← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

كان يدين له بكل شئ وبذلك حرم فرق المماليك من قوادها، واستطاع أن يضرب كل فرقة بالأخرى. وضعف شأن المماليك أيضًا بسبب الحملات التي وجهت إلى قبرس نتيجة للسياسة التي رسمها إينال. ذلك أن إينال نصر الملك جيمس على أخته شارلوت التي كانت ترجو أن يساعدها فرسان القديس يوحنا في رودس. وقد عهد إينال في أواخر عهده إلى والى طرابلس بالقيام بحملة على الملكة، ولكنه لم يفرغ لهذه الحملة إلا أمدًا قصيرًا بسبب التغيرات التي طرأت على عرش مصر. وسرعان ما عاد الأمراء الذين أنفذوا إلى قبرس على رأس كتائب من الجند لمعونة جيمس بسبب القلاقل التي شبت عقب مقتل جانى بك، ولم يبق بقبرس إلا أمير واحد على رأس كتيبة صغيرة من الجند. وسقطت فماكستا Famagusta عاصمة الجزيرة في يد جيمس الذي كان قد غدا بالفعل صاحب الكلمة العليا في الجزيرة كلها، وعاد في غير حاجة إلى معونة المصريين الذين عاملوه بصلف وغلظة. وعمد إلى التخلص منهم فحرض أهل فماكستا على مهاجمتهم من الخلف، ثم انقض عليهم بنفسه وأظهر للسلطان أن تلك المذبحة حدثت نتيجة لفتنة شبت بين رعاياه ولم يكن له ضلع فيها إطلاقًا، غير أن شارلوت كشفت الحقيقة لخشقدم اكتسابا لمعونته كما حازت رضاه بافتدائها سفينة كانت قد وقعت في أيدى فرسان رودس. بيد أن السلطان كان قد رغب في العيش في سلام مادام جيمس يؤدى له الجزية بانتظام، كما أنه كان متحالفًا تحالفًا وثيقًا مع تابعه حسن الطويل سلطان القطيع الأبيض الذي كان مضطرًا إلى الاعتماد على معونة سلطان مصر في قتاله المستمر مع سلطان القطيع الأسود، وولاة أبُلِستين من بيت ذي الغادر. وظل حسن مخلصًا لخشقدم في جميع الدسائس والحروب التي وقعت، ذلك أن علاقاته بالسلطان محمد الثاني العثماني لم تكن صافية تمام الصفاء. فقد قضى محمد الثاني على إمبراطور أطرابز ندة البوزنطى أحد أقرباء حسن،

стр. 4622

فما كان من حسن وخشقدم إلا أن مدا يد المعونة إلى إسحاق والى قرمان الذي كان مشتبكًا في حرب مع العثمانيين، كما عاونا أميرى أبلستين بداغ ورستم في تنافسهما على الولاية مع شاه سوار الذي كان هواه مع العثمانيين ولم ينشب القتال بين السلطانين قط، وإن كانت العداوة قد تأصلت في نفسيهما. وقد استطاع خشقدم أن يكبح جماح مماليك أسلافه من السلاطين، إلا أن مماليكه ساموا الشعب الخسف مرارًا وتكرارًا. وكانت حالة السلطان المالية مرتبكة على الدوام، ومن ثم حاول أن يحصل على المال متوسلا ببيع المناصب وزيارة أفراد شعبه. ومرض السلطان عام ٨٧٢ هـ (١٤٦٧) وتوفي بعد عشرة أيام من مرضه. والحق أن خشقدم لم يكن حاكمًا عظيمًا، ولكنه أفلح في بسط السلام على ربوع مصر. ونجت مصر في عهده من شر الأوبئة. وكان يكره الإصلاح كما كان مستمسكا بالعادات القديمة على خلاف قايتباى الذي كان متمردًا لا يستقر له قرار. المصادر: (١) ابن إياس، بولاق ١٣١١, جـ ٢، ص ٧٠ - ٧٤. (٢) Geschichte der Chalifen: Weil جـ ٥، ص ٢٤٠ - ٣١٥. (٣) The Mamluk or Slave: Muir Dynasty of Egypt ص ١٦٣ - ١١. الشنتناوى [سوبرنهيم M. Sobrenheim] الخضر الخَضِر (الخِضْر) اسم شخص معروف مشهور له شأن كبير في الأساطير والقصص. واسم الخِضْر (تشبيها بالنبات الأخضر). وتتصل الروايات والقصص المتعلقة بالخضر أولا وقبل كل شئ بالقصة التي وردت في القرآن (سورة الكهف، الآيات ٥٩ - ٨١) (١) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ

стр. 4623

الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠). .﴾ ثم انطلقا حتى إذا قام عبد الله ببعض الأمور غير المألوفة في ظاهرها عيل صبر موسى ولم ير بدًا من السؤال فأجابه عبد الله: ". . ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا" وفارق موسى آخر الأمر بعد أن نبأه بتأويل فعاله وأبان له عن وجاهة الأسباب التي دعت إليها. ويطلق جمهور المفسرين للقرآن الكريم على هذا العبد اسم الخضر، أما غيرهم فيجعلونه فتى موسى. وقد جمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون حشدًا من الأقوال حول قصة القرآن الكريم. وأول مسألة دارت حولها المناقشة هي: هل الشخصية الأساسية هي شخصية موسى بن عمران أو شخصية موسى بن ميشا (= منسة) بن يوسف ابن يعقوب، أو بعبارة أخرى واحد من نسل الأب الأول يعقوب (الرازى: مفاتيح الغيب، جـ ٤ ص ٣٣٣؛ الزمخشرى: كشاف تفسير الآية ٥٩) (١) ويكاد المفسرون يجمعون على الرأى الأول [موسى بن عمران] وهم يبنون رأيهم هذا على الرواية الآتية التي وصلت إليهم في صيغ شتى: وهي أن موسى النبي المشهور قام في بنى إسرائيل خطيبًا، فقيل أي الناس أعلم فقال أنا، فقال الله بل عبد لى [الخضر] عند مجمع البحرين، فعزم على أن يلتقى بهذا الحكيم، وهذه الرواية

стр. 4624

موجودة في كثير من المصادر العربية (البخارى: علم، باب ١٦, ١٩, ٤٤؛ الأنبياء، باب ٢٧؛ التفسير: سورة الكهف، باب ٢ - ٤؛ مسلم: الفضائل، حديث ١٧٠ - ١٧٤؛ الترمذى: تفسير سورة الكهف، باب ١؛ الطبرى: طبعة ده غوى جـ ١، ص ٤١٧؛ تفسير جـ ١٥ ص ١٦٥ وما بعدها؛ فخر الدين الرازى: المصدر المذكور جـ ٤، ص ٣٣٣). أما الحوت (المملوح) فيستعان به هاديًا إلى الطريق، والموضع الذي فقد فيه أو عادت إليه الحياة فيه هو نهر الحياة حيث كان يعيش الخضر (الطبرى جـ ١، ص ٤١٧) وثمة إشارة أخرى إلى نهر الحياة هي أن أماراته الصخرة لأنه يقوم عند سفحها (الطبرى: تفسير جـ ١٥، ص ١٦٧؛ البخارى: تفسير سورة الكهف، باب ٤) وجعلت الصخرة أيضًا أمام نهر الزيت أو نهر الذئب (البيضاوى والزمخشرى في سورة الكهف، الآية ٦١ (١)؛ الطبرى: تفسير جـ ١٥، ص ١٦٤) وليس من المستبعد أن تكون هناك علاقة بين نهر الزيت ونهر الحياة. ذلك أن ثمة روايات تذهب إلى أن الزيت صفة من صفات أنهار الجنة، ومن ثم فإن كلمة الذئب تكون تصحيفا لكلمة الزيت، وهو أمر سهل الوقوع، ويعد فولرز Vollers نهر الذئب صحيحا، فهو يرى أن نهر الذئب ترجمة لاسم لوكوس Loukos وليس هذا الاسم قليل الشيوع بين أسماء الأنهار في المصادر القديمة. وإذا صح هذا الفرض، فإن المرء قد يتبادر إلى ذهنه لوكس Lukkos في مراكش أو ليكوس Lycus على ساحل الشام، وهما موضعان تقترن بهما فكرة أقصى المغرب كما سنرى ذلك بعد. وقد فسر "مجمع البحرين" تفسيرات شتى، فيعده البعض "الموضع الذي يلتقى فيه البحر الفارسي ببحر الروم إلى الشرق" البيضاوى: سورة الكهف آية ٦٠؛ الطبرى: تفسير جـ ١٦, ص ١٦٣). وهذا يشير إلى خليج

стр. 4625

السويس، وهو صدى للفكرة التي تذهب إلى أن ساحل الشام كان هو أقصى المغرب (انظر: Bird: A.J Wensinck and tree as consmological Symbols in western Asia في Verk A.K. Amsterdam ص ١٧ وما بعدها) ويقول بعضهم إنه التقاء بحر الروم بالمحيط (طنجة، إفريقية؛ الطبرى: تفسير، جـ ١٥، ص ١٦٣؛ الزمخشرى، على الآية نفسها) ويتصل هذا الرأى بفكرة متأخرة في علم نظام الكون، تعد مضيق جبل طارق هو أقصى المغرب. وثمة تفسير مجازى هو أن مجمع البحرين يعنى اجتماع موسى بالخضر، وهما بحرا الحكمة (الدميرى: حياة الحيوان جـ ١، ص ٣١٨). وعندما رأى موسى الخضر أول مرة وجده مسجى بثوبه كما ورد في القرآن (١) "لأنه كان نائما" كما يقول الطبرى (طبعة ده غوى جـ ١، ص ٤١٨) وعندما رأى عصفورا ينقر في الماء قال لموسى: "ما ينقص علمى وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر أو نقد هذا العصفور من البحر" (الطبرى: طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٤١٨؛ البخارى: تفسير سورة الكهف، باب ٣؛ الرازى: مفاتيح الغيب جـ ١٤، ص ٣٣٣ وما بعدها). وكان الخضر يعيش في جزيرة (الطبرى. طبعة ده غوى جـ ١، ص ٤٢٢) أو على طنفسة خضراء علي كبد البحر (البخارى: تفسير سورة الكهف، باب ٣). وروى المفسرون حكاية اختبار الصبر زاخرة بالتفاصيل، ولا يتسع المقام للخوض فيها (انظر تفاسير سورة الكهف، آية ٥٩ (٢) وما بعدها ومصنفات التاريخ والحديث المذكورة في المصادر). ويؤكد فرع آخر من الرواية، العلاقة بين الخضر وبحث الإسكندر عن نهر الحياة بخاصة، ويتجاوز فريد لاندر Frienlânder القصد Die

стр. 4626

(chadhir - legende ص ١٠٨ وما بعدها) بقوله: "أما شأن الخضر بالفتى المحيِّر الوارد ذكره في الآية ٦٤ فهو يندرج في حلقة أخرى من القصص مختلفة تمام الاختلاف، ولكنه يتصل بفتى موسى (الإسكندر) الذي كان الحوت معه -كما ورد في الآية ٥٩ وما بعدها- أو بعبارة أخرى: هذا الفتى هو عين طاهي الإسكندر الذي نعرفه جيدًا من كاليستينيز المزعوم Pseudokallisthenes والعظة السريانية، لأن الخضر كما رأينا، وكما سوف نرى بعد، يتصل بـ"أتنبشتم" اتصاله برفيق الإسكندر. وليست هناك ترجمة معروفة لقصة الإسكندر في الأدب العربي (Weymann , انظر المصادر) في حين توجد أجزاء غير محققة من قصة الإسكندر التي بحثها فريد لاندر. ونحن نجاوز القصد كثيرًا إذا خضنا فيما بين هذه النسخ من خلاف، لأن هذه المصادر تبدو مستقلة عن القرآن الكريم، لا لأنها تجعل الخضر رفيق ذي القرنين فحسب، بل لعدم وجود إشارة ما إلى الفتى الوارد في القرآن الكريم أيضًا. ويبدو الخضر فيها عادة على مقدمة جيش الإسكندر في مسيره إلى نهر الحياة، ويسمى في رواية الصورى وزير الملك، كما غدا الشخصية الأساسية التي أخملت الملك نفسه. أما رواية عمارة فتذهب إلى أنه ابن عم الإسكندر، ولد ونشأ معه في ظروف واحدة وفي وقت واحد، وتجعل الرواية الشائعة للرحلة إلى نهر الحياة، الخضر والإسكندر وقد ذهب كل منهما في طريق. ويأخذ الإسكندر الحوت معه في رواية أخرى ويكشف عن العين العجيبة التي يعود حوته إلى الحياة فيها عندما يمس الماء؛ في حين نجد قصصًا أخرى لا يرد فيها ذكر الحوت، وإنما يعرف الخضر النهر بأمارات أخرى. وتروى قصص غير هذه ودلك أنه يغطس فيه وهو لا يعلم فضائله (الطبرى جـ ١، ص ٤١٤) وثمة رواية واحدة لنظامى تقول إن الخضر لا يرافق الإسكندر، ولكنه

стр. 4627

يرافق إيليا إلى النهر وهناك يشربان منه ويخلدان. السمة الوصفية العامة لاسم الخضر واضحة كل الوضوح من معناه حتى أن الرواية إنما استطاعت أن تعطى البطل اسمه الحقيقي وأن تضع له نسبًا وتاريخًا. فنحن نجده كثيرًا ما يسمى بليا بن ملكان. وروى المسعودي (مروج، جـ ٣، ص ١٤٤) أن هذا الاسم الأخير يطلق على أخ لقحطان، ومن ثم يجعل له مكان في أنساب اليمن، مما يرجح أن ملكان هو عين ملكم (سفر الأيام الأول، الإصحاح ٨، آية ٩) المندرج كذلك بين بطارقة اليمن. ورد هذا النسب بعد ذلك إلى سام من ناحية فالغ وعابر (انظر الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٤١٥, المسعودي. مروج الذهب جـ ١، ص ٩٢؛ النووى: صحيح مسلم، جـ ٥، ص ١٣٥) وربما لا يكون اسم بليا تصحيفا لاسم يليا الذي هو عين الاسم السريانى إيليا ونجد أن إيليا قد ورد من ناحية أخرى بالصيغة الإسلامية إلياس علما على الخضر وعلما على اليسع وأورميا (انظر الإصابة ص ٨٨٧) وخضرون (الطبرى، طبعة ده غوى جـ ١, ص ٤١٥؛ الديار بكري: تاريخ الخميس جـ ١، ص ١٠٦، Friedlânder: chadhirlegende ص ٣٣٣). ويورد ابن حجر أيضًا الأنساب الآتية (الإصابة ص ٨٨٣ وما بعدها): (١) أنه ابن آدم (بإسناد ضعيف) وتتصل بهذه القصة (الإحياء ص ٨٨٧ وما بعدها؛ أبو حاتم السجستانى: كتاب المعمرين ص ١) التي تروى أن الخضر عنى بجسد آدم ثم تولى دفنه بعد الطوفان. (٢) أنه ابن قابيل الملقب بخضرون (٣) أنه (المعمر) ابن مالك بن عبدالله بن نصر الأزد. (٤) أنه ابن عمائيل بن النور بن العيص بن إسحاق (٥) أنه ابن بنت فرعون (٦) أنه فارسي أو كان أبوه فارسيا وأمه رومية أو كان أبوه روميا وأمه فارسية. ويقال أيضًا إنه ولد في مغارة ورضع

стр. 4628

لبن الضوارى ثم دخل آخر الأمر في خدمة ملك من الملوك (الدميرى. جـ ١، ص ٣١٨؛ ابن حجر؛ ص ٨٩١ وما بعدها) وانظر أيضًا اجتماعه في "سوق بنى إسرائيل" بالرجل الذي سأله الصدقة بوجه الله (الإصابة ص ٨٩٤ وما بعدها). ولا تحيط هذه الأقوال بجميع الروايات عن اسمه ونسبه، وحسبنا أن نذكر هنا الفقرة الآتية من ماراتشى (Prodromi: Maracci على سورة الكهف، الآية ٥٧) (١). Alchedrus, quem fabulantur Moslemi eundem fuisse, ac Phineas filium Eleazari filii A aron ; Cujus anima Per metem , Psychosin emigravit Primo in Eliam deinde ex Elia in S. Gregorium, quem Propterea Mahumetani Omnes summo honore Prosequuntur (٢) . ولعل المطابقة الأخيرة ترجع إلى خلط بينه وبين القديس جرجيس الذي يماثل الخضر من وجوه معينه (انظر في هذا الشأن Clermont - Ganneau في Revue archéologique جـ ٣٢ وما بعده، Friedlânder كتابه المذكور ص ٢٧٥) ويشير كانو بعد ذلك إلى العلاقة بين حرف خ - ض - ر والحروف السامية الشمالية ح - ص - ر, ومن ثم يكون الاسم تصحيفا لـ"خسسترة Guyard): R.H.R. جـ ١، ص ٣٤٤ وما بعدها) أو يتصل بـ "أهسويروس Ahousuerus اليهودي التائه (Lidzbarski في الـ Z.A جـ ٧، ص ١١٦). وتذكر تواريخ جد متفاوتة للعهد الذي وجد الخضر فيه، فيقال أحيانًا إنه معاصر لإبراهيم الذي هاجر معه من أرض بابل (الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٤١٥) ويوضع أحيانًا في

стр. 4629

عهد أفريدون أو يجعل أحيانًا أخرى معاصرًا للإسكندر، وأنه عمر إلى زمان موسى (ابن حجر: الإصابة ص ٨٨٦) ويذهب آخرون إلى أنه ولد في عهد ناشية بن آموص، أو بعبارة أخرى أشعياء بن آموص (الطبرى: المصدر المذكور ص ٤١٥، وما بعدها) ويرجع الخلاف في هذه الأقوال من بعض الوجوه إلى خلوده (انظر بعد). وأهم من هذا شروح الاسم التي أوردتها المصادر الشرقية، من ذلك ما يروى أنه أخضر لتدليه في عين الحياة وسمى لذلك الخضر (الصيغة الإثيوبية لقصة الإسكندر، انظر فريد لاندر، المصدر المذكور، ص ٢٣٥ وما بعدها) وكان يعيش كما ذكرنا آنفا على جزيرة من الجزائر (الدميرى: المصدر المذكور ص ٣١٧) كما يقال إنه يعبد الله في الجزائر (الصورى، انظر فريد لاندر: المصدر المذكور ص ٨٣، الثعلبى ص ١٩٧). وقد يشير هذا إلى أن الخضر كان في الأصل كائنًا بحريًا، وتؤيد الملابسات الآتية هذا الاتجاه: فهو كثيرًا ما يوصف بأنه راعى الضاربين في البحر (تاريخ الخميس جـ ١، ص ١٠٧) ويقال إن البحارة عند شاطئ الشام يدعونه إذا عصفت العاصفة وأصبح في الهند يعرف باسم خواجه خضر وهو عندهم إله نهرى ويمثل جالسًا على حوت، ويغلب على كانو وفريد لاندر هذا الاتجاه في بحثهما عن أصل هذه الشخصية. واستند الأخير إلى افتراض ان أسطورة كلوكوس Glaukos اليونانية قد وصلت إلى المسلمين عن طريق وسيط سريانى (المصدر المذكور، ص ١٠٧ وما بعدها) ولكنا إذا لم ندخل في حسابنا أننا لا نعرف شيئًا عن هذا الوسيط فإن العلاقة بين الخضر وكلوكوس لا تفسر إلا جانبا واحدًا من جوانب الاسم الأول. كما أن هذه العلاقة لا تنبئنا بشئ عن أصل هذه الشخصية، والحق أن المرء ليشك في صواب البحث عن شخصية جد معقدة كشخصية الخضر

стр. 4630

الذي له خصائص مشتركة مع أتنبشتم وطاهي الإسكندر وغيرهما. ويجب أن ندخل في حسابنا أشياء أخرى. ففي الشروح العربية للاسم لا يعد الخضر متصلا بالبحر، ولكنه يعد متصلا بالمملكة النباتية: "إنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء" (النووى على صحيح مسلم جـ ٥، ص ١٣٥؛ انظر الطبرى: تفسير جـ ٥، ص ١٦٨) ويضيف النووى "الفروة هي الأرض اليابسة". أما الديار بكري (جـ ١، ص ١٠٦)، فهو أكثر تحديدا إذ يقول "الفروة وجه الأرض إذا أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء" ويقول عمارة إن الخضر خوطب عند نهر الحياة: أنت الخضر وكلما مست قدماك الأرض اخضرت (فريد لاندر: المصدر المذكور ص ١٤٥) وهو كلما وقف أو صلى تخضر الأرض (النووى: المصدر المذكور؛ الرازى: مفاتيح الغيب جـ ٤، ص ٣٣٦). وتذكرنا هذه الأقوال (وبخاصة الأخيرة منها) بقول للرب في العهد القديم: "هو ذا الرجل الغصن اسمه، ومن مكانه ينبت. ." (سفر زكريا، إصحاح ٦، آية ١٢) والحق أن الخضر يتعلق بشخصيتين مسيحيتين: أولاهما إيليا والثانية المسيح. ويؤلف هؤلاء الثلاثة مع إدريس الأربعة الذين لم يذوقوا طعم الموت (تاريخ الخميس جـ ١، ص ١٠٧). ويعود سبب الخلاف في صفة الخضر إلى الآراء المختلفة حول طبيعته، فإن عد نبيا (انظر الإصابة، ص ٨٨٢ وما بعدها) بقى الخلاف في اعتباره من الرسل (النووى: المصدر المذكور، ص ١٣٥) وكان إلى هذا كله إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا (الطبرى طبعه ده غوى، جـ ١، ص ٥٤٤، ٧٩٨) ويسلكه الأتقياء والمتصوفة في عداد الأولياء وثمة قول صوفي: أن لكل عصر خضره، كما يعد الخضر اليوم نقيب الأولياء ويدعوه الناس بصفته وليًا ثلاث مرات فيحميهم من السرق والحرق والغرق والسلطان والشيطان

стр. 4631

والحية والعقرب (تاريخ الخميس جـ ١, ص ١٠٧, الإصابة ص ٩٠٣) وتطيعه السماء والبحر وبقاع الأرض، وهو خليفة الله في البحر ووكيله على الأرض، ويحتجب عن الأبصار متى شاء (عمارة فريد لاندر: المصدر المذكور ص ١٤٥) وهو يطير في الهواء، ويلقى إلياس عند سد الإسكندر ويحج معه إلى مكة كل سنة (انظر الإصابة ص ٩٠٤ وما بعدها) ويشرب كل يوم جمعة من زمزم ومن جب سليمان ويغتسل من عين سلوان (تاريخ الخميس جـ ١، ص ١٠٧؛ فريد لاندر: المصدر المذكور، ص ١٤٨ وما بعدها، ١٥١) ويستطيع أن يجد الماء تحت الأرض ويتكلم لغة الناس قاطبة (الصورى في فريد لاندر ص ١٨٤). ويؤكد خلوده بخاصة (انظر قصيدة روكرت Childer": Rückert عمارة في فريد لاندر: المصدر المذكور، ص ١٤٥؛ أبو حاتم السجستانى: كتاب المعمرين ص ١؛ الإصابة ص ٨٨٧ وما بعدها، ٨٩٢ , ٨٩٥) وقد منحه، كما ورد في الإصابة (ص ٨٨٢) بعد حديث بينه وبين صديقه الملك روفائيل ليقر عبادة الله الحقة على الأرض ويحافظ عليها. ويصف ابن حجر اجتماعًا بين الخضر ومحمد [ ﷺ ] في روايات شتى (الإصابة ص ٨٩٩ وما بعدها؛ انظر المؤلف نفسه فيما يتعلق باجتماعه بأشخاص آخرين ص ٩٠٨ وما بعدها) وانظر كذلك المصدر نفسه عن المائدة التي نزلت عليه من السماء (ص ٩١٩) وانظر مروج الذهب فيما يختص بشهوده وقعة القادسية (جـ ٤، ص ٢١٦). ويعيش الخضر في بيت المقدس ويصلى الجمعة في مساجد مكة والمدينة والقدس وقباء وعلى جبل الزيتون وطعامه الكمأة والكرفس (تاريخ الخميس جـ ١؛ الإصابة ص ٨٨٩ وما بعدها، ٩٠٤) وبين أيدينا عن زيجاته قصة قديمة (انظر ابن ماجه: كتاب الزهد باب ٢٣) وردت أيضًا في

стр. 4632

(الثعلبى: القصص ص ١٩٣ وما بعدها). المصادر: تفاسير القرآن لسورة الكهف الآيات ٥٩ - ٨١ (١). سورة البقرة الآية ٢٦١ (٢)؛ سورة هود الآية ٨٦ (٣)؛ والمصادر الخاصة بالحديث والتاريخ المذكورة آنفًا. (١) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة ١٢٩٠ , ص ١٢٥, ١٩٠ وما بعدها. (٢) الديار بكري: تاريخ الخميس، القاهرة ١٢٨٣, جـ ١، ص ١٠٦ وما بعدها. (٣) ابن حجر: الإصابة، كلكتة. . . ص ٨٨٢ وما بعدها. (٤) الدميرى: حياة الحيوان القاهرة ١٢٧٤ جـ ١ ص ٣١٧ وما بعدها. (٥) النووى: تهذيب الأسماع، طبعة فستنفلد، ص ٢٢٨ وما بعدها. (٦) أبو حاتم السجستانى: كتاب المعمرين، طبعة كولدسيهر في Abh. Zur or Philologie جـ ٢، ص ١. (٧) المسعودي: مروج الذهب طبعة باريس جـ ٤، ص ٢١٦. (٨) الفردوسى: الشاهنامه، طبعة مول جـ ٥ ص ٢١٦ وما بعدها؛ طبعة ما كان جـ ٣، ص ١٣٤٠. (٩) نظامى: اسكندر نامه في القصيدة الخاصة بالاسكندر وبحثه عن ماء الحياة. (١٠) Alexanders Zug zum: Ethé lebens quell في S.B. Bayr. AK عام ١٨٧١, ص ٣٤٣ - ٤٠٥.

стр. 4633

(١١) Horus et: Clermont - Ganneau Saint Georges d' aprés un bas - relief inédit du Louvre في الـ Revue d' ar chéologie جـ ٣٢ - ٣٤؛ (١٢) Ursemit Religion: S.I. Cirtiss im Volksleben d. heut Orients، ليبسك ١٩٠٣, مادة خضر. (١٣) Wer ist Chadhir: Dyroff في الـ Z.A. ١٨٩٢ جـ ٧، ص ٣١٩ - ٣٢٧. (١٤) Zur: I. Friendlander Geschichte der Chadhirlegende في الـ A.R. ١٩١٠, جـ ١٣، ص ٩٢ وما بعدها. (١٥) المؤلف نفسه: Alexanders Zug - nach dem Lebensquell und die chad hirlegende في الـ A.R. جـ ١٣، ص ١٦١ وما بعدها. (١٦) المؤلف نفسه: Die Chad- hirlegende und der Alexanderromans, ليبسك ١٩١٣. (١٧) Wer ist: M. Lidzbarski Chadhir في الـ Z.A. ١٨٩٢, جـ ٧ ص ١٠٤ - ١١٦؛ (١٨) Beitrâge zur Ges-: Nôldeke Denks. AK.) chichte des Alexanderroman Wien جـ ٣٨ رقم ٥). (١٩) Chadher: K. Vollers في الـ A.R ١٩٠٩ جـ ١٢, ص ٢٤٣ - ٢٨٤. (٢٠) Chidher in Sage: G. Huart und Dichtung Sammlung gemeinverst (wiss, Vortrâge رقم ٢٨٠ وليس هذا المؤلف في متناول يدى)؛ (٢١): Die athiopische: Weymann und arabische übersetzung des Pseudokallithenes, كرشهاين ١٩٠٢. (٢٢) Sirat Saif ibn Dhi: R. Paret Jazan هانوفر ١٩٢٤ الفهرس، تعليقة ١. (٢٣) Drie: G.W.I. Drewes Jovaansche Goeroe's ليدن، ديسمبر ١٩٢٥ , ص ٥٦ وما بعدها، ١٩٥ وما بعدها. يونس [فنسنك A.J. Wensinck]

стр. 4634

الخطابية فرقة من غلاة الشيعة، نسبت إلى أبي الخطاب محمَّد بن أبي زينب الأسدى الأجدع، وكان له أتباع في الكوفة، وفيها هاجمه عيسى بن موسى الذي استعمل عليها أعواما (إلى عام ١٤٧ هـ ٧٦٤ - ٧٦٥ م) فقُتل من أنصاره سبعون رجلا وقُبض عليه في دار الرزق على شط الفرات، ووضع على السفود وأحرقت جثته، وحمل رأسه إلى بغداد. ولم تقض هذه المحنة على الفرقة. ويذهب بعض أفرادها إلى أن أبا الخطاب وأنصاره لم يقتلوا بالفعل ولكن شبه لأعدائهم. وقد أحصى أعلم المصنفين بهذه الفرقة عدد أفرادها عام ٣٠٠ هـ فقال إنهم مائة ألف من الأنفس يسكنون سواد الكوفة واليمن ولا حول لهم ولا طول. وثمة إشارة مجملة إلى مذهبهم في كتاب المعارف لابن قتيبة، وهو أسبق من غيره في الحديث عنهم، وفي كتاب المطهر بن الطاهر الذي ظهر بعده بحوالي خمسين سنة. ولكن يظهر أنهم لم يفعلوا شيئًا ذا غناء يلفت إلى هذه الفرقة أنظار المؤرخين. ويروى أنه لما توفي أبو الخطاب نقل أصحابه الإمامة إلى محمَّد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، فأصبحوا بذلك من الإسماعيلية. والأخبار التي ذكرت عن مذاهبهم بخاصة نادرة، ويجب أن تؤخذ في حذر وحيطة، وتؤكد الروايات أنهم يقولون إن النبي [ ﷺ ] نقل النبوة إلى عليّ يوم الخندق، ويجوز أن يكون أبو الخطاب قد جهر بانتقال مماثل للإمامة من جعفر إليه. ويقرر المصنفون من أهل الشيعة والسنة على السواء، أن جعفرًا أنكر المزاعم التي أوردها أبو الخطاب على لسانه، وكانت صلته به كصلة المختار بن أبي عبيد بابن الحنفية. أما أقوله الأخرى فأدناها إلى الصحة دعوته إلى الشدة المطلقة في معاملة خصومه، ومقالته في ذلك هي عين مقالة الأزارقة. وهو يرى الشهادة بالزور على من خالفه، ويذهب المطهر إلى أن الفقهاء لم يجيزوا شهادة الخطابية نتيجة لذلك.

стр. 4635

ويعرف المصنفون المتأخرون، في الملَل والنحل، عن الخطابية أكثر مما عَرف السابقون لهم، فالبزيغية عند المطهر فرقة قائمة برأسها، في حين يجعلهم الشهرستانى فرعا من الخطابية، كما أن هذا المصنف يجعل لهم فرعا آخر هو العُمَيْرية الذين يعدهم عبد القاهر في مصنفه فرعا من الجناحية؛ ويرى الشهرستانى أيضًا أن المعمرية فرع من الخطابية، أما ابن حزم فيقطع بأنهم مستقلون عنهم. وقد بلغت فروع الخطابية أيام المقريزى خمسين فرعا. وذكرت كنية أبي الخطاب بصيغ شتى مثل أبي ثور وأبى يزيد، ولعل ذلك يرجع إلى تصحيف اسم زينب. ويتهم الخطابية بأنهم ينكرون عدة قواعد أخلاقية وكذلك إنكارهم لعدة شعائر إسلامية. ويذكر الحلول من بين المعتقدات المنسوبة لهم، ومن العسير أن نتحقق من صحة هذه الأقوال، لأن الفرقة لم تخلف فيما يظهر مؤلفات خاصة بها. المصادر: (١) أبو محمَّد الحسن بن موسى النوبختى: كتاب فيه مذاهب فرق أهل الإمامة (مخطوطة في حيازة A. G. Ellis Esq). (٢) The Hetero-: I. Friedlander doxies J.A.O.S. of the Shiites جـ ٢٨ , ٢٩ (ترجمة في هامش ابن حزم: الفصل جـ ٥ ص ١٨٧ وما بعدها). (٣) الشهرستانى: ترجمته Haarbrucker جـ ١ ص ٢٠٦. (٤) عبد القاهر البغدادى: الفرق بين الفرق ص ٢٤٢. (٥) الكشى: معرفة أخبار الرجال، طبعة بمباى ١٣١٧ , ص ١٨٧) وهو كتاب لا يوثق فيه). (٦) المقريزى: الخطط جـ ٢، ص ٣٥٢. (٧) عضد الدين الأيجى: المواقف طبعة Sarensen ص ٣٤٥. يونس [مارجوليوث D.S. Margoliouth] الخطبة الخُطْبة (كلمة عربية) وهي الخطاب يجاهر به الخطيب ولها مكانها المحدد من شعائر الإِسلام، ونعني بذلك

стр. 4636

الخطب التي تلقى في صلاة الجمعة وفي العيدين وعند الكسوف وانقطاع المطر. والخطبة في الجمعة تسبق الصلاة، ولكن الصلاة تسبقها في غيرها. ونحن نورد في هذا المقام خلاصة الشروط التي يجب توافرها في خطبة الجمعة كما أوردها الشيرازى (انظر: التنبيه، طبعة جوينبل ص ٤٠) وهو من علماء الشافعية المتقدمين: (أ) مما يجب أن يتوافر في صلاة الجمعة لكي تصح أن تسبقها خطبتان يشترط لصحتهما الطهارة، والستارة، والقيام والقعود بينهما، والعدد الذي تنعقد به الجمعة. ويجب فيها: أن يحمد [أي الخطيب] الله تعالى ويصلى على النبي [ ﷺ ] ويوصى بتقوى الله في الخطبتين والدعاء للمؤمنين الكريم، ويقرأ في الأولى شيئًا من القرآن، وقيل تجب القراءة فيهما، وسنتهما أن يكون على منبر أو موضع عال، وأن يسلم على الناس إذا أقبل عليهم، وأن يجلس إلى أن يؤذن المؤذن، ويعتمد على قوس أو سيف أو عصا، وأن يقصد قصد وجهه، وأن يدعو للمسلمين، وأن يقر الخطبة. (ب) ويقول المؤلف نفسه (ص ٤٢) عن الخطبة في العيدين، إنهما خطبتان كخطبتى الجمعة، إلا أنهما تختلفان عنهما في النقاط الآتية: أن الخطيب يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع تكبيرات ويعلمهم [أي الناس] في الفطر زكاة الفطر، وفي الأضحى الأضحية، ويجوز أن يخطب من قعود. ويذكر الشيرازى (ص ٤٣) في خطبة صلاة الكسوف أن الإِمام يخوف الناس بالله. وفي خطبتى الاستسقاء يستغفر الإمام الله في افتتاح الأولى تسعًا وفي الثانية سبعا، ويكثر فيهما من الصلاة على رسول الله [ ﷺ ] ومن الاستغفار ويقرأ الآية التاسعة من سورة الملك ويرفع يديه ويدعو بدعاء النبي [ ﷺ ] (ويورده الشيرازى كاملا) ويستقبل القبلة أثناء الخطبة الثانية، ويحول رداءه من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه ويجعل أعلاه أسفله ويتركه.

стр. 4637

وتثير هذه الشعائر الملاحظات الآتية: كان بِكَر C.H. Becker أول من أشار إلى العلاقة بين المنبر الإِسلامي ومقعد القاضى في الجاهلية (١)، وهذا يفسر السبب في توكئه على عصا أو سيف أو قوس، ذلك لأن هذه الأدوات كانت من لوازم القاضى العربي في الجاهلية. وليس من اليسير أن ندرك لماذا تسبق الخطبة صلاة الجمعة في حين تسبق الصلاة في العيدين وغيرهما الخطبة (٢). وينبئنا الحديث بأن مروان بن الحكم كان أول من غيَّر هذا النظام بأن خطب الناس قبل الصلاة في العيدين (انظر البخارى، كتاب العيدين، باب ٦؛ وانظر خاصة الصورة المحركة للنفس الواردة في صحيح مسلم، كتاب العيدين، حديث ٩). وقد روى أيضا أن مروان كان أول من خطب الناس في العيدين على منبر، وأن السنة القديمة كانت تقضى بالصلاة بلا منبر ولا أذان. وتذهب مصادر أخرى (مسلم: كتاب الإيمان, الحديثان ٧٨ , ٧٩؛ وشرح النووى عليهما) إلى أن الخطبة قبل الصلاة تعود إلى عثمان بل إلى عمر (٣). ورأى جمهور المحدثين أن ذلك بدعة، سببها نزوع الأمويين إلى العمل لصالح دولتهم أكثر من العمل على صالح الدين. وإذا صح هذا الرأى، فإن هذه

стр. 4638

البدعة والاستماع إلى الخطبة من قعود، يمكن أن ينظر إليهما على إنهما محاولة للعودة إلى مراسم القضاء في الجاهلية المتصلة بالمنبر والخطبة (١). ويجب أن يلاحظ في دعاء المؤمنين أن العادة جرت بأن يذكر السلطان فيه قبل صلاة الجمعة. وتاريخ الإِسلام زاخر بالشواهد الدالة على الأهمية التي أسبغت على هذه العادة، وبخاصة أيام الفتن السياسية، فإن الاسم الذي يذكر في هذا الدعاء يكشف عن رأى الإِمام السياسى أو مكانته. وإذا كانت الشريعة لم تفرض على الخطيب أن يذكر اسم الإِمام، فإن إغفال الخطيب اسمه يعرضه لمظنة السوء عنده. أما في البلاد التي يعيش المسلمون فيها تحت إمرة غير المسلمين، فإن الدعاء بتوفيق السلطان غير المسلم في الدنيا، يعرض الخطيب لمظنة السوء عند إخوانه المسلمين (٢) (انظر Is-: Snouck Hurgronje lam and Phonograph ص ١٣ وما بعدها؛ Verspr, Geschr = جـ ٢ ص ٤٣٠ وما بعدها، المؤلف نفسه: Mr.L.W.C Van den beoefening van het Mo-: Berg hammedaansche recht في Ind. Gids جـ ١٦ ص ٨٠٩ وما بعدها = Verspr Ges - chriten جـ ٢ ص ٢١٤ وما بعدها) وقد وردت سنة ذكر اسم السلطان في الصلاة في عصر متقدم يرجع إلى القرن الخامس ق. م في البردى الآرامى الذي عشر عليه في فيلة (٣) (ورقة ١، سطر ٢٦؛ انظر أيضا Mission: Harnack und Ausbreitung des Christentums جـ ١، ص ٢٨٦).

стр. 4639

ويرد في الحديث كثير من خصائص الخطبة التي اشترطها علماء الفقه. وكانت خطبة النبي [ ﷺ ] تبدأ عادة بقوله "أما بعد" (البخاري: كتاب الجمعة، باب ٢٩). وتقترن "الحمدلة" (مسلم: كتاب الجمعة، حديث ٤٤, ٤٥) بالشهادة (أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ٣٠٢ , ٣٤٣: "الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء") وروى في كثير من الأحاديث أن النبي [ ﷺ ] اعتاد أن يقرأ آيات من القرآن (مثال ذلك: مسلم، كتاب الجمعة، حديث ٤٩ - ٥٢؛ أحمد بن حنبل جـ ٥، ص ٨٦ وما بعدها، ص ٨٨ وما بعدها، ٩٣ الخ .. ) ويشترط في الخطبة أن تكون قصيرة متفقة مع قول النبي [ ﷺ ]: "أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" (مسلم: كتاب الجمعة. حديث ٤٧) كما يشترط فيها أن تكون كالصلاة قصدًا (١) (مسلم: كتاب الجمعة، حديث ٤١) والإنصات في الجمعة واجب "وإذا قال [أحدهم] لصاحبه أنصت فقد لغا" (البخاري: كتاب الجمعة، باب ٣٦). ووقوف الإِمام في الخطبتين وقعوده بينهما سنة عن النبي [ ﷺ ] (البخاري: كتاب الجمعة، باب ٢٧؛ مسلم: كتاب الجمعة، حديث ٣٣ - ٣٥؛ أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ٣٥, ٩١, ٩٨). وكان النبي [ ﷺ ] يجلس على المنبر أثناء الأذان، ثم تقام الصلاة عند نزوله عنه (وذلك لكي يخطب قائما) وقد سار على هذه السنة أبو بكر وعمر (أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ٤٤٩ أسفل الصحيفة). ولم يرد لفظ خطبة ولا فعل خَطَبَ بمعناهما الاصطلاحى في القرآن [الكريم] بل إن الآية التي تحض على عدم ترك الجمعة من أجل البيع لم تذكر إلا الصلاة فقط (٢) (سورة الجمعة، آية ٩ - ١١) ومن الخطأ أن نستخلص من هذا الإغفال أن الخطبة لم تكن قد أصبحت جزءا أساسيا في العبادات أيام

стр. 4640

النبي [ ﷺ ]، وليس من المحتمل كذلك أن الصلوات على اختلافها كانت قد تحددت تحديًدا دقيقا منذ البداية (١)، ذلك أن الحديث قد احتفظ بأوصاف تبين أن خطبة النبي [ ﷺ ] لم تكن لها علاقة كبيرة بالخطبة المنظمة في العصور التالية، فقد أورد أبو داود (كتاب الديات، باب ١٣) "أن النبي [ ﷺ ] بعث أبا جهم بن حذيفة [إلى بني الليث] مصدِّقا (٢) فلاجه (٣) رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي [ ﷺ ] فقالوا القود يا رسول الله فقال النبي [ ﷺ ] لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال لكم كذا وكذا فرضوا، فقال النبي [ ﷺ ] إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم، فقالوا نعم، فخطب رسول الله [ ﷺ ] فقال إن هؤلاء الليثيين أتونى يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم، قالوا لا، فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله [ ﷺ ] أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم دعاهم فزادهم فقال أرضيتم فقالوا نعم فقال إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم، فقالوا نعم. فخطب رسول الله [ ﷺ ] فقال أرضيتم، قالوا نعم". ومن الواضح أن مثل هذه الخطبة يعد نموذجا لخطب أمراء العرب الأولين في رعاياهم، ويتعذر القول بأن لها صلة بالخطبة الدينية، أضف إلى ذلك أنه ليس من اليسير التفريق بين أنواع الخطب كما قد يتضح ذلك من الأحاديث الآتية (٤)، ففي حديث عن أبي سعيد الخدري "أن النبي [ ﷺ ] كان يبدأ يوم

стр. 4641

الفطر ويوم الأضحى بالصلاة قبل الخطبة ثم يخطب فتكون خطبته بالبعث والسرية" ونجد حديثا مشابها لذلك رواه مسلم وهو (كتاب العيدين، حديث ٩): "أن رسول الله [ ﷺ ] كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا. . . ثم ينصرف؛ فلم يزل كذلك حتى كان مروان .. ألخ، وهذا وصف بسيط جدًا للصلاة، وفيه تأييد كبير للرأى القائل بأن الصلاة ذات النظام المحدد، إنما نشأت بعد زمن النبي [ ﷺ ] بوقت طويل (٢). ويجب ألا ننسى أن هذا الوصف يكشف عن الميل إلى المقابلة بين صلاة النبي [ ﷺ ] على بساطتها، وبين تلك الصلاة ذات الطابع الرسمي العريق التي أدخلها مروان؛ وهو لم يكتف بها بل أمر ببناء منبر على المصلى (٣)، ويشير الشاهد الآتى إلى

стр. 4642

خطبة الجمعة وهو: "قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي [ ﷺ ] وهو يخطب قال فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، قال فأقبل على رسول الله [ ﷺ ] وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدًا، قال فقعد عليه رسول الله [ ﷺ ] وجعل يعلمنى مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها" (مسلم: كتاب الجمعة، حديث ٦٠) وهذا الحديث على ما له من الأهمية يؤكد عدم وجود المنبر (١) وتعطينا أحاديث أخرى من هذا القبيل صورة بسيطة مماثلة لصلاة الجمعة، كتلك التي أوردها مسلم (كتاب الجمعة، أحاديث ٥٤ - ٥٩) وهي تصف النبي [ ﷺ ] عندما يدخل عليه المسجد رجل وهو يخطب فيسأله النبي [ ﷺ ]: أركعت الركعتين؟ ومن الجلى أن الغرض هن ذلك إنما هو الإبانة عن أن النبي [ ﷺ ] يهتم كثيرا بركعتى السنة [وهما تحية المسجد] (٢). ومهما يكن من أمر نعتقد أن النظام المحدد للصلاة يوم الجمعة والعيدين إنما نشأ بعد وفاة النبي [ ﷺ ] (٣). وحسبنا أن نورد هنا ملاحظ قليلة بدلا من إيراد تاريخ للخطبة الدينية الإِسلامية، فإن خطبتى النبي [ ﷺ ]

стр. 4643

الأولى والثانية في المدينة قد وردتا في كتاب ابن إسحاق (طبعة فستنفلد، ص ٣٤٠) وسنورد أولاهما بعد، لأنها نموذج يقاس عليه: "إن رسول الله [ ﷺ ] حمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم. تَعلمُن. والله ليَصْعقَن أحدكم ثم ليَدَعَنَّ غنمنه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولى فبلَّغك، وأتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك، فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئًا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشقة من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". ووردت خطبة الوداع في صحيح البخاري (كتاب الجمعة، باب ٢٩) كما ورد وصف لمشاعر النبي [ ﷺ ] وهو يخطب في صحيح مسلم (كتاب الجمعة، حديث ٤٣) وذكر لين وصفا دقيقا لصلاة الجمعة مع ترجمة لخطبتين من الخطب التي قيلت فيها (Manners and Customs: Lane بيسلى ولندن ١٨٩٥ , ص ٩٩ وما بعدها). وتوجد مجموعة من الخطب المنسوبة إلى علي في المكتبة الملكية (سابقا) ببرلين وبينها خطبة ليس فيها حرف "الألف". وقد أصبح منصب الخطيب عملا منتظما ومن ثم صارت الخطبة للخطيب كالوثيقة الخطية للناسخ، يبرز أحدهما فنه بتزويق الحروف الأولى ويبرزه الآخر بالنثر المسجوع. وترتب الخطب على التقويم الهجري عادة: أربع خطب لكل شهر، وأخرى للعيدين ومولد النبي [ ﷺ ] وإسرائه؛ (انظر Ahlwardt: Verzeichnis der arab Hss جـ ٣، ص ٤٣٧). وجرى العرف بأن تكون الخطبة بالعربية، وكثيرا ما خولفت هذه القاعدة في تركيا.

стр. 4644

المصادر: (١) Handleiding tot de: Juynboll Kennis Van de Moh. Wet ليدن ١٩٢٥، ص ٧١ وما بعدها، ١٠٩ وما بعدها. (٢) شيخ نظام: الفتاوى العالمكيرية، كلكته ١٨٢٨ وما بعدها، جـ ١، ص ٢٠٥ وما بعدها, ٢١٠ وما بعدها، ٢١٤ وما بعدها. (٣) أبو القاسم الحلي: كتاب شرائع الإِسلام، كلكته ١٨٩٣، جـ ١، ص ٤٤ , ٤٨. (٤) Kanzel im Die: C. H. Becker Kultus des alien Islam في - Noldeke Fests chrif طبعة Giessen ١٩٠٦، ص ٣٣١ وما بعدها. (٥) المؤلف نفسه Zur Geschichte des islamischen Kultus في IsI جـ ٣، ص ٣٧٤ وما بعدها؛ (٦) Zur Entstehungs: E. Mittwoch geschichte des islamischen Gebets und Kultus في W. Abh. pr .AK , ١٩١٣, رقم ٢. (٧) G.A.L: Brockelmann جـ ١، ص ٩٢. يونس [فنسنك A.J. Wensinck] خط همايون " أي المرسوم السلطانى" قانون يعرض للإصلاح في نظم الدولة العثمانية يصدره السلاطين. والأصل في عبارة "خط همايون" أنها كانت تطلق على أمر السلطان يكتبه بنفسه على رأس المرسوم؛ فلما نيطت الطغراء بموظف عرف بـ"نشانجى" حدث خطأ في التوسع في مدلول العبارة حتى شملت المرسوم كله. وخط همايون مرادف لـ"خط شريف"، بيد أن الاستعمال في القانون الإدارى العثماني قصر الأخير على خط شريف "كلخانه"، وهو قانون دستورى منحه السلطان عبد المجيد (في شعبان من عام ١٢٥٥ هـ = ٣ نوفمبر عام ١٨٣٩ م) وقصر الأول على خط همايون الذي صدر في الثلث الأول من شهر جمادى الآخرة عام ١٢٧٢) ١٨ نوفمبر ١٨٥٦)، وأنفذ إلى الصدر الأعظم محمَّد أمين على باشا، وكان صدوره ثمرة الجهد المشترك الذي بذله السياسيون الفرنسيون والأنكليز عندما انتهت حرب القريم. وقد اعترف

стр. 4645

السلطان في هذه الوثيقة بأن رعاياه تجمع بينهم الأخوة في الوطن (وطنداشى، وهو تعبير استعمل في هذا المقام لأول مرة، ولكنه لم يستمر) وصرح فيها بأنه سيحافظ على الضمانات التي وعد بها قانون كلخانة تأمينا للأرواح والأموال بلا تفريق في المراكز أو الدين، علاوة على الامتيازات والحصانات التي يستمتع بها غير المسلمين: كما تعهد فيها بإصلاح الكنائس وغيرها من العمائر الخاصة بمختلف الطوائف، وأبطل استعمال العبارات المهينة في الوثائق الإدارية (مثال ذلك اصطلاح "رعايا" الذي يطلق على أهل الذمة) وصرح بأن رعاياه جميعًا أهل للخدمة في المناصب العامة. وأنشأ محاكم مختلطة تتألف من المسلمين وغير المسلمين؛ وأعلن العزم على إصدار القانونين الجنائى والتجارى وتحسين إدارة الشرطة وتجنيد غير المسلمين مع منح كل فرد منهم حق الإعفاء من الخدمة العسكرية بالبدل المالى، وإعادة تنظيم المجالس المحلية وتقرير حق الأجانب في تملك الأرض؛ وإصلاح جباية الضرائب وإنشاء المصارف المالية ومد الطرق وشق الترع. وظل هذا القانون معمولا به إلى أن صدر دستور مدحت باشا في عام ١٨٧٦. المصادر: (١) Khaththy ' hu-: T.X.Bianchi maioun (١٨٥٦) في نهاية الـ Nouveau Guide de la Conversation . يونس [إيوار Cl. Huart] خطيب (كلمة عربية) والجمع خطباء والخطيب عند العرب في الجاهلية هو المتحدث عن القبيلة، ولذلك فقد كان يذكر مع الشاعر جنبا إلى جنب (ابن هشام: السيرة، طبعة فستنفلد ص ٩٣٤، س ١ , من أسفل؛ ياقوت، طبعة فستنفلد جـ ٤، ص ٤٨٤، س ١١ وما بعده) وهو أمير من أمراء القبيلة كالكاهن والسيد. ويشرح الجاحظ (كتاب البيان والتبيين، طبعة القاهرة ١٣٣٢، جـ ١ - ٣) بعبارة جلية طبيعة عمل الخطيب ومكانته. والتفريق بين الشاعر والخطيب غير محدد ولا قاطع، بيد أن الشاعر من الناحية العملية

стр. 4646

يتوسل بالقالب الشعرى، في حين يعبر الخطيب عن نفسه بالنثر، وكثيرا ما استعمل الأسجاع (انظر الجاحظ: المصدر السابق جـ ١، ص ١٥٩) وتبدأ خطبته بعبارة "أما بعد" (الحريرى، طبعة ده ساسى ١٨٢٢, ص ٤٢) ويقول الجاحظ إن من الخطباء من يكون شاعرًا (جـ ١، ص ٢٧) ويروى أن الشاعر في الجاهلية كان يقدم على الخطيب، فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة صار الخطيب عندهم فوق الشاعر (جـ ١، ص ١٣٦؛ جـ ٣، ص ٢٢٧) ويقرن الخطيب مع القاص، وأصحاب الأخبار والآثار أيضا (الجاحظ، جـ ١ ص ١٦٧ وما بعدها وفي مواضع أخرى) وكانت الخطابة وراثة في البيت الواحد أحيانا. ولم يؤلف الخطباء فيما بينهم نقابة أو طبقة، ولكنهم كانوا الرجال ذوى الاقتدار على التحدث عن الجماعة، لا يترأسون الوفود عن قبائلهم فحسب، كما ندرك ذلك من السيرة (انظر Abhandl. Zur: Goldziher arab. Philol جـ ١، ص ٢٠) ولكنهم كانوا أيضا أمراء المفاخرة، شأنهم في ذلك شأن الشعراء. ويشترط في الخطيب أن يكون مقتدرا على الإشادة بمفاخر قبيلته ومحامدها في لغة صحيحة، وأن يكون مقتدرًا في الوقت نفسه على تبيان مثالب عدوه، ومن ثم وجب عليه أن يكون لسنًا، يعرف كيف يستخدم البلاغة ليقهر بها عدوه (انظر المفضليات طبعة ليال، ٩١، ص ٢٢ وما بعدها، ٩٦، ص ٩، القطامى، طبعة بارت جـ ١٤، ص ٢٠؛ ابن قيس الرقيات، رودوكاناكس، S.B. Ak. Wien ١٩٠٢؛ ٤٤، ص ١٩؛ الكامل، طبعة رأيت، ٢٠، س ١٥ وما بعده) وتزودنا الأهاجى بصفات الخطيب العيى: كان إذا تكلم يتمطق (١) ويتلفت عن يمين وعن شمال ويتلجلج ويتنحنح ويمس لحيته ويفتل إصبعه، وهذه كلها من علائم الجبن (الحماسة، طبعة فريتاج، ص ٦٥٠ بيت ٥؛ الكامل، طبعة رايت، ص ٢٠، س ٩.٧ وما بعده) ويسلك الخطيب مع الفرسان والأشراف، وهذا يساير

стр. 4647

طبيعته في الجاهلية (القطامى: الكتاب المذكور؛ الجاحظ جـ ١ ص ١٣٤ , س ٨ وما بعده ص ١٧٢ س ١١): والواقع أن لفظ "خطيب" يدل في ذاته على الفارس الشجاع (الجاحظ جـ ١، ص ١٢٩) وكانت علامته إذا برز للناس، القناة والعصا والقوس (المخاصر)، مثله مثل المقسم يحمل شارات كرم محتده يخد وجه الأرض بها (انظر القطامى، قصيدة ٢٧، بيت ٦؛ لبيد: الديوان، طبعة الخالدى، قصيدة ٧، بيت ١٥ [ص ٢٧]، ٩, بيت ٤٥ [ص ٤٥]؛ الجاحظ، جـ ١، ص ١٩٧ وما بعدها، جـ ٣، ص ٣ وما بعدها، ص ٦١ وما بعدها). واحتفظ الخطيب بكثير من سماته القديمة في صدر الإِسلام "فإن الرسول [ ﷺ ] قام. . . خطيبا" بعد فتح مكة (ابن هشام، طبعة فستنفلد ص ٨٢٣، س ٣ من أسفل) وتحدث إلى الناس في احتفال وسلطان, ولكن الخطبة أصبحت الآن مقصورة على حديث يذاع في المسلمين، وليست بعد جزءا من جهاد العدو، كما أن المفاخرة ليست بعد جزءًا من عمل الخطيب. بيد أنها ظلت مع ذلك مسايرة لما كانت عليه في صدر الإِسلام مسايرتها لطبيعة الخطيب العربي، فكان الإمام نفسه هو المتحدث عن الجماعة، لا يقوم في الناس خطيبا ليسمعهم من فوق المنبر الخطب التي تهديهم إلى الصراط المستقيم فحسب، بل كان إلى ذلك يصدر الأوامر والأحكام ويعلن آراءه في شئون السياسة عامة وما يتصل منها بالنفع العام خاصة. وظل الحال على هذا المنوال أيام الراشدين وخلفاء بني أمية (الجاحظ، جـ ١، ص ١٩٠) فكان ولاتهم من الخطباء (انظر اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٣١٨ من أسفل؛ الجاحظ جـ ١، ص ١٧٩ وسط الصحيفة الخ .. ) كما كان عمال النواحى الذين يستعملهم هؤلاء الولاة، إنما يولون على المنبر والصلاة (الطبرى: جـ ٢، ص ٩٢٩. س ١١ وما بعده). ومنافرة العدو واستنهاض الهمم جزء من خطبهم المنبرية بين حين وآخر (الجاحظ، جـ ١، ص ١٦٥) ومن ثم بقى الخطيب مرادفا لـ"الأمير" وإليك ما قاله في هذا المقام شاعر من الخوارج:

стр. 4648

ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب (الجاحظ، جـ ٣، ص ١٣٥) وورث الخطيب الإسلامي عن الخطيب الجاهلي العصا أو القناة يمسكها بيمينه وهو يخطب، مما أثار استهزاء الفرس (الجاحظ، جـ ٣، ص ١٣٥) إلا أن العلاقة الوثيقة بين الخطبة والصلاة أسبغت على الخطيب الإِسلامي مسحة دينية، فلما انتهت فتوح الأجيال الأولى اشتدت غلبة المسحة الدينية. ففي عصر العباسيين، منذ هارون الرشيد، نجد أن الخليفة قد ترك للقضاة أمر الخطبة في الصلاة، واكتفى هو بالإنصات إليها (الجاحظ جـ ١، ص ١٦١) , وإن كان الرأى الشائع من الناحية النظرية أن أئمة المساجد الكبرى إنما يمثلون الخليفة (انظر ابن خلدون: المقدمة، طبعة القاهرة ١٣٢٢ , ص ١٧٣). وكان الفاطميون في مصر لا يزالون يدعون لأنفسهم أحيانا (من وراء ستر) ثلاث مرات في رمضان والعيدين بخاصة (ابن تغرى بردى، طبعة جوينبل جـ ٢، ص ٤٨٢ - ٤٨٦؛ طبعة ببر ص ٢٣١ وما بعدها؛ المقريزى: الخطط، القاهرة ١٣٣٤ جـ ٣، ص ٣٢٢, ٣٢٧, ٣٢٩) ويقف في هذه المناسبة أكابر رجال دولتهم على درجات المنبر (المصدر السابق، ص ٣٢٧، ٢٣٩) على حين نجد أن رئيس الناحية من النواحى يقف عادة على المنبر عند ما يلقى الخطيب خطبته، وهي سنة تشهد بما كان عليه الخطيب في الأصل من علو المنزلة، ولكن المتشددين في الآداب رفضوها بعد ذلك (ابن الحاج: كتاب المدخل القاهرة ١٣٢٠ , جـ ٢، ص ٧٤) وعيّن في كل موضع خطباء مختصون، منهم ثلاثة في القاهرة إبان العصر الفاطمى الأول (انظر المقريزى: الخطط جـ ٣، ص ٣٤٨، س ٦ مساجد عمرو وابن طولون والأزهر، ). والظاهر أن من تناط الخطبة به يكون عادة في رتبة القاضى الشريفة (المصدر السابق. ص ٢٢٤, س ٨ من أعلى الصحيفة) ويلقى خطيب خاص في عيد الغدير الخطبة على منبر ذي تسع درجات في المشهد الحسينى بالقاهرة؛ والإمامة في الصلاة لقاضى القضاة، ويعطى الخطيب في هذه المناسبة حلة حرير

стр. 4649

يخطب فيها وثلاثون أو خمسون دينارا (المقريزى الخطط، جـ ٢، ص ٢٢٤ وما بعدها) كما تخلع على الخطيب الخلع السنية في مناسبات أخرى (المصدر السابق، جـ ٢. ص ٣٨٧) والعادة أن يكون الخطيب هو الإمام في صلاة الجمعة التي يقوم بالخطبة فيها. ويذهب أبو حنيفة ومالك إلى إيجاب الإمامة على الخطيب إلا من عذر. ويتولى الإمامة في الصلوات الخمس عادة أئمة آخرون؛ (الماوردي: الأحكام السلطانية، طبعة إنجر، ص ١٨١ , س ٣ من أسفل) ويرى الشافعي ومالك أن صلاة الجمعة والخطبة، إنما تصحان في موضع واحد من كل بلد، إلا إذا اتسعت رقعتها واستحال ذلك على الناس، ولم يشترط أبو حنيفة هذا الشرط، ومن ثم كانت الخطبة تلقى في القاهرة -مثلا- بعد نهاية العصر الفاطمى في الجامع الحاكمى وحده، لأن صلاح الدين قلد قاضيا للقضاة من الشافعية، وجاء بيبرس فغير هذه السنة عندما قلد قاضيا للقضاة من الحنفية (المقريزى: الخطط جـ ٤، ص ٥٣) ويرى أبو حنيفة أن الجمعة تختص بالأمصار بحضور السلطان أو من يستنيبه فيها. والمذاهب الأخرى في هذه المسألة أقل تشددًا وإن كان الإِمام الخطيب في الجمعة، من الناحية النظرية، نائبا عن الإمام الأعظم في قول المذاهب الأخرى. وربما انتخب أكثر من إمام عند الضرورة مع تحديد وظائفهم بالضبط. ويذهب الماوردي (ص ١٧٢) إلى أن السلطان هو الذي ينتدب أئمة المساجد السلطانية تمشيا مع القول بتمثيلهم إياه. ولكن القلقشندى (صبح الأعشى القاهرة جـ ٤، ص ٣٩) يروى أنه كان لكل مسجد في أيام المماليك خطيب ولا يتعلق منها بولاية السلطان إلا المساجد الكبرى. وكان منصب الخطيب في المساجد الهامة ممتازًا, حتى إننا نجد أن عبد الظاهر يذكر أن قاضى قضاة الشافعية كان هو الخطيب في مسجد القلعة الكبير بالقاهرة (انظر p. Ravaisse: زبدة كشف الممالك، ١٨٩٤ ص ٩٢) كما محمد شرفًا عظيما يتنافس عليه عندما اختار صلاح الدين القاضى

стр. 4650

محيى الدين أبا المعالى ليكون الخطيب الأول للمسجد الأقصى بعد فتحه بيت المقدس (شهاب الدين: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، القاهرة ١٢٨٨ , جـ ٢، ص ١٠٨ وما بعدها) وكتاب توليته أيام المماليك شاهد آخر على علو منزلة الخطيب القلقشندى: المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٢٢٢ - ٢٢٥؛ العمرى: كتاب التعريف بالمصطلح الشريف، القاهرة ١٣١٢ ص ١٢٦ وما بعدها) فقد كان المرجع الطبيعى الذي يتلقى الكافر ويسمع منه النطق بالإِسلام (ابن الحاج: كتاب المدخل، ص ٨٦) ويمس الناس رداءه للتبرك إلخ (١) .. (الشعرانى: كتاب الميزان, جـ ١، ١٦٩) ويستحسن الماوردى (ص ١٨٥) لبس السواد للخطيب. أما الغزالي فيرى البياض، ويذهب إلى أن الأول بدعة (إحياء.، القاهرة ١٣٢٢ , ص ١٣١ , س ١٠ وما بعده) وشارته "العودان" أي المنبر والعصا أو السيف الخشبى يقبض عليهما بيده عند الخطبة، كما تذهب إلى ذلك كتب الفقه. وفي قانون ١٩١١ م الخاص بالأزهر، المادة ٥٩، أن كل من ينجح في القسم الثاني من الأقسام الثلاثة للمعهد يمكنه أن يصبح خطيبا (٢) وبينما نجد للأزهر نفسه خطيبًا واحدا (الزياتى: تأريخ الأزهر، القاهرة, ١٣٢٠ , ص ٢٠٧) إذ نجد أنه كان في مسجد الرسول [ ﷺ ] بالمدينة عام ١٩٠٩ م ٤٦ خطيبا وفي مكة ١٢٢ خطيبا غير نوابهم؛ ووقفت عليهم بعض الأوقاف. والخطبة [في مكة] وراثية غالبا (البتنونى: الرحلة الحجازية، الطبعة الثانية، القاهرة ١٣٢٩ , ص ١٠١ , ٢٤٢). ويقوم الواعظ إلى جانب الخطيب الرسمى بوعظ الناس متى شاء (انظر Die Renaissance des Isls' ams: A.Mez، ١٩٢٢ ص ٣١٨ وما بعدها). المصادر: (١) Der Chatib bei den al-: Goldziher ten Arabern. W.Z.K.M .. ، ١٨٩٢, جـ ٦ ص ٩٧ - ١٠٢.

стр. 4651

(٢) Islam und: Snuck. Hurgronje Tijdschr. Bat. Gen) Phonograph ١٩٠٠ جـ ٦٢، ص ٤٠١ - ٤٠٤ = Verpreide Geschriften , ١٩٢٣ جـ ٢ ص ٤٢٦ وما بعدها). (٣) Die Kanzel im Kul-: C.H. Becker -tus des alten Islam. Noldeke Festschrift جـ ١، ص ٣٣١ - ٣٥١ Islamisc = hen ١٩٢٤ جـ ١، ص ٤٥٠ - ٤٧١. (٤) المؤلف نفسه: Zur Gesch.d. is lamischen . في. Isl ١٩١٢ جـ ٣ ص ٣٧٤ - ٣٩٩ Islamstudien = , جـ ١ ص ٤٧٢ - ٥٠٠. (٥) Handbuch des: T. W. Juynboll islamischen Gesetzes ١٩١٠, ص ٨٧ - ٨٩. (٦) Manners and Cus-: E.W. Lane Euery) toms of the Modern Egyptians (Man's Library (ص ٨٤. (٧) كتب الفقه في صلاة الجمعة. (٨) الشعراني: كتاب الميزان, القاهرة ١٣٢٩ , جـ ١ ص ١٦٤ - ١٧١. (٩) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة ١٣٢١ , جـ ٢، ص ١٢٨ وما بعدها. ومراجع قليلة استقيت من lexicographical collections A. Fischer's يونس [بيدرسن Johs. Pedersen] الخطيب البغدادى أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادى. ولد في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة عام ٣٩٢ (١٠٠٢ م) في درذجان وهي قرية كبيرة على الضفة الغربية لدجلة أسفل بغداد. وبدأ دراساته مبكرًا جدًا لأنه كان ابن أحد الخطباء، وقضى شبابه في الرحلة طلبًا للحديث. فزار البصرة ونيسابور وإصفهان وهمدان ودمشق. واستقر به النوى في بغداد وشغل فيها منصب الخطيب ومن ثم لقب بالخطيب البغدادى وهو اللقب الذي عرف به من بعد. وقد أكسبته درايته الواسعة بالحديث شهرة فائقة ومكانة علمية كبيرة في مستقره الجديد. ويقول أحد كتاب سيرته أن الخطباء وفقهاء الحديث جروا على أن يعرضوا عليه ما جمعوه من أحاديث ليحكم عليها بثاقب رأيه قبل أن يضمنوها خطبهم

стр. 4652

ودروسهم. على أن الخطيب البغدادى كان فيما يظهر يعاني من عداء الحنابلة له، وكان عددهم في بغداد كثيرًا إذ ذاك ونفوذهم قويًّا. وقد اعتنق الخطيب مذهب الشافعية بعد أن كان في أول أمره من الحنابلة، ودان بآراء في الدين متشددة في أشعريتها فجر عليه ذلك سخط أتباع الإِمام أحمد الذين كانوا يناهضون جميع الآراء الفقهية الجريئة ونجح الخطيب بالرغم من معارضة الحنابلة في إملاء دروس في الحديث بجامع المنصور بفضل الحماية التي أظله بها الخليفة القائم والوزير ابن المسلمة. والظاهر أن الخطيب قد انطوت نفسه على الحقد المرير مما لاقاه من عداوة الحنابلة فكان لا يدع فرصة تمر دون أن يعرض بأحمد بن حنبل وأتباعه في دروسه وكتاباته تعريضًا لاذعًا بل كان يهاجمهم صراحة. ومن ثم اتهمته الأجيال المتأخرة بالتعصب، ووجدت طائفة من الكتب الجدلية تنال منه (انظر حاجى خليفة، جـ ٣، ص ٦٣٢). وفر الخطيب إلى دمشق عندما أدت فتنة البساسيرى الناجحة إلى القضاء على ابن المسلمة، وهناك قبض عليه الوالي الفاطمى، ولم ينج من الموت إلا بشق الأنفس، ذلك أنه فر إلى صور ثم إلى حلب. وعاد إلى بغداد بعد أن عاد السلاجقة النظام إلى هذه المدينة. وتوفي الخطيب "حافظ الشرق" فيها بعد ذلك بعام، أي في يوم الإثنين السابع من ذي الحجة عام ٤٦٣ (١٠٧١ م) في السنة التي مات فيها ابن عبد البر "حافظ الغرب". ودفن الخطيب في حضرة جمع كبير من القوم إلى جانب مقبرة بشر الحافي الطيب الذكر. وللخطيب البغدادى مؤلفات كثيرة يقول كتاب سيرته إنها بلغت نحو مائة رسالة. وأشهرها كتاب تاريخ بغداد، وهو سجل للمحدثين الذين عاشوا في بغداد ولهذا الكتاب مقدمة في الجغرافية والتاريخ تسبق ترجمته لهؤلاء المحدثين. وقد اختصرها سالمون G.Salmon وترجم جزءا منها إلى الفرنسية ونشره. وقد استغل هذا الجزء Le Strange في بحثه A Greek Em ٩١٧ bassy to Bagdad in (المنشور بالمجلة الأسيوية عام ١٨٩٧ , ص ٣٥ - ٤٥) , وفي طبعه لنص الكتاب .. ونذكر أيضًا

стр. 4653

من تواليفه "الكفاية في معرفة أصول علم الرواية" و"تقييد العلم" ويرجع عن هذا الكتاب إلى البحث التحليلى الذي نشره Ahlwardt في Verzeichniss der arab Handschriften der Koing . Bibliothek Zu Berlin جـ ٢، ص ١٠٣٩ , ١٠٣٥ وهناك ثبت بمؤلفات ابن الخطيب الأخرى ذكره سالمون (ص ٨ - ١٠) نقلا عن كتاب "مرآة الزمان" لابن الجوزى. ويمكن الإفادة من هذا الثبت بعد إدخال التصحيحات الآتية عليه: رقم ٢: الجامع لأخلاق الراوى والسامع (بدلا من "لأخلاف")؛ رقم ٤: المتفق والمفترق (بدلا من و"المعترف")؛ رقم ١٠: الفقيه والمتفقه (بدلا من و"المتفقهة")؛ رقم ٢٠: من حدث فَنَسىَ (بدلا من فَنَسَى)؛ رقم ٢٦: التفصيل لمبهم المراسيم (بدلا من "التفضيل" وهو كتاب في الحديث المرسل)؛ رقم ٣٢؛ الإجازة للمعدوم والمجهول (بدلا من "الإجادة وهو كتاب في إجازة الشخص غير المسمى أو الذي لم يولد بعد)؛ رقم ٣٣: البخلاء (بدلا من "البخلا" انظر Supplement to the Catalogue of.: Rieu Arab. Mss. in the British Museum No ١١٣٢) والأسماء المتواطئة (وهي نقيض الأسماء المشككة في المنطق) رقم ٤١: الموضح، والقنوت، وهما كتابان منفصلان (بدلا من "الموضح والقنوت" على اعتبار أنهما كتاب واحد). المصادر: (١) G.A.L: Brockelmann جـ ١، ص ٣٢٩. (٢) L'introduction to-: Salmon pographique a L'histoire de Bagdadh d'Abou Bakr Ahmad ibn Thabit al Khatib al - Bagdadhi باريس ١٩٠٤. (٣) Muh Studien: Goldziher، جـ ٢ ص ١٥٤، ١٨٣, ١٨٤. (٤) وذكر ابن خلكان سيرة الخطيب في كتابه رقم ٣٣. (٥) طبقات الحفاظ جـ ١٤، ص ١٤. (٦) وهناك أخبار مفصلة عنه في كتاب مرآة الزمان لابن الجرزى (مخطوط في باريس، ١٥٠٦، ص ١٣١، ١٣٢). الشنتناوى [مارسيه W.Marcais]

стр. 4654

خفاجة بطن من قبيلة هوازن عقيل، وقد احتفظ هؤلاء البدو بقوتهم مدة أطول من معظم القبائل الأخرى التي استوطنت الجزيرة العربية في فجر الإِسلام. ويربط النسابة بينهم وبين العشائر التي تتصل بهم بصلة الرحم فيقولون: خفاجة بن عمرو بن عقيل. وتنقسم خفاجة إلى أحد عشر فرعا: معاوية ذو القرح، وكعب ذو النويرة، والأقرع، وكعب الأصغر، وعامر، ومالك، والهيثم، والوازع، وعمرو، وحزن، وخالد. وكانت منازلهم في الجاهلية إلى الجنوب الشرقى من المدينة. وكان لهم عدد من القرى يذكر من بينها سرولبن وشرائن. ونحن نجدهم بعد ذلك بقرن قد أوغلوا أكثر من ذلك ناحية الشرق في قتالهم مع قبيلة حنيفة باليمامة (الأغاني، جـ ٧، ص ١٢٢). ولعل فتنة القرامطة باليمامة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري قد زحزحتهم إلى الشمال صوب حدود العراق، ذلك أننا نجدهم قد مكنوا لأنفسهم هناك حوالي نهاية القرن الرابع، وأصبحوا سادة الكوفة في ظل أميرهم ثمال وأبنائه. وربما كانوا في بادئ الأمر أحلافا لبنى عمومتهم بني يزيد (بضم الياء وليس بوزيد كما ذكر فستنفلد في كتابه Tabellen أو يزيد بفتح الياء كما في روايات أخرى) الذين استتب لهم حكم الموصل والبقاع المجاورة لها. وكانوا في الواقع إلى معارضتهم أقرب منهم إلى مصافاتهم، ففي عام ٣٩١ هـ (١٠٠٠ م) باغتهم قرواش في الكوفة فاضطروا إلى مغادرتها والسير في محاذاة الفرات صوب الشام، ولم يمكثوا فيها إلا إلى العام التالي فحسب، فقد استنجد بهم القائد العباسى أبو جعفر الحجاج لشد أزره عندما حاصر العقيليون المدائن، وقد أدى بهم ذلك إلى العودة إلى ربوعهم القديمة. والظاهر أن حكومة بغداد قد زودتهم بالأسلحة فاستغلوها بعد ذلك بسنوات قلائل، أي عام ٤٠٢ هـ (١٠١١ م) في مهاجمة قافلة من قوافل الحجيج. وقد استولوا على آبار المياه عند واقسة إلى الجنوب الغربي من الكوفة على مسافة قصيرة في داخل الصحراء، ومنعوا الحجاج من

стр. 4655

ورود هذه الآبار، ثم انقضوا عليهم وأعملوا فيهم القتل وأسروا من نجا منهم من الموت. وقد شجعهم ذلك على المطالبة بالأراضي التي إلى اليمين من نهر الفرات، وكانت في أيدى العقيليين، وساروا تحت زعامة سلطان وعلوان ورجب أبناء ثمال نحو الأنبار مخربين كافة البقاع المجاورة لها ثم حاصروا المدينة. وأنفذت بغداد جيشا لمحاربتهم، وتمكن هذا الجيش بمعاونة العقيليين من إجلائهم عن البلاد وأسر سلطان، ثم استشفع له أبو الحسن بن مزيد الأسدى فأطلق سراحه. وما إن تخلص من الأسر حتى وصلت الأخبار في العام التالي (٤٠٣) إلى بغداد منبئة بأن بني خفاجة ينهبون البلاد المحيطة بالكوفة تحت زعامة سلطان. فأنفذ جيش لقتالهم بمعاونة أبي الحسن بن مزيد وباغتهم هذا الجيش عند نهر الرمان ففر سلطان ولكن أخاه محمدا وقع في الأسر، وكان من آثار هذه الهزيمة أن أطلق سراح عدد كبير من الحجاج الذين كانوا قد أسروا في عام ٤٠٣، ثم رجع هؤلاء الحجاج إلى بغداد، وكان الظن أنهم لاقوا حتفهم. وقد حدث في ذلك الوقت أن أسر الأمير قرواش العقيلي ثم أطلق سراحه، فأخذ يسعى إلى التحالف مع خفاجة، وحاول أن ينضم إلى سلطان بن ثمال فلما تم له ذلك هاجمهما الجنود الذين أنفذوا من بغداد واستأصلوا شأفتهما، ثم طلب الأميران العفو، والعجيب أنهما أجيبا إلى طلبهما عن طيب خاطر، فأدى ذلك إلى استتباب السلام بعض الشئ سنوات قلائل، ولكن دبيس بن علي بن مزيد الأسدى، وأبا الفتيان منيع بن حسان الذي كان في ذلك الوقت زعيم خفاجة، شنا في عام ٤١٧ هـ (١٠٢٦ م) غارة سلب ونهب على البلاد التي كانت في حوزة قرواش في السواد، يشد أزرهما جند من بغداد. والتقيا وفر قرواش بالقرب من الكوفة، وكان قد أقام نفسه سيدا عليها، وقرواش ناحية الشمال فتعقبته قبيلتا أسد وخفاجة المتحالفتان، وكانتا قد استولتا على الأنبار فعلا, ولكنهما تفرقتا بعد هذا النجاح إلى الأحياء التي يطيب فيها المرعى، ثم خرج منيع بن حسان هو وأتباعه إلى الجامعين، وهو موضع بين بغداد والكوفة كان في حوزة دبيس بن

стр. 4656

صدقة بن مزيد، وأعملوا السلب والنهب في البلاد التي حوله. فلما طاردهم دبيس عادوا إلى الشمال وهاجموا الأنبار. وقد دافع أهلها عن أنفسهم مدة من الزمن، ولكن خفاجة تمكنت من دخول المدينة لأنه لم تكن تحيط بها أسوار تحميها، وأعملوا فيها السلب والتحريق. وغادر بنو خفاجة المدينة عندما بلغهم أن قرواش قادم لإخراجهم منها يعاونه جند من بغداد، ولكنهم سرعان ما عادوا ونهبوها مرة أخرى، وتمكن قرواش من طردهم آخر الأمر من المدينة وأمضى فيها فصل الشتاء، وأمر ببناء أسوار تحميها مما قد يقع عليها من هجمات مباغتة. وفي ذلك الوقت أقسم منيع يمين الولاء لأبي كاليجار الوالى البويهي ثم سار ناحية الجنوب إلى الكوفة وجعل الخطبة فيها لأبي كاليجار فكافأه بولاية سقى الفرات ومن ثم خرج دبيس عن ولائه لأبي كاليجار عام ٤٢٠ خوفا من غارات خفاجة. وكانت خفاجة في السنوات التالية تنحاز حينا إلى فريق وحينا إلى آخر، فلما تشاجر دبيس مع أخيه ثابت انحازت إلى دبيس سنة ٤٢٥ هـ (١٠٣٣ م). على أن النزاع نشب أيضًا بين زعماء خفاجة وقتل فيه علي بن ثمال، فأصبح ابن عمه الحسن بن أبي البركات زعيما لهذه القبيلة. وانتقض الحاجب بارس طغان في بغداد عام ٤٢٨ هـ (١٠٣٦ م) فاستعان البساسيرى قائد جند الخليفة بقبيلة خفاجة فيما استعان به من قبائل للقضاء على هذه الفتنة التي انتهت بقتل بارس طغان. وانقطعت عنا أخبار خفاجة بضع سنوات فلم نسمع عنهم الكثير، ولكنهم أغاروا مرة أخرى على الجامعين عام ٤٤٦ هـ (١٠٥٤ م) ونهبوها، وكانت متابعة لدبيس، فهب البساسيرى لمساعدته فارتد بنو خفاجة إلى الصحراء وتعقبهم المتعقبون إلى معقلهم خفان وحاصروه ودمروه تدميرا ماعدا القلعة، وكانت بناء حصينا مشيدًا بالحجر. وانقض البساسيرى على الخليفة في العام نفسه واستولى على الأنبار بعد حصار طويل، وكان من بين الأسرى الذين وقعوا في يده مائة رجل من قبيلة خفاجة. وأعقب ذلك فترة

стр. 4657

ساد السلام فيها إلى حد ما, ولكن حدث في عام ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م) أن هاجمت قبيلة خفاجة حجاجا من بغداد بعد أن جاوزوا مدينة الكوفة. وبلغت الأخبار بغداد فأنفذت إليهم جندًا قتلوا منهم خلقا كثيرا، فذهب عنهم بأسهم وأصبحوا من بعد أعجز من أن يصيبوا أحدا بأذى كبير، ثم انقضت سنوات قلائل ونشب نزاع بين خفاجة وقبيلة عبادة الطيئية عام ٤٩٩ هـ (١١٠٥ م) على بعض الإبل المسروقة، واستطاعت عبادة أن تجند خمسمائة محارب، أما خفاجة فلم يستطيعوا أن يحشدوا مثل هذا العد ولكنهم استعانوا بصدقة بن منصور زعيم أسد فخرجوا من القتال منتصرين. ولم يطل أمد هذا الانتصار فقد استأصلت عبادة، يشد أزرها بدران ولد صدقة، شأفة بني خفاجة الذين اضطروا إلى ترك مراعيهم وهاموا على وجوههم شمالا صوب الشام. على حين احتلت عبادة فيما بعد البلاد المجاورة للسواد. ثم نسمع ببنى خفاجة ثانية عام ٥٣٦ هـ، ذلك أنهم أغاروا على العراق، ولكن الجنود الذين أنفذوا لقتالهم استطاعوا إجلاءهم في يسر بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة. ونستدل على مدى الضعف الذي أصاب بني خفاجة من أنهم قد اجتمعوا في عام ٥٥٦ هـ (١١٦١ م) في أرباض الحلة والكوفة سائلين إسعافهم بالطعام والتمر. والظاهر أنهم كانوا قد وعدوا بذلك، غير أن والى هاتين المدينتين رفضا إجابة سؤلهم وأنفذ قيصر وإلى الحلة مائتين وخمسين جنديا لطردهم كما أنفذ إليهم وإلى الكوفة مثل هذا العدد. واقتفى الجند أثر بني خفاجة الذين ركنوا إلى الفرار على طول نهر الفرات حتى رحبة الشام حيث توقفوا، ولم يستطيعوا الإمعان في الإرتداد، ونشب قتال بين الفريقين قتل فيه والي الحلة في حين احتمى أرغش والي الكوفة بوالى رحبة. فالتمس بنو خفاجة العفو معتذرين بأنهم أرغموا على القتال إرغامًا، فقد شدد عليهم النكير فلم يجدوا عن القتال بدا. وقد صادف اعتذارهم آذانا صاغية لأن الوزير ابن هبيرة الذي كان قد خرج لقتالهم رأى أنه من الحماقة أن يتعقبهم في جوف الصحراء. وكان عام ٥٨٨ هـ (١١٩٢ م)

стр. 4658

هو آخر سنة نسمع فيها شيئًا عن أخبار بني خفاجة، ذلك أنهم هبوا في هذه السنة لنجدة مدينة البصرة عندما كانت تهددها قبيلة عامر. ونحن نجدهم فيما عدا ذلك من الروايات التي رويت عنهم من بين القبائل العربية التي استعين بها أثناء حصار طبرية عام ٥٠٧ هـ (١١١٣ م) عندما احتمى بلدوين بهذه المدينة بعد خيبته في الغارة على حلب. ويقول القلقشندى أن بطنًا من بطون هذه القبيلة استقر في مصر السفلى. ومن شعراء خفاجة القدماء توبة بن الحُمَيِّر الذي اشتهر بحبه لليلى الأخيلية وبالمراثى التي رثته بها عند مقتله في غزوة من الغزوات. المصادر: (١) النويرى: نهاية الأرب، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٢ , جـ ٢، ص ٣٤٠. (٢) القلقشندى: بغداد سنة ١٣٢٢ , ص ٢٠٧. (٣) Tabelien and Reg-: Wustenfeld ister . (٤) ابن الأثير: الكامل، في مواضع مختلفة. (٥) هلال الصابى، طبعة Amedroz, ليدن سنة ١٩٠٤، في مواضع مختلفة. (٦) ابن خلدون، العبر، طبعة القاهرة، وخاصة الجزء الرابع وانظر أيضًا جميع مؤرخى القرن الخامس الهجري. الشنتناوى [كرنكوف F. Krenkow] الخفاجي أحمد بن محمَّد بن عمر الخفاجي، المعروف بشهاب الدين المصري الحنفي: ولد بالقرب من القاهرة حوالي عام ٩٧٩ هـ (١٥٧١ م) وتلقى أول دروسه على خاله أبي بكر الشنوانى الذي لقب نفسه بسيبويه عصره، وأخذ عليه الفقه الحنفي والفقه الشافعي. وقرأ سيرة النبي [ ﷺ ] الموسومة بـ"الشفاء" للقاضى عياض على إبراهيم العلقمى كما درس الطب على داود البصير. ثم أدى فريضة الحج في صحبة والده، وانتهز هذه الفرصة وحضر على علماء مكة والمدينة. وبعد عودته من الحج

стр. 4659

خرج في رحلته الأولى إلى الآستانة فلقى فيها عدة علماء من ذوى الفضل ذكر منهم ابن عبد الغنى ومصطفى بن عربي والرِّبى داود اليهودي الذي درس عليه الرياضيات وكتب إقليدس. أما أستاذه الأول فكان سعد الدين بن حسن، فلما مات وتوفي من بعده شيوخه الآخرون، خلت الآستانة من العلماء. وعرف فضل الخفاجى في ذلك الوقت، فعين قاضيًا للرومللى، ثم ترقى فأصبح قاضى أسكوب في عهد السلطان مراد، ثم عينه هذا السلطان آخر الأمر قاضيًا لسالونيك. وقد درت عليه هذه المناصب الثراء الوفير، ثم بعث في النهاية قاضى عسكر لمصر. على أنه لم يتول هذا المنصب مدة طويلة إذ صرف عنه نتيجة للدسائس التي حيكت له في الآستانة، فعقد عزمه على زيارة هذه المدينة مرة أخرى ومر في رحلته بدمشق وحلب، واحتفى به العلماء في هاتين المدينتين. ولم تتحقق آمال الخفاجى من رحلته إلى الآستانة فنفس عن موجدته بتلك الفورة الأدبية التي أثمرت مؤلفه المعروف باسم "المقامات الرومية". ولم يعمد الخفاجى إلى تيسير الطريق في وجهه بل جر على نفسه حنق المفتى يحيى بن زكريا فأمر بمغادرة الآستانة من فوره. وعين من بعد قاضيًا من قضاة القاهرة اعترافا بعلمه، والظاهر أنه قد كرس بقية عمره للدرس والتأليف. وتوفي الخفاجى بالقاهرة في يوم الثلاثاء الموافق ١٢ رمضان عام ١٠٦٩ (٣ يونية ١٦٥٩). وقد أحصى الخفاجى معظم مؤلفاته في سيرته التي كتبها بنفسه، وكثير منها كبير الحجم، ويذكر الخفاجى نفسه أن كثيرا من رسائله لم تجمع قط في كتاب. وأكبر مؤلفاته شرح على تفسير البيضاوى عنوانه "عناية القاضى" وقد طبع هذا الشرح بالقاهرة في أربعة مجلدات كبار. ونهج في هذا الشرح المنهج الشاق الذي يقوم على تفسير كل كلمة تقريبًا. وقد أورد روايات عدد كبير من المؤلفين الآخرين الذين تناولوا نفس الموضوع عند عرض الأحاديث والتفاسير. واتبع هذا المنهج أيضًا في وضع مؤلفه الكبير الثاني، وهو شرح على "الشفاء" للقاضى عياض، الذي درسه على إبراهيم العلقمى كما ذكرنا من قبل. وقد سماه "نسيم الرياض"

стр. 4660

واستشهد في هذا الشرح بكل ما أمكنه الحصول عليه من سير النبي [ ﷺ ] مع ذكر الأسانيد المختلفة للأحاديث نفسها. ولم يأت الخفاجى بشيء مبتكر في هذه المؤلفات، لأن الموضوع لم يكن يستدعى الإتيان فيه بجديد. وكل ما يمكن أن يطلب من المؤلف هو أن يجمع من الكتب التي تيسرت له كل التفاصيل الخاصة بموضوعه. وقد طبع هذا الكتاب أيضًا في الآستانة عام ١٢٦٧ هـ في أربعة مجلدات. وللخفاجى كتابان آخران من كتب السير يختلفان اختلافا تامًا عن المصنفين السابقين، وهما "خبايا الزوايا فيما في الرجال من البقايا" والثاني "ريحانة الألبا ونزهة الحياة الدنيا" (١) ويوحى اسما هذين الكتابين بالأسلوب الذي كتبا به ويتجلى فيهما الأثر السئ الذي كان لكتاب "اليتيمة" للثعالبى "والخريدة" لعماد الدين في نفس المؤلف. والحق أن هذين الكتابين لا نجد فيهما سيرًا وإنما هما قد ملئا بالحشو ولغو القول وخليا من المعلومات القيمة بحيث لا نستطيع أن نستخلص منهما في كثير من الحالات إلا أن الأشخاص المترجم لهم قد عاصروا الخفاجى أو عاشوا قبله بزمن قليل. على أن ترجمته للأعيان بحسب البلاد تزودنا بمعلومات عن البلاد التي عاشوا فيها. أما قيمة الكتابين من حيث التفاصيل الخاصة بحياة المترجم لهم فمعدومة. على أنهما يمداننا بمجموعة طيبة من الأشعار تعيننا على الحكم على مدى انحطاط فن الشعر في ذلك العهد والكتاب الأول لا يزال مخطوطا. أما كتاب الريحانة فقد طبع في القاهرة ثلاث مرات (١٢٧٣ , ١٢٩٤ , ١٣٠٦) مما يدل على أن لهذا الكتاب قيمة خاصة في مصر. وأهم قسم فيه هو سيرة الخفاجي التي كتبه بنفسه وأغفل فيها ذكر تاريخ مولده والبلد الذي خرج منه. ثم المقامات الرومية التي هاجم فيها علماء الآستانة. وقد
следующие страницы →