺ ] أمته يوم القيامة، ولا وجود لهذه الفكرة في القرآن، ولكنها توجد في الحديث، فهو يزودنا بتفاصيل كثيرة منوعة أهمها ما يأتي:
يسمى محمد [ ﷺ ] فَرَط أمته (أي الشهيد عليها) وأول من يلقاه من أمته يوم القيامة عند الحوض هم الفقراء الذين لم يعرفوا نعيم الدنيا. (البخارى: كتاب الجنائز باب ٨٣؛ كتاب المساقاة باب ١٠؛ كتاب الرقاق، باب ٥٢؛ أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ١٣٢, الطيالسى رقم ٦٩٥).
وتثير أوصاف الحوض مسائل تتصل بصفة الكون، فإن بعده كما بين جرباء وأذرح (وفي أقوال أخرى كما بين أيلة وصنعاء من اليمن أو كما بين عدن وعمان أو كما بين المدينة وصنعاء .. إلخ) وفيه من الأباريق كعدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، ومن شرب من مائه لا يظمأ أبدًا، ويملؤه صنبوران من الجنة أحدهما من الذهب والآخر من الفضة. وتصل بعض الأحاديث الحوض بنهر الجنة الكوثر. والقول بأن منبر محمد ﷺ فوق الحوض إنما هو جزء من صفة الجنة (جنة فردوس).
ومن المتعذر تعيين موضع بعينه للحوض بين مشاهد القيامة، فقد ورد في حديث صحيح (الترمذى: كتاب القيامة، باب ٩؛ أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ١٧٨) أن محمدًا [ ﷺ ] قال إنه إذا لم يكن بالقرب من الصراط، فإنه يكون إلى جانب الميزان أو الحوض. وفي المجموعة المعروفة بالفقه الأكبر الثاني، يأتي الحوض بعد الميزان مباشرة (مادة ٢١) ولم يذكره الغزالي في مصنفه الدرة الفاخرة، ولا صاحب كتاب أحوال القيامة.
أما في كتاب الإحياء فقد وضعه (الغزالى) بين باب الشفاعة وصفة الجنة والنار.
المصادر:
(١) الأقوال المتصلة بالأحاديث في Handbook of Early Muh. Tra-: Wensinck dition مادة حوض.
стр. 4377
(١) الطبري: التفسير، جـ ٣٠، ص ١٧٦, وما بعدها.
(٣) مواد الحديث في The: Wensinck Muslim Creed. والفهرس، مادة حوض.
(٤) الغزالى: الإحياء، طبعة القاهرة ١٣٠٢ هـ، جـ ٢ ص ٤٧٨.
يونس [فنسنك A. J. Wensinck]
الحوطة
اسم عدد من المدن في الجزيرة العربية، نذكر هنا أهمها. وتضم المدن القائمة في الجزء الجنوبى من شبه الجزيرة أضرحة أولياء ذائعى الصيت.
وحوطة القطن تقوم أسفل الجدار الجنوبى لوادي حضرموت على بعد حوالي ٢٠ كم غربى شبَام، وهي تنتمى إلى سلطنة الشِّحر والمكَلأ الكُعَيطيّة، وهي الدولة التي كانت تحتل المكانةَ الأولى في المحمية البريطانية الشرقية بجنوبى الجزيرة العربية، والقصر القائم هناك هو مقر إقامة الحاكم الكُعيطِي لإقليم شبام. وقد وصف بنت Bent البناء بقوله إنه "مثل قصر للجن في حكايات ألف ليلة وليلة، أبيض مثل كعكة الزفاف، فيه معاقل وأبراج عديدة، ونوافذه مدهونة بطلاء أحمر .. وخلفه ترتفع الصخور الوعرة الحمراء للجبال المحيطة به" وبعض سكان المدينة ينتمون لقبيلة يافع وهي قبيلة السلطان الكعيطى.
ومدينة الحوطة تقوم في الحوض الأعلى لوادي ميفعة، وهي أيضًا في المحمية الشرقية، وليست في الشمال الأقصى من عَزان، عاصمة سلطنة بل حاف الواحدية، التي تقوم المدينة داخل أراضيها. وفي سلطنة عَوْلَقِى الدنيا، وهي دولة في المحمية الغربية، تقوم قرية الحوطة على الساحل قرب مصب وادي أحور. وبلدة أحور في داخل البلاد، وهي عاصمة السلطنة. وقاعدة سلطان لحج العبدلى، أول رئيس في المحمية الغربية، هي بلده الحوطة الجفارية الكبيرة التي نسبت إلى ضريح الولى مزاحم بلجفار، الذي يحتفل بزيارته في شهر رجب.
стр. 4378
وقد نشأت قبيلة تميم في نجد الوسطى منذ عصر الجاهلية. وأحد مراكزها هو الوادي الذي أطلق عليه الهمدانى (القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادى) اسم بطن الفَقى، وهو يعرف الآن باسم وادي سدَيْر، شمالى غرب الرياض. ويجرى الوادي أسفل المنحدر الشرقى لطويق، ويصب في العتك. ويدخل الهمدانى في منازل تميم هناك، "الحائط"، والراجح أنه هو عين الحوطة الحديثة (حوطة سدَير) في الجزء الأوسط من الوادي، بين الروضة والجنوبية. ومهما يكن من أمر فإن سكان الحوطة لا ينتسبون إلى تميم وحدها، وذلك أن فيهم عناصر من بنى زيد وبنى خالد. . . ولقبيلة تميم مركز آخر جنوب الرياض في إقليم عُلَيَّة حيث يجرى أيضًا وادي الحوطة أسفل المنحدر الشرقى لطويق. ويضارع وادي الحوطة تقريبًا وادي برك الذي يقع جنوبه تمامًا.
وفي الجزء الأوسط من وادي الحوطة، يقوم الحريق أو حريق نعام (نعام هو الاسم الذي أطلقه الهمدانى على الوادي). وأبعد من ذلك، ينثنى الوادي انثناءً حادًا ويجرى تجاه الشمال متخذًا اسم وادي السوط (الذي ذكره الهمدانى)، ليصب في وادي الصهباء. وقبل هذه الثنية مباشرة تقوم الحوطة نفسها، وتسمى أيضًا حوطة بنى تميم، وهي مجموعة من الواحات، وأهمها الحلة والحلوة. وهناك عرب آخرون يعيشون جنبًا إلى جنب مع تميم، وتربط علاقات وثيقة بين تميم في الحوطتين.
وما من شاهد واحد يدل على ضريح في أية حوطة من حوطات نجد. ورجال تميم في هذه الأجزاء مشهورون بإخلاصهم إلى حد التعصب لتعاليم محمد بن عبد الوهاب وهو نفسه فرد من هذه القبيلة، هاجم بقوة المعتقد الديني في الأولياء وتبجيل العامة للأضرحة.
المصادر:
(١) الهمدانى.
(٢) صلاح البكري: في جنوب الجزيرة العربية، القاهرة سنة ١٣٦٨ هـ = ١٩٤٩ م.
стр. 4379
(٣) أحمد فضل العبدلى: هدية الزمان في أخبار ملوك لحج وعدن، القاهرة سنة ١٣٥١ هـ.
(٤) تركى بن محمد آل ماضى: تاريخ آل ماضى القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ (تفصيلات عن تميم وحوطات نجد).
(٥) Southern Ara-: J. and M. Bent bia لندن سنة ١٩٠٠.
(٦) D. Van der Meulen and H. Von Hadramaut: Wissmann، ليدن سنة ١٩٣٢.
(٧) Arabia and the: W.H. Ingrams Isles، لندن سنة ١٩٥٢.
(٨) Arabica: C. de Landberg جـ ٥، ليدن سنة ١٨٩٨.
(٩) المؤلف نفسه جـ ٢: Etudes جـ ٢: ٣، ليدن سنة ١٩١٣.
(١٠) الأميرالية A handbook of Ara- bia، الطبعة الثانية، لندن سنة ١٩١٦ - ٧.
(١١) الأميرالية: Western Arabia and the Red Sea، لندن سنة ١٩٤٦.
آدم [ج. رنتز G. Rentz]
حواء
زوج آدم، خلقت في الجنة من ضلعه الأيسر في أثناء نومه دون أن يستشعر لذلك ألمًا، وإلا لما اتصلت مودة كل رجل لزوجه (الثعالبى ص ١٨؛ الكسائى ص ٣١). ولما كانت قد خلقت من كائن حى فقد أسماها "حواء" (المصدر السابق؛ الطبرى جـ ١، ص ١٠٩؛ ابن الأثير جـ ١، ص ٢٣؛ وانظر سفر التكوين، الإصحاح الثاني، الآية ٢٣) (الثعلبى؛ نفس المصدر، وهو يتفق مع سفر التثنية، الإصحاح ٦؛ سفر التكوين الإصحاحين ١٤، ١٧) وعلى حواء (سورة الأعراف، آية ٢٠؟ ) معظم الوزر في الخطيئة الأولى (١) فقد
стр. 4380
أغواها إبليس فأكلت من شجرة الشر. وتذهب رواية إلى أن حواء قدمت لزوجها الخمر الأولى فضلا عن الفاكهة المحرمة فأصبحت الخمر الخطيئة الأولى (الثعلبى؛ وسفر التكوين، الإصحاح نفسه) ثم أصبحت مصدر الشر كله. وتقول رواية أخرى إن هذه الأكلة غمرت الإنسانية كلها في ألم مقيم (الثعلبى، الموضع نفسه والمدرش) وتتذكر بنات حواء جريرة أمهن بالعقوبات العشر التي منها الحيض والحمل والمخاض، وأخذت حواء عهدًا يسرى عنها وهو أن كل امرأة تقية برة بزوجها تدخل الجنة جزاء ما احتملت من آلام المخاض القاتلة. فإذا ماتت إبان الولادة سلكت مع الشهداء وضمت إلى زوجها في الجنة.
وتكاد تتفق المصادر اليهودية والعربية اتفاقًا حرفيًا في رواية زواج آدم وحواء الذي شهده الله وجبريل وغيره من الملائكة (A Sanh, Baba. B. Levit R. ١٧ , ١١ Gen. R. ١١ Erubin ٢٠، A Koheleth ٨، الكسائى ص ٣٥).
وقد حج آدم وحواء إلى مكة بعد أن خرجا من الجنة وأقاما بعض المناسك، وحاضت حواء للمرة الأولى، فنكت آدم الأرض فتفجرت عين زمزم وتطهرت بمائها. وماتت حواء لسنتين خلتا بعد موت آدم ودفنت إلى جواره.
المصادر:
(١) الطبرى، تاريخ، جـ ١، ص ١٠٩ وما بعدها.