مصر، توفي بالقاهرة في ١٣ ربيع الأول عام ٧٧٦ (٢١ أغسطس سنة ١٣٧٤) أو في ٧٦٧ أو ٧٦٩ في رواية أخرى.
درس خليل على ابن عبد الهادي والرشيدي، وعلى عبد الله المنوفي خاصة. وكان أبوه على المذهب الحنفي، ولكن خليلا اعتنق المذهب المالكي نزولا على رغبة شيخه المنوفي. فلما توفي المنوفي عام ٧٤٠ هـ (١٣٤٨ م) كرس خليل حياته للتعليم، ودرّس في المدرسة الشيخونية.
والتحق خليل أيضا بخدمة الحرس المظفر فأسهم بذلك في انتزاع الإسكندرية من أيدى النصارى عام ٧٦٧ هـ (١٣٦٥ - ١٣٦٦ م). واعتزل خليل الناس والعالم بعد ذلك وتفرغ للدرس والعبادة، وقد حج إلى مكة وأقام ردحًا من الزمن في المدينة.
والخليل من حيث هو فقيه يشبه إمامه ابن الحاجب، فهو يمثل المدرسة الفقهية التي لم تتأثر بالشافعية إلا قليلًا، وهي المدرسة التي نشأت من امتزاج الآراء المصرية بالآراء المغربية في الفقه المالكي. وما زال كتابه المختصر أكثر الكتب الفقهية تداولا في الجزائر على الرغم من إيجازه الذي يصل إلى حد الإبهام. وقد طبع هذا الكتاب في باريس عام ١٨٥٥، وتعددت طبعاته حتى عام ١٨٨٣. وفي عام ١٩٠٠ أخرج دلفين G. Delphin طبعة جديدة من هذا الكتاب. ونشر فانيان E. Fagnan كتاب concordances du manuel du droit بالجزائر عام ١٨٨٩ معتمدًا على طبعة عام ١٨٨٣.
واصدر الدكتور بيرون Dr. Perron ترجمة هامة لهذا المختصر جعل فيها النص متمشيا مع الشرح وسماها Precis de Jurispr . musulm Ou Princines de legisl musulm. civile et relig. selon ke rite . malkite) باريس ١٨٤٨ - ١٨٥٤). وقد ظهرت منذ ذلك الوقت عدة نقول لبعض أجزاء من هذا المختصر هي: Sautayra et Du Statut personnel et des: Cherbonneau successions باريس ١٨٧٣ - ١٨٧٤؛ Code musulman par Khalil rite: Seignette malekite- Statut reel القسطنطينية ١٨٧٨؛ Le Djihad ou Guerre: Fagnan
стр. 4692
Sainte الجزائر ١٩٠٨؛ المؤلف نفسه: mariager et repudiation, trad. avec comment, الجزائر عام ١٩٠٩.
ونذكر من مؤلفات خليل الأخرى:
(١) التوضيح، وهو شرح على مختصر ابن الحاجب، الجزائر، المكتبة الأهلية، رقم ١٠٧٧ - ١٠٨٤ (٢) كتاب المناسك، المتحف البريطانى، الفهرس، رقم ٢٥٩، جـ ٢، المكتبة الخديوية (١)، الفهرس، جـ ٣، ص ١٨٤. (٣) مناسك الشيخ عبد الله المنوفي، وهو سيرة لأستاذه، المكتبة الخديوية (١)، جـ ٥، ص ١٥٩. (٤) ضبط الموجهات وتعريفها، المكتبة الخديوية (١)، الفهرس، جـ ٧، ص ٢٧٨.
المصادر:
(١) السيوطي: حسن المحاضرة، القاهرة ١٣٢١ , جـ ١، ص ٢١٧.
(٢) المقرى: Analecte , جـ ٢، ص ١٢٠.
(٣) ابن فرحون: الديباج، فاس سنة ١٣١٦ , ص ١١٧.
(٤) أحمد بابا: نيل الابتهاج، فاس سنة ١٣١٧ , ص ٩٥ (وقد ورد هذا الكتاب أ - في بداية الطبعة الفرنسية كتاب المختصر وترجمه إلى الفرنسية Fagnan في بداية كتابه Mariahe et repudiation ب - في كتاب ابن مريم: البستان: الجزائر عام ١٣٢٥, ص ٩٦، وترجمة Provenzali الجزائر سنة ١٩١٠, ص ١٠٤ - جـ ترجمة Vincent في Etudes sur la loi musulm باريس ١٨٤٢، ص ٤٦).
(٥) أحمد بابا: الكفاية، مخطوط بمدرسة الجزائر، ورقة رقم ٤٤.
(٦) Le droit musulum. al-: Morand ger (rite malekite) Ses Origines, الجزائر ١٩١٣.
(٧) Gesch. der arab.: Brocklmann litt جـ ٢، ص ٨٣.
(٨) Litt arab.: Huart ص ٣٤٠.
(٩) محمد بن شنب: Etudes sur les pers. Ment. Dens l'idiaza du cheikh Abd el-Qadir al-Fasi - باريس ١٩٠٧، رقم ٢٩٣.
الشنتناوى (محمَّد بن شنب).
стр. 4693
خليل أفندي زاده
أحمد سعيد أفندي: من العلماء الذين ظهروا في عهد السلطان محمود الأول (١٧٣٠ - ١٧٥٤). وهو ابن بركلى خليل أفندي، ولى منصب قاضى عسكر الأناضول مرتين. ودرس خليل على أبيه ثم تلقى الدروس المألوفة في المدرسة، وبدأ حياته مُلا في يكى شهر عام ١١٣٥ هـ (١٧٧٢ - ١٧٢٣) ثم أخذ يرتقى مراتب العلماء حتى بلغ أسماها. واختير خليل شيخا للإسلام عام ١١٦٢ هـ (١٧٤٩ م) ولكنه صرف عن منصبه عام ١٧٥٠، بعد أن ظل فيه عشرة أشهر، لصلابته وعناده، ونفي إلى بروسه حيث توفي بها عام ١١٦٨ هـ (١٧٥٤ - ١٧٥٥) ودفن بالقرب من أمير سلطان.
وكان خليل في نظر الناس عالما من أصحاب الأقلام مؤهلا تمام التأهل لكل ما يتطلبه منصبه. وخلف لنا خليل، علاوة على شرحه لتاريخ عينى المتوفي عام ٧٦٢ , ترجمة تركية لجزء من ذلك الكتاب. واشتهر كثير من أبنائه وأحفاده بالتفقه في الدين.
المصادر:
(١) رفعت أفندي: دوحة المشايخ، طبعة حجرية بالآستانة في تاريخ مجهول.
(٢) سامى: قاموس الأعلام، الآستانة عام ١٣٠٨ ك جـ ٣، ص ٢٠٥٦.
(٣) ثريا: سجل عثمانى، الآستانة سنة ١٣١١ , جـ ٢، جـ ٣، ص ٢٨.
الشنتناوى [منزل Th. Menzel]
خمارويه
ابن أحمد بن طولون، ولد عام ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) وأقامه أبوه أحمد نائبا له على مصر منذ عام ٢٦٩ هـ (٨٨٢ م) وعين أحمد ولده خمارويه خليفة له نزولا على رغبة قواده عندما كان في حملة له في شمال الشام، وكان ذلك قبيل وفاته بقليل إذ حضرته الوفاة في ذي القعدة عام ٢٧٠ (مايو ٨٨٤).
أما أخوه الأكبر عباس فكان قد خرج على أبيه من قبل، ومن ثم عد رجلًا فظا لا يعول عليه. وأظهر أحمد وهو على
стр. 4694
﴿فراش الموت ميلا إلى مصالحه الموفق أخي الخليفة المعتمد، وكان على جانب عظيم من القوة والنفوذ. وكان المعتمد قد أخذ ينظر عن طيب خاطر فيما اقترحه أحمد، غير أن المفاوضات لم تتم لوفاة أحمد. ذلك أن نفوذه العظيم إنما هو الذي دفع أعداءه إلى النظر في مفاوضات الصلح على أساس تعيينه حاكما على مصر والشام. ولما توقفت هذه المفاوضات ذهب اثنان من أتباع الخليفة وهما ابن كنداج، وكان قد أقيم من قبل واليًا على دمشق، وأبو الساج، والي الجزء الشمالي من أرض الجزيرة، على رأس جيوشهما إلى الشام طلبًا لمعونة الموفق، فوعد بها، وانضم إليهما والي دمشق ونزل عن أنطاكية وحلب وحمص لابن كنداج. وعندئذ أنفذ خمارويه جيشه إلى الشام فأخمد الفتنة في دمشق ثم تقدم الجيش في سيره حتى بلغ شيزر على نهر العاصى. وقد اضطر الفريقان إلى الالتجاء إلى مشتيهما بسبب حلول الشتاء. وفي ذلك الوقت بلغ أحمد بن الموفق الشام على رأس جيش الخليفة واقتحم أحمد هو وابن كنداج معاقل الجيش المصري وألحقا به هزيمة منكرة وفر الجيش إلى دمشق، فلما طرد منها لجأ إلى الرملة، غير أن أحمد تشاحن مع قائدى الخليفة فتخليا عنه، ولم يبق معه سوى أربعة آلاف رجل. وكان خماروية في الوقت ذاته قد وصل من مصر إلى الرملة على رأس جيش كبير تبلغ عدته سبعين ألف رجل على ما يقال. وتقابل الجيشان في ١٦ شوال عام ٢٧١ (١٦ أبريل عام ٨٨٥) وحدثت بينهما وقعة الطواحين المشهورة إلى الشمال من يافا. ولم يكن خمارويه قد اشترك في قتال من قبل. لذلك لم يستطع المقاومة طويلا وفر راجعا إلى مصر ومعه الجزء الأكبر من جيشه. وعندئذ انقضت جيوش أحمد على معسكر المصريين وأخذوا في نهبه فتصدت لها كتيبة من الجنود المصريين كانت قد بقيت هناك للاستعانة بها عند الحاجة، فظن أحمد أن خمارويه عاد هو وجنده، ففر على عجل إلى دمشق، ولكن والي هذه المدينة قفل أبوابها في وجه جنده فذهبوا إلى طرسوس في جنوب آسية الصغرى. وقد وقع جزء كبير من هذا الجيش في الأسر، ونقل إلى مصر؛ وهنا أظهر خمارويه حبه
стр. 4695
العجيب للإنصاف والسلام فخير الأسرى بين العودة إلى العراق دون أن يؤدوا الفدية أو المكوث في دولته. وعاد أحمد إلى أرض الجزيرة.
وانتقض على خمارويه أحد قواده، ولكنه أوقع به الهزيمة، ذلك أنه كان قد استرد شجاعته، بل تمكن بفضلها من هزيمة ابن كنداج، وكان قد حمل السلاح في وجهه من قبل، ثم أخذ خمارويه آنئذ في مفاوضة الموفق، وفي عام ٢٧٣ هـ (٨٨٦ م) اعترف بخمارويه واليًا على مصر والشام وتخوم آسية الصغرى وأرمينية مدة ثلاثين عاما نظير جزية ضئيلة يؤديها. ونشب القتال مرة أخرى عام ٢٧٣ - ٢٧٧ هـ (٨٨٦ - ٨٩٠ م) بين خمارويه والولاة المنتقضين عليه، وانتهى بالاعتراف بخمارويه سيدًا على أرض الجزيرة أيضًا. وفي رجب عام ٢٧٩ هـ (أكتوبر ٨٩٣) توفي الخليفة المعتمد وخلفه أحمد بن الموفق وتلقب بالمعتضد، وقد ثبت المعتضد خمارويه في ملكه. وأراد خمارويه أن يوثق صلته بالخليفة فعرض عليه ابنته لتكون زوجا لولده، غير أن الخليفة اختارها لنفسه وتزوجها، وقد ضحى خمارويه بأموال وفيرة لبلوغ إربه هذا، ويقال إن مهر الأميرة يقدر بخمسين ألفا من الجنيهات الإنكليزية، وكان التباين بين ثراء والي أحد الأقاليم وفقر الحكومة المركزية التي يمثلها الخليفة عجيبا في هذه المناسبة، ذلك أنه كان من المستحيل على الخليفة أن يجبى الأموال من الأقاليم لأن ولاتها المستقلين قد احتفظوا لأنفسهم بكل الدخل ولم يقدموا إليه إلا جزية متواضعة، ويروى أن الأميرة عندما جاءت إلى بغداد، بحث الخليفة ورئيس خصيانه عن شمعدانات لاستقبالها الاستقبال اللائق بها, ولكن صاحب الرواية يقول إن الخليفة لم يستطع أن يجمع أكثر من خمسة شمعدانات مموهة بالذهب والفضة، ثم سمع أن الأميرة جاءت في صحبة مائة وخمسين خادما يحمل كل منهم شمعدانا مموها بالذهب والفضة وعندئذ قال لكبير الخصيان: هلم ودعنا نختفي عن العيون حتى لا يرانا الناس في هذا الفقر. وقد اشتهرت الأميرة قطر الندى بذكائها وجمالها, ولابد أنها سيطرت
стр. 4696
على الخليفة كما نستبين من القصص والروايات، فقد قالت ذات مرة عندما دخل الخليفة غرفتها واحسرتاه لقد مات أبي. فلما سألها كيف عرفت ذلك أجابته، إنك كنت حين تقدم على تجثو على ركبتيك وتعفر جبينك بتراب الأرض تحية لي، أما الآن فلا تقول إلا طاب يومك.
ومن الطبيعى أن يكون إسراف خمارويه في حياته اليومية وفي زواج ابنته قد أضر كثيرا بمالية البلاد التي يحكمها، ومن الشواهد على إسرافه الشديد على بلاطه وفي تشييد العمائر الغالية، أنه أقام في فناء قصره بركة من الزئبق ترتكز على عمد لتخفف عنه ما يلاقيه من سهاد، فقد كان يرقد فوق سطح الزئبق على وسائد مملوءة بالهواء مشدودة إلى العمد، وكانت هذه الوسائد تؤرجح برفق فينام على حركتها فوق الزئبق، وإنه لمن سوء طالع مصر بصفة خاصة أن خمارويه سقط فريسة مؤامرة حين كان لا يزال شابًا. فقد بلغه أن زوجته المحبوبة كانت تخونه مع أحد خدمه، وأراد هذا الخادم أن ينجو من العقاب فصمم على قتل مولاه فانقض عليه هو ونفر من المتآمرين وقتلوه.
وصفوة القول أن خمارويه قد أفاء على بلاده عهدا من الأمن والسلام فنجت مصر من شر الحروب في عهده، إلا أنه أصابها شيء كثير من الضر نتيجة لإسرافه حتى أن أولاده الذين خلفوه فقدوا سلطانهم بإطراد، وسقطت الأسرة الطولونية عام ٢٩٢ هـ (٩٠٥ م).
المصادر:
(١) انظر مادة أحمد بن طولون حيث ذكر بها أهم المصادر كما ورد فيها بصفة خاصة نظرات نقدية معتمدة اعتمادا كبيرا على: WUstenfeld Becker (Statthalter): في كتاب Beitrage zur Geschichte C.H Agygtens جـ ٢، ص ١٤٩ - ١٥٣, ١٨٢ - ١٩٢.
(٢) ابن الأثير: الكامل؛ جـ ٧، وفي مواضع مختلفة منه. انظر الفهرس.
(٣) Geschichte der Chalifem: Weil جـ ٢، ص ٤٣٢ - ٤٣٤, ٤٦٨ , ٤٨١.
стр. 4697
(٤) memoire geo-: Quatremere graphiques et historiques sur Egypte باريس ١٨١١ , جـ ٢، ص ٤٦٢ - ٤٧٣ (ترجمة فصل القطائع من كتاب خطط المقريزى. حيث نجد تفاصيل وافية عن حياته).
(٥) ابن خلكان، ترجمة ده سلان، جـ ١، ص ٤٩٨ - ٥٠٠.
الشنتناوى [سوبر نهيم M. Sobrenhei]
الخندق
كلمة فارسية وعربية ومعناها الحفير (وانظر عن اشتقاق الكلمة، Studien uber die Persischen: A Siddiqi Fremdworter im Klassischen Arahisch جوتنجن ١٩١٩ , ص ٧٣) استعارها في عهد متقدم أهل شمالى بلاد الجزيرة الذين كانوا يتحدثون بالسريانية، ذلك أنها ترد بالفعل بصيغة خندق في كتاب بني حمير (النصف الأول من القرن السادس الميلادى، طبعة موبرغ Moberg، ص ٣٠، فصل ١٤) ونستخلص من ذلك أن الكلمة قد تكون آرامية استعيرت في العربية. على أن الروايات تذكر أن أول من استعملها في العربية هو سلمان الفارسي الذي أشار على النبي [ ﷺ ] بأن يحفر حول المدينة خندقا يحميها من شر محاصريها سنة ست للهجرة، وهي وسيلة من وسائل الدفاع لم يكن العرب قد عرفوها بعد، وكانت شائعة بين الفرس.
أما حادثة حصار المدينة في هذه السنة فقد ارتبطت منذ ذلك بكلمة خندق أو بكلمة الأحزاب، وتمدنا السيرة وغيرها من كتب التاريخ بروايات شتى عن مقدار امتداد الخندق، وعن ذلك الجزء من المدينة الذي حفر الخندق لحمايته، ويجوز لنا أن نرجح أن الخندق كان يبدأ من السوق ومن التل المعروف بـ (سلع)، ويمتد إلى الشمال والشمال الشرقى خاصة كما يتجه جزء منه إلى الجنوب.
ويتردد ذكر حفر الخندق في الحديث، ذلك أن النبي [ ﷺ ] نفسه قد اشترك فيه (البخاري: الجهاد، الأبواب ٣٣ , ٣٤, ١٦١, مسلم: الجهاد، الأحاديث ١٢٥ - ١٣٠ وغيرها) وقد
стр. 4698
ضرب صخرة كبيرة فصدعها وبرق منها برقة أضاءت ما حولها (ابن سعد جـ ٤/ ١، ص ٥٩ وما بعدها) ورويت أبيات من الرجز قالها النبي [ ﷺ ] أو بعض صحابته أثناء العمل في الخندق، ومنها الدعاء المشهور الذي قيل في المهاجرين والأنصار. ويطلق الخندق أيضًا على عدد من الأماكن (انظر البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة دى غوى، ص ٨٥؛ ياقوت: المعجم، مادة خندق).
المصادر:
(١) Das Leben und die: Sprenger Lehre des Mohammad، جـ ٣، ص ٣٠٧، وما بعدها.
(٢) Mohammed: Grimme , فونستر ١٨٩٢ م، جـ ١، ص ١٠٦ وما بعدها.
(٣) Annali dell Islam: Caetani سنة ٥ هـ، ص ٢١ - ٤٣.
(٤) Mohammed en: A. J. Wensinck de Joden to Medina,، ليدن ١٩٠٨، ص ٢٦ وما بعدها.
خورشيد [فنسنك A. J. Wensinck]
الخنساء
اشتهرت بأنها أعظم شواعر العرب. واسمها تماضر، وهي ابنة عمرو بن الشريد من قبيلة سُليم، التي نشأ فيها زهير بن أبي سلمى الشاعر المشهور وغيره، ولا شك في أن أباها كان من ذوي الجاه والثراء، ذلك أن المرزوقى أورد في كتابه الأزمنة (طبعة حيدر آباد، جـ ٣، ص ١٦٨ وما بعدها) رواية تقول إن أباها ذهب إلى سوق عكاظ مع ولديه صخر ومعاوية في سنة خمس وثلاثين من عام الفيل ومنحه معمر بن الحارث، جد جميل الشاعر، أرضا له بالوحيدة من مخلاف يثرب، وقال الأصمعي إن كتاب هذه المنحة ظل عند ولده وذلك في أيام الرشيد (١) ونحن إذا فرضنا أن الوثيقة صحيحة (وأنا أشك في ذلك) فإن أخوى الخنساء كانا، قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، أي في عام
стр. 4699
٦٠٧ م قد بلغا من العمر حظا يسمح لهما بمشاركة أبيهما في أعماله. ولكن ربما كان عام الفيل أسبق بكثير من التاريخ الذي يحدده له مصنفو العرب عادة.
أما أقدم حادثة في حياة الخنساء ذكرها المترجمون لها فهي خطبتها لدريد بن الصمَّة -بعد أن أسن- وهو الذي قتل عام ٩ هـ وكان صديقا حميما لأخيها معاوية، وتعاهدا أن يرثى أحدهما الآخر إذا مات قبله، والخنساء إذ ذاك صبية حدثة، ونحن نستطيع أن نستخلص من خطبتها هذه من أخيها أن أباها كان قد مات (١) ومما له دلالته أن الفتاة كان يؤذن لها في الحكم على من يخطبها في تلك العهود، فلما رأت الخنساء دريدا رفضته، بل قالت أبياتا في هجائه سخرت فيها منه ومن قبيلته، وذكرت عرضا في بيت منها أنه قد سبق لها وأن رفضت خطبة رجل آخر من بدر لا نعرف عنه غير ذلك (٢)، وزوجت بعد ذلك من رجل من قبيلتها سليم اسمه عبد العزى (ويذهب ابن قتيبة إلى أن اسمه رواحة بن عبد العزى) فأولدها أبا شجرة عبد الله الذي كان له شأن كبير في الردة التي وقعت بعد وفاة النبي [ ﷺ ]، ولم يعد إلي المدينة إلا في خلافة عمر. ولعل عبد العزى هذا مات مبكرًا، فتزوجت الخنساء من رجل آخر من قبيلتها هو مرداس بن أبي عامر، فأولدها ثلاثة بنين هم زيد ومعاوية وعمرو، وجاءت منه كذلك بابنتها عمرة وهي أصغر ولدها.
стр. 4700
ونحن نجد مشقة كبيرة في التوفيق بين التواريخ وتحديد تاريخ مولد الخنساء على وجه التقريب، ولكننا إذا ذكرنا أن ابنها أبا شجرة كان له شأن كبير في الردة عام ١٣ هـ، وأنه ربما كان في الثلاثين من عمره إذ ذاك على الأرجح، فإنه يجوز لنا بحق أن نفترض أن الخنساء كانت بين الأربعين والخمسين، بل لعلها كانت أسن من ذلك. ومن المحقق أن العباس بن مرادس، وهو من شعراء النبي [ ﷺ ]، لم يكن ابنها، وإنما كان ولد مرداس من زوجة أخرى تزوجها قبلها. وقد حاول مرداس، وكان صاحب جد وعمل، أن يفلح هو وصاحبان من أصحابه قصباء بالقرب من عين ماء، فأرادت الجن التي تسكن هذا الموضع أن تثأر منه بقتله قتلًا بطيئا، أو قل إنه قد أصابته حمى في هذا المكان الوبئ إذا شئنا أن نكون أقرب إلى الواقع.
ونقطة التحول في حياة الخنساء هي فجيعتها المزدوجة بفقد أخويها معاوية وصخر .. فإن معاوية خرج على عادة العرب ومعه ثمانية عشر رجلًا من أصحابه للإغارة على قبيلة مُرة، فاختلف في سوق عكاظ مع رجل من هذه القبيلة اسمه هاشم بن حرملة، وحاول أن يغير على أرض بني مرة فخاب سعيه وقتله دريد أخو هاشم. وأصبح لزامًا على أخيه صخر أن يثأر له، فاستطاع أول أمره أن يقتل دريدًا الذي قتل أخاه معاوية، وكان آنئذ يتماثل إلى الشفاء في بطء من أثر المبارزة (١). وقتل سلمى آخر هاشما أخا دريد، ولم يقتنع صخر بهذا الثأر المزدوج لأخيه فتابع غاراته على مُرة حتى أصيب بجرح قتال على يد رجل من فقعس، وهي بطن من أسد كانت متحالفة مع قبيلة مُرة فلزم داره أمدًا، وثقل على امرأته حتى أسلم للموت. وكانت هذه الأحداث كلها في الجاهلية، ولكن الخنساء عمرت إلى أن أدركت نصر الإِسلام المبين.
ويروى أن الخليفة عمر وعائشة نهياها عن بكائها الذي كانت تواصله على أخويها، وبخاصة على صخر.
стр. 4701
وبقيت لحسن الحظ مخطوطات عدة من مراثيها، واستطعنا بفضل شيخو وجهده الذي لا يفتر، أن نحصل على نسخة كاملة غير منقوصة من أشعارها جميعًا. ومن الطبيعي أن نجد بين الشعر المدون في هذه النسخة قصائد كثيرة نحلت للخنساء لاستفاضة شهرتها بإجادة الرثاء، ومع ذلك فلسنا نشك في أصالة قصائد كثيرة أخرى، وبخاصة لأن القصائد التي لا شبهة في صحة نسبتها إليها رويت عن رجال من قبيلتها وجمعت منهم في زمن جد مبكر. ومما له دلالته أننا نجد في هذه القصائد غير المنحولة، التعبير عن المشاعر الصادقة للجاهلية، فلم يذكر فيها شيء عن الآخرة، وإنما ورد فيها أن دم القتيل لا يفتأ يطالب بثأره كما ترد د فيها الأسى على الراحل الذي لا يمكن أن يعوض، وعددت فضائله وأشيد بسجاياه.
وقد عرض شيخو وجبريلى Gahrieli ورود وكناكس Rhodokanakis لسيرتها ومزايا شعرها بالنقد والبحث المستفيض حتى أصبح من اليسير علينا أن نحصل من هؤلاء الدارسين على تقدير أدنى إلى الكمال لحياتها وأدبها. ومن العسير أن نقطع برأى فيما إذا كانت الخنساء قد أضافت سمات إلى المرثية أو لم تضف، ولو أننا نكاد نقطع بأن قصائدها ألهمت عددًا كبيرًا من شعراء المراثى المتأخرين ومنهم ابنتها عمرة. أما إذا وازنا بين شعرها وشعر غيرها من أصحاب المراثى من معاصريها -وحسبى أن أذكر منهم متممًا وأبا ذؤيب- فقد حق لنا أن نعترف بأن قصائدها يعوزها ما عندهم من الجمال الشعرى؛ ولكنا نجد فيها على قصرها بالنسبة لقصائدهم حزنًا أبلغ صدقا، وإن كنا نجد فيها تكرارًا لنفس الأفكار والأنظار يبعث السآمة في النفس.
المصادر:
(١) Beitrage zur Kenntnis der: Noldeke altarab. Poesie، هانوفر ١٨٦٤.
(٢) الديوان، طبعة شيخو، بيروت ١٨٨٩.
(٣) شرح الديوان Commentaire sur le Diwan d'al Khansae طبعة شيخو، بيروت ١٨٩٥.
(٤) I tempri. la vitae it Can-: Gabrieli zoniere della Poetessa al-Hansae فلورنسة ١٨٩٩.
стр. 4702
(٥) al- Hansae und: N.Rhodokanakis ihre Trauertieder, S.B. AK. Wien ١٩٠٤.
(٦) Le Diwan d' al-: Coppier Khansae ترجمة pere de coppier بيروت ١٨٨٩.
(٧) الجمحي: الطبقات, ص ٤٨ , ٥١.
(٨) كتاب الأغاني، جـ ١٣؛ ص ١٣٦ وما بعدها.
(٩) الطبري، جـ ١، ص ١٩٠٥ وما بعدها.
(١٠) ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، طبعة ده غوى، ص ١٩٧ وما بعدها -تضاف إلى ذلك أشعار للخنساء وأخبار عنها موجودة في جميع المصنفات التي تعالج الشعر العربي القديم تقريبا من الحماسة وكتاب الأغاني إلى المصنفات التي صنفت بعدهما كما توجد قصائد مفردات لها مترجمة في عدة دواوين أوربية للشعر الشرقى وذلك قبل ظهور طبعة شيخو لديوانها.
يونس [كرنكوف F.Krenk]
الخوارج
(كلمة عربية، مفردها خارجي) هم أتباع أقدم الفرق الإِسلامية، وترجع أهمية الخوارج بنوع خاص، إلى أقوالهم في نظرية الخلافة، وفي الإِسلام الصحيح وهل يكون بالإيمان أو بالعمل. هذا من ناحية تطور الاعتقاد. أما من ناحية تطور التاريخ السياسى فإن الدور الذي نهضوا به قد عكر السلام في الجزء الشرقى من الإمبراطورية الإِسلامية في السنتين الأخيرتين من خلافة علي وفي عهد الدولة الأموية، ويسر السبيل عن غير قصد منهم إلى فوز معاوية على علي ثم إلى فوز العباسيين على الأمويين من بعد، ذلك أنهم أثاروا فتنًا متصلة انتهت في كثير من الأحيان بغلبتهم على ولايات بأسرها إلى حين.
١ - أصول حركة الخوارج: تفرقت كلمة المسلمين باقتراح معاوية على عليّ إبان وقعة صفين (صفر عام ٣٧ هـ = يولية عام ٦٥٧ م) أن يحتكما إلى حكمين يعتمدان في حكمهما على القرآن، ليحسما الخلاف الذي نشأ عن
стр. 4703
مقتل عثمان وأدى إلى اقتتالهما؛ فبادر أكثر جند علي إلى قبول هذا الاقتراح. بيد أن فريقا واحدًا من المحاربين، معظمهم من قبيلة تميم، عارضوا بعنف تحكيم الرجال في حكم الله، وجاهروا بالاحتجاج قائلين: "لا حكم إلا لله"، ثم تركوا الجيش وانسحبوا إلى قرية حَرُوراء غير بعيد من الكوفة، وأمروا عليهم رجلًا من الجند مغمورًا، هو عبد الله بن وهب الراسبى وسمى هؤلاء الخوارج الأوائل بالحروريَّة أو المحكمة (أي الذين يقولون "لا حكم إلا بالله" انظر R. S. O. جـ ٨، ص ٨٧٩ , تعليق ١). وقد توسع في مدلول هذا اللفظ في كثير من الأحيان فأطلق على الخوارج المتأخرين أيضًا. وأخذت هذه الطائفة القليلة من الناس تتزايد وبخاصة لأن التحكيم قد انتهى إلى حكم يناقض كل المناقضة ما توقعه القراء (ولعل ذلك كان في رمضان أو شوال من عام ٣٧ هـ = فبراير أو مارس من عام ٦٥٨ م). وخرج في هذه المناسبة سرًا من الكوفة (وهي البلدة التي كان الجيش قد شخص إليها أثناء الهدنة كثيرون من أتباع علي، بينهم عدد من القراء لينضموا إلى عسكر ابن وهب، وكان قد ذهب إلى كورة جَوْخَى على الضفة اليسرى لنهر دجلة وتخير منها موضعا يشرف على مخارج الطرق من فارس ورأس الجسر، وهو موضع كانت تقوم عليه بليدة بغداد التي أصبحت فيما بعد حاضرة الخلافة. وكان عسكر العصاة على طول ترعة نهروان. وخروجهم هذا من الكوفة هو السبب في تسميتهم بالخوارج (أي الذين خرجوا) وهو أرجح من القول بأن التسمية مأخوذة من صفة عامة تسمهم بأنهم الذين خرجوا على الجماعة، وهو التفسير الذي فسر به الاسم فيما بعد في عصر جد متقدم (انظر اسم الفرقة اليهودية الفريسية التي يشتق اسمها und Ursprung: Meyer Anfange des Christentums جـ ٢، ص ٢٨٣ - ٢٨٤ من حادثة انفصال أتباعها عن أتباع يهوذا مقابيوس Judas Macchabeus في عام ١٦٣ ق. م. وهي
стр. 4704
الحادثة التي أوردها تأييدا لتفسيره اسم الخوارج). وقد أطلق على هؤلاء الخوارج الأوائل اسم آخر (وقد توسع في معناه كذلك حتى انسحب على خلفهم، ويظهر أنه الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم) هو الشُراة (وهو جمع شار) أي الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله.
وسرعان ما ظهرت مغالاة الخوارج في التعصب في سلسلة من الأقوال المتطرفة والأعمال الإرهابية: فقد قالوا بعدم أحقية علي للخلافة، كما طعنوا في مسلك عثمان وأبوا الثأر لمقتله. بل تجاوزوا ذلك فوصموا بالكفر والارتداد عن الدين من لا يجاريهم في التبرؤ من على وعثمان، ثم اقترفوا بعد ذلك كثيرًا من جرائم القتل ولم يبقوا في ذلك على النساء. وقويت شوكة الجيش الخارجى شيئًا فشيئا بتزايد العناصر المتشددة المشاغبة، ومن بينها عدد من غير العرب اجتذبهم مبدأ المساواة بين الشعوب في الاعتقاد، وهو المبدأ الذي قال به الخوارج وتمهل علي حتى ذلك الوقت عن مواجهة العصاة تجنبا لنشوب القتال في ساقته، إذ كان عليه أن يواجه جيش معاوية، ثم اضطر بعد الصدع الذي أحدثته مقدمات الصلح إلى أن يتخذ عدته للقضاء على الخطر المستشري، فهاجم الخوارج في معسكرهم، وألحق بهم هزيمة منكرة قتل فيها ابن وهب وأكثر أتباعه (وقعة النهروان في ٩ صفر عام ٣٨ هـ = ١٧ يوليه ٦٥٨ م) ولكن النصر أبهظ عليا، ذلك أنه لم يقض على الفتنة القضاء المبرم، فظهرت في سلسلة من الفتن المحلية عامي ٣٩، ٤٠ هـ، بل كانت سببًا في استشهاده, فقد قتل بسيف خارجى يدعى عبد الرحمن بن ملجم المرادى وهو زوج امرأة فقدت معظم أهلها يوم النهروان. ويكاد يكون من المحقق أن الرواية التي تذهب إلى أن الخوارج تآمروا على قتل عليِّ ومعاوية وعمرو بن العاص والي مصر رواية منحولة.
ويجب أن نلاحظ أن روايات مؤرخى العرب عن أصل حركة الخوارج مضطربة ومتناقضة. ويظهر
стр. 4705
أنها لم تفطن إلى العلاقة الحقيقية بين هذه الحركة وبين التحكيم، فنحن نجد من ناحية أخرى أن طبيعة هذا التحكيم وتاريخه غير محققين، والتصحيح الذي ورد آنفا هو رأى كاتب هذه المادة، وهو يخالف به رأى فلهاوزن Wellhauzen (اتبعه في هذا الرأى لامانس Lammens وكايتانى Caetani) الذي ظن أن فتنة الخوارج والتحكيم ينفصل أحدهما عن الآخر، بل إنه يؤرخ وقعة النهروان قبل حكم الحكمين.
٢ - حروب الخوارج في العصر الأموي
وأعقبت إدارة معاوية الحكيمة النشيطة إدارة على، فمنعت ثورة الخوارج من الاندلاع ولكنها عجزت عن إخمادها عجزها عن كبح مشاعر الشيعة وأطماحهم. وتذكر مصادرنا عدة فتن شبت في الكوفة والبصرة إبان السنوات العشرين التي استخلف فيها معاوية (٤٠ - ٦٠ هـ = ٦٦٠ - ٦٨٠ م) ولكنها سرعان ما أخمدت، ولم يكن لها من ثمرة إلا مضاعفة عدد الشهداء الذين أصبح تقديسهم والثأر لهم من سمات حركة الخوارج. وكانت البصرة بخاصة إبان ولاية زياد بن أبيه وابنه عبيد الله مسرح أكثر الفتن وإخمادها. وكانت هذه الفتن -وأشدها هولا تلك التي قام بها مرداس بن أدية التميمي أبو بلال- هي التي قررت خطط الخوارج في القتال، وكانت غاراتهم إلى ذلك العهد بحرب العصابات أشبه، ويرجع معظم الفضل في انتصاراتهم إلى سرعة فرسانهم، وهي السرعة التي أصبحت بعد قليل أسطورة من الأساطير (وقد حفظت أسماء بعض خيلهم في المصنفات العربية عن الخيل) وكانوا يتحركون فجأة لا يتوقعهم أحد، ويكتسحون البلاد، ويباغتون المدن غير الحصينة، ثم ينسحبون مسرعين تخلصا من مطاردة جيش الدولة لهم. وكانت المواضع التي يتجمع فيها الخوارج هي البطائح حول البصرة وحول جَوْخَى على الضفة اليسرى لنهر دجلة حيث نشأت حركتهم، ومنها يستطيعون إذا هزموا الاستيلاء توًا على النجاد الإيرانية.
стр. 4706
ولم تتسع حركة الخوارج اتساعًا خطيرًا إلا في إبان الاضطراب الشامل الذي نشأ من الفتنة الكبرى التي أعقبت وفاة يزيد بن معاوية، وكانت هذه الحركة أهم العوامل التي أوهنت من قبضة عبد الله بن الزبير المطالب بالخلافة على الربوع التي استطاع أن يخضعها لسلطانه أول الأمر، فلما قضى على عبد الله بن الزبير اضطر عمال بني أمية إلى خوض غمار صراع عنيف مع هؤلاء العصاة العتاة الذين كانوا أعداء لعبد الله بن الزبير وللأمويين على حد سواء. ومن ذلك الوقت أخذنا تميز بين الخوارج شعبا أشبه بالشعب السياسية وشعبا أشبه بالشعب الدينية، وليس أصلها واضحا على الإطلاق. ولعل الرواية التي تجعلهم يظهرون فجأة بالبصرة عند وفاة يزيد، قد غيرت السياق الحقيقي للحوادث. ومهما يكن من شيء فنحن نجد الخوارج منذ ذاك يقومون في الجانب الشرقى بأسره من الدولة الإسلامية (وكانت بلاد الشام بنجوة منهم دائما ولم تعرفهم إفريقية إلا في عهد العباسيين) بفتن خطيرة ويعقدون اللواء في كل فتنة منها لأفراد نسب إليهم: الأزارقة والأباضية، والأفضل أن تنطق إباضية، والصُفرية وكانت أخطر هذه الفتن على وحدة الدولة الإِسلامية وأهولها, لما اتسمت به من وحشية لا تهون ولا تلين، هي من غير شك تلك الفتنة التي حمل لواءها نافع بن الأزرق والتي مكنت الخوارج من السيطرة إلى حين على كرمان وفارس وغيرهما من الولايات الشرقية، وبذلك أصبحوا مصدر خطر دائم على البصرة وما حولها. ولم يتغلب على هذه الفتنة إلا المهلب بن أبي صفرة أولًا، والحجاج بن يوسف ثانيا -في عام ٧٨ أو ٧٩ هـ (٦٩٨ أو ٦٩٩ م) - بعد جهد دام سنوات طوالًا، وانتهى بهزيمة آخر قواد الأزارقة وأعظمهم شأنا وهو قطرى بن الفجاءة المقدام وموته. وثمة فتنة كانت أقل من هذه خطرًا وأضيق رقعة، وإن كانت قد بلغت في استعصائها مبلغ فتنة الأزارقة، هي تلك الفتنة التي
стр. 4707
نسبت إلى شبيب بن يزيد الشيبانيّ (٧٦ - ٧٧ هـ = ٦٩٦ - ٦٩٧ م) ولم يكن هو البادئ بها, ولكنه كان أبرز قوادها. بدأت هذه الفتنة في نجاد دجلة بين ماردين ونصيبين، وكان هدفها فتح الكوفة وتخريبها. ونشر أتباع شبيب الفزع في العراق بأسره، وكانوا يتقدمون في فرق صغيرة من مئات الفرسان، ويلتف بهم في كثير من الأحيان زمر من الساخطين، فأوقعوا الهزيمة بجنود الحجاج مرات، ولم يقض عليهم إلا بمدد من كتائب مختارة استدعيت من الشآم. ولقى شبيب حتفه، وغرق في دجيل وهو يحاول بلوغ كرمان. وكان خلفاؤه مصدر قلق لعمال يزيد بن الوليد وهشام، ولكنهم لم يكونوا من بعد قط خطرًا داهما يهدد الدولة.
وكانت جزيرة العرب مسرحا لجهود الخوارج، ففي عهد ابن الزبير، أي بين عامى ٦٥ هـ (٦٨٤/ ٦٨٥ م) و ٧٢ هـ (٦٩١/ ٦٩٢ م) استولى قوادهم أبو طالوت ونَجْبَة بن عامر وأبو فديك، على اليمامة ثم على حضرموت ثم على اليمن ومدينة الطائف. ولم يمنعهم من الاستيلاء على مكة والمدينة إلا خوفهم من إثارة الريب في دينهم، وإنما قضى عليهم بعد تدخل الحجاج، وإن خلفوا وراءهم بذور الحركات التي قامت بعد ذلك وبخاصة في الجانب الشرقى من الجزيرة.
وقد استطاع الحجاج بقدرته أن يكسر شوكة الخوارج، فبدا أن مذهبهم قد قضى عليه القضاء المبرم. وثمة عامل آخر شارك كثيرا في القضاء على هذا المذهب ألا وهو تعصب الثوار وعدم تسامحهم، فقد انتهت خلافاتهم الدينية بتصدع كيانهم، وكانت هذه الخلافات تفضى في بعض الأحيان إلى إقصاء أقدر قوادهم بحجة أنه عجز في مناسبة من المناسبات عن اتباع مبادئهم الصارمة التي كانوا لا يحيدون عنها قيد أنملة. وهناك سبب ثالث من أسباب ضعفهم يمكن أن نلاحظه في المنازعات الدائمة التي اشتجرت بين العرب والموالي، فكانت لها نتائج وخيمة
стр. 4708
وخاصة على فلول الأزارقة بعد موت قطرى بن الفجاءة. ولكن الخوارج عادوا فرفعوا رءوسهم مرة أخرى عندما تصدعت الحكومة المركزية تصدعًا لا يرجى رأبه في عهد أواخر خلفاء بني أمية، وتابعوا غاراتهم، ولم يكونوا في هذه المرة فرقا صغيرة، وإنما كانوا كتائب كبيرة. وأشد فتن هذا العهد هما الفتنتان اللتان قام بإحداهما الضحاك ابن قيس الشيبانيّ في الجزيرة والعراق، وقام بالأخرى عبد الله بن يحيى الملقب بطالب الحق، وأبو حمزة، في جزيرة العرب (وفي خلالها احتلت المدينة ذاتها) وانتهت كلتاهما بالهزيمة، بيد أنه من الحق أن نقول إن ما نشرتاه من الفوضى قوض أركان الجانب الشرقى من الدولة الأموية، وأعان فتنة العباسيين على التسلل في يسر إلى قلب الدولة.
ويمكن أن يقال إن حركة الخوارج أيام الخلافة العباسية كانت قد انقرضت فعلًا من العراق وما جاوره، اللهم إلا فتنًا محلية قليلة سرعان ما أخمدت، وعاد مذهب الخوارج غير ذي خطر جدى، فقد غدا مجرد فرقة من الفرق الدينية ليس لها نشاط حيوى ملحوظ أو انتشار واسع. ولكننا نجد في الجانب الشرقى من جزيرة العرب وفي شمالي إفريقية، ثم في الساحل الشرقي لإفريقية من بعد فرعا من الفروع الأساسية للخوارج، ألا وهو الإباضية (أباضية). وكان للإباضية شأن هام في السياسة، بيد أن مكانتهم الدينية بقيت حتى بعد انتهاء شأنهم السياسى، وهم يعيشون إلى يومنا بعقائدهم وشعائرهم وشرائعهم الخاصة بهم.
٣ - مذاهب الخوارج السياسية والدينية
لم تكن للخوارج قط -كما رأينا- أية وحدة حقيقية في أعمالهم السياسية أو العسكرية، ولم تكن لهم كذلك مجموعة متسقة من المبادئ. وتظهر لنا مذاهبهم وكأنها آراء خاصة تقول بها فروع من الخوارج قائمة برأسها (وتذكر كتب الملل عشرين شعبة على
стр. 4709
الأقل من الخوارج بينها فرق وفروع) يمثل بعضها مذاهب دينية وحركات سياسية ذات طابع جماعى في آن واحد، ويعبر بعضها الآخر عن خلاف نفر من علمائهم في الرأى فحسب. ولكنهم يجمعون على مبدأ واحد: هو الذي يعالج مسألة الخلافة، وهي المسألة التي يبدأ عندها تشعب جميع الفرق في الإِسلام. وفي هذه المسألة يعارض الخوارج الشيعة في قصر الإمامة على أبناء على، كما يعارضون المرجئة في توقفهم عن الحكم فيها. وهم يقولون من ناحية بما أسماه فلهاوزن بحق "الخروج على السلطان nonconformity" أو بعبارة أخرى إن على المؤمنين أن يخرجوا على الإِمام إذا غير السيرة وعدل عن الحق ويخلعوه (بهذا يبررون تركهم عليا بعد قبوله التحكيم) ويصرحون من ناحية أخرى بأن كل مؤمن غير متهم في دينه أو خلقه يستطيع ببيعة الجماعة أن يبلغ الإمامة الكبرى "ولو كان عبدًا" ونتج عن ذلك أن نادوا بكل زعيم من زعمائهم "أميرًا للمؤمنين"، وإن افتقروا جميعًا إلى النسب القرشي افتقارهم إلى غيره من شروط الإمامة. ولم يقروا بالخلافة لغير أمرائهم، إلا لأبي بكر وعمر وعثمان، في السنوات الست الأولى من خلافته، وعلى حتى وقعة صفين.
وللخوارج في الاعتقاد أصل آخر، هو الإنكار المطلق للإيمان بلا عمل، وهم يغالون في تشددهم في الدين إلى حد تكفير صاحب الكبيرة، ويعدونه مرتدًا. ويقول غلاتهم -ويمثلهم الأزارقة- إن كل مرتد على هذا النحو لا يقبل إسلامه من بعد قط، ويجب قتله هو وأزواجه وأولاده. وكان من الطبيعى أن يحكم الخوارج على غيرهم من المسلمين بالارتداد عن الدين، وهو مذهب الاستعراض الذي طبق منذ ظهر الخوارج وقبل أن يتخذ صيغته الفقهية، وكان أبلغ تطبيق له في حرب الأزارقة. وهذا المذهب الوحشى يناقضه إلى حد عجيب، وإن لم يخرج عن حدود المنطق، ما أظهره الخوارج نحو غير المسلمين من تسامح بالغت بعض فرقهم فيه إلى حد التسوية في كل شيء بين المسلمين واليهود والنصارى إذا عدلوا الشهادة وقالوا: ". . إن محمدًا رسول الله إلى
стр. 4710
العرب لا إلينا" وتوسع فقيه من فقهاء الخوارج هو يزيد بن أبي أنيسة (مؤسس اليزيدية) في التسوية بين العرب والموالى (وهذا المذهب كان بالفعل ثمرة موقفهم من مسألة الإمامة).
وتمتد الطهرية المأثورة عن الخوارج في تصورهم للدولة وفي فكرتهم عن الإيمان, إلى مبادئ الأخلاق، فلا تصح العبادات عندهم إلا بطهارة القلب التي تستتبع بالضرورة طهارة البدن.
وإذا تركنا المبادئ العامة وبعض الملابسات الخاصة فإننا لا نعرف فقه الخوارج وعقائدهم في مجموعها إلا عند الإباضية، فقد حافظ بقاؤهم إلى يومنا هذا على عرفهم الديني صحيحا سليما، فهم من ناحية والصفرية من ناحية أخرى أصحاب مذهب معتدل بالقياس إلى مذاهب غيرهم من الخوارج، وتأثرت آراؤهم الحالية بعض الشيء في الإيمان والفقه على السواء، المذاهب الإِسلامية الأخرى. وقد لاحظ الدارسون حديثا (نللينو C. A. Nallino: R. S. O. جـ ٧، ص ٤٥٥ - ٤٦١) العلاقة الوثيقة بين عقائد الإباضية وعقائد المعتزلة. ويمكن أن نقول أيضًا إن المعتزلة استوحوا الخوارج في بعض المسائل. ولا شك في صحة ما قاله فلهاوزن من أن مذهب الخوارج كان له شأن خطير في تطور علم الكلام بطريق مباشر، أو بتشجيعه على إمعان النظر في مسائل الاعتقاد.
ومذهب الخوارج فيما يبدو لنا حركة شعبية في أصولها, ولكننا يجب أن نلزم جانب الحرص فلا يذهب بنا الظن إلى أنه يفتقر إلى النظر العقلى. بل إن الأمر على عكس ذلك، إذ لا شك في أن تحرر هذا المذهب الذي يبلغ مبلغ التطرف قد اجتذب كثيرين من ذوى العقول النيرة، مثله في ذلك مثل غيره من المذاهب في عصور أخرى وبلاد أخرى. فقد قيل إن بعض العلماء والأدباء، في أيام العباسيين الأولين بخاصة، قد اعتنقوا آراء الخوارج متأثرين بثقافة هذا العهد المتشككة ومعارضين لها في آن واحد، ولم
стр. 4711
يمنعهم ذلك من مخالطة علية القوم أو يحرمهم من عطف الخليفة. وأشهر هؤلاء المستسرين لمذهب الخوارج هو الفيلسوف المعروف أبو عبيدة معمر بن المثنى. فقد روى ابن خلكان حكاية لاذعة تدل على تعصبه في القول على الأقل (جـ ١، ص ١٠٧، طبعة ١٣١٠, ويجب أن يصحح الشاهد الشعرى الذي أورده على أمالى المرتضى جـ ٣، ص ٨٨ - ٨٩) (١) وللخوارج شعر وفصاحة، لأن أكثر قوادهم -وخصوصا في عهدهم الأول- كانوا ينتسبون إلى البدو من جند الكوفة والبصرة. وقد جمعت الخطب التي قالها زعماؤهم. يزودنا ما بقى منها بصورة بارعة عن أقوالهم كما يزودنا بفكرة طيبة عن ملكتهم في الخطابة. وبين أيدينا عدة شواهد من شعرهم بعامة (وقد جمعت أيضا في دواوين خاصة) وشعر عمران بن حطان بخاصة (وهو الذي يعد في الوقت نفسه من مؤسسى فقه الخوارج) وقد أورد الجاحظ (البيان والتبيين، ١٣١٣ هـ, جـ ١ ص ١٣١ - ١٣٣؛ جـ ٢، ص ١٢٦ - ١٢٧) ثبتا طويلا بخطباء الخوارج وشعرائهم وفقهائهم.
وسجلت حروب الخوارج منذ بداية التأريخ العربي في مصنفات عدة لم تصل إلينا بنصها الكامل، ولكننا نعرف مادة أهمها -ومن بينها مصنفات لأبي مخنف وأبي عبيدة والمدائني- من الفقرات التي ذكرت في المصادر التاريخية التي نوردها بعد.
стр. 4712
المصادر:
القسمان ١ , ٢: (١) المبرد: الكامل، طبعة رايت في مواضع متفرقة (والمادة مبعثرة في هذا المصدر دون سياق أو نظام، وهي تضيف مراجع أدبية وتاريخية كثيرة إلى الموضوع؛ وقد ترجم هذه المادة Die Kha-: O. Rescher ridschitenkapitel aus dem Kamil, شتوتجارت ١٩٢٢).
(٢) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٣٣٤١ وما بعدها؛ جـ ٢، في مواضع متفرقة.
(٣) البلاذرى: أنساب الأشراف, R. S. O. جـ ٦، ص ٤٨٨ - ٤٩٧ (خلاصة ومقتطفات من النصوص الخاصة بخلافة على، انظر التصويبات في المصدر السابق ص ٥، ٩).
(٤) المصدر السابق، طبعة أهلوارت ص ٧٨ - ٩٦, ١٢٥ - ١٥١ فيما يتعلق بخلافة عبد الملك).
(٥) المسعودي: مروج الذهب، طبعة باربييه ده مينار، جـ ٤ - ٦ في مواضع متفرقة.
(٦) Annali dell' Islam: L. Caetani جـ ٩، ص ٥٤١ - ٥٥٦, جـ ١٠ ص ٧٦ - ١٥١ , ١٦٨ - ١٩٥ وفي مواضع متفرقة أخرى (ترجمة كاتب هذه المقالة للنصوص التاريخية الخاصة بخلافة على وغير ذلك من المواد الخاصة بالخوارج عن كتب الحديث وغيرها.
(٧) المؤلف نفسه: Chronographia Islamica جـ ١.
(٨) Die Charids-: R. E. Brunnow chiten unter den ersten Omayyaden, ليدن ١٨٨٤.
(٩) Die religios-: I. Wellhausen politischen Oppositionspartein im alten Abh. G. W. Gott) Islam. L. Die Ghavariag المجموعة الجديدة ١٩٠١، جـ ٥ ص ٢).
(١٠) Le caliphat de: H. Lammens Moawia Ire (أعيد طبعها نقلا عن M. F. O. B . ص ١٢٥ - ١٤٠.
(١١) R. S. O.: G. Levi Della Vida, ١٩١٣, جـ ٦، ص ٤٧٤ - ٤٨٨.
القسم ٢ بوجه خاص:
(١) الشهرستانى: الملل والنحل، طبعة كيرتن ص ٨٥ - ١٠٣ (ترجمة Religionsparteien und Phi-: Haarbriicker losophenschulen ص ١٢٨ - ١٥٦).
стр. 4713
(٢) ابن حزم: الفصل في الملل، القاهرة ١٣٢٠ هـ جـ ٤، ص ١١٨ - ١٩٢.
(٣) عبد القاهر البغدادى: الفرق بين الفرق، القاهرة ١٣٢٨، وهي طبعة ناقصة جدا ص ٥٤ - ٩٢ , ٢٦٣ - ٢٦٥ (وترجمة قاصرة جدًا قام بها K. Ch. Seelye Moslem Schisms and Sects المجموعة الشرقية التي أصدرتها جامعة كولومبيا، المجلد ١٥، نيويورك ١٩١٩, جـ ١، ص ٧٤ - ١١٥.
(٤) Vorlesungen Uber: I. Goldziher den Islam هيدلبرغ ١٩٢٥ , ص ١٩١ - ١٩٦ (الطبعة الأولى ص ٢٠٤ - ٢٠٨؛ ترجمها إلى الفرنسية F.Arin , ص ١٥٩ - ١٦٤).
القسم ٣:
(١) De strijd over: M. Th. Houstma het Dogma in den Islam tot opal-Ashari ليدن ١٨٧٥.
(٢) Vorlesungen uber: I.Goldziher den Islam، هيدلبرغ ١٩١٠, الفهرس.
يونس [ليفي دلافيدا G. Levi Della Vida]
تعليق على مادة الخوارج
نورد هذا التناول للكاتب أحمد أمين تعليقا من كتابه (فجر الإِسلام).
لما كانت وقعة صفين بين على ومعاوية، وطلب معاوية تحكيم كتاب الله اختلفت أصحاب على: أيقبلون هذا التحكيم لأنهم يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دُعُوا إليها، أم لا يقبلون لأنها خُدعة حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لمَا أحسوا بالهزيمة؟ وبعد جدال وتردد قَبلَ علي التحكيم، واختار معاوية عمرو ابَن العَاص ليمثله، واختار أصحاب علي أبا موسى الأشعري؛ إذ ذاك ظهر قوم من جند علي أكثرهم من قبيلة تَميم، نفروا من أن يحكَّمَ أحد في كتاب الله، ورأوا أن التحكيم خطأ، لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق، وليس يصح هذا الشك، لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون -بلا شك- أن الحق في جانبهم. هذه المعانى المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة
стр. 4714
الآتية: "لَا حُكْمَ إلا لله"، فَسَرت الجملة سير البرق إلى مَن يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة.
طلبوا من عليّ أن يقر على نفسه بالخطأ بل بالكفر، لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل عادوا وقاتلوا معه، فأبى علي، وكان موقفه في منتهي الدقة، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، والدين يأمر بالوفاء بالعهود، ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئًا منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من "لا حكم إلا لله" فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: "لا حكم إلا لله" فتجاوبت بها أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فَتَلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يعرض به. وزاد بعض الناس ميلا إلى رأيهم فشلُ الحكمين في حكمهما, وخيبة الآملين في أن التحكيم يحقن الدماء ويعيد المسلمين إلى الوئام، حتى انضم إليهم بعض القراء -من جيش عليّ- فلما يئست هذه الجماعة من رجوع عليّ إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول: "أما بعد؛ فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا .. أثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عِن المنكر، والقول بالحق، وإن مُنَّ وضُرَّ، فإنه من يُمَنّ ويُضَرّ في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله ، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا، من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة". ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى "حَرُورَاء"، وسموا حينذاك بالْحَرُورية نسبة إلى هذه القرية، وبالمحكمة -أي الذين يقولون لا حكم إلا لله- وهما اسمان كثيرًا ما يطلقان على الخوارج، وأمَّروا عليهم رجلًا منهم اسمه عبد الله بن وهب الراسبى. واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على عليّ وصحبه، وإن كان منهم من يشتق اسم الخوارج من الخروج في سبيل الله أخذًا من قوله
стр. 4715
تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وسموا أيضًا "الشُّرَاة" أي الذين باعوا أنفسهم لله من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. وقد حاربهم علي في الوقعة الشهيرة بوقعة النهروان، وهزمهم وقتل منهم كثيرًا، ولكنه لم يبدهم ولم يبد فكرتهم، وزادت هذه الهزيمة في إمعان الخوارج في كره عليّ، حتى دبروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجى، وقد كان زوجا لامرأة قُتِلَ كثير من أفراد أسرتها في وقعة النهروان.
وظلت الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها حربا تكاد تكون متواصلة في شدة وشجاعة نادرة، وأشرفوا في بعض مواقفهم على القضاء على الدولة، وظل المهلب بن أبي صُفْرَة يجالدهم ويعاني في قتالهم الشدائد والأهوال السنين الطوال، مما لا محل لذكره هنا (١)؛ غير أنا نشير إلى أنهم كانوا فرعين: فرعا بالعراق وما حولها، وكان أهم مركز لهم "البَطائح" بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرْمَان وبلاد فارس وهددوا البصرة، وهؤلاء الذين حاربهم المهلّب، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقَطَرى بن الفُجَاءة.
وفرعا بجزيرة العرب: استولوا على اليمامة وحضرموت واليمن والطائف، ومن أشهر أمرائهم فيها: أبو طالوت، ونجدة بن عامر، وأبو فديك.
ولم يتغلب الأمويون على هذين الفرعين إلا بعد حروب طويلة شديدة استمرت طول عهد الدول الأموية.
ثم كانوا كذلك في الدولة العباسية، ولكن لم يكن لهم من القوة ما كان لهم في عهد الأمويين، فقد ضعف شأنهم، وانحط قوادهم.
تعاليمهم: ابتدأ الخوارج كلامهم في أمور تتعلق بالخلافة، فقالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى، فلما غيّر وبَدّل، ولم يسر سيرة أبي بكر وعمر، وأتى بما أتى من أحداث وجب
стр. 4716
عزله، وأقروا بصحة خلافة علي ولكنهم قالوا إنه أخطأ في التحكيم وحكموا بكفره لما حكم، وطعنوا في أصحاب الجمل: طلحة، والزبير، وعائشة، كما حكموا بكفر أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، "وقد قُبض على أحدهم وقُدم إلى زياد ابن أبيه، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر، فقال فيهما خيرًا؛ وسأله عن عثمان فقال: كنت أتولى عثمان -على أحواله- في خلافته ست سنين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن أمير المؤمنين علي فقال: أتولاه، إلى أن حكم، ثم أتبرأ منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن معاوية فسبه سَبًّا قبيحا .. إلخ (١) ". فترى من هذا أن كلامهم كان يدور حول تشريح أعمال الخلفاء وأنصارهم، والبحث فيمن يستحق أن يكون خليفة ومن لا يستحق، ومن يكون مؤمنا ومن لا يكون.
وقد وضعوا نظرية للخلافة وهي: أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم، وليس بضروري أن يكون الخليفة قرشيا، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم ولو كان عبدًا حبشيًا، وإذا تم الاختيار كان رئيسَ المسلمين، ويجب أن يخضع خضوعًا تاما لما أمر الله، وإلا وجب عزله.
ولهذا أمّروا عليهم من اختاروه منهم، "وسموا عبد الله بن وهب الراسبي أمير المؤمنين ولم يكن قرشيا وإنما هو من "راسب" حَيٌّ من الأزد، وكذلك أمراؤهم من بعده". وقد خالفوا بهذا نظرية الشيعة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي: علِيّ وآله، وأهلَ السنة القائلين بأن الخلافة في قريش؛ وهذه النظرية هي التي دعتهم إلى الخروج على خلفاء بني أمية ثم العباسيين لاعتقادهم أنهم جائرون غير عادلين، لم تنطبق عليهم شروط الخلافة في نظرهم.
نرى الخوارج في أول أمرهم كانت صبغتهم سياسية محضة، ثم نراهم في عهد عبد الملك بن مروان قد مزجوا
стр. 4717
تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية، وأكبر من كان له أثر في ذلك الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق. وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أن العمل بأوامر الدين -من صلاة وصيام وصدق وعدل- جزء من الإيمان. وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.
والخوارج لم يكونوا وحدة ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحًا، أنهم سرعان ما يختلفون, وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا, ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة على الدولة الأموية. لذلك لا نستطيع أن نذكر ما هو من تعاليمهم مشترك بين جميعهم إلا النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية أن العمل جزء من الإيمان. حتى هاتان النظريتان ليستا من اعتقاد جميعهم إلا بقليل من التسامح؛ فمنهم من يرى أن لا حاجة للأمة إلى الإِمام، وإنما على الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ويظهر أن هذه الفكرة هي التي كان يفهمها بعضهم من جملتهم المشهورة: "لا حكم إلا لله" ولكن قيل: "كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله! ولكن هؤلاء يقولون: لا إمْرَة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بَر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى حتى يستراح بر، ويستراح من فاجر"؛ وقد قال ابن أبي الحديد: "إن الخوارج كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإِمام، ثم رجعوا عن ذلك القول لَما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي" (١).
على كل حال قد اتفق جمهور الخوارج على النظرتين السابقتين، وتفرقوا إلى فرق بلغت في العدد نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها, ولا يسع هذا المختصر ذكر جميعها (٢): غير أنا نذكر هنا أن من أشهر فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، وكان من أكبر فقهائهم وقد كفر
стр. 4718
جميع المسلمين ما عداهم، وقال: إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدًا من غيرهم إلى الصلاة إذا دعاهم إليها، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم، ولا أن يتزوجوا منهم، ولا يتوارث الخارجى وغيره، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، ولا تحل التِقيَّة (١). لأن الله يقول: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، واستحل الغدر بمن خالفه، وكفر القعدة، أي الذين يقعدون عن القتال مع قدرتهم عليه، ولو كان هؤلاء القعدة على مذهبهم.
ومن فرقهم النجدات، أتباع نجدة عامر، وأهم تعاليمه التي انفرد بها أن المخطئ بعد أن يجتهد معذور، وأن الدين أمران: معرفة الله ومعرفة رسوله وماعدا ذلك فالناس معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم الحجة، ومن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام أو تحريم حلال فهو معذور، وعظم جريمة الكذب على الزنا وشرب الخمر. ولنافع مع نجدة بن عامر مناقشات طويلة ممتعة حول هذه المبادئ (٢).
كذلك من أشهر فرقهم "الإِبَاضيَّة" نسبة إلى رئيسهم عبد الله بن إبَاض التميمي، ولا يزال أتباعه في المغرب وغيره إلى اليوم، وهم لم يغالوا في الحكم على مخالفيهم كالأزارقة، بل قالوا: يحل التزوج منهم، ويتوارث الخارجي وغيره، ونزعتهم أميل إلى المسالمة، فقالوا: لا يحل قتال غير الخوارج وسبيهم في السر غيْلَة، ولا يجوز قتالهم إلا بعد الدعوة وإقامة الحجة وإعلان القتال إلخ، وقد ظهر عبد الله بن إباض في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وعاش أتباعه في أكثر أحوالهم مسالمين للخليفة.
وفرقة أخرى من فرقهم "الصُّفرْيه" أتباع زياد بن الأصفر، وهم لا يختلفون كثيرًا في تعاليمهم عن الأزارقة.
وهذه الفرق الأربع: الأزارقة والنجدات والإباضية والصفرية هي أشهر فرق الخوارج وأكثرها دورانا في الكتب.
стр. 4719
والخوارج يقولون إن ممن اعتنق مذهبهم عكرمة مولى ابن عباس وأنس ابن مالك الصحابي. وكان الحسن البصري يوافق الخوارج في رأيهم بأن عليا أخطأ في التحكيم ولكن لا يعتنق مذهبهم، "وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثًا، ولعن قتلته ثلاثًا، ويقول: لو لم نلعنهم للُعنَّا، ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل أمير المؤَمنين علي ﵀ يتعرف النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم والحق معك؟ ألا تمضي قُدما -لا أبالك- وأنت على الحق! " (١).
وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم، فقد كان يضع الحديث ليشد به أزر قومه ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد، ويقول: إن الحرب خدعة. وكان حي من الأزد إذا رأوا المهلب خارجًا قالوا: "راح يكذب! " وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول! (٢)
ولعل هذا وأمثاله هو السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملئت بها كتب التاريخ والأدب في ذم الخوارج.
كان أكثر من اعتنق مبدأ الخوارج عربا بدوًا، وقد انضم إليهم بعض الموالى إعجابا برأيهم الديمقراطي في الخلافة، فليس بضروري أن يكون من قريش ولا من العرب، فهم في نظرهم إلى الخلافة شعوبيون، ولكن مع هذا لم ينضم إليهم من الموالى إلا قليل، لأنهم وأكثرهم بدو شديدو العصبية لجنسهم، يحتقرون الموالى ويزدرونهم، روى ابن أبي الحديد أن رجلًا من الموالى خطب امرأة خارجية فقالوا لها: "فضحتنا"، ولولا هذه العصبية العربية الجَافة لتبعهم من الموالى كثير.
والناظر في تاريخهم يتبين فيهم سمات واضحة منها: التشدد في العبادة والإنهماك فيها، يصفهم الشهرستانى بأنهم أهل صوم وصلاة. ويصفهم المبرد "بأنهم في جميع أصنافهم يبرأون من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة"، وقد قتل أحدهم زياد، ثم دعا مولاه فاستوصفه أمره؛ فقال: "ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشتُ له فراشا بليل قط! ".
ولما أرسل علي عبد الله بن العباس لأهل النَّهْرَوَان من الخوارج "رأى منهم
стр. 4720
جباها قَرِحَة لطول السجود وأيديا كثَفِنَات الإِبل، عليهم قُمصٌ مرحضة وهم مشمرون". ولعل خير ما قيل فيهم ما قاله أبو حمزة الخارجى في وصف أصحابه: "شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضضةٌ عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلُهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنيه أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه، موصول كَلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوِّقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعَدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب منهم قُدمًا حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير، طالما بكى صاحبها في جوف الله من خوف الله! وكم من كف زالت عن معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله! " وقد غلوا في أنظارهم حتى عدوا مرتكب الكبيرة -وأحيانا الصغيرة- كافرًا، وخرجوا على أئمتهم للهفوة الصغيرة يرتكبونها، وتشدد كثير منهم في النظر إلى غيرهم من المسلمين فعدوهم كفارًا، بل كانوا يعاملونهم أشد من معاملة الكفار. ويحكون أن واصل بن عطاء -رأس المعتزلة- وقع في أيديهم فادعى أنه (مشرك مستجير) ورأى أن هذا ينجيه أكثر مما تنجيه دعواه أنه مسلم مخالف لهم، وكذلك كان؛ واشتدوا في معاملة مخالفيهم من المسلمين، حتى كان كثير منهم لا يرحم المرأة ولا الطفل الرضيع ولا الشيخ الفانى، بل لم يرضوا من مخالفيهم أن يقولوا: إن عليا أخطأ في التحكيم، وعثمان أخطأ فيما أحدث، بل لابد أن يقر بكفرهما وكفر من ناصرهما، وطلبوا من عبد الله بن الزبير أن يتبرأ من أبيه، ولم يكتفوا من عمر بن عبد العزيز بعدله وجمال سيرته، بل طلبوا منه كذلك أن يتبرأ مما تبرأوا هم منه، وأن يلعن أسلافه من بني أمية؛ ولعل هذا التشدد وإقدامهم على سفك دماء معارضيهم هو أكبر ما شوه حركتهم.
стр. 4721
الخوارزمي
أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن يوسف (وجرى المقريزى على تلقيبه بالبلخي في كتابه الخطط، بولاق ١٢٧٠ هـ, جـ ١، ص ٢٥٨). وقد عاش أبو عبد الله في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وهو أقدم كاتب مسلم ألف كتابا موسوعيا هو "مفاتيح العلوم" (نشره فان فلوتن G.Van Vloten، ليدن ١٨٩٥ م)، أهداه إلى أبي الحسن عبيد الله بن أبي العتبى الذي كان وزيرا من وزراء نوح الثاني السامانى (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ = ٩٧٦ - ٩٩٧ م)، وكان أبو عبد الله يعيش في بلاطه بنيسابور. ولعل الخوارزمي قد ولد في بلخ. ويستدل من كتابه أنه كان يلي منصبًا إداريًّا، وكان بحكم مقامه في خراسان خبيرًا بالأحوال السائدة في المشرق خاصة. ويعد كتابه، الذي كان العرب ينزلونه منزلة كبيرة، عظيم النفع في إظهارنا على معارف في مواضيع جد متباينة، وقد تناولها الخوارزمى في دقة وإحكام.
ويقال أن الخوارزمي قد أفاد في ميدان الرياضيات مما نقل عن اليونانية من مؤلفات علماء من أمثال إقليدس ونيقوماخوس وهيرو وفيلون وغيرهم.
وكتابه مفاتيح العلوم مقالتان، المقالة الأولى تتناول الشريعة والعلوم المتصلة بها كالفقه، والكلام، والعروض، والتاريخ؛ وتتناول المقالة الثانية الفلسفة، والمنطق، والطب، والحساب، والهندسة، والفلك، والموسيقى، والحيل، والكيمياء.
المصادر:
(١) Gesch. d. Arab: Brockelmann Lit . جـ ١، ص ٢٢٤.
(٢) انظر ما كتبه عن قسم الطب من المقالة الثانية Die Medizin im: E.Seidel Kitab Mafatih Al- Ulum في S.B.P.M.S.Ergl، ١٩١٥ جـ ٤٧، ص ١ - ٧٩.
(٣) وانظر أيضًا: E. Weidmann Beitrdge VI Zur Technik bei den Arabern
стр. 4722
في. S.B.P.M.S. Ergl ١٩٠٦, جـ ٣٨، ص ١ - ٥٦.
(٤) Beitrage X Zur Technik bei den Arabern في. S.B.P.M.S. Ergl ١٩٠٦, جـ ٣٨، ص ٣٠٧ - ٣٥٧.
(٥) Beitrdge XIV uber, die Geo metrie u Arithmetik nach den Mafatih Alulum في S.B.P.M.S. Ergl ١٩٠٨ م، جـ ٤٠، ص ١ - ٦٤.
(٦) Beitraage XVIII Astronomische Instrumente , في. S.B.P. M.S. Ergl, ١٩٠٩ جـ ١ جـ ٤١، ص ٣٣ - ٣٥.
(٧) Beitrdage XXII Stucke aus den ٤٧٧٦ PUh Al - ulum في S.B.P. M.S. Ergl, ١٩١٠ م، جـ ٤٢، ص ٣٠٣ - ٣٢٢.
(٨) Beitrage XXIV Zur chemie bei den Arabern , في S.B.P.M.S. Ergl ١٩١١ م، جـ ٤٣، ص ٧٢ - ١١٣.
(٩) Beitrage XXVII Geographische Stellen aus den , Mafatih Al - Ulum في , S.B.P.M.S. Ergl. ١٩١٢ م, جـ ٤٤، ص ٣٧ - ٤٠.
(١٠) Beitrage XXVII Uber die Astronomie nach den Mafatih Al-Ulum في S. B. P.M.S. Ergl. ١٩١٥ م، جـ ٤٧، ص ٢١٤ - ٢٤٢.
(١١) Beitrage LVII Defenitionen verschie dener Wissenschaften und uber diese verfasste Werke في S. B. P.M.S. ErgL ١٩١٨/ ١٩١٩ جـ ٤٠/ ٤١, ص ١ - ٢٢.
(١٢) Beitrage LXVI Zur Geschichte der Musik , ١٩٢٢/ ١٩٢٣ في S.B.P.M.S. ErgL جـ ٤٤/ ٤٥، ص ٧ - ٢٢.
خورشيد [فيدمان E.Wiedemann]
الخوارزمي
محمَّد بن موسى، وجرى الطبرى (طبعة ده غوى، جـ ٣، ص ١٣٦٣) على تلقيبه بالمجوسى، والقطربلى أي الذي
стр. 4723
عاش أو خرج من قطربل، وهي ناحية غربى دجلة بالقرب من بغداد.
والأخبار عن حياته قليلة جدًا وغير موثوق بها لأننا في كثير من الأحيان لا نعرف أهو المقصود بها أم محمَّد بن موسى بن شاكر (Nachtrage: H. Suter die Zu "Mathemathiker" 'etc' في. Abhandl. Zur Gesch. der Math Wissensch . ١٩٠٢ م، جـ ١٤، تعليق رقم ١٩، ص ١٥٨ (ونحن لا نعلم تاريخ مولده، كما أن تاريخ وفاته غير محقق، ويقول سوتر H.Suter . إنه توفي ما بين عامى ٢٢٠ هـ (٨٣٥ م) و ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م)، أما نلينو Nallino فيجعل تاريخ وفاته بعد عام ٢٣٢ هـ (٨٤٦ - ٨٤٧ م). وعاش الخوارزمى في عهد المأمون، وكان أحد منجميه، ولعله اشترك في حساب ميل الشمس في عهده. وجرى الخوارزمي على العكوف في مكتبة المأمون للدرس. ويقول الطبرى (الموضع المذكور) إنه كان من المنجمين الذين استدعاهم الواثق في مرضه الأخير لينبئوه بما يكون من أمره، فبشروه بالعمر الطويل، ولكن المنية أدركته بعد ذلك بقليل. وقد انصرف الخوارزمي إلى دراسة الرياضيات والجغرافية والفلك والتاريخ. وألف "كتاب التاريخ" الذي ذكره المسعودي من بين مصادره، ولعل الطبرى نقل عنه الفقرة التي تتناول حادثا وقع في عهد المأمون سنة ٢١٠ هـ (٨٢٥/ ٨٢٦ م) انظر Al Huwarizmi: C.A.Nallion etc، ص ١٢). ونستدل من كتب الخوارزمي التي كان بعضها هاما مبتكرا على أنه كان عظيم الموهبة.
وقد ألف الخوارزمي كتبه قبل العصر الذي ازدهر فيه النقل عن اليونانية، ولو أنه عاصر الحجاج فترة من حياته. ويُقال أن الخوارزمي اعتمد فيما بلغ إليه من شأو في الجبر على الهندوس والفرس ومدرسة جنديسابور بصفة خاصة. أما المصادر اليونانية فكانت بالنسبة إليه في المرتبة الثانية. والغالب أن ذلك لم يكن شأنه في الفلك والجغرافية. وثمة قائمة بكتبه في الفهرست ليعقوب النديم (ص ٢٧٥)
стр. 4724
وابن القفطى (ص ٢٨٦). ويأتي سند ابن علي في الفهرست بعد الخوارزمي مباشرة، ولعل كاربنسكى (كتابه المذكور في المصادر) قد أصاب فيما ذهب إليه من أن الكتب الموسومة بـ"الحساب الهندي" و"الجمع والتفريق" و"الجبر والمقابلة" والتي نسبت بسند ليست له، وإنما هي الواقع من تأليف الخوارزمي.
وأهم كتبه الرياضية هو الكتاب المعروف بالجبر "حساب الجبر والمقابلة" (وهو في رأى رسكا J.Ruska " عمليات في حساب التفاضل والتكامل"). وليس هذا الكتاب في الجبر كما نفهمه، وإنما هو مقدمة في الحساب العملي القائم على عدة مسائل محلولة. ومادة الكتاب في الوقت نفسه جد متباينة. فهو يحوى (أ) عمليات في التفاضل والتكامل في أبسط صورها (ب) المساحة والأخطاء فيها (جـ) قواعد في تقسيم المواريث في الوصية. وقد نقل الكتاب إلى اللاتينية ج. القرمونى ور. الشسترى وغيرهم (G. of Cremona. R.of Chester, انظر المصادر، وما يتعلق منها بـ Rosen & Karpinski). وقد نشأ عن تحريف اسم الخوارزمي والخطأ فيه الكلمات التي تنتهي بـ algorism في اللغات الأوربية ومعناها أية طريقة متواترة في الحساب غدت قاعدة من القواعد.
وثمة إشارات إلى شروح عربية على هذا الكتاب كتبها سنان بن فتح (سوتر، رقم ١٤٩) وعبد الله بن السيدنانى (سوتر، رقم ١٥٢) وأبو الوفاء (سوتر، رقم ١٦٧). ويزيد روزن Rosen (المصدر المذكور، ص ١٤) شرحا آخر لرجل يدعى المزيهفي. وكان أثر كتاب الخوارزمي عظيما، وقد نعته بهذا النعت في عصر متأخر عن ذلك أبو كامل شجاع بن أسلم (سوتر رقم ٨١) وتتردد الأمثلة التي استخدمها (مثل س ٢ + ١٠ س = ٣٩) باستمرار في مؤلفات كتاب من قبيل أبي الكامل والكرخى وعمر الخيامى، كما نجد كتابا من النصارى تأثروا بالخوارزمي مثال ذلك ليوناردو البيزى.
стр. 4725
وبقى من كتب الخوارزمي أيضًا نقل لاتينى لكتاب له في الرياضة معنون بعنوان Algoritmi de Numero Indorum (نشره Bald. Boncompagni في Trattati d'aritmetica pubbl . da B.B. Noma ١٨٥٧ م، رقم ١) وقد بين رسكا أن هذا النقل يطابق كتاب الجمع والتفريق (ولعل من الواجب أن نزيد على هذا العنوان "بحساب الهند"؛ انظر J.Ruska المصدر المذكور، ص ١٨).
وقد نقل محمَّد بن إبراهيم الفزارى كتاب "السدهانتا" إلى اللغة العربية، وعرف باسم "السند هند الكبير" (ولا نعلم أهذه الترجمة تطابق السدهانتا الذي نحن بصدده؟ ؛ : H.suter .Die Astronomischen Tafeln etc ص ٣٢) وقد أعد الخوارزمي نسختين من السند هند، ولعله أعد من قبل موجزًا لها. وسمي كتاب الجداول المتحصل من ذلك كما جاء في رواية ابن يونس "في زيج" (انظر Al Battuni Opus: C.A.Nallino، جـ ١، ص ١٥٧). وهذا الكتاب شأن كتب الزيج جميعًا لا يشمل جداول فحسب بل يشتمل أيضًا مقدمة فلكية طويلة بعض الشئ، وهي أشبه بعلم الفلك النظري.
وقام مسلمة المجريطى بتنقيح هذا الكتاب الجيد في الجداول وأعاد نشره كما ذكر ابن أبي أصيبعة (جـ ٢، ص ٣٩). وكانت هذه النسخة فيما يرجح أساس الترجمات اللاتينية لهذا الكتاب. ونحن نجد فيه جداول تعتمد على حساب المثلثات، وترد فيه كلمة "جيب" بمعنى Sine دائمًا، في حين أن ثابت بن قرة المتأخر عن الخوارزمي لا يذكر هذه الكلمة إلا لمامًا (Axel & H. Burger Bjornbo Thabits Werk uber: C. Kohl den Trans - versalensatz في Abhandl Zur Gesch. der Naturwissensch. und Medizin , ١٩٢٤ , جـ ٧، ص ٥) ومن ثم فمن الممكن أن تكون هذه الكلمة قد أدخلها مسلمة في كتاب الخوارزمي (Al Battani Opus: C.A. Nallino، جـ ١، ص ١٥٤). ولعل الخوارزمي قد تناول ظهور القمر الجديد في كتاب آخر (C.A.Nallino. كتابه المذكور، جـ ١،
стр. 4726
ص ٢٦٩) ويذكر ياقوت (المعجم، جـ ١، ص ١٦١ , س ١) محمَّد بن موسى الخوارزمي على أنه صاحب الزيج وذلك في سياق رواية له عن حجم الأرض، ولكن هذه الرواية لم تذكر في الزيج.
وقد ألف الخوارزمي كتابين في الاسطرلاب: "كتاب العمل بالاسطرلاب، و"كتاب عمل الاسطرلاب"، على أنهما لم يصلا إلينا لا بالعربية ولا باللاتينية. وفي كتاب الفرغانى "في صفة الأسطرلاب بالهندسة" (مخطوط ببرلين، الفهرس رقم ٥٧٩٠) عدة مسائل فلكية حلت بالاستعانة بالاسطرلاب، ويبدأ هذا الباب من الكتاب بالعبارة الآتية: "يقول محمَّد بن موسى الخوارزمي. ." (Die J. Frank Verwendung des Astrolabs nach AlKhwarizmi في Abhandlungen Zur Gesch der Naturwiss. und Medizin. , ١٩٢٢ م، جـ ٣، ص ١ - ٣٢؛ وانظر أيضًا C.A.Nalliono المصدر المذكور، جـ ١، ص ٤٩).
ونحن لا نعرف شيئًا عن كتابه في "الرخامة" أكثر من أنه ألف كتابا من هذا القبيل.
وتناول الخوارزمي إلى ذلك مسائل في التنجيم من الناحية العملية. مثال ذلك ما رواه أبو معشر من أن الخوارزمي بحث إلى أي حد نبأ اقتران الكواكب عند مولد محمَّد [ ﷺ ] برسالته (حمزة الأصفهاني: تاريخ، طبعة Gott waldl . الكتاب السابع، الفصل ٤ (النص) ص ١٥٣ وما بعدها؛ الترجمة، ص ١٢٣).
وأعد الخوارزمي أيضًا مجموعة من صور السماوات والعالم نزولا على إشارة المأمون، والراجح أن علماء غيره اشتركوا معه في ذلك. ومن هذه الصور "كتاب صورة الأرض" وهو مخطوط محفوظ في ستراسبورغ، ويسمى أبو الفداء هذا الكتاب باسم كتاب "الربع المعمور". وقد سبق أن بين نللينو أن هذا الكتاب هو النص الذي كان يصاحب الصور. وقد تم إعداد هذه المجموعة في
стр. 4727
نسختيها بالاستعانة بجغرافية بطلميوس، ولكنها نشرت وتوسع فيها من غير استعانة به تقريبا.
وقد نشر نللينو هذا الكتاب في ترجمته اللاتينية، وبحث مادته الجغرافية بحثا مستفيضا بمقارنتها بمعلومات بطلميوس. ثم تناول فون مزيك H.von Mzhik هذا الكتاب بالدرس الشامل ونشره وترجمه وعلق على الجزء الخاص بإفريقية (Mitt.d. K. K. geogr, Gesellsch. in Wien، ١٩١٥ م، جـ ٣٨، ص ١٥٢ وما بعدها؛ Denkschr. ,Ak. Wien, Philos. Kl ١٩١٦ م، جـ ٥٤، رقم ٤) وأعد إلى ذلك صورة تعتمد على ما ذكره الخوارزمي (Neue: J.Ruska Raustiene Zur Geschichte der Arahisehen Geographie في. Geogr. Zeitschr ١٩١٨ م، جـ ١٤، ص ٧٧ - ٨١).
المصادر:
(١) Die Mathematier und: H.Suter Astronomen der Araber und ihre Werke, رقم ١٩ في Zeitschrift fur Mathematik . und Physik, ١٩٠٠ م، جـ ١٠، رقم ١٩، والذيل بصفة خاصة، الموضع نفسه، ١٩٠٢ م، جـ ١٤، ص ١٥٨ - ١٦٠.
(٢) Vorlesungen Zur Ges-: M.Cantor chichte der Mathematik ١٩٠٧ م، جـ ١ ص ٧٠٠ وما بعدها وغير ذلك من المؤلفات في تاريخ الرياضيات.
(٣) The Algebra of Mohammed ben Musa، طبعه ونشره Fr. Rosen ١٨٣١ م، جـ ١٦، الترجمة ص ٢٠٨، النص ص ١٢٢.
(٤) Robert of Chester's Latin Translation of the Algebra of Al- Khowarizmi نشره University of: L.Ch. Karpinski Michigan Studies Humanistic Series , نيويورك ١٩١٥ م، جـ ٩.
(٥) Zur Altesten arabischen: J.Ruska Algebra u.Rechenkunst , في. S.B. AK. Heid، ١٩١٧ , رقم ٢، ص ١٢٥، وعرض هذا الموضوع بقلم E.Wiedmann في Berliner Philologische Wocjenschift ١٩١٩ م, جـ ٣٩، ص ٤٨ - ٥٣.
стр. 4728
(٦) Die Astomonomischen: H.Suter Tafeeln des Mohammed ben Musa AlKhuwarizmi etc . كوبنهاغن ١٩١٤ م في Kgl. Danske Vidensk. Selsk. Skrifter السلسلة السابعة Historisk og filosofisk afd جـ ٣.
(٧) أما جداول حساب المثلثات، فقد طبعها AlChwarizmi's: A.A.Bjombo trigornometiske Tavler في. Festskruft til H.G. Zeuthen كوبنهاغن ١٩٠٩.
(٨) Al- Huwarizmi e it Suo riffacimento della geografia di Tolmeo في Memorie della Classe di Sciene Morali etc . ١٨٩٤، جـ ٢/ ١ م.
(٩) وقد أورد نلينو معلومات كثيرة عن الخوارزمي في نشره لكتاب البتانى.
خورشيد [فيدمان E. Wiedmann]
خواندمير
مؤرخ فارسي، واسمه الحقيقي غياث الدين، وهو ابن خواجه همام الدين بن خواجه جلال الدين بن خواجه برهان الدين محمَّد شيرازى. أما جده لأمه فهو المؤرخ ميرخواند وخاله نظام الدين سلطان أحمد صدر. وقد وزر أبوه سنين طويلة للسلطان محمود السمرقندى عم السلطان بابر. ولابد أن يكون خواندمير قد ولد حوالي عام ١٤٧٥. ولعل ولادته كانت في هراة حيث كان يعيش جده لأمه. على أن "هفت إقليم" يسلكه ضمن مواليد إقليم بخارى. والظاهر أن جده ميرخواند كان في الأصل من أهل بلخ. وقد التحق خواندمير بخدمة بديع الزمان أكبر أولاد السلطان حسين، وكان في صحبته في بل جراغ عام ١٥٠٢، وسمعه يقص أخبار مغامراته بعد هزيمته هنالك على يد أبيه قبل ذلك بخمس سنوات أو ست. وكان خواندمير صحبة بديع الزمان عند مَرَل في شمال فارس بعد وفاة السلطان حسين في مايو عام ١٥٠٦. وفي ربيع عام ١٥٠٧ كان الرأى متجها إلى مقاومة شيبانى في تقدمه، فأشار بديع الزمان، وأخوه وشريكه في الملك مظفر، على خواندمير بالذهاب إلى قندهار وإغراء شاه بك أرغون على الانضمام إليهما. وقد وصل خواندمير في مسيره
стр. 4729
إلى هراة، ولكنه توقف لوفاة جوجك بيكم ابنة بديع الزمان واقتراب شيبانى، ولم يشخص إلى قندهار. وذهب مرة أخرى أيضًا في سفارة إلى خسرو شاه في كندز ولكن سفارته لم تنته إلى شيء. وبذلت محاولة ضعيفة عند مرل للوقوف في وجه شيباني، إلا أن الأميرين ركنا إلى الفرار وذبح ذو النون أرغون الشجاع. وأعقب ذلك السير إلى هراة في مارس سنة ١٥٠٧، وقد أناب السكان عنهم خواندمير وابن أخيه عثمان الذي كان يشغل منصب محتسب المدينة لمقابلة شيبانى في معسكره والحصول على شروط التسليم. وقد ذهب عثمان في هذه المهمة وأفلح في مقابلة شيبانى وإن كان قد نهب في الطريق وجرد من ثيابه.
وظل خواندمير في هراة بعد سقوطها، وزودنا بأخبار مقبولة عما لاقاه هو وأصدقاؤه من عنت الأزابكة. وكان خواندمير أيضًا في هراة عندما هزم الشاه إسماعيل شيبانى وقتله واستولى على المدينة في عام ١٥١٠. وفي عام ٩٢٠ هـ (١٥١٤ م) اعتزل خواندمير الناس، واستقر في قرية بَشْت أو بشت في غرجستان من أعمال شمالى فارس وليس في الكرج كما ذهب إلى ذلك إليوت Elliot, واشتغل هناك بتأليف كتبه (انظر de Sacy عن غرجستان في Mines de l'Orient جـ ١، ص ٣٢١). ثم التحق خواندمير بمحمد زمان التافه الشأن، وهو أكبر أبناء مولاه السابق، وربط مصيره بمصيره مدة من الزمن في بلخ وغيرها. فلما عزم محمَّد زمان على السير إلى قندهار استأذنه خواندمير في العودة إلى بشت. ولا شك في أنه استقر في هراة بعد ذلك؛ لأنه كان بها في يوليه عام ١٥٢٧ عندما غادرها إلى قندهار. ولم يمكث خواندمير طويلًا في أفغانستان، فقد ذهب إلى الهند في مارس عام ١٥٢٨ ووصل إلى آكره ومثل بين يدي بابر في سبتمبر، ثم صحبه في عام ١٥٢٩ إلى البنغال، وكان معه عند تريموهينى Trimohini وهو ملتقى نهر سرجو بنهر الكنج (انظر حبيب السير طبعة حجرية، جـ ٢، ص ٨٤، نهاية الجزء الرابع من المجلد الثاني) وتوفي
стр. 4730
بابر في نهاية عام ١٥٣٠ فالتحق خواندمير بخدمة ولده همايون وقال فيه مديحا نقش على منشآت همايون وعمائره واسماه "قانون همايونى" أو همايوننامه (وتوجد نسخة خطية منه في المتحف البريطاني) وذكر إليوت Elliot في كتابه تاريخ الهند History of India (جـ ٥، ص ١١٦) شيئا عن هذا القانون وأورد فقرات منه. والشائع أن خواندمير توفي عام ٩٤١ هـ (١٥٣٤ - ١٥٣٥ م) أثناء حملة همايون على كجرات، ولكنا نستدل من رواية فرشته على أن خواندمير توفي بداء الزحار (الدوسنطاريا) في عودته من كجرات. وعادت الحملة في عام ٩٤٢, وكان خواندمير على قيد الحياة في هذا العام. وقد كتب عبارة تضمنت تاريخ وفاة صديقه وزميله في الترحال شهاب الدين صانع الغرابيل (انظر البداؤونى، ترجمة Ranking جـ ١، ص ٤٥٠). والراجح أن خواندمير توفي عام ٩٤٢ أو ٩٤٣ هـ (١٥٣٥ - ١٥٣٧ م). وقد دفن في دهلي تلبية لرغبته بالقرب من مقبرتى نظام الدين أوليا وأمير خسرو، ولعله كان قد بلغ آنئذ حوالي الستين عاما.
وكان خواندمير كاتبا مكثرا، وأول تواليفه هو كتاب خلاصة الأخبار، كتبه عام ٩٠٥ هـ (١٤٩٩ - ١٥٠٠ م) وأهداه إلى على شير، وكان قد استعان بمكتبته في جمع المادة اللازمة لهذا الكتاب. وخلاصة الأخبار أثر من آثار شباب هذا الكاتب، ومن ثم لم يرد فيه من معارف المؤلف الشخصية إلا القليل. فهو في الواقع مجمل وتمهيد لكتابه حبيب السير، ولكنه أكثر استيفاء في بعض المواضع من كتاب حبيب السير، مثال ذلك أن ما جاء فيه من أخبار عن سقوط يادكار محمَّد ووفاته، أوفى مما جاء في كتاب حبيب السير. وأثمن كتب خواندمير هو كتابه "حبيب السير" وهو الكتاب الوحيد المطبوع من بين مؤلفاته، وقد بدأ فيه عام ١٥٢١ وانتهى منه. عام ١٥٢٣ - ١٥٢٤ وإن كان قد أضاف إليه بعض الإضافات بعد زيارته للهند. وكتاب حبيب السير، الذي أطلق عليه المؤلف هذا العنوان تيمنا باسم مولاه الثاني حبيب الله، تاريخ عام من أقدم الأزمنة إلى ما يقرب من نهاية حياة إسماعيل الصفوى الأول. ومن الطبيعى أن يكون هذا الكتاب عظيم النفع بصفة