← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الطائفة جيلا أو جيلين بعد وفاة الشيخ يتزعمها تلميذ نابه من تلاميذه. وظلت الحال تجرى على هذا المنوال زمنًا طويلا، فلم يكن ثمة هيئة لها طبيعة الهيئات الدائمة تحتفظ بنظام خاص وعبادات خاصة يجمعها اسم معروف معلوم. ولم تقم الطرق التي لها هذه الصفات إلَّا في القرن السادس الهجري، أي في الحقبة المضطربة التي تمزقت فيها أوصال الدولة السلجوقية. والظاهر أن القادرية التي أنشأها عبد القادر الجيلاني المتوفى سنة ٥٦١ هـ هي أول طريقة باقية لها أصل تاريخى معلوم. ثم ظهرت طرق أخرى بكثرة تحير العقول. وبعض هذه الطرق أنشأها أولياء قائمون برأسهم، وبعضها انشعبت من طرق أخرى أقدم منها عهدًا. على أن هذه الأصول التاريخية يجب أن نفرق تفرقة تامة بينها وبين الروايات التي ترويها كل طريقة عن أصل شعائرها الخاصة وأذكارها. وكما أن الصوفية ترد أصلها إلى النَّبِي [ ﷺ ] نفسه، بل إلى الله وجبريل والنبي [ ﷺ ] فتحمى بذلك شرعيتها من التجريح، فكذلك ترد هذه الطرق أصولها إلى طبقة من الأولياء المشهورين حتَّى تصل بها إلى منشئها الأول. ويعرف ذلك بسلسلة الطريقة. وثمة سلسلة أخرى مشابهة لهذه تبدأ بمنشئ الطريقة وتنتهي بشيخها الحالى. ويجب على كل درويش أن يعرف السلسلة التي تربطه بالله ذاته، وأن يؤمن بأن العقيدة التي تقول بها طريقته هي روح الإِسلام وأن شعائرها صحيحة صحة الصلاة. والشيخ (شيخ، مرشد، أستاذ، ببر) الذي يدخل المريد على يديه في الطريقة هو الصلة بينه وبين السلسلة. ويتم هذا الدخول بأخذه "العهد" عليه، وهذا العهد إجازات وعوائد (١) صوفية تختلف باختلاف الطرق. وكان المريد من قبل يمر بمراحل طويلة أو قصيرة في دخوله في الطريقة، ويتضح من بعض صور هذه المراحل أن المريد يكون مسلوب الإرادة حيال الشيخ ويكون بينه وبينه وفاق. وشريعة الدراويش هي دائمًا ضرب من الصوفية تتفاوت باختلاف الطرق

стр. 4832

من سكينة الزهادة إلى القول بأن الإيمان إنما يكون بالقلب وذلك تمشيا مع مذهب وحدة الوجود. ويغالى في هذا القول إلى حد أن الدراويش في فارس ينقسمون فريقين: فريق مع الشرع (باشرع) أي يتبعون الشريعة الإِسلامية، وفريق بلا شرع (بى شرع) أي ينكرون شعائر الدين وما جاء به من قانون خلقى. ويمكن أن نقول بصفة عامة إن بعض طرق الفرس والترك قد انحرفت عن الإِسلام أكثر من السوريين أو العرب أو الإفريقيين كما أن الطريقة الواحدة في أمة قد تختلف صورها باختلاف البلاد. وتعنى شعائر الطرق دائمًا بالحياة الوجدانية الدينية، وتجنح إلى استحداث ظواهر من الاستدراج (١) (الذاتى أو غير الذاتى) وحالات من الوجد. وتتميز طريقة من هذه الطرق، هي الخلوتية بأنها تتطلب من جميع أتباعها أن يقضوا فترة من كل سنة في خلوة ممسكين عن الطعام إلى أقصى ما يسعهم الجهد مرددين الأذكار ترديدًا لا ينقطع. ويؤثر هذا في جهازهم العصبي ومخيلتهم تأثيرا واضحا بينا. وتعرف العبادة الشائعة بين أرباب الطرق جميعًا بالذكر أي ذكر الله (القرآن، سورة الأحزاب، الآية ٤١، وهذه الآية هي عمدة أرباب الطرق)، والغرض من الذكر هو تذكير العابد بعالم الغيب وأن اعتماده عليه. ومن الواضح أن الذكر يصحبه ضرب من السمو بالشعور الديني وإحساس بالسعادة. على أن الاستدراج يصحبه أَيضًا حالات جسمانية معينة وظواهر تثيره أو تعقبه، ويتواجد أرباب طريقة المولوية التي أنشأها جلال الدين الرومي المتوفى في قونية سنة ٦٧٢ هـ بالرقص الدوار. أما السعدية فقد جروا على اصطناع ما يعرف بالدَوْسةَ وما زالوا يلجئون في تكاياهم إلى قرع الطبول الصغيرة المعروفة باسم "باز" وقد حرم استخدام هذه الطبول الآن في المساجد المصرية وعد بدعة من البدع (انظر تاريخ محمَّد عبده جـ ٢. ص ١٤٤ , وما بعدها) ولكل طريقة من

стр. 4833

طرق السعدية والرفاعية والأحمدية فعال خاصة قوامها أكل الجمرات والثعابين الحية أو العقارب والزجاج وإنفاذ الإبر في أجسامهم وإدخال المسامير في عيونهم. وإلى جانب هذه الفعال، والتي قد يكون بعضها قائمًا على الحيل وبعضها قد تيسر بحالة من حالات الاستدراج، فإنَّه تبدو بين الدراويش ظواهر ذاتية من محاضرة ومكاشفة بل تصعيد في الهواء. وهذه الظواهر جديرة بأن تلقى من عنايتنا واهتمامنا أكثر مما لقيت حتَّى الآن على أنها لا تظهر إلَّا على الأولياء دون سواهم وهم يعرفونها بالكرامات (. . .) يفيئها الله عليهم. على أنَّه يوجد علاوة على هذا العدد الصغير من شيوخ الطرق الذين يقيمون في التكايا (خانقاه أو رباط أو زاوية أو تكِيّة) أو يطوفون طواف فقراء الرهبان (والقلندرية طريقة مأخوذة من البكتاشية، وهي تفرض على أربابها مداومة الطواف) عدد آخر كبير من الأتباع غير العارفين وهم يشبهون الطَّبقة الثالثة من رهبان طائفة الفرنشسكان والدومينيكان، يعيشون مع سائر النَّاس، ولا يفرض عليهم إلَّا أداء عبادات يومية معلومة، وحضور حلقات الذكر في التكايا من حين إلى حين. ولا شك في أن عدد الدراويش كان في وقت من الأوقات أكثر بكثير مما هو الآن، وخاصة في مصر أيام المماليك، فقد كانت تكاياهم كثيرة جدًا والأوقاف المحبوسة عليها كبيرة. وكان مقامهم في تلك الأيام أرفع كثيرًا مما هو عليه الآن فالفقهاء والعلماء ينظرون إليهم في الوقت الحاضر بازدراء في النزاع الجوهري بين أهل الباطن من ناحية وأهل الحديث وأهل الرأى من ناحية أخرى. ويخرج معظم الدراويش في الوقت الحاضر من بين الطبقات الدنيا في المجتمع، والزاوية في نظرهم بمثابة مسجد ومنتدى. وصلتهم بها أخص من صلتهم بالمسجد، ومن ثم أصبحت الطرق تعادل في مكانتها وشأنها الهيئات الكنسية القائمة بذاتها عند المسيحيين البروتستانت. وهذا هو السبب الذي حدا بالحكومات في عصر متأخر إلى الإشراف عليها بعض

стр. 4834

الإشراف غير المباشر. وكان يقوم بهذا الإشراف في مصر الشيخ البكري (١) , فهو شيخ مشايخ الطرق جميعًا (كتاب بيت الصديق، ص ٣٧٩ وما بعدها). أما في غير مصر فإن ثمة شيخًا للدراويش في كل مدينة. ولم يتحلل من هذا الإشراف إلَّا السنوسية وحدهم بحكم اعتكافهم في صحراوات بلاد العرب وشمال إفريقية بخاصة واحتفاظهم بطريقتهم في قلب الصحراء عزيزة بعيدة المنال بعامة. ثم إن أتباع هذه الطريقة ينتمون إلى طبقة من طبقات المجتمع أرفع من طبقة أتباع الطرق الأخرى. والنساء في الإِسلام متساويات بالرجال دينًا وإن لم يتساوين بهم شرعًا (٢) , ولذلك كان منهن دراويش وهن يتلقين العهد على شيخ من الشيوخ. على أن إرشادهن إلى سلوك الطريقة يتم في كثير من الأحيان على يد نساء. وهن يقمن بأذكارهن في الغالب الأعم بمعزل عن الرجال. وكان الدراويش من النساء في الإِسلام أيام القرون الوسطى يعشن في كثير من الأحيان في التكايا، وقد خصصت لهن دور وتكايا تشرف عليها نساء من جنسهن. أما الآن فمعظم هؤلاء النساء فيما يظهر من عامة الأتباع ولسن من مشايخ أرباب الطرق. ويستحيل علينا في هذا المقام أن نورد قائمة كاملة بأسماء الطرق، وعلاوة على الطرق التي ذكرناها آنفًا في هذا المقال: العروسية، الأشرفية، البدوية (٣)، البيومية، البكرية، بكتاش، جلوتى، كلشنى، عيساوة، خلوتى، نقشبندى، الشاذلية، سهروردى، السنبلية، التيجانية.

стр. 4835

المصادر: إن مصادر هذه المادة كثيرة جدًا ونكتفي هنا بذكر مختارات منها: (١) Deport et coppolsni Les confreries religieuses musulmans، الجزائر ١٨٩٧. (٢) les confreries: A. Ler Chatelier musulmanes du Hedjaz, باريس ١٨٨٧. (٣) Vorlesungen: Goldziher, ص ١٦٨ وما بعدها، ١٩٥ وما بعدها. (٤) Modern Egyptians: Lane. الفصول ١٠، ٢٠, ١٤, ١٥. (٥) The Derwishes, or: J.P. Browne Oriental Sprititualism لندن ١٨٦٨. (٦) Dictionary of Islam: Hughes , مادة فقير. (٧) Tableau general. de: D'Ohsson L'Empire Othoman . جـ ٣، باريس ١٧٩٠. (٨) Turkey in: Sir charles N. E. Eliot Europe, لندن ١٩٠٠. (٩) A year among the: E. G. Browne persians, لندن ١٨٩٣. (١٠) Shaikhs of Morocco: T.H. Weir , إدنبره ١٩٠٤. (١١) The Moors: B. Meakin, لندن ١٩٠٢، الفصل ١٩. (١٢) Travels in Central Asia: H. Vambery , لندن ١٨٦٤, وجميع كتب فامبرى في الرحلات والتاريخ. (١٣) The Way of a: W.H.T. Gairdner Mohammedan Mystic في مجلة Moslem World عدد أبريل ١٩١٢ وما بعده. (١٤) المقال الذي كتبه كاتب هذه المادة في Encyclopaedia Britannica، مادة Dervish الطبعة الحادية عشرة، ويمكن تصحيح ما ورد في هذه المادة على المادة الواردة هنا. (١٥) Religious Attitude and Life in Islam: D.B. Macdonald نيويورك ١٩١١. خورشيد [مكدونالد D.B. Macdonald]

стр. 4836

درويش باشا اسم عدد من ولاة الترك وساستهم. (أ) درويش باشا: من أهل مُسْتر، وقد أصبح واليًا على البوسنة عام ١٠٠٤ هـ (١٥٩٥ م). ونشر غزله في جسر مستر في. . Wissenschaftl. Mitteil. aus Bosnien فينا عام ١٨٤٣، جـ ١، ص ٥١١. (ب) درويش باشا: كان قبودان باشا عام ١٠١٤ هـ (١٦٠٥ م) وصدرًا أعظم في عهد محمَّد الثالث عام ١٠١٥ هـ (١٦٠٦ م) ولكنه أعدم في ذلك العام نفسه. (جـ) درويش باشا: الصدر الأعظم في عهد السلطان عبد الحميد الأول، وقد غضب عليه السلطان في عام ١١٩٠ هـ (١٧٧٠ م) بعد أن ظل في منصبه الرفيع ثمانية عشر شهرًا، وتوفي بعد ذلك في خيوس. (د) درويش باشا: قائد تركي. كانت له القيادة في حملة عام ١٨٦٢ م على الجبل الأسود، وعين حاكما وقائدًا أعلى في البوسنة والهرسك, غير أنَّه فقد هذا المنصب عندما مني بالخيبة في ثورة عام ١٨٧٥ م. وولى عام ١٨٧٧ م قيادة الجند المرابطين في باطوم، فاستطاع أن يوقف تقدم الروس. فلما وضعت هذه الحرب أوزارها أنفذ لمقاتلة الألبان. وفي عام ١٨٨٢ م بعث في مهمة إلى مصر، ولكنه لم ينجح فيها، وتوفي درويش باشا عام ١٨٩٦ م. المصادر: (١) سامى بك: قاموس الأعلام، جـ ٣، ص ٢١٣٦ وما بعدها. (٢) Geschichte des Osman. Reiches: V. Hammer انظر الفهرس. الشنتناوي درويش محمَّد باشا اسم اثنين من الصدور الأعظمين: وقد ولى أولهما هذا المنصب في مستهل عهد محمَّد الرابع بعد أن كان واليًا على جهات مختلفة وشاغلا لمنصب قبودان باشا. وصرف عن منصبه عام ١٦٤٩ م وأعدم واستصفيت ثروته الهائلة. وولى الثاني منصب الصدارة في عهد محمَّد الثاني ١٨١٨ - ١٨٢٠ م،

стр. 4837

وتوفي عام ١٢٣٧ هـ (١٨٢٢ م) في ينبع في طريق حجه إلى المدينة، المصادر: سامى بك: قاموس الأعلام، جـ ٣، ص ٢١٣٨. درهم (١) وحدة من وحدات العملة الفضية في نظام السكة عند العرب. وقد كان هذا الاسم (باليونانية وبالفارسية درم) مستعملا منذ القدم، في حين استعار العرب العملة التي عرفت به من الفرس. واستعارة الوزن القانونى للدرهم أعسر من استعمارة وزن الدينار، ذلك أن الدراهم لم تكن تراعى الدقة التامة في ضربها. وقد اختلف المؤرخون اختلافًا عظيمًا في تحديد الدرهم القانونى، ولكنهم أجمعوا على أن نسبة وزن الدرهم إلى وزن المثقال هي ٧: ١٠ ولما كان المثقال يدل على عدة معان، فإن هذه المعادلة لا تصح إلَّا إذا كان المثقال يساوى الدينار القانونى، أي المثقال المكى الذي يبلغ وزنه ٤.٢٥ من الجرامات. ونخلص من هذا إلى أن أقرب أوزان الدرهم إلى الاحتمال هو ٢.٩٧ من الجرامات، وهذا الوزن يتفق على خير وجه مع السكة الباقية والأوزان الزجاجية كما يتفق مع أوزان السكة التي ضربت في عهد المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ = ٩٠٨ - ٩٣٢ م) وكشف عنها روجرز E.T Rogers في الفيوم. وقد اتخذ سوفير Sauvaire الرقم ٣.٠٨٩٨ أساسًا لجميع حسباناته، وهو الرقم الذي استقرت عليه اللجنة المصرية التي عقدت عام ١٨٤٥ م، ومن ثم ظهر بطلان النتائج التي وصل إليها أول الأمر، وقد استقر دكوردمانش Decourdemanche الذي بين خطأ سوفير عند الرقم ٢.٨٣ مستعينا في بلوغ هذا الرقم بحسبانات بارعة، ولكن هذا الرقم لا يتفق مع النسبة التي تقضي بأن يكون الدرهم ٧: ١٠ من المثقال. وربما كان الخليفة عمر هو أول من قرر أن الوزن القانونى للدرهم هو ٢.٩٧ من الجرامات. وقد أمر عبد الملك بأن يكون الدرهم من هذا الوزن هو دون سواه السكة الفضية الصحيحة. وليس ثمة شك في أن الدرهم العربي

стр. 4838

مأخوذ من درهم الساسانيين، وقد أدخل أردشير الأول (٢٢٦ - ٢٤١ م) هذا الدرهم على أساس الدراخمة الأتيكية الجديدة التي بلغ وزنها ٤.٢١ من الجرامات وظل هذا الدرهم ثابتًا يكاد لا يتغير حتَّى سقوط الدولة الساسانية (بلغ وزن الدراخمات التي ضربها سنة ٦٢٨ أردشير الثالث ٤.١٠ من الجرامات). وقد احتفظ ولاة العرب في فارس بهذا الأنموذج الساسانى، ولكنهم خفضوا وزنه فجعلوه ٣.٩٠ من الجرامات. وكان كثير من العملة التي ضربوها يزن ٢.٩٠ من الجرامات على وجه التقريب، ومن ثم فهي تتفق مع الدرهم القانونى. وترجع أقدم الدراهم الإِسلامية الخالصة مع استثناء النماذج المشكوك فيها والنماذج القائمة برأسها إلى عام ٧٥ هـ (٦٩٤ م). وبعد هذا التاريخ ضربت سكة من طراز جديد في الولايات كافة، على الرغم من أن الدراخمات العربية الساسانية ظلت تضرب في فارس إلى ما بعد هذا التاريخ بأمد (ظلت تضرب في طبرستان إلى حوالي سنة ١٨٠ هـ = ٧٩٦ م). أما الدراهم النحاسية التي ضربها في القرنين السادس والسابع الهجريين بنو أرتق وبنو زنكى وغيرهما من الأسر التركية التي حكمت آسية الصغرى ففريدة في بابها، فهي قطع نحاسية كبيرة عليها كتابة ويبلغ وزنها في المتوسط ١٢ جرامًا، والراجح أنها ضربت بصفة خاصة لاستعمالها في المتاجرة مع النصارى. وكان للدرهم شأن هام في شمالى أوربا وشرقيها، ذلك أنَّه كان السكة الوحيدة في هذه الأنحاء ما بين عامى ٦٠٠ و ١٠٠٠ م. وكان من النادر أن نجد قطعًا من العملة أكبر قيمة من الدينار أو أصغر منه في القرون الأولى للهجرة. وكان أعم كسور الدرهم هو سدسه أي الدانق (أبلوس) وأشيعها نصف الدرهم. وقد اختفى الدرهم من الوجود حوالي نفس الوقت الذي اختفى فيه الدينار. وكانت نسبة الذهب إلى الفضة في أوائل عهد الإسلام هي ١٤: ١ (٢٠ درهم = ١ دينار).

стр. 4839

(٢) والدرهم هو أَيضًا اسم وزن من الأوزان (درهم كيل) يبلغ ٣.١٨٤ من الجرامات، وهو يختلف اختلافا بينا عن السكة المعروفة بهذا الاسم. وقد بقى هذا الكيل، وإن اختلف من بلد إلى بلد، حتَّى العصور الحديثة، يستعمله الصيدلى والصائغ. وقد وجدته الحملة الفرنسية مستعملا في القاهرة عام ١٧٩٩ م بالغا وزنه ٣.٠٨٨٤ من الجرامات، وحددته اللجنة التي انعقدت عام ١٨٤٥ م بـ ٣.٨٩٨ من الجرامات. ويبلغ وزنه القانونى في إستانبول اليوم ٣.٢٠٧ من الجرامات، المصادر: (١): J. Karabacek Uber Mohammedanische Viccriatsmunzen und Kupfer-drachmen في Wiener Num Zeitschr, ١٨٦٩ م. (٢) Orientalische Munzen in Nord - und Osteuropa: E. Zambaur في Monasblat. Num Ges Wien، ١٩٠٢ . (٣): J.A. Decourdemanche . Etude Metrologique et numismatique sur les Misqals et Derhems Arabes ١٩٠٨ . (٤) الكتاب المذكورون في مادة دينار. خورشيد [زامباور E.V. Zambaur] دريد ابن الصِمَّة الجشمي، من سلالة جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن واسمه الحقيقي معاوية، واسم أَبيه الحارث. وكان دريد من أشجع فرسان العرب وأحسن شعرائهم. وكانوا يفضلونه على عنترة نفسه، وقد قاد أبوه قبيلة جشم في يوم مَخْلة من حرب الفجار، وتوفي بعد ذلك بقليل في وقعة أخرى. وبعد زمن من انتهاء تلك الحرب نشب قتال آخر بين كنانة وسُليَم تعاونها جُشم، وكان من سوء طالع دريد أن أسرته فراس، وهي بطن من كنانة، ولكن أطلق سراحه لأنه كان قد أهدى في مناسبة من المناسبات رمحه إلى رجل من كنانة، ولم يحارب قط بعد ذلك في صفهم، وإن كان يقال إنه قام بمائة غارة كان التوفيق حليفه في كل منها. وقد رغب دريد في أواخر حياته الزواج من الخنساء الشاعرة،

стр. 4840

وهي من قبيلة سليم من بنى عمومة قبيلة هوازن، وكان لدريد أربعة أشقاء قتلوا جميعًا في الحرب قبله، أشهرهم عبد الله الذي هلك في غارة على غطفان، وهي الغارة التي نجا منها دريد بشق الأنفس، وقد أسر قراب جواد عبد الله المشهور في اليوم الذي قتل فيه صاحبه (مقامات الحريرى، المقامة ٤٥؛ Arab,: Freytag Prov جـ ٢، ص ٢١٠) (١). ومن المهام الأخيرة التي قام بها دريد توسطه في النزاع الذي قام حول زعامة قبيلة سليم بعد وفاة معاوية وصخر أخوى الخنساء. وقتل دريد في وقعة حنين عام ٨ للهجرة دون أن يدخل في الإِسلام، وقضى السنوات الأخيرة من حياته في فقر مدقع بسبب إفراطه في الجود، وكان يطلق عليه اسم "أخى هوازن" (الطبرى، جـ ١ ص ٣٣٤٤، حيث يستشهد علي ببيت من شعره، ص ٣٣٦٨). المصادر: (١) الطبري، جـ ١، ص ١٢٥٥ - ١٢٥٧, ١٦٦٦ - ١٦٦٧. (٢) Essai: Caussin de Perceval جـ ٢، ص ٥٣٩ وما بعدها، ٢٤٥ وما بعدها. (٣) كتاب الأغاني، جـ ٩، ص ٢ - ٢٠. الشنتناوى [فاير T.H. Weir] الدسوقى أو الدَّسُوقى: أو الدُّسوقى إبراهيم ابن أبي المجد عبد العزيز (أو عبد المجيد) (٦٣٣ - ٦٧٦ هـ = ١٢٣٥ - ١٢٣٦ - ١٢٧٧ - ١٢٧٨ م) من أهل دسوق، وهي بلد من أعمال مديرية الغربية بالوجه البحرى بمصر. وهو مؤسس الطريقة الدسوقية، ويذكر شارح حزبه (حسن شمه: مسرة العينين بشرح حرب أبي العينين، القاهرة في تاريخ غير معلوم) أن أباه جاء من قرية

стр. 4841

مرقس على الضفة الأخرى للنيل وكان هو نفسه من الأولياء. وكانت أمه ابنة ولى آخر هو أبو الفتح الواسطى. ويقال إن الدسوقى درس الفقه الشافعى قبل أن يسلك طريق الصوفية، وأنه اعتكف عشر سنوات في خلوة بدسوق وألف كثيرًا من الكتب وقد استقيت تفصيلات خاصة بسيرته من بعض هذه الكتب (وتسمى الحقائق أو الجواهر أو الجوهرة) وذكرت هذه التفصيلات وافية شافية في "طبقات الشيخ أَحْمد الشرنوبى" لمحمود البلقينى (القاهرة عام ١٢٨٠ هـ) غير أنها حفلت بتهاويل نكاد لا نجد لها مثيلا وخاصة أنها تقترن في بعض حلقاتها بمرحلة طفولته وبمسألة صلته بالملائكة والجن .. إلى غير ذلك. ويقرر الدسوقي في قصيدة له محفوظة بالمتحف البريطانى (مخطوط Rich رقم ٧٩٦) أن سلطان مصر قد عدا عليه هو وجيوشه، فأتى لنجدته أولياء كثيرون، وأنه غدا [في الاعتقاد] سلطانا على مصر والعراق. وذكر الشعراني في كتابه "لواقح الأنوار" (القاهرة سنة ١٢٩٩ , جـ ١، ص ٢٢١ - ٢٤٥، وهي السيرة الوحيدة التي اعتمد عليها على باشا مبارك في كتابه الخطط الجديدة التوفيقية، بولاق سنة ١٣٠٥، جـ ١١، ص ٧) بعض ادعاءات الدسوقي واعتذاره عنها، مثال ذلك أنَّه أمر بأن يُلبس جميع الأولياء الخرقة، وتناول صالح بن المهدى هذه الادعاءات بشئ أكثر من الحزم في كتابه "العَلمَ الشامخ" (القاهرة سنة ١٣٢٨، ص ٤٧٦) والظاهر أن شهرة الدسوقى قد ذاعت في طول البلاد وعرضها، ذلك أن صاحب كتاب تاج العروس يسميه أحد الأقطاب الأربعة (والثلاثة الآخرون هم عبد القادر الجيلانى، والرفاعى، وأَحمد البدوى) ويذكر أنَّه زار قبره مرتين. ويعرف الدسوقى في مخطوط ليدن الذي يشتمل على بعض مواعظه باسم "برهان الملة والدين" (. Catal جـ ٤، ص ٣٣٣). ويذكر حسن شمه مولدين يقامان في دسوق احتفالا بذكراه. ويذكر على باشا مبارك ثلاثة موالد تقام في الأشهر القبطية برمودة وطوبة

стр. 4842

ومسرى على التعاقب، ويستمر آخر هذه الموالد ثمانية أيام، وتقام بمناسبته سوق تكتظ بالخلق تباع فيها السلع من جميع الأنواع. وتحديد موعد إقامة هذه الموالد في الأشهر القبطية يوحى لنا بأن إبراهيم الدسوقى قد نسب إلى نفسه آيات من التبجيل اختصت بها عقيدة قديمة أو بعض العبادات السابقة له في الزمن. (١) ويقدم لنا شاتلييه A. le Chatelier معلومات أوفى عن إبراهيم الدسوقى في كتابه Les Confreries Musulmanes du Hedjas (باريس ١٨٨٧، ص ١٩٠) وإن كان يخطئ في تعيين زمانه بمدة قرن من الزمان. فهو يكرر القول في استشهاداته التي نقلها عن الشعرانى أن الدسوقى من أهل القرن السابع. والمادة الوعظية في هذه الاستشهادات تحث على الاستمساك الشديد بقواعد الأخلاق والأخذ بمذهب أهل السنة. وحزبه الذي ذكرناه يتسم في بعض أجزائه بطابع السحر. ولما كان الدسوقي يعتقد أنَّه قد سيطر على طلاسم السور، فالراجح أن شهرته ترجع إلى الخوارق التي قام بها. وهو يقرر أنَّه رأى النَّبِي محمدا [ ﷺ ] وكان أخوه عبد القادر الجيلانى يقف خلفه والرفاعى وراءه. وقد تكون طريقته قائمة على طريقتى هذين الشيخين وإن كان الدسوقى يعتقد أنَّه يسمو على جميع الأولياء الآخرين بل على عبد القادر بصفة خاصة، ويذهب الدسوقى في بعض هذه الآراء أحيانًا إلى حد الشطحات على حسبما يعتقد بعض الصوفية. إلى أكثر مما ذهب إليه الحلاج فهو يقول إنه عين الله في حين أن الحلاج قد سمى نفسه "الحق" المصادر: ذكرت في صلب المقال. الشنتناوى [مرجوليوث D.S. Margoliouth]

стр. 4843

الدسوقي إبراهيم بن محمَّد بن عبد الرَّحْمَن: صوفي عربي ولد عام ٨٣٣ هـ (١٤٢٩ م)، وتوفي في التاسع من شعبان عام ٩١٩ هـ (١١ أكتوبر سنة ١٥١٣ هـ) بدمشق وقد جمع الدسوقى طائفة من الدعوات المستعملة في الصلاة، وقد حفظت في مخطوط ببرلين (verzeichnis: Ahlwardt رقم ٣٧٧٨؛ انظر النعمانى: كتاب الروض العاطر، God Wetzet جـ ٢ ص ٢٨٩؛ Verz: Ahlwardt رقم ٩٨٨٦ , ورقة رقم ١٧). الشنتناوى [بروكلمان C. Brockelmann] الدسوقي السيد إبراهيم بن إبراهيم (عبد الغفار) من سلالة موسى أخى الصوفي إبراهيم الدسوقى. ولد الدسوقى عام ١٢٢٦ هـ = ١٨١١ م في أسرة رقيقة الحال تدين بالمذهب المالكى. وأتم دراسته الأولى في مسقط رأسه دسوق، ثم حضر على مشاهير الشيوخ في الأَزْهَر، ومن بينهم الشيخ محمَّد عليش المالكي الشهير المتوفى عام ١٢٩٩ هـ = ١٨٨٢ م. وقد اشتغل هو نفسه بالتدريس في الأَزْهَر مدة من الزمن، ثم التحق بخدمة الحكومة عام ١٢٤٨ هـ (١٨٣٢ م) حيث اشتغل مصححا للكتب التي تدرس في المعاهد العليا بسبب دقة معرفته بفقه اللغة العربية، ثم اختير آخر الأمر "باشمصححا" في المطبعة الأميرية ببولاق في عهد الخديو إسماعيل باشا. واشتغل أَيضًا فترة من الزمن مساعدا لرئيس تحرير الوقائع المصرية. وتوفي عام ١٣٠٠ هـ (١٨٨٣ م). والفضل في قيامه بهذا العمل يرجع إلى أنَّه قد اشتغل، بتوصية من فرسنل Fresnel عدة سنوات مع لين Lane E.W (منصور أفندى) خلال الفترة الثَّانية التي أقام فيها لين في القاهرة, ذلك أنَّه عاونه معاونة صادقة في إعداد وجمع المواد اللازمة لمعجم لين العربي - الإنجليزى Arabic - English Lexcion وقد أشاد لين في مقدمة معجمه بمجهودات الدسوقى. واستمر الدسوقى بعد عودة لين إلى إنجلترا في مساعدته بتقديم

стр. 4844

مختارات من المصنفات العربية (المقدمة، ص ١, ٢٢, ٢٣). ولدينا مذكرة مستفيضة مسجوعة بقلم الدسوقى أعدها للمصنف الجامع الذي كتبه على مبارك الوزير المصرى الأسبق، وقد وصف فيها مقابلته وحديثه مع لين والأثر الذي تركته شخصيه لين في نفسه، وشئونه المنزلية وطريقة حياته في القاهرة ومقابلته للمسلمين بها (ومن بينهم الشيخ أَحْمد الذي خلد اسمه لين في مقدمة كتابه the Manners and Customs of Modern Egyptians) وسيطرته الفريدة على اللغة العربية "وكأنه عدنانى أو قحطانى" وتعاونهما في دراسة كتب فقه اللغة العربية وعملهما في استغلال هذه المواد في المعجم Lexicon, وسخاء لين في معاملة معاونيه العرب وغير ذلك من الأمور. وتعد هذه المذكرة وثيقة هامة في تاريخ حياة هذا الإنجليزي الكبير المستعرب. المصادر: (١) على مبارك: الخطط الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، بولاق سنة ١٣٠٥، جـ ١١، ص ٩ - ١٣. (٢) Life of E.W. Lane: S. Lane. Poole ص ١١٧ وما بعدها. الشنتناوى [كولدتسيهر J. Goldziher] الدعاء ومعناه مماثل لمعنى الكلمة العبرية بركه، ومن ثم انتهى إلى الدلالة على اللعنة، ويجب أن لا نخلط بينه وبين الصلاة (١). والسورة الأولى من القرآن هي دعاء المسلمين المألوف، ولذلك غلب عليها اسم "سورة الدعاء" وهناك بطبيعة الحال عدد آخر كبير من صيغ الدعاء يتلى في مناسبات مختلفة، ونجد هذه الصيغ في الفهارس تحت مادة دعاء أو

стр. 4845

حزب. مثال ذلك حزب البحر للشاذلى فهو مشهور كثير الذيوع هو ودعاء الجزولى، والاعتقاد بقوة الدعاء مألوف جدا بين النَّاس. خورشيد دعبل (ومعنى الاسم "الناقة المسنة الهرمة"): الاسم المستعار لشاعر عربي مشهور من العهد العباسى، واسمه الحقيقي في رواية صاحب كتاب الأغاني هو محمَّد، في حين تذكر مصادر أخرى أن اسمه الحسن أو عبد الرَّحْمَن، وكنيته أبو على أو أبو جعفر. وكان جده رزين مولى لعبد الله بن خلف الخُزَاعِي كاتب الخليفة عمر بن الخطاب. ولد دعبل عام ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) ولا نعرف مكان ولادته وقد استقرت أسرته في بغداد، ولكنها كانت في الأصل من أهل الكوفة، ولو أن البعض يقول إنها من قرقيسياء (Circesia). والمؤكد أن هذا الشَّاعر قضى شبابه في الكوفة. وقد زل دعبل في ساعة طيش زلة جلبت عليه الشقاء فاضطر إلى الاختفاء عن الأعين مدة طويلة يهيم على وجهه في البلاد في صحبة الأفاقين والأشرار على اختلافهم. والظاهر أنَّه استقر بعد ذلك في بغداد، وتعرف فيها بالشاعر مسلم بن الوليد الذي شجعه على قول الشعر، وقد أدت به إحدى المناسبات السعيدة إلى بلاط هارون الرشيد. ونحن نعرف على وجه التحديد الحقائق التالية عن حياة دعبل بعد ذلك في بلاط هارون، ثم في بلاط الأمين. لقد كان دعبل في بادئ الأمر واليا على مدينة سمنجان من أعمال طخارستان، وهي ناحية من خراسان. ويذكر ياقوت (المعجم مادة سمنجان) أنَّه ولى سمنجان للعباس بن جعفر ومحمَّد بن الأشعث والراجح أن هذين الشخصين هما في الحقيقة شخص واحد، ونعنى به العباس بن جعفر ابن (! ) محمَّد بن الأشعث الذي ذكره الطبرى (جـ ٣، ص ٦٠٩، ٦١٢) , وكان هذا الرَّجل (والظاهر أنَّه كان من نفس قبيلة دعبل) واليا على خراسان من عام ١٧٣

стр. 4846

إلى عام ١٧٥ هـ (٧٨٩ - ٧٩٢ م) في عهد هارون الرشيد، ولا بد أن تكون ولاية دعبل قد وقعت في هذه الفترة نفسها على أرجح الأقوال، وقد أدى دعبل فريضة الحج قبيل عام ٢٠٠ هـ (٨١٥ - ٨١٦ م) ثم شخص إلى مصر قاصدا المطَّلب بن عبد الله أحد أفراد قبيلته، وكان واليا على مصر من عام ١٩٨ حتَّى رمضان من عام ٢٠٠ هـ (٨١٣ إلى أبريل - مايو سنة ٨١٦ م) وقد نظم القصائد في مدحه، فأجزل له العطاء وولاه على أسوان، غير أنَّه فقد رضاء مولاه الذي أحسن إليه، وسرعان ما عزل عن منصبه بسبب هجائه له. والراجح أن هذا الهجاء قد نظم في عهد أقدم من ذلك. والظاهر أن دعبل أسرع بالعودة إلى العراق، وشاهد ذلك أنَّه لما استخلف بنو العباس ومواليهم ببغداد (٢٥ ذي الحجة عام ٢٠١ = ١٤ يوليه عام ٨١٧) عم المأمون، إبراهيم بن المهدى المغنى وراعى الفنون والآداب في غيبة الخليفة في خراسان، هجاه دعبل هو والعباسيين عامة هجاء مرا، ومن قوله في ذلك. إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق أنى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق وكان من الطبيعى أن يشتد غضب إبراهيم بن المهدى لإدخاله في زمرة "الفاسقين"، فلما عاد إلى الخضوع لابن أخيه المأمون ونال صفحة، طلب معاقبة دعبل أشد عقوبة، غير أن هذه الأبيات أفعمت قلب الخليفة بالسرور، بل شفت ما في نفسه من موجدة، وهو أمر من اليسير أن نتوقعه منه، فغفر للشاعر كل ما قاله فيه وفي آل بيته، وبلغ من أمره أنَّه اغتفر البيت الذي يتفاخر فيه دعبل بأنه من أبناء القبيلة التي خرج منها قاتل أخيه ونعنى به طاهر بن الحسين قائد المأمون وفاتح بغداد. وهذه القصة لا يستبعد وقوعها بحال، بيد أن انتقاض العباسيين في بغداد والمناداة بإبراهيم خليفة يرجع

стр. 4847

أصلها في الواقع إلى أن المأمون قد اختار في أثناء غيبته في خراسان على ابن الرضا الإمام الشيعى الثامن خليفة له، وكان دعبل طوال حياته شيعيا مخلصًا، فقد نظم القصائد في مدح على الرضا فخلع عليه خلعة من ثيابه احتفظ بها احتفاظه بأثر شريف. ويقال أَيضا إنه تلقى عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه (الأغاني، ج ٨، ص ٤٢ وما بعدها). ولعل تظاهر المأمون بصداقة العلويين قد دفعت دعبل إلى مسالمة هذا الخليفة. ومهما يكن من شئ فإن دعبل نظم في الفترة التي أعقبت ذلك القصائد في مدح العباسيين. ويقال إن عبد الله بن طاهر قد تلى إحداها على الخليفة. وقد احتفظ دعبل برضاء الخليفة مدة طويلة، ولعل الخليفة رأى فيه أداة نافعة. ثم إن دعبلا لم ينله أذى من عداوة إبراهيم بن المهدى الذي رجع إلى مصافاة الخليفة ولا من أَحْمد بن أبي دؤاد القاضى المعتزلى، في حين أن الخليفة كان يجد لذة في هجاء دعبل اللاذع لكاتبه أبي عباد. وتوفي على الرضا في آخر صفر عام ٢٠٣ (أغسطس سبتمبر ٨١٧) وفي التاسع والعشرين من ذي القعدة عام ٢٠٧ (١٥ أبريل عام ٨٢٣) استبدل علم العباسيين الأسود بعلم العلويين الأخضر، وهذا هو آخر تاريخ (٢٠٧ هـ = ٨٢٣ م) في ذلك العهد يمكن أن يكون دعبل قد عاد فيه إلى مناوأة العباسيين. وقد يكون دعبل نظم في هذا التاريخ أو بعده بقليل تلك القصيدة التي يصف فيها هارون الرشيد بأنه شر الرجال وبأن العباسيين بوجه عام ليسوا أهلا للخلافة بل أقل استحقاقًا لها من الأمويين. وقبيل انفصام هذه الصلات الودية بين دعبل والبلاط العباسى بدأ نضال آخر استرعى اهتمام معظم أفراد المجتمع البغدادي سنوات بل عشرات السنين: ألا وهو نضال دعبل مع الشَّاعر أبي سعد المخزومى. فقد كان هذا الشَّاعر يشايع عرب الشمال (النزاريين) وينتقص من عرب الجنوب (القحطانيين) في حين كان هوى دعبل على خلاف ذلك، فبينما نجد أن أَبا سعد

стр. 4848

يلزم جادة الاعتدال أمدًا طويلا في هجائه من غير أن يخرج عن الصور المألوفة للقصائد البدوية القديمة إذا بدعبل يقذع في هجائه له ويصطنع لغة السفلة من النَّاس. وقد نشأ من ذلك أن العلماء هم وحدهم الذين عنوا بأشعار أبي سعد، في حين كانت أشعار غريمه يتغنى بها شباب بغداد في الطرقات. وكان دعبل نفسه يسهم في هذا التغنى بنصيب. واستمر هذا الخصام حتَّى عهد المعتصم خليفة المأمون، وبقيت لنا قصيدة من قصائد أبي سعد حاول في آخر بيت منها أن يستدرج المعتصم ويشركه في النزاع القائم بينه وبين دعبل. وقد ابتلى المعتصم نفسه ثامن الخلفاء العباسيين بهجاء دعبل المر عند اعتلائه عرش الخلافة وعند وفاته. إذ يقال إن دعبلا قال هذا البيت: خليفة مات لم يحزن له أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد وقد نظم الوزير مُحَمَّد بن عبد الملك الزيات مرثية عند وفاة المعتصم فما كان من دعبل إلَّا أن رد عليه بهجاء لا مثيل له دعا فيه على الخليفة بقوله: اذهب إلى النَّار والعذاب فما ... خلتك إلَّا من الشياطين وأخيرًا هجا دعبل المتوكل، وهو آخر خليفة حضر دعبل عهده، ومن الطبيعي أن وزراء الخليفة وعماله لم يسلموا من هجائه ولم يكونوا أحسن حالا. وكانت نهاية دعبل متفقة ومسلكه طوال حياته فقد عاقبه إسحاق بن العباسى وإلى البصرة وقتذاك عقابًا صارما لهجائه عرب الشمال. ولما أطلق سراحه فر إلى الأهواز. ويقال إنه قتل غيلة فيها بقرية الطيب عام ٢٤٦ هـ (٨٦٠ - ٨٦١) بتحريض رجل يدعى مالك بن طوق، وكان قد أثاره بهجاء قارس. على أن تفاصيل هذه القصة التي تروى خبر مقتله مشكوك فيها إلى حد كبير على ما يظهر. وأصوب من ذلك أن نذهب إلى أنَّه تُوفي متأثرًا بالمعاملة السيئة التي لقيها في البصرة، وكان قد بلغ من العمر ثمانية وتسعين سنة هجرية. ومن الدلائل البينة على ما كان لأشعار دعبل من شأن أن والي البصرة

стр. 4849

السابق ذكره عهد إِلى شاعر من عرب الشمال هو أبو الدلفاء بالرد على هجاء دعبل وابن أبي عيينة بقصيدة نشرها بعنوان "القصيدة الدامغة". وكان من الطبيعى أن يفخر رجال قبيلة دعبل "بنو خزاعة" بشاعرهم. وإذا نظرنا إلى أشعار دعبل نظرة نقدية فإننا لا نجد فيها إلَّا القليل من الشعر الذي يسمو إلى مرتبة الشعر الجيد. كما أننا لا نجد له من الشعر الذي يمتاز بجلال موضوعه إلَّا بضع قصائد مفردة. (مثال ذلك وداعه مسلم ابن الوليد، ورثاؤه ابن عمه: الأغاني ج ١٨، ص ٤٧ , ٣٤) وبعض قصائده معابثات مسلمة قليلة الغناء (ونذكر منها بصفة خاصة ما أورده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء، طبعة دى غوى ص ٥٤١؛ وقد يدخل هذا الشعر أَيضا في مجون أبي نواس). أما أغلب قصائده فهجاء مفحش وأغاني مبتذلة تغنى النَّاس بها في الطرقات. وعلى ذلك فإن هذه الأشعار تهمنا بصفة خاصة لوفرة ما بها من إشارات تاريخية تهدينا في كثير من الأحوال إلى تاريخ القصيدة التي وردت بها هذه الإشارات، وهذا الأمر غير مألوف بحال في الشعر العربي، كما أنها تزودنا بكل التفاصيل عن الشخصيات التاريخية المذكورة في هذه الأشعار. وربما لا يكون ثمة سبب يدعونا إلى القول بأنه ينبغي لنا أن لا نصدق كل ما قاله دعبل عن خصومه وديوان دعبل لم يصل إلينا بتمامه، ذلك أن شهرته العظيمة، ونعنى بذلك شهرته بين العامة، قد منعت فيما يظهر فقهاء اللغة المحققين من دراسة هذا الشَّاعر دراسة وافية شاملة. المصادر: (١) الأغاني، الطبعة الأولى ج ١٨، ص ٢٩ - ٦٠؛ جـ ٢٠، ص ٣٨. (٢) ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، طبعة دى غوى ص ٥٩٣ - ٥٤١. (٣) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٢٢٦ , ترجمة دى سلان، جـ ١، ص ٥٠٧ - ٥١٠، وانظر أَيضا سير

стр. 4850

إبراهيم بن المهدى، وطاهر وولده عبد الله، الترجمة، جـ ١، ص ١٧ - ١٩, ٦٤٩ - ٦٥٥؛ جـ ٢، ص ٤٩ - ٥٥. (٤) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٧، ص ٦٠. (٥) حاجى خليفة، ج ٣، ص ٢٧٩ وما بعدها. (٦) Gesch. d, Arab, Litter: Brockelmann جـ ١، ص ٧٨ وما بعدها. (٧): Goldziher Muhammedsanische Studien ج ١، ص ٨٣، ١٥٦. الشنتناوى [شاده A Schaade] دف دُفّ: (دَفّ، وهو النطق الحديث، ويمكن أن نرجعه إلى أبي عبيدة المتوفى حوالي عام ٨٢٥ م): اسم جنس يطلق على أية آلة موسيقية من فصيلة "الطار"، وإن كان يطلق أحيانًا على نوع منها بعينه، وتذهب الرواية الإِسلامية إلى أن تُبَل بن لَمَك هو الذي ابتكر الدف (المسعودي: مروج الذهب، جـ ٨، ص ٨٨)، في حين يتردد في أحاديث النَّاس أن الدف قد نقر عليه لأول مرة في زفاف بلقيس على سليمان (أوليا جلبى جـ ١/ ٢، ص ٢٢٦). ويقول المفضل ابن سلمة المتوفى عام ٩٢٠ م إن الدف من أصل عربي (ورقة رقم ٢٠). ويذكر ابن إياس المتوفى حوالي عام ١٥٢٤ في كتابه "بدائع الزهور" إن الدف هو الآلة التي كان يعزف عليها الإسرائيليون أمام العجل الذهبى، ومن المؤكد أن الاسم دف يمكن أن نجعله مرادفًا للكلمة العبرية تُف toph ولعله مرادف للكلمة الأشورية أدبه adapa . وقد ترجم سعديا اليهودي المتوفى عام ٩٢٤ كلمة تُف بكلمة دف. ونحن نشاهد في الفن السامى القديم كلا الدفين المستدير والمربع (: Rawlinson Five great Monarchies جـ ١، ص ٥٣٥؛ Perrot - Chi Hist de l' art: piez جـ ٣، ص ٤٥١؛ HeuFigurines Antiques: zey صورة رقم ٦، ص ٤) كما نشاهده في الفن المصرى القديم (: Wilkinson Manners and Customs of the Ancient Egyptians جـ ١، ص ٤٤٣, رقم ٢٢٠).

стр. 4851

ويمكن تقسيم دف الشعوب الإِسلامية إلى سبعة أنواع متميزة: ١ - النوع المربع ٢ - النوع المستدير البسيط ٣ - النوع المستدير ذو الأوتار ٤ - النوع المستدير ذو الصنوج الرنانة ٥ - النوع المستدير ذو الجلاجل الرنانة ٦ - النوع المستدير ذو الأجراس الصغيرة ٧ - النوع المستدير ذو الأوتار والأدوات الرنانة. ١ - ودف الأزمنة الحديثة المربع له رأسان أو جلدتان وأوتار تشد بطول الرأس أو الرأسين من الداخل. ونعلم مما ذكره المُطَرّزى (المتوفى عام ٦١٠ هـ = ١٢١٣ م) أن اسم الدف أطلق على كلا الطارين المربع والمستدير. وقد جاء ذكر الدف في أشعار الشَّاعر جابر بن حُيَىّ منذ عهد متقدم يرجع إلى القرن السادس الميلادى، والراجح أنَّه كان الدف المربع. ويقول صاحب كتاب "كشف الهموم" إن الطار الجاهلي كان يختلف عن الدف المصرى المستدير المعروف في زمانه (ورقة رقم ١٩٣) وكان طويس، أول مغن عربي كبير في الإِسلام، يضرب على الدف المربع (الأغاني، جـ ٤، ص ١٧٠). ولقد كان طويس من المخنثين، ولعل هذا هو السبب في تحريم الدف المربع وإباحة الدف المستدير (المطرزى) وفي هذا الوقت نفسه كان صفوة أهل المدينة في القرن الأول الهجري يؤثرون الدف المربع (المفضل بن سلمة، ورقة رقم ١١) ونحن نعلم أَيضًا أن السريان كانوا يستعملون هذا النوع المربع، وشاهد ذلك أنَّهم كانوا يطلقون عليه اسم ربهيعة (في الترجمة السريانية للتوراة (سفر الخروج، الإصحاح ١٥، الآية ٢٠؛ يهوديت Judith الإصحاح الثالث، الآية ٧). وقد بطل اليوم استعمال هذا النوع في بلاد العرب والشَّام ومصر وفارس، ولكننا قد نجده مستعملا في بلاد المغرب. وتوجد صور هذا النوع في كرستيانوفتس (ص ٣٢، لوحة رقم ١١) حيث يطلق عليه اسم دَفْ، وفي هوست Host (ص ٢٦٢, لوحة ٣١, ١١) حيث يطلق عليه اسم بندير. وتوجد نماذج منه في بروكسل،

стр. 4852

رقم ٣٣٩, ٣٤٠ (Mahillon جـ ١، ص ٤٠٠) وفي نيويورك، رقم ٣٩٢, ١٣١٦ (Catalogue جـ ٢، ص ٨٢؛ جـ ٤، ص ٥٠). ٢ - النوع المستدير البسيط. وكان يعرف أَيضًا باسم الدُّف (المطرزى) ويقال إن هذا النوع الخلو من الصنوج الرنانة أو الأجراس كان يعد النوع "المباح شرعًا" (أوليا جلبى ١/ ٢، ص ٢٢٦) ولعل هذا النوع هو المَزْهَر أو المزْهَر الذي كان معروفًا في الجاهلية وصدر الإِسلام. صحيح أن أصحاب المعاجم العربية يقولون إن المزهر هو العود، وهو تعريف جرى عليه العرب الذين كتبوا في الموسيقى (العقد الفريد، جـ ٣، ص ١٨٦؛ المفضل بن سلمة، ورقة رقم ٢٧؛ كتاب الامتاع والانتفاع، ورقة رقم ١٣؛ المسعودي: مروج الذهب، جـ ٨، ص ٩٣) ولكن من المشكوك فيه كثيرًا أن يكون المزهر بكسر الميم وفتحها هو العود. ولعل هذا الخطأ منشؤه أن أحد أصحاب المعاجم المتقدمين قال إن المزهر آله موسيقية مثل العود (انظر المصباح المنير للفيومى) أي أنَّه كالعود يعد من الآلات الموسيقية. وفي القرن الحادى عشر جاء في Glossarium Latino - Arabicum أن المزَهر (ص ٥٦٢) أو المزهر (ص ٥٠٨) يعادل الـ"تنفانوم" Tinfanum (= تيمبانوم Tympanum أي الطبلة)، ولا يزال هذا النوع معروفًا بهذا الاسم في تركيا (Lavignac, ص ٣٠٢٣) وفي فلسطين (Z.D.P.V. جـ ١، ص ٦٤، لوحة رقم ٨). والمزهر المصرى له جلاجل رنانة معلقة به. ٣ - النوع المستدير ذو الأوتار: هذا النوع شبيه بالنوع السابق مع زيادة أوتار تشد بطول الرأس من الداخل، ولا نستطيع التأكد من اسمه في صدر الإِسلام، غير أن من المحتمل أنَّهم كانوا يطلقون عليه اسم "الغِربْال"، وقد سمى بهذا الاسم لأنه كان مستديرا كالغربال، ويقول الصغاني (المتوفى حوالي عام ١٢٦١ - ١٢٦٢ م) إن هذا هو الدف الذي عناه النَّبِي محمَّد ﷺ عندما قال "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال (١) "، وهناك

стр. 4853

روايات أخرى لهذا الحديث سميت فيها هذه الآلة باسم الدف، ويعرف هذا النوع من الآلات الموسيقية ببلاد الجزائر في العصر الحديث باسم البَنْدَيْر أو البَنْدِير، وهو اسم مشتق فيما يظهر من الكلمة القوطية بنديرو Pandero وهي إحدى الآلات التي كانت مستعملة في إسبانيا قبل الفتح العربي، وقد ذكرها إيزيدور الإشبيلي، والبندير أكبر بوجه عام من الأنواع الأخرى كالدف والمزهر والطار، وإن كان صاحب كتاب كشف الهموم قد ذكر أن الدفوف تصنع من أحجام مختلفة من الطار الكبير إلى الغربال الدقيق، ويرجع فيما يختص بالدف المصرى إلى فيوتو Villoteau (ص ٩٨٨) وبالدف الجزائرى إلى كرستيانوفتش Christianowitsch (ص ٣١, لوحة رقم ٩)؛ وإلى Guin, Delphin, (ص ٣٧) وإلى Lavignac (ص ٢٩٣١). وكان يطلق على هذه الآلة في مراكش في قول هوست Host (ص ١٢١, لوحة رقم ٣١، ص ٦) اسم ضيف. وتوجد نماذج منها في بروكسل رقم ٣٠٨ , ٣٠٩ (Mahillon، جـ ١, ص, ٣٩٣ - ٤٠٠) ونيويورك رقم ٤٥٢ (Catalogue جـ ٢، ص ٥٠). ٤ - النوع المستدير ذو الصنوج الرنانة: هذا النوع شبيه بالنوع الثاني مع زيادة عدة أزواج من الصنوج تثبت في هيكل الآلة أو جسمها. وهذا النوع هو الطار. ويزعم صاحب كتاب كشف الهموم أن هذا الاسم أقدم عهدًا من الدف، إلَّا أنَّه ليس لدينا دليل قوى على ذلك. وكان الطار معروفا في اليمن في القرن الثاني عشر الميلادى (: Kay Yaman ص ٥٤)، وفي القرن الثالث عشر ذكر الطار في vocabulista in arabico (Tinpanum) ووصف كايمفر Kaempfer الآلة الفارسية تحت اسم دَف (ص ٧٤١, رسم ٧). ويبرز لنا نيبور Niebuhr أنموذجا عربيا، ويطلق عليه اسم الدف (جـ ١، لوحة رقم ٢٦)، ويزودنا هوست Host (ص ٢٦١ , لوحة ٢١) برسم للآلة المراكشية في القرن الثامن عشر ويسميها ترّ، وتعرف هذه الآلة في الجزائر باسم الطار (Delphin et Guin ص ٤٢، تذكرة النسيان، ص ٩٣, Lavignac ص ٣٨٤٤) وأورد كرسيتانوفتس رسما لها (لوحة رقم ١٠).

стр. 4854

وقد وصف الطار المصرى ورسمه كل من فيوتو Villoteau (جـ ١، ص ٩٨٨) ولين Lane (الفصل ١٨) في حين توجد نماذج حقيقية له في بروكسل رقم ٣١٢ - ٣١٥ (Mahillon جـ ١، ص ٣٩٤ - ٢٩٥) ونيويورك رقم ٤٥٥، ١٣١٩ , ١٣٥٩ (Catalogue جـ ٣، ص ٥١). وتعرف الأنواع الصغيرة منه في مصر باسم رق (Villoteau جـ ١، ص ٩٨٩) ولا يعد هذا الاسم بأية حال من الأسماء الحديثة (كشف الهموم، ورقة رقم ١٩٣) وهناك نماذج له في بروكسل، رقم ٣١٦ , ٣١٧ (Mahillon جـ ١. ص ٣٩٥). ٥ - النوع المستدير ذو الجلاجل الرنانة: وهذا النوع مماثل للسابق، غير أن به جلاجل رنانة مثبتة في هيكله أو جسمه بدلا من الصنوج الرنانة. وكان يعرف بمصر في عهد فيوتو Villoteau (جـ ١، ص ٩٨٨) باسم المزهر، غير أنَّه كان يعرف في فارس قبل ذلك باسم "الدائرة" على حد قول كايمفر (ص ٧٤١). ٦ - النوع المستدير ذو الأجراس الصغيرة: هو نفس الآلة السابقة من حيث الشكل، غير أن الأدوات الرنانة لا تثبت في هيكله أو جسمه على مسافات بل تعلق بداخل الهيكل أو الجسم. وهذه الأجراس تكون كروية الشكل في كثير من الأحيان مثل أجراس التنبيه، وهي تربط أحيانًا إلى قضيب من المعدن أو الخشب مثبت بطول الرأس من الداخل. وهذه الآلة شائعة في فارس والتركستان حيث تعرف بوجه عام باسم الدائرة. وقد بين لنا كايمفر آلة منها كانت مستعملة في القرن السابع عشر (٧٤٢). ويرجع إلى كتاب لافنيال Lavignal (٣٠٧٦) فيما يختص بالآلة الحديثة. والواضح أن كلا من الدائرة والدف قد أصبحا اسم جنس يطلق على جميع أنواع الدفوف، وإن كان الاسم الأول قد خص بالنوع المستدير. ٧ - النوع المستدير ذو الأوتار والأدوات الرنانة: وتعرف هذه الآلة في المغرب باسم الشكْشَاك (, Delphin, Guin ص ٣٨, ٦٥ Lavignac ص ٢٩٣٢ ,

стр. 4855

٢٩٤٤) غير أن هذا النوع يعرف في بعض الأنحاء باسم الطبلة، وهو يعرف في مصر بالبندير على حد قول فيوتو Villoteau. وإذا كان صوت الطبل يؤذن بالحرب في الإِسلام كما قال دوتى Doughty ذات مرة فإن صوت الدف يؤذن بحادث من الحوادث الاجتماعية. والحق أن الدف في الجاهلية كان في أيدى المحصنات والقينات أثناء الحرب، وكان يصحبه المزمار في بعض الأحيان، كما هي الحال عند القبائل اليهودية (الأغاني جـ ١، ص ١٧٢) وقد كان الدف أَيضًا الآلة البارزة في الحياة الاجتماعية (السيوطى: المزهر, جـ ٢، ص ٢٣٦) كما تشهد بذلك كثير من الأحاديث. وكان الدف في الموسيقى الراقية ولا يزال أهم آلة لضبط الإيقاع (إيقاعات, أصول، ضروب). وأصبح الدف يدل على ما يعرف في الفارسية باسم دَف أو دَبْ وبالكردية دَفك وبالألبانية والبوسنية دف، وبالإسبانية والبرتغالية أدُفه، كما أصبحت الدائرة تعرف في القوقازية باسم دَهَره، وفي الصربية والألبانية ديره، وفي الهندية دارا. وبقى اسم الطار في اللغة البولندية بصيغة تُر، وفي اللغة السواحلية بصيغة أترى. وقد أشاع عرب الأندلس استعمال الدف في أوربا، وظل يعرف أمدًا طويلا باسم طمبور الباسك tambour de Basque وكان هذا الإقليم أحد المنافذ التي تسربت منها الحضارة العربية. وبطل استعمال الدف في أوربا حوالي القرن الخامس عشر، ولكنه عاد إلى الظهور في القرن الثامن عشر عندما عدته أوربا جزءًا من الموسيقى التركية أو موسيقى الإنكشارية المدروشة. المصادر: (١): Fanner History of Arabian Music to the XIII th Century سنة ١٩٢٩. (٢) المؤلف نفسه: Studies in Oriental Musical Instruments سنة ١٩٣١. (٣): Sachs Reallexikon der Musikinstru - mente سنة ١٩١٣. (٤): Fetis Histoire general de la musique سنة ١٨٦٩ - ١٨٧٦.

стр. 4856

(٥): Christianowitsch Esquisse historique de la musique arabe سنة ١٨٦٣ (٦): Delphin & Guin Notes sur la Poesie et la musique arabes dans le Maghreb algerien سنة ١٨٨٦ (٧): Advielle La musique chez les Persans en ١٨٨٥ سنة ١٨٨٥ (٨): Host Nach - richten von Marokosuand Fez سنة ١٧٨٧ (٩): Kaempfer Amoenitatum exoticarum . سنة ١٧١٢. (١٠) المفضل بن سلمة: كتاب الملاهي، مخطوط بالقاهرة، ورقة رقم جـ ٥٣٣. (١١) كشف الهموم، مخطوط بالقاهرة، ورقة رقم جـ ١ (١٢) كتاب الأغاني، طبعة بولاق. (١٣): Mahillon Catalogue .. du Musee Instrumental du Conservatoire Royal de Musique الطبعة الثَّانية (١٤) Catalogue of the Grosby Brown Collection of Musical Instruments نيويورك. (١٥) أوليا جلبى: ... by Evuliya Efendi Narrative of Travels سنة ١٨٤٦. (١٦) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٨٨٧ - ١٨٨٨ (١٧) كتاب الامتاع والانتفاع, مخطوط بمدريد رقم ٦٠٣. (١٨): Toderini Letteratura Turchesca سنة ١٧٨٧. (١٩): Lavignac Encyclopedie de la musique جـ ٥، سنة ١٩٢٢ (٢٠) Villoteau في Description de l' Egypte جـ ١، (٢١) Glossarium Latino - Arabicum طبعة سيبولد (٢٢) Voyage en Arabie: Niebuhr سنة ١٧٧٦ (٢٣) Uzbik Kilassik musikasi: Fitrat طشقند سنة ١٩٢٧ (٢٤): Mironov Pesni Fergani Bukhari i khivi طشقند سنة ١٩٣١ (٢٥): Belaiev Musikalnie instrumenti usbekistana موسكو سنة ١٩٣٣ (٢٦) كامل الخلعى: كتاب الموسيقى الشرقى سنة ١٩٢٢. الشنتناوى [فارمر H.G. Farmer]

стр. 4857

دلدل اسم بغلة النَّبِي [ ﷺ ] الشهباء التي كان يركبها في غزواته. وقد عاشت هذه البغلة بعد وفاته، وكانوا يطعمونها البر في فمها عندما هرمت وسقطت أسنانها. ويقال إنها عاشت إلى عهد معاوية، وأنها ماتت في ينبع. وتذهب رواية شيعية إلى أنها احتفظت بقواها طوال المدة التي كان فيها على قادرًا على ركوبها في غزواته للخوارج. وكانت دلدل هي والحمار عفير من الهدايا التي أهداها المقوقس إلى النَّبِي محمد [ ﷺ ]، وكانت هذه المناسبة أول مرة يرى فيها المسلمون بغلة. وتذهب رواية أخرى تخلط بين دلدل وبين أتانة أخرى تدعى فضة، إلى أن النَّبِي [ ﷺ ] قد تلقى هذه البغلة من فروة بن عمرو الجذامى، ومعنى دلدل الحقيقي القنفذ (تاج العروس، جـ ٧ ص ٣٢٤؛ لسان العرب، جـ ١٣، ص ٢٦٤) (١) على أن هذا الاسم لا يصح إطلاقه على بغلة، ومن ثم فإن من المرجح أنَّه إنما أطلق عليها لسرعتها. المصادر: (١) النووى biographical Dictinary: ص ٤٦. (٢) ابن الأثير: الكامل، جـ ٢، ص ٢٣٨. (٣) الطبري، جـ ١، ص ١٧٨٣. (٤) الدميري: حياة الحيوان، جـ ١، ص ٤٢٠. الشنتناوى [إيوار، CH. Hurat] دمشق دِمِشْق، أو دِمَشْق، أو دِمَشْق الشَّام، ويقال لها أَيضًا الشَّام فقطَ شأنها في ذلك شأن سورية: أكبر مدن سورية على خط طول ٣٦ ْ ١٨ َ شرقى جرينتش، وخط عرض ٣٣ ْ ٢١ َ شمالا، وترتفع عن سطح البحر ٢١٣٠ قدمًا، وهي على حافة الصحراء العربية الشآمية في ظهر الحاجز المزدوج المكون من جبال لبنان وجبال لبنان الشَّرقية هي وجبل حرمون، وتحمى شعب هذه الجبال (وأقربها جبل قاسيون) سهل دمشق من الشمال ومن

стр. 4858

الجنوب. ويحمى الجبل الأسود وجبل المانع المدينة من الجنوب بعض الحماية، ولكنها مكشوفة من الشرق. (وتسود دمشق الرياح الشَّرقية وإن كانت تهب عليها أَيضًا رياح غربية تجلب الثلج والمطر، كما تهب عليها في الرَّبيع رياح الخماسين من وقت إلى آخر، وتتفاوت فيها درجة الحرارة بين ٦ ْ مئوية في منتصف يناير و ٢٦ ْ مئوية في منتصف يوليه) ولكنه في مجموعة خير من مناخ المنطقة المجاورة لها من الشرق. وموقع دمشق مهم لأن نهر بَردَى قد أنشأ فيه واحة متسعة هي الغوطة المشهورة التي تنفرج من جبال لبنان الشَّرقية إلى إقليم قليل المطر (ويقدر متوسط ما يسقط سنويا من المطر بأربع عشرة بوصة) قبل أن تغيض مياهها أبعد من ذلك غربًا، في بطائح عتيبة. وهذه الواحة الرائعة تعد بحق روضة من الرياض، وقد كونت من الناحية الطبيعية مركزا حضريا للأرض الواسعة المناوحة للساحل الشبيهة بالفيافي. واستطاعت دمشق أن تجتذب تجارة شمال سوريا والعراق وأرض الجزيرة وبلاد العرب وبابل من ناحية، والبحر المتوسط ومصر من ناحية أخرى، بفضل الطرق الطبيعية الممتدة مسافات بعيدة في شمالها ثم في جنوبها، وأن تصبح مركز هذه التجارة، ذلك لأن المناطق المحيطة بها لا مثيل لها في خصب تربتها ولأن المدينة نفسها تقع على الطريق الممتد من الشمال إلى الجنوب مخترقًا الأراضى الداخلية لسورية. وقد أصبحت دمشق بفضل هذا الموقع مركزا ثقافيا من الطراز الأول منذ أقدم العصور. وجلى أن اسم المدينة يرجع إلى ما قبل العهد الإسلامى (ورد في قائمة تحتمس: تمسقو، وفي الأشورية: دمشقى وتمشكى، وفي العبرية: ثم وردت بعد ذلك بفك الحرفين المدغمين كما في السريانية). ويظهر الاسم في العهد القديم بالفعل متصلا بقصة إبراهيم (سفر التكوين، الإصحاح ١٤، آية ١٥). وقد توسعت الروايات في هذه الصلة، بل إن المسلمين لا يزالون إلى اليوم يمجدون

стр. 4859

مسجد إبراهيم في برزة شمالي دمشق (الذي أورده يوسفيوس) ويجعلونه المكان الذي ولد فيه إبراهيم. كما أننا نجد بعد القرن العاشر قبل الميلاد مملكة آرامية في دمشق ذكرت في العهد القديم وفي النصوص الأشورية, وقد دمرها الأشوريون عام ٧٣٢ ق. م. ونحن نحيل القارئ إذا أراد دراسة تاريخ هذه المملكة والأحداث المتأخرة التي حاقت بدمشق في ظل الحكام الأشوريين البابليين، والفرس، واليونان، والرومان إلى مقالة I. Benzinger في Real-Encyclopaedie: Pauly.Wissowa جـ ٤، ص ٢٠٤٢ - ٢٠٤٨ إلى المصادر المذكورة فيها. وحسبنا هنا أن نتحدث عن دمشق في صلتها بالعرب، وقد انتقلت المدينة لأول مرة إلى حكم النبط حوالي عام ٨٥ ق. م. (أرتياس الثالث نصير اليونان) ويعود الفضل في احتلال النبط مدينة دمشق للمرة الثَّانية إلى رومية (بين عامي ٢٧ و ٥٤ م في عهد أرتياس الرابع فيلوباتور انظر Second Corinthians جـ ١١ , ٣٢) وظهر الأثر العربي منذ عهد قديم جدًا قويا واضحا على المدينة التي كانت شديدة التعرض للصحراء (يوستن) ولم تصبح مدينة دمشق قط قصبة ولاية من الولايات أيام الرومان، ولعل من أسباب ذلك انجذابها نحو الصحراء، وقد ألحقت في التقسيم الإدارى الرومانى الذي تم من بعد بليبانيزيا الفينيقية Phonike Libanesia التي كانت قصبتها السياسية حمص. ونجد دمشق، وهي المدينة الشديدة التأثر بالثقافة اليونانية، لم تخضع مباشرة لمشايخ العربان الذين كانوا يحكمون المناطق المجاورة، بل لم تخضع للغساسنة، ومع ذلك فقد كان هؤلاء الغساسنة يحكمون المناطق الملاصقة لدمشق (انظر Noldeke: Ghassan Fursten ص ٤٧) وكان هناك دائمًا اتصال قوى بين البدو وسوقهم الكبيرة. وكانوا يعرفون دمشق ويرونها مثالا للأبهة.

стр. 4860

وليس لدينا وصف دقيق لدمشق العتيقة، بل إن يوليان الذي امتدح موقع المدينة وعماراتها في عبارات تنم عن الدهشة لم يذكر لنا شيئًا مفصلا عنها. ونكاد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن خطة المدينة العامة ظلت قرونا على الحال التي لقيها عليها الفتح العربي، وقد مرت قبيل ذلك بمحن وشدائد نزلت بها من جراء الفتح الفارسي، ولكن هذا لم يحدث تغييرا جوهريا في شكلها. والحق أن أسوار المدينة ومعالمها الأساسية لم تتبدل منذ الفتح الإِسلامى، ومعظم السبب في هذه الظاهرة العجيبة راجع إلى موقع دمشق الطبيعى، ذلك أنها تقع عند مفرق الطريق الذي يخترق قلب سورية من الشمال إلى الجنوب، ويعبر نهر بردى الذي يجرى من الشرق إلى الغرب، ومن ثم انتظمت على هذا النحو طرقات المدينة، وقد أبرز هذه السمة المعبد الضخم المعقد الرباعى (معبد الشَّمس؟ ) الذي شيد فيه تيودوسيوس أو أركاديوس كنيسة القديس يوحنا. ويجب أن ننظر إلى المدينة على أنها ظلت منذ العهد الرومانى على صورتها الراهنة مستطيلا ممتدا على ضفة بردى اليمنى (جنوبا) يقطع معظم طوله طريق لا يزال يعرفه الأجانب باسم الطريق المستقيم (تأويلا للآية ١١ من الإصحاح التاسع من سفر أعمال الرسل) وفي الشمال المعبد الكبير الذي يعد سرة المدينة بحق. وقد يرجع إلى العصور القديمة أَيضًا تأسيس القلعة التي في ركنها الشمالى الغربى، ولسنا نعرف أين كانت مخازن الأسلحة التي شيدها دقلديانوس، بل إن أبواب المدينة، وكانت موجودة قبل الفتح العربي، لا تزال باقية إلى الآن. ويذكر البلاذرى (عن الواقدى) في حديثه عن حصار دمشق هذه الأبواب مبتدئًا بالباب الشرقى، وهو على الطرف الشرقى للطريق الكبير، ثم باب توما وباب الفراديس على الجانب الشمالى. ثم باب الجابية في الغرب عند نهاية الطريق الممتد طولا، والباب الصغير وباب كيسان في الجنوب.

стр. 4861

فتح المسلمين لدمشق تقدمت جموع العرب بعد وقعتى بيسان وفحل في ذي القعدة عام ١٣ هـ (يناير ٦٣٥ م) صوب دمشق على طول طريق جولان، ولم يلقوا مقاومة حتَّى بلغوا مرج الصفر شمالى الصنمين. ونجح الروم أول الأمر في مباغتة مقدمة الجيش الإِسلامي، ولكنهم أرغموا آخر الأمر على التراجع نحو دمشق (محرم عام ١٤ هـ الموافق فبراير عام ٦٣٥ م). ولم تمض أربعة عشر يومًا حتَّى كان العرب أمام دمشق. وجعل خالد بن الوليد قائد المسلمين مقر قيادته شمال المدينة أو شمالها الشرقى عند دير صليبا أو دير خالد. (انظر ابن شداد الذي نقل عنه دى غوى في كتابه المذكور، ص ٩٤؛ والرواية الغالبة أنَّه أقام معكسره في وقت متقدم على هذا التاريخ أبعد من ذلك ناحية الشرق عند قبر الشيخ أرسلان؛ انظر Porter جـ ١، ص ٥٥ والمجلة الأسيوية، السلسلة التاسعة، جـ ٥، ص ٤٠٥؛ جـ ٦، ص ٤٤٩) وكان هم العرب أن يحولوا بكل وسيلة بين الجند الروم الذين أجبروهم على الارتداد نحو دمشق وبين النجدة التي قد تأتيهم من الشمال، وقد حقق العرب بغيتهم. وكانت النتيجة أن فتح أهل دمشق في رجب عام ١٤ هـ الموافق سبتمبر عام ٦٣٥ م باب المدينة الشرقى سرًا لخالد وجنده (ولعل ذلك كان بوساطة الأسقف كما يقول البلاذرى، أو بوساطة المنصور جد يوحنا الدِّمشقي كما يقول يوتيخيوس Eutychius) فارتدت الحامية الرومية ناحية الشمال، ووقعت المدينة في قبضة المسلمين. وثمة روايات كثيرة تدور حول فتح المدينة يناقض بعضها بعضًا، وحسبنا أن نذكر هنا أهمها. والرأى الشائع الذي نشره في الشرق ابن عساكر وفي الغرب فون كريمر A.von Kremer هو أن خالد بن الوليد فتح الجانب الشرقى للمدينة عنوة من الباب الشرقى، في

стр. 4862

حين استسلم جانب باب الجابية لأبى عبيدة، والتقى القائدان عند كنيسة القديس يوحنا العتيقة، وهكذا احتل المسلمون الجانب الشرقى من الكنيسة هو والجانب الشرقى من المدينة، أما الجانب الغربى منها فقد ظل في أيدى النصارى. وقد سلم النَّاس منذ عهد طويل بتهافت هذه الرواية المتأخرة التي تناقض كل الروايات الموثوق بها السابقة عليها في الزمن. ويظهر أن رواية البلاذرى أدنى إلى الصحة، وهي تذهب إلى أن أَبا عبيدة احتل باب الجابية ولقيه خالد، وكان قد دخل المدينة من الباب الشرقى، ولعله أخذه عنوة أو بخيانة أهلها، وكان ذلك عند كنيسة مَقْسلات. (انظر المجلة الأسيوية، جـ ٦، السلسلة التاسعة، ص ٣٧٦, ٣٨١, ٤٠٤, عند القناطر الثلاث، Topographie: v.Kremer جـ ٢، ص ٦: تحت القناطر) في البريص (دى غوى = ولعله الطريق المستقيم). ونحن ندين بالفضل لكيتانى لأنه بين لنا بصفة قاطعة في دراسته المستفيضة لهذه المسألة أن أَبا عبيدة لم تطأ قدماه قط أرض الشَّام عام ١٤ هـ، وأن خالدا هو الذي استسلمت له المدينة. ومن ثم تسقط رواية التقاء القائدين في وسط المدينة التي تتردد كثيرا في الروايات اللهم إلَّا إذا اتجهنا وجهة جديدة في فهم ما ذهب إليه لامانس (Lammens: Melanges de la Facule Orientale, بيروت جـ ٣، ص ٢٥٥) واستبدلنا بأبى عبيدة يزيد بن أبي سفيان الذي دخل المدينة من الباب الصغير فيما تقول الرواية الشائعة. وبهذا لا يكون ثمة مجال للقول بتهافت قصة تقسيم المدينة بعامة وكنيسة القديس يوحنا بخاصة. وقد سمح للنصارى بالاحتفاظ بأملاكهم وديارهم وكنائسهم، ولم يفرض عليهم إلَّا أداء الجزية. وشتى العرب في دمشق، ولكنهم اضطروا إلى الجلاء عنها عند تقدم جيش هرقل الجرار في ربيع عام ٦٣٦ م, وكان على العرب أن يضربوا حول المدينة حصارًا ثانيًا بعد وقعة

стр. 4863

اليرموك الحاسمة في رجب عام ١٥ هـ الموافق ديسمبر سنة ٦٣٦ م. وقد عقد اللواء فيها لأبى عبيدة. ومن ثم يسلك كيتانى الحوادث التي قيل إنها وقعت عند باب الجابية في هذه المرحلة الثَّانية. ومهما يكن من شئ فقد استسلمت المدينة للمرة الثَّانية في ذي القعدة من عام ١٥ هـ الموافق ديسمبر عام ٦٣٦ م في ظروف ربما كانت أشد وأقسى من المرة الأولى، ولعل الكنائس التي تركت للنصارى بهذه المناسبة كانت خمس عشرة كنيسة. وكان لسقوط دمشق، جنة الأرض، أهمية لا توصف. وسكن المسلمون الديار التي أخلاها الروم. وكانت الأحوال في هذه البقعة مواتية أكثر منها في أي بقعة أخرى لأن يهضم العرب الثقافة اليونانية في هذه القصبة الحضارية العظيمة التي كان قد استقر في أرباضها عدد كبير من العرب. وكان من حسن الطالع للإسلام والمدينة على السواء أن يستعمل عليها رجل من بيوتات مكة التي أثبتت أنها قادرة قبل كل شئ على أن تنقل الحضارة إلى أمة محمَّد، ونعنى بهذا الرَّجل يزيد بن أبي سفيان الأموى. دمشق في عهد الأمويين ومات يزيد عام ١٨ هـ في طاعون عمواس، وخلفه أخوه معاوية فوحد الشَّام بأسرها تحت حكمه عام ٣١ هـ. ومكن لنفسه تمكينًا في ولايته حتَّى استطاع بعد مقتل عثمان أن يحارب الخليفة عليًا ليثأر لعثمان، وهي الحرب التي انتصر فيها آخر الأمر عام ٤١ هـ الموافق ٦٦١ م بعد مقتل على وتنازل ولده الحسن عن حقه في الخلافة. وأصبحت دمشق قصبة الدولة الجديدة، وبلغت شأوا عظيما في تاريخ العالم لم تبلغه من قبل ولا من بعد. ومن العسير أن نقدر مدى ما أفادته المدينة من هذه المكانة بعد ذلك. ويظهر أن معاوية لم يبذل جهدا كبيرًا في عمارة المدينة على نطاق واسع. وظلت المنطقة المحيطة بكنيسة القديس يوحنا التي أصبحت فيما بعد المسجد الأموى الكبير سرة المدينة كما هو شأنها اليوم.

стр. 4864

ويقوم في هذه المنطقة جنبًا إلى جنب المسجد القديم وكنيسة القديس يوحنا وقصر معاوية الجديد "الخضراء". وليس لدينا وصف معاصر للمدينة في هذا العهد إلا ما كتبه الأسقف الغالى أركلف Arculf. ونخلص منها إلى أن المسجد كان منفصلا تمام الانفصال عن الكنيسة. وواضح من الروايات العربية التي تصف الحوادث التي وقعت بعد ذلك أن المسجد والكنيسة كانا متجاورين وأن قصر الخضراء كان ملاصقا لهما، ومن ثم كان معاوية ينفذ منه إلى المسجد مباشرة، كما أن الكنيسة كانت قريبة منه إلى حد أن ناقوسها كان يقلق منامه وهو في شيخوخته (ابن قتيبة: عيون الأخبار، ص ٢٣٨). ويروى ابن جبير (طبعة دى غوى، ص ٢٦٩) أن القصر كان إلى يسار الخارج من المسجد الأموى من باب الزيادة (انظر الخطة الواردة في Baedeker) في الموقع الذي قام عليه سوق النحاسين من بعد، وهو سوق الصاغة في العصر الحديث (انظر أَيضًا كتاب الأغاني، جـ ٦، ص ١٣٩, س ٣ وما بعده). ولم يوجه يزيد بن معاوية وخليفته عناية خاصة بالمدينة، ومع هذا فقد أسدى إلى النواحى المجاورة لدمشق جميلا وذلك بشقه قناة يزيد أو مدها (انظر المجلة الأسيوية، السلسلة التاسعة، ج، ص ٤٠٠ وما بعدها). ولما مات معاوية بن يزيد (عام ٦٤ هـ الموافق ٦٨٣ م) لم يكن هناك من الفرع السفيانى الأموى من له حق واضح في الخلافة، فتنازعتها الأحزاب، ونشبت في دمشق فتنة أثناء الصلاة وبعدها كان للضحاك بن قيس فيها شأن مزدوج، فقد تعارك أنصاره مع أنصار الأمويين وعلى رأسهم حسان ابن مالك بن بحدل، وقد عرفت هذه الفتنة بيوم جيرون. ويروى ياقوت (جـ ٢، ص ١٧٥) أن جيرون سقيفة مستطيلة ذات عمد من أيام الجاهلية نسب إليها الباب الشرقى للمسجد الكبير فقيل باب جيرون، وهذا البناء المشهور إلى الشرق من المسجد الحديث

стр. 4865

قد بقى إلى عام ٥٥٩ هـ الموافق ١١٦٤ م حتَّى أتت النَّار عليه. ويقول المسعودي (مروج الذهب، جـ ٣، ص ٢٧١) إن قطعًا منه استعملت في بناء المسجد. وبعيد عن الشك أن الأبهاء ذوات العمد كانت جزءًا من عمارة المعبد القديم، ولم تكن كنيسة القديس يوحنا تشغل إلَّا جانبا منه، وقد أخذت من هذه الأبهاء الأعمدة المنفصلة أو المجتمعة التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا في بنايات أخرى (انظر عن جيرون أَيضًا De Sacy في ترجمته لعبد اللطيف، ص ٤٤٢ وما بعدها) وإذا ذكرنا أن اليوم الذي اشتهر بجيرون وقع في المسجد نفسه (الطبرى، جـ ٢، ص ٤٧٠ وما بعدها) رجح عندنا أن جيرون هو المسجد القديم ذاته. ومن ثم وجب أن نبحث عن موقع هذا المسجد إلى الشرق من المسجد الأموى الحالى كما تقول الروايات. ولا نستطيع أن نتثبت على وجه اليقين من موضع المسجد من كنيسة القديس يوحنا. ولعل تعيين موقع الكنيسة أشق من تعيين موقع المسجد القديم (انظر الرأى الجديد الذي قال به تيرش Thiersch: Pharos, ص ١٠٤) وهذه المسألة على الرغم من بساطتها البادية في كتاب كايتانى: Caetani Annali dell' Islam جـ ٣، ص ٣٩٠ وما بعدها (وإن كان ينبغي ألا يفوتك أن تنظر المؤلف نفسه ص ٣٤٩ و Becker في Islam, جـ ٢، ص ٢٩٧) ليست بحال سهلة إلى هذا الحد. وانتهت الحروب التي بدأت بيوم جيرون بوقعة مرج راهط الدامية التي حفظت الخلافة للفرع المروانى من بيت بني أمية. وزاد الشعور رويدًا رويدًا بالحاجة إلى التظاهر بمجد الدولة وعظمتها لما ضعفت مكانة الخلفاء الشخصية وقل سلطانهم في الفترة التالية، ومن ثم كانت هذه الفترة أزهي الفترات في تاريخ الخلافة وفي تاريخ دمشق، ولو أن عوامل الانحلال كانت قد بدأت تعمل فيهما خفية. ويرجع الفضل الأكبر في شهرة المدينة إلى المسجد الأموى الذي شيده الخليفة

стр. 4866

الوليد بن عبد الملك. وهو أعظم من اهتم بالعمارة في العصر الأموى. أما المسجد القديم فلم يستعمل إلَّا بصفة مؤقتة، وهكذا أصبح للحاضرة بيت للعبادة جدير بمكانتها. وقد سبق أن بينا الموقع الذي اختير لإقامة المسجد عليه. وظلت سرة المدينة كما كانت في العهد الجاهلي والمسيحى فيما جاور المعبد الكبير، وكان هم المسلمين الأول هو بناء مسجد جديد في موضع المسجد القديم بالمواد التي كانت لا تزال باقية في أطلال المبانى القديمة الفخمة، وتم لهم ما أرادوا. وفي عام ٨٦ هـ الموافق ٧٠٥ م هدم جزء من الكنيسة شيد على أطلاله البناء الجديد، وهو الذي عده النَّاس فيما بعد ثالث عجيبة من عجائب الدنيا. وجرى النَّاس على القول بأن بناء الكنيسة لم يتغير في جوهره، وأن كل ما عمله الوليد هو القيام بزخرفته. على أنَّه قد وجهت إلى هذا الرأى حديثًا اعتراضات لها قيمتها ووزنها (انظر بصفة خاصة Thiersch: Pharos، ص ١٠٤, ٣١٤). وأثبت الدرس الدقيق للبناء أن الصحن والمحراب بصفة خاصة لا يمكن أن يرجعا إلى ما قبل الإِسلام (Dickie: Quarterly Statement of the Palestine Exploration Fund، ١٨٩٧ م, ص ٢٦٨ - ٢٨٢). وكانت النفقات التي أنفقها الوليد على هذا البناء باهظة. فقد استحضر له من القسطنطينية حشودًا من العمال لصنع الفسيفساء بخاصة. وقد ثبت من أوراق البردي التي عثر عليها حديثا أنَّه استقدم من مصر مهرة العمال وجلب منها مواد البناء. (انظر Islam, جـ ٢، ص ٢٧٤, ٣٧٤). ولعله لم يبق إلَّا على أركان الجدران القديمة، وإذا صح رأى تيرش فإن هذه الأركان لم تكن بالضرورة جدران الكنيسة نفسها، كما أبقى على أبراج الكنيسة الغربية والشرقية واتخذها مآذن. والذي يقرأ المصادر العربية يرجح أن المسجد القديم برمته قد دخل في بناء المسجد الجديد، إلَّا أن هذا القول مشكوك فيه إلى حد كبير. وتفصيلات الأمر جديرة بأن تتجلى بأجلى بيان إذا عاود الخبراء دراسة هذا الموقع عن كثب وتناولوا الروايات

стр. 4867

الخاصة بذلك تناولا حكيما يقوم على الإنصاف. ومهما يكن من شئ فمن الثابت أن الوليد لقد جعل مجموعة المبانى الباقية إلى الآن مسجدًا واحدًا، وشيد المئذنة الشمالية المعروفة بمئذنة العروس التي استخدمت برجا للمراقبة كما يتضح من أقوال الكتاب المتأخرين، وأقام المصلى بفسيفسائها الجميلة في صورة لا تختلف في الجوهر عن الصورة التي تبدو عليها الآن، فهي معبد له ثلاثة صحون ومحراب، وتعلوه القبة المشهورة المعروفة بقبة النصر. (انظر عن هذا الاسم Zeitschrift der Deutschen Morgenl. Ges , جـ ٦٠، ص ٣٦٩ , ٧٠٢؛ جـ ٧٤، ص ٦٦١؛ أما عن القيمة الفنية للمسجد فانظر أَيضا H. Saladin: Manuel d' Art Musulman جـ ١، ص ٨٠ - ٨٧؛ Van Berchem & Strzygowski: Amida, ص ٣٢٦ وما بعدها). ولم يفعل الخلفاء المتأخرون شيئًا كثيرًا لدمشق، ونقل بعض المروانيين حاضرة الخلافة إلى مكان آخر، في حين كان ينفق غيرهم شطرا كبيرا من السنة في قصورهم بالبادية، أما قصور دمشق العظيمة التي كانت خليقة بإظهار مجد الأمويين لو كتب لها البقاء فقد ذهبت طعمة للثورة التي انتابت العباسيين في سعيهم إلى محو آثار أسلافهم. وقام بالمدينة في عصر متأخر سجن في موضع الخضراء، وحسبنا أن نذكر قصرًا أمويا واحدا آخر هو قصر الحجاج نسبة إلى الحجاج بن عبد الملك ابن مروان، ذلك أن الطريق الكبير المؤدى إلى الربض الجنوبى الغربى المعروف بربض الميدان لا يزال يحمل اسمه إلى وقتنا هذا، وكان هذا القصر خارج الباب الصغير وباب الجابية (ياقوت، جـ ٤، ص ١١٠ ومن ثم يتضح لنا أن قول فون كريمر Von Kremer في كتابه Topigraphie, جـ ١ ص ١٤ غير مقنع، انظر المجلة الأسيوية، السلسلة التاسعة، جـ ٧، ص ٣٧٩). وقد رسم فون كريمر (جـ ١، ص ١١٤ Culturgeschichte) صورة شائقة جدا للحياة في حاضرة الخلافة، ومن سوء الحظ أننا لا نعرف إلَّا النزر

стр. 4868

اليسير عن وقت إسلام هذه المدينة ومدى ما بلغه الإِسلام منها. ولكن من الجلى أن عدد المسلمين الذين أقاموا فيها بعد الفتح مباشرة زادوا بلا شك زيادة كبيرة بالهجرة إليها. ولم يكن الدين في عهد الخلفاء الأمويين الأول على الأقل حاجزا منيعا بين المسلمين وغيرهم، فنحن نجد النصارى على صلات وثيقة بالخلفاء يشغلون أرفع المناصب، ونخص بالذكر الأسرة الرومية من جباة الخراج التي كان لها شأن في إخضاع المدينة والتى ينتمى إليها يوحنا الدِّمشقي (Caetani. جـ ٣، ص ٣٧٦؛ : Lammens Melanges de la Fac. Or جـ ٣، ص ٣٤٨ وما بعدها) وكانت الأحوال في المدينة وقتذاك تتطلب إحكام العلاقة بين الديانتين، ومن الواضح أَيضًا أن كتابات يوحنا كانت من بعض الوجوه ثمرة للمناظرات بين النصارى والمسلمين (انظر Becker: في Zeitschr. fur Assyriologie جـ ٢، ص ١٧٥ وما بعدها). وجر دوال العهد الأموى، وما صحبه من فتن، الويلات على المدينة. فقد أشعل العراقيون المشاغبون النَّار فيها مرارًا في غضون سنة ١٢٢ هـ (٧٤٠ م) ودمروا عددًا من أحيائها (الطبرى، جـ ٢ , ص ١٨١٤؛ Theophanes طبعة دى بور de Boor، ص ٤١٢) ونجح يزيد بن الوليد عام ١٢٦ هـ في استعادة القصبة والخلافة بانقلاب قام به بغتة، والظاهر أن هذا الانقلاب تم من غير إراقة دماء. ولما مات يزيد احتل مروان بن محمَّد عام ١٢٧ هـ (٨٤٤ م) دمشق من غير مقاومة، وعمد خصمه سليمان بن هشام إلى الفرار. ولكن الخليفة الجديد نقل حاضرة دولته من دمشق إلى حران فانتقض عليه أهل الشَّام. وأخمدت الفتنة، وعوقب المنتقضون بهدم أسوار دمشق كما يقول تيوفان. وقد قامت دمشق بواجبها بوصفها حاضرة الخلافة الإسلامية. دمشق من سنة ٧٥٠ م - ١١٥٠ م وبدا أن مروان قد مكن لدولته، على أنَّه لم ينقض على ذلك سنتان حتَّى سقطت الدولة الأموية أمام ضربات العباسيين. وفتح دمشق "عبد الله بن

стр. 4869

على"، أحد أعمام الخليفة الجديد، بعد حصار قصير في غرة رمضان عام ١٣٢ هـ الموافق ٢٨ أبريل ٧٥٠ م. ويقول مؤرخو العرب إن أسوار دمشق القديمة هدمت في ذلك الوقت. واستقر الخلفاء الجدد في العراق، وانكمشت دمشق فأصبحت قصبة ولاية فحسب. وكان الخلفاء في كثير من الأحيان يستعملون على الولايات الغربية أحد الأمراء المقربين لهم في بغداد، فيكتفي هذا الأمير أَيضًا بإنفاذ نائب عنه يلى أمرها, ولم يكن ذلك في مصلحة هذه الولايات. ولم تذكر دمشق في العهد التالى إلَّا قليلًا، وواضح أن الخلاف الذي أخذ أمره يستفحل أيام المروانيين، بين القيسية واليمنية في الشَّام، استمر في عهد العباسيين (ففي عام ١٧٦ هـ أنفذ موسى البرمكى إلى دمشق، وفي عام ١٨٠ هـ أنفذ أخوه جعفر) وطبيعى أن زيارات الخليفة لدمشق من وقت إلى آخر لم تعد إلى هذه المدينة عزها القديم حين كانت قصبة الدولة الأموية. وانصرف المتوكل عن فكرته في إعادة قصبة الخلافة إلى دمشق (عام ٢٤٤ هـ الموافق ٨٥٨ م) بعد إقامته القصيرة فيها. وكانت الدولة تسير بخطى سريعة نحو الإنهيار. ففي عام ٢٥٤ هـ (٨٦٨ م) تولى أَحْمد بن طولون القوى المقتدر أمر مصر، فلم تلبث هذه الولاية أن أصبحت مستقلة بالفعل عن الخلافة، وفي عام ٢٦٤ هـ (٨٧٨ م) وقعت بلاد الشَّام بما فيها دمشق في قبضة أَحْمد. ولم تُعمَّر السيادة الطولونية عليها إلَّا حوالي ربع قرن. وكانت الفترة الأولى من هذا العهد فترة ازدهرت فيها مصر ازدهارًا, ولا ينطبق هذا القول تمامًا على بلاد الشَّام, لأنها كانت أكثر من مصر تعرضا لهجمات الأعداء، وإن كنا قد قرأنا عن قصر شيده خمارويه لنفسه بالقرب من دمشق أسفل دير مرّان على نهر تورا، وهو القصر الذي اغتيل فيه في ذي الحجة عام ٢٨٢ هـ. أما الفترة الثَّانية فقد أفل فيها نجم الطولونيين، واقترنت بغارات مخربة شنها القرامطة الذين كانوا دائبين على الظهور عند أبواب دمشق منذ عام ٣٨٩ هـ (٩٠٣ م) حتَّى قضى جند الخليفة عليهم، ثم

стр. 4870

قضى هؤلاء الجند على الحكم الطولونى بعد ذلك. وولى طغج بن جُف حكم دمشق أيام خمارويه، وكان طغج سليل الإخشيدى فيما وراء النهر وجنديا مقتدرا. وقد قدر لولده الإخشيد، الذي حكم مصر عام ٣٢٣ هـ (٩٣٥ م) أن يكون له في مصر والشَّام ما كان للطولونيين من شأن. فقد كانت الشام دائمًا ولاية تحف بها المخاطر لا يستتب أمرها لمن يملكها. وإنهار الإخشيديون آخر الأمر أمام دولة كانت هي أَيضًا تناضل في سبيل الحصول على اللقب الديني الذي كان يحمله الخليفة المجرد من الحول والطول. ذلك أن دولة الفاطميين الشيعية كانت منذ أمد طويل متأهبه للانقضاض على مصر، ووجد المعز أن الفرصة واتته عندما ألفى القرامطة يعاودون نهب الشام، فاستولى على مصر عام ٣٥٨ هـ (٩٩٩ م) وعلى دمشق في العام نفسه، ولكن دمشق خرجت عن طاعته بعد ذلك مباشرة. فأخذها القرامطة أولا، فلما قضى عليهم عمت الفوضى المدينة وأحرق كثير من أحيائها. وحكم الفاطميون دمشق بعد ذلك قرنًا لم تكن فيه أسعد حالا. فنحن نقرأ كثيرًا عن تبديل الولاة وعن قيام فتن لا يمكن أن ترد أسبابها إلى ما فطر عليه أهلها من شغب فحسب. وقد أدت إحدى هذه الفتن إلى إحراق المسجد الأموى عام ٤٦١ هـ (١٠٦٨ م). وفي عام ٤٦٨ هـ (١٠٨٦ م) استولى القائد السلجوقى أتسز على دمشق، وبذلك خسر الفاطميون المدينة إلى الأبد. وخطب باسم الخليفة العباسى مرة أخرى على منابرها. ويقال إن أتسز هو الذي شيد القلعة (المجلة الأسيوية، السلسلة التاسعة، جـ ٧ ص ٣٧٥) ولكن من المحقق أن أساسها قد أقيم قبل عهده. ولم يدم حكم أتسز إلَّا أعوامًا قليلة، واضطر إلى إخلاء المدينة عام ٤٧١ هـ (١٠٧٩ م) للأمير السلجوقى تتش. (انظر كتاباته في: Van Berchem INscr. Arabes de Syrie ص ١٢ وما بعدها، ٩٠ وما بعدها، وفي المجلد السابع، جـ ١، ص ١٤٩) ولما تُوفي، حكم طغتكين البلاد باسم ابنه دقاق، وإليه ينسب بيمارستان من بيمارستاناتها (المجلة الأسيوية،
следующие страницы →