Полный текст (10 087 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٣). وقد كتب عنه بعض الكتاب المتأخرين مثل على مبارك (جـ ١٣، ص ٤٨ - ٥١) وهؤلاء اعتمدوا كثيرًا على الشعرانى وعبد الصمد (انظر Brock Modern Egyptians: E. w. Lane Gesch. d. arab. Litter: elmann جـ ١، ص ٤٥٠).
[فولرز K. Vollers]
+ أحمد البدوى، ويلقب بأبى الفتيان: أشهر ولى عند المسلمين بمصر، وظل هذا شأنه حوالى سبعمائة عام. ويطلق عليه الناس فى كثير من الأحيان لقب "السيد" فحسب. ولقبته أغنية قيلت فى تمجيده (طبعة ليتمان) بشيخ العرب لأنه كان يلبس لثامًا مثل بدو المغرب. وأحمد البدوى الصوفى يلقب بالقطب.
والراجح أن أحمد ولد فى فاس سنة ٥٩٦ هـ (١١٩٩ - ١٢٠٠ م)، ويظهر أنه كان أصغر سبعة أو ثمانية من الأولاد، وكانت أمه تدعى فاطمة، واسم أبيه على (البدرى)، ولم تذكر صنعة أبيه، وكان نسبه يرفع إلى علي بن أبى طالب.
وقد مضى أحمد وهو فى شرخ شبابه صحبة أسرته للحج إلى مكة، وبلغوها بعد أربع سنوات من الرحلة، ويقال إن ذلك كان بين سنتى ٦٠٣ - ٦٠٧ هـ (١٢٠٦ - ١٣١١ م)، وتوفي أبوه فى مكة، ويروى أن أحمد قد أحسن ركوب الخيل فى مكة حتى غدا فارسًا مغوارًا, ومن ثم لقب هناك، فى قول الروايات، بالعطاب والغضبان. وقد يكون لقبه "أبو العباس" تحريفًا وقع فى كتابة "أبى الفتيان"، ولعل اللقب أبا الفتيان فيه الكثير من معنى العطاب. ومن الألقاب التى لقب بها من بعد: "الصمات" و"أبو فراج" أى المحرر ويقصد بذلك محرر الأسرى. وحوالى سنة ٦٢٧ هـ (١٢٣٠ م) كابد أحمد تحولا باطنيا، فقد قرأ القرآن بالقراءات السبع ودرس شيئًا من الفقه الشافعي، وانقطع للعبادة ورفض عرضًا للزواج، واعتزل الناس وأخلد إلى الصمت لا يتكلم إلا بالإشارة. وتذهب بعض الروايات إلى أن أحمد رأى سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م) ثلاث رؤى متعاقبات دعته إلى زيارة العراق، فشخص إليها صحبة
стр. 492
أخيه الأكبر حسن، وزار أحمد وأخوه قبرى الوليين القطبين أحمد الرفاعى وعبد القادر الجيلانى كما زار قبور غيرهما من الأولياء. ويقال إن أحمد استطاع وهو فى العراق أن يروض المرأة الجموح فاطمة بنت يرى التى لم تخضع من قبل لرجل، وقد عرضت عليه الزواج فأبى. وصيغ من هذه الحادثة قصة مغرقة فى الخيال والعاطفة بلغة العرب الدارجة، ولعل هذه القصة تعود إلى الأساطير المصرية القديمة. وفى سنة ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ - ١٢٣٧ م) رأى أحمد رؤيا أخرى دعته إلى الرحلة إلى طنطا بمصر، وعاد أخوه حسن من العراق إلى مكة. وفى طنطا دخل أحمد فى آخر وأهم فترة فى حياته، وقد وصفت طريقته فى الحياة على النحو الآتى: صعد أحمد فى طنطا إلى سطح دار من الدور الخاصة وظل قائما بلا حراك محملقًا فى الشمس حتى احمرَّت عيناه وتوقدتا كأنهما جمرتان. وكان يصمت أحيانًا فيطيل الصمت وينخرط أحيانًا فى صراخ متصل.
وقد وجد الأولياء الذين كان الناس لا يزالون يقدسونهم عند وصول أحمد إلى طنطا (أمثال الحسن الإخنائى، وسالم المغربى ووجه القمر) أن أحمد قد أخملهم، ويقال إن معاصره السلطان الظاهر بيبرس المملوكى كان يقدره وأنه قبل قدميه، وقد قدم عليه فتى يدعى عبد العال عندما كان يبحث عن دواء يداوى به عينيه الموجوعتين، وأصبح هذا الفتى من بعد موضع ثقته وخليفته. ومن ثم كنى السيد البدوى فى الأدب الشعبيّ بأبى عبد العال. وتوفى أحمد فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة ٦٧٥ هـ (٢٤ أغسطس سنة ١٢٧٦ م).
وقد ألف أحمد البدوى:
١ - حزبًا.
٢ - مجموعة صلوات شرحها عبد الرحمن بن مصطفى العيدروسى بعنوان "فتح الرحمن".
٣ - وصايا تتضمن عظات يغلب عليها الطابع العام.
وخلفه بعد مماته عبد العال المتوفى سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٢ - ١٣٣٣ م)، وقد
стр. 493
أقام عبد العال مسجدًا فوق قبره. وكان تقدير أحمد وزيارة قبره بطنطا يستنكرهما فى كثير من الأحيان العلماء ذوو الثقافة العالية وغيرهم من خصوم الصوفية. وكان بعض هؤلاء الخصوم ممن عارضوا التصوف بجميع أشكاله، وبعضهم من السياسيين الذين أبوا أن يتحكم الصوفية فى الناس. ونحن نسمع بمقتل خليفة للبدوى فى مناسبتين (ابن إياس، جـ ٢، ص ٦١؛ جـ ٣، ص ٧٨). وفى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م) حمل العلماء وأهل الورع من السياسيين السلطان الظاهر جقمق على منع الزيارة إلى طنطا, ولكن الحكم الذى أصدره هذا السلطان لم يكن له من الأثر لأن الناس أبوا أن يتخلوا عن عاداتهم القديمة. والظاهر أن السلطان قايتباى كان من المعجبين بهذا الولى (ابن إياس، جـ ٢، ص ٢١٧، ٣٠١). وقد تضاءلت فى عهد الحكم العثمانى مظاهر الأبهة التى كانت تلازم الاعتقاد فى الولى أحمد، ذلك أنها كانت تتعارض مع الأحكام التركية الشديدة. على أن هذا الاتجاه السياسى لم ينتقص من تقدير المصريين لأحمد. وتعد طريقة الدراويش الأحمدية التى أسسها هو من أهم الطرق الشعبية فى مصر هي والرفاعية والقادرية والبيومية. وكانت شعارات الأحمدية وعمائمهم حمرا. وللأحمدية فروع عدة مثل البيومية وغيرها.
والمكان الذى يزار فيه أحمد هو مسجد طنطا الذى أقيم فوق قبره؛ ويقول عنه لين (An Account: E. W. Lane of the Manners and Customs of Modern Egyptians سنة ١٨٤٦، جـ ١، ص ٣٢٨): "والقبر فى أيام المواسم السنوية الكبرى يجتذب من القاهرة ومن غيرها من أنحاء الوجه البحرى الأخرى عددًا من الزوار يكاد يماثل ما يؤم مكة من الحجاج القاصدين من جميع أرجاء العالم الإسلامى". ويذهب كثير من الحجاج القاصدين مكة إلى طنطا أولًا، ومن ثم قيل إن أحمد هو"باب النبى". والموالد الثلاثة الكبرى التى تقام لأحمد هي:
١ - مولد فى السابع عشر أو الثامن عشر من يناير. ٢ - مولد فى الاعتدال الربيعى أو حوالى ذلك. ٣ - بعد مضى شهر تقريبًا من
стр. 494
الانقلاب الصيفى حين يزداد النيل زيادة كبيرة وقبل أن تفتح السدود أو القنوات. وهذه الموالد هي كما يقول لين: "أسواق كبيرة وأعياد دينية أيضًا" وتواريخها تحسب بالسنة القبطية، وأغلب الظن أن فى هذه الأعياد والزيارات رواسب من الشعائر المصرية القديمة والمسيحية. وتاريخ المولد الأول يطابق تاريخ عيد الغطاس عند المسيحيين. ويذهب كولدسيهر (Muh. Stud.: Goldziher، جـ ٢، ص ٣٣٨) إلى وجود صلة بين موالد طنطا والمواكب المصرية القديمة لبوباسطس التى وصفها هيرودوت.
ولا تقام الموالد للسيد البدوى فى أماكن أخرى من مصر وفى القاهرة فحسب، بل تقام أيضًا فى القرى الصغيرة (انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ ٩، ص ٣٧). ويُشك بعض الشك فى أن جميع الأضرحة التى تحمل اسم "البدوى" هي لأحمد. ومثل هذه الأضرحة نجدها بالقرب من أسوان، وفى سورية بالقرب من طرابلس (J.L. Burchkardt: Syria ص ١٦٦) وفى غزة (Goldziher: Muh. Stud. جـ ٢، ص ٣٣٨؛ Zeitschrift des Deutschen Palastinavereins؛ جـ ١١، ص ١٥٢, ١٥٨).
وثمة كثير من الروايات تروى فى مصر عن أحمد البدوى: منها كرامات وهو بقيد الحياة، وكرامات تأتى من قبره؛ وكرامات تجعله يحيى الموتى؛ وكرامات يخص بها أولئك الذى يحيون موالده. وتدل الأغنية التى سجلها ليتمان (انظر المصادر) فى القاهرة عن مبلغ اعتقاد كثير من الناس فيه حتى اليوم. وفى هذه الأغنية تروى كرامات لأحمد لا يكاد يصدقها العقل. ويقال أيضًا إنه بدأ يتكلم من يوم أن ولد، وإنه كان أكولًا لا حد لنهمه، وقد اشتهر خاصة برد الأسرى والمفقودين والأمتعة، ومن ثم لقب، "جايب اليسير" أى جالب الأسير، وإذا نادى مناد عن فقد طفل أو حيوان أو متاع استغاث بأحمد البدوى؛ ويذكر سبور (Spoer فى Zeitscher. der Deutsch. Morgent. Ge
стр. 495
سنة ١٩١٤ م، ص ٢٤٣) خبر كرامة لهذا الولى وقعت فى فلسطين.
المصادر:
التراجم:
(١) المقريزى، مخطوط، برلين ٣٣٥٠، رقم ٦.
(٢) ابن حجر العسقلانى، مخطوط برلين ١٠١٠١.
(٣) السيوطى: حسن المحاضرة، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، ج ١، ص ٢٢٩.
(٤) الشعرانى طبقات الصوفية، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ ج ١، ص ٢٤٥ - ٢٥١) وكان الشعرانى من المعجبين بالولى، وقد لقب نفسه بالأحمدى" انظر Call. Leipzig: Vollres رقم ٣٥٣).
(٥) عبد الصمد زين الدين: الجواهر السنية فى الكرامات الأحمدية، وقد طبع مرارًا (وهذا المصنف الهام الذى كتب عام ١٠٢٨ هـ = ١٦١٩ م، يستشهد بكتب أخرى مفقودة علاوة على الكتب التى ذكرنا).
(٦) على الحلبى المتوفى سنة ١٠٤٤ هـ = ١٦٣٤ - ١٦٣٥ م: النصيحة العلوية فى بيان حسن طريقة السادة الأحمدية، مخطوط، برلين ١٠١٠٤.
(٧) حسن راشد المشهدى الخفاجى. النفحات الأحمدية، القاهرة سنة ١٣٢١.
(٨) قصة سيدى أحمد البدوى وما جرى له مع الثلاثة الأقطاب.
(٩) قصة السيد البدوى مع فاطمة بنت برى وما جرى بينهما من العجائب.
(١٠) قصة السيد البدوى مع فاطمة بنت برى وما جرى لهما من العجائب والغرائب (والمصنفات الثلاثة الأخيرة رسائل صغيرة طبعت فى القاهرة؛ والثانية والثالثة منهما متنهما متماثل إلى حد كبير).
والسيد البدوى يُتناول كثيرًا بالجمع بينه وبين أقطاب آخرين مثل.
(١١) محمد بن حسن العجلونى (حوالى عام ٨٩٩ هـ = ١٤٩٤ م) مخطوط ببرلين رقم ١٦٣.
стр. 496
(١٢) وأحمد بن عثمان الشرنوبى (حوالى عام ٩٥٠ هـ - ١٥٤٣ م)، مخطوط ببرلين رقم ٣٣٧.
(١٣) وثمة قصيدة قيلت فى أحمد، برلين رقم ٥٤٣٢، ٨١١٥/ ٣.
(١٤) على مبارك: الخطط الجديدة، ج ١٣، ص ٤٨ - ٥١، وجل اعتماده على الشعرانى وعبد الصمد.
(١٥) وقد نشر ليتمان Littmann وترجم: "مديح السيد البدوى وبيان كراماته العظيمة" بعنوان- il Ahmed Ein Leid auf den and Agypitichen Natingen heilonal Badawi، ماينز سنة ١٩٥٠ م.
(١٦) Brockelmann، ج ١، ص ٤٥٠؛ قسم ١، ص ٨٠٨.
خورشيد [فولرز وليتمان Littmann - Vollres]
أحمد جودت باشا
من علماء الترك البارزين وسياستهم وهو من أسرة لقبت بقطاع الرقاب أصلها من قرن كليسا، ثم استوطنت لوفجه (جنوبى بلونة) منذ أوائل القرن الثامن عشر، وحارب أحد أجداده بطرس الأكبر عند نهر بروث، واشتغل جد آخر بالإفتاء وقد حج أبوه وجده إلى مكة، وولد أحمد جودت عام ١٢٣٨ هـ (١٨٢٢ - ١٨٢٣ م) وتعلم مبادئ العلوم الإسلامية فى مسقط رأسه، ولكن سرعان ما اجتذبته الأستانة التى كانت مركز النشاط العقلى عام ١٢٥٥ هـ (١٨٣٩ - ١٨٤٠ م) ودأب على الدرس واستغرق فى علم الكلام، والفلسفة، والأدب العربى، والرياضيات، وطبقات الأرض، وعلم النجوم، كما حذق الفارسية على أيدى الدراويش والشاعر فهمى؛ وبعد أن درس مدة أربعة أعوام فقط -وهى فترة عجيبة فى قصرها- جاز الامتحان بتفوق، ومنكنه أن يجد لتوه عملا، وأن يتقاضى أجرًا؛ وحصل بعد ذلك بمدة قصيرة على إجازة مكنته من القيام بالتدريس فى أحد مساجد العاصمة التركية، وما إن أتم شرح ديوان صائب حتى استطاع أن يدخل فى سلك التدريس بمصلحة المعارف، كما استطاع أن ينال منصب مدير حلقات البحث فى المدارس المتوسطة العامة.
стр. 497
واشترك مع مولاه فؤاد فى البعثة المشهورة إلى بخارست عام ١٤٤٨ م، وبعد عودته كتب هو وفؤاد -وكانا فى بروسة- القواعد العثمانية التى تعتبر أساس النحو فى اللغة التركية، وترجمها إلى الألمانية (كلكرن، هلسنكفورث عام ١٨٥٥ م)، ثم صحب فؤاد هذا فى رحلة قصيرة إلى مصر. وفى عام ١٢٧٠ هـ (١٨٥٣ - ١٨٥٤ م)، أى خلال حرب القريم، كلفه السلطان عبد المجيد كتابة تاريخ عام للأتراك من صلح كوجوق قينارجه إلى القضاء على الإنكشارية (من عام ١٨٢٦ - ١٧٧٤ م). واستطاع أن يقدم لمولاه فى العام التالى المجلدات الثلاثة الأولى التى كتبها فى عبارة طلية وأسلوب حماسى فكافأه على ذلك بتعيينه مؤرخًا للدولة، كما كافأه على مصنفه الثانى "المعاملات الإسلامية" - الذى ظهر بعد ذلك بعامين بعنوان "النص الثابت" والذى قوبل عند ظهوره بالتهليل والإكبار - بأن عينه عضوًا فى هيئة العلماء التى كانت تقوم فى ذلك الوقت بتنقيح القانون المدنى كما أقامه ناظرًا على لجنة الأملاك. ولازمه التوفيق فأخذ يتدرج فى المناصب العالية، نخص بالذكر منها منصب الوزارة الذى ضحّى من أجله بلقب مؤرخ الدولة عام ١٢٨١ هـ (١٨٦٤ - ١٨٦٥ م) ومنصب رئيس اللجنة التى كانت وظيفتها تنقيح القانون المدنى (١٢٨٤ هـ) تلك اللجنة التى ظهر نشاطها عند توليه رياستها وقد ولى حكم حلب وبروسة ومرعش ويانينا على التعاقب، وأصبح بعد ذلك واليًا على الشام مرتين، ثم ناظرًا للمعارف ثلاث مرات، ثم ناظرًا للحقانية مرتين، والداخلية والتجارة مرة، ثم وكيلا للمجلس المخصوص. وخير عمل قام به كان فى أثناء نظارته للمعارف، إذ أدخل الروح العصرية فى المدارس العامة.
وبعد أن اعتزل مناصب الحكومة قضى بقية حياته الطويلة موفور الصحة والنشاط مشغوفا بالقراءة التى كان ينفق فيها جل وقته, حجم التواضع وقد دلتنا مؤلفات أبنائه وبناته على أنه كان أبا مخلصًا وقضى نحبه بعد مرض لم يمهله طويلا فى بيته الريفى فى ببك على شاطئ البسفور فى ليلة الخامس والعشرين من مايو عام ١٨٥٩ م.
стр. 498
وله -إلى جانب مصنفه القواعد العثمانية الذى ظل ينشر كاملا وملخصًا فى طبعات منقحة على الدوام- مصنفان لغويان آخران يستحقان الثناء هما "معيار سداد" و"آداب سداد" وهما مقدمتان فى الأسلوب الأدبى. وكان يجيد اللغة العربية والفارسية قراءة وكتابة كاللغة التركية سواء بسواء، كما كان يحذق الفرنسية والبلغارية، وقد بقى القليل من أشعاره وهى تمتاز بالبساطة، وإن كانت أقرب إلى الصناعة منها إلى الشاعرية على الرغم من خلوها من الأخطاء.
وقد أكمل وطبع أثناء نظارته الثانية للحقانية (١٢٩٣ - ١٢٩٤ هـ - ١٨٧٦ - ١٨٧٧ م) أكبر عمل قضائى فى عصره وهو القانون المدنى التركى.
واشتهر أحمد جودت خاصة بالتاريخ]. ففي أواخر عهد السلطان عبد العزيز وعند ما لهجت الأفواه جميعًا بالثناء عليه أتحف أحمد جودت الشعب التركى بألمع درة فى عالم المصنفات الشرقية ألا وهى "قصص الأنبياء وتاريخ الخلفاء" وهو مصنف ختمه بمقتل الخليفة عثمان وكل من يحاول فى الوقت الحاضر دراسة الأدب القومى -ولو كان يعيش فى أقصى الأقاليم التركية- عليه أن يبدأ أولا وقبل كل شئ بقراءة هذا الكتاب ولكن المصنف الذى خلد اسمه فى عالم التأليف حقا هو كتابه فى تاريخ تركية المسمى "وقائع دولت عليّه" الذى تناول فيه الحوادث من عام ١١٨٨ - ١١٢٤ هـ (١٧٧٤ - ١٨٢٥ م) ويقع فى اثنى عشر مجلدًا طبعت الطبعة الأولى منه فى الأستانة عام (١٢٧١ - ١٣٠١ هـ) وتكرر طبعه فيما بعد، ما ظهرت الطبعة الأخيرة منقحة تنقيحًا سياسيًا.
ولم يعتمد أحمد جودت فى تاريخه على المحفوظات الرسمية فحسب، بل اعتمد أيضًا على مؤرخى الدولة أمثال واصف وأنورى وأديب ونورى ويرتو وعاصم وشانى زاده، كما اعتمد فى بعض المناسبات على المؤرخ العربى الكبير الجبرتى وغيره.
وبالرغم من أنه كان يكتب فى عصر سيطرت فيه فرنسا على نصف القارة
стр. 499
الأوربية فإنه لم يرجع إلى أى مصدر فرنسى سوى مذرات نابوليون التى كتبها فى سانت هيلانة وأعاد صياغة مصنفات أسلافه، بيد أنه كان مستقلا فى الرأى إلى حد أن سرده للحوادث كان يتسم بطابع عبقريته وعقله الناضج وفى أثناء حكم عبد المجيد وعبد العزيز تمكن أحمد من الرجوع إلى المحفوظات الرسمية، ولكن يلوح لنا أنه لم يرجع إليها فى تأليفه المجلدات الثلاثة الأخيرة. كما نستطيع أن نقول بصفة عامة إنه رتب الحوادث ترتيبًا زمنيًا، ولو أنه كان من المهارة بحيث لم يمزج الحروب بالحوادت المحلية مزجًا عشوائيا فى سبيل المحافظة على الترتيب الزمنى. ولم يكن أسلوبه مشرقا، بل سار فى المجلدات الخمسة الأولى على طريقة المؤرخين القدماء فكان أسلوبه خطابيًا فخما ثم تنحى عن هذأ الأسلوب فجأة فى أوائل المجلد السادس، فتوخى البساطة التى بدأ الكتاب يتوخونها فى هذا العصر. على أننا نستطيع أن نعتمد على هذا المصنف بوجه عام، وكان يذكر فى إلماته السريعة بالقرون الماضية حوادث ليست بذات بال ويجعل منها غزوات موفقة وانتصارات حاسمة فى حين أنه مرّ مر الكرام على هزيمة الترك المنكرة التى كان من نتائجها ضياع المجر بأجمعها من أيديهم ولكننا نستطيع مع ذلك أن نغتفر له مثل هذا التجاهل إذا أخذنا المؤرخ تاكيتوس Tacitus نموذجا ومثالا.
وكان أحمد جودت باشا مقتنعًا تمام الاقتناع بفائدة دراسة التاريخ فى التربية فهو يحذر مواطنيه دائمًا من فساد الإدارة عند الشرقيين، كما كان يوجه اهتمامه إلى عهود التقدم مهما تضاءلت يستعرضها فى إيجاز بليغ ويجعل منها وسيلة لإنهاض وطنه؛ يظهر هذا بصفة خاصة فى أفكاره القيمة التى وردت كثيرًا فى المجلدات الخمسة الأولى، ولعل أكثر ما كان يضجره هذا الانتقال الفجائى من الركود التام إلى النشاط العجيب الذى كان يتمثل جليًّا فى القرون الماضية وليس هناك شخص تأخذه الحماسة لانتصارات العلم أكثر من أحمد جودت باشا كما أنه يفيض وطنية عندما يشيد
стр. 500
بما قامت به تركية من فتوح فى ميدان الحضارة، كالفصل بين السلطات الحربية والمدنية الذى تم فى القرن التاسع عشر، وتركيز الإدارة وإصلاح العملة على يد الدولة. أما فى ميدان السياسة الخارجية فلم يكن هناك شئ أكثر تأثيرا فى نفسه من أن يرى تركية تتحالف مع النمسا على روسا، لأن هاتين الدولتين وكلتاهما من الجنس الذى تمتزج فيه الدماء الصقلبية بغيرها، ليس أمامهما سوى الاتفاق بدل التنابذ إذا أرادنا أن تواجها طغيان فكرة الجامعة الصقلبية.
ونذكر أيضًا من مصنفات أحمد جودت باشا بصفة خاصة بيان العنوان، ومعلومات نافعة، وتقويم الأدوار، ثم إتمامه لترجمة ابن خلدون إلى التركية.
المصادر:
(١) جمال الدين وأحمد جودت: عثمانلى تاريخ ومؤرخلرى، الأستانة سنة ١٣٤١ هـ.
(٢) إسماعيل حقى: كتَّاب الترك فى القرن الرابع عشر، سنة ١٣٠٨ هـ (٣) جورجى زيدان: مشاهير الشرق ب ٢، ص ١٥٣ وما بعدها
[سوسهايم K. Sussheim].
١ - أحمد جودت باشا: من أئمة الكتَّاب ورجال الدولة العثمانيين، ولد فى ٢٨ جمادى الآخرة سنة ١٢٣٧ هـ (٢٢ مارس سنة ١٨٢٢ م) فى لوفجه (لوفك) بشمالى بلغاريا حيث كان أبوه حاجى إسماعيل أغا عضوًا فى مجلسها الإدارى وكان أقدم جد له معروف قد نبت فى قوقلرى (قرق كليسا)، واستقر فى لوفجه بعدأن اشترك فى حملة نهر بروث سنة.١٧١١ م وقد أظهر أحمد فى سن باكرة مقدرة خارقة وجلدا عجيبًا، فلما بلغ سنة ١٨٣٩ م سن السابعة عشرة أرسل إلى "مدرسة" فى إستانبول ليمضى فى تعليمه وهناك تابع أحمد مناهج "المدرسة" التقليدية ولم يكتف بدراسة الرياضيات الحديثة بل صرف وقت فراغه أيضًا فى دراسة الفارسية على الشاعر سليمان فهيم وشرع هو نفسه فى نظم الأشعار
стр. 501
بالأسلوب التقليدى ومن فهيم تلقى اسمه الشعرى (مخلص) جودت وأضافه من ثم إلى اسمه.
وحصل أحمد على الإجازة (إجازت) التى تبيح له الالتحاق بالسلك القضائى، ثم تقاضى أول مرتب له ولكنه لم يعين رسميًا فى منصب القاضى إلا سنة ١٢٦٠ هـ (١٨٤٤ - ١٨٤٥ م). وعندما تسنم مصطفى رشيد باشا أريكة الصدارة العظمى سنة ١٨٤٦ م، وطالب بأن يشغل منصب شيخ الإسلام عالم واسع الأفق مزود بالقدر اللازم من العلم بالشريعة الذى يؤهله لأن يضع على خير وجه مشروعات القوانين والنظم (نظامنامه) التى فكر فى إصدارها، وقع اختياره على جودت ومن يومها إلى حين وفاة رشيد باشا مضت أربع عشرة سنة ظل فيها جودت وثيق الصلة به لقد أقام فى منزله وغدا مؤدبا لأولاده وفى هذه الأثناء تعرف أحمد أيضًا بعالى باشا وفؤاد باشا، واضطلع بفضل نفوذ رشيد بمهام سياسية وإدارية وفى أغسطس سنة ١٨٥٠ م حصل على أول وظيتفة بالمعنى الصحيح إذ أقيم ناظرًا لدار المعلمين وعضوا فى مجلس المعارف (مجلس معارف) بوصفه كبير كتاب عصره.
وفى أثناء نظارته لدار المعلمين التى انتهت فيما يبدو فى السنة التالية حقق جودت إصلاحات فى دخول الدار والإنفاق على الطلبة الذين يلتحقون بها وامتحاناتهم. وقد كتب بوصفه كاتب سر مجلس المعارف تقريرا أدى إلى إنشاء "أنجمن دانش" فى يولية سنة ١٨٥١ م التى كرس جهده لخدمتها بعد أن صحب فؤاد باشا فى زيارته الرسمية لمصر فى مارس سنة ١٨٥٢ م، وبدأ خير كتبه: "تاريخ وقائع دولت عليه" الذى أتم المجلدات الثلاثة الأولى منه أثناء حرب القريم تحت رعاية هذه الجمعية، ولما قدم هذه المجلدات إلى السلطان عبد المجيد رقى إلى رتبة السليمانية وفى فبراير سنة ١٨٥٥ م عين مؤرخا للدولة (وقعة نويس) وفى سنة ١٨٥٦ م أقيم "ملآ" لغلطة. وفى سنة ١٨٥٧ م نال رتبة بك فى السلك القضائى وفى هذه الأثناء أى وقت
стр. 502
الحرب، عين عضوا فى لجنة ألفت لوضع كتاب عن أحكام الشريعة فى المعاملات التجارية، على أن هذه اللجنة حلت بعد أن نشرت كتاب البيوع فقط.
وفى سنة ١٨٥٧ م ألحق بمجلس التنظيمات وتولى الصدارة فى وضع قانون (قانوننامه) جنائى جديد، وشارك بوصفه رئيسا لـ "أراضى سيئة قومسيونى" فى وضع قانون (قانون ننامه) عن الـ "تابو" (وهى ضريبة زراعية).
ولما توفى رشيد باشا سنة ١٨٥٨ م اقترح عالى باشا وفؤاد باشا على جودت وجوب تركه سلك العلماء والانتقال إلى سلك الحكومة بقبوله منصب والى ودين على أنه لم يخط هذه الخطوة إلا بعد ذلك بثمانى سنوات أخرى، وإن كان فى هذه الأثناء قد كلف مرتين ببعثتين إداريتين "مندوبا فوق العادة" الأولى فى خريف عام ١٨٦١ م إلى إشقودرة، والثانية (صحبة قائد يلى أمر فرقه) فى صيف سنة ١٨٦٥ م إلى قوزان فى إقليم طوروس لتهدئة الخواطر فى هذه المناطق بإدخال الإصلاحات المطلوبة. وقد بلغ من نجاحه فى البعثة الأولى أن أرسل فى مارس ١٨٦٣ م "مفتشا" إلى البوسنة مع منحه رتبة قضائية هي "قاضى عسكر" الأناضول، وهناك نجح مرة أخرى نجاحا مشهودا فى إعادة النظام وذلك فى الثمانية عشر شهرا التالية. وفى أثناء هذه المدة عين أيضًا عضوا فى لجنة إصلاح الجريدة الرسمية "تقويم وقائع" ثم عضوا فى "مجلس والا".
وقد ترك أحمد جودت سلك العلماء فى يناير ١٨٦٦ م عندما اعتزل منصب "وقعة نويس"، واستبدل برتبة "العالم" مرتبة الوزارة" وأقيم واليا لولاية حلب طبقا لتشكيلها الجديد بمقتضى قانون "الولايات"، على أنه استدعى إلى قضية البلاد فى فبراير سنة ١٨٦٨ م ليلى رئاسة "ديوان أحكام عدلية"، وهو إحدى الهيئيتين اللتين حلتا وقتذاك محل "مجلس والا" و"شوراى دولت" ويرجع معظم الفضل فى استحداث المحاكم النظامية إلى الجهود التى بذلها جودت وهو يلى رئاسة الديوان المذكور كما يرجع إلى تلك الجهود انقسام هذا الديوان بمرور
стр. 503
الزمن إلى "محكمة تمييز" و"محكمة استئناف" وجعل رئاسته وزارة وقد حدث فى المدة الأولى لتوليه وزارة العدل أن وضع منهجا قضائيا يدرسه القضاة فى الوزارة لزيادة تثقيفهم وتحسين الإجراءات القضائية كما بدأ فى وضع مجموعة قوانين على أساس الفقه الحنبلى تحت رعاية جمعية ألفت لهذا الغرض وقد عمد جودت فى الحصول على الموافقة على وضع هذه المجموعة التى تقوم على الأحكام الإسلامية إلى الاستعانة بفؤاد باشا وشرووانى زاده رشدى باشا لمواجهة معارضة عالى باشا الذى كان يؤيد اقتباس القانون المدنى الفرنسى.
وظل جودت باشا (وكان قد منح لقب الباشوية وقتئذ) وزيرا للعدل حتى نهاية أبريل سنة ١٨٧٠ م، وما وافى هذا التاريخ حتى كان قد أتم نشر أربعة مجلدات من المجلة على أنه ما إن أتم المجلد الخامس حتى كان قد صرف عن الوزارة ولو أنه أقيم واليا على بروسه، ثم لم يلبث أن صرف عن هذا المنصب أيضًا وبقى جودت بعيدا عن الوظائف حتى أغسطس من العام التالى، وهنالك دعى إلى رئاسة الجمعية المشرفة على وضع مجموعة القوانين (المجلة) ومصلحة التنظيمات من "شوراش دولت" وفى غضون هذه الفترة نشر المجلد الخامس من المجلة، كما نشر المجلد السادس الذى لم يكن لجودت فيه يد وكانت المآخذ على هذا المجلد هى السبب الأكبر فى استدعائه، فبادر لتوه إلى استدراك ذلك بإصدار نسخة جديدة، ومن هذا التاريخ حتى نشر المجلدات الأخيرة من المجلة، استمر جودت يشرف على وضع مجموعة القوانين، ولو أنه استخدام أيضًا فى مناصب هامة شتى، بعضها فى الولايات. وكان من أهم هذه المناصب تعيينه فى أبريل سنة ١٨٧٣ م وزيرا للمعارف، وقد حقق وهو يلى هذه الوزارة إصلاحا فى المدارس الابتدائية للصبيان (صبيان مكتبلرى)، ووضع مناهج للمدارس الرشدية وللمدارس الإعدادية التى كانت بعد فى دور التكوين، وهى خطوات استوجبت تأليف كتب زولية جديدة للتعليم كتب بنفسه ثلاثة منها على أنه حدث بعد تعيين حسين عونى باشا صدرا أعظم -وكان
стр. 504
حسين فيما يظهر يتدبر من قبل فى خلع السلطان عبد العزيز- أن أقيم جودت واليا على يانينا فى الثانى من نوفمبر سنة ١٨٧٤ م لإبعاده عن قصة الدولة على اعتبار أنه من المعارضين المحتملين لهذه الحركة، ولم يرد جودت إلى منصبه الأول إلا فى يونيه من العام التالى عقب سقوط حسين عونى وفى نوفمبر سنة ١٨٧٥ م عين للمرة الثانية وزيرا للعدل وحقق بذلك نقل المحاكم التجارية إلى وزارته وكانت حتى ذلك الحين تابعة لوزارة التجارة. ولكنه أثار سخط محمود نديم باشا أثناء توليه الصدارة العظمى للمرة الثانية، بمعارضته له فى منخه امتيازات جمركية للرأسماليين الأجانب فأرسل جودت أولا فى جولة تفتيشية بالروملّى فى هارس سنة ١٨٧٦ م، ثم أقيل من وزارة العدل وكان على وشك المضى إلى الشام واليا عليها؛ وإذا بمحمود نديم يسقط من الصدارة العظمى ويدعى جودت لتولى وزارة المعارف للمرة الثالثة.
ولم يكن لجودت أى شأن فى عزل السلطان عبد العزيز الذى وقع فى آخر هايو، ولما جلس السلطان عبد الحميد الثانى على العرش عاد جودت فى نوفمبر إلى وزارة العدل وهنالك استفحلت الوحشة بين مدحت باشا وبينه وتأصلت نتيجة لما عدّه مدحت موقفا رجعيا من جودت حيال الدستور أثناء المناقشات التى كان قد بدأ جودت يساهم فيها: ومع ذلك فإن مدحت قد أبقى جودت فى منصبه طوال توليه الصدارة العظمى، ولم يترك هذا المنصب إلى وزارة الداخلية المنشأة حديثاً إلا بعد سقوط مدحت وحلول ساقزالى أدهم باشا محله وظل جودت وزيراً للداخلية خى اقتربت الحرب بين تركية والروسيا من النهاية سنة ١٨٧٧ م، وكان يعارض تورط الباب العالى فيها، وتولى وزارة الأوقاف الشاهانية مدة قصيرة ثم أقيم للمرة الثانية واليًا على الشام.
وقضى جودت فى الشام تسعة أشهر اكتسب خلالها معرفة خاصة
стр. 505
بهذه المنطقة وأخمد بشخصه فتنة أخرى فى قوزان. وفى ديسمبر من السنة نفسها حل محله مدحت، واستدعى جودت إلى الآستانة ليلى أمر وزارة أخرى أيضًا هى وزارة التجارة، ولما صرف الصدر الأعظم خير الدين باشا عن منصبه فى أكتوبر سنة ١٨٧٩ م تولى جودت باشا رئاسة مجلس الوزراء عشرة أيام، ولما تولى الصدارة كوجوك سعيد باشا عين جودت للمرة الرابعة وزيرًا للعدل. وكانت هذه المرة بعدُ هى أطول مرة شغل فيها المنصب إذ قضى جودت فيه ثلاث سنوات وقد أحيل مدحت للمحاكمة فى عهد ولايته لهذه الوزارة، وكان أحمد فيما يظهر قد اتهمه من قبل بممالأة النصارى عن خيانة، على أن الظروف جعلته يتنكب طريقه، ذلك أنه كان فيما سبق رئيسا للقوة التى نيط بها القبض على مدحت وإشخاصه إلى الآستانة، وقد اقتضاه ذلك أن يسافر شخصيًا إلى أزمير فى شأن هذه المهمة.
وانتهت ولايته الرابعة لوزارة العدل فى نوفمبر سنة ١٨٨٢ م بتعيين أحمد وفيق باشا صدر، أعظم ولم يرد إلى منصبه هذا فيليه للمرة الأخيرة إلا فى يونية سنة ١٨٨٦ م، وقد شغله هذه المرة أربع سنوات؛ اختير خلالها أيضًا عضوًا من ثلاثة أعضاء فى المجلس الخاص الذى ألفه السلطان عبد الحميد لمناقشة المشاكل السياسية، كما رأس لحجنة أقيمت لوضع فرمان يشمل شتى التعديلات فى النظم الخاصة بحكم كريت بعد إخماد فتنة سنة ١٩٨٩ م وفى مايو سنة ١٨٩٠ م
استقال من الوزارة للخلافات التى قامت بينه وبين الصدر الأعظم كامل باشا وفى أثناء السنوات الثلاث عشرة الباقية من حياته -وقد قضى تسعا منها معتكفا- صرف جودت جل اهتمامه إلى التأليف بشتى ضروبه بما فى ذلك كتابة المجلدات الأخيرة من تاريخه وتوفى أحمد فى ٢٥ مايو سنة ١٨٩٥ م، بعد مرض قصير فى قصره (يالى) فى ببك.
وقد كشف جودت فى سلوكه وفى أعماله عن مزيج عجيب من التقدمية
стр. 506
والمحافظة فبينما هو ينادى دائمًا بزيادة تنوير أفهام المجتمع العثمانى، ويستنكر بشدة أى مظهر من مظاهر الجهل والتعصب وحب الذات بين الطبقة الحاكمة، إذ بنظرته تتأثر فى جوهرها بالتعليم الذى تلقاه فى "المدرسة" ومن ثم نجده فيما كتب أيام صدر حياته ينتقد ما فى معاصريه من وجوه النقص بنغمة مأمولة، على حين يكشف فى خريف حياته عن خيبة أمله فى التنظيمات بلغة مرة فى كثير من الأحيان. وربما بدا لنا أن السبب فى هذا التبدل فى نظرته يرجع فى بعضه على الأقل إلى صدامة مع مدحت الذى كان يجابهه خاصة بالسخرية من عجزه فى اللغة الفرنسية ومن ثم قصوره فى معرفة الفكر الأوربى. ولذلك يظهر أنه كان تحت رحمة الظروف على تفاوت فى شدتها، بل كان فوق ذلك كله واقعًا تحت سيطرة الدور الخسيس الذى لعبه فى محاكمة مدحت، باتخاذه موقفًا رجعيًا يتسق تمام الاتساق مع الروح التى كانت تسود نظام الحكم الحميدى، وكتب التاريخ هى أهم الكتب العديدة، التى ألفها جودت وثمة ثلاثة من تواريخه تستحق الذكر خاصة بصرف النظر عن كتابه "قصص أنبيا وتواريخ خلفا" وهو مصنف تعليمى فى ١٢ مجلدًا (يبدأ بآدم وينتهى بالسلطان مراد الثانى) وقد صنفه فى آخر حياته؛ و"قريم وقوقاز تأريخجه سى" (يعتمد فيه جل الاعتماد على "كلبون وخانان " لحليم كراى" وهذه التواريخ هى: (١) تاريخه المعروف عامة باسم "تاريخ جودت" وهو أيضًا فى ١٢ مجلدًا تشمل الفترة من سنة ١٧٧٤ م إلى سنة ١٨٢٦ م (أى من معاهدة كوجوك قينارجه إلى إلغاء الإنكشارية)، وقد مضت ثلاثون سنة بين بدئه فيه وانتهائه منه، تغيرت فى أثنائه نظرته بالتغيرات المعاصرة الكبرى التى طرأت على الحياة العثمانية ويتمثل هذا بخاصة في اصطناعه ابتداء من المجلد السادس أسلوبًا أبسط وأقل تمسكًا بالتقاليد وقد التزم جودت بخطة الكتاب الأصلية فى معظم الطبعات المختلفة
стр. 507
التى خرجت إلى الناس وهو ماض فى تأليفه مع إدخال تصويبات عليها وإضافة زيادات ولكن الكتاب كله قد تغير تغيرًا أساسيًا فى طبعته الأخيرة (ترتيب جديد) التى تمت ما بين سنة ١٨٨٥ م وسنة ١٨٩١ - ١٨٩٢ م، فأصبح المجلد الأول كله مقدمة (٢) "تذاكر جودت" وهى مجموعة من المذكرات كتبها عن الحوادث المعاصرة بوصفه مؤرخ الدولة (وقعة نويس)، وسلم معظمها لخلفه لطفى، ولم يبق مما سلمه إلا أربع تذكرات، نشرت فى تاريخ عثمانى (تورك) تاريخى أنجمنى مجموعة سى (الأعداء من ٤٤ - ٤٧) وفى يكى مجموعة (ج ٢، ص ٤٥٤).، والمذكرات التى استبقاها محفوظة بالخط فى "شهر وانقلاب موزه سى" بإستانبول، وقد كان عليها اعتماد ابنته فاطمة عليه خانم فى كتابها: "جودت باشا وزمانى" (٣) مصنفه "معروضات" وهو سلسلة طويلة من الملاحظات رفعها إلى السلطان عبد الحميد بناء على طلبه، ويتناول فيها حوادث الفترة من سنة ١٨٣٩ م إلى سنة ١٨٧٦ م، فى خمسة أجزاء، وقد نشرت الأجزاء الثانى والثالث والبرابع فى "تاريخ عثمانى (تورك) تاريخى أنجمنى مجموعة سى" (الأعداد ٧٨ - ٨٠ - ٨٢، ٨٤، ٨٧ - ٨٩، ٩١ - ٩٣)، واتضح. أن الجزء الأول فقد أما الجزء الخامس فيتحدث عن مصير عبد العزيز.
وآثار جودت الأدبية الخالصة ترجع إلى الأيام التى قضاها فى "المدرسة" وليس لها إلا شأن قليل. ومعظم الأشعار التى جمعها بناء على رغبة السلطان عبد الحميد فى ديوان (ديوانجه) نظمت فى ذلك الوقت المبكر. وأهم من هذه الآثار ما كتبه فى نحو اللغة التركية: "قواعد عثمانية" (كتب النسخة الأولى منه بالاشتراك مع فؤاد باشا سنة ١٨٥٠ م)؛ وله مقدمة لهذا الكتاب كتبها لصبية المدارس الإبتدإئية سماها "قواعد تركية" (١٢٩٢ هـ = ١٨٧٥ م) ومصنفاته الأخرى هى: بلاغت عثمانيه" وهو كتاب فى أوليات
стр. 508
البلاغة ألفه لطلبته فى مدرسة الحقوق؛ "تقويم أدوار" (١٣٨٧ هـ -١٨٧٠ - ١٨٧١ م) أثار فيه لأول مرة مسألة إصلاح التقويم؛ إكماله للترجمة التى قام بها بيرى زاده محمد صائب لمقدمة ابن خلدون إلى اللغة التركية، وقد تأثر بها جودت كثيرًا فى كتاباته فى التاريخ؛ وكان جودت أيضًا هو الباعث على نشر مجموعة القوانين المعروفة بالدستور ما بين سنتى ١٨٦٢ - ١٨٦٣ م؛ وكذلك كانت له الصدارة، كما بينا من قبل، فى وضع "مجلة أحكام عدلية".
المصادر:
(١) إسلام أنسيكلوييدياسى، مادة جودت باشا بقلم على أولمز أوغلى
(٢) أبو العلا ماردين: مدنى حقوق حبهه سندن أحمد جودت باشا، إستانبول أو نيفرسته سى حقوقه فاكولته سى مجموعه سى، سنة ١٩٤٧
(٣) محمود جواد: معارف أميّه نظارتى تاريخيه تشكيلات وإجراءات، ج ١، ص ٤٧، ٥٢، ١٢٨، ١٣٦ - ١٣٩، ١٤٩، ١٦٣ - ١٧٣
(٤) عثمان إركين: تركيا معارف تاريخى" ص ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٧٠ - ٣٧١، ٣٩٠ - ٣٩١
(٥) ابن الأمين محمود كمال عنان: صوك تورك شاعرلرى، ص ٢٣٦ - ٢٤٠.
(٦) الكاتب نفسه: عثمانلى دورنده صوك صدر أعظملر، ص ٣٤٥، ٣٥٥، ٣٨٧.
(٧) أ. أوزون جارصيلى: مدحت ورشدى باشلرك توقيفلرينه داير وثيقة لر" الفهرس
(٨) م. ز. باك آلين: صوك صدر أعظملر وباشو كيللر، ج ١ - ٢، الفهرس
(٩) جرجى زيدان: تراجم مشاهير الشرق.
خورشيد [بوون H. Bowen]
стр. 509
أحمد بن طولون
مؤسس الدولة الطولونية وهو أول ولاة مصر والشام الذين لم يكونوا تابعين للخلافة إلا بالاسم، وقد حذا حذوه مؤسسو جميع الدويلات التى قامت على أنقاض الخلافة. وكان أبوه طولون واحدًا، من الرقيق الذين جلبوا إلى بلاط بغداد عام ٢٠٠ هـ (٨١٥ - ٨١٦ م). وسرعان ما ارتقى إلى منصب رفيع. ويقال إنه رزق بولده أحمد فى الثالث والعشرين من رمضان عام ٢٢٠ هـ (٢٠ سبتمبر سنة ٨٣٥ م) أو بعد ذلك التاريخ بقليل. ونال أحمد حظًا وافر، من التعليم الحربى والدينى، وتلقى بعض علومه الدينية فى طرسوس، وقد أتيحت له فرصة التبريز فى سن مبكرة، ونال الحظوة لدى الخليفة المستعين الذى حبس فيما بعد وقام أحمد على حراسته. ولم يشترك أحمد فى اغتيال هذا الخليفة، بل هو على العكس من ذلك قد احتفل بجنازته ثم عاد إلى مواطنيه الترك فى سامراء. وبعد ذلك بقليل أقطعت ديار مصر إلى بايكباك زوج أمه، فاستخلف هذا ابن طولون لينوب عنه فى حكمها، فدخل أحمد الفسطاط فى الثالث والعشرين من رمضان عام ٢٥٤ هـ (١٥ سبتمبر ٨٦٨) م.
وحاول أحمد قبل كل شئ، أن يجمع إلى القيادة الحربية الإشراف على الأمور المالية التى كانت فى يد ابن المدبر، وهو رجل مهر فى تدبير الشئون المالية، ولكنه أغضب الناس بما فرضه من ضرائب جديدة، فعمد ابن المدبر إلى مناوأة ابن طولون. وتنازع كلاهما السلطة مدة طويلة، بنفسيهما فى مصر وبطريق أتباعهما فى سامراء. وكان أحمد قويا بمواهبه وأعوانه، ومع ذلك فقد ظل يصارع أربع سنوات حتى نجح فى إبعاد ابن المدبر عن مصر، وسرعان ما هيمن أحمد على مالية البلاد وصار من ثم مطلق اليد فى الميزانية وذلك بتدبير أداء جزية منتظمة. وقد أتاحت له الفرصة المواتية قبل ذلك أن يؤلف جيشًا مستعدًا لخوض غمار المعارك؛ فقد سمح له الخليفة أن يشترى عددًا عظيمًا من الرقيق لإخماد فتنة قامت ببلاد الشام (عهد الخليفة إلى شخص
стр. 510
آخر القيام بهذا الأمر فيما بعد) وأصبح هذا الرقيق عماد جيوشه، واستطاع أن يزيد فى عددهم حتى بلغوا مائة ألف رجل. وتمكن ابن طولون -بفضل نظام الجاسوسية الذى وضعه- من فضح الدسائس التى كانت تحاك حوله بمصر أو فى بلاط الخليفة قبل أن يستفحل أمرها، وكان لا يتردد فى اصطناع الرشوة أو العنف فى سبيل القضاء عليها. وأصبح نفوذ أحمد بن طولون حوالى نهاية عام ٢٥٨ هـ (٨٧١ - ٨٧٢ م) شيئًا يخشى بأسه فى سامراء، بعد أن ضمت إليه الإسكندرية وبرقة والأقاليم الواقعة على تخوم الديار المصرية.
واستعادت الحكومة المركزية سلطانها من جديد فى نفس ذلك الوقت تقريبًا عندما أناب الخليفة المعتمد أخاه الموفق للإشراف على أمور الدولة. وفى الحق أن الموفق لم يشرف إلا على النصف الشرقى من الدولة، بينما ترك النصف الغربى -ومنه مصر- فى يد المفوض ولد الخليفة، ولكن لما تحرج موقف الموفق فى ثورة الزنج رغب فى أن يستحوذ على خراج مصر، فأنكر عليه ذلك أحمد بن طولون، وفشلت المحاولة التى بذلت لإرغامة على ذلك، للعجز الكبير فى أموال الحكومة
المركزية، ولما توفى والى الشام عام ٢٦٤ هـ (٨٧٧ - ٨٧٨ م) احتل أحمد بلاد الشام دون أن يجسر أهلها على معارضته، ففتحت الرملة ودمشق وحمص وحماة وحلب أبوابها أمامه، ولم يدخل عنوة إلا أنطاكية، وقد عكرت عليه نشوة هذا الانتصار فتنة ابنه العباس الذى أنابه عنه فى مصر، فعاد أحمد مسرعا إلى وادى النيل وقبض ثانية على ناصية الأمور فيه، وهكذا أصبح واليًا على الشام ومصر، وقد أشارت إلى ذلك العملة التى سكت منذ عام ٢٦٦ هـ (٨٧٩ - ٨٨٠ م).
وبلغت الخصومة المتأصلة بين أحمد ابن طولون والموفق أقصى حدودها عندما انحاز لؤلؤ قائد الجيوش الطولونية ببلاد الشام إلى الموفق، ولكى يفسد أحمد عليهما هذا الأمر ألح على الخليفة المعتمد -الذى كان كالسجين فى يد أخيه الموفق- أن يلتجئ إلى مصر، وبادر هو نفسه إلى الشخوص إلى بلاد الشام، ولكن الموفق حال دون
стр. 511
التقائهما فى آخر لحظة، فأخذ أحمد يدافع عن الخليفة السجين، ونادى بسقوط الموفق فى دمشق بعد أن حصل على فتوى أجمع عليها الفقهاء من أنصاره، ومع ذلك لم يفكر فى امتشاق الحسام لفك عقال الخليفة، بل رأى أن يغتنم هذه الفرصة للتخلص من البقية الباقية من سلطان الحكومة المركزية عليه. أما الموفق فقد نصب واليًا جديدًا على مصر والشام، ولكنه ظل واليًا بالاسم فقط، ولم يجسر الموفق كذلك على الاحتكام إلى السيف، واكتفى الاثنان بتبادل السباب من فوق منبريهما كل فى وطنه. وبعد ذلك بقليل مهد الموفق للصلح على أن تظل الحال رسميا على ما هى عليه، وما كادت تبدأ المفاوضات حتى مرض أحمد فى غزوة له بشمال الشام، وتوفى فجأة فى ذى القعدة عام ٢٧ هـ (مايو ٨٨٤ م).
ويرجع توفيق أحمد فى حياته إلى مقدرته وحظه، وإلى الصلات الودية التى أنشأها مع جيرانه. وأراد أحمد أن يحتفظ بسلطانه فعمد منذ بداية أمره إلى تدعيم حكومته بجيش قوى، كان الترك والزنج قوامه؛ ولم يكن من المستطاع الاحتفاظ بهذا الجيش إلا بعد زيادة الموارد المالية، لذلك عنى عناية خاصة بتدبير الإدارة ومالية البلاد، وأوقف أحمد تدفق الأموال إلى بغداد فاستطاع أن يطلق يده فى إنفاق هذه الأموال على مرافق البلاد وبخاصة على العمائر، كما تمكن بطبيعة الحال من أن يظهر بلاطه فى مظهر فخم رائع، وأصبحت الفسطاط مدينة كبيرة فخمة، ونشأ إلى جانبها حى جديد هو القطائع، وأسس جامع ابن طولون وغيره من المنشآت العامة، وعلى هذا الوجه مهد أحمد سبيل النجاح الذى سلكته الأسرة الطولونية رغم مناوأة الحكومة المركزية لها. وتدل جميع مظاهر هذه الأسرة على أنها كانت تنزع فى كل الأمور إلى محاكاة الأنظمة التى أدخلها الفرس فى بغداد وسامراء. وكانت هذه الأسرة فاتحة عهد جديد فى حياة مصر الثقافية.
المصادر:
(١) الطبرى، ج ٣، ص ١٦٧٠ وما بعدها.
стр. 512
(٢) اليعقوبى، طبعة هوتسما، ج ٢، ص ٦١٥ وما بعدها.
(٣) ابن سعيد، طبعة فولرز Vollers فى Semitist.Studien: Bezold ج ١
(٤) المقريزى، الخطح، ج ١، ص ٣١٣ وما بعدها؛ ج ٣، ص ١٧٨ وما بعدها.
(٥) ابن خلدون: العبر، ج ٤، ص ٢٩٧ وما بعدها.
(٦) أبو المحاسن طبعة كوينبول وغيره، ج ٢، ص ١ وما بعدها.
(٧) ابن إياس، ج ١، ص ٢٧ وما بعدها.
(٨) Egyrt: Marcel، فصل ٦ وما بعده.
(٩) Gemaldenesaal: Hammer- Purgstall.
(١٠) Die Statthalter uon: Wilstenfeld Agypten
(١١) Abul Abbasi Am-: T. Rooda .edis Tulounidarum primi uita et res gestae
(١٢) Die Islam im mor -: A Muller gen und Abendland ج ١، ص ٥٥٧ وما بعدها.
(١٣) History OF Egypt: Lane- Poole ص ٥٩ وما بعدها.
(١٤)، The Life and work of: Corbet Ahmad Ibn Tulun مجلة الجمعية الآسيوية الملكية، سنة ١٨٩١، ص ٥٢٧ وما بعدها.
(١٥) Beirrage zur: C.H.Bccker GESH AGYPTEN ج ٢، ص ١٤١ - ١٩٨.
[بكر C.H.Bccker]
+ أحمد بن طولون: مؤسس الدولة الطولونية وأول والٍ مصرى مسلم ضم الشام إليه. وكان بتبعيته الاسمية فحسب للخليفة مثالا للمماليك الأتراك الذين جندوا منذ أيام هارون الرشيد فى الخدمة الخاصة للخليفة وكبار عمال الدولة، وسرعان ما استطاعوا بطموحهم ونزعة التآمر عندهم واستقلالهم، أن يصبحوا السادة الحقيقيين لبلاد الإسلام، ويقال إن والد أحمد كان أرسل مع الخراج من والى بخارى إلى الخليفة المأمون حوالى سنة ٢٠٠ هـ (٨١٥ - ٨١٦ م) وارتقى حتى ولى أمر حرس الخليفة الخاص.
стр. 513
ولد أحمد فى رمضان سنة ٢٢٠ هـ (سبتمبر سنة ٨٥٥ م) وتلقى تدريبه العسكرى فى سامراء ثم درس العلوم الدينية من بعد فى طرسوس. ونال بفضل شجاعته الحظوة لدى الخليفة المستعين الذى اختار عند خلعه سنة ١٣٥ هـ (٨٦٦ م) أن يمضى إلى منفاه فى حراسة أحمد. ولم يكن لأحمد يد فيما حدث بعد من قتل المستعين، والراجح أن السبب فى ذلك أنه لم يدع إلى المشاركة فى هذا القتل. وأقطع الخليفة المعتز سنة ٣٥٤ هـ (٨٦٨ م) مصر القائد التركى باكباك الذى تزوج أرملة طولون، وأقيم أحمد نائبا لزوج أمه ودخل الفسطاط فى الثالث والعشرين من رمضان سنة ٢٥٤ هـ (١٥ سبتمبر سنة ٨٦٨ م).
وانشغل أحمد فى السنوات الأربع التالية بالسعى إلى انتزاع الإشراف على الإدارة من ابن المدبر ناظر المالية القوى البارع الذى ضاق المصريون بابتزازاته التى لا تطاق ومكره وجشعه فكرهوه، واشتجر النزاع بينهما إلى غايته بوساطة عملائهما وأقربائهما بسامراء فى الغالب، وانتهى بإقصاء ابن المدبر. ولما قتل باكباك أقطعت مصر "يرجوخ" الذى كان قد زوج بنتًا من بناته لأحمد بن طولون، وثبت أحمد فى منصبه نائبًا للوالى ووكل إليه حكم الإسكندرية وبرقة وغيرهما من نواحى الحدود التى كانت حتى ذلك الحين خارج سلطانه. وأمدت فتنة أماجور والى فلسطين أحمد بفرصة الحصول من الخليفة على تفويض بشراء عدد كبير من المماليك لإخضاع هذا المتمرد. صحيح أن هذه المهمة قد نيطت من بعد بغيره، إلا أن هذا الجيش السليم كان عماد سلطان ابن طولون، فقد أصبح لمصر للمرة الأولى قوة حربية كبيرة مستقلة عن الخلافة. واستطاع أحمد بفضل هداياه الكريمة أن ينال الحظوة لدى رجال البلاط العباسيين، ونجح فى إلغاء أمر أصدره الخليفة باستدعائه. وكان ابن طولون، وليس خليفة ابن المدبر، هو الذى وجه إليه الخليفة مطالبه بانصبة مصر فى تزويد خزائن مال الخلافة. ووكل الخليفة أمر القيام على الشئون المالية بمصر والتخوم الشمالية إلى أحمد حتى يستطيع أن ينتفع بهذه
стр. 514
الأنصبة شخصيًا بكتمان مقدارها عن أخيه الموفق. وفى سنة ٢٥٨ هـ (٨٧٢ م) حل جعفر -ابن الخليفة، الذى لقب من بعد بالمفوض- محل يردوخ فى إقطاع مصر. وكان المعتمد قد بايع لأخيه الموفق بالخلافة بعد ابنه، وقسّم الإمبراطورية بين هذين الوريثين للعرش، فكان من نصيب الموفق الولايات الشرقية إقطاعا له، وخص المفوض الولايات الغربية، وأقيم للمفوض نائب هو موسى بن بغا التركى ليعاونه فى الحكم. والحق إن الموفق كان يباشر السلطة العليا. على أن الخلافة كانت تتهددها من الشرق الهجمات والحركات الرامية إلى الاستقلال، ومن الجنوب فتنة الزنج التى شغلت جيوش الموفق، وكان الموفق فى الوقت نفسه -وهو الرجل الوحيد الذى يستطيع الوقوف فى وجه ابن طولون- مهدد فوق ذلك بالاضطرابات التى طرأت على الحكم وبالمنازعات الداخلية بينه وبين الخليفة من جهة، وبينه وبين قواد الكتائب التركية من جهة أخرى.
كانت هذه هى حال الخلافة فى الوقت الذى اختاره ابن طولون للسعى إلى الاستقلال بعد أن سيطر على الشئون المالية لأملاكه. وقد رأى الموفق -القائد الأعلى للحملات التى شنت على الزنج- أن طول هذه الحملات وتكاليفها الباهظة تعطيه الحق فى طلب معونة مالية من جميع الولايات التابعة للخلافة، وتسلم الموفق من ابن طولون مبلغًا من المال لم يرضه، فأنفذ جيشه بقيادة موسى بن بغا سنة ٢٦٣ هـ (٨٧٧ م) لإقصائه عن حكم مصر، ولكن مطالب الجنود والمخاوف التى أثارتها فى النفوس جيوش ابن طولون أدت إلى التخلى عن هذه المحاولة. وهنالك تشجع ابن طولون على احتلال الشام سنة ٢٦٤ هـ (٨٧٨ م) متذرعًا بالمشاركة فى الجهاد والدفاع عن حدود آسية الصغرى ضد الروم، ولكنه اضطر إلى العودة إلى مصر بعد وقت قصير ليعالج الفتنة التى أثارها ابنه عباس، وكان قد أقامه نائبًا له فى حكم مصر.
وبدأ ابن طولون، بعد الحملة الشآمية يضيف اسمه إلى اسمى
стр. 515
الخليفة وجعفر على السكة الذهبية (ويجب أن نلاحظ أن ابن طولون دأب على الاعتراف بالخليفة المعتمد نفسه، وربما كان ذلك لسبب واحد هو أنه كان لا حول له ولا قوة). وفى سنة ٢٦٩ هـ (٨٨٢ م) دعا أحمد الخليفة إلى أن يلجأ إلى مصر ضيفًا عليه فيها، وأراد بذلك أن يركز السلطة الشرعية كلها فى مصر وأن ينال شرف المنقذ للخليفة الذى أصبح وقتئذ خليفة بالاسم دون الفعل. على أن محاولة المعتمد أحبطت، وأقام الموفق إسحق بن كنداج واليًا على مصر والشام. ورد أحمد بن طولون على ذلك بأن أعلن فى مجلس من الفقهاء عقد فى دمشق إسقاط حق الموفق فى أن يلى الخلافة. ولم يكن من الموفق إلا أن أجبر الخليفة بلعن أحمد فى المساجد، وفعل أحمد المثل فى حق الموفق بمساجد مصر والشام. صحيح
أن الموفق انتصر آخر الأمر فى إخماد فتنة الزنج، إلا أنه سعى إلى إقرار الحالة الراهنة آملًا أن ينال من أحمد بالرفق والسياسة ما لم ينله بالحرب.
ورد أحمد ردًا مرضيًا على الخطوات الأولى التى بذلها الموفق للتقرب، ولكن المنية أدركته فى ذى القعدة سنة ٢٧٠ هـ (مارس سنة ٨٨٤ م).
ونجاح أحمد لا يرجع إلى مواهبه، ومهارته، وقوة جيوشه من مماليك الترك والسودان فحسب، بل يرجع أيضًا إلى فتنة الزنج التى حالت بين الموفق وبين التفرغ لمجابهة فعال أحمد العدوانية. وقد وجه ابن طولون إصلاحاته الزراعية والإدارية نحو تشجيع الفلاحين على زراعة أراضيهم فى إقبال وحماسة بالرغم من الضرائب الثقيلة التى كانت لا تزال مفروضة على محاصيلهم، ووضع حدًا لابتزازات القائمين على الإدارة المالية سعيًا إلى تحقيق المغانم الشخصية. ويرجع السبب الجوهرى فى رخاء مصر تحت حكم ابن طولون إلى أن الجزء الأكبر من موارد الدولة لم تعد تستنزفه الحكوهة المركزية فى بغداد ومن ثم استخدمت هذه الموارد فى إنعاش التجارة والصناعة وإقامة حى جديد
стр. 516
شمالى الفسطاط (القطائع) أصبح فى عهد الطولونيين مقر الحكم وأنشئ فيه مسجد ابن طولون الكبير.
المصادر:
(١) البلوى: سيرة أحمد بن طولون، طبعة كرد على.
(٢) ابن سعيد: المغرب، طبعة زكى محمد حسن وسيدة الكاشف وشوقى ضيف، ونشره Vollers فى Fragmente ous dem Mughreb.
(٣) الطبرى، ج ٢، ص ١٦٧٠ وما بعدها.
(٤) اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٦١٥ وما بعدها.
(٥) المقريزى: الخطط، ج ١ ص ٣١٣ وما بعدها.
(٦) أبو المحاسن، طبعة القاهرة، جـ ٣؛ ص ١ وما بعدها.
(٧) ابن إياس، ج ١ ص ٣٧ وما بعدها.
(٨) Egypte: Marcel، الفصل ٦ وما بعده.
(٩) statthalter Din: Wustenfeled von Agypten ج ٣ وما بعده.
(١٠) The Life and work of: Corbet Journ of the Ahmad Ibn Tulun ROYAL ASIASTIC SOCIETY سنة ١٨٩١ ص ٥٢٧ وما بعدها
(١١) History of Egypt: lane POOPLE سنة، ١٨٩١، ص ٥٩ وما بعدها.
(١٢) C.H.Becker Geschicht Agyptens Beirrage zur: ، ج ٣ ص ١٤٩ - ١٩٨.
(١٣) Egyptinne History de la Nation: wiet
(١٤) les Tulunides: Zaky M.Hassan باريس سنة ١٩٣٧.
خورشيد [زكى محمد حسن Zaky M.Hassan]
أحمد بن محمد بن حنبل
ويعرف بابن حنبل من بنى شيبان: فقيه إسلامى مشهور ولد ببغداد فى ربيع الأول عام ١٦٤ هـ (نوفمبر سنة ٧٨٠ م)، ودرس أول أمره فى مسقط رأسه حتى عام ١٨٣ هـ (٧٩٩ م) ثم
стр. 517
رحل بعد ذلك لطلب العلم فقدم العراق ثم الشام فالحجاز وانتهى باليمن؛ وعنى فى هذه الأسفار بدراسة الحديث بنوع خاص. ولما عاد إلى مسقط رأسه حضر دروس الشافعى فى الفقه وأصوله من عام ١٩٥ إلى ١٩٧ هـ (٨١٠ - ٨١٣ م). وقد حددت أقوال أهل الحديث القدامى وجهة تفكيره فى العقيدة والفقه على نحو ثابت لم يتغير. وأتاحت له الفرص بعد ذلك أن يبرهن على ثباته هذا فى عهد الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق (٢١٨ - ٢٣٤ هـ - ٨٣٣ - ٨٤٩ م) عندما أقرت الدولة "عقائد" المعتزلة وأنزلتها المنزلة الأولى وأخذت بالشدة كل الفقهاء الذين لم يقولوا فى غير تحفظ بمذهب خلق القرآن وكان ابن حنبل أحد هؤلاء الفقهاء الذين أصابتهم المحنة. فقد سيق مكبلًا بالأغلال للمثول بين يدى المأمون بطرسوس، ولكن بلغه فى الطريق نعى هذا الخليفة. وفى عهد خليفته المعتصم احتمل فى صبر بالغ ما ناله من إيذاء وسجن دون أن يتسامح فى شئ من عقائد السلف. ولم تكف الدولة عن إيذاء ابن حنبل إلا فى عهد المتوكل عندما أخذت تعود إلى مذهب أهل السنة، فقد قدَّره هذا الخليفة فى مناسبات مختلفة ودعاه إلى بلاطه وأجرى معاشًا على أسرته دون علم منه وقد جذب علمه وورعه واستمساكه الذى لا يلين بالسنة جمهرة من التلاميذ والمعجبين إليه، وتوفى ابن حنبل ببغداد فى الثانى عشر من ربيع الأول عام ١٢٤ هـ (٣١ يولية سنة ٨٥٥ م)، ووصف كتّاب سيرته دفنه وصفًا أسطوريًا. وقبره الذى نسج حوله كثير من الخوارق Muhomm.Stid Goldziher)، ج ١، ص ٢٥٧) وكان يقوم بين "مقابر الشهداء" فى يحيى الحربية ببغداد، ظل مدة طويلة محل تقديس الناس كأنما هو قبر ولى، فلما خرب فيضان نهر دجلة هذا القبر حوالى آخر القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) تحول تقديس الناس إلى قبر ابنه عبد الله الذى كان يوجد بين مقابر قريش قرب باب التبن ورممه تيمور عام ٦٩٥ هـ (١٢٩٥ - ١٢٩٦ م). ومنذ ذلك الوقت اختلط الأمر بين القبرين وتحولت الشعائر الدينية التى كانت تقام لأحمد إلى ابنه عبد الله Baghad during the Ab-: G.Le Strange baside Caliphate، ص ١٦٦).
стр. 518
وقد اشتهر من مصنفات أحمد بن حنبل نوع خاص كتابه المسمى "المسند" وهو كتاب جامع فى الأحاديث (طبع بالقاهرة عام ١١٣١ هـ فى ستة مجلدات) جمعه ابنه عبد الله من دروسه، وزاد عليه من عنده "زوائد". ويشتمل هذا الكتاب على عدد يتراوح بين ثمانية وعشرين ألفا وتسعة وعشرين ألفا من الأحاديث (zeitschr .d.Deutsch. Morg Ges Goldzhier ج ١ ص ٤٦٥ - ٥٠٦ M.Hartmann DIE TRADENTEN ERTER SCHICHT IN MUSAND MITTEL.DES DIS Ahmad ibn Hanbal seminar fur Orient Sprachen zu Berlin العام التاسع. ج ٢، برلين سنة ١٩٠٦ م) وزاد أيضًا على مصنف أبيه "كتاب الزهد". وكان كتاب "المسند" -الذى صنفت فيه الرسائل الكثيرة الفرعية وأخذت منه المختصرات- موضوع دروس فى الدين لا تنقطع. ويذكر فى القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) أن جماعة من أهل التقى أتموا قراءة هذا الكتاب حتى نهايته فى ست وخمسين جلسة عند قبر النبى ﷺ فى المدينة (المرادى: سلك الدرر، جـ ٤، ص ٦٠). ونشر له غير المسند "كتاب الصلاة" وما يلزم فيها" (طبعة حجرية غير مؤرخة فى بومباى" وطبعة الخانجى فى القاهرة عام ١٢٢٣ هـ). ويستشهد الفقهاء الحنابلة كثيرًا برسالة جدلية كتبها فى السجن عنوانها "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن" وقد أنكر فيها أحمد "التأويل" الذى استحدثه المعتزلة؛ كما يستشهدون بكتاب له اسمه "كتاب طاعة الرسول" الذى بين فيه ما ينبغى اتباعه عندما يبدو الحديث متعارضًا مع بعض آيات القرآن. ولقد قرر ابن حنبل عقائده فى مصنفه "كتاب السنة".
ولما كان ابن حنبل قد عنى بتتبع أسانيد الحديث أكثر من العناية بأصول الفقه، فإن بعض الفقهاء -كالطبرى مثلًا- لم يعتبره حجة فيصلًا فى مسائل الفقه، ومن ثم كان تحامل الحنابلة الشديد على الطبرى (kern فى zeitschr .d.Deutsch. Morg Ges، ج ٥٥، ص ٦٧، وراجع طبعته لكتاب "الاختلاف" ص ١٣ وما بعدها)
стр. 519
والحق إن ابن حنبل لم ينشئ مذهبًا خاصًا فى الفقه، ولكنه أفصح عن وجهة نظره فى مسائل فقهية معينة سأله عنها تلاميذه، نذكر منها على سبيل المثال "مسائل صالح" وهى المسائل التى وجهها إليه ابنه صالح، وكذلك أجوبته على مسائل تلميذه حرب (ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية، القاهرة سنة ١٣١٧ هـ، ص ٢٥١، ٢٩٣ وما بعدها). وقد بلغت فتاواه التى استطاع ابن قيم أن يرجع إليها نحو عشرين سفرًا (هداية الحيارى، القاهر: ١٣٢٣ هـ، ص ١٢١)، ورتب بعض تلاميذه فى حياته أنظاره الفقهية، تخص بالذكر منهم أبا يعقوب إسحاق الكوسج الذى كان يرجع إلى ابن حنبل مباشرة كلما أشكل عليه الأمر؛ (الذهبى: تذكرة الحفاظ، ج ٢، ص ١٠٥)؛ ثم يجئ بعد ذلك بقليل أبو بكر الخلال "مؤلف علم أحمد ابن حنبل وجامعه ومرتبه؛ (الكاتب نفسه، ب ٣، ص ٧) المتوفى فى بغداد عام ١٣١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م)، وقد ذكر كتاب أبى بكر هذا ابن قيم الجوزية المتوفى عام ١٧٥ هـ (١٣٥٠ م) فى كتابه "أعلام الموقعين" (انظر ذيل الطبرى: المعجم الصغير، ص ٢٧١) مع أنه لم يقرأ هذا الكتاب فيما يظهر. والتعاليم التى نمت على أساس أنظار ابن حنبل والتى عرفت بالمذهب الحنبلى قد أجمع أهل السنة على أنها أحد المذاهب الأربعة المعترف بها. ولما كان ابن حنبل من "أهل الحديث" فإنه لم يأخذ بـ "الرأى" إلا عند الحاجة الماسة،
وهنا أيضًا كان يستخرج الأحكام من النصوص كلما أمكنه ذلك، وقد حمله هذا على شدة العناية بالحديث، وكان فى بعض الأحيان يعتمد على أحاديث ضعيفة فى تكوين أحكامه، ولم يبلغ مذهب من مذاهب أهل السنة فى إنكار "البدع" مبلغ المذهب الحنبلى، ومن ثم اشتط أنصاره فى التمسك بالشعائر الدينية والروابط الاجتماعية وفاقوا أهل المذاهب الأخرى فى التشدد والتعصب. وتتصل عقائد أهل هذا المذهب بعقائد السلف الذين عاشوا قبل الأشعرى، بل لقد اضطر الأشعرى نفسه عند تكوينه مذهبه أن يستند فى مواضع عدة إلى مذهب ابن حنبل، بغية اكتساب المسلمين إلى جانبه، وصرح أيضًا بأنه يتفق
стр. 520
تماما مع تعاليم ابن حنبل وأنه تجنب كل ما يتعارض ومذهب هذا الإمام (ابن عساكر؛ zur Gesch - al -As aria: Spitta، ص ١٣٣، ونجد مجموع عقائد ابن حنبل مختصرة فى كتاب عبد القادر الجيلى: الغنية لطالبى طريق الحق، مكة سنة ١٣١٤ هـ، ج ١، ص ٤٨ - ٦٦).
والحنابلة -الذين لا يمثلهم الآن إلا نفر قليل من المسلمين- كانوا حتى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) أكثر من ذلك انتشارًا فى بلاد الإسلام. وذكر المقدسى أنه رآهم فى أصفهان والرى وشهرزور وغيرها من بلاد فارس، وكانت شعائرهم فى هذه البلاد تتميز بالغلو فى صوره المختلفة، فقد كانوا -قبل كل شئ- يشيدون بذكر الخليفة معاوية (المقدسى، طبعة ده غويه، ص ٣٦٥، س ١٣؛ ٣٨٤، س ١٤؛ ٣٩٩، س ٦؛ ٤٠٧، س ١٣). وهذا التعلق بذكر الخليفة الأموى قد لا يكون بطبيعة الحال منصرفًا إليه بصفته رجلًا ورعا ولكن بصفته الخليفة الذى اعترف به أهل السنة. ويمكن أن نفسر على هذا النحو أيضًا تعلق الحنابلة بابنه يزيد ZETSch - D . DEUTSCH. MORG. GES) ج ٥٣، ص ٦٤٦، التعليق). أما فى الشام وفلسطين فإن المذهب الحنبلى الذى أدخله فيهما عبد الواحد الشيرازى فى القرن الخامس الهجرى (الثانى عشر الميلادى، انظر كتاب: الأنس الجليل، ص ٢٦٣) ظل باقيا حتى القرن التاسع الهجرى (السادس عشر الميلادى؛ انظر. ZETSch - D . DEUTSCH. MORG. GES) ج ٣، ص ٣٦٤). وقد أحصى مجبر الدين وهو حنبلى توفى عام ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) - فى كتابه الأنس الجليل الذى ذكرناه وشيكا (ص ٥٩٢ وما بعدها) أشهر حنابلة فلسطين من القرن السادس إلى القرن التاسع الهجرى (الثالث عشر- السادس عشر الميلادى). وكان فى هذه الفترة أيضا ظهور تقى الدين بن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ - ١٢٦٣ - ١٣٢٨ م) فى بلاد الشام، الذى أحدث ضجة كبرى. فقد استأنف هذا الفقيه النضال فى سبيل المذهب الحنبلى، فانكر التأويل وحرم البدع كزيارة القبور والتوسل بالأولياء وغير ذلك (انظر ٣ ZETSch - D . DEUTSCH. MORG. GES) ج ٥٢ ص
стр. 521
٥٤٠ - ٥٦٣؛ ج ٥٣، ص ٥١ - ٦٧)، وكان نضاله هذا ضد المذاهب التى سادت طويلًا قبل ذلك. ولكنه خرج بعمله هذا على مقتضيات الإجماع عند أهل السنة فاضطهد، وخسر المذهب الحنبلى بسقوطه خسارة عظمى. وظل يمثل المذاهب الأربعة رسميًا -ومنها المذهب الحنبلى- قضاة فى كل الأمصار الإسلامية حتى قيام الدولة العثمانية؛ فلما امتد سلطان هذه الدولة أصابت المذهب الحنبلى ضربة قاضية، وأخذ هذا المذهب منذ ذلك الوقت يتضاءل شيئًا فشيئًا، ولو أنه كان يعتبر عنصرًا هامًا من عناصر مذهب أهل السنة فى البقاع المتفرقة التى ظهر فيها. ويمثل هذا المذهب فى الجامع الأزهر عدد يسير من الشيوخ والطلاب (رواق الحنابلة). وفى عام ١٩٠٦ م - حين كان عدد شيوخ الأزهر ٣١٢ شيخًا وعدد طلابه ٩٠٦٩ - كان يمثل المذهب الحنبلى منهم ثلاثة شيوخ وثمانية وعشرون طالبًا. على أن المذهب الحنبلى ظهر فى القرن الثامن عشر الميلادى فى صورة جديدة قوية بظهور الوهابيين الذين نتبين فى مذهبهم أثر تعاليم ابن تيمية.
وفيما يلى أهم شيوخ الحنابلة الذين ظهروا فى العصور المتعاقبة: أبو القاسم عمر الخَرَقى المتوفى عام ٣٣٤ هـ (٩٤٥ - ٩٤٦ م) الذى لا يزال يوجد إلى اليوم مختصره فى الفقه الحنبلى؛ وعبد العزيز بن جعفر (٢٨٢ - ٣٦٣ هـ = ٨٩٥، ٨٩٦ - ٩٧٣، ٩٧٤ م) الذى ظل كتابه "المقنع" قرونًا عديدة أساسا للمختصرات والشروح (طبع بعنوان "الروض المرتع فى شرح زاد المستقنع"، دمشق سنة ١٣٠٣ هـ؛ انظر مجلة المشرق، ج ٤، ص ٨٧٩)؛ وأبو الوفاء على بن عقيل المتوفى عام ٥١٥ هـ (١١٢٢ - ١١٢١ م) الذى اشتهر بأنه صاحب مدرسة منتجة؛ وعبد القادر الجيلى (٤٧١ - ١٥٦ هـ - ١٠٧٨ - ١١٦٦ م) الذى كان صوفيًا كبيرًا، ونصيرًا، مخلصًا من أنصار ابن حنبل" وأبو الفرج بن الجوزى (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ - ١١١٤ - ١١١٥ - ١٢٠٠ م)؛ وعبد الغنى الجماعيلى المتوفى عام ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ - ١٢٠٤ م)؛ وموفق الدين بن قدامة المتوفى عام ٦٢٠ هـ
стр. 522
(١٢٢٣ م) الذى كثيرًا ما يتدارس الناس شرحه على مختصر الخرقى المسمى "المغنى"؛ وتقى الدين بن تيمية الذى اشتهر بالجدل والمناظرة، وتلميذه الوفى محمد بن قيم الجوزية المتوفى عام ١٧٥ هـ (١٣٥٠ - ١٣٥١ م) وقد اشتهر كلاهما بصرامة عقائده وبشدة وطأته على من يعتقد غير معتقدهما، ونستطيع أن ندرس مذهب الحنابلة مما طبع أخيرًا بالقاهرة من مؤلفات هذين الفقيهين.
وقد نشأ فى القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) عدد من مشاهير فقهاء الحنابلة فى قرية بُهُوت فى المحلة الكبرى بمصر، نذكر منهم عبد الرحمن البهوتى المتوفى عام ١٠٥١ هـ (١٦٤١ - ١٦٤٢ م) وتلميذه محمد البهوتى المتوفى عام ١٠٨٨ هـ (١٦٧٧ - ١٦٧٨ م). وقد عاش كل منهما بالقاهرة ودرس بها. ويعتمد فى دراسة المذهب الحنبلى بالجامع الأزهر على كتاب "نيل المآرب" (وهو شرح على "دليل الطالب" لمؤلفه مرعى بن يوسف، المترسل المعروف، المتوفى عام ١٠٣٠ هـ = ١٦٢١ م) الذى صنفه عبد القادر بن عمر الدمشقي المتوفى عام ١١٣٥ هـ (١٦٢٥ م) وطبع فى بولاق عام ١٢٨٨ هـ.
وقد كتب أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب المتوفى عام ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ - ١٣٩٣ م) "طبقات الحنابلة" وهو لا يزال مخطوطًا (انظر kat leipziq: vollers رقم ٧٠٨).
وأثبتت فهارس دار الكتب المصرية عددًا وافرًا من المصنفات التى ألفت فى الفقه الحنبلى (ج ٣، ص ٢٩٣ - ٣٠١).
(انظر غير ما ذكرنا: w.M. Patton Ahmad ibn Hanbal and the Mahna، (ليدن سنة ١٨٩٧ م)، ومقالة عن هذا الكتاب لكولدسيهر zeitschr .d.Deutsch. Morg Ges ج ٥٢، ص ١٥٥ وما بعدها، وانظر لكولدسيهر أيضًا مقالة فى المجلة نفسها، ج ٦٢، بعنوان zur Gescg. der hanbalit . Bewegungen Gescg. der d. arab Litter . Brockelmann جـ ١، ص ١٨١ وما بعدها).
[كولدتسيهر Goldziher]
стр. 523
+ أحمد بن حنبل، "إمام بغداد": متكلم وفقيه ومحدث مشهور (١٦٤ - ٢٤١ هـ = ٧٨٠ - ٨٥٥ م) ومن أعظم الشخصيات حيوية فى الإسلام؛ وقد أثر ابن حنبل فى التطور التاريخى للإسلام وفى نهضته الحديثة؛ وأسس أحد المذاهب السنية الأربعة الكبرى وهو المذهب الحنبلى، وكان عن طريق تلميذه ابن تيمية الجد الأول للوهابية، وقد أوحى أيضًا إلى حد ما بحركة الإصلاح المحافظة للسلفية.
١ - حياته: كان أحمد بن حنبل عربيا من بنى شيبان من ربيعة، وكان له دور فعال فى غزو العراق وخراسان، وقد نزحت أسرته، التى كانت تقيم أول الأمر فى البصرة، إلى مَرْو مع جده حنبل بن هلال والى سرخس فى عهد الأمويين وواحد من أوائل دعاة العباسيين.
ولد أحمد فى ربيع الثانى سنة ١٦٤ هـ (ديسمبر سنة ٧٨٠ م) بعد أشهر قلائل من نزوح أبيه محمد بن حنبل -الذى كان منخرطًا فى جيش خراسان- إلى بغداد حيث توفى عقب ذلك بثلاث سنين. على أن أحمد ورث ملكًا قليلًا لأسرته أتاح له حياة متواضعة ولكنها تغنيه عن الناس.
وقد درس أحمد فقه اللغة والشريعة والحديث فى بغداد، ثم انصرف منذ عام ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) إلى دراسة الحديث؛ وفى طلبه جد مرتحلا إلى العراق والحجاز واليمن والشام؛ ويجب أن نطرح ما قيل من زيارته لإيران وخراسان بل إلى المغرب الأقصى، لأن ذلك يدخل فى باب الأساطير، وكان أحمد قد زار الكوفة سنة ١٨٣ هـ، وأقام فى البصرة أكثر من ذلك، فقد زارها أول مرة سنة ١٨٦ هـ، ثم عاد إليها سنة ١٩٠، وسنة ١٩٤ هـ، وسنة ٢٠٠ هـ. وتردد على مكة أكثر، فقد أدى فريضه الحج خمس مرات: سنة ١٨٧، وسنة ١٩١، وسنة ١٩٦، وسنة ١٩٧ هـ (وأعقبت حجه فى هذه السنة "جاورة" فى المدينة) وسنة ١٩٨ هـ وقد أعقبتها هذه المرة أيضًا (مجاورة) أخرى دخلت به فى سنة ١٩٩ هـ، ومن بعدها زار المحدث عبد الرزاق فى صنعاء (المناقب، ص ٢٢ - ٢٣؛ الترجمة، ص ١٣ - ٢٤).
стр. 524
وكانت دراساته للفقه والحديث على عدد كبير من الشيوخ بقيت أسماؤهم (المناقب، ص ٣٣ - ٣٦؛ الترجمة، ص ١٣ - ٢٤). وفى بغداد حضر دروس القاضى أبى يوسف المتوفى سنة ١٨٢ هـ (٧٩٨ م)، ولم يتأثر أحمد بأبى يوسف تأثرًا كبيرًا؛ وكذلك درس بانتظام على هشيم بن بشير تلميذ إبراهيم النخعى، وذلك من سنة ١٧٩ إلى سنة ١٨٣ هـ (المناقب، ص ٥٢؛ البداية، ج ١٠، ص ١٨٣ - ١٨٤). وكان إمام شيوخه من بعد سفيان بن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هـ (٨١٣ - ٨١٤ م) وهو الحجة الأكبر لمدرسة الحجاز. أما أشهر شيوخه فهما: عبد الرحمن بن مهدى البصري المتوفى سنة ١٩٨ هـ (٨١٣ - ٨١٤ م)، ووكيع ابن الجراح الكوفي المتوفى سنة ١٩٧ هـ (٨١٢ - ٨١٣ م). على أن تكوين أحمد الفقهى يرجع فوق كل شئ، كما يقول ابن تيمية (منهاج السنة، ج ٤، ص ١٤٣) إلى مدرسة الحديث ومدرسة الحجاز؛ ومن ثم لايمكن أن يعد ببساطة -كما يقال أحيانًا- تلميذ، للشافعى الذى عرف أحمد آثاره الفقهية، أو قل عرف على الأقل بعضًا منها، وإن كان لم يلقه فيما يظهر إلا مرة واحدة، وكان ذلك فى بغداد سنة ١٩٥ هـ (البداية، ج ١٠، ص ٢٥١ - ٢٥٥، ٣٢٦ - ٣٢٧).
والسياسة التى انتهجها المأمون حوالى نهاية حكمه بتأثير بشر المريسى، وهى تأييد الدولة لمذهب المعتزلة قد أحدثت فى حياة أحمد فترة من المحنة أكسبته من بعد صيتًا مدويًا. وقد أنكر أحمد بشدة القول بخلق القرآن وهو قول يعارض مذهب أهل السنة. فلما سمع المأمون بذلك، وكان فى طرسوس، أمر بأن يشخص إليه أحمد ومعارض آخر هو محمد بن نوح. فكبلا بالأصفاد وحملا إليه، وما إن غادرا الرقة إليه حتى بلغهما نبأ وفاة الخليفة، فأعيدا إلى بغداد، وتوفى ابن نوح فى الرحلة، ولما وصل ابن حنبل قصبة الدولة سجن أولًا فى اليسارية، ثم فى دار عُمارة، ثم سُجن أخيرًا فى السجن العام بدرب الموصلى (المناقب، ص ٣٠٨ - ٣١٧؛ الترجمة، ص ٤٠ - ٥٦؛ البداية، ج ١٠، ص ٢٧٢ - ٢٨٠).
стр. 525
وكان المعتصم، الخليفة الجديد، ميالًا إلى الكف عن هذه المحنة، إلا أن القاضى المعتزلى أحمد ابن أبى دؤاد أقنعه؛ فيما يقال، بأن من الخطر على سلطان الدولة أن تتخلى عن موقف اتخذته بعد رسميًا. ومن ثم استدعى أحمد للمثول بين يدى الخليفة فى رمضان سنة ٣١٩ هـ، ولكنه مضى يرفض القول بخلق القرآن رفضا باتًا، فضرب بشدة ثم سمح له بالعودة إلى داره بعد حبس استمرَّ فى جملته نحوا من سنتين. وعاش أحمد فى عزلة طوال خلافة المعتصم، وامتنع عن إلقاء الدروس فى الحديث، ولما تولى الواثق الخلافة سنة ٣٣٧ هـ (٨٤٣ م) حاول أحمد أن يستأنف دروسه، ولكنه لم يلبث أن آثر الانقطاع عنها، وإن لم يكن قد منع رسميًا من إلقائها، وذلك خشية أن يتعرض لنقمة القاضى المعتزلى؛ ولذلك ظل على اعتكافه، بل لقد كان يعمد فى بعض الأحيان إلى الاختفاء -كما يقال- فرارًا من أعدائه (المناقب، ص ٣٤٨ - ٣٤٩).
ولما رد المتوكل لمذهب أهل السنة مكانته السابقة بعد توليه الخلافة سنة ٢٣٢ هـ (٨٤٧ م) استطاع أحمد أن يستأنف نشاطه فى التدريس؛ ومع ذلك فإنه لم يظهر فى زمرة المحدثين الذين أقامهم الخليفة سنة ٣٣٤ هـ للرد على الجهمية والمعتزلة (المناقب، ص ٣٥٦). وقد أدى اختفاء أئمة الشخصيات التى تصدرت فى أيام المحنة إلى تمهيد الطريق لقيام عِشْرَة بين الخليفة وبين الفقيه المستقل الرأى، وأقيل أحمد بن دؤاد من منصبة سنة ٢٣٧ هـ (٨٥٢ م)، بل لقد قيل فى بعض الروايات إن خلفه ابن أكثم قد أوصى به أحمد لدى الخليفة (البداية، ج ١، ص ٣١٥ - ٣١٦، ٣١٩ - ٣٣٩). وأبدى أحمد تقاربًا للبلاط لأول مرة فلم يوفق، وقد ظل تاريخ هذا التقارب وظروفه غامضين (المناقب، ص ٣٥٩ - ٣٦٢) ثم دعا المتوكل أحمد إلى البلاط فى سامراء سنة ٢٢٧ هـ. والظاهر أن الخليفة كان يريد منه أن يعطى دروسًا فى الحديث للأمير الصغير المعتز، ويمكن أيضًا أن نفترض أن الخليفة قد طافت بذهنه فكرة الاستعانة بالفقيه المشهور فى رد مذهب أهل السنة إلى ما كان عليه. وأتاحت هذه الرحلة إلى
стр. 526
سامراء لابن حنبل فرصة الاتصال بشخصيات البلاط دون لم ن يتعرض لخطر التساهل من جانبه. وتبدى الروايات التى انتهت إلينا أنه قوبل عند وصوله بالترحاب من الحاجب وصيف وأنزل بقصر إيتاخ الفخم وحمّل بالهدايا وقدم إلى المعتز، ولكنه أعفى أخيرًا -بناء على طلبه- من أن يكلف بأية مهمة خاصة بالنسبة لسنه وضعف صحته، وعاد إلى بغداد بعد إقامة قصيرة دون أن يلقى الخليفة (المناقب، ص ٣٧٣ - ٣٧٨؛ الترجمة، ص ٥٨ - ٧٥؛ البداية، ج ١٠، ص ٣١٤، ٣١٦، ٣٣٧ - ٣٤٠).
وتوفى أحمد بن حنبل فى ربيع الأول سنة ٢٤١ هـ (يولية سنة ٨٥٥ م) فى الخامسة والسبعين بعد مرض قصير، ودفن فى مقابر الشهداء بالقرب من باب حرب. والروايات التى أحاطت بوصف جنازته، وإن كان بعضها يدخل فى باب الأساطير، إلا أنها تعطينا فكرة عن مشاعر الجماهير الصادقة نحوه، وقد كان قبره مشهدًا لمظاهرات من الولاء المتأجج مما حمل السلطات المدنية على حراسة مقبرته (المناقب، ص ٤٠٩ - ٤١٨؛ الترجمة، ص ٧٥ - ٨٢؛ البداية، ج ١٠، ص ٣٤٠ - ٣٤٣)؛ وأصبح هذا القبر من أكثر الأماكن فى بغداد احتشادًا بالزائرين. وقد زوده الخليفة المستضئ سنة ٥٧٤ هـ (١١٧٨ - ١١٧٩ م) بنقش يمجد ذلك المحدث المشهور ويصفه بأنه أصدق مدافع عن السنة (البداية، ج ١٢، ص ٣٠٠). ومحا هذا النقش فيضان لدجلة حدث فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى؛ انظر Le Strange: Baghdad، ص ١٦٦).
وأعقب أحمد من كل من زوجتيه ابنًا واحدًا: صالحًا وعبد الله، علاوة على ستة أولاد من سراريه لا نعلم عنهم شيئًا غير ذلك (المناقب، ص ٢٩٨ - ٣٠٦). ويقال إن صالحًا (ولد فى بغداد سنة ٢٠٢ هـ - ٨١٨ - ٨١٩ م، وتوفي وهو قاض لإصفهان سنة ٢٦٦ هـ - ٨٧٩ - ٨٨٠ م) قد نشر جزءًا كبيرًا من فقه أبيه (الطبقات، ج ١، ص ١٧٣ - ١٧٦). وكان عبد الله معنيا بالحديث خاصة، وعن طريقه نشر الجزء الأكبر من آثار أحمد؛ وتوفى عبد الله فى بغداد ودفن بمقبرة قريش، وإلى قبره تحول
стр. 527
تقديس الناس الذى كان منصرفًا إلى قبر أبيه عندما انمحى هذا القبر من بعد (الطبقات، ج ١، ص ١٨٠ - ١٨٨). وكلا الابنين اللذين كانا متصلين اتصالًا وثيقا بالحياة العقلية لأبيهما يعدان من أهم منشئى ذلك البنيان المجمع الذى يضم المذهب الحنبلى.
٣ - آثاره: أشهر آثار أحمد بن حنبل مجموعة الأحاديث المسماة "المسند" (الطبعة الأولى، القاهرة سنة ١٣١١ هـ). وكان أحمد يولى هذا الأثر عناية عجيبة، إلا أن ابنه عبد الله هو الذى جمع ورتب ذلك الحشد الحاشد من المادة، وأضاف إليه هو نفسه بعض الزيادات. وروى تلميذ أحمد البغدادى: أبو بكر القطيعى المتوفى سنة ٣٦٨ هـ (٩٧٨ - ٩٧٩ م) المسند برواية عبد الله مع بعض الزيادات. وقد رتبت الأحاديث فى هذه المجموعة الحاشدة بحسب الموضوعات كما فى صحيحى البخارى ومسلم، ولكنها منسوبة إلى أسماء أول من رواها. ومن ثم كانت هذه الأحاديث طائفة من المسانيد الخاصة تراكمت بعضها على بعض، وهى تشمل أحاديث أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى وأئمة الصحابة، وتنتهى بمسانيد الأنصار والمكيين والمدنيين وأهل الكوفة والبصرة والشآميين.
وهذا الترتيب وإن كان يفصح عن جهد عقلى صادق، إلا أنه قد جعل من العسير أن ينتفع به إلا الحفاظ، ومن ثم أعيد هذا الترتيب فى بعض الأحيان، إذ نجد المحدث ابن كثير فى كتاب فى جامع المسانيد العشرة"، قد رتب بترتيب أسماء الصحابة الأبجدى الأحاديث الواردة فى "مسند" ابن حنبل، وفى الكتب الصحاح الستة، والطبرانى "المعجم"، ومسندى البزار وأبي يعلى الموصلى (الشذرات، جـ ٦، ص ٢٣١). ويتبع ابن زكنون المتوفى سنة ٨٣٧ هـ (١٤٣٢ - ١٤٣٤ م؛ انظر الشذرات، ج ٧، ص ٢٢٢ - ٢٢٣) فى مصنفه "كتاب الدرارى" ترتيب كتب صحيح البخاري، ولهذا المصنف ميزة كبيرة هى أنه أدخل ضمن الأحاديث التى يرويها مقتطفات عدة من كتب الحنابلة وخاصة ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم. وهذا المصنف الضخم كان
стр. 528
ذخيرة لعدة طبعات من كتب المتون الحنبلية فى الخمسين السنة الأخيرة.
وفى نطاق الحديث يعد) حمد بن حنبل "مجتهدًا مستقلًا، وقد كان قادر، -كما يقول ابن تيمية (المنهاج، ج ٤، ص ١٤٣) - على أن "يختار لنفسه" من ذلك الحشد من الأحاديث والأقوال التى تلقاها عن شيوخه. ولا يمكن بوجه من الوجوه أن نقول فيه ما قاله الطبرى من أنه محدث فحسب وليس فيه شئ من "الفقيه" الذى يعنى بالأحكام القياسية. ذلك أنه -كما بين ابن عقيل من قبل- "قد خرج عنه [أى من أحمد بن حنبل] اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم". ويجب ألا يكون "أصحاب الحديث" متعارضين من حيث الأصول تعارضًا شديدًا مع "أصحاب الرأى"، وذلك أن من العسير أن نخرج من الأحاديث بمفهوم ما، أو نحل متناقضاتها وخلافاتها، أو نستنبط منها ما يمكن أن يستنبط من أحكام، إلا إذا استعنا فى ذلك بأقل قدر ممكن من الحكم الشخصى.
والرسالتان الأساسيتان اللتان نستطيع بهما أن ندرس موقف أحمد بن حنبل من العقائد هما الرسالة القصيرة المسماة: "رد على الجهمية والزنادقة"، و"كتاب السُنّة" (طبعت الرسالتان معًا فى القاهرة طبعة غير مؤرخة؛ وطبعت رواية أطول لكتاب السنة فى مكة سنة ١٣٤٩ هـ). ويشرح ابن حنبل فى الرسالة الأولى ويرد على أقوال جهم ابن صفوان الذى اعتنق آراءه -التى ذاعت ذيوعًا كبيرًا فى خراسان- بعض تلاميذ أبى حنيفة وتلاميذ عمرو ابن عبيد. أما فى رسالته "كتاب السنة" فهو يعيد النظر فى بعض المسائل الكلامية التى سبق إثارتها فى رسالة الرد على الجهمية ويحدد بشكل قاطع موقفه هو من جميع مسائل العقيدة الجوهرية (انظر أيضًا الطبقات، ج ١، ص ٢٤ - ٣٦). ومن كتبه الأخرى فى العقيدة التى انتهت إلينا: "كتاب الصلاة" (القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ، وسنة ١٣٤٧ هـ) فى أهمية صلاة الجماعة وأحكام إقامتها على وجهها، وقد رواه تلميذ من أقدم تلاميذه وهو مهنًا بن يحيى الشامى واختاره من الفهرس
стр. 529
الذى صنفه القاضى أبو الحسين بمراجع فى التراجم (الطبقات، ج ١، ص ٣٤٥ - ٣٨٠). ويجب أن نلاحظ أن له مخطوطين لم يطبعا هما: "المسند من مسائل أحمد بن حنبل" (انظر بروكلمان قسم ١، ص ٣١١) الذى رواه أبو بكر الخلال، ويحتمل أن يكون قطعة من "كتاب الجامع" (انظر ما سيأتي) وهو مهم فى دراسة آراء ابن حنبل السياسية الدينية؛ و"كتاب الأمر" الذى رواه غلام الخلال (مخطوط بالظاهرية).
وفى "كتاب الورع" (القاهرة سنة ١٣٤٠ هـ؛ وقد ترجم جزءًا منه G.H. Bosquet et P. Charles-Dominique Hesperis فى سنة ١٩٥٢ م، ص ٩٧ - ١١٢) نجد آراء أحمد فى مسائل يبدو فيها الورع لازمًا فى رأيه، وقد نسقت هذه الآراء فى صورة ملاحظات مرتبة ترتيبًا إجماليًا، وأضاف إليها راويها أبو بكر المروزي آراء الفقهاء الآخرين فى هذه المسائل نفسها أو فى مسائل تتصل بها مدافعا عن ذلك فيما يظهر ببيان أن أقوال أحمد فى الشبهات التى تساور أهل التقى وفى حياة الزهد والتعبد، يمكن أن تقارن بأقوال معاصرية إبراهيم بن أدهم، وفضيل بن عياض، أو ذى النون وترجحها. ومما يلاحظ أن هذا الكتاب (انظر Abd al-Jalil Aspects interieurs de l Islam ص ٢٢٨ تعليق ١٩٣) قد أمعن فى الاستشهاد به أبو طالب المكي فى كتابه "قوت القلوب"، كما نقل عنه بعد الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين".
المسائل: كان أحمد بن حنبل يرجع إليه فى المسائل التى تتصل بالعقائد والأخلاق والفقه على اختلاف أنواعها، ولعله لم يمنع تدوين آرائه منعًا قاطعًا كما تقرر بعض الروايات، وإن كان من المحقق أنه حذر سائله من تدوين آرائه إذ يحتمل فى هذه الحالة أن تحل محل قواعد السلوك التى مرجعها إلى القرآن والسنة. وهو يخالف الشافعى فى أنه لم يسع قط إلى عرضها عرضًا منتظمًا على اعتبار أنها داخلة فى مادة المذهب. ويجب أن ننظر إلى الغرض الأساسى من مذهبه على ضوء أنه ردة على تدوين الفقه. أما وقد كان الفقه
стр. 530
الإسلامى فى صورته الأولية شرعة تقوم فى أساسها على الرواية الشفوية تترك فى تفريعاتها العامة مجالًا واسعًا للاختلافات الشخصية، فإن أى تدوين منتظم لهذا الفقه -بفرضه مثلًا فى حدود تفكير فقيه بعينه من فقهائه أو تجميده بالتدوين- يغير من صفته الذاتية.
وكان تدوين ردوده على المسائل وترتيبها على الأبواب العامة للفقه من عمل ولديه صالح وعبد الله وعمل غيرهما من تلاميذ ابن حنبل الذين نذكرهم فيما يلى:
١ - إسحاق بن منصور الكوسج المتوفى سنة ٢٥١ هـ (٨٦٥ - ٨٦٦، الطبرى، ج ١، ص ١٣٣ - ١٣٥)؛ ٢ - أبا بكر الأثرم المتوفى سنة ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) أو سنة ٢٧٣ هـ (٨٨٦ - ٨٨٧ م؛ جـ ١، ص ٦٦ - ٧٤)؛ ٣ - حنبل بن إسحاق المتوفى سنة ٢٧٣ هـ (ج ١، ص ١٤٣ - ١٤٥)؛ ٤ - عبد الملك الميمونى المتوفى سنة ٢٧٤ هـ (٨٨٧ - ٨٨٨ م؛ ج ١، ص ٢١٢ - ٢١٦)؛ ٥ - أبا بكر المروذى المتوفى سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٨ - ٨٨٩؛ ج ١، ص ٥٦ - ٦٣)؛ ٦ - أبا داود (ج ١، ص ١٥٦ - ١٦٣، طبع بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ السجستانى المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، ج ١ ص ١٥٦ - ١٦٣، طبع بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م)؛ ٧ - حربا الكرمانى المتوفى سنة ٢٨٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م؛ ج ١، ص ١٤٥ - ١٤٦)؛ ٨ - إبراهيم ابن إسحاق الحربي المتوفى سنة ٢٨٥ هـ (٨٩٨ - ٨٩٩ م؛ ج ١، ص ٨٦ - ٩٣). وثمة مجموعات أخرى أيضًا" ثم إن طبقات ابن أبى يعلى تشمل إجابات رد بها ابن حنبل على عدة زوار له.
وهذه المواد المتفرقة جمعها فى "كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد" تلميذ لأبي بكر المروذى هو المحدث أبو بكر الخلّال المتوفى سنة ١٣١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م) الذى كان يدرس ببغداد فى مسجد المهدى (الطبرى، ج ٢، ص ١٢ - ١٥؛ تاريخ بغداد، ج ٥، ص ١١٢ - ١١٣). وقد أحسن ابن تيمية تقدير ما كان للخلال من شأن، إذ قال (كتاب الإيمان، ص ١٥٨) إن مصنفه "كتاب السنة" هو أوفى مرجع ممكن لمعرفة "الأصول الدينية" فى عند أحمد بن حنبل،
следующие страницы →