صدقة بن مزيد، وأعملوا السلب والنهب في البلاد التي حوله. فلما طاردهم دبيس عادوا إلى الشمال وهاجموا الأنبار. وقد دافع أهلها عن أنفسهم مدة من الزمن، ولكن خفاجة تمكنت من دخول المدينة لأنه لم تكن تحيط بها أسوار تحميها، وأعملوا فيها السلب والتحريق. وغادر بنو خفاجة المدينة عندما بلغهم أن قرواش قادم لإخراجهم منها يعاونه جند من بغداد، ولكنهم سرعان ما عادوا ونهبوها مرة أخرى، وتمكن قرواش من طردهم آخر الأمر من المدينة وأمضى فيها فصل الشتاء، وأمر ببناء أسوار تحميها مما قد يقع عليها من هجمات مباغتة. وفي ذلك الوقت أقسم منيع يمين الولاء لأبي كاليجار الوالى البويهي ثم سار ناحية الجنوب إلى الكوفة وجعل الخطبة فيها لأبي كاليجار فكافأه بولاية سقى الفرات ومن ثم خرج دبيس عن ولائه لأبي كاليجار عام ٤٢٠ خوفا من غارات خفاجة.
وكانت خفاجة في السنوات التالية تنحاز حينا إلى فريق وحينا إلى آخر، فلما تشاجر دبيس مع أخيه ثابت انحازت إلى دبيس سنة ٤٢٥ هـ (١٠٣٣ م). على أن النزاع نشب أيضًا بين زعماء خفاجة وقتل فيه علي بن ثمال، فأصبح ابن عمه الحسن بن أبي البركات زعيما لهذه القبيلة. وانتقض الحاجب بارس طغان في بغداد عام ٤٢٨ هـ (١٠٣٦ م) فاستعان البساسيرى قائد جند الخليفة بقبيلة خفاجة فيما استعان به من قبائل للقضاء على هذه الفتنة التي انتهت بقتل بارس طغان. وانقطعت عنا أخبار خفاجة بضع سنوات فلم نسمع عنهم الكثير، ولكنهم أغاروا مرة أخرى على الجامعين عام ٤٤٦ هـ (١٠٥٤ م) ونهبوها، وكانت متابعة لدبيس، فهب البساسيرى لمساعدته فارتد بنو خفاجة إلى الصحراء وتعقبهم المتعقبون إلى معقلهم خفان وحاصروه ودمروه تدميرا ماعدا القلعة، وكانت بناء حصينا مشيدًا بالحجر. وانقض البساسيرى على الخليفة في العام نفسه واستولى على الأنبار بعد حصار طويل، وكان من بين الأسرى الذين وقعوا في يده مائة رجل من قبيلة خفاجة. وأعقب ذلك فترة
стр. 4657
ساد السلام فيها إلى حد ما, ولكن حدث في عام ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م) أن هاجمت قبيلة خفاجة حجاجا من بغداد بعد أن جاوزوا مدينة الكوفة. وبلغت الأخبار بغداد فأنفذت إليهم جندًا قتلوا منهم خلقا كثيرا، فذهب عنهم بأسهم وأصبحوا من بعد أعجز من أن يصيبوا أحدا بأذى كبير، ثم انقضت سنوات قلائل ونشب نزاع بين خفاجة وقبيلة عبادة الطيئية عام ٤٩٩ هـ (١١٠٥ م) على بعض الإبل المسروقة، واستطاعت عبادة أن تجند خمسمائة محارب، أما خفاجة فلم يستطيعوا أن يحشدوا مثل هذا العد ولكنهم استعانوا بصدقة بن منصور زعيم أسد فخرجوا من القتال منتصرين. ولم يطل أمد هذا الانتصار فقد استأصلت عبادة، يشد أزرها بدران ولد صدقة، شأفة بني خفاجة الذين اضطروا إلى ترك مراعيهم وهاموا على وجوههم شمالا صوب الشام. على حين احتلت عبادة فيما بعد البلاد المجاورة للسواد. ثم نسمع ببنى خفاجة ثانية عام ٥٣٦ هـ، ذلك أنهم أغاروا على العراق، ولكن الجنود الذين أنفذوا لقتالهم استطاعوا إجلاءهم في يسر بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة. ونستدل على مدى الضعف الذي أصاب بني خفاجة من أنهم قد اجتمعوا في عام ٥٥٦ هـ (١١٦١ م) في أرباض الحلة والكوفة سائلين إسعافهم بالطعام والتمر. والظاهر أنهم كانوا قد وعدوا بذلك، غير أن والى هاتين المدينتين رفضا إجابة سؤلهم وأنفذ قيصر وإلى الحلة مائتين وخمسين جنديا لطردهم كما أنفذ إليهم وإلى الكوفة مثل هذا العدد. واقتفى الجند أثر بني خفاجة الذين ركنوا إلى الفرار على طول نهر الفرات حتى رحبة الشام حيث توقفوا، ولم يستطيعوا الإمعان في الإرتداد، ونشب قتال بين الفريقين قتل فيه والي الحلة في حين احتمى أرغش والي الكوفة بوالى رحبة. فالتمس بنو خفاجة العفو معتذرين بأنهم أرغموا على القتال إرغامًا، فقد شدد عليهم النكير فلم يجدوا عن القتال بدا. وقد صادف اعتذارهم آذانا صاغية لأن الوزير ابن هبيرة الذي كان قد خرج لقتالهم رأى أنه من الحماقة أن يتعقبهم في جوف الصحراء. وكان عام ٥٨٨ هـ (١١٩٢ م)
стр. 4658
هو آخر سنة نسمع فيها شيئًا عن أخبار بني خفاجة، ذلك أنهم هبوا في هذه السنة لنجدة مدينة البصرة عندما كانت تهددها قبيلة عامر.
ونحن نجدهم فيما عدا ذلك من الروايات التي رويت عنهم من بين القبائل العربية التي استعين بها أثناء حصار طبرية عام ٥٠٧ هـ (١١١٣ م) عندما احتمى بلدوين بهذه المدينة بعد خيبته في الغارة على حلب.
ويقول القلقشندى أن بطنًا من بطون هذه القبيلة استقر في مصر السفلى. ومن شعراء خفاجة القدماء توبة بن الحُمَيِّر الذي اشتهر بحبه لليلى الأخيلية وبالمراثى التي رثته بها عند مقتله في غزوة من الغزوات.
المصادر:
(١) النويرى: نهاية الأرب، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٢ , جـ ٢، ص ٣٤٠.
(٢) القلقشندى: بغداد سنة ١٣٢٢ , ص ٢٠٧.
(٣) Tabelien and Reg-: Wustenfeld ister .
(٤) ابن الأثير: الكامل، في مواضع مختلفة.
(٥) هلال الصابى، طبعة Amedroz, ليدن سنة ١٩٠٤، في مواضع مختلفة.
(٦) ابن خلدون، العبر، طبعة القاهرة، وخاصة الجزء الرابع وانظر أيضًا جميع مؤرخى القرن الخامس الهجري.
الشنتناوى [كرنكوف F. Krenkow]
الخفاجي
أحمد بن محمَّد بن عمر الخفاجي، المعروف بشهاب الدين المصري الحنفي: ولد بالقرب من القاهرة حوالي عام ٩٧٩ هـ (١٥٧١ م) وتلقى أول دروسه على خاله أبي بكر الشنوانى الذي لقب نفسه بسيبويه عصره، وأخذ عليه الفقه الحنفي والفقه الشافعي. وقرأ سيرة النبي [ ﷺ ] الموسومة بـ"الشفاء" للقاضى عياض على إبراهيم العلقمى كما درس الطب على داود البصير. ثم أدى فريضة الحج في صحبة والده، وانتهز هذه الفرصة وحضر على علماء مكة والمدينة. وبعد عودته من الحج
стр. 4659
خرج في رحلته الأولى إلى الآستانة فلقى فيها عدة علماء من ذوى الفضل ذكر منهم ابن عبد الغنى ومصطفى بن عربي والرِّبى داود اليهودي الذي درس عليه الرياضيات وكتب إقليدس. أما أستاذه الأول فكان سعد الدين بن حسن، فلما مات وتوفي من بعده شيوخه الآخرون، خلت الآستانة من العلماء. وعرف فضل الخفاجى في ذلك الوقت، فعين قاضيًا للرومللى، ثم ترقى فأصبح قاضى أسكوب في عهد السلطان مراد، ثم عينه هذا السلطان آخر الأمر قاضيًا لسالونيك. وقد درت عليه هذه المناصب الثراء الوفير، ثم بعث في النهاية قاضى عسكر لمصر. على أنه لم يتول هذا المنصب مدة طويلة إذ صرف عنه نتيجة للدسائس التي حيكت له في الآستانة، فعقد عزمه على زيارة هذه المدينة مرة أخرى ومر في رحلته بدمشق وحلب، واحتفى به العلماء في هاتين المدينتين. ولم تتحقق آمال الخفاجى من رحلته إلى الآستانة فنفس عن موجدته بتلك الفورة الأدبية التي أثمرت مؤلفه المعروف باسم "المقامات الرومية". ولم يعمد الخفاجى إلى تيسير الطريق في وجهه بل جر على نفسه حنق المفتى يحيى بن زكريا فأمر بمغادرة الآستانة من فوره. وعين من بعد قاضيًا من قضاة القاهرة اعترافا بعلمه، والظاهر أنه قد كرس بقية عمره للدرس والتأليف. وتوفي الخفاجى بالقاهرة في يوم الثلاثاء الموافق ١٢ رمضان عام ١٠٦٩ (٣ يونية ١٦٥٩). وقد أحصى الخفاجى معظم مؤلفاته في سيرته التي كتبها بنفسه، وكثير منها كبير الحجم، ويذكر الخفاجى نفسه أن كثيرا من رسائله لم تجمع قط في كتاب. وأكبر مؤلفاته شرح على تفسير البيضاوى عنوانه "عناية القاضى" وقد طبع هذا الشرح بالقاهرة في أربعة مجلدات كبار. ونهج في هذا الشرح المنهج الشاق الذي يقوم على تفسير كل كلمة تقريبًا.
وقد أورد روايات عدد كبير من المؤلفين الآخرين الذين تناولوا نفس الموضوع عند عرض الأحاديث والتفاسير. واتبع هذا المنهج أيضًا في وضع مؤلفه الكبير الثاني، وهو شرح على "الشفاء" للقاضى عياض، الذي درسه على إبراهيم العلقمى كما ذكرنا من قبل. وقد سماه "نسيم الرياض"
стр. 4660
واستشهد في هذا الشرح بكل ما أمكنه الحصول عليه من سير النبي [ ﷺ ] مع ذكر الأسانيد المختلفة للأحاديث نفسها. ولم يأت الخفاجى بشيء مبتكر في هذه المؤلفات، لأن الموضوع لم يكن يستدعى الإتيان فيه بجديد. وكل ما يمكن أن يطلب من المؤلف هو أن يجمع من الكتب التي تيسرت له كل التفاصيل الخاصة بموضوعه. وقد طبع هذا الكتاب أيضًا في الآستانة عام ١٢٦٧ هـ في أربعة مجلدات. وللخفاجى كتابان آخران من كتب السير يختلفان اختلافا تامًا عن المصنفين السابقين، وهما "خبايا الزوايا فيما في الرجال من البقايا" والثاني "ريحانة الألبا ونزهة الحياة الدنيا" (١) ويوحى اسما هذين الكتابين بالأسلوب الذي كتبا به ويتجلى فيهما الأثر السئ الذي كان لكتاب "اليتيمة" للثعالبى "والخريدة" لعماد الدين في نفس المؤلف. والحق أن هذين الكتابين لا نجد فيهما سيرًا وإنما هما قد ملئا بالحشو ولغو القول وخليا من المعلومات القيمة بحيث لا نستطيع أن نستخلص منهما في كثير من الحالات إلا أن الأشخاص المترجم لهم قد عاصروا الخفاجى أو عاشوا قبله بزمن قليل. على أن ترجمته للأعيان بحسب البلاد تزودنا بمعلومات عن البلاد التي عاشوا فيها.
أما قيمة الكتابين من حيث التفاصيل الخاصة بحياة المترجم لهم فمعدومة. على أنهما يمداننا بمجموعة طيبة من الأشعار تعيننا على الحكم على مدى انحطاط فن الشعر في ذلك العهد والكتاب الأول لا يزال مخطوطا. أما كتاب الريحانة فقد طبع في القاهرة ثلاث مرات (١٢٧٣ , ١٢٩٤ , ١٣٠٦) مما يدل على أن لهذا الكتاب قيمة خاصة في مصر. وأهم قسم فيه هو سيرة الخفاجي التي كتبه بنفسه وأغفل فيها ذكر تاريخ مولده والبلد الذي خرج منه. ثم المقامات الرومية التي هاجم فيها علماء الآستانة. وقد
стр. 4661
زودتنا سيرته التي كتبه بنفسه بالمادة التي أوردناها عن حياته في صدر المقال وبالمادة التي في كتاب المحبى. وأهم من ذلك كتاباه "طراز المجالس" و"شفاء العليل". والأول من طراز كتب الأمالى وبه خمسون مجلس، وهو يذكر في مقدمة هذا الكتاب أنّه لو قدر لابن الشجرى وابن الحاجب والقالى بل وثعلب أن يطلعوا على هذا الكتاب لأشادوا بفضله. وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه حفظ لنا فقرات من مصنفات أقدم منه عهدًا تعد الآن في حكم المفقودة أو قل إنه لم يكشف عنها بعد. على أن ثمت شيئًا له شأنه وهو أن الخفاجى يورد مقتطفات من كتاب المعانى للأشناندانى (طبع في دمشق عام ١٣٤٠) والملل لابن حزم والفهرست لابن النديم والأنساب للزبير بن بكار، وما أندر المخطوطات الباقية من هذه الكتب.
وكتاب "طراز المجالس" هو في الواقع مجموعة مهمة من المعلومات العجيبة استقاها من شتى المصادر. والظاهر أن هناك طبعتين لهذا الكتاب الأولى طبعت بالقاهرة عام ١٢٨٤ هـ (١) والثانية طبعت بطنطا من غير تاريخ؛ وكتاب "شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل" يبحث كما يتبين من عنوانه في الكلمات الدخيلة في اللغة العربية. وقد استغل الخفاجى في تأليفه كتاب المعرب للجواليقى وما شابهه من الكتب. على أنه لم يقنع بذكر هذه الكلمات أو تفسيرها، وإنما هو يذكر أمثلة عدة للأخطاء الشائعة في لغة الكلام الفصيحة.
ويشبه هذا الكتاب شبها كبيرًا شرحه على درة الغواص للحريرى الذي طبع هو والدرة بالآستانة عام ١٢٩٩ هـ وقد عمد الخفاجى في كثير من مواضع هذا الشرح إلى تصحيح ما وقع فيه الحريرى من أخطاء ويزيد معلومات مفيدة. ولعل هذا الكتاب وكتاب الطراز هما أحسن تواليفه. وقد ذكر المحبى ديوان الخفاجى، ولهذا
стр. 4662
الديوان مخطوط في كوبنهاكن، ولا تعدو معرفتى بشعره ما استشهد به المحبى أو ما ذكره الخفاجى نفسه من أشعاره في كتبه. ولا يعد ديوان الخفاجى من الدواوين الجيدة، بيد أن مصنفاته جميعًا تتسم بطابع عصره، وتزودنا بصورة واضحة لما قد نتوقعه من معاصريه.
المصادر:
(١) المحبى: خلاصة الأثر، جـ ١ ص ٣٣١ - ٣٤٣.
(٢) G.A.L.: Brockelmann جـ ٢، ص ٢٨٥.
الشنتناوى [كرنكوف F.Krenkow]
خلعة
كلمة عربية مشتقة من خلع أي خلع لباسه. والخلعة حلة من حلل السلطان يكف عن لبسها ويخلعها على من يريد تكريمه (والتكريم مرادف لكلمة تشريف والجمع تشاريف؛ انظر ابن خلكان، الترجمة ج ٤، ص ١١٧، تاريخ أبي الفداء، جـ ٥، ص ٨٠؛ خطط المقريزى وقد نقل عنه كتاب السلوك، جـ ٤، ٧٠، تعليق رقم ١، ٨ شهاب الدين: مسالك الأبصار في N.E. جـ ١٣، ص ٢٧٦). وهذه الحلة تكون بطبيعة الحال ثمينة فاخرة عظيمة القدر. وهي تخلع أيضًا على العامل من عمال الدولة إشعارًا بتوليه منصبه، ويستعاض عنها أحيانا بقدر من المال. ومن ثم أطلقت عبارة "خلعت - بها"ـ أي ثمن حلة التشريف في تركيا على ذلك القدر من المال الذي يوزع على ضباط الإنكشارية عند اعتلاء السلطان العرش (انظر - Barb Dictionn. turc.,: ier de Meynard . جـ ١، ص ٧٠٩) وجرى ملوك فارس على أن يبعثوا حلة مع رسول خاص إلى ولاة الأقاليم الذين يرغبون في تشريفهم، ويرتدى هؤلاء هذه الحلة في المناسبات الخاصة، ويكرمون الرسول اعترافا بهذا الفضل ويغدقون عليه الهدايا. وكانت الخلع في آسية الوسطى تصنع من خيوط الذهب المنسوج في جزائر الهند ومن شيلان الكشمير ومن الحرير المختلف الألوان. وكان المنعم عليه بكساء من هذه الكسى يلبس الخلعة
стр. 4663
(خلعت بالفارسية والتركية) فوق الملابس التي يرتديها.
وكانت كسوة التشريف في مصر على عهد المماليك منازل أو مراتب بحسب رتبة الأشخاص المنعم عليهم بها. وكان هؤلاء ثلاث طبقات (١) رجال السيف (٢) رجال القلم أي عمال الحكومة (٣) العلماء.
وكان يضاف إلى خلعة التشريف سيف محلى بالذهب يؤخذ من دار الصنعة (سلاحخانه)، وجواد كامل العدة عليه كنبوش (بالفارسية كونبوش أي غطاء) من الذهب يؤخذ من الاصطبلات الملكية (ركاب خانة)، وهناك تفاصيل أو في من ذلك وردت في كتاب مسالك الأبصار الذي نقل عنه كاترمير Quatremere في L'histoire des Mamlouks جـ ٤، ص ٧٢ وما بعدها وفي La Syrie: Gaudefroy Demombynes ,a l'epoque des Maml باريس ١٩٢٣, ص ٨٩ وما بعدها.
ويرجع عن هذه الحُلل بوصفها من شارات الحكم إلى Alcuni temi: Meloni semantici في R.S.O جـ ٣، سنة ١٩١٠, ص ٥٣٣ وما بعدها؛ Two Istances of Khilat in: F.W.Buckler -the Bible Journal of Theological Stud ies جـ ٢٣, سنة ١٩٢٢، ص ١٩٧ وما بعدها.
ويرجع عنها في بلاد الهند وخاصة في لكنهؤ إلى مير حسن على: - Observa tions on the Musulmans of India. سنة ١٨٣٢, الطبعة الثانية سنة ١٩١٧ , ص ١٤٩؛ The political theory: F.W.Buckler of the Indian Mutiny في Transactions of the Royal Historical Society جـ ٥، سنة ١٩٢٢, ص ٨١ وما بعدها.
المصادر:
(١) Etat de I'Empire: M. d'Ohsson othoman جـ ٢٧، ص ١٩٩.
(٢) Estat de: Le P. Raphael du Mans la Perse ص ١٥٣.
(٣) Asie Mineure Terse Texier, جـ ٢.
(٤) A Travers I'Asie Cen-: H. Moser trale ص ٧٨.
الشنتناوى [إيوار CI. Huart]
стр. 4664
خليفة
لقب رأس الجماعة الإِسلامية، وهو الإِمام بوصفه (خليفة رسول الله [ ﷺ ]).
١ - ترد هذه الكلمة كثيرًا في القرآن بصيغتى المفرد والجمع (خلائف وخلفاء) وهي في صيغة الجمع تشير إلى الذين يخلفون آباءهم في نعيم الله ورضوانه (سورة الأنعام؛ الآية ١٦٥؛ سورة النور. الآية ٥٤ (١)؛ سورة النمل، الآية ٦٣ (٢)؛ وهي في هذه الآيات بمعنى عباد الله الصالحين، وهي تشير في سورة الأعراف الآيتين ٦٧, ٧٢ (٣) إلى قبائل عاد وثمود الوثنية) وتشير كلمة خليفة في صيغة المفرد إلى آدم (سورة البقرة، الآية ٢٨ (٤) (سواء أكان خليفة للملائكة الذين كانوا يعيشون في الأرض من قبله أم خليفة لله؛ وداود (سورة ص الآية ٢٥) (٥) (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).
وليس في هذه الآيات كلها دليل واضح على أن المقصود بهذه الكلمة أن تكون لقبًا لمن يخلف محمدًا [ ﷺ ]. ويقرر المؤرخون المسلمون بصفة عامة أن أبا بكر هو أول من استعمل هذه الكلمة في هذا المعنى، ومع ذلك يشك في أن أبا بكر قد اتخذها في أي وقت من الأوقات لقبًا له (Annali: Caetani dell' Islam حوادث عام ١١ من الهجرة، فقرة ٢٦٣ , تعليق رقم ١) ولكنها أصبحت منذ عهد عمر اللقب الشائع لأمير المؤمنين. وفي اللقب "خليفة رسول الله" ما ينبئ بإدعاء القيام بما كان يقوم به النبي [ ﷺ ]، وممارسة حقوقه فيما عدا النبوة التي انتهت
стр. 4665
بموته. أما التسمية "خليفة الله" ففيها ادعاء أكثر جرأة، ويقال إنها أثارت غضب أبي بكر، ولكنها استعملت منذ عام ٣٥ للهجرة في رثاء حسان بن ثابت للخليفة عثمان (طبعة Hirschfeld ٢٠، ١، ٩) وأصبحت شائعة جدًا في عهد العباسيين ومن جاء بعدهم من الأمراء (Muhammedanische -Gnldziher Studien جـ ٢، ص ٦١).
على أن هذا اللقب لم يقتصر مدلوله خلال التاريخ الإسلامي على هذا المركز الجليل، فقد استعمل منذ القرن الأول للهجرة في أوراق البردى المعروفة باسم أفروديتو Aphrodito Papyri للدلالة على الـ أي الوكيل المقيم في العاصمة والذي يقدم إليه عامل بيت المال فيها ما يجمع من ضرائب (انظر - Greek Papyri of the Brit ish Museum جـ ٤، ص ٣٥؛ C.H. Becker Islamstudien جـ ١، ص ٢٥٧) وقد استعمل هذا اللفظ كثيرًا اسما لأشخاص (انظر فهرس الطبرى وغيره).
والخليفة في الطرق الدينية، وخاصة بين القادرية، هو نائب شيخ الطريقة وله بعض سلطان الشيخ ويمثله في البلاد التي تبعد عن الزاوية الكبرى للطريقة. والخليفة عند التجانية هو الذي تحل فيه بركة مؤسس الطريقة، وهو وحده الذي يلقب بالشيخ (D.Depont et Les confreris religieuses: X Coppolani musulmame ص ١٩٤ - ١٩٥, الجزائر سنة ١٨٩٧؛ marabouts et: L.Rinn Khouon ص ٧٨ سنة ١٨٨٤).
والخليفة في الحركة المهدية هو خليفة المهدي، ومن ثم كان مير دلاور خليفة للسيد محمَّد المهدي (المتوفى عام ٩١٠ هـ) مؤسس الطريقة المهدوية وكان عبد الله خليفة محمَّد أحمد المهدي بالسودان؛ ثم إن ولد غلام أحمد قاديانى وخلفه يعرف اليوم بين أتباعه بالخليفة. وقد أطلق هذا اللقب أيضًا على أشخاص أقل شأنا، فمن ذلك أنه كان يطلق على المرأة التي تشرف على الجوارى في بلاط الإمبراطور بابر (كل بدن بيكم همايوننامه ترجمة A.S.Beveridge ص ١٣٦). أما في الأزمنة الأحدث عهدا من ذلك فإن هذا
стр. 4666
اللقب يطلق بصفة عامة في تركيا على أي كاتب صغير في مكتب عام (Tableau general de I'Empire othman لمؤلفه C.M.d.Ohsson جـ ٧، ص ٢٧١) وهو لا يزال لقبا من ألقاب التشريف يطلق على المدرس المساعد في مدرسة من المدارس. والخليفة في مراكش هو نائب والي المدينة (The Moorish: B.Meakin Empire ص ٢٢٤) ويطلق في بلاد الهند الحديثة حتى على أشخاص قليلى الخطر كالحائك والحلاق ورب اللعب بالسيف والطاهي (Glossary: H.A.Rose of the Tribe and Castes of the Punjab جـ ٢، ص ٤٩٠، لاهور سنة ١٩١١) وتدل كلمة ألفا (وهي مساوية لكلمة خليفة) في توكو وما جاورها من بلاد إفريقية الغربية على المعلم المسلم، بل على المسلمين بوجه عام (Die Welt des Islams جـ ٢، ص ٢٠٠).
المصادر:
نذكر علاوة على المصادر التي ذكرت من قبل
(١) Du sens propre des: Goldziher -expressions Ombre de Dieu Pour de signer les chefs daps l'Islam (R.H. R , (١٨٩٧ XXXV .
(٢) D.S.Morgoliouth The sense of the -title Khalifah (A volume of Oriental Studies Presented to Edward G. Rrnwne ص ٣٢٢ - ٣٢٨).
٢ - يمكن التفريق بين تاريخ الخلافة أي النظام السياسى الذي يقوم الخليفة على رأسه وبين النظريات الخاصة بالخلافة؛ ولما كان النظام السياسى سابقا في الزمن على قيام النظريات، فإنا نفضل أن نبدأ في هذا المقام بتاريخ الخلافة:
(١) تاريخها: لقد كان من شأن الثروة الطائلة والسلطان العظيم اللذين اكتسبهما خلفاء النبي [ ﷺ ] الأولين بفتحهم أقاليم من الإمبراطورية الرومانية مثل الشام ومصر علاوة على ما فتحوه من بلاد فارس، أن بلغ الخلفاء مركزا وجاها أكسبا ذلك اللقب المتواضع الذي لقبوا به مدلولا جديدًا. فقد غدا الخليفة، حتى قبل أن تصل الفتوحات الإِسلامية إلى غايتها، من أقوى ملوك العالم وأغناهم. فكان بوصفه أميرا
стр. 4667
للمؤمنين قائدًا لهذه الجيوش الغازية، وقد وصف نفسه بهذا الوصف على السكة التي ضربها. وكان بصفته إماما على رأس الناس في الصلاة العامة، وهو الذي كان يلقى الخطبة في المسجد، وكان بوصفه خليفة ينتظر من رعاياه المسلمين أن يؤدوا له آيات التبجيل والاحترام التي كانوا يؤدونها لصاحب الرسالة المحمدية (١). وقد أفضت الفتن التي نشبت بين المسلمين أنفسهم في عهد علي بن أبي طالب إلى وضع أسس تلك النظريات عن الصفات الواجب توفرها في الخليفة، تلك النظريات التي تحددت في المذاهب السياسية ومذاهب أهل الفرق. ففي عهد بني أمية لم تكن الواجبات الدينية المقترنة بمنصب الخلافة مرعية تماما (ولو أن كثيرًا من الخلفاء الأمويين كانوا يؤمون المسلمين في الصلاة) ذلك أنهم لم يكونوا فيما يظهر يتشددون كثيرًا في أمر دينهم اللهم إلا إذا استثنينا الخليفة عمر بن عبد العزيز (ثم إن أسس العقيدة الإِسلامية وتنظيم الشريعة المحمدية قد تم معظمه في المدينة) ولم يشجع
стр. 4668
الخليفة في دمشق ذلك إلا قليلًا. وتجلت مطالبة سلالة على بأحقيتهم في زعامة المسلمين في قيام فرقة الشيعة ولكن جهودهم لم تصب نجاحا سياسيًا بضعة قرون. ويرجع معظم الفضل في غلبة العباسيين إلى إدعائهم مؤازرة العلويين في مطالبهم وإلى دعوتهم الدينية النشيطة. فقد اتخذ الخليفة لنفسه في بغداد صفة جديدة، إذ أصبح راعيًا كريمًا للعلماء، كما أظهر غيرة على القيام بواجبه في الذود عن حياض الدين الإسلامي. وقد حلت بغداد بفضل رعايته وعنايته محل المدينة بصفتها مركز النشاط الديني، واستقرت المذاهب الفقهية الكبرى في صورتها الواضحة، وأصبح الخليفة ليس مجرد ملك دنيوى كما كان كثير من خلفاء الأمويين في نظر أهل التقى والورع. وزاد من هيبة الخليفة في نظر الناس تلك المراسم المعتدة التي اتخذت في بلاطه وفي المحافل التي كان يقيمها. لقد كان خلفاء الأمويين في أوائل عهدهم قريبين إلى رعاياهم، فمعاوية قد احتفظ بقدر كبير من صراحة زعماء العرب في الجاهلية وخلالهم المألوفة، فكان ينتقل بين غيره من زعماء العرب تنقل الزعيم بين أتباعه Primus inter Pares أما في العاصمة الجديدة فقد برزت تقاليد الملك الفارسية، فكان الخليفة العباسى يجلس على العرش في أبهة وجلال يحيط به حرسه وإلى جانبه السياف شاهرًا سيفه. وكان إلى ذلك يبرز في الوقت نفسه الصفة الدينية لمنصبه بارتدائه بردة النبي [ ﷺ ]، كما كانت صلة القرابة بينه وبين النبي [ ﷺ ] تتردد في الوثائق الرسمية وفي مدائح المادحين والمتزلفين من رجال البلاط.
وضعفت رقابة الخليفة المباشرة على إدارة ملكه منذ القرن التاسع [الميلادى] بسبب ازدياد السلطة الممنوحة للوزير وتقدم دواوين الحكومة في الكفاية والدقة. وأخذت سلطة الخليفة الزمنية تضمحل حوالي ذلك الوقت بسبب تفكك الإمبراطورية الإِسلامية وقيام إمارات في شتى الولايات حتى كاد سلطان الخليفة لا يتجاوز أرباض مدينة بغداد. واقترن هذا الاضمحلال الذي أصاب سلطة الخليفة الزمنية بازدياد في الشعور بخطر منصبه الديني بوصفه الإِمام وحامى الإِسلام. كما ازداد في
стр. 4669
الوقت نفسه اضطهاد الزنادقة ومن يدينون بغير الإِسلام، وما وافى عام ٩٤٦ حتى تسربت كل سلطة فعلية من بين يدي الخليفة، ورأينا في بغداد ثلاثة أشخاص ولوا من قبل هذا المنصب الجليل، ثم خلعوا آنئذ من مناصبهم وسملت أعينهم واعتمدوا في معاشهم على الصدقة. وأصبح الخليفة من ذلك الوقت إلى عام ١٠٥٥ ألعوبة إلى حين في أيدى البويهيين ثم السلاجقة. ولم يستطع الناس أن يتناسوا المكانة العظيمة التي كان يشغلها الخلفاء الأولون على الرغم من أن الخليفة كان قد فقد آنئذ سلطانه الإدارى كله. وظل الفقهاء يعدون الخليفة الضعيف مصدر السلطات والنفوذ في العالم الإسلامي، ومن ثم كان هناك حكام مستقلون ينشدون منه الألقاب وبراءات التعيين، نذكر منهم على سبيل المثال محمودا الغزنوى الذي تلقى من الخليفة اعترافًا باستقلاله وبلقبيه "يمين الدولة" و"أمين الملة" بعد أن خرج عن ولائه للأمير السامانى عام ٩٩٧. وخلع الخليفة المقتدى على يوسف بن تاشفين رأس المرابطين في الأندلس لقب أمير المسلمين بعد ذلك بقرن من الزمان تقريبًا. وفي عام ١١٧٥ ادعى صلاح الدين ملك مصر والشام، فثبته الخليفة المستضئ في ملكه وبعث إليه ببراءة التولية وكساوى التشريف.
وكذلك سأل نور الدين عمر رأس الأسرة الرسولية باليمن الخليفة أن يمنحه لقب سلطان وبراءة التولية نائبا عنه، فأرسل المستنصر في عام ١٢٣٥ رسولًا خاصًا يحمل إليه هذه البراءة، كما استجاب المستنصر في عام ١٢٢٩ لسؤل ألتتمش الوالى التركى على شمال الهند، فمنحه لقب سلطان وثبته في ولايته. وظل ملوك دلهى المتعاقبون يكتبون اسم المستعصم، آخر خلفاء بغداد على سكتهم أكثر من ثلاثين عامًا بعد مقتل هذا الخليفة التعس على يد المغل.
ونحن نجد ما يناقض هذا الاعتراف بخليفة بغداد مصدر السلطة الشرعية في قيام خلافتين متنافستين. ففي عام ٩٢٨ اتخذ عبد الرحمن الثالث بالأندلس لنفسه لقب خليفة، وظلت سلالته تحمل هذا اللقب من بعده، وكان هؤلاء الأمويون بالأندلس على المذهب السنى
стр. 4670
شأنهم شأن أسلافهم في دمشق، أما الفاطميون في مصر، الذين نادى زعيمهم بنفسه خليفة أول الأمر في المهدية عام ٩٠٩، فكانوا من الشيعة. وظل الفاطميون ينافسون العباسيين في بغداد منافسة مرة إلى أن قضى صلاح الدين على دولتهم عام ١١٧١.
واستولى هولاكو على بغداد عام ١٢٥٨ وقتل الخليفة المعتصم الذي لم يعقب ولدًا. وكانت هذه النكبة فريدة في تاريخ الإِسلام، ذلك أن المسلمين ألفوا أنفسهم لأول مرة ولا زعيم لهم من الوجهة النظرية يذكرون اسمه في خطبة الجمعة. وقد نجا اثنان من البيت العباسى من مذبحة بغداد، واحتمى كل منهما بعد الآخر بسلطان المماليك في مصر. فقد دعا بيبرس أولهما، وكان عم الخليفة المستعصم، إلى مصر ونادى به خليفة عام ١٢٦١ في حفل تجلت فيه مظاهر العظمة والأبهة. ويقال إن بيبرس طافت برأسه فكرة إعادة البيت العباسى إلى بغداد، ومن ثم غادر القاهرة على رأس جيش كبير، فلما بلغ دمشق زود الخليفة بفرقة صغيرة من الجيش هزمها المغل وهي تجتاز الصحراء، وعدنا لا نسمع شيئًا قط عن هذا الخليفة.
وبلغ الثاني القاهرة عام ١٢٦٢ وفيها نصب هو أيضًا خليفة، على أنه لم تبذل في هذه المرة تلك المحاولة الطائشة ألا وهي استعادة بغداد، وظل هذا الخليفة في واقع الأمر بمثابة سجين في القاهرة وإن أحيط بمظاهر الاحترام. وظل سلالته يتعاقبون على هذا المنصب الوهمى في القاهرة أكثر من قرنين ونصف قرن من الزمان معتمدين على كرم سلاطين المماليك الذين كانوا يرون أن وجود الخليفة في مصر يسبغ على حكمهم مظهرًا شرعيًا. فقد كان الخليفة ينصب كل سلطان جديد باحتفال وأبهة ويقدم السلطان بدوره ولاءه للخليفة. على أنه لم يكن لأحد من هؤلاء الخلفاء أية مشاركة في الحكم أو أي نفوذ سياسى، اللهم إلا إذا استثنينا الخليفة المستعين الذي اتخذته الأحزاب السياسية المتنافسة ألعوبة في أيديهم عام ١٤١٢ ونودى به سلطانًا مدة ستة أشهر. وقد وصف المقريزي الخليفة فقال إنه كان ينفق وقته بين
стр. 4671
الأشراف وعمال الحكومة ويزورهم شاكرًا لهم دعوتهم له إلى المآدب والولائم (انظر Histoire d' Egypte طبعة Blocher ص ٧٦) وأنكر سائر العالم الإسلامي خارج مصر وجود هذا الخليفة العباسى في القاهرة، فقد كان ثمة خليفة سنى في المغرب منذ القرن الثالث عشر، وكان عدة أمراء في البلاد الشرقية من العالم الإسلامي يتخذون لقب خليفة كالسلاجقة والتيمورية والتركمان والأزابكة والعثمانيين.
على أن عددًا قليلًا من الأمراء المستقلين كانوا يلتمسون من الخليفة الاعتراف بهم ومنحهم الألقاب، رغبة منهم في أن يكتسبوا الصفة الشرعية التي تلزم رعاياهم بطاعتهم، ونذكر من هؤلاء أول أميرين من أمراء البيت المظفرى في جنوب فارس (١٣١٣ - ١٣٨٤) ومحمد بن تغلق (١٣٢٥ - ١٣٥١) وخليفته على عرش دلهى فيروز شاه (١٣٥١ - ١٣٨٨)؛ بل يقال إن بايزيد الأول طلب من الخليفة العباسى في القاهرة عام ١٣٩٤ أن يمنحه رسميا لقب سلطان (انظر - Ham . Gesch. d. Osmon Reiches: mer جـ ١، ص ١٩٥) ولكن الشك يحيط بهذه الرواية, ذلك أن مراد الأول، والد بايزيد الأول كان يلقب بخليفة الله المختار (انظر فريدون، جـ ١، ص ٩٣ القسم ٢٢) منذ منتصف القرن الرابع عشر أي بعد فتح أدرنة وفيليبوبولس Philipopolis وغيرهما من البلاد، ومن ثم درج سلاطين آل عثمان وغيرهم من أمراء المسلمين المعاصرين على اتخاذ لقب الخلافة، واعترف بذلك رعاياهم ومبعوثوهم في البلاد الأخرى. وتجاهل أهل ذلك الزمان القول بأن الخليفة يختار من قريش، والتمسوا ما يؤيد دعواهم في آيات من القرآن الكريم مثل الآية ٢٥ (١) من سورة ص "ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض. ." وكثيرا ما استشهد بهذه الآية وغيرها من الآيات في الرسائل السياسية لذلك العصر مثل الآية ١٦٥ من سورة الأنعام. ومن ثم فإن السلطان سليما عندما دخل مدينة القاهرة دخول الظافر في شهر يناير
стр. 4672
سنة ١٥١٧، وقضى على الخلافة العباسية بنقل الخليفة المتوكل إلى الآستانة، كان قد ألف هذا اللقب الذي لقب هو به كما لقب به أجداده قرنا ونصف قرن من الزمان. وكان قنسطنطين مورادجيا دوسون - Con stantine Mouradgea d'ohsson هو أول من نشر عام ١٧٨٨ تلك الأسطورة التي تذهب إلى أن المتوكل قد خلع لقبه على السلطان سليم (Tableau general de I'Empire othmon جـ ١، ص ٢٦٩ - ٢٧٠, باريس ١٧٨٨ - ١٨٢٤) ولم يذكر أحد من المعاصرين الذين أرخوا الفتح التركى لمصر شيئًا من هذا القبيل، زد على ذلك أن المتوكل سمح له بالعودة إلى مصر بعد وفاة السلطان سليم، وظل مقيما بها حاملًا لهذا اللقب إلى أن اخترمته المنية عام ١٥٤٣.
أما في القرنين التاليين فلم يظهر فيهما من حكام المسلمين إلا حاكمان اتسعت أملاكهما وسلطانهما اتساعًا جعلهما أهلا للتلقب بلقب الخليفة (على خلاف أولئك الأمراء القليلى الشأن الذين اتخذوا لأنفسهم هذا اللقب من غير تفرقة) وهما سلطان آل عثمان وعاهل المغل في الهند. ولما دالت دولة المغل في القرن الثامن عشر أصبح العاهل العثماني أكبر شخصية في العالم الإسلامى. على أن سلطان هذا العاهل نفسه كان يتهدده عدوان جارته من الشمال، ذلك أنه اضطر عقب الحرب التي نشبت بين تركيا وروسيا بين عامى (١٧٦٨ - ١٧٧٤) إلى النزول عن أملاك له على الشاطئ الشمالى للبحر الأسود والاعتراف باستقلال تتر القريم. وقد ادعت كاترين الثانية الحق في حماية المسيحيين التابعين للكنيسة الأرثوذكسية القاطنين في البلاد العثمانية، فاستغل المبعوثون العثمانيون الذين أبرموا معاهدة كوجوك قينارجه عام ١٧٧٤ لقب خليفة، وادعوا للخليفة مثل هذا الحق، فعملوا على أن تتضمن هذه المعاهدة نصًا يقرر سلطانه الديني على التتر الذين كان ولاؤهم لسلطته الزمنية قد بطل من قبل.
وقد فشت في أوربا المسيحية من ذلك الوقت فكرة خاطئة جعلت أهلها يعدون الخليفة الزعيم الروحى للمسلمين كافة، شأنه في ذلك شأن
стр. 4673
البابا بالنسبة للكاثوليك أجمعين، وأن سلطانه الروحى يمتد إلى إخوانه في الدين وإن كانوا لا يدينون له بالسيادة المدنية بصفته سلطان تركيا. ولدينا ما يحملنا على الاعتقاد بأن هذا الخطأ الذي شاع في أوربا المسيحية كان له أثر في آراء الناس في تركيا نفسها. ففي عهد السلطان عبد الحميد بوجه خاص (١٨٧٦ - ١٩٠٩) برز مركز السلطان، بوصفه خليفة، فقد نص في الدستور الذي صدر في بداية حكمه على "أن عظمة السلطان بصفته خليفة، هو حامى الدين الإسلامي". والظاهر أن السلطان أرسل بعوثا إلى شتى بلاد العالم الإسلامي ليحملوا الناس على تبجيل ذاته خليفة المسلمين. وصادفت جهوده في هذا السبيل استجابة لدى فريق من الناس، لأن مفكرى المسلمين، وخاصة أولئك الذين أقلق بالهم ازدياد هيمنة الدول الأوربية على شئون العالم الإسلامي، أدركوا أنه لم تبق ثمة دولة إسلامية مستقلة لها بعض الشأن في العالم المتمدين إلا تركيا على أن الطابع الذي اتسم به حكم عبد الحميد وقسوته في القضاء على كافة الحركات الحرة وكافة المجهودات التي بذلت للإصلاح الدستورى، قد حول عنه قلوب الطبقات المستنيرة من رعاياه. فلما خلع هذا السلطان عن العرش عام ١٩٠٩ انتقلت مقاليد الأمور في تركيا إلى طائفة من الناس لم يحفلوا إلا قليلًا بالروح الإِسلامية ثم إنهم فطنوا إلى استحالة التوفيق بين حكومة استبدادية تدعى أنها تستند إلى وحى إلهي وبين طرائق الحكم الدستورى الحديثة. وقد أصبحت تركيا جمهورية في نوفمبر سنة ١٩٢٢، وألغيت السلطنة، وجردت الخلافة من كل سلطة زمنية. ولكن مهام هذا الخليفة الجديد لم تكن قد اتضحت بعد حتى ألغى منصب الخلافة إلغاء تامًا في مارس سنة ١٩٢٤.
وقد اقتصر اهتمامنا فيما ذكرنا من تاريخ الخلافة على الخلافة السنية التي كان لها الشأن الأكبر في التاريخ الإسلامى. أما الخلافتان السنيتان الأخريان، وهما خلافة الأندلس وخلافة المغرب، فلم يكن لهما شأن إلا في هذين القطرين فحسب، ولم يستثيرا الولاء لهما في أي قطر آخر من أقطار العالم
стр. 4674
الإسلامي. وكذلك اتخذ بعض أمراء جاوة لأنفسهم لقب خليفة، ولكن لم يعترف بهذه الخلافة إلا رعاياهم. وقام الشيعة في الحين بعد الحين بمحاولات ترمى إلى إقامة حكومة قوية مستقلة للعلويين، بيد أن هذه المحاولات لم تصادف نجاحا يذكر. وكان الفاطميون في مصر يمثلون الخلافة الشيعية الوحيدة التي كان لها بعض الشأن. أما في فارس فلم يفلح قيام البيت الصفوى عام ١٥٠٢ في جعل المذهب الشيعي مذهب الدولة الرسمي إلا بعد أن أصبح الاعتقاد في الإِمام المستتر ركنا أساسيًا في المذهب الشيعي في تلك البلاد بزمن طويل.
المصادر:
إذا عددنا مصادر تاريخ الخلافة فإن ذلك يشمل الجزء الأكبر من كتب التاريخ الخاصة بالعهد الإسلامي: ويمكن الرجوع فيما يختص بالمصادر العربية إلى:
(١) Die Ges-: F. Wiistenfeld chichtschreiber der A raber and ihre Werke .
(٢) Geschichte der: C. Brockelmann Arabischen litt .
ونذكر من أهم المصادر ما يلي:
(١) تاريخ الطبرى.
(٢) تاريخ ابن الأثير.
(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء وكتاب حسن المحاضرة.
(٤) المقريزى: السلوك لمعرفة دول الملوك (وقد ترجم كاترمير Quatremere جزءًا منه في Histoire des Sultans Mam loulks)
(٥) المقرى نفح الطيب.
(٦) Chroniken der stadt Mekka طبعة فستنفلد.
(٧) رشيد الدين: جامع التواريخ.
(٨) أحمد فريدون بك: منشآت السلاطين.
(٩) مصطفي صبرى التوقارى: النكير على منكر النعمة من الدين والخلافة والأمة، بيروت عام ١٩٢٤
ونذكر من الكتاب الأوربيين:
стр. 4675
(١) Annali dell' Islam: Caetani ميلانو ١٩٠٥ وما بعدها.
(٢) Geschichte der chalifen: G.Weil خمسة مجلدات (١٨٤٦ - ١٨٦٢).
(٣) Der Islam im Morgen: A.Muler und Abendland (١٨٨٥ و ١٨٨٧).
(٤) The Caliphate: W.Muir .
(٥) Geschichte des: J.Von Hammer Osmanischen Reiches .
(٦) Hist de l'em-: A. de la Jonquiere pire ottoman طبعة باريس سنة ١٩١٤.
(٧) Oriente Moderno رومة سنة ١٩٢١ وما بعدها.
(٨) La fine del cosi det-: C.A.Nallino Oriente Moderno) to Califfato ottomano جـ ٤ ص ١٣٧ وما بعدها).
(٩) Wesen. u. Ende des: R.Hartmann Osm. Chalifates ليبسك ١٩٢٤.
(١٠) Die Abschaffung des: H.Ritter Arch. f. Politik und Gesch.) Kalifats جـ ٢، ص ٣٤٣ وما بعدها، برلين ١٩٢٤).
٢ - النظرية السياسية:
لقد كانت نظرية الخلافة كما أسلفنا البيان ثمرة نبتت إلى حد كبير بفضل الأحوال السياسية في صدر الإِسلام. على أن النظر العقلى بسط بسطا محكما وجوها كثيرة لهذه النظرية عجزت عن أن تجد لها تعبيرا في الوقائع التاريخية التي حدثت فعلا. ويقول الشهرستانى (طبعة كيورتن، ص ١٢) أن ليس ثمة مسألة من مسائل الدين وأثارت من النزاع في كل عهود التاريخ الإسلامي ما أثارت الخلافة.
(١) فقد وجد أهل السنة في الحديث أول معبر عن آرائهم، فهو يبرز في جلاء صفتين أساسيتين من صفات الخليفة أولاهما أنه يجب أن يكون من قريش (كنز العمال، جـ ٣، رقم ٢٩٨٣, ص ٢٦ رقم ٣٤٥٢ , ٣٤٦٩) وثانيتهما أن يطيعه الناس حق الطاعة لأن من يعصيه يعصى الله تعالى (المصدر السابق، جـ ٢٣، رقم ٢٥٨٠ , ٢٩٩٩، ٣٠٠٨) ومما أكد التزام المؤمنين بطاعة سلطان الخليفة المطلق بوصفه من الواجبات الدينية اللقبان اللذان كانا يطلقان على الخليفة منذ عهد متقدم
стр. 4676
وهما خليفة الله، وظل الله على الأرض، ونجد في كتاب الماوردى (الأحكام السلطانية؛ طبعة Enger. بون عام ١٨٥٣ القاهرة سنة ١٢٩٨ وسنة ١٣٢٧، وترجمة فانيان لهذا الكتاب، الجزائر سنة ١٩١٥) أول عرض منهجى لنظرية الخلافة التي سلم بها الناس بصفة عامة. فالماوردى قد نص على الشروط الواجب توافرها في الخليفة، وهي أن يكون من قريش وأن يكون ذكرا، بالغًا، عالمًا متصفا بسلامة الحواس والأعضاء وبالرأى المفضى إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، وبالشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.
ويقرر الماوردى أن الخلافة كانت بالانتخاب على الرغم من أن هذا المنصب أصبح وراثيًا في بني أمية ثم في بني العباس، وأجهد نفسه في التوفيق بين نظرية الانتخاب وبين حقائق التاريخ التي تثبت أن كل خليفة تقريبا منذ عهد معاوية (٦٦١ - ٦٨٠ هـ) كان يعين خلفه. وظلت أسطورة الانتخاب ماثلة في سنة البيعة وكانت تؤخذ بادئ الأمر من الأمراء في بلاط الخليفة ثم من الجماعة التي ينادى بالخليفة الجديد في حضرتها، وقد حدد الماوردى مهام الخليفة كما يلي: "حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة وتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين وحماية البيضة والذب عن الحريم، وإقامة الحدود لتصان محارم الله وتحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، وجهاد من عاند الإِسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا، وتقدير العطايا وما يستحق في بيت المال، واستكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال، وأخيرا أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال".
وتناول ابن خلدون بعد ذلك بثلاثة قرون تقريبًا موضوع الخلافة تناولا يغلب عليه النقد وناقش نظامها في مقدمته (الفصول ٢٥ - ٢٨) التي كتبها فيما بين عامى ١٣٧٥ و ١٣٧٩ ولقد جابه ابن خلدون الحقائق التاريخية واعترف بأنه لم يبق من الخلافة بعد
стр. 4677
زوال سلطان العرب إلا اسمها. وتتفق رواية ابن خلدون عن أصل الخلافة والغرض من هذا النظام مع ما ذكره الماوردى. فالخليفة هو نائب النبي وحامى الشريعة وعليه حفظ الدين وحكومة الدنيا. ويجب أن يكون من قريش وأن يكون متصفا بالشروط الأخرى التي ذكرها الماوردى. على أن ثمة فقهاء آخرين واجهوا الحقيقة بصراحة وهي أن القوة حلت محل النظر العقلى في العالم الإسلامي، ثم خرجت نظرية دستورية تبعًا لذلك. وخير من يمثل هؤلاء بدر الدين بن جماعة المتوفى عام ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م) فهو يقرر في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير ملة الإِسلام" (. k.K.hofbibl فينا، ١٨٣ (أن الإِمام يلي منصبه إما بالانتخاب وإما بالقوة، وفي الحالة الثانية يجب أن تؤدى الطاعة للإمام الذي يصل إلى الإمامة بحد السيف. ويبرر هذا الاغتصاب الصالح العام ووحدة الجماعة الإِسلامية التي تتحقق على هذا النحو (ص ٧ - ٨). وثمة فئة أخرى من الفقهاء أهملوا كل هذه المحاولات التي قصد بها إلى تبرير ما توالى على التاريخ الإِسلامي من أحداث، وأقاموا مذهبهم على ما جاء في الحديث من أن الخلافة ثلاثون عاما فقط، أي إنها انتهت بوفاة على (انظر كنز العمال، جـ ٣، رقم ٣١٥٢) وتلك هي عقيدة النسفي المتوفى عام ٥٣٧ هـ الموافق ١١٤٢ م (انظر العقائد النسفية، طبعة Cureton لندن ١٨٤٣. ص ٤) وهي العقيدة التي أخذ بها الفقيه التركى العظيم إبراهيم جلبى المتوفي عام ١٥٤٩ والذي أصبح كتابه "ملتقى الأبحر" المصدر المعتمد للتشريع العثماني.
(ب) ويجعل فقهاء الشيعة الإمامة من أصول العقيدة، فهم يؤكدون شرعيتها ولا يحصرونها في قريش فحسب، بل يحددونها في آل على. والشيعة ما عدا الزيدية لا يقرون مبدأ الاختيار ويعتقدون أن النبي نفسه قد أقام عليًا خليفة له، وأن صفات على قد ورثها عنه ذريته الذين اختصهم الله من قبل بولاية هذا المنصب الجليل. ويقال
стр. 4678
إن النبي أفضى لعلي بعلم لدنى أسره علي لولده، وانتقل على هذا النحو من جيل إلى جيل. ولكل إمام صفات تفوق صفات البشر ترفعه فوق مستواهم، وهو يهدى المؤمنين بحكمة معصومة من الخطأ، وأحكامه مطلقة لا مرد لها. ويعزو البعض ارتفاع عليّ على سائر البشر إلى اختلاف جوهره، ذلك أن الله منذ أن خلق آدم انتقل قبس من النور الإلهي وأخذ يحل في شخص مختار يظهر في كل جيل، وهذا القبس حل في على ثم هو يحل في كل إمام يخلفه. وقد تشعب مذهب الشيعة تشعبا كبيرًا انظر الشهرستانى، كتاب الملل والنحل، ص ١٠٨ وما بعدها؛ ابن خلدون، المقدمة، جـ ١، ص ٤٠٠ وما بعدها)
(جـ) أما الخوارج فهم على نقيض الشيعة لا يحصرون الخلافة أو الإمامة في قبيلة أو بيت بعينه، بل يقولون إن كل مسلم أهل للخلافة وإن كان أعجميًا أو عبدًا. وهم إلى ذلك يختلفون عن سائر المسلمين بقولهم إن قيام الإِمام ليس من الفروض الدينية، وإن الجماعة الإِسلامية تستطيع في أي وقت من الأوقات أن تقوم بجميع الفروض الدينية وأن تكون لها حكومة مدنية مستكملة لجميع الصفات الشرعية من غير أن يقوم فيها إمام على الإطلاق. فإذا ما رأت هذه الجماعة في ظروف خاصة أن من المستحب أن يكون لها إمام أو أوجبت الضرورة ذلك فلها أن تختار من يلي هذا المنصب، فإذا تبينت أنه ليس أهلا لهذا المنصب على أي وجه من الوجوه فلها أن تعزله أو تقتله (انظر الشهرستانى، كتابه المذكور، جـ ١، ص ٨٥ وما بعدها).
وقد تجلت كل هذه النظريات التي عرضنا لها فيما سبق في صور مختلفة من صور النظم السياسية التي قامت فعلا، على أن ثمة مذاهب أخرى عن الخلافة لم تخرج قط عن حيز التفكير النظرى، وخاصة تلك المذاهب التي قال بها أئمة المعتزلة كقولهم إن منصب الخلافة يجب أن يترك شاغرًا إبان الفتن ولا يشغل إلا في عهود السلام، أو كقولهم إن الإِمام لا يكون إلا باتفاق أهل
стр. 4679
الملة الإِسلامية جميعًا (انظر الشهرستانى، كتابه المذكور، ص ٥١؛ Hellenisticher Enfluss auf mu-: Goldziher tazilitische Chalifats Theorien في مجلة Der Islam. جـ ٦، ص ٧٣ - ٧٧١).
المصادر:
إن أوفق المصادر لدراسة الحديث هو كتاب السيوطي: كنز العمال، طبعة حيدر آباد ١٣١٢ - ١٣١٤. أما كتب المسلمين في هذا الموضوع فهي:
(١) الماوردي: انظر ما سبق.
(٢) عضد الدين الأيجى: المواقف في علم الكلام، الآستانة عام ١٢٣٩.
(٣) ابن حزم: كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل جـ ٤، ص ٨٧ وما بعدها، طبعة القاهرة عام ١٣٢٠.
(٤) الشهرستانى: كتاب الملل والنحل، طبعة Cureton، لندن ١٨٤٢ و ١٨٤٦.
(٥) ابن خلدون: المقدمة، طبعة Quar tremere باريس ١٨٥٨؛ ترجمته ده سلان، باريس ١٨٦٢ - ١٨٦٨.
(٦) عبد العزيز جاويش: الخلافة الإِسلامية، برلين سنة ١٩١٥.
(٧) ميرزاجواد خان كسى Das Kal Die) ifat nach islamischem Staatsrechl Welt des Islams , جـ ٥، ص ١٨٩ وما بعدها سنة ١٩١٨).
(٨) أبو الكلام: خلافت وجزيرة عرب، كلكتة سنة ١٩٢٠.
(٩) محمَّد رشيد رضا: الخلافة، القاهرة سنة ١٩٢٣.
(١٠) على عبد الرازق: الإِسلام وأصول الحكم، القاهرة سنة ١٩٢٥.
أما كتب الأوروبيين في هذا الموضوع فهي:
(١) Geschichte der: A. Von Kremer herrschenden Ideen des Islams ليبسك ١٨٦٨ و Culturgeschichte des Orients unter den Chalif فينا ١٨٧٥ - ١٨٧٧.
стр. 4680
(٢) Avindication of: J. W.Redhouse the Ottoman 'Sultan's title of "Caliph -showing the antiugity, validity, and uni versal acceptance لندن ١٨٧٧.
(٣) Die islamische: M. Hartmann Die Kultur) Verfass ung und Verwaltung (der Gegenwart, Teil II. Abteilung II
(٤) Verspreide: C.Snouck Hurgronje Gesehriften جـ ٣، ٤.
(٥) Islamstudien: H.Becker جـ ١.
(٦) Muhammedanische: I.Goldziher Studien - جـ ٢، ص ٥٥ وما بعدها.
(٧) Khalif i Sultan: W.Barthold في Mir Islama جـ ١، ص ٢٠٣ وما بعدها، سانت بطرسبرغ سنة ١٩١٢, وقد ترجم جزء منه في Der Islam جـ ٦ ص ٣٥٠ وما بعدها سنة ١٩١٥.
(٨) Kalifat und Imamat: J.Greenfield Blatter fur vergleichende Rechtswiss - enschaft und Volkswirtschaft lehre جـ ١١، سنة ١٩١٥.
(٩) Handbuch des is-: Th.W.Juynboll lamischen Gestzes ليدن سنة ١٩١٠.
(١٠) Appunti sulla na-: C.A.Nallion tura del Califfato' in genere e sul Presunto Califfato Ottomano رومة سنة ١٩١٧.
(١١) Introduction: L.Massignon a'l'etude des revendications islamiques في R.M.M جـ ٣٩، ص ١ وما بعدها.
(١٢) De crisis van het: B.Schrieke De Indische post) chalifaat ١٥، ٢٥، ٢٩ مارس Maart سنة ١٩٢٤ بتافيا).
(١٣) Il concette di ca-: De Santillana -Liffato e di sovranita nel di musulmano Oriente Moderno) ritto جـ ٤، ص ٣٣٩ وما بعدها سنة ١٩٢٤).
(١٤) Islam and: Snouck Hurgronje Foreign AF-) Turkish Nationalism Fairs جـ ٣، رقم ١، ص ٦١ وما بعدها نيويورك سنة ١٩٢٤).
(١٥) Etudes sur la nation islamique de souverainete في , R.M.M. جـ ٥٩ سنة ١٩٢٥.
الشنتناوى [أرنولد T.W.Arnold]
стр. 4681
الخليل
هي حبرون القديمة، وقد سميت بالخليل نسبة إلى خليل الله إبراهيم ﵇: مدينة في جنوب فلسطين، وتعرف أيضًا باسم حبرون وحبرى ومسجد إبراهيم، وتقوم في واد به مرتفعات جبل نصرة (قراءة غير محققة) يشتهر بوفرة فاكهته خاصة. وثمة رواية شائعة تذهب إلى أن النبي محمدا [ ﷺ ] أقطع تميم بن أوس الداري بائع الزيت والمصابيح وأحد الذين دخلوا في الإِسلام ثم ذريته من بعده النواحى الأربع: حبرون والمرطوم (هكذا وردت في ياقوت جـ ٢، ص ١٤، أما في ناصر خسرو: سفر نامة طبعة كوينى Kawaini سنة ١٩٢٣ ص ٤٦، س ١٤، فقد وردت مطلون ثم مرطلون ومرطون وهما روايتان في مطلون، ووردت في صبح الأعشى للقلقشندى، طبعة القاهرة، جـ ١٣ ص ١٢٠، س ٦: الرطوم) وبيت عينون (إنجيل يوحنا: الإصحاح الثالث، الآية ٣٣ وغيرها، خربت بين عينون) وبيت إبراهيم وقد نسبت إلى تميم الداري سنة إيقاد القناديل في المسجد على الدوام (انظر Rec. d'arch -: : Clermont Orient جـ ١٨، ص ٢١٦ , ٢٢٠) ولا تزال الخليل تعد وقفا على بني تميم. ومع ذلك فما من شك في أن الكتاب الذي يقال إن النبي [ ﷺ ] كتبه إلى نعيم ابن أوس الداري، أخي تميم، قد انتحله المتأخرون لتدعيم حقوق التميميين (انظر Annali dell' Islam: Caetani جـ ٢، القسم الأول، حوادث عام ٢٩٨ هـ, الفقرة رقم ٦٩).
وكل ما لدينا من المعلومات عن تاريخ هذه المدينة في القرون الأولى للهجرة مستمد من مصادر إفرنجية قليلة غير وافية، وأهمها التقرير المسهب الخاص بنتيجة البحوث التي قام بها الرهبان النصارى في مغاور الدفن في سنة ١١١٩ و ١١٢٠ (نشر هذا التقرير Riant في Recueil des Hist. des Croisades hist. Occid - جـ ٥، ص ٣٠٢ - ٣١٦). وجاء في هذا التقرير أن اليهود دلوا الفاتحين العرب على مدخل المعبد الذي كان قد أحاطه الروم بالأسوار، وكافأهم العرب على ذلك بالسماح لهم
стр. 4682
بالعيش آمنين بمدينة الخليل وأن يشيدوا فيها معبدًا لهم أمام مدخل معبد إبراهيم abramium . ولا نستطيع أن نعرف على التحقيق متى تم تحويل الكنيسة الرومية إلى مسجد إبراهيم.
وأول ما ذكر عن المسجد ورد في كتاب الإصطخرى وكتاب ابن حوقل في القرن العاشر وليس في القرن الثامن كما ذكر Palestine) Le Strange ص ٣٠٩) وفنسنت Hebron) Vincent ص ١٦٠). ويقول المقدسي، وهو أول من أسهب في وصف الخليل، إن قبر إبراهيم ﵇ كانت تعلوه قبة بنيت في العهد الإسلامي. ويقول مجير الدين (في ترجمة كتابه التي قام بها Sauvaire ص ١١) إنها شيدت في عهد الأمويين. وكان قبر إسحاق مغطى بعضه وقبر يعقوب قباله. وكان المقدسي أول من ذكر تلك الهبات الثمينة التي قدمها الأمراء الورعون من أقاصى البلاد إلى هذا الضريح، وذلك الاستقبال الكريم الذي كان يلقاه الحجاج من جانب التميميين وتلك المقادير من الزيت والعدس التي كان الحجاج يتلقونها في تكايا التميميين، ويفضل هذا الكاتب الإمساك عن ذلك الزاد لأسباب دينية محضة، وأنكر بعد ذلك الفقيه المغربي الفاسي المتوفى عام ٧٣٧ هـ (١٣٣٦ م) أكل هذا العدس، وكان يعرف "بالعدس الخليلى" وحذر الناس من الصلاة داخل المسجد بدلا من الصلاة أمامه، لأن موضع قبر إبراهيم لم يكن معروفا على التحقيق. واشتد في ذم الرقص الذي يصاحب الموكب الموسيقى الذي كان يقام للخليل، ومن ثم اشتق اسم الخليلية، وهو يطلق على فرقة من الموسيقى خاصة بهذا الموكب. وهذا الموكب يشاهده المرء كل يوم في الضريح (انظر Goldziher: ZD.P.V سنة ١٨٩٤ جـ ١٦، ص ١١٥ - ١٢٠، وانظر أيضا Shreiner في Z.D. M.G جـ ٥٣؛ ص ٥ وما بعدها).
وزار ناصر خسرو هذه المدينة قبل نشوب الحروب الصليبية بنصف قرن (١٠٤٧) وكانت في ذلك الوقت على الجانب الشمالى من الحرم فحسب، وهو يذكر في يومياته وصفا دقيقا لهذا الضريح، يقول إن الخليفة المهدي
стр. 4683
الفاطمى (٩١٨ هـ) شيد أول الأمر بابا في منتصف السور الشمالى الشرقى للضريح، ولم يكن من الميسور قبل ذلك الوصول إلى الحرم، أما المقصورة فتضم قبور البطارقة وهي غنية بزخارفها وبها محاريب كثيرة.
ولما استولى الصليبيون على الخليل أعطاها كودفرى بويون Godfrey de Bouillon عام ١١٠٠ إلى جيرار دافيسن Gerard d'Avesnes المتوفى عام ١١٠٢ ثم وليها من بعده، هيكوده ربيك Hugo de Rebeqe ثم روهاردوس Rohardus ثم كلتريوس محمَّد Galterius Mahomed ثم وليها آخر الأمر بلدوين، وفي عهده (١١١٩) كشف عن قبور البطارقة وكان بلدوين وخلفاؤه فيما يظهر ولاة على حبرون فحسب، وكانوا بادئ الأمر تابعين لصاحب الكرك. وجعلت مدينة حبرون أسقفية عام ١١٦٨.
ويقول على الهروى الذي زار بيت المقدس والخليل عام ٥٦٧ هـ (١١٧١ - ١١٧٢ م) إنه تعرف بفارس نصراني في بيت لحم كان قد زار وهو في صحبة أبيه عندما كان صبيا في الثالثة عشرة من عمره، المغاور التي دفن فيها البطارقة وقد ذكر هذا الفارس أن هذه المغاور جددها فارس يدعى جفرى بن حرج بأمر من الملك بردويل (بلدوين الثاني). ولعل هذا الملك هو الذي دعا إلى إقامة المبانى التي تقوم حول الحرم، وفيها استعيض عن سقف المقصورة المستوى بعقود عليها سقوف منحدرة (انظر Hebron: Vincent ص ١٦٦) وانتقلت الخليل مرة أخرى إلى حوزة العرب بعد وقعة حطين. ويذهب مجير الدين (طبعة بولاق، ص ٥٦ من أسفل، ترجمة Sauvaire ص ١٦) إلى قول يمكن أن يكون صحيحًا (انظر Heb-: Vincent ron كتابه المذكور، ص ٢٤٢ - ٢٥٠) وهو أن المنبر الذي يقوم إلى جانب المحراب بالحرم كان في الأصل هبة قدمها الخليفة الفاطمى المستنصر عام ٤٨٤ هـ (١٠٩١ - ١٠٩٢ م) لمشهد الحسين بن علي ﵁ بعسقلان كما جاء في إحدى الكتابات الكوفية الباقية إلى اليوم، وأن صلاح الدين أمر بنقله إلى الخليل ووضعه في الحرم. والظاهر أن ذلك كان عام ٥٨٨ هـ (١١٩٢ م) بعد إزالة أسوار
стр. 4684
عسقلان (انظر Berchem في Festschrift Eduard Sachau gewidment برلين ١٩١٥، ص ٢٩٨ - ٣١٠ Hebron: Vincent، ص ٢١٩ - ٢٥٠). وانتقلت مدينة الخليل بعد وفاة صلاح الدين إلى يدي الناصر داود صاحب الكرك، والواقع أن جيوش السلطان الصالح أيوب قد انتزعت هذه المدينة من الناصر هي وغيرها من المدن عام ١٢٤٤ , ولكنه استعادها في العام التالي بمساعدة الخوارزمية.
ولدينا من هذا العهد وصفان مفصلان للحرم، أحدهما لأبي الفداء إسحاق الخليل كتبه عام ١٢٥١ ونقله السيوطي عنه عام ١٤٧٠ م ومجير الدين عام ١٤٩٦، والثاني لابن بطوطة الذي زار الخليل عام ١٣٥٥. ويؤيد ابن بطوطة صحة موقع مقابر البطارقة في حين يشك آخرون في ذلك مثل مواطنه العبدري (انظر ما أسلفنا بيانه). ونقل إسحاق الحبرونى قصة عن محمَّد ابن بكران الخطيب (٣٢٠ هـ = ٩٣٢ م) أحد خدام مسجد إبراهيم ﵇ وذكر مراحل إسنادها وقد رويت هذه القصة التي ذكرها الحبرونى من قبل بروايات أقصر من ذلك في كتاب علي الهروى. وقد جاء فيها على لسان أبي بكر الإسكافي، الذي كانت له أفضال على هذا الضريح، كيف تيسر له الوصول إلى مغارة الدفن نزولا على رغبته، وأن الهبوط إليها اقتضاه نزول اثنتين وسبعين درجة، ومع ذلك فإن من الجلى أن تفاصيل هذه القصة مختلقة. ومحمد بن بكران هذا هو مصدر تلك الترجمة الخيالية التي قام بها أحد فقهاء حلب لكتابة يونانية لا تزال باقية (انظر altchristl. Ba-Mader siliken ص ١٣٥ تعليق رقم ٣؛ - Vin Hebron: cent ص ١٦٠ وما بعدها).
واستولى المغل على مدينة الخليل عام ١٢٦٠ , ولكن بيبرس أخرجهم منها في هذا العام نفسه. وزار بيبرس هذه المدينة في مايو سنة ١٢٦٦ عندما ولى السلطنة المصرية، وكان محرما على اليهود والنصارى في ذلك الوقت دخول الحرم (Gesch. Konigr Je-: Rohrricht rusalem ص ٩٢٩).
стр. 4685
وأمر بيبرس به. عادة بناء المسجد عام ١٢٦٧، وإعادة بناء المدينة عام ١٢٦٨ (المقريزى ترجمة Quatremere جـ ٢، ص ٤٨، ٥١). ولا يمكن أن تشير هذه الرواية إلا إلى بعض التعديلات المعمارية اليسيرة التي أدخلت على الحرم (Vincent: كتابه المذكور ص ١٠٩) وأدخل السلطان قلاوون أيضا (١٢٧٩ - ١٢٩٠) شيئًا من الزخرفة كما طلى الأسوار في أجزاء مختلفة من الحرم، نستدل على ذلك من النقوش التي تركها في الخليل.
ويذكر لنا مجير الدين أيضا بعض المعلومات الأخرى عن أعمال التجميل والتعديلات المعمارية التي أدخلت على بناء الضريح على يد تنكز نائب الشام وأحد معاصري أبي الفداء، فقد غطى الواجهات الأربع الداخلية للمسجد بالمرمر عام ٧٣٢ هـ الموافق ١٣٣١ - ١٣٣٢ م (انظر Z.D.P.V.: Berchem سنة ١٨٩٦ , جـ ١٩، ص ١١١ وما بعدها) وأحدث السلطان برقوق أيضا تغييرات كبيرة في الحرم بإيحاء شهاب الدين أحمد اليغمورى والي بيت المقدس والخليل وحارس الضريحين. ففي عام ٧٩٦ هـ (١٣٩٤ م) لم يكتف برقوق بإقامة محراب جديد للمالكية في مسجد النساء بل أقام أيضًا بابًا جديدًا في الجانب الغربي للكنيسة الرومية القديمة خلف قبر إبراهيم مباشرة، كما شيد بابا آخر في السور الغربيّ للحرم فيما يعرف بحائط سليمان، وهذا الباب قريب من مقام يوسف. وقد قام السلطان الناصر حسن (١٣٤٧ - ١٣٦١ م) ببناء هذا المقام علاوة على القلعة التي أقيمت في العصور الوسطى، وأصبحت فيما بعد مدرسة. ويقع مدخلها قبالة عين الطواشى. وأمر اليغمورى ببناء قبة فوق المقام شبيهة بالقباب التي فوق القبور التي في داخل الحرم. وفي عهد السلطان محمَّد الناصر (١٢٩٣ - ١٣٤١ م) شيد الأمير سنجر الجاولى عام ٧١٨ - ٧٢٠ هـ (١٣١٨ - ١٣٢٠ م)، في الجوانب الصخرية من جبل جعابرة المسجد الذي يقوم قبالة السور الشمالى الشرقى
стр. 4686
للحرم، والذي سمى باسم الجاولية نسبة إليه. وكان للسلطان الملك الأشرف، والسلطان إينال (٥٥٩ هـ = ١٤٥٤ م)، والسلطان الظاهر خشقدم (٨٦٧ هـ = ١٤٦٢ - ١٤٦٣ م) وهم من سلاطين المماليك، أياد بيضاء على الحرم ومسجد الجاولية.
ولا نعرف شيئًا أكثر من ذلك عن تاريخ الخليل وعن عمارة الحرم بعد عام ٩٥١ هـ (١٤٩٦ م) وهو العام الذي كتب فيه مجير الدين كتابه. ومن المحتمل أن تكون عمارة الحرم قد تمت حوالي ذلك الوقت. وليس لدينا من عهد الحكم التركى، ومدته أربعمائة عام (١٥١٧ - ١٩١٧) علاوة على الإشارات التي ذكرها الرحالة الغربيون، سوى كتابات قليلة ترجع إلى السنوات من ١٠٠٨ هـ (١٥٩٩ - ١٦٠٠ م) إلى ١٣١٣ هـ (١٨٩٥ - ١٨٩٦ م) من عهد عبد الحميد) Vincent: كتابه المذكور، ص ٢٠٦، صورة رقم ٧٩).
وتتكون مدينة الخليل الحديثة من الأحياء السبعة: حارة الشيخ (أي الشيخ على بكا) وحارة باب الزاوية، وحارة القزازين، وحارة العَقَّابى، وحارة الحرم، وحارة المُشَاركة، وحارة القَيْطون. وتقع المدينة في وادى الخليل، بين تلال الرميدة التي تقوم عليها المدينة القديمة ونهر (أبو الرمان) في الجنوب الغربي، وجبل جعابرة في الشمال الشرقى.
وبلغ عدد سكان الخليل عام ١٩٢١: ١٧ ألف نسمة منهم ١٥٠٠ من اليهود. والحرم هو أهم عمائر الخليل. ولم يتيسر لفنسنت Vincent والكابتن ماكاى Mackay التوسع في التنقيب عن آثارها والكشف عن خطة عمائرها إلا في الأسبوع من ٢٦ يناير إلى ٣ فبراير سنة ١٩٢٠ بعد أن قام الميجور Rich mond ريشموند عالم الآثار الفرنسى بالأعمال التمهيدية لذلك.
ويقال إن قبور البطارقة واقعة تحت الحرم كما جاء في رواية قديمة، هذا ولم يكشف بعد عن هذه القبور.
المصادر:
(١) المكتبة الجغرافية العربية، جـ ١، ص ٥٧؛ جـ ٢، ص ١١٣؛ جـ ٣، ص ١٧٢.
стр. 4687
(٢) ناصر خسرو: سفر نامه، طبعة شيفر Scefer , ص ٥٣ - ٥٨ وطبعة كوبانى، ص ٤٦ - ٤٩, برلين ١٩٢٣.
(٣) الإدريسى في Z.D.P.V جـ ٨ (النص) ص ٩؛ الترجمة، ص ١٢٧.
(٤) على الهروى، ترجمة شيفر في Archives de L'Orient Latin جـ ١، ص ٦٠٦ وما بعدها وفي ياقوت، جـ ٢، ص ٤٦٨.
(٥) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٣٤٣ , ٣٤٩ , ٣٧١.
(٦) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، جـ ١٠، ص ٤٨٤.
(٧) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ١٩٤.
(٨) صفي الدين: مراصد الاطلاع، طبعة Juynboll جـ ١، ص ٢٨٤.
(٩) ابن بطوطة، طبعة باريس، جـ ١، ص ١١٩ وما بعدها.
(١٠) السيوطي (عن إسحاق الخليلي) في Le Strange: مجلة الجمعية الأسيوية الملكية المجموعة الجديدة، جـ ١٩، ص ٢٨٩ وما بعدها.
(١١) خليل الظاهرى: زبدة كشف الممالك، طبعة Ravaisse, ص ٢٤ , الترجمة بقلم R.Hartmann ص ٣٣ وما بعدها.
(١٢) القلقشندى، صبح الأعشى، جـ ٤، ص ١٠٣.
(١٣) La: Gaudeferoy - Demombynes .. Syrie، ص ٦٢.
(١٤) مجير الدين: كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل, بولاق، سنة ١٢٨٣ , ترجمة sauvaire بعنوان Histoire de Jerusalem et d'Hebron باريس ١٨٧٦.
(١٥) Palestine under the: Le Strange Moslems, ص ٣٠٩ - ٣٢٧.
(١٦) Hist. des Sultans: Quatremere Mamlouks جـ ١، القسم الثاني ص ٢٣٩ - ٢٥٢.
(١٧) Hebron et le tombeau: Barges du Patriarche Abraham باريس ١٨٦٣.
(١٨) Riant في Archives de l'or. Latin جـ ٢ (سنة ١٨٨٤) , ص ٤١١ - ٤٢١ , ونجد في ص ٤١٢ ثبتا بأسماء
стр. 4688
من زاروا الحرم من عام ١٠٨٧ إلى ١٨٨٢.
(١٩) Conder في Quarterly State ment of the P.E.F ١٨٨٢, ص ١٩٧ - ٢١٤.
(٢٠) المؤلف نفسه في Survey of Western Palestine Memoirs جـ ٣، ص ٣٣٣ - ٣٤٦.
(٢١) Altchristliche Basi-: Mader liken ... في Studien zur Gesch. und Kultur des Altertums جـ ٨، القسم ٥/ ٦، سنة ١٩١٨ , ص ١٢٠ - ١٣٦, المصدر الحجة هو كتاب H.Vincent and Hebron, le Haram e! -: E.J.H.Mackay Khalil. Sepulture des Patriarches باريس ١٩٢٣ وبه مجموعة من الصور ١ - ٢٨.
الشنتناوى [هونيكمان E.Honigmann]
الخليل بن أحمد
ابن عمرو بن تميم الفراهيدى الأزدى: نحوى عربي وفقيه لغوى من أهل عمان، توفي بالبصرة بين عامى ١٧٠ و ١٧٥ هـ (٧٨٦ و ٧٩١ م) بالغًا من العمر خمسًا وسبعين سنة.
درس الخليل الحديث وفقه اللغة على أيوب السختيانى وعاصم الأحول والعوام بن حوشب وغيرهم. وقد تخلى الخليل عن المذهب الإباضى واعتنق مذهب أهل السنة عملا بنصيحة أستاذه أيوب. وكان الخليل رجلًا شديد الورع عاش فقيرا. ونذكر من تلاميذه: سيبويه والأصمعى والنضر بن شميل والليث بن المظفر بن نصر وغيرهم. ويتفق كتاب السير جميعًا على أن الخليل هو واضع علم العروض وقواعده في العربية. ولا تزال طريقته هي السائدة اليوم على الرغم من المحاولات الكثيرة الأخرى التي بذلت لوضع طريقة غيرها. على أنه لم يصل إلينا من مؤلفاته في هذا الموضوع سوى شواهد من أبياته وردت في رسائل مختلفة.
وكان الخليل أيضا أول من صنف معجما عربيًا هو كتاب العين. والظاهر أنه رتبه على حروف الهجاء عند نحاة
стр. 4689
السنسكريتية، وهي التي تبدأ بحروف الحلق حتى تصل إلى حروف الشفة: عين، حاء هاء، خاء، غين، قاف، كاف، جيم، شين، صاد، ضاد، سين، راء، طاء، دال، تاء، ظا، ذال، ثاء، زاى، لام، ميم، فاء، نون، واو، ألف (همزة)، (١) ياء. وثمة قول يقرر أن الخليل ليس هو مؤلف كتاب العين وإنما الذي ألفه هو تلميذه الليث؛ وقول آخر يذهب إلى أن النضر صنف هذا المعجم على الأساس الذي وضعه أستاذه أو أنه هو الذي أتمه. وقد يحق لنا أن نعتقد أن هذين القولين ما هما إلا محاولة للتقليل من شهرة الخليل. ومهما يكن من شيء فإنه لم يصل إلينا من هذا المعجم سوى المختصر الذي قام به أبو بكر الزبيدى الفقيه اللغوى الأندلسي (برلين Verz، رقم ٦٩٥٠ - ٦٩٥٢؛ مدريد المكتبة الأهلية، رقم ٥؛ Bib! . de La Junta رقم ٣٥، ٤٩؛ الآستانة مكتبة كوبرللى، رقم ١٥٧٤؛ Les manuscrits arabes de L'Escurial درنبورغ, الأرقام ٥٦٩, ٥٧, ٥٧١).
وثمة مصنفات أخرى تنسب للخليل وصلت إلينا ولكنا نشك في صحتها أو نشك على الأقل في صحة الصورة التي وصلت بها إلينا، وهي:
(١) كتاب في معنى الحروف (. Cat Cod. Arab جـ ١، ص ٨١، برلين، رقم ٧٠١٥ - ٧٠١٦).
(٢) كتاب شرح صرف الخليل وتوجد فقرة منه في برلين، رقم ٦٩٠٩.
(٣) كتاب فيه جملة آلات الإعراب، آيا صوفيا، رقم ٤٤٥٦.
(٤) فقرة عن تصريف الفعل، بودليانا، جـ ٢. رقم ١٠٦٧ , ٤.
المصادر:
(١) الفهرست، طبعة فلوكل، جـ ١، ص ٤٢.
стр. 4690
(٢) ابن قتيبة: كتاب المعارف، القاهرة سنة ١٣٠٠ , ص ١٨٣.
(٣) ابن خلكان: الوفيات، القاهرة ١٣١٠, جـ ١ ص ١٧٢.
(٤) السمعانى: كتاب الأنساب، ليدن ١٩١٢, ورقة رقم ٤٢١.
(٥) النووى: تهذيب الأسماء، طبعة فستنفلد، ص ٢٣٠.
(٦) ابن حجر: تهذيب التهذيب، حيدر آباد سنة ١٣٢٥ جـ ٣، رقم ٣١٢.
(٧) السيوطى: بغية الوعاة، القاهرة ١٣٢٦, ص ٢٤٣.
(٨) المؤلف نفسه: المزهر، بولاق سنة ١٢٨٢ , جـ ١، ص ٣٨.
(٩) الخزرجى: خلاصة تهذيب الكمال، القاهرة ١٣٢٢ , ص ٩١.
(١٠) الأنبارى: نزهة الألبا، القاهرة سنة ١٢٩٤ , ص ٥٤.
(١١) الدلجى: الفلاكه والمفلوكون، القاهرة سنة ١٣٢٢ , ص ٦٩.
(١٢) ابن خلدون: المقدمة، ترجمة سلان، جـ ٣، ص ٣١٤.
(١٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، انظر الفهرس.
(١٤) Darstellung d. Arab.: Freytag Verskunst بون سنة ١٨٣٠، ص ١٧ , ٣١ , ٣٤.
(١٥) Die gramm. Schulen: Flugel der Araber ليبسك سنة ١٨٦٢ ص ٣٧ وما بعدها.
(١٦) Abhandl. z.arab.: Goldziher philologie ليدن سنة ١٨٩٦ جـ ١، ص ١٣٩.
(١٧) Gesch der.: Brockelmann arab. Litt جـ ١، ص ١٠٠.
(١٨) Litt., Arabe: Huart ص ١٣٨.
الشنتناوي [محمد بن شنب]
خليل بن إسحاق
ابن موسى بن شعيب أبو المودة ضياء الدين، ويكنى بابن الجندى، ويعرف في الجزائر عادة باسم سيدي خليل: فقيه مالكى عظيم من فقهاء
стр. 4691
مصر، توفي بالقاهرة في ١٣ ربيع الأول عام ٧٧٦ (٢١ أغسطس سنة ١٣٧٤) أو في ٧٦٧ أو ٧٦٩ في رواية أخرى.
درس خليل على ابن عبد الهادي والرشيدي، وعلى عبد الله المنوفي خاصة. وكان أبوه على المذهب الحنفي، ولكن خليلا اعتنق المذهب المالكي نزولا على رغبة شيخه المنوفي. فلما توفي المنوفي عام ٧٤٠ هـ (١٣٤٨ م) كرس خليل حياته للتعليم، ودرّس في المدرسة الشيخونية.
والتحق خليل أيضا بخدمة الحرس المظفر فأسهم بذلك في انتزاع الإسكندرية من أيدى النصارى عام ٧٦٧ هـ (١٣٦٥ - ١٣٦٦ م). واعتزل خليل الناس والعالم بعد ذلك وتفرغ للدرس والعبادة، وقد حج إلى مكة وأقام ردحًا من الزمن في المدينة.
والخليل من حيث هو فقيه يشبه إمامه ابن الحاجب، فهو يمثل المدرسة الفقهية التي لم تتأثر بالشافعية إلا قليلًا، وهي المدرسة التي نشأت من امتزاج الآراء المصرية بالآراء المغربية في الفقه المالكي. وما زال كتابه المختصر أكثر الكتب الفقهية تداولا في الجزائر على الرغم من إيجازه الذي يصل إلى حد الإبهام. وقد طبع هذا الكتاب في باريس عام ١٨٥٥، وتعددت طبعاته حتى عام ١٨٨٣. وفي عام ١٩٠٠ أخرج دلفين G. Delphin طبعة جديدة من هذا الكتاب. ونشر فانيان E. Fagnan كتاب concordances du manuel du droit بالجزائر عام ١٨٨٩ معتمدًا على طبعة عام ١٨٨٣.
واصدر الدكتور بيرون Dr. Perron ترجمة هامة لهذا المختصر جعل فيها النص متمشيا مع الشرح وسماها Precis de Jurispr . musulm Ou Princines de legisl musulm. civile et relig. selon ke rite . malkite) باريس ١٨٤٨ - ١٨٥٤). وقد ظهرت منذ ذلك الوقت عدة نقول لبعض أجزاء من هذا المختصر هي: Sautayra et Du Statut personnel et des: Cherbonneau successions باريس ١٨٧٣ - ١٨٧٤؛ Code musulman par Khalil rite: Seignette malekite- Statut reel القسطنطينية ١٨٧٨؛ Le Djihad ou Guerre: Fagnan
стр. 4692
Sainte الجزائر ١٩٠٨؛ المؤلف نفسه: mariager et repudiation, trad. avec comment, الجزائر عام ١٩٠٩.
ونذكر من مؤلفات خليل الأخرى:
(١) التوضيح، وهو شرح على مختصر ابن الحاجب، الجزائر، المكتبة الأهلية، رقم ١٠٧٧ - ١٠٨٤ (٢) كتاب المناسك، المتحف البريطانى، الفهرس، رقم ٢٥٩، جـ ٢، المكتبة الخديوية (١)، الفهرس، جـ ٣، ص ١٨٤. (٣) مناسك الشيخ عبد الله المنوفي، وهو سيرة لأستاذه، المكتبة الخديوية (١)، جـ ٥، ص ١٥٩. (٤) ضبط الموجهات وتعريفها، المكتبة الخديوية (١)، الفهرس، جـ ٧، ص ٢٧٨.
المصادر:
(١) السيوطي: حسن المحاضرة، القاهرة ١٣٢١ , جـ ١، ص ٢١٧.
(٢) المقرى: Analecte , جـ ٢، ص ١٢٠.
(٣) ابن فرحون: الديباج، فاس سنة ١٣١٦ , ص ١١٧.
(٤) أحمد بابا: نيل الابتهاج، فاس سنة ١٣١٧ , ص ٩٥ (وقد ورد هذا الكتاب أ - في بداية الطبعة الفرنسية كتاب المختصر وترجمه إلى الفرنسية Fagnan في بداية كتابه Mariahe et repudiation ب - في كتاب ابن مريم: البستان: الجزائر عام ١٣٢٥, ص ٩٦، وترجمة Provenzali الجزائر سنة ١٩١٠, ص ١٠٤ - جـ ترجمة Vincent في Etudes sur la loi musulm باريس ١٨٤٢، ص ٤٦).
(٥) أحمد بابا: الكفاية، مخطوط بمدرسة الجزائر، ورقة رقم ٤٤.
(٦) Le droit musulum. al-: Morand ger (rite malekite) Ses Origines, الجزائر ١٩١٣.
(٧) Gesch. der arab.: Brocklmann litt جـ ٢، ص ٨٣.
(٨) Litt arab.: Huart ص ٣٤٠.
(٩) محمد بن شنب: Etudes sur les pers. Ment. Dens l'idiaza du cheikh Abd el-Qadir al-Fasi - باريس ١٩٠٧، رقم ٢٩٣.
الشنتناوى (محمَّد بن شنب).
стр. 4693
خليل أفندي زاده
أحمد سعيد أفندي: من العلماء الذين ظهروا في عهد السلطان محمود الأول (١٧٣٠ - ١٧٥٤). وهو ابن بركلى خليل أفندي، ولى منصب قاضى عسكر الأناضول مرتين. ودرس خليل على أبيه ثم تلقى الدروس المألوفة في المدرسة، وبدأ حياته مُلا في يكى شهر عام ١١٣٥ هـ (١٧٧٢ - ١٧٢٣) ثم أخذ يرتقى مراتب العلماء حتى بلغ أسماها. واختير خليل شيخا للإسلام عام ١١٦٢ هـ (١٧٤٩ م) ولكنه صرف عن منصبه عام ١٧٥٠، بعد أن ظل فيه عشرة أشهر، لصلابته وعناده، ونفي إلى بروسه حيث توفي بها عام ١١٦٨ هـ (١٧٥٤ - ١٧٥٥) ودفن بالقرب من أمير سلطان.
وكان خليل في نظر الناس عالما من أصحاب الأقلام مؤهلا تمام التأهل لكل ما يتطلبه منصبه. وخلف لنا خليل، علاوة على شرحه لتاريخ عينى المتوفي عام ٧٦٢ , ترجمة تركية لجزء من ذلك الكتاب. واشتهر كثير من أبنائه وأحفاده بالتفقه في الدين.
المصادر:
(١) رفعت أفندي: دوحة المشايخ، طبعة حجرية بالآستانة في تاريخ مجهول.
(٢) سامى: قاموس الأعلام، الآستانة عام ١٣٠٨ ك جـ ٣، ص ٢٠٥٦.
(٣) ثريا: سجل عثمانى، الآستانة سنة ١٣١١ , جـ ٢، جـ ٣، ص ٢٨.
الشنتناوى [منزل Th. Menzel]
خمارويه
ابن أحمد بن طولون، ولد عام ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) وأقامه أبوه أحمد نائبا له على مصر منذ عام ٢٦٩ هـ (٨٨٢ م) وعين أحمد ولده خمارويه خليفة له نزولا على رغبة قواده عندما كان في حملة له في شمال الشام، وكان ذلك قبيل وفاته بقليل إذ حضرته الوفاة في ذي القعدة عام ٢٧٠ (مايو ٨٨٤).
أما أخوه الأكبر عباس فكان قد خرج على أبيه من قبل، ومن ثم عد رجلًا فظا لا يعول عليه. وأظهر أحمد وهو على
стр. 4694
﴿فراش الموت ميلا إلى مصالحه الموفق أخي الخليفة المعتمد، وكان على جانب عظيم من القوة والنفوذ. وكان المعتمد قد أخذ ينظر عن طيب خاطر فيما اقترحه أحمد، غير أن المفاوضات لم تتم لوفاة أحمد. ذلك أن نفوذه العظيم إنما هو الذي دفع أعداءه إلى النظر في مفاوضات الصلح على أساس تعيينه حاكما على مصر والشام. ولما توقفت هذه المفاوضات ذهب اثنان من أتباع الخليفة وهما ابن كنداج، وكان قد أقيم من قبل واليًا على دمشق، وأبو الساج، والي الجزء الشمالي من أرض الجزيرة، على رأس جيوشهما إلى الشام طلبًا لمعونة الموفق، فوعد بها، وانضم إليهما والي دمشق ونزل عن أنطاكية وحلب وحمص لابن كنداج. وعندئذ أنفذ خمارويه جيشه إلى الشام فأخمد الفتنة في دمشق ثم تقدم الجيش في سيره حتى بلغ شيزر على نهر العاصى. وقد اضطر الفريقان إلى الالتجاء إلى مشتيهما بسبب حلول الشتاء. وفي ذلك الوقت بلغ أحمد بن الموفق الشام على رأس جيش الخليفة واقتحم أحمد هو وابن كنداج معاقل الجيش المصري وألحقا به هزيمة منكرة وفر الجيش إلى دمشق، فلما طرد منها لجأ إلى الرملة، غير أن أحمد تشاحن مع قائدى الخليفة فتخليا عنه، ولم يبق معه سوى أربعة آلاف رجل. وكان خماروية في الوقت ذاته قد وصل من مصر إلى الرملة على رأس جيش كبير تبلغ عدته سبعين ألف رجل على ما يقال. وتقابل الجيشان في ١٦ شوال عام ٢٧١ (١٦ أبريل عام ٨٨٥) وحدثت بينهما وقعة الطواحين المشهورة إلى الشمال من يافا. ولم يكن خمارويه قد اشترك في قتال من قبل. لذلك لم يستطع المقاومة طويلا وفر راجعا إلى مصر ومعه الجزء الأكبر من جيشه. وعندئذ انقضت جيوش أحمد على معسكر المصريين وأخذوا في نهبه فتصدت لها كتيبة من الجنود المصريين كانت قد بقيت هناك للاستعانة بها عند الحاجة، فظن أحمد أن خمارويه عاد هو وجنده، ففر على عجل إلى دمشق، ولكن والي هذه المدينة قفل أبوابها في وجه جنده فذهبوا إلى طرسوس في جنوب آسية الصغرى. وقد وقع جزء كبير من هذا الجيش في الأسر، ونقل إلى مصر؛ وهنا أظهر خمارويه حبه
стр. 4695
العجيب للإنصاف والسلام فخير الأسرى بين العودة إلى العراق دون أن يؤدوا الفدية أو المكوث في دولته. وعاد أحمد إلى أرض الجزيرة.
وانتقض على خمارويه أحد قواده، ولكنه أوقع به الهزيمة، ذلك أنه كان قد استرد شجاعته، بل تمكن بفضلها من هزيمة ابن كنداج، وكان قد حمل السلاح في وجهه من قبل، ثم أخذ خمارويه آنئذ في مفاوضة الموفق، وفي عام ٢٧٣ هـ (٨٨٦ م) اعترف بخمارويه واليًا على مصر والشام وتخوم آسية الصغرى وأرمينية مدة ثلاثين عاما نظير جزية ضئيلة يؤديها. ونشب القتال مرة أخرى عام ٢٧٣ - ٢٧٧ هـ (٨٨٦ - ٨٩٠ م) بين خمارويه والولاة المنتقضين عليه، وانتهى بالاعتراف بخمارويه سيدًا على أرض الجزيرة أيضًا. وفي رجب عام ٢٧٩ هـ (أكتوبر ٨٩٣) توفي الخليفة المعتمد وخلفه أحمد بن الموفق وتلقب بالمعتضد، وقد ثبت المعتضد خمارويه في ملكه. وأراد خمارويه أن يوثق صلته بالخليفة فعرض عليه ابنته لتكون زوجا لولده، غير أن الخليفة اختارها لنفسه وتزوجها، وقد ضحى خمارويه بأموال وفيرة لبلوغ إربه هذا، ويقال إن مهر الأميرة يقدر بخمسين ألفا من الجنيهات الإنكليزية، وكان التباين بين ثراء والي أحد الأقاليم وفقر الحكومة المركزية التي يمثلها الخليفة عجيبا في هذه المناسبة، ذلك أنه كان من المستحيل على الخليفة أن يجبى الأموال من الأقاليم لأن ولاتها المستقلين قد احتفظوا لأنفسهم بكل الدخل ولم يقدموا إليه إلا جزية متواضعة، ويروى أن الأميرة عندما جاءت إلى بغداد، بحث الخليفة ورئيس خصيانه عن شمعدانات لاستقبالها الاستقبال اللائق بها, ولكن صاحب الرواية يقول إن الخليفة لم يستطع أن يجمع أكثر من خمسة شمعدانات مموهة بالذهب والفضة، ثم سمع أن الأميرة جاءت في صحبة مائة وخمسين خادما يحمل كل منهم شمعدانا مموها بالذهب والفضة وعندئذ قال لكبير الخصيان: هلم ودعنا نختفي عن العيون حتى لا يرانا الناس في هذا الفقر. وقد اشتهرت الأميرة قطر الندى بذكائها وجمالها, ولابد أنها سيطرت