خديجة
أولى زوجات النبي، [ ﷺ ] وهي ابنة خويلد بن عبد العزى القرشى. وقد أجمع الثقات على أنها كانت -في الوقت الذي عرفت فيه محمدًا [ ﷺ ] وعمل في تجارتها- أرملة تاجر ميسور الحال تقوم بنفسها على شئون تجارتها. وقد تزوجت قبل النبي [ ﷺ ] مرتين، وأعقبت فيهما ذرية؛ فأما زوجها الأول فهو رجل من مخزوم، وأما الآخر فهو أبو هالة التميمى الذي اختلف الرواة في اسمه الحقيقى، وذكره بعضهم بين صحابة النبي [ ﷺ ] إذا صحت هاتان الروايتان فإن خديجة تكون امرأة مطلقة (١). وقد كشفت خديجة في وكيل
стр. 4517
تجارتها الشاب ما يتصف به من محامد فعرضت عليه الزواج كما تذهب إلى ذلك الرواية السائدة، ولم يكن أبوها على قيد الحياة في حين تقول روايات أخرى إنه كان حيا وقد عارض في ذلك الزواج ولم تستطع حمله على قبوله إلا بعد أن أسكرته، وهذا من الدوافع المقبولة في الروايات الخيالية (١) وتذهب أكثر المصادر إلى أن محمدًا [ ﷺ ] كان وقتذاك في الخامسة والعشرين، أما خديجة فكانت في الأربعين. على أن ما نعرفه من أن نساء العرب يهرمن بسرعة وأن خديجة قد أنجبت له خمسة أطفال على الأقل يجعل هذا القول بعيد الاحتمال (٢) على الرغم مما نسب إلى نساء قريش بعد ذلك من صفات في هذا الشأن لا قبل بها لغيرهن من نساء العرب (انظر الجاحظ
стр. 4518
Tria opuscula طبعة فان فلوتن ص ٧٨). أما فيما عدا ذلك فليس ثمة ما يدعونا إلى الشك في دقة هذه الرواية لأن تغير ظروف محمد [ ﷺ ] لها سند من القرآن (سورة الضحى، الآية ٦ وما بعدها) ولم يتزوج [ ﷺ ] سوى خديجة، طوال حياتها، التي عُرف عنها علو المكانة في المجتمع، وقد استعان النبي [ ﷺ ] بمال خديجة في جهاده، (وكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين) على أن شخصية خديجة كانت فيما يظهر ذات أثر عميق في حياة زوجها.
ومهما يكن من شئ فإن الرواية ترسم صورة جذابة جدًا للمعونة الأدبية التي أسدتها للنبى [ ﷺ ] عندما اعتراه القلق والحيرة أول نزول الوحى. ولامشاحة في أن ابن عمها ورقة بن نوفل كانت له يد في استمالتها إلى الدعوة التي يهدف إليها النبي [ ﷺ ].
المصادر:
(١) ابن سعد، طبعة Sachau جـ ٨ ص ٧ - ١١، جـ ١، ص ٨٤ وما بعدها، ١٣٠، ١٤١.
(٢) ابن هشام، طبعة فستنفلد ص ١١٩ - ١٢٢، ١٥٣ - ١٥٦ - ٢٣٢ - ٢٧٧، ١٠٠١.
(٣) الطبرى: طبعة ده غوى جـ ١ ص ١١٢٧ - ١١٣٠، ١١٥١ - ١١٥٦ - وما بعدها، ١١٥٩، ١١٦٦، ١١٩٩، ١٧٦٦.
(٤) ابن حجر: الإصابة، طبعة شبرنجر جـ ٣، ص ١١٣٠.
(٥) الأزرقى، طبعة فستنفلد، ص ٤٦٣.
(٦) Das Leben des: Sprenger Mohammed جـ ١، ص ١٩٤ وما بعدها.
(٧) Annali dell, Islam: Caetani جـ ١ ص ١٣٨ - ١٤٤، ١٦٦ - ١٧٢، ٢٢١؛ ٢٢٥، ٢٢٧.
(٨) Kinship and: Robertson Smith marriage in early Arabia ص ٢٧٣ وما بعدها.
(٩) Lammens Fatima: ص ١٣ وما بعدها.
يونس [بول Fr. Buhl]
стр. 4519
خديو
بفتح الخاء وكسرها: كلمة فارسية معناها "سيد" وهي من الألقاب التي يلقب بها أحيانا الحكام المسلمون منذ العصور الوسطى (انظر كتاب كنه الأخبار للمؤرخ التركى عالى الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادى، طبعة الآستانة، جـ ٥، ص ١٧) ومن ثم منح السلطان عبد العزيز سلطان آل عثمان إسماعيل باشا والى مصر هذا اللقب في عام ١٧٦٧. وذلك أن إسماعيل كان يرغب في أن يضاف إلى اسمه لقب يدل على أنه أرفع منزلة من سائر الحكام العثمانيين الذين يحملون لقب "باشا"، ولم يكفه أن منصب باشا مصر قد أصبح بمقتضى فرمان عام ١٨٤١ وراثيا في أسرة محمد على. وعرض إسماعيل في المفاوضات التمهيدية الخاصة بهذا الموضوع أن يلقب بالعزيز (وقد ورد هذا اللقب في الآية الثلاثين من سورة يوسف) لكن أسبابا عدة (منها وجود لفظ العزيز في اسم السلطان نفسه) رجحت اختيار لقب "خديو" (ويذكر هذا اللقب في الوثائق الرسمية خديو مصر، وكثيرا ما يرد في صورة "الخديو") وكان محمد على نفسه قد لقب بهذا اللقب من قبل (انظر ما جاء في القسم الثاني من هذا المقال، وانظر أيضا ما قاله ديسى Dicey في كتابه The Storu Of the Khedivate ص ٥٨) كما كان جميع أفراد الأسرة الحاكمة التي أسسها محمد على في مصر يلقبون به من عهد مؤسسها إلى وقت إعلان الحماية الإنكليزية في عام ١٩١٤. وفي هذه السنة سمى الحاكم الجديد سلطانا، ثم استبدل بهذا اللقب لقب ملك بعد أن ألغيت الحماية في ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢. على أن لقب نائب الملك Viceroy الذي يطلقه الكتاب الأوربيون كثيرا على خديو مصر كان مستعملا بالفعل في عهد محمد على نفسه.
وإلى القارئ أسماء أعضاء الأسرة الخديوية الذين حكموا مصر تحت سيادة سلطان تركيا.
محمد على ١٨٠٥ - ١٨٤٨.
إبراهيم ١٨٤٨ (من يونيه إلى نوفمبر).
стр. 4520
عباس الأول ١٨٤٨ - ١٨٥٤
سعيد ١٨٥٤ - ١٨٦٣
إسماعيل ١٨٦٣ - ١٨٧٩
توفيق ١٨٧٩ - ١٨٩٢
عباس حلمى الثاني ١٨٩٢ - ١٩١٤
ثم خلفهم السلطان حسين كامل ١٩١٤ (١٩ ديسمبر) ١٩١٧ (٩ أكتوبر).
السلطان أحمد فؤاد ١٩١٧ - ١٩٢٢
ثم أصبح الملك فؤاد الأول من ١٩٢٢ (١٦ مارس)
وهاك أسماء أهم أعضاء أسرة محمد على وهم كثيرون (*).
محمد علي ١٧٦٩ - ١٨٤٩
إبراهيم (١٧٨٩ - ١٨٤٨) ... طوسن (١٧٩٦ - ١٨١٦) ... إسماعيل (١٧٩٨ - ١٨٢٢) ... سعيد (١٨٢٢ - ١٨٦٣) ... عبد الحليم (١٨٣١ - ١٨٩٤)
أحمد (١٨٥٨ م) ... إسماعيل (١٨٣٠ - ١٨٩٥) ... مصطفى فاضل (١٨٧٥ م) ... عباس الأول (١٨١٣ - ١٨٥٤) ... طوسون (١٨٧٦ م)
توفيق (١٨٥٢ - ١٨٩٢) ... عباس حلمي الثاني (١٨٧٤ - ١٩٤٥) ... حسين كامل (١٨٥٢ - ١٩١٧) ... (أحمد فؤاد الأول) ولد في ١٨٦٧
стр. 4521
ونظم فرمان عام ١٨٤١ وراثة العرش فجعلها للأكبر ثم الأكبر من أسرة محمد على ثم استبدل فرمان سنة ١٨٦٦ بالنظام السابق نظاما آخر جعل الوراثة لأكبر أبناء إسماعيل ثم لأكبر أبناء هذا الابن وهكذا. وفي ١٣ أبريل من عام ١٩٢٢ صدر مرسوم ينظم وراثة ملك مصر تنظيما جديدًا.
وأسرة محمد علي من أصل ألباني، ولكن الخديويين كانوا يعدون في مصر على الدوام أتراكًا، وليس يسعنا أن نعد هذه الأسرة أسرة مصرية بالمعنى الصحيح (١). وقد قيل إن كل فرد من أفرادها يختلف في أخلاقه عن سائر الأفراد (انظر Geschichte: Hasenclever Aegyptens ص ١٩٩) وكان الخمسة الأولون منهم يحكمون البلاد حكما مطلقًا على نمط حكام الشرق، ولكنهم بعد الاحتلال البريطانى لم تتح لهم الفرص لأن يحكموا البلاد الحكم الذي يشاءون. وظلت الروابط التي تربط هذه الأسرة بتركيا قوية إلى حد استطاع معه أحد أفرادها، وهو الأمير المصرى سعيد حليم باشا، أن يصبح صدرًا أعظم في الآستانة عقب الانقلاب التركى الذي حدث في عام ١٩٠٩.
وأخذت مصر في عهد الخديويين تصطبغ بالصبغة الأوربية شيئًا فشيئًا فأدخلت فيها كثير من النظم الأوربية الفنية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية. وحدث هذا بعينه في أثناء تلك الفترة نفسها. في غير مصر من البلاد الإسلامية. وكانت المثل التي احتذتها مصر ومعظم البلاد الإسلامية نظما فرنسية، لكن الصبغة الأوربية التي اختصت بها مصر دون سائر البلاد الإسلامية -وهي نهضتها تحت حكم أسرة تكاد تكون مستقلة بشئونها، وما حدث في مرافقها الاقتصادية من نمو مدهش سريع، وما انتابها من ضعف شديد أدى إلى سيطرة إحدى الدول الأوربية عليها- كانت تختلف كل الاختلاف عن مثلها في تركيا وفي بلاد الجزائر وغيرهما
стр. 4522
من البلاد الإسلامية. وظلت مصر في الوقت نفسه قصبة العالم الإسلامى والحضارة الإسلامية، وأخذ سكانها يزدادون زيادة مطردة سريعة حتى بلغوا الآن نصف سكان الأقطار التي تتكلم اللغة العربية (انظر Massignon في R. M. M، جـ ٥٧، ص ٧٥. وما بعدها) وسيكون أهم ما نعنى به في الصفحات التالية عند الكلام على أحوال مصر منذ بداية القرن التاسع عشر هو الطريقة التي استجاب بها هذا البلد الإسلامي لعملية صبغه بالصبغة الأوربية، وما كان لهذا العمل فيه من آثار.
١ - تاريخ مصر السياسي
وفي وسعنا أن نقسم تاريخ مصر من أوائل القرن التاسع عشر حتى حرب عام ١٩١٤ إلى أربعة عهود متمايزة:
١ - من الحملة الفرنسية إلى أن استتب الأمر نهائيا لمحمد على (١٧٩٨ - ١٨٠٥).
٢ - من بداية حكم محمد علي إلى نهاية العهد الذي كانت فيه مصر إحدى الدول الكبرى ١٨٠٥ - ١٨٤١.
٣ - من ذلك الوقت إلى بداية الاحتلال الإنجليزى (١٨٤١ - ١٨٨٢).
٤ - عهد الإحتلال الإنكليزى حتى إعلان الحماية الإنكليزية (١٨٨٢ - ١٩١٤).
وكان من أهم أسباب الحملة الفرنسية على مصر رغبة فرنسا في أن تمنع إنكلترة من أن تقوم هي نفسها بمثل هذا العمل. ذلك أن مصالح فرنسا التجارية في مصر كانت خلال القرن الثامن عشر أعظم شأنًا من مصالح إنكلترة فيها، فلما عقدت إنكلترة معاهدة تجارية مع على بك الكبير الذي اغتصب ملك مصر لنفسه وسمح لها بمقتضاها أن ترسل سفنها إلى مياه البحر الأحمر لتنقل المتاجر بين الهند ومصر، أصبح تدخل إنكلترة في شئون مصر خطرا سياسيا عظيما. وكان موقع مصر الجغرافي مما جعلها مركزا تلتقى فيه المصالح الأوربية السياسية منذ الساعة التي ثبتت فيها دعائم الاستعمار في الهند، وأصبح الطريق البحرى وحده لا يفي بمطالب الاستعمار الأوربى. فكان الاستيلاء على مصر موضع البحث في
стр. 4523
فرنسا طوال القرن الثامن عشر. لكن العلاقة التقليدية الطيبة التي كانت قائمة بين فرنسا وتركيا حالت دون تنفيذ هذه النية، وأخيرا وافقت حكومة "الإدارة الفرنسية" Directoire في ٥ مارس سنة ١٧٩٨ على إرسال هذه الحملة بإيعاز من نابليون بونابرت ومعاضدة تاليران Talleyrand.
وتدل الإجراءات الفعالة غير المألوفة التي اتخذها الباب العالى في عام ١٧٨٨ ضد على بك على أن تركيا نفسها كانت تتوجس خيفة من هذه الحوادث المقبلة. أما في مصر نفسها فلم يكن ثمة ما يدل على أن البلاد تخشى أن تغزوها دولة أوربية. وفي اليوم الثاني من شهر يولية سنة ١٧٩٨ ألقى الأسطول الفرنسى مرساه على الشواطيء المصرية دون عناء، وكان هذا الأسطول مؤلفًا من نحو ٤٠٠ سفينة، ويُقل قوة برية يبلغ عددها ٣٥.٠٠٠ رجل بقيادة بونابرت نفسه. ثم زحف الفرنسيون من فورهم على القاهرة ونظم إبراهيم بك ومراد بك زعيما المماليك قواتهما بالقرب من إمبابة على نهر النيل لصد الفرنسيين، ولكن سرعان ما بدد هؤلاء شملها في واقعة الأهرام، وأعقب ذلك احتلال مدينة القاهرة قصبة الديار المصرية في الرابع والعشرين من شهر يولية. وفر مراد بك إلى الصعيد كما فر إبراهيم بك إلى الوجه البحرى؛ وسكن الذعر الذي انتشر في العاصمة بعد قليل من الوقت، لكن بونابرت ما لبث أن اضطر إلى اتخاذ إجراءات شديدة حاسمة شرقية في صبغتها لإخماد ثورات الأهلين. ولم يمض على نزول الفرنسيين إلا شهر واحد حتى دمر الأسطول الفرنسى في خليج أبي قير على يد نلسون في أول يوم من أغسطس، وبذلك تبدلت صبغة الحملة الفرنسية عما كانت عليه في مبدأ الأمر. وكان هذا العمل أول الضربات التي كالتها إنكلترة لهذه الحملة والتي انتهت بإنسحابها من مصر نهائيا. ثم أعلن الباب العالى على كره منه الحرب على فرنسا في سبتمبر من تلك السنة. ولكن الجنود التركية لم تصل إلى مصر إلا في منتصف العام التالى (١٧٩٩). وكان الفرنسيون في هذه الأثناء قد أنشئوا في مصر إدارة
стр. 4524
منظمة، أما المصريون أنفسهم فكان موقفهم من الفرنسيين موقف الساخر منهم، المستهزئ بأعمالهم، ولم يغن عن الفرنسيين ما أظهروه من احترام لشعائر البلاد الدينية وما قام به العلماء الذين جاءوا مع الحملة العسكرية من بحوث علمية. ولم يلبثوا إلا قليلا حتى خاب ظنهم في الفرنسيين، إذ رأوا أنهم هم أيضا يطالبون بأداء الضرائب العقارية. وغضبت أكثرية أهل البلاد المسلمون حين رأوا الفرنسيين الأجانب يستعينون بالمسيحيين من المصريين (الأقباط والأروام والسوريين) في المناصب الحكومية الصغرى، فشبت في القاهرة في الحادى عشر من شهر أكتوبر سنة ١٧٩٨ ثورة على جانب من الخطر لم تسكن إلا بعد أن أطلقت القنابل على الجامع الأزهر في اليوم التالى. وأراد بونابرت أن يحول دون مقدم الجيش التركى لنجدة مصر فسير حملته الشهيرة على الشام في فبراير من عام ١٧٩٩ , فلما عجز عن الاستيلاء علي عكا وكان يدافع عنها الجزار باشا اضطر إلى الارتداد عنها في مايو من تلك السنة. وبعد شهرين من عودته إلى مصر نزل أول فوج من الجنود التركية في أبي قير (١٤ يوليه سنة ١٧٩٩) تقلهم سفن إنكليزية، وكان من بينهم محمد على برتبة ضابط في الفرقة الألبانية. لكن بونابرت هزمهم شر هزيمة وأخرجهم من آخر ملجأ اعتصموا به وهو قلعة أبي قير في اليوم الثاني من شهر أغسطس. وبقى الفرنسيون في مصر عامين آخرين بعد أن غادرها بونابرت في الثاني والعشرين من أغسطس. وكانوا في خلالها تحت قيادة كليبر (وقد اغتيل في يونية من عام ١٨٠٠) ثم مينو. وقضى الإنكليز والترك على ما كان باقيا لديهم من قدرة على المقاومة في عام ١٨٠١، فاضطروا في تلك السنة إلى مغادرة البلاد. وإذا غضضنا النظر عن النتائج السياسية المباشرة للحملة الفرنسية، وهي القضاء على قوة المماليك، وعودة مصر إلى سلطان تركيا، رأينا أن النتائج العلمية التي أسفرت عنها هذه الحملة والتي نشرت في المجلدات الثمانية من كتاب وصف مصر Descsription de L'Egypte (انظر المصادر الواردة في آخر هذه المادة)
стр. 4525
كانت عظيمة غاية في الخطر. وقد تركزت هذه الأعمال العلمية في المعهد العلمي المصري Institut Egyptien الذي أنشأه بونابرت في القاهرة في ٢١ أغسطس سنة ١٧٩٨ (انظر بريييه Bre- L'Egypte de ١٧٩٨ - ١٩٠٠: hier ص ٦٥ - ٨٠).
وكان ما قامت به هذه البعثة من بحوث في "أحوال مصر الحاضرة" هو الأساس الذي بنى عليه كل ما يعلمه الأوربيون عن مصر الحديثة (ومن أمثلة ذلك البحوث الوافية التي قام بها ليبر Lepere عن إمكان شق قناة تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر). على أن أثر الفرنسيين المباشر، في أثناء هذه الفترة، في تطور مصر الثقافي يكاد يكون معدوما. ذلك أن الفوارق العظيمة بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية كانت أكبر من أن تجعل لهذا العهد الأول أثرا محسوسا في تطور البلاد الثقافي. كما يتبين المرء ذلك بوضوح عندما يقرأ وصف الجبرتى لعهد الاحتلال الأجنبي.
ولما غادر الجيش الفرنسي البلاد تجدد النزاع القديم بين الولاة الأتراك والبكوات المماليك الذين أرادوا بمساعدة الإنكليز أن يستردوا ما كان لهم في مصر من السلطان. ولما مات مراد بك أصبح عثمان بك البرديسى أكبر زعمائهم. أما الأتراك فكانوا بطبيعة الحال يرغبون في أن يغتنموا هذه الفرصة السانحة ليمكنوا لأنفسهم في البلاد، لكن طرائق الحكم التي كانوا يسيرون عليها، وعجز الولاة الذين تعاقبوا عن أن يكبحوا جماح جنودهم لقلة ما لديهم من المال، كل ذلك أفاد البرديسى وشيعته إلى حين. وكان حماته الإنكليز قد جلوا عن البلاد في شهر مارس من عام ١٨٠٣، ولكن محمد على وجنوده الألبانيين كانوا من أكبر أنصاره. وقد استطاع البرديسى والشيخ المعمر إبراهيم بك بفضل هذه المعونة أن يوطدا أقدامهما في القاهرة، فلم يكن لولاة الباب العالى سلطان إلا في بعض أجزاء الوجه البحرى. على أن واحدا من الولاة الذين أرسلوا إلى مصر في آخر ذلك العهد، وهو خورشيد باشا، استطاع أن يقيم في قلعة القاهرة بعض الوقت حتى أخرجه
стр. 4526
منها محمد على آخر الأمر بفضل ما كان له من نفوذ أخذ في الازدياد.
ولما انقضت خمس السنين الأولى ذات النتائج السلبية استهل القسم الثاني من أقسام التاريخ المصرى في القرن التاسع عشر، وهو من أعظم العهود خطرا في مصائر البلاد. وكان أهم النتائج السياسية التي أسفر عنها حكم محمد على أنه أقام في مصر أسرة حاكمة. نعم إن الأعمال التي قام بها لخير مصر لم تكن إلا وسائل لتحقيق مطامعه، ولكن هذه الأعمال قد كان لها مع ذلك أعظم الأثر في تاريخ البلاد (١) فقد أطلق محمد على القوى التي شكلت مصير البلاد كما قرر بنفسه مصير أسرتها الحاكمة. وفي وسعنا أن نلخص أعماله في مصر في نقطتين:
أولاهما: تعبئة القوى الوطنية للمصريين أنفسهم.
وثانيتهما: الاستعانة بالمعلمين الأوربيين والأساليب الأوربية.
ونستطيع أن نقول إن مصر من بداية حكم محمد على إلى عهد الاحتلال البريطاني كانت أكثر تعرضا لنفوذ الأتراك منها في جميع العهود السابقة (٢) ومهما يكن ما في نظام الحكم الذي أقامه الوالى من التأثر بشخصيته ومن مظاهر استقلاله فإن أساليبه الإدارية وذوقه الشخصى وذوق بطانته كانت كلها متأثرة بتقاليد الدولة العثمانية (وإنا لنذكر على سبيل المثال المسجد المسمى بمسجد المرمر الذي شيده محمد على في قلعة القاهرة على طراز مساجد الآستانة). وكان اتساع أملاك محمد على بين عامي
стр. 4527
١٨٣٣ و ١٨٤٠ إحدى النتائج التاريخية الطبيعية لنمو قوة مصر السياسية، فما من مرة عظمت فيها هذه القوة إلا وضمت مصر إليها بلاد الشام. ولم تكن سياسة محمد على التي كانت ترمى إلى تقوية سلطانه بالتى تهم مصر كثيرا، لكن فتح السودان كان أنفع لها وأفيد لمستقبلها. ثم طرأ على مركز مصر الدولى تغيير ذو شأن في عام ١٨٤١، أي في آخر سنى ذلك العهد الذي اختتم بالفرمان الشاهانى الصادر في ٢ ربيع الثاني من عام ١٢٥٧ (٢٣ مايو سنة ١٨٤١) فقد كان يبدو في الظاهر أن مصر قد عادت كما كانت من قبل ولاية تابعة لتركيا؛ أما الحقيقة فهي أن تدخل أربع دول أوربية كبرى (ليس منهن فرنسا) في شئونها كان بداية عهد اعتمدت فيه هذه البلاد على دول أوربا بوجه عام وعلى إنكلترة بوجه خاص. وكان احتلال البريطانيين لعدن في شهر فبراير من عام ١٨٣٨ إيذانا بهذا التحول الجديد. وكان محمد علي طوال عهده يعلم هذا الأمر حق العلم (انظر Modern Egypt: Cromer جـ ١، ص ١٦) وقد ظل هو نفسه صديقا صدوقا لفرنسا وإن كانت هذه الصداقة لم تجده نفعا. على أنه قد استطاع مدة حكمه أن يحول دون كل تدخل خارجى في شئون مصر الداخلية، ومن أجل هذا كان يعارض على الدوام في حفر قناة في برزخ السويس.
أما السنوات الأخيرة من حكمه وكذلك حكم إبراهيم القصير الأمد فيدخلان هما وحكم عباس وسعيد وإسماعيل (في القسم الأخير من تاريخ مصر في القرن التاسع عشر. وفيه أخذت مصر تنفصل شيئًا فشيئًا عن الدولة العثمانية، وتقترب شيئا فشيئًا من دائرة السياسة الأوربية والاقتصاد الأوربى. وفي هذا العهد لم تتسع رقعة أملاكها إلا في الجنوب (الحرب الحبشية في عام ١٨٧٢ , والاستيلاء على سواكن ومصوع من الباب العالى سنة ١٨٦٥). وكانت علاقتها بتركيا في ذلك العهد ذات صبغة شخصية بحتة توجهها رغبة الخديويين في الحصول على امتيازات لهم من سلاطين آل عثمان نظير زيادة
стр. 4528
الجزية السنوية التي يؤدونها لهم؛ وكلما حاولت الحكومة العثمانية أن تفرض سلطانها الفعلى على الشئون المصرية تبين لها أنها كانت مخدوعة في اعتقادها بوجود سلطان لها على الإطلاق (كما حدث في عهد عباس) حتى لقد كان من السهل على إسماعيل أن يتجاهل أمر السلطان بأن لا تعقد مصر القروض إلا برضاه. يضاف إلى هذا أن الجيش المصرى لم يكن قسمًا من الجيش العثماني إلا من الوجهة النظرية (وإن كانت الجنود المصرية قد اشتركت مع الجنود الترك في حرب الروسيا) وكانت ظروف خاصة هي التي أتاحت للسلطان الفرصة لأن يخلع إسماعيل في عام ١٨٧٩. وكان الولاة في مصر نفسها ذوى سلطان مطلق على النمط الشرقى المألوف، وكانوا كلهم يشجعون دخول الفنون والعلوم والنظم الأوربية في بلاد مصر ما عدا عباس الأول، فقد أظهر هذا الوالى عداءه للحضارة الأوربية بوجه عام، وللحضارة الفرنسية بوجه خاص. وكان من أثر هذا الاتجاه العام أن اصطبغت مصر في زمن قصير بالصبغة الأوربية أكثر من أي بلد إسلامي آخر. وكلنا يعلم حق العلم أن هذه الأعمال لم تزد في رخاء البلاد، بل أوقعتها في مهواة الخراب المالى. ولم يكن منشأ هذا الخراب ما أثر عن إسماعيل من تبذير بالغ الناس كثيرًا في وصفه، بل في الطريقة التي أخرجت بها إصلاحاته إلى حيز الوجود. فقد قامت هذه الطريقة على الأساليب الإدارية الشرقية التي يسودها الإهمال وعدم العناية، وضاعف من عواقبها الوخيمة ما كان يظهره الأوربيون من استعداد لتقديم المال اللازم لهذه الإصلاحات. يضاف إلى هذا أن كثيرين من السماسرة الأوربيين لم يكونوا أكثر من رجال أفاقين مغامرين لا ذمة لهم ولا ضمير، همهم الوحيد أن يحصلوا على تعويض عما يزعمونه من نقض الحكومة المصرية لما أبرمته معهم من عقود. فأدت هذه الصعاب وأمثالها إلى بقاء كثير من الأعمال العامة ناقصًا. وكانت النتيجة الأولى لهذه السياسة أن تورطت البلاد في دين سائر مطرد الزيادة (وقد أوضح فون كريمر Von Kremer في الجزء الثاني من كتابه
стр. 4529
ص ٢٨ بداية هذا التطور المشئوم أحسن إيضاح). بيد أن أهم الصعاب التي تمخضت عنها هذه السياسة قد نشأت من القروض المختلفة التي عقدها في أوربا سعيد وإسماعيل (في أعوام ١٨٦٢ , ١٨٦٤ , ١٨٦٦ , ١٨٦٨ , ١٨٧٢) وزادت هذه القروض زيادة أطاحت بإسماعيل عن عرشه. وكانت الكثرة الغالبة من حملة أسهم الدين المصرى من الفرنسيين وقلتهم من البريطانيين. ومن أجل هذا تولت إنكلترة وفرنسا، اللتان كانتا من قديم شديدتى التنافس على النفوذ في مصر، زعامة التدخل الأجنبى في تلك البلاد. واشترك ممثلو هذين البلدين في "المراقبة الثنائية" التي فرضت على إيرادات مصر ومصروفاتها من عام ١٨٧٦ , ولم ترفع عنها إلا في الفترة التي كان فيها في الوزارة المصرية وزيران أحدهما إنكليزى والآخر فرنسى (وهي الفترة الواقعة بين ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨، و ٥ أبريل سنة ١٨٧٩) وما من شك في أن مصالح فرنسا المالية كانت ترجح مصالح إنكلترة، ولكن إنكلترة نفسها كانت قد أصبحت في ذلك الوقت أعظم من فرنسا نفوذا بفضل تجارتها الواسعة ومركزها السياسى الممتاز. وزاد مركزها هذا قوة على قوته احتلالُها جزيرتى بريم في عام ١٨٥٧ وقبرص في عام ١٨٧٨. ومع هذا كله فقد ظلت علاقة مصر الرسمية مع البلاد الأخرى من ذلك العهد إلى عهد الاحتلال البريطاني علاقة الدولة المستقلة أو القريبة منها، ولا تقيد هذا الاستقلال إلا الإمتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة بعد إنشائها في عام ١٨٧٦ (انظر القسم الثاني من المقال). وكان في وسع الخديو من عام ١٨٧٣ أن يعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية (ماعدا المعاهدات السياسية المحضة) ولما احتفل إسماعيل بافتتاح قناة السويس كان ملوك أوربا الذين جاءوا ليشهدوا هذا الاحتفال يعاملونه معاملة الند للند. بيد أن نفوذ قناصل فرنسا وإنكلترة في مصر أخذ يزداد زيادة مطردة تبعا لزيادة الموظفين الأوربيين في الإدارة المصرية.
وكانت أحوال مصر عند بداية القسم الثالث من تاريخها في القرن التاسع
стр. 4530
عشر قد أصبحت أحسن مما كانت عليه من قبل وبخاصة بعد أن ألغيت الإحتكارات الحكومية. ولكن الفلاحين لم يستفيدوا إلا قليلا من هذه الظروف الإقتصادية الملائمة. وبخاصة بعد عام ١٨٧٦ , وهي السنة التي بدأ فيها فرض الضرائب الباهظة القاتلة التي لم تجد الحكومة مندوحة عنها لأداء ما عليها من الالتزامات؛ فحل بالفلاحين من ذلك الوقت عهد من البؤس لم ينقض إلا حوالي عام ١٨٩٠. وكانت هذه الظروف السيئة سببًا من أسباب الحركة الوطنية الأولى. وقد قامت هذه الحركة في أول الأمر بين الطبقة الوسطى من أهل البلاد الأصليين، وهي الطبقة التي نشأت في عهد محمد على وتأثرت بالنفوذ الأوربى والشرقى معا (جمال الدين الأفغانى) فأصبحت عاملا خطيرًا من عوامل الحياة الإجتماعية في مصر وإن ظلت الدوائر الدينية المستمسكة بعقائدها بمنأى عنها في أول نشأتها، لأن ما كان يعتنقه القائمون بها من أفكار جديدة وما كان لهم من صلة بالماسونية لم يكن مما يرتضيه رجال الدين. وأخذ الوطنيون ينقدون سياسة إسماعيل المالية وتحيزه الظاهر إلى العناصر الأوربية في البلاد، ومحاباته لطبقة الأتراك الجراكسة وتفضيلها على أهل البلاد. وكانت المعاملة التي يلقاها المصريون في الجيش بنوع خاص قد أثارت غضبهم (فقد كان الجنود الذين أرسلوا إلى السودان والحبشة سنة ١٨٧٥ كلهم من أبناء الفلاحين) وبدأ الرأى العام يظهر بجلاء في عام ١٨٧٧. ففي هذا العام أصدر الوطنيون صحفًا مصرية (منها جريدة مصر والوطن) وارتفعت لأول مرة صيحة مصر للمصريين. ولم يفد ما اتخذ وقتئذ من إجراءات شديدة لمنع الجرائد الوطنية من أن توجه قوارص النقد إلى أعمال الحكومة، وبخاصة إلى اشتراك الجنود المصريين في الحرب التركية الروسية. وكانت أولى النتائج الموضحة لأعمال الوطنيين المصريين هي الانقلاب السياسى المفاجيء الذي وقع في أبريل سنة ١٨٧٩ وأدى إلى سقوط وزارة نوبار باشا المشتملة على وزيرين أوربيين (ولعل الوطنيين أنفسهم قد ساعدوا على خلع إسماعيل، انظر كتاب محمد صبرى La Genese etc ص ١٦٠)
стр. 4531
وثمة نتيجة أشد خطرًا من هذه، وهي الحركة التي سرت في الجيش ضد الضباط الأتراك الجراكسة وتطورت إلى ثورة علنية انتهت باحتلال الإنكليز للبلاد.
ويبدأ العهد الرابع من تاريخ مصر الحديث بهذه الحركة الحربية المعروفة بالثورة العرابية. وذلك أن الخديو الجديد توفيق باشا قد حاول هو ووزراؤه في السنتين السابقتين لهذه الثورة أن يسيروا في حكم البلاد على نهج وطنى متفاوت الدرجات. فلما أن تقدم عرابى بمطالبه، وأصر على إصلاح الجيش، ودعوة البرلمان إلى الاجتماع، وسن نظام دستورى لحكم البلاد، أخذ الخديو ووزراؤه يتطلعون إلى التدخل الأجنبى، ويعدونه الوسيلة الوحيدة للنجاة من هذا المأزق. وكان عدم وجود سلطة قوية بحق قادرة على تسيير دفة الأمور (لأن العرابيين كانوا ضعافًا من هذه الناحية لقلة خبرتهم وعدم كفايتهم) مما مكن إنكلترة من التدخل في شئون مصر. وكان أهم الأسباب التي بعثت فيها الرغبة في أن توطد أقدامها في القطر المصرى، موقع هذا القطر الجغرافي في طريقها إلى الهند. وقويت هذه الرغبة لديها بعد استيلاء فرنسا على بلاد الجزائر وتونس وبعد شق قناة السويس، وذلك أنه كان من صالح إنجلترا أن تبقى هذه القناة بعيدة عن نفوذ أية دولة أجنبية قوية، وأعانها على الوصول إلى غرضها تطور الأمور في مصر نفسها، إذ أتاح لها الحجة التي تذرعت بها لتدخلها المسلح بعد أن أحجمت فرنسا في آخر لحظة عن تحمل تبعة هذا التدخل، لأن مصالحها لم تتأثر بالحركة الوطنية تأثر المصالح الإنكليزية. ويدل تاريخ مصر بعد عام ١٨٨٢ على الخطة التي اختطتها إنكلترة لتحمل هذه التبعة.
وبقى مركز مصر الدولى من الوجهة النظرية بعد الاحتلال البريطانى كما كان قبله لم يطرأ عليه تغيير. أما من الوجهة العملية فقد أصبحت من ذلك الوقت خاضعة لسلطان دولتين، ولوصاية مالية، ولسلطة قضائية ثلاثية، ولاحتلال عسكرى أجنبى، كما أصبحت مسرحًا تصطدم فيه مدنيتان
стр. 4532
مختلفتان. وكانت أولى الصعاب التي اضطرت السياسة البريطانية لمواجهتها هي التي يسميها لورد كرومر "الارتباكات الدولية" وهو يقصد بهذا الاسم تدخل الدول الأجنبية الأخرى وبخاصة فرنسا في شئون مصر الإدارية معتمدة على ما كان بينها وبين هذه البلاد من اتفاقات سابقة لعهد الاحتلال. ولم تطلق يد إنكلترة في مصر أو تكاد إلا في سنة ١٩٠٤ حين عقد الاتفاق الودى بين إنكلترة وفرنسا. وكان الرجل الذي تم على يديه تثبيت مركز الإنكليز في وادي النيل هو لورد كرومر قنصل بريطانيا العام في مصر من ١٨٨٣ إلى ١٩٠٧ , وهو الذي أصبح رغم منصبه الرسمى المتواضع نسبيا أقوى رجل في البلاد. وكانت السياسة التي سار عليها هي أن "يحكم حكامَ مصر" وكان أكبر معاونيه هم المستشارين الإنكليز في النظارات المختلفة. وما من شك في أن مصر قد أفادت كثيرا من اتفاق مصالحها ومصالح إنكلترة إلى مدى بعيد في تلك السنين. من ذلك أن إنكلترة أفلحت بالقرض الذي عقدته بضمانة الدول الكبرى وبما اتخذته في مصر نفسها من إجراءات حاسمة في أن تضع مالية البلاد على أساس صالح متين حتى أمكنها في عام ١٩٠٤ أن تحد كثيرًا من اختصاصات "صندوق الدين" وتعيد إلى مصر حريتها في الأمور المالية. نعم إن الدين العام لم يكن في سنة ١٩١٤ أقل كثيرًا منه في عام ١٨٨٢, ولكن رخاء البلاد الاقتصادى زاد كثيرًا عن ذي قبل. (انظر القسم رقم ٣ من هذا المقال) أما تركيا فقد أخذ نفوذها في الشئون المصرية يضعف على مر الأيام. ولم يكن لتعيين الغازى مختار باشا مندوبا ساميا تركيا في مصر أثر سياسى على الإطلاق، وإن كانت الدعاية غير الرسمية التي قام بها الباشا لحركة الجامعة الإسلامية ظلت في أثناء وجوده قوية. ولما حاول السلطان في عام ١٨٩٢، وفي عام ١٩٠٦ أن يؤيد حقوقه في جزيرة سيناء أخفق في ذلك إخفاقا كاملا. ولما شبت الحرب بين إيطاليا وتركيا لم تسمح إنكلترة لمصر أن ترسل جنودًا منها إلى طرابلس، أما تركيا نفسها فلم
стр. 4533
يكن يسعها أن تعطف على الوطنيين المصريين، بل إن حزب تركيا الفتاة (وكان كثير من أعضائه قد لجئوا إلى مصر في عهد السلطان عبد الحميد) كان بعد عام ١٩٠٨ أقل عطفًا عليهم من عبد الحميد نفسه. لكن معارضة فرنسا للاحتلال البريطانى كان لها من الأثر أكثر مما كان لمعارضة الأتراك، وذلك لما كانت تتمتع به من عطف قوى في البلاد، وانتعش نفوذ فرنسا الثقافي بعد تولية عباس حلمى الثاني، حتى رأي الإنكليز أحيانا أن يتخذوا من الإجراءات ما يحد من هذا النفوذ (ومنها إسقاط وزارة نوبار باشا سنة ١٨٩٤) وكانت فرنسا هي الدولة التي ظل الوطنيون المصريون يرجون منها العون حتى عام ١٩٠٤. أما الخديو فلم يكن مركزه ذا شأن سياسى كبير. ولم يوفق عباس حلمى في مواقفه الوطنية في بداية حكمه أكثر مما وفق في أواخره حين أخذ يتقرب من الآستانة ويحسن علاقته بها.
أما السودان الذي يؤثر امتلاكه في رخاء مصر وفي مركزها الدولي أعظم تأثير فقد كان هو أيضا من الوجهة النظرية ولاية عثمانية لا يختلف عن مصر من هذه الناحية. فقد خول فرمان سنة ١٨٤١ لمحمد على أن يحكم ذلك القطر "دون أن يكون له حق توريثه" أبناءه من بعده. وفي عهد إسماعيل كان حاكمان من الإنكليز (بيكر وغردون) يحكمان السودان باسم مصر، فلما ثار محمد أحمد المهدى واستولى على الخرطوم (في ٢٦ يناير سنة ١٨٨٥) وزالت السيادة المصرية عن السودان إلى حين أصبحت السياسة البريطانية وحدها في تلك الفترة هي المتصرفة في شئون السودان، كما كانت أيضًا المهيمنة على استرجاعه. ذلك أن الخديو كان هو القائد الأعلى للجيش اسميًا، ولكن الرتب الرئيسية كلها أصبحت، بعد تنظيم هذا الجيش من جديد في عام ١٨٨٣ , يشغلها ضباط إنكليز، ولما استرجع السودان في عام ١٨٩٨ لم تسمح السياسة الإنكليزية أن يعود ذلك القطر إلى مصر، ووضعت له معاهدة ١٨٩٩ نظامًا من الحكم الثنائى تشترك فيه مصر وإنكلترة، وأغفلت فيه حقوق الباب العالى. وتصرف الخديو حين
стр. 4534
عقدها تصرف الحاكم المستقل، وإن كان من الوجهة الرسمية تابعًا للسلطان. أما إنكلترة فإن توطد أقدامها في السودان قد قوى سلطانها على وادي النيل.
وقضت هزيمة عرابى على الحركة الوطنية إلى حين، فلم تكن حتى آخر أيام لورد كرومر عاملًا سياسيًا عظيم الخطر في مصر، ونشأ في خلال تلك الأيام جيل جديد من المصريين وجد في الشاب مصطفى كامل باشا زعيمًا له، (مات مصطفي كامل في ١٠ فبراير سنة ١٩٠٨ في الرابعة والثلاثين من عمره) فأصدر في سنة ١٨٩٩ صحيفة اللواء، وأصبح عام ١٩٠٧ أول رئيس للحزب الوطنى. وكان هذا الجيل الجديد من الوطنيين متأثرًا كالجيل السابق بنفوذ فرنسا الثقافي. ولكنه كان أكثر منه عدة. ولما بدءوا حملتهم الجديدة وأخذوا ينادون بأن تكون "مصر للمصريين" أظهروا الشئ الكثير من الاعتدال، وابتعدوا عن الأفكار الثورية. ولما حل سير ألدن غورست محل لورد كرومر (١٩٠٧ - ١٩١١) أصبح موقف بريطانيا من الحركة الوطنية مشكلة من مشكلاتها السياسية. وأظهرت حادثة دنشواى التي وقعت في عام ١٩٠٦ أن شعور الكراهية لإنكلترة لا يزال عظيم الانتشار بين المصريين. ومع أن المذنبين قد عوقبوا أقسى عقاب فإن العميد الجديد اختط لنفسه خطة سياسية قائمة على استرضاء الشعور الوطنى. غير أن هذه السياسة الجديدة لم تؤد إلى النتيجة المرغوبة، فقيدت حرية الصحافة من جديد في عام ١٩٠٩، وأغلق الجامع الأزهر فترة من الزمن بسبب المظاهرات التي قام بها طلابه ضد الإنكليز. وحدث في ٢٠ فبراير من عام ١٩١٠ أن اغتيل ناظر النظار القبطى بطرس باشا غالى (وكان سعد باشا زغلول وقتئذ أحد هؤلاء النظار) بيد شاب وطنى مسلم، فأثارت هذه الحادثة الشقاق بين عنصرى الحزب الوطنى المسلمين والأقباط، وكاد هذا الشقاق يؤدى إلى اضطرابات خطيرة. وفي ذلك العام نفسه رفضت الجمعية العمومية أن تمد أجل امتياز قناة السويس بعد عام ١٩٦٨. وكان من أثر هذا أن نهجت السياسة
стр. 4535
الإنكليزية، بعد اعتزال السير ألدن غورست، ومجئ لورد كتشنر في عام ١٩١١ , نهجا في الحكم قويًا دام حتى أعلنت الحماية الإنكليزية على مصر في ١٨ ديسمبر سنة ١٩١٤. وفي اليوم التالى أعلن الإنكليز خلع عباس حلمى وتولية عمه حسين كامل مكانه، وتلقيبه بسلطان مصر. وأصدر شيخ الإسلام في الآستانة وقتئذ فتوى دينية يعلن فيها أن الحاكم الجديد خائن لقضية الإسلام وأنه يستحق القتل وتجب محاربته (انظر نص الفتوى في كتاب، Hilfsbuch Pür Vorlesungen über: Jacob das Osmanische Turkische جـ ٢، طبعة برلين ١٩١٦ , ص ٤٦).
ولم تكن مصر في أثناء الحرب الأوربية الماضية [الأولى] إلا حلقة في سلسلة الخطط الحربية الفنية للإمبراطورية البريطانية. وأصبحت من ٦ نوفمبر سنة ١٩١٤ في حالة حرب مع تركيا، ولكن إنكلتره هي التي تولت الدفاع عن الأراضى المصرية. وأجلت جلسات الجمعية التشريعية، وأعلنت في البلاد الأحكام العرفية وكانت نتيجة هذه الحرب بالنسبة لمصر انفصام الرابطة السياسية بينها وبين تركيا انفصامًا نهائيًا بمقتضى معاهدة لوزان (٢٥ مايو سنة ١٩٢٣) التي لم تشترك مصر في توقيعها. لكن هذه الحرب كان لها في مصر أثر أعظم من الأثر السابق، ألا وهو انتعاش الحركة الوطنية من جديد. فقد تجمعت في البلاد أسباب عدة أدت إلى إثارة المعارضة للحماية البريطانية، منها المطالب الباهظة التي فرضت على المصريين في أثناء الحرب، ومنها ازدياد عدد الموظفين البريطانيين، ومنها أن مبادئ الرئيس ولسن شجعت المصريين على المطالبة باستقلالهم السياسى، وكان الوطنيون في هذه المرة تؤيدهم طائفة من الأهالى أكبر عددًا ممن كانوا يؤيدونهم من قبل، فقد عاد الأقباط مرة أخرى إلى صفوف الوطنيين، بل إن الدوائر الأزهرية نفسها أخذت تشجع الدعاية الوطنية، وتزعّم هذه الحركة سعد زغلول باشا، وكان قبل الحرب ناظرًا للحقانية ومعروفًا باعتدال آرائه السياسية. غير أن ما لاقته المطالب الوطنية في لندن من عدم الاكتراث حمل المصريين على أن
стр. 4536
يخرجوا عن جادة الاعتدال، وقام بينهم وبين الإنكليز نزاع دام ثلاث سنين لجأ المصريون فيه إلى وسائل العنف (كتقطيع السكك الحديدية والهياج على الأوربيين) (١) وإلى المقاومة السلبية (كالإضراب ومقاطعة لجنة ملنر) وإلى التشهير بمساوئ الإدارة البريطانية. واستخدم البريطانيون القوات العسكرية لإخماد هذه الحركة) وكانت الأحكام العرفية لا تزال قائمة) ونفوا زعماءها (وقد نفى زغلول مرتين) وانتهز المهيجون البلاشفة وأنصار عودة الخديو السابق عباس حلمى هذه الفرصة فأخذوا هم أيضًا يعملون للوصول إلى أغراضهم. وأخيرًا عدلت الحكومة البريطانية، موقفها فأعلنت إلغاء الحماية البريطانية، واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة (٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢) لكنها احتفظت ببعض النقط الهامة لتسوى فيما بعد (كالدفاع عن مصر وكمسألة السودان) ولاح من هذا الموقف الذي وقفته الحكومة الإنكليزية أن الصعاب التي تكتنف المسألة المصرية قد ذللت، ولكن الوطنيين المصريين لم يروا هذا الرأى. فقد دلت الحوادث التي وقعت بعد شهر فبراير عام ١٩٢٢ على أن الكفاح القائم بين طلب الاستقلال التام والتدخل البريطانى في شئون مصر لم تضعف حدته قط، ولم يصبح أقل خطرا على تقدم البلاد السلمى مما كان من قبل.
٢ - نظام الحكم والإدارة
أكمل عدد البكوات المماليك بعد خروج الفرنسيين من مصر إلى أربعة وعشرين كما كان قبل مجيئهم، ولكن الضربة التي أصابت نظامهم الحكومى على أثر الاحتلال الفرنسى أعجزتهم عن مقاومة إرادة محمد على القوية؛ كذلك لم يبق الاحتلال الفرنسى في مصر ما يكفي من الزمن لوضع تقاليد جديدة لحكم البلاد، فقد اضطر الفرنسيون في جمع الضرائب إلى استخدام النظم التي كانت قائمة فيها وقت قدومهم. وكان أهم ما ابتكروه هو
стр. 4537
"الديوان" الذي أقاموه في القاهرة، وألفوه من عشرة مشايخ (حرص الفرنسيون على ألا يكون من بينهم أحد من طبقة المماليك) لينظروا في أمور الحكم، وأقام بونابرت إلى جانبه "كتخدا" (ويسميه المصريون "كخيا") كما كان يفعل الباشوات الأتراك من قبل.
وما لبث نظام الحكم الذي استنه محمد على أن أصبح نظامًا مركزًا في يده شديد التركيز، وهو ما كان يحدث في مصر على الدوام إذا ما أتيح لها حاكم قوى، فألغيت كل السلطات الإقطاعية (مذبحة المماليك) ولم يبق في البلاد حاكم عظيم إلا الباشا نفسه يحكم باسم السلطان. وكانت أساليب حكمه في بداية الأمر هي الأساليب الشرقية التركية الخالصة، ولكن الطريقة التي إنهار بها هذا النظام الحكومى المطلق لم تكن هي الطريقة الشرقية، ذلك أن مصر لم تعد بعد إنهياره إلى الوقوع في أيدى طائفة من الأمراء الإقطاعيين لأن المصالح الأوربية كانت أخذت تتغلغل فيها تدريجًا، وانتهى الأمر بأن صار حكم البلاد صورة من النظام الملكى الدستورى وإن أبقى هذا الحكم على الأسرة الخديوية. على أن القيود التي فرضت على هذا الحكم المطلق لم تقم بها هيئة ممثلة للشعب بل قام بها ممثل لحكومة أوربية.
ولم تكن العلاقة القائمة بين الباب العالى وتابعه في مصر لتقيد يد الولاة من التصرف في الشئون الإدارية الداخلية حتى بعد صدور فرمان ٢٣ مايو سنة ١٨٤١ , وهو الفرمان الذي ظلت نصوصه من وقت صدوره إلى عام ١٩١٤ أساسًا لمركز مصر القانونى من الوجهة الدولية (انظر نص هذا الفرمان في كتاب "تاريخ دولت عليه عثمانية" لمؤلفه أحمد لطفي طبعة الآستانة سنة ١٣٠٢ هـ, جـ ٦ , ص ٢٣٥). ولم ينص هذا الفرمان فيما يتعلق بإدارة البلاد الداخلية إلا على وجوب تطبيق الـ"خط شريف الكلخانى" الصادر في عام ١٨٣٩ وعلى دفع الجزية من إيرادات مصر (وقد حدد مقدارها بثمانين ألف كيس
стр. 4538
في فرمان خاص صدر في ذلك التاريخ نفسه ثم زيد في عام ١٨٦٦ إلى ١٥٠٠٠٠ كيس أي ٧٥٠٠٠٠ جنيه تركى) وأن تسك العملة باسم السلطان وأن ينقص عدد الجيش المصرى إلى ١٨٠٠٠ رجل (وقد رفع هذا القيد في عام ١٨٧٣ وأبيح للوالى أن يمنح الرتب العسكرية إلى رتبة أميرالاى، وحرم عليه أن ينشئ سفنًا حربية إلا بإذن خاص ولم تعدل الفرمانات التي صدرت بعد عام ١٨٤١ هذه الحقوق إلا قليلا، ثم أعادها فرمان سنة ١٨٧٣ إلى ما كانت عليه من قبل. واحتوى الفرمانان الصادران بتولية توفيق وعباس حلمى على هذه القيود نفسها أو ما يقرب جدًا منها.
وكان النظام الذي سار عليه محمد على في حكم البلاد يقوم على طائفة من الدواوين والمجالس (يعين أعضاءها بنفسه) وتتكون منها جميعًا حكومة البلاد المركزية؛ وكان أعظمها شأنًا الديوان الخديوى الذي كان ينعقد في قلعة القاهرة ويرأسه "الكخيا"، وكان هذا الديوان في الوقت نفسه محكمة قضائية عليا (انظر كتاب لين Lane ج ١، ص ١٣٠) يقوم إلى جانبه مجلس المشورة ومجلس الجهادية ومجلس الترسخانة وديوان التجار وغيرها من المجالس والدواوين. وكانت كلها تقوم في بعض الأحيان بأعمال قضائية وتنفيذية. وكان يشرف على القضاء الشرعى قاض حنفي يرسل في كل عام من الآستانة ويتخذ مجلسه في محكمة العاصمة. وكان هناك أيضًا مجلس من العلماء، ولكن هذه الهيئة القومية التي كانت تفوق غيرها من الهيئات في هذه الصفة، والتى كانت عظيمة الأثر في أيام الاحتلال الفرنسى لم تلبث أن فقدت نفوذها في أيام محمد على. على أن عدد الدواوين المختلفة وأسماءها واختصاصات كل منها لم تكن ثابتة على الدوام (انظر: جرجى زيدان: مشاهير الشرق ج ١ ص ٤٢) وحول سعيد باشا ثلاثة منها إلى وزارات على رأس كل منها وزير وهي: الخارجية والمالية والجهادية، واستبدل بمنصب الكخيا ديوانًا آخر يعرف بديوان "المعية" ولم يكن العمل في هذه الدواوين وفق نظام محكم دقيق (انظر،
стр. 4539
ما وصفها به فون كريمر ج ٢ ص ٩ وما بعدها) وأنشأ إسماعيل فيما بعد نظارات الداخلية والبحرية والمعارف العمومية (وكان يرأس هذه الأخيرة على باشا مبارك) والأشغال العمومية والتجارة (١٨٧٦) وعهد بالإدارة المركزية إلى "المجلس الخصوصى" أما إدارة الأوقاف فلم تكن في هذا الوقت قد تحولت إلى نظارة مستقلة. واستطاع هذا الخديو في أول حكمه أن يسيطر على دولاب الحكومة، ولكن نفوذ النظار أخذ يظهر بالتدريج، وبخاصة في أواخر حكمه حين أصبح ناظران من الأوربيين عضوين في وزارة نوبار باشا. وكان عدد من كبار الموظفين الأوربيين في خدمة الحكومة المصرية يشغل في الوقت نفسه مناصب كبيرة في المصالح الحكومية المختلفة. وكان الخديو قد أنشأ في سنة ١٨٦٦ هيئة نيابية (مجلسًا نيابيًا افتتح في الخامس والعشرين من نوفمبر سنة ١٨٦٦) تختار أعضاءه الهيئات النيابية المحلية، ولكن هذه الهيئة التي كانت بداية للحياة النيابية في مصر لم تكن تجتمع إلا مرة واحدة في كل عام، ولذلك لم يكن لها شأن كبير في تسيير أعمال الحكومة، ولم تصبح برلمانًا بالمعنى الصحيح فيه "حزب معارض" للحكومة إلا بعد عام ١٨٧٩.
على أن الحكم النيابى الذي أقامه إسماعيل في عام ١٨٧٨ حين أعلن أنه من ذلك التاريخ سيحكم البلاد على يد وزارة مسئولة لم يدم طويلا وكان يرجى بعد خلعه أن يستطيع الخديو توفيق -وقد منح البلاد دستورًا في ٧ فبراير سنة ١٨٨٢ - العمل بالاتفاق مع البرلمان الذي أنشأه وقتئذ، ولكن الثورة العرابية بددت هذه الآمال، وتدخلت إنكلترة في أعمال الحكومة بعد أن احتلت البلاد، فأرسلت اللورد دفرين على رأس بعثة لوضع نظام حكومتها، وقدمت هذه البعثة تقريرها في شهر فبراير من عام ١٨٨٣. وأعقب ذلك صدور قانون نظامى جديد في شهر مايو من السنة نفسها، وقد أعاد هذا القانون السلطة التشريعية بأكملها إلى الخديوى، وأنشأ مجلسًا تشريعيًا من ثلاثين عضوا -مجلس شورى القوانين
стр. 4540
- وجمعية عمومية كانت صورة مكبرة من المجلس السابق ولكنها محدودة السلطة جدًا، وظل هذا النظام قائما ثلاثين عاما كاملة مكن الإنكليز في خلالها من أن يسّيروا شئون الحكم في مصر بوساطة "المستشارين" الذين عينوا في النظارات المختلفة. وفي عام ١٩١٣ تكونت من الهيئتين السالفتى الذكر جمعية تشريعية واحدة ذات سلطات استشارية وتتألف من النظار ومن ستة وستين عضوا منتخبا وسبعة عشر عضوًا معينًا، إلا أنها عطلت بعد إعلان الأحكام العرفية في عام ١٩١٤، وظلت معطلة إلى أن أعلن استقلال مصر في ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، فعهد إلى لجنة مكونة من ثلاثين عضوًا بوضع دستور جديد أعلنه الملك في ١٩ أبريل سنة ١٩٢٣. وقد أقام هذا الدستور في مصر حكومة ملكية نيابية برلمانية. وبدأ في ظاهر الأمور أن كل ما يوحى بأن مصر قد كان لها في يوم من الأيام تقاليد غير أوربية قد انمحى من البلاد أو كاد.
ولننتقل الآن إلى نظام الحكم في الأقاليم، فنقول إن النظام الذي وضعه محمد على لتصريف شئونها بدأ في عام ١٨١٣ , وقد قضى هذا النظام بإنقاص عدد المديريات وإنشاء إدارة لها مركزة أشد التركيز. وكان عدد هذه المديريات في عام ١٨٤٠ لا يزيد على سبع في الوجه البحرى هي البحيرة والمنوفية والدقهلية والشرقية (يضاف إليها محافظتا القاهرة والإسكندرية) وعلى ثلاث في مصر الوسطى والعليا وهي مديريات بنى سويف (وتشمل الفيوم) والمنيا وإسنا، وكان على رأس كل واحدة منها مدير، وكانت المديرية نفسها تنقسم إلى مراكز يحكم كلا منها مأمور، وكل مركز ينقسم إلى أقسام على رأس كل منها ناظر، وكل قسم إلى نواح على رأس كل منها رئيس يلقب بشيخ البلد (وقد أخذ هذا اللقب كما أخذت اختصاصاته من العهد السابق) وكان يوجد في كل ناحية موظف يلقب بالخولى يشرف على الأعمال الزراعية، وصراف يجمع الضرائب، وشاهد أو مأذون ينوب عن القاضى. وكان المديرون على الدوام "أتراكا" أما
стр. 4541
"الخولة" و"الصيارفة" فكانوا كلهم من الأقباط، وكان معظم من عداهم من المصريين المسلمين. ولما ضعفت السلطة المركزية في عهد الواليين اللذين خلفا محمد على بدأ الفساد يدب في الإدارة الإقليمية. وجاء إسماعيل فقسم البلاد من جديد ثلاثة أقسام كبرى: القسم "البحرى" ويشمل مديريات البحيرة والجيزة والقليوبية والشرقية والمنوفية والغربية والدقهلية، والقسم "الوسطانى" ويضم مديريات بنى سويف والفيوم والمنيا؛ و"الصعيد" (انظر فيما بعد) ويضم مديريات أسيوط وجرجا وقنا وإسنا، هذا عدا المحافظات، وهي القاهرة والإسكندرية ودمياط ورشيد والعريش وبورسعيد والسويس وسواكن. وبقيت الأقسام الصغرى كما هي، إلا أنه وضع على رأس كل ناحية "عمدة" يساعده في القيام بأعماله "شيخ البلد" وكلاهما يختاره الأهالى. وألغى في الوقت نفسه منصب الخولى على أثر ما منح للهيئات التمثيلية الإقليمية من استقلال بشئونها الزراعية (انظر القسم ٣ من هذا المقال) وأنشئت في كل مركز وفي كل مديرية هيئة من هذه "الهيئات النيابية" تتألف من الأعيان، وعلى نمط هذه الهيئات أنشئ المجلس النيابى السالف الذكر في مدينة القاهرة. وكان من التغييرات التي لا تقل عن هذا التقسيم خطرًا اختيار المديرين من أبناء البلاد بدل اختيارهم من الأتراك. وكان لابد من أن يمضى بعض الوقت حتى يعتاد المصريون إطاعة كبار الموظفين الذين اختيروا من بينهم، ولا تزال المعالم الرئيسية في هذا النظام الإداري السالف الذكر قائمة في البلاد إلى وقتنا الحاضر.
وكان النظام الإدارى في الوقت الذي نتحدث عنه كما كان في العهود السابقة وثيق الارتباط بنظام امتلاك الأراضى الزراعية. فقد ألغى محمد على الملكية الزراعية الكاملة إلغاء تامًا تقريبًا، ثم قسم جميع الأراضى الصالحة للزراعة بين الفلاحين بوساطة مصلحة الرزنامة (فأعطى كلا منهم ما بين ثلاثة أفدنة وخمسة) وكل ما كان لهم من الحقوق على هذه الأرض هو حق الانتفاع بها دون التصرف فيها بحال من الأحوال،
стр. 4542
وكان عليهم أن يؤدوا عنها "الخراج" ولذلك سميت هذه الأراضي بالأراضي "الخراجية" وكان يجمعه موظفون (سبق الكلام عليهم) وألغى نظام الالتزام، وعوض الملتزمون السابقون عما أصابهم بهذا الإلغاء بأن سمح لهم أن يحتفظوا "بالوسايا" وهي الأراضي المعفاة من الخراج التي كانت لهم في عهد المماليك، ينتفعون بغلتها دون أن يكون لهم حق التصرف فيها، وقد عادت هذه الأراضي على مر الأيام إلى أملاك الدولة فأصبحت كالأراضي الخراجية أو أصبحت ملكا حرًا. كذلك عادت أنواع أخرى من الملك الاستثنائى الخاص (الرزقة) فضمت شيئًا فشيئًا إلى الأراضي الخراجية. وظهر في عهد محمد علي نوع جديد من الأراضي الزراعية يعرف "بالأبعديات" وقوامه أرض غير منزرعة أقطعها الأعيان وكبار الموظفين ليقوموا بزراعتها. وكانت معفاة من الضرائب ولا يجوز التصرف فيها بالبيع. وكان هذان الشرطان نفسهما ينطبقان على الضياع الواسعة المعروفة بالشفالك التي منحها محمد علي لأعضاء الأسرة الحاكمة ولبعض كبار الموظفين، وهي التي سميت بأراضي الدائرة السنية في أيام إسماعيل. وقد أصبحت هذه الأقسام كلها على مر الزمن أملاكا حرة خالصة كما ألغيت جميع القيود التي كانت مفروضة من قبل على ملاك الأراضي الخراجية. وصدرت بهذا الإلغاء عدة قوانين نخص منها بالذكر قانون المقابلة (انظر فيما بعد) وهكذا تطور نظام الملكية الزراعية في مصر من الحالة التي لم يكن لأحد فيها ملك على الإطلاق إلى النظام الحاضر الذي أصبحت فيه الملكية الخاصة هي القاعدة المتبعة. أما الأجانب فلم يسمح لهم من الوجهة الرسمية بامتلاك الأراضي الزراعية إلا بعد صدور القانون التركى المؤرخ ١٠ يونيه سنة ١٨٦٧ وإن كان محمد على قد منح بعض الأجانب أبعديات قبل صدور ذلك القانون. على أن مساحة الأراضي الزراعية التي يمتلكها الأجانب في مصر لا تزال مع ذلك قليلة. ويوجد قانون الملكية المصرية في الوقت الحاضر ضمن القانون المدنى الأهلى والمختلط. بقى أن نقول أن محمد علي صادر جزءا كبيرًا من أراضي
стр. 4543
الأوقاف السابقة لعهده، وإن هذا الجزء المصادر أصبح الآن من الأملاك الخاصة.
فإذا انتقلنا بعد ذلك للإدارة المالية في مصر وجدنا أننا نعرف عن هذه الإدارة أكثر مما نعرفه عن أي فرع آخر من فروع الحكومة وذلك بفضل البحوث الواسعة المستفيضة التي قام بها الخبراء الأوربيون وفي طليعتها تقرير المستركيف Mr. Cave الصادر في سنة ١٨٧٦ , ولقد كانت جباية أهم الضرائب في مصر وهي ضريبة الأراضي الزراعية (انظر القسم ٣ من هذا المقال) مصحوبة على الدوام بضروب كثيرة من الفساد، وبخاصة في عهد إسماعيل حين كانت هذه الضرائب تجبى مقدمًا للوفاء بمطالب الدين العام الملحة. وكان من أغرب النظم المالية في ذلك العهد قانون المقابلة الصادر في سنة ١٨٧١ والذي عدل مرارًا قبل أن يلغى إلغاءًا تامًا في سنة ١٨٨٠، فقد أعفي هذا القانون ملاك الأراضي الذين يؤدون لخزانة الدولة ستة أمثال الضريبة السنوية إعفاء دائمًا من نصف الضريبة المفروضة على أراضيهم. وكانت العوائد الجمركية، وهي مصدر آخر من أهم مصادر الإيراد، لا تزال في بداية القرن التاسع عشر يعهد بجبايتها إلى الملتزمين. وقد صلح نظام جباية هذه الضرائب المختلفة بعد أن عين في الإدارة المالية موظفون من الأوربيين، ومن الأنظمة المالية الجديرة بالذكر في عهد إسماعيل ضم أملاك الخديو الخاصة (أملاك الداثرة السنية) إلى أملاك الحكومة.
أما النظام القضائى في مصر فكان أول حافز على إعادة النظر فيه إنشاء المحاكم المختلطة في عام ١٨٧٦, وتم إنشاؤها على يدى نوبار باشا بعد مفاوضات شاقة مع الدول الأوربية. ذلك أن إصلاح النظام القضائى أصبح من الضرورات الملحة بعد أن ازدادت الحقوق القضائية التي تمارسها القنصليات الأجنبية وتخطت الحدود التي يخولها إياها نظام الامتيازات، وذلك لما كان عليه النظام القضائى المصرى من الضعف. فلما وضع النظام القضائى المختلط اقتصرت حقوق
стр. 4544
القناصل القضائية على المنازعات التي تقوم بين الأجانب المنتمين إلى جنسية واحدة وعلى الجرائم التي يرتكبها رعايا دولة القنصل نفسه. وكان قانون إنشاء المحاكم المختلطة ينص على أن يعد قضاتها موظفين تابعين للحكومة المصرية، ولكنهم أصبحوا في الواقع أشبه بسلطة أجنبية مستقلة في داخل الحكومة المصرية، لأنهم كانوا من رعايا الحكومات الغربية المتمتعين بالامتيازات الأجنبية ولأنه كان من حق هذه المحاكم أن تصدر الأحكام على الحكومة المصرية نفسها. وكان وجودهم بهذه الصورة دليلًا واضحًا على الصبغة الأوربية التي اصطبغت بها مصر. وكان لابد من التغلب على معارضة الباب العالى القوية في إنشاء هذه المحاكم، ذلك أن تركيا لم تكن ترغب في أن ترى هذه الهيئة القضائية المستقلة قائمة في إحدى الولايات التابعة لها. على أن السلطان وافق آخر الأمر على إنشائها بفرمانه الصادر في عام ١٨٧٢ (انظر نرادوغيان جـ ٣، ص ٣٤٠) , وبعد سبع سنين من إنشائها أنشئت أيضًا محاكم أهلية جديدة على النمط نفسه، وعهد إليها بالحقوق القضائية التي كان يمارسها ولاة الأمور الإداريون ودواوينهم. ولا يكاد يوجد في الوقت الحاضر فرق بين القوانين التي تطبقها هاتان الهيئتان القضائيتان، ومعظمها مستمد من القانون الفرنسى. وقد نشر القانون الأهلى الجديد في عام ١٨٨٣ (كما نشر قانون العقوبات وقانون المرافعات الجنائى من جديد في عام ١٩٠٤) , ويمكن الاطلاع على قانون العقوبات الذي كان متبعًا في أيام سعيد باشا وما كان فيه من الاضطراب في الصفحات من ٥٢ إلى ٦٦ من الجزء الثاني من كتاب فون كرامر. واحتفظت المحاكم الشرعية التي تحكم على أساس المذهب الحنفي بحقها في الفصل في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين. وقد نظمت هذه المحاكم تنظيما جديدًا بمقتضى الأمر العالى الصادر في عام ١٨٧٩ (وأعيد تنظيمها مرة أخرى في سنتى ١٩٠٩ , ١٩١٠). وقد جمعت أيضًا النصوص المتعلقة بالزواج والوصاية على القصر وعديمى الأهلية والوراثة حسب أصول المذهب الحنفي في صورة مواد ليستعين بها
стр. 4545
قضاة المحاكم المختلطة. وأضيفت الترجمة الفرنسية لهذه المواد البالغ عددها ٤٦٧ مادة إلى الطبعة التي صدرت حديثا من كتاب " The Egyptian Codes & Laws" تأليف J.R. G. Brunton Wathelet (طبع في بروكسل عام ١٩٢٠) ونشر النص العربي لهذه المواد في القاهرة عام ١٩١٧. وكان قدرى باشا أحد نظار الحقانية السابقين قد جمع هو أيضًا قواعد المذهب الحنفي الخاصة بالملكية والالتزامات (صدرت الطبعة العربية بالقاهرة ١٩٠٩) ولكن المحاكم الشرعية المصرية غير مقيدة بهذه القوانين وحدها على عكس المتبع في حالة القوانين التركية (المجلة).
وتخضع الطوائف المسيحية المختلفة لقوانينها الخاصة في قضايا الأحوال الشخصية.
٣ - التطور الاقتصادى
أهم أعمال محمد على الاقتصادية في مصر عملان: أولهما إدخال زراعة القطن وثانيهما نظام الاحتكار، وبفضل هذين العملين اللذين كانا يستندان إلى نظام الحكم المركزى الشديد التركيز استطاع أن ينفذ مشروعاته السياسية الواسعة. ولقد كان نظامه الاقتصادى في واقع الأمر نظامًا شرقيًا محضًا، ولكنه مع ذلك أحكم الصلة بينه وبين أوربا من طريقين، أولاهما أن الوالى أراد أن يستخدم طرائق العمل الأوربية فاستقدم إلى مصر الخبراء الأوربيين، وثانيهما أنه كان يبيع محاصيله الزراعية إلى أوربا فنشأت من ذلك بينهما علاقات تجارية كان لها أعظم الأثر في البلاد بعد إلغاء نظام الاحتكار في عهد عباس الأول. فقد تمت في ذلك الوقت صلات تجارية حرة بين المشترين الأوربيين والزراع المصريين وكان الوسطاء في هذه الأعمال التجار في جميع الأحوال تقريبًا من عناصر غير مصرية. إلا أن هذا التطور صحبته مع ذلك ظروف عاقت إلى حد كبير تقدم البلاد المستقل السليم. منها أن الأفكار الأوربية الخاصة بنظام الإئتمان المالى قد أدخلت إلى بلد لم يكن يعرف من أعمال الائتمان المالى إلا الشئ القليل، وأخذ التجار الأوربيون ووكلاؤهم يقدمون للزراع المصريين الأموال الطائلة ثمنا للمحصولات
стр. 4546
الزراعية قبل حصادها. وكانت النتيجة المحتومة لهذا العمل أن تورط الزراع في الدين، وأن خسر التجار أموالهم. ولم تكن هذه إلا صورة مصغرة من النظام الذي حمل الحكومة نفسها دينًا باهظًا أثقل كاهلها، وكان منشؤه المغالاة في الثقة برخاء البلاد الاقتصادى. وما من شك في أن المصريين لم يكونوا يعرفون كيف ينتفعون بالأموال المقترضة، لأن تقاليدهم الاقتصادية لم تجعلهم على علم بطرائق جمع رءوس الأموال، يضاف إلى هذا أن الاستيراد من أوربا قد جاء إلى مصر بسلع لم يكن المصريون في حاجة ماسة إليها من الوجهة الاقتصادية، ولكنهم مع ذلك استوردوا منها كميات كبيرة نذكر منها المنسوجات القطنية التي كان معظمها يرد من إنكلترة. وكانت نتيجة هذا كله أن زيادة الإنتاج لن تعد على مصر بالثراء، وقد بقى الأهالى بوجه عام فقراء مثقلين بالدين شأنهم في ذلك شأن خزانة الدولة سواء بسواء. لكن الروابط الاقتصادية والمالية التي نشأت بين مصر وأوربا بوجه عام وبينها وبين إنكلترة بوجه خاص كانت روابط قوية لا تنفصم عراها حسبنا أن نلقى نظرة واحدة على جداول الوارد والصادر حوالي عام ١٨٥٠ كما أوردها كريمر لنعرف ما كان لإنكلترة في ذلك الوقت من مصالح تجارية في مصر، وندرك السبب الذي حدا بها إلى التدخل في شئون البلاد تدخلًا قويًا نشيطًا حين تأزمت أحوالها الاقتصادية والمالية، وكيف أدى تدخلها هذا إلى احتلال البلاد عسكريا. وأصبحت مصر بعد عام ١٨٨٢ أكثر مما كانت من قبل اعتمادًا على إنكلترة في شئونها الاقتصادية بسبب توسعها في زراعة القطن وإن كانت السيطرة الإنكليزية قد حالت بينها وبين الوقوع مرة أخرى في مخالب الإجداب. وهكذا نرى كيف هيأ محمد على للبلاد موارد من الثروة لم يجن ثمارها أهل مصر أنفسهم، وقد حدث ذلك بعينه في كثير من البلاد الإسلامية الأخرى.
ولم تظهر بعد في عالم التأليف بحوث شاملة للطريقة التي صبغت بها أحوال مصر الاقتصادية بالصبغة الأوربية كالكتاب الذي كتبه عن شئون
стр. 4547
التركستان رينولد يُنج (Reinhold junge: Das Problem der Europaisierung Orien- talischer Wirtschaft dargestellt un der Verhaltnissen de sozialwirtschaft von Russisch-Turkestan فيمار ١٩١٥) وبسبب هذا النقص سنكتفي بالإشارة إلى بعض مظاهر هذا التطور البارزة، ونورد بعض الإحصاءات الدالة عليه.
لقد بقيت مصر بلدًا زراعيًا يكاد يعتمد كل الاعتماد على الزراعة. وليس هذا هو كل شئ بل إنها سارت في هذا التخصص الزراعى شوطًا بعيدا فاق كل ما كان مقدرا لها من قبل. ولم تكن مصر في عهد المماليك تنتج من القمح ما يكفي ساكنيها، فلما جاء محمد على وأنشأ في البلاد نظام المركزية الذي امتاز به عهده أعاد إلى البلاد ما كان لها في الزمان السابق من قدرة عظيمة على الإنتاج.
وكان أهم ما عنى به الوالى للوصول إلى هذا الغرض إصلاح نظام الرى الذي أصابه الإهمال الشديد في الأزمان السابقة. ولم يجد الفرنسيون من الوقت إلا ما يكفي لدراسة حال قنوات الرى التي كانت في البلاد وقت مجيئهم. فلما حكم محمد على البلاد عنى بهذه المسألة عناية جدية، وبذل فيها كثيرًا من النشاط. وقد كلفه إصلاح حال القنوات القديمة وحفر قنوات جديدة آلافا من الأرواح. وأشهر هذه القنوات كلها قناة المحمودية التي تجرى من الإسكندرية إلى فرع رشيد. ولم تكن نتيجة ما قام به من الأعمال لإصلاح نظام الرى هي زيادة مساحة الأراضي المنزرعة فحسب بل إنه فضلا عن هذا قد مكن مصر لأول مرة في التاريخ من أن تروى أراضيها ريًا دائمًا من قنوات يجرى فيها الماء على مدار السنة. وقد عهد بالإشراف على أعمال الرى وعلى توزيع الماء إلى موظفين مختصين (الخُوَلة؛ انظر القسم ٢ من هذا المقال) ولم يترك للفلاحين أنفسهم حرية التصرف في هذه الشئون. وواصل إسماعيل أعمال حفر قنوات الرى (فحفر قناة الإبراهيمية في الصعيد وقناة الإسماعيلية التي تربط النيل بقناة السويس). وفي عهده أصبح الإشراف على شئون الرى من اختصاص مجالس المديريات والمجالس المحلية بعد أن كان هذا الإشراف من
стр. 4548
اختصاص الإدارة المركزية. وكانت هذه المجالس تقوم بهذا الواجب بإشراف مهندسى الحكومة، ولكن الفساد أخذ من ذلك الوقت يدب في شئون توزيع المياه على يد ولاة الأمور في الأقاليم. ولم تنصلح هذه الحال إلا بعد عام ١٨٨٢ حين عهد بهذا الإشراف إلى موظفين من الإنكليز. وقد أصبحت العناية بأعمال الرى من أهم القواعد التي تقوم عليها الإدارة الإنكليزية في مصر. مثال ذلك أن هذه الأعمال خصص لها من قرض عام ١٨٨٤ مبلغ مليون جنيه، في حين أن المصروفات الأخرى أنقصت كلها لقلة المال. وكان لهذه السياسة ثمرتها المرجوة. وقد أتم المهندسون الإنكليز أيضًا تشييد قناطر محمد على قرب الجيزة (١) -التي بدأ العمل فيها المهندسون الفرنسيون في زمن محمد على. ثم أنشئ بعد ذلك سد أسوان الشهير (الذي تم بناؤه في عام ١٩٠٢، وعُلِّىَ في عام ١٩١٢ (٢) الذي لم يقتصر نفعه على رى الأراضي المنزرعة فحسب بل إنه جعل في الإمكان خزن الماء الذي يكفي إلى حد ما لإرواء الأراضي الواقعة إلى شماله. ويصدق هذا القول نفسه إلى حد أكثر مما سبق على مشروعى السدين العظيمين اللذين بدئ بإنشائهما بعد الحرب العالمية (١٩١٤ - ١٩١٨) أحدهما على النيل الأزرق والثاني على النيل الأبيض جنوبى الخرطوم (وقد افتتح أولهما في عام ١٩٢٦) (٣) وقد أصبحت سيطرة إنكلترة على مياه النيل وسيلة من أقوى وسائل الإرغام في نزاعها مع الوطنيين المصريين في أثناء الاضطرابات التي تلت الحرب الأوربية. وقد عادت السيطرة على شئون الرى في مصر نفسها في الوقت الحاضر إلى أيدى الموظفين المصريين. وإذا استثنينا الطرق المتخذة في مصر لوقاية الجسور والسدود رأينا الفلاحين أنفسهم لا يزالون في معظم الأحوال يستخدمون
стр. 4549
وسائل الرى البدائية كالسواقى والشواديف، ورأينا أن الآلات الحديثة لا تستخدم إلا في الضياع الكبرى.
ولم تقتصر أعمال محمد علي على العناية بوسائل الرى بل إن النظام الذي وضعه للإشراف على الأراضي قد زاد مساحة المزروع منها زيادة كبيرة (انظر القسم ٢ من هذا المقال) يضاف إلى هذا أن نظام الاحتكار الذي وضعه قد مكنه من توجيه التطور الزراعى الوجهة التي يريدها. فقد استطاع به أن يركز الإنتاج كله في يده، وأن يتصرف فيه كما يشاء ولم يكن الفلاحون في عهده إلا عمالًا يرغمون على بيع محصولهم إلى الحكومة بأثمان محددة، ويؤدون ما تفرضه عليهم من الضرائب عينا. وهذا النظام قد حرمهم هو ونظام السخرة والتجنيد الإجبارى من القدرة على الابتكار؛ ولكنه على الرغم من ذلك مكّن الوالى من أن يرغم الأهالى على أن ينتجوا مقادير كبيرة من المحصولات الزراعية فيزيد بذلك ما يتبقى من المحصول لتصديره إلى الخارج. وكان القمح في جميع العصور أهم المحصولات الزراعية المصرية. ثم أدخل محمد على زراعة القطن في مصر عام ١٨٢١ واضطر وقتئذ إلى الاستعانة بالقوة للتغلب على مقاومة الفلاحين السلبية. وكان أول ما زرع منه نوع برى ينبت طبيعيا في البلاد، ويعرف بالماكو، ثم جئ ببذور قطن سى أيلند Sea Island في عام ١٨٢٨ وما لبثت زراعة القطن أن انتشرت انتشارا واسعا في طوال البلاد وعرضها، وأخذت مساحة الأراضي المنزرعة قطنا تزداد بنسبة أكبر من ازدياد مساحة أراضي القمح. وكان الفرق بين المحصولين أن الجزء الأكبر من محصول القطن يصدر إلى الخارج في حين أن الحبوب -وهي القمح والشعير والذرة والأرز (في الوجه البحرى) - كانت تستهلك في داخل البلاد. وظل هذا التطور الزراعى يسير في مجراه بعد إلغاء نظام الاحتكار، ولما احتل الإنكليز البلاد -وكانوا قد أصبحوا قبل ذلك الاحتلال بزمن طويل أكبر المشترين للقطن المصرى- توسعوا في زراعته توسعا أكثر من هذا التوسع الذي وصفناه. فتضاعفت بين عامي ١٨٨٣ , ١٩٠٨
стр. 4550
المساحة المنزرعة قطنا (زادت من ٨٠٠.٠٠٠ فدان ١.٦٤٠٠٠٠ فدان وأصبحت أكبر من المساحة المنزرعة حبوبا. ثم بدأ عهد من الركود. ولما قامت الحرب العالمية الأولى قضت الضرورة بتشجيع الزراع على زراعة الحبوب (١) (فقد كانت الأراضي المنزرعة قطنا في عام ١٩١٩ هي ١.٥٧٣.٠٠٠ فدان والمنزرعة قمحا ١.٢٧٤.٠٠٠ فدان) بل إنه قد حرم على الزراع في وقت ما أن يزرعوا القطن في أكثر من ثلث الزمام.
ومن الحاصلات الأخرى التي أدخلها محمد على في مصر "القنب" وقد أدخل زراعته في مصر ليتخذ منه حبالا لسفن أسطوله البحرى. وأدخلت زراعة القصب في عهد إسماعيل وزرع لأول مرة في أملاكه بالوجه القبلى عام ١٨٦٧. غير أن هذا المحصول لم يكن له من النتائج الهامة ما كان لزراعة القطن. ومن الزراعات القديمة التي اضمحل شأنها الكتان، ومنها أيضًا زراعة الدخان التي كانت من قبل نامية مزدهرة، ولكنها حرمت أخيرا في عام ١٨٩٠ وأجريت بعد الحرب العالمية الأولى تجارب لإعادة زراعته من جديد.
وليست فائدة الزراعة مقصورة على ما تنتجه البلاد من غلات، بل إنها أيضًا مورد هام لخزانة الدولة بما تجبيه على الأرض الزراعية من ضرائب كانت على الدوام أهم مصادر إيراد الحكومة، كما كانت أيضًا عبئًا ثقيلا على كاهل الفلاحين. وكان محمد على يأخذها عينًا، ومن عجز عن أدائها أكثر من ثلاث سنين انتزعت منه أرضه. ثم صارت الضريبة بعد ذلك تؤدى نقدًا، وكثيرا ما كان الفلاحون في عهد إسماعيل يلجأون إلى المرابين يقترضون منهم النقود لأدائها، بل إن الحكومة نفسها كانت تستعين أحيانا بالمرابين ليقرضوا الفلاحين ما عليهم من الضرائب (كما حدث في عام ١٨٨٨؛ انظر كتاب لورد كرومر جـ ١ ص ٣٧). وكان يقوم بهذا العمل فيما بعد البنك الزراعى، وكثيرا ما أدت هذه السياسة إلى بيع الأراضي بأمر الحكومة. ولم تنصلح الحالة إلا قليلا بعد صدور قانون "خمسة الأفدنة" في
стр. 4551
عام ١٩١٢ وهو القانون الذي يحرم رهن الأراضي التي تقل مساحتها عن خمسة أفدنة أو بيعها وفاء لدين.
أما الصناعة فقد بقيت قليلة الشأن في مصر كما كانت في الأزمان السابقة. وكانت الصناعات الأهلية الصغيرة (كصناعة الغزل وصناعة النسيج على الأنوال اليدوية وصناعة الفخار وصناعة المعادن) لا تزال في بداية نشأتها في العصور الوسطى. فلما جاء محمد على ضم هذه الصناعات هي الأخرى إلى نظام الاحتكار. وفرض أشد العقوبات على من يشتغلون بها لحسابهم الخاص (انظر لين Lane جـ ١, ص ١٤٩) وكان نظام "الطوائف" القديم لا يزال قائما في ذلك الوقت وإن كان اضمحل شأنه كثيرا بعد الفتح التركى. (انظر Turkische Bibliotherk: Thorning جـ ١٦ ص ٦٠) وزاد هذا الضعف بتأثير منافسة السلع المستوردة من أوروبا حتى إذا كان عام ١٨٨٠ ألغيت هذه الطوائف رسميًا. وفي وسعنا أن نذكر من الصناعات الجديدة وقتئذ صناعة عصير القصب في مصانع الوجه القبلى، وصناعة السجاير المنتشرة كثيرًا في الإسكندرية (منذ عام ١٨٧٣) والتي لا يستخدم فيها الآن إلا الدخان المستورد من الخارجِ أما القطن فكان لا ينسج منه في مصر نفسها إلا القليل، وإن كان قد أنشئت مصانع لغزله (شركة الغزل الأهلية المصرية Filature National Le d'e Egypte)
والصناعات الجديدة كلها تقريبا في أيدى الأوروبيين (١) (وفيها تقطير الخمور، وعمل الصابون، والحلوى، وضرب الأرز). وكان أصحاب المصانع يستخدمون في أول الأمر عمالا من الأوربيين ثم استبدلوا بهم تدريجا عمالا مصريين. وقد تعلم هؤلاء نظام النقابات الأوروبية.
وسايرت طرق الاتصال في مصر نمو البلاد الاقتصادى. وقد أضيفت الآن قنوات الرى الكبرى إلى الطريق المائى القديم وهو نهر النيل وفرعاه، فاتسعت
стр. 4552
بذلك طرق الملاحة المائية الداخلية. أما قناة السويس فلم يكد يكون لها شأن في التجارة المصرية ولكن لها أهميتها في التجارة الدولية، والعمال المصريون هم الذين قاموا بحفرها (١٨٥٩ - ١٨٦٩) وقدم الوالى سعيد باشا نصف رأس مال الشركة التي احتفرتها، فأوجد بذلك لأسرته على الأقل مصدرا كان يمكن أن يعود عليها بربح كبير في المستقبل. فلما اضطر إسماعيل إلى بيع أسهمه للحكومة الإنكليزية في عام ١٨٧٦, لم تعد مصر تجنى شيئًا من أرباح القناة الطائلة.
ولما كانت القناة ستعود إلى مصر بعد عام ١٩٦٨ (*) فإن المصريين رفضوا في عام ١٩١٠ أن يمدوا أجل امتيازها بعد تلك السنة. وقد فرضت القناة فضلا عن ذلك التزامات دولية أخرى على مصر، فقد أعلنت المعاهدة الخاصة بقناة السويس والمبرمة في ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٨٨ (والتى صادقت عليها إنكلترة في عام ١٩٠٤) حرية الملاحة فيها في أوقات السلم والحرب لجميع السفن على اختلاف أنواعها، وناطت بتنفيذ هذا الاتفاق ممثلى الدول الموقعة على هذه المعاهدة في القاهرة.
ولكن إنكلترة بوصفها الدولة المحتلة لمصر اتخذت في جميع الأحوال الإجراءات اللازمة للدفاع عنها وبخاصة في أيام الحرب العالمية الأولى حين أخذت قوة تركية ألمانية تهدد بالزحف على القناة من الضفة الشرقية. وظل أمر الدفاع عن القناة من أسباب النزاع بين إنكلترة ومصر بعد أن أعلن استقلال البلاد. أما النقل البرى فكان وسائله كلها السكك الحديدية، لأن قنوات الرى لا تجعل الحاجة ماسة إلى الطرق البرية الأخرى. وبدأ مد السكك الحديدية في أيام عباس باشا الأول عام ١٨٥٢. وفي أيام إسماعيل مدت معظم الخطوط الحديدية التي في الوجه البحرى، ومد في الوجه القبلى الخط الواصل من القاهرة إلى أسيوط، ولم يمد هذا الخط الأخير إلى أسوان إلا في عهد الاحتلال. ولم يكن هناك اتصال بالسكك الحديدية بين أسوان وحلفا حيث تبدأ الخطوط الحديدية السودانية الواسعة. ومد في أثناء الحرب خط
стр. 4553
حديدى إلى القنطرة (١) على شاطئ القناة يتصل بالخط الجديد الآخر الممتد من حيفا. وقد ظلت السكك الحديدية المصرية حتى عام ١٩٠٤ تحت إشراف إدارة دولية خاصة، وذلك بسبب الصعاب المالية التي نشأت في مصر. ويدير مصلحة السكك الحديدية منذ عهد إسماعيل موظفون ومهندسون من المصريين.
ونقول أخيرا إنه إذا كان ثمة شئ يدل بوضوح على الاتجاه الجديد لمركز مصر الاقتصادى -ومن ثم لمركزها الثقافي- فهو تجارتها الخارجية. فقد كان كل ما ظل باقيًا لمصر من علاقات تجارية في أوائل القرن التاسع عشر هو بقايا التجارة العظيمة العابرة من الحاصلات الهندية التي كانت رائجة أيما رواج في العصور الوسطى والتى كانت مقصورة في هذا العهد القريب على غلات السودان وجنوب بلاد العرب. فلما أنشأ محمد على نظام التجارة الحكومية أو نظام الاحتكار التجارى عادت مصر لأول مرة منذ تاريخها القديم تنتج للتصدير. على أن هذا النظام أغضب المسلمين لأن الوالى لم يكن يعاملهم كما يعامل التجار الأجانب، كما أغضب أيضًا هؤلاء التجار أنفسهم. وبلغ هذا الاستياء حدًا حمل إنكلترة على أن تعقد مع تركيا معاهدة تجارية موجهة ضد سياسة محمد على التجارية. وكان الصادر من الحبوب في أيام سعيد باشا لا يزال أكثر من القطن، ثم أصبح للقطن المكان الأول في عهد خلفه. وكانت الحرب الأهلية الأمريكية هي العامل الأكبر في زيادة الصادر من القطن زيادة كبيرة، وقد أصبحت إنكلترة منذ منتصف القرن الماضى تشترى الجزء الأكبر من القطن المصرى المصدر إلى الخارج، فكانت من أجل ذلك البلد الذي يهمه أكثر من غيره الاحتفاظ بزراعته. وأصبحت مصر بعد ما طرأ على أحوالها الزراعية من تطورات بعد عام ١٨٨٢ أهم البلاد المنتجة للقطن في العالم بعد أمريكا والهند. وفي وسع من يشاء أن يطلع على أرقام الصادرات في الكتب والنشرات الخاصة بهذا الموضوع. وتعتمد الإحصاءات الواردة
стр. 4554
فيها على ما تصدره البيوت التجارية في الإسكندرية. لكننا أقل من ذلك علما بالطريقة التي كانت عليها التجارة المصرية بعد إلغاء تظام الاحتكار، وأكبر الظن أن المشترين الأجانب قد استعانوا إلى حد كبير بوسطاء من السوريين والأقباط، ولعلهم اتبعوا في ذلك طرقًا كان لها أسوأ الأثر في نمو التجارة، نخص بالذكر منها تقديم المال للفلاحين على محصولاتهم، أو شراء هذه المحصولات قبل نضجها، وهو نوع من المعاملات ينطوى على مجازفة شديدة، ويعرض البائع والمشترى على السواء للخسائر الفادحة.
ولم تكن صادرات الحبوب ثابتة ثبات الصادر من القطن. (وكانت نسبة الأولى إلى الثانية بين عام ١٩١٠ , ١٩٢٠: ١ إلى ٩) وحدث في بعض السنين (في أثناء الحرب مثلا) أن اضطرت مصر إلى استيراد كميات من القمح. أما المصنوعات فأهم ما يصدر منها السكر والسجاير.
وكان أهم الواردات في الماضى، البضائع القطنية والمنسوجات من المصانع الإنكليزية، والفحم النباتى (من تركيا) والحديد والدخان والآلات. وكانت أهم البلاد التي تستورد منها مصر حاجاتها قبل الحرب العالمية الأولى بعد إنكلترة هي تركيا وفرنسا والنمسا (الملابس الجاهزة والطرابيش). وسرعان ما أصبحت هذه البضائع المستوردة من الضرورات التي لا يستغنى عنها أهل مصر، وإن أصبح لها أثر كبير في صبغ البلاد بالصبغة الأوروبية.
ولا جدال في أن حظ إنكلترة من تجارة مصر الخارجية بعد أن أخذت هذه التجارة في النماء قد فاق حظ أية دولة أخرى. فقد كان نصيب إنكلترة منها قبل الحرب الماضية ٣٧ % ثم زاد في سنة ١٩١٩ إلى ما يقرب من ٦٠ % وكان ميزان التجارة الخارجية على الدوام -عدا بعض سنين شاذة قليلة- في صالح مصر. وليس من السهل أن نعرف كيف استفادت البلاد من هذا الظرف. وما من شك في أن جزءًا كبيرًا من زيادة الصادر ذهب للوفاء بالتزامات الدين العام. ومهما يكن من شئ فإن الثروة التي دخلت البلاد
стр. 4555
بهذه الطريقة قد قسمت فيها تقسيما هو أبعد ما يكون عن المساواة. فالفلاحون لا يزالون فقراء مثقلين بالدين. أما الطبقات فأولها طبقة الملاك (وبخاصة طبقة الباشوات الأتراك - المصريين؛ انظر القسم رقم ٤ من هذا المقال) ويليها طبقة الأجانب الأوربيين، وهم أحسن حالا من أهل البلاد، لأن الامتيازات تعفيهم من جميع الضرائب (١) وكانت فضلا عن ذلك لا تسمح بزيادة الضريبة الجمركية على الواردات إلى أكثر من ٨ % (٢).
وكانت التجارة الداخلية هي الأخرى معقدة في أيام محمد على. فقد كان يلزم الفلاحين بأن يشتروا منه بأثمان مرتفعة المحصولات التي كان يبتاعها منهم بأثمان تقل عن الأثمان التي يشترونها بها. وقد وصفها في عصر سعيد باشا فون كريمر وصفا مسهبا (جـ ٢، ص ٢١٢ وما بعدها). وكانت لا تزال هذه التجارة محتفظة بكثير من مظاهرها القديمة بالرغم مما تأثرت به من أساليب التجارة الأوربية. ونخص بالذكر من هذه المظاهر القديمة نظام الأسواق التي لا تزال الحركة التجارية فيها منتعشة نشيطة (ومن أمثلة هذه الأسواق سوق خان الخليلى في القاهرة) وإن كانت مظاهر الحياة فيها لم يبق لها ما كان لها في الماضى من روعة وجمال كما أن السلع التي فيها كانت قد انحطت عما كانت عليه من قبل.
٤ - السكان
يدل الازدياد السريع في عدد سكان مصر منذ بداية القرن التاسع عشر دلالة واضحة على أن أحوال المعيشة فيها قد تحسنت كثيرًا عما كانت عليه من قبل. فقد تضاعف عددهم تقريبًا في الفترة المحصورة بين الاحتلال الفرنسى وحكم سعيد (زاد هذا العدد