← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

القصة، صدى لقصة عبديا (سفر الملوك الأول، الإصحاح ١٨، آية ٤). والكفل أيضًا اسم حُلة (وله صلة بمعنى ضاعف) فهو عباءة سمكها مضاعف. وقد كان النبي [ ﷺ ] يرتدى عباءة من هذا القبيل، وقد اجتهد بعضهم في أن يربط بينها وبين ما جاء في سفر الملوك الثانى، الإصحاح الثانى، الآية ٨ (أليسع، ويجلوم؛ - Ein Mu hammedanischer Katechismus. بقلم محمد مسعود، طبعة F.C.Ardreas، بوتسدام ١٩١٠). زد على ذلك أن ذا الكفل ولى آخر يحمل الاسم نفسه ذكره ابن الأثير (المرصَّع طبعة سيبولد، ص ١٩٠، السطر الرابع من أسفل الصفحة وما بعده) على أن الثعلبى قد ربط قصته بالنبى ذى الكفل. كان هذا الولى في أول أمره من الخاطئين. فقد استغل حاجة امرأة فاضلة وأغراها بالإثم، غير أنَّه استعصم بالرغم من تسليمها في الظاهر له، وعاد إلى العفة والصلاح، فضاعف الله له أجره استنادًا إلى المذهب القائل بأن "التائب عند الله أحسن من العابد" (التلمود البابلى: براخوث، ٣٤ ب، سفر متى، الإصحاح ١٨، الآية ٣، سفر لوقا؛ الإصحاح ١٠، الآية ٧). وهذا الطراز من الرجال يتردد في كثير من الأحيان بهذه الصورة الأخلاقية في قصص المشرق التي قصد بها إلى التهذيب والإرشاد (مثل القصة اليهودية ناتان ده صوصيثا، والقصة الإسلامية "تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق" لداود الأنطاكى (طبعت على الحجر في القاهرة سنة ١٢٧٩ هـ) ص ٣٥٤؛ وهذا الطراز ممثل أيضًا بعض التمثيل في "سندبان" التي نشرها Baeathgen في Zeitschr. d. Deutsch.Morgenl. Gesellsch ج ٦٥، ص ٢٨٧). ويتضح من القصص التي ذكرناها أن المسلمين اختلفوا في شخصية ذى الكفل فقالوا إنه نبى، وقالوا إنه ليس إلا عبدًا صالحًا. وإنما يستند أصحاب الرأى الأول على ما جاء في سورة الأنبياء عن ذى الكفل. وقد عينت الروايات الإسلامية المحلية قبورًا وأضرحة لذى الكفل في شتى البقاع الإسلامية المحصورة بين

стр. 4937

فلسطين وبلخ (انظر الإشارات إلى هذه البقاع في Nedromah et les: R. Basset Trarras باريس ١٩٠١. والحواشى التي كتبها صاحب هذا المقال في Revue de I'Histoire des ReliRions، ج ٤٥، ١٩٠٢ م، ص ٢١٩) على أن ثمة مكانين بالذات من هذه الأمكنة تربطهما الروايات الإسلامية بذى الكفل ربطا فيه شيء كثير من الترجيح. أحدهما نسى الآن ما قيل من اتصاله بذى الكفل استنادا إلى ما جاء في بحث Clermont Ganneau (البحوث الأثرية في فلسطين، ج ٢، ص ٣٠٨) وهذا المكان هو قبة النبي ذى الكفل في كَفل حارس (وهو مأخوذ من كفر حارثَ، وقد ذكر هذا الاسم أيضًا بصيغته القديمة في مجير الدين: الأنس الجليل، ص ٧٨، س ٧، وفى تاج العروس، ج ٨، ص ٩٩، س ١٥) بالقرب من نابلس في الناحية التي عينت فيها قبور كثير من الأنبياء (انظر Zeitschr. d. Deutsch. Pal. Ver, ج ٢، ص ١٥) ويبرز في هذا الصدد القول بأن ذا الكفل هو بشر بن أيوب (انظر ما أسلفنا بيانه) وينسب السامريون هذه القبة لكالب صاحب يوشع بن نون. وثمة قبر آخر أعظم من هذا، وقد ظل شأنه باقيا إلى العصور الحديثة، وهو قبص ذى الكفل في كَفِل (ويؤثر ماسينيون النطق به كيفِل) التى عرفت قبل ذلك ببر (بير) الملاحة على الضفة اليسرى لقناة الهندية جنوبى الحّلة في العراق (من أعمال ولاية بغداد، لواء كربلاء، في قضاء الهندية) ويشار في هذه النواحى إلى قبور كثير من الأولياء يجلهم الناس، وكان اليهود بلا شك أول من قدسهم (ياقوت، ج ٢، ص ٢٩٤). وما من ريب أن أحد هذه القبور هو قبر حزقيل الَّذي يزوره الناس ويقدسونه منذ القدم (انظر عن مكانة هذا القبر عند اليهود المصادر الواردة في - Jewish En cyclopaedia، ج ٥، ص ٣١٦, ومنها وصف الرحالة الريجنسيرجى بتاخياه (القرن الثانى عشر) فهو يزودنا بوصف طريف لآيات التبجيل التي يظهرها المسلمون نحو هذا القبر (Tour du Monde ou Voyages: ECarmoly du Rabbin Pétachja de Ratisbonne باريس ١٨٣١ م، ص ٤٥ وما بعدها) وقد أدخل المسلمون أيضًا هذا المكان المقدس عند اليهود في نطاق حرماتهم

стр. 4938

ووصلوه بشخص ذى الكفل. وحدث في عهد ألجايتو خدابنده (٧٠٠ هـ = ١٣٠٠ م) أن حاول نقيب الأشراف المتعصب تاج الدين أبو الفضل أن يمنع اليهود من زيارة هذا الحرم الَّذي شيدوه، وأخرجه من نطاق سيادتهم الدينية بوصفه مزارًا للمسلمين فحسب. وقد اتخذ منافسه الوزير رشيد الدين ذلك ذريعة إلى إسقاط غريمه والتسبب في قتله) Histoire des Mon-: : Quatremere gols de la Prese، باريس ١٨٣٦ - ٢٤ وما بعدها). المصادر: (أ) القصة: تفاسير الآيات القرآنية المشار إليها آنفا وبخاصة: (١) الطبرى: التفسير، ج ١٧، ص ٥٢ - ٥٤. (٢) الزمخشرى: الكشاف، القاهرة ١٣٠٧ هـ، ج ٢، ص ٥٣. (٣) فخر الدين الرازي: مفاتيح الغيب، طبعة بولاق ١٨٢٩ م، ج ٦، ص ١٨٥. (٤) الطبرى: التاريخ، ج ١، ص ٣٦٤. (٥) الثعلبى: العرائس، القاهرة، الميمنة ١٣١٢ هـ، ص ١٥٤ - ١٥٥. (٦) ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة , ١٢٩ هـ -، ص ٩٦. (٧) تاج العروس، ج ٨، ص ٩٩، مادة كفل. (٨) مطهر بن طاهر المقدسي (المنحول على البلخي) وقد جمع شتى الأقوال في ذى الكفل في مؤلفه كتاب المعانى (- Livre de la Creation et de I'His toire' طبعة إيوار، ج ٣، ص ١٠٠، سطر ٣ من أسفل الصفحة). (ب) القبر: (١) Reisebeschreibung . Niebuhr .narh Arabie etc كوبنهاجن ١٧٧٨ م، ج ٢، ص ٢٦٤ - ٢٦٦. (٢) Layard Babylon: & Niniveh لندن ١٨٥٣، ص ٥٠٠ - ٥٠١. (٣) Expedition Scien-: Jules Opperte tifique en Mesopotamie ج ١، باريس ١٨٦٣ م، ص ٣٤٣ - ٢٤٦.

стр. 4939

(٤) الأب أنستاس الكرملى في مجلة المشرق، ج ٢، ص ٦١ - ٦٦. (٥) Mission en Mes-: L. Massignon opotamie، ج ١، (القاهرة ١٩١٠: Me-- moire ... de l'Institut Francais de l'Ar cheologie Orientale، ج ٢٨) ص ٥٣. (٦) Erlebnisse eines A. Noldeke Beitrdge Zur في Tkrkischen Deserteurs Kenntnis d_ Orients. طبعة، H. Grothe ج ٧، ص ٥٣ - ٥٤. (وفيه صورة شمسية لكفل) صور للقبر في عصور شتى: أقدمها في أورى بن سيمون البيلى (١٥٦٣) بيخوس ها- آبوث (البندقية ١٦٥٩) نقلا عن نقش صنعه فنان مجهول سنة ١٥٣٦ (ويعين موضع هنا على شاطئ دجلة). وقد نقل هذه الصور: Jo. Hottinger فى Cippi Her- baici، هيدلبرغ ١٦٦٢، على صفحة ٨٣؛ Itinéraires de la Terre: E. Carmoly Saintes، بروكسل ١٨٤٧، ص ٤٥٩؛ Travels and Residence in Chal-: Loftus dea and Susiana لندن ١٨٥٧، وقد نقلت الصورة الواردة في هذا الكتاب ووضعت في Jewish Encyclopaedia؛ وقد وردت أحدث صورة للقبر في إسماعيل حقى بك بابان زاده: De Stambul a Bagdad: في. Revue du Monde Musulm، ١٩١١ م, ج ٥، ص ٢٥٣، ٢٥٧. خورشيد [كولدتسيهر Goldziher]. ذو النون أبو الفيض بن إبراهيم المصري، أحد مشاهير الزهاد في أول عهد التصوف، أصله من إخميم، وولد من أبوين نوبيين، واسمه الحقيقى ثَوْبَان، ولكنه يعرف عادة باسم ذى النون المصري. عاش في مصر، وتوفى بالجيزة سنة ٢٤٥ هـ (٨٦٠ م) وهو يعد من الأقطاب، ومن الأولياء المستورين (عياران) ويتبع اسمه بذكر الدعاء "قدس الله سره" (انظر هذه الصيغة في عنوان لإحدى مقالات الكتاب الثانى من مثنوى الرومى). ويقال إنه كان منكرًا في حياته، وإن ولايته لم تظهر إلا عند وفاته. ويروى أن سبعين رجلًا رأوا في

стр. 4940

المنام ليلة وفاة ذى النون أنهم سمعوا محمدا [ ﷺ ] يقول: "قد لقيت ذا النون خليل الله". على أنَّه ينبغي أن يفهم أن هذا الإنكار إنما يعنى أن ولايته كانت موضع أخذ ورد لا أنَّه كان يحيا حياة مستخفية، إذ نحن نتبين من حياة الصوفية أنَّه كان له تلاميذ من معاصريه. ويذكر المترجمون له أنَّه كان ذا تأثير قوى على أهل مصر، إلى الحد الَّذي جعل حُساده ينظرون إليه على أنَّه زنديق، ويسعون به لدى الخليفة المتوكل، فاستحضره الخليفة إلى بغداد، وأودره السجن لساعته، ولكنه سرعان ما ملك عليه نفسه بصبره وأفحمه ببيانه، فإذا هو يرده إلى مصر مكرمًا، وتظهرنا هذه الوقعة على ما أثاره التصوف في عهوده الأولى من شك حوله. وقد كان ذو النون - كما ورد في كتاب نفحات الأنس - أول من تعاطى علانية التعاليم الصوفية. وفى الكتاب الثانى من مثنوى جلال الدين الرومى قصة طويلة تشير إلى هذه الشكوك، أو إلى هذه الحيرة التي ولدها مذهب ذى النون. فأصحابه ينظرون إليه على أنَّه مجنون ومقيد: "وعندما يكون السلطان إلى الفساق فلابد من أن يودع ذو النون السجن" على حد قول الشاعر. وهنا يكون الزاهد علما على المعرفة الذوقية التي يزدريها العامى الَّذي لا يفقهها. وينسب إلى ذى النون كثير من الأقوال: فمن ذلك مثلا قوله: "إن العارف يزداد في كل يوم تواضعًا لأنه يزداد في كل لحظة قربًا من مولاه"، وقوله: "المعرفة هي ما يفيضه الله من نوره على قلوبنا". والكنية "ذو النون" ومعناها "صاحب الحوت" قد أطلقت على النبي يونس ﵇ في القرآن الكريم (سورة الأنبياء، آية ٨٧). المصادر: (١) الهجويرى: كشف المحجوب (ترجمة نيكلسون) في مجموعة كب التذكارية، ص ١٠٠ - ١٠٣. (٢) جلال الدين الرومى، المثنوى (ترجمة س. أ. ولسون، لندن ١٩١٠) ج ٢، ص ١٢١ - ١٢٨.

стр. 4941

(٣) وارجع أيضًا إلى المصنفات التي تتناول تاريخ الصوفية، كنفحات الأنس لجامى، وتذكرة الأولياء لفريد الدين العطار. محمد مصطفى حلمى. [كارا دى فو B. Carra de Voux] تعليق ذو النون المصري سيرته وحياته الروحية ومذهبه الصوفي عرض كثير من المؤرخين وكُتاب التراجم والطبقات لحياة ذى النون المصري من الناحيتين العامة والخاصة، وذكروا له طائفة من الأقوال التي تصور حياته الروحية وما عرض له فيها من أحوال، وما روى عنه من كرامات، وتعبر عما كان ينزع إليه من مذهب في الحب وفى المعرفة، وعما ينطوى عليه هذا المذهب من عناصر نظرية لها قيمتها الفلسفية، وعناصر عملية لها خطرها من الناحية الأخلاقية على أن هذا كله إنما يذكر متفرقا هنا وهناك في كتب التراجم والطبقات، ويكاد يوجد في أكثرها مكررًا بحرفيته دون أن يكون له رابط أو ضابط. ولكن دراسة هذه المعلومات دراسة علمية محققة، وإخضاعها للمنهج المقارن، ومقابلة بعضها ببعض، واستخلاص الحقائق من بعضها على ضوء ما يشتمل عليه بعضها الآخر، كل أولئك من شأنه أن يعيننا على تأليف صورة - إن لم تكن تامة من كل الوجوه، فلا أقل من أن تكون مقاربة من أكثرها - لحياة ذلك الصوفى المصري المسلم ومذهبه، ولما عسى أن يكون له من آثار باقية ونفحات صادقة سواء في الحياة الروحية الإسلامية بصفة عامة، أو في الحياة الروحية المصرية بصفة خاصة. - ١ - سيرة ذى النون أجمع الذين ترجموا لذى النون على أن أسمه هو أبو الفيض ثوبان (بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو، وفتح الباء الموحدة، وبعد الألف نون) ابن إبراهيم، وقيل الفيض بن إبراهيم، المعروف بذى النون المصري، وأكبر الظن أن تكون تسميته بذى النون راجعة إلى كرامة من كراماته التي تروى عنه، وذلك أنَّه

стр. 4942

قال إن امرأة جاءته وقالت إن أبنها أخذه التمساح؛ فلما رأى حرقتها على ولدها أتى النيل وقال: اللهم أظهر التمساح، فخرج إليه التمساح، فشق عن جوفه وأخرج ابنها حيا صحيحًا (١). وإذا كان النون هو الحوت العظيم، وكان يونس النبي ﵇ قد سمى بذى النون لقصته المعروفة مع الحوت، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) " وكان لثوبان بن إبراهيم الصوفى المصري قصة مع التمساح كقصة يونس مع الحوت، إذا كان ذلك كذلك فقد تبين إذن لم سمى الصوفى المصري بذى النون. ولعل كل ما هناك من فرق بين ثوبان بن إبراهيم المصري وبين يونس النبي في هذه التسمية، هو أن يونس النبي ﵇ قد سمى بذى النون لأن النون الَّذي هو الحوت كان قد التقمهً على حين أن ثوبان بن إبراهيم المصري قد سمى بذى النون لأن له كرامة مع التمساح الَّذي أشرنا إليه في القصة المروية آنفا. أما متى وأين ولد ذو النون المصري، فلا يكاد يذكر أحد من المؤرخين والمترجمين الذين وقفنا على كتبهم شيئًا عن التاريخ الَّذي كان فيه مولد ذلك الصوفى العظيم، وإنهم ليختلفون أيضًا حول الموطن الَّذي كان فيه مولده، وترد إليه نشأته الأولى: فسواد أصحاب التراجم والطبقات متفقون على أن والدى ذى النون المصري كان أحدهما أو كلاهما من أصل نوبى، ولكن بعضهم يرى أن مولد ذى النون كان بإخميم من صعيد مصر (٣)، وبعضهم الآخر يذهب إلى أنَّه من أصل نوبى ثم نزل إخميم فأقام بها (٤). وسواء كان مولده بإخميم أم ببلاد النوبة، فإنه كان على كل حال مصرى المولد والنشأة، والعناصر التي تتألف منها حياته وثقافته وولايته، والأحداث التي، وقعت

стр. 4943

له، والأقوال التي أثرت عنه، كل أولئك وغيره مما سنفصله بعد سيظهرنا من غير شك على أن الطابع الَّذي غلب عليه كان مصريًا، وعلى أنَّه قد استمد تلك العناصر من صميم الحياة المصرية، وأنه وإن كان واحدا من أئمة صوفية المسلمين، الذين ظهروا في تاريخ التصوف الإسلامى، فإنه كان أولا وقبل كل شيء إمامًا لمن ظهر من الصوفية المسلمين في تاريخ التصوف المصري. والمؤرخون والمترجمون الذين ترجموا لذى النون، وأغفلوا ذكر تاريخ مولده، واختلفوا حول موطنه الَّذي كان فيه مولده، متفقون على التاريخ الَّذي كانت فيه وفاته: فكلهم مجمع على أن وفاة ذى النون كانت في ذى القعدة سنة ٢٤٥ هـ (١) واتفق معهم في ذلك ابن خلكان، ولكنه زاد على ذلك ما قيل من أن هذه الوفاة كانت سنة ٢٤٦ هـ أو سنة ٢٤٨ هـ (٢) فإذا أخذنا سنة ٢٤٥ هـ على إنها هي أضبط تاريخ لوفاة ذى النون، وذلك بحكم اتفاق السواد الأعظم من المؤرخين والمترجمين عليها، وإذا عرفنا أن السيوطي في ترجمته لحياة ذى النون قد ذكر أن عمره عند وفاته كان قد قارب التسعين (٣)، استطعنا أن نستخلص تاريخ مولده بحيث يكون ذلك حوالى سنة ١٥٥ هـ. وذو النون الَّذي يرجع أصله إلى بلاد النوبة، ويقع مولده في بلاد النوبة أو في إخميم، لم يقض حياته كلها في هذه أو في تلك؛ وإنما ارتحل من إخميم إلى مصر وقضى شطرا كبيرًا من حياته متنقلًا بين البلدان، سائحًا في الجبال والوديان: فهو قد رحل عن إخميم إلى مصر، وله في ذلك الرحيل قصة تروى على أن ما وقع له فيها كان سببًا حمله على هذا الرحيل، ولكنها تظهرنا إلى جانب ذلك على ناحية من نواحى الحياة الروحية لذى النون الصوفى، وما ينبغي أن تقوم عليه هذه الحياة الروحية من شكر على السراء وصبر على البأساء: وذلك أن ذا النون سمع

стр. 4944

ذات يوم من أيام إقامته بإخميم صوت لهو ودفاف، فقال: ما هذا؟ قيل: عرس، ثم سمع بجانبه بكاء وصياحًا، فقال: ما هذا؟ قيل: فلان مات؛ قال: أعطى هؤلاء فما شكروا، وابتلى هؤلاء فما صبروا، لله على إن بت بهذا البلد, فخرج فورًا إلى مصر فقطنها (١). وهو قد رحل عن مصر إلى غيرها من البلدان، وله في أماكن عدة منها ومن غيرها من البلدان أسفار وسياحات، وتروى عنه في هذه الأسفار والسياحات طائفة من الخوارق والكرامات سنعرض لها في موضعها من الحديث عن حياته الروحية، وحسبنا هنا أن نذكر الأماكن التي تنقل بينها في مصر، والتى ارتحل إليها وساح فيها في غير مصر: فجبل المقطم وشاطئ النيل وبرابى الصعيد والفسطاط وبيت المقدس وبغداد ومكة وبوادى الحجاز والشام وتيه بنى إسرائيل وجبل لبنان وجبل أنطاكية وجبل الكام ووادى كنعان وجبال نيسان، كل أولئك أماكن شهدها ذو النون وشهدت هي من أحواله وسجلت من أقواله الشيء الكثير (٢). وقد ظل ذو النون على هذه الحال من الإقامة والرحلة، يتلقى العلم حينا، ويلقى الحكمة حينا آخر، ويعظ الناس ويرشدهم ويبصرهم بالحقائق ويوقفهم على الدقائق على الوجه الَّذي سنبينه بعد، حتَّى كانت وفاته في ذى القعدة سنة ٢٤٥ هـ = ٨٥٦ م، وقد قارب وقتئذ التسعين من عمره، وذلك هو التاريخ الَّذي اتفق معظم المؤرخين والمترجمين على أن وفاة الصوفى المصري كانت فيه، إذا استثنينا ابن خلكان فإنه متفق معهم من ناحية، ويزيد من ناحية أخرى ما قيل عليه من أن وفاة ذى النون كانت في سنة ٢٤٦ هـ, وما قيل أيضًا من أنها كانت في سنة ٢٤٨ هـ (٣). ويكتفى بعض المترجمين بأن يذكر أن وفاة ذى النون كانت بمصر دون أن

стр. 4945

يعين أي بلد من بلدان مصر كانت فيها الوفاة، وذلك على نحو ما فعل ابن خلكان (١)، على حين يذكر البعض الآخر أن تلك الوفاة كانت بالجيزة على نحو ما فعل الشعرانى إذ يقول: "لما توفى ذو النون بالجيزة حمل في قارب مخافة أن ينقطع الجسر من كثرة الناس مع جنازته .. " (٢) ويروى الهجويرى أنَّه في ليلة وفاة ذى النون رأى سبعون رجلًا الرسول في النوم وهو يقول: "جئت لألقى ذا النون خليل الله"، وأنه بعد أن فاضت روحه وجد مكتوبًا على جبينه: "هذا حبيب الله الَّذي مات في حب الله" (٣). ومن الكرامات التي يرددها كتاب الطبقات لذى النون والكثير غيره من الصوفية ما يذكرونه من أنَّه لما مات ذو النون أظلت الطير الخضر جنازته ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره، ولما دفن غابت، وعندما رأى أهل مصر ذلك ندموا على ما فرط منهم في حق ذلك الولى، واستغفروا مما أنكروه عليه من ولايته، وما ألحقوه به من الأذى في حياته، وأجلوه بعد ذلك واحترموا قبره. أما أين دفن ذو النون المصري، فقد ذكر ابن خلكان أنَّه دفن بالقرافة الصغرى، وأن على قبره مشهدًا مبنيًا، وأن في المشهد أيضًا قبور جماعة من الصالحين (٤). وذكر المناوى أن ذا النون قد دفن بالقرافة، وأن قبره بها ظاهر مقصود بالزيارة وعليه أنس ومهابة، وأن هذا القبر بالقرب من قبر عقبة بن عامر الجهنى الصحابى، وأنه يقال إن ذا النون وعقبة وعمرو بن العاص في قبر واحد (٥). -٢ - حياة ذى النون الروحية على أن ذا النون المصري كان صوفيًا من أصحاب الرياضات والمجاهدات، ووليًّا من أرباب الأذواق والمشاهدات؛ وقد كان له بحكم هذا كله حياة روحية تأتلف فيها العناصر العلمية والعملية التي يتألف منها مذهبه

стр. 4946

الصوفى. ولهذا كان لابد لنا من أن نعرض لتلك العناصر العلمية والعملية حتَّى نتبين من خلالها آية حياة روحية كان يحياها الرجل فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أشباهه من بنى جنسه، وبحيث نقف على صورة واضحة لما تلقاه ذلك الصوفى من علم وما أخذ به نفسه من عمل وما لقيه في حياته وفى مذهبه وعقيدته من نعى الناعين وإرجاف المرجفين، وما انتهى إليه أمره من انجلاء غمرة الشك عنه فإذا هو يتجلى على حقيقته في حياته وبعد مماته وليًّا من أولياء الله، ومحبًا أفنى حياته في حب الله، وعارفًا سلك سبيل الحق المؤدية إلى معرفة الله، حتَّى أن الذين سعوا به وشنعوا عليه لدى الخليفة المتوكل أولًا، عادوا فعرفوا له قدره، وأكبروا شأنه، وأقروا بولايته، واحترموا قبره بعد وفاته. ولعل فيما كتبه أصحاب التراجم والطبقات عن ذى النون معرفين به ومكبرين من شأنه ما يعطينا صورة عامة لما كانت تشتمل عليه الحياة الروحية لذلك الصوفى المصري العظيم: فقد استهل أبو نعيم الأصبهانى ترجمته له بقوله: "العلم المضى، والحكم المرضى، الناطق بالحقائق، الفاتق للطرائق، له العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، نظر فعبر، وذكر فازدجر، أبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري رحمه الله تعالى (١) " وذكر المناوى بعض ما ذكره الأصبهانى من الخصائص الروحية لحياة ذى النون، وزاد عليه أشياء لم يذكره الأصبهانى، ولها قيمتها في الإبانة عن بعض الخصائص الروحية الأخرى، فضلًا عما تبينه من منزلة ذى النون في تاريخ التصوف المصري وفلسفته الروحية، وفى هذا يقول المناوى: " ... ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العالمة العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التي لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشرق بنوره ليلها ونهارها" (٢)؛ وأبان القشيرى عن مكانة ذى النون العلمية والتصوفية في عصره فقال عنه: "فائق

стр. 4947

هذا الشأن، وأوحد وقته علمًا وورعًا وحالًا وأدبًا (١) ". فإذا فصلنا ما أجملته، وأشارت إليه أقوال المتقدمين هذه، قلنا إن ذا النون المصري قد كانت له ثقافتان: إحداهما ثقافة علمية دينية، والأخرى ثقافة علمية دنيوية، وإن لهاتين الثقافتين أثرهما في تكوين حياته الروحية الخالصة. أما ثقافته العلمية الدينية فتتبين إذا عرفنا أنَّه تلقى علوم الشريعة والحقيقة عن بعض الأساتذة حينًا، وعن طريق الرواية حينًا آخر. على أننا لا نعرف من أساتذته إلا اثنين: أحدهما يعرف باسم إسرافيل، والآخر يعرف باسم شقران العابد. وقد ذكر السراج الطوسى إسرافيل هذا بما يبين أنَّه كان أستاذًا لذى النون فقال ما نصه: "سمعت الوجيهى يقول: سمعت الطيالسي الرازي يقول: دخلت على إسرافيل أستاذ ذى النون رحمهما الله وهو جالس ينكت بأصبعه على الأرض، ويترنم مع نفسه بشيء، فلما رآني قال: أتحسن تقول شيئًا، قلت: لا، قال: أنت بلا قلب (٢) ". وقد ذكر جامى إسرافيل هذا باسم إسرافيل المغربى أستاذ ذى النون. أما شقران العابد فقد كان شيخًا لذى النون في الطريقة (٣). وقد عاش ذو النون في عصر حفل بكثرة من ظهر فيه من أئمة الفقه وعلماء الحديث ومشايخ الصوفية: فاتصل بأولئك وهؤلاء، وتأثر بهم، وأخذ عنهم، وكان لهذا كله ثمراته اليانعة ونفحاته الرائعة في حياته الروحية: فهو قد اتصل بالإمام أحمد ابن حنبل واجتمع به، كما اجتمع به غيره من مشايخ الصوفية الذين كان منهم بشر الحافى والسرى السقطى ومعروف الكرخى (٤)؛ وهو - كما يقول عنه الذهبي في تاريخه الكبير - قد روى عن مالك والليث وابن لهيعة والفضيل بن عياض وابن عيينة ومسلم

стр. 4948

الخواص وغيرهم. وروى عنه الحسن ابن مصعب النخعي وأحمد بن صبح الفيومى والطائى وغيرهم (١)؛ وهو يعد فوق هذا كله في جملة من روى الموطأ عن الإمام مالك (٢) " فكل أولئك كان خليقًا أن يجعل من ذى النون عالمًا عاملا سواء من الناحيتين الشرعية والتصوفية، أو مفتيًا في العلوم على حد قول مسلمة بن قاسم (٣). على أن الأحاديث التي رواها ذو النون لم تكن دائمًا موضع ثقة الذين أشاروا إليه أو تحدثوا عنه: فمن ذلك ما قاله الجوزقانى من أن ذا النون كان زاهدًا عالمًا ضعيف الحديث، وما قاله الدارقطنى من أنَّه روى عن مالك الأحاديث فيها نظر (٤). على أن ذا النون، وإن كان عالمًا بالحديث وراويًا له، فهو لم يشتغل به إلى الحد الَّذي جعل منه شغله الشاغل؛ بل لم يلبث أن انصرف عنه إلى الاشتغال بنفسه. وليس أدل على ذلك من أنَّه سئل لم لا يشتغل بالحديث، فأجاب بقوله: "للحديث رجال، وشغلى بنفسى استغرق وقتى (٥) ". ولذى النون رأى في الحديث وأهله، وفى الفقه وأربابه: فهو يرى أن الحديث من أركان الدين، وأنه لولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس في زمانهم: فهم عنده قد بذلوا علمهم لأهل الدنيا يستجلبون به دنياهم، فحجبوهم واستكبروا عليهم، وافتتنوا بالدنيا لما رأوا حرص أهل العلم والمتفقهين عليها، فخانوا الله ورسوله، وصار إثم من تبعهم في عنقهم جعلوا العلم فخًا للدنيا، وسلاحًا يكسبونها به، بعد أن كان سراجًا للدين يستضاء به (٦). وأعجب ما كان يعجب له ذو النون هو من هؤلاء العلماء إذ يخضعون للمخلوقين دون الخالق، وهم يدعون أنهم أعلى درجة من جميع الخلائق (٧). وأكبر الظن أن يكون ما رآه ذو النون في أهل الحديث والفقه وما

стр. 4949

نسبه إليهم هنا سببا من الأسباب التي أحنقت هذا الفريق من العلماء عليه فجعلوا يشنعون عليه ويسعون به لدى الخليفة من ناحية، ولدى الرأى العام في مصر من ناحية أخرى، فإذا هو يمتحن ويؤذى، ويتهم في عقيدته. وكما كان العصر الَّذي عاش فيه ذو النون حافلًا بأرباب العلم من الفقهاء والمحدثين الذين أخذ عنهم، فقد كان كذلك عصرًا مزدهرًا من الناحية الروحية مشرقا بكثير من الشخصيات الصوفية التي طبعت روح العصر بطابعها، والتى كان من بين أصحابها أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامى المتوفى سنة ٢٦١ هـ. وأبو محمد سهل بن عبد الله التسترى المتوفى سنة ٢٧٣ هـ أو ٢٨٣ هـ وقد لقى ذا النون بمكة سنة خروجه إلى الحج، وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز المتوفى سنة ٢٧٧ هـ وقد صحب ذا النون، وإسحق بن إبراهيم السرخسى، وقد قص عن ذى النون قصة روى فيها أنَّه سمع ذا النون وفى يده الغل وفى رجليه القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس يبكون من حوله، وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى، ومن عطاياه، وكل فعاله عذب حسن طيب، ثم أنشد من الخفيف: لك من قلبى المكان المصون ... كل لوم عليَّ فيك يهون لك عزم بأن أكون قتيلا ... فيك والصبر عنك ما لا يكون (١) وأبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي المتوفى سنة ٣٠٤ هـ، وقد صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبى، ورافق أبا سعيد الخراز: فكل أولئك وكثير غيرهم كانوا من كبار الصوفية الذين عاصروا ذا النون، واتصلوا به ألوانًا مختلفة من الاتصال، وكان لهم في حياته وفى مذهبه آثار لها قيمتها العلمية والعملية، كما كان له في أنفسهم منزلة كبرى ومكانة عظمى من الناحية الروحية، وليس أدل على هذه المكانة وتلك المنزلة مما يروى عن سهل بن عبد الله التسترى من أنَّه أقام سنين لا يسند ظهره للمحراب ولا

стр. 4950

يتكلم، فلما كان ذات يوم بكى واستند وتكلم، وبالغ في إبراز المعانى العجيبة والاشارات الغريبة، فلما سئل في ذلك، أجاب بقوله: كان ذو النون بمصر حيا، فما تكلمت ولا استندت إجلالًا له، والآن قد مات، فقيل لى: تكلم فقد أذنت (١). فإذا تركنا العناصر العلمية الشرعية والعلمية التصوفية التي يمكن أن يكون قد أفادها ذو النون ممن عاصرهم من أصحاب الشريعة وأرباب الحقيقة، ووقفنا عند العناصر العملية التي كان يأخذ هو بها نفسه. وكانت تعمل هي عملها في نفسه، وكان لها أثر في تصفية قلبه من شوائب حسه، ألفينا حياته الروحية الخاصة حافلة بما يظهرنا على أنَّه لم يكن عالمًا فحسب، ولا آخذًا للعلم عن غيره فحسب، وإنما كان فوق ذلك عاملًا على أن يحيا حياة روحية قوامها التوبة إلى الله والزهد في الدنيا والصبر على المحنة والرضا بكل ما تقضى به مشيئة الله والتوكل على الله والتسليم له والإقبال عليه، وما إلى ذلك من مقومات الحياة الروحية الحقة التي ينبغي أن يحياها الصوفى المتحقق، والتى سنتبينها معه في موضعها من الحديث عن تصنيفه للمقامات والأحوال، وكشفه عن حقيقة المثل الأعلى الَّذي يجب أن يحققه الصوفى المتحقق في القول والفعل سواء فيما بينه وبين ربه أو فيما بينه وبين نفسه أو فيما بينه وبين أشباهه. وحسبنا هنا أن نتبين كيف اتجه ذو النون في حياته إلى هذه الوجهة الروحية، وما هي بعض مظاهر تلك الحياة عنده: فقد روى المترجمون وأصحاب الطبقات على لسان ذى النون نفسه قصة لعلها تظهرنا من خلالها على أنَّه كان يحيا أول الأمر حياة إنسانية كتلك التي يحياها الناس جميعًا، يخضعون فيها لسلطان نفوسهم، وتفق فيها الشهوات والملذات والمنافع المادية العاجلة نفوسهم، ولكنه ما لبث أن عرض له عارض وبدا له باد، فإذا هو يتوب، وقصارى هذه القصة أن ذا النون سئل عن سبب توبته، فأجاب بقوله: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عينى، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من

стр. 4951

وكرهًا على الأرض، فانشقت الأرض، فخرجت منها سكرجتان: إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفى إحداهما سمسم وفى الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت: حسبى، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلنى (١). والمتأمل في قوله: "حسبى، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلنى", يلاحظ أنَّه قد تاب وأخذ نفسه بالرياضة والمجاهدة والوقوف على باب المحبوب الحقيقى مجتازًا كل العقبات ومتنقلًا بين جميع المقامات حتَّى ظفر برضا المحبوب الحقيقى عنه وقبوله له. والذي يعنينا هو أن نلاحظ أن ذا النون ما فتئ على هذه الحال من رياضة نفسه ومجاهدتها حينا، ومن اتصاله بالناس وإقباله على نفوسهم حينا آخر، يبصرهم بما فيهم من عيوب، ويدعوهم إلى التوبة عما اقترفوا من ذنوب، سواء أكان ذلك في الحلقات التي كان يقيمها ويتحدث فيها عن علم الباطن وسلوك طريق الله، أم في أي مكان في أي بلد مما حل به من البلدان. وليس من شك في أن حياة ذى النون على هذا الوجه قد جعلت منه إنسانا كملت فيه الإنسانية بحيث لم يكن يؤثر بعلمه وخيره أحدا من دون أحد، وإنما المسلمون كلهم لديه سواء، لا يصدر في سلوكه معهم إلا عن حب عميق لهم، وعطف وثيق عليهم. وهو في هذا إنما كان - على حد قول الهجويرى- متشبها برسول الله [ ﷺ ] إذ على الرغم من إيذاء الكفار له لم يكن يفتر عن دعائه قائلًا: "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون" (٢) ولذى النون كرامات كثيرة عددتها وأفاضت فيها كتب الطبقات، وكلها يجعل منه وليًّا من أولياء الله الَّذي أجرى على يديه الخوارق العجيبة. ولسنا هنا بصدد ذكر هذه الكرامات أو تفصيل القول فيها، ويكفى أن نشير إلى أن كلًّا من أبي نعيم الأصبهانى في حلية الأولياء، والهجويرى في كشف المحجوب، والشعرانى في الطبقات الكبرى، والمناوى في الكواكب الدرية، وفريد الدين العطار في تذكرة الأولياء،

стр. 4952

وكثير غيرهم من المؤرخين والمترجمين قد أفاض في بيان تلك الكرامات إفاضة لعلها تجعلها أقرب ما تكون في بعض الأحيان إلى الأساطير الخيالية منها إلى الحقائق الواقعية التي يمكن اخضاعها لقوانين العلم وتفسير العقل. على أننا نجمل هنا القول في تلك الكرامات التي تنسب إلى ذى النون بذكر ما كان يقال من أن روحه الشريفة كانت من القدرة بحيث تستطيع أن تدبر أجسامًا متعددة. ولعل فيما فسر به ابن عربى، وهو الصوفى المتفلسف أو الفيلسوف المتصوف، تدبير الروح الواحدة للأجسام المتعددة ما يمكننا من فهم هذا الضرب من الكرامة فهما إن لم يكن علميًا من كل الوجوه فهو على الأقل مقارب له من بعضها، أو مقرب لفهمها فهمًا علميًا: فقد ذهب ابن عربى إلى أن الروح الواحد يدبر أجساما متعددة إذا كان له الاقتدار على ذلك، وأن ذلك إنما يكون في الدنيا للولى بخرق العادة، وأن نشاة الإنسان تعطى ذلك في الآخرة، وقد قال ابن عربى عن ذى النون المصري وقضيب البان إنهما ممن لهما هذه القوة يدبران بها الأجسام المتعددة، كما يدبر الروح الواحد سائر أعضاء البدن من يد ورجل وسمع وبصر، وكما تؤاخذ النفس بأفعال الجوارح على ما وقع منها فأى شيء وقع من هذه الأجساد التي تدبرها روح واحدة، فإنما يسأل عنه ذلك الروح الواحد، وإن كان عين ما يقع من هذا الجسم غير ما يقع من الآخر (١) على أن في حياة ذى النون الروحية جانبا آخر يختلف كل الاختلاف عن جانبها العلمي والعملى بالمعنى المدينى الَّذي وقفنا عليه حتَّى الآن، وأعنى بهذا الجانب الآخر ما يظهرنا عليه بعض الذين ترجموا له وتحدثوا عنه وعن علمه، فإذا هو عندهم من العلماء الواقعيين المشتغلين بصناعة الكيمياء تارة، ومن الحاذقين للغة السريانية، يقرؤها ويترجم عنها، ويقرأ ويترجم غيرها من النقوش التي كانت توجد في بعض برابى مصر في زمانه تارة أخرى: فالمسعودى الَّذي توفى بعد

стр. 4953

ذى النون بمائة سنة، يحدثنا بأنه جمع معلوماته من أهل إخميم عندما زار هذا البلد، وهو يروى عنهم أن أبا الفيض ذا النون المصري الأخميمى الزاهد كان حكيما سلك طريقًا خاصًا، واتخذ في الدين سيرة خاصة، وكان من المعنيين بحل رموز البرابى في إخميم، كثير التطواف بها، وأنه وفق إلى حل كثير من الصور والنقوش المرسومة عليها؛ ثم يذكر المسعودى ترجمة لطائفة من هذه النقوش التي ادعى ذو النون أنَّه قرأها وحلها (١). وابن النديم يحدثنا عن ذى النون فيقول إنه كان متصوفًا؛ وله أثر في الصنعة، وكتب مصنفة، ومن كتبه: كتاب الركن الأكبر، وكتاب الثقة في الصنعة (٢). ويتحدث القفطى وهو المترجم لحياة العلماء والحكماء والأطباء والفلاسفة عن ذى النون حديثا نتبين منه أن ذا النون كان من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء، وتقلد علم الباطن، والأشراف على كثير من علوم الفلسفة، وأنه كان كثير الملازمة لبربا بلدة إخميم، فإنها بيت من بيوت الحكمة القديمة، وفيها التصاوير العجيبة، والمثالات الغريبة، التي تزيد المؤمن إيمانًا والكافر طغيانًا، ويقال إنه فتح عليه علم ما فيها بطريق الولاية، وكانت له كرامات (٣). ومن هذا القبيل ما يذكره كل من أبي نعيم الإصبهانى (٤) وعبد الرءوف المناوى (٥) من أن ذا النون قد روى عن نفسه أنَّه قرأ في بعض برابى مصر بالسريانية كلاما تدبره فإذا فيه: "يقدر المقدرون والقضاء يضحك". وقد حاول الأستاذ نيكلسون (٦) أن يعلل ما يقال في هذا الجانب من جوانب حياة ذى النون الروحية من كثرة عكوف هذا الصوفى التيوزوفى على دراسة النقوش المصرية القديمة المكتوبة على المعابد، وحل

стр. 4954

رموزها، تعليلا له قيمته من الناحيتين التاريخية والعمية، ولاسيما من ناحية إظهار الصلة التي توجد بين التصوف باعتباره علمًا للباطن وبين غيره من العلوم الخفية كالكيمياء والسحر والطلسمات وما إليها مما كان له شأن عظيم في تاريخ الحضارة المصرية منذ أقدم العصور وعلى تعاقبها. ومهما يكن من أمر اشتغال ذى النون بتلك العلوم الخفية، فإن أخص ما كانت تمتاز به حياته الروحية من خصائص هو أنَّه كان صوفيًا متحققا اشتغل أكثر ما اشتغل بنفسه وبما فتح عليه فيها من أبواب العلوم اللدنية والمعارف الإلهامية، وما أشرقت به جوانبها من أنوار المحبة الإلهية والمعرفة القدسية، وهذا هو الَّذي جعل له مكانة ممتازة في تاريخ التصوف المصرى فضلًا عن تاريخ التصوف الإسلامى: فقد قال عنه جامى إنه رأس طائفة الصوفية، وإن الكل قد أخذ عنه وانتسب إليه، وأن المشايخ كانوا قبله، ولكنه كان أول من فسر إشارات الصوفية، وتكلم في هذا الطريق (١). وقال عنه أبو المحاسن إنه كان أول من تكلم في مصر في الأحوال ومقامات أهل الولاية (٢). ويلوح مما يذكره بعض المؤرخين أن أهل مصر في زمان ذى النون لم يكن لهم بمثل ما اشتغل به من علوم الصوفية سابق عهد، أو أنهم كانوا على أقل تقدير عند أول عهدهم بمثله، الأمر الَّذي ترتب عليه أن ثأروا به وحنقوا عليه ونسبوه إلى الزندقة. فمن الشواهد على ذلك ما يرويه صاحب الكواكب الدرية عن ابن يونس من أن هذا الأخير قال عن ذى النون إنه امتحن وأوذى لكونه أتاهم بعلم لم يعهدوه، وإنه كان أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال، وفى مقامات الأولياء فحول الرجال، فقال جهلة المتفقهة هو زنديق (٣). ومنها ما يذ كره السيوطي من أن أهل مصر قد أنكروا على ذى النون، وقالوا إنه أحدث علمًا لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة (٤) ومنها ما يورده المناوى من

стр. 4955

أن أحد تلاميذ ذى النون وهو يوسف ابن الحسين الرازي خرج ذات يوم من لدن أستاذه فوجد فقهاء إخميم تعصبوا ونزلوا إلى زورق ذاهبين إلى سلطان مصر ليشهدوا بكفره فانقلب الزورق والناس ينظرون (١): فاشتغال ذى النون بهذا العلم الباطنى الَّذي كان جديدًا وقتئذ على أهل مصر بصفة عامة وفقهائها بصفة خاصة وفقهاء إخميم بصفة أخص، مضافًا إليه ما سبق أن أشرنا إليه آنفا من رأى ذى النون في أهل الحديث والفقه، ونعيه عليهم، وما نسبه إليهم من النقص الَّذي دخل عليهم، ومن الفتنة بالدنيا، واتخاذهم من العلم فخا للدنيا، وسلاحا يكسبونها به، وكل أولئك كان دافعا لهم إلى أن يشنعوا عليه، ويرجفوا به، ويغروا السلطان باضطهاده وإيذائه، بل بقتله. وإذا كان ذلك كذلك، فقد استدعى الخليفة المتوكل ذا النون من مصر إلى بغداد، فحمل إليه في جماعة مغلولا مقيدا تمهيدا لقتله، لكنه لم يكد يمثل بين يدى الخليفة حتَّى تكلم واعظًا، ولم يكد يتكلم ويعظ حتَّى أعجب به الخليفة فإذا هو يبكى ويطلقه ورفقته، ويرد مكرمًا إلى مصر، ويقول: "إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم" وذلك على حد رواية المناوى (٢) أو يقول: "إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذى النون"، وذلك على حد رواية ابن خلكان (٣). أما كيف وقع ذو النون من نفس المتوكل هذا الموقع الحسن، وأى كلام تكلمه ذو النون فملك به على المتوكل نفسه، فذلك ما يحدثنا عنه أبو نعيم الأصبهانى (٤) حديثًا مفصلًا يعطينا صورة لخلق ذى النون في سلوكه ومحافظته على كرامته مع أصحاب السلطان من ناحية، ويعطينا صورة أخرى لما يراه ذو النون في الزهاد والصوفية من "أن أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، وأنهم هم الذين قد سكنت لهم النفوس، ورضوا بالفقر والبؤس, واطمأنت جوارحهم على

стр. 4956

الدؤوب على طاعة الله بالحركات، وظعنت أنفسهم عن المطامع والشهوات، فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر، وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا بالعبودية للملك الديان، ... إذا عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل عليهم فحلماء، فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور، بحسن تلك الصور التي قد علاها النور ... إخوان صدق وأصحاب حياء ووفاء وتقى وورع وإيمان ومعرفة ودين ... " (١) وأما كيف انتهى أمر ذى النون مع الخليفة المتوكل إلى التبرئة بعد الاتهام، وإلى رده إلى مصر مكرما بعد ما لقى من أذى واضطهاد، فذلك ما يفصله الشعرانى في قصة طويلة يكفى أن نقف منها عند ما يرويه الشعرانى على لسان ذى النون نفسه مبينا ما دار بينه وبين الخليفة من حوار كتبت له السلامة في خاتمته: فقد قال ذو النون " ... فلما دخلت على المتوكل سلمت عليه بالخلافة، فقال لى؛ ما تقول فيما قيل فيك من الكفر والزندقة؟ فسكت. فقال وزيره: هو حقيق عندى بما قيل فيه، ثم قال لى: لم لا تتكلم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن قلت لا كذبت المسلمين، بيان قلت نعم، كذبت على نفسى بشيء لا يعلمه الله تعالى عنى، فافعل أنت ما ترى، فإنى غير منتصر لنفسى، فقال المتوكل: هو رجل برئ مما قيل فيه ... " (٢) -٣ - مذهب ذى النون التصوفى ليس بين أيدينا كتب أو رسائل لذى النون أودعها وصف أحواله، وجعل منها سجلًا لأقواله التي يمكن أن يتبين منها مذهبه التصوفى، وما كان ينزع إليه في هذا المذهب من منازع روحية، ومعارف ذوقية، ولكن الأستاذ لويس ماسنيون يذكر لذى النون. كتابا يعرف باسم كتاب العجايب، كما يذكر أنَّه وقف على اسم هذا الكتاب من الثبت الَّذي أورده بروكلمان (٣) ولعل كل ما

стр. 4957

يمكن أن يقال عنه أنَّه من آثار ذى النون المكتوبة هو طائفة من الأقوال المأثورة والحكم والمواعظ المنظومة والمنثورة وما جرى على لسانه من أمثال، وما جرى بينه وبين غيره من حوار حول التعاليم الصوفية وما إليها من معرفة ذوقية ومحبة إلهية: فقد وقف المحاسبى وعلي بن الموفق ويوسف بن الحسين الرازي بصفة خاصة على طائفة مما تركه ذو النون من تلك الآثار، وكلهم كان معاصرًا له، كما أن يوسف بن الحسين الرازي المتوفى سنة ٣٠١ هـ كان تلميذا لذى النون، اتصل به، واستمع إليه، وأخذ عنه. على أن كتب التراجم والطبقات التي عرضت لحياة ذى النون، قد حفلت بكثير من أقواله وأدعيته التي تصور لنا كثيرا من آرائه في مختلف المسائل الصوفية: فالرسالة للقشيرى، والطبقات للشعرانى، والكواكب الدرية للمناوى، وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهانى، وغيرها من كتب التصوف الأخرى التي تجمع بين التراجم من ناحية وبين مسائل التصوف وموضوعاته ومصطلحاته من ناحية أخرى، كـ "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذى، و"اللمع" للسرّاج الطوسى، و"كشف المحجوب" للهجويرى، كل أولئك قد عرض لذى النون وعرض علينا بعضًا من أقواله التي تختلف من حيث الكم والتنوع بأختلاف المؤلفين. ولعل أبا نعيم الإصبهانى فيما أورد في حلية الأولياء من آثار ذى النون، كان أغزر هؤلاء المؤلفين جميعًا مادة، وأوفرهم تنويعًا، وأكثرهم إيرادًا لأسماء الأشخاص الذين يتألف منهم السند الَّذي يرد في نهايته هذا القول أو ذاك إلى ذى النون. وليس من شك في أن ما أثبته أبو نعيم في هذا الباب يعد ثروة علمية لها خطرها من الناحيتين التاريخية والمذهبية لحياة ذى النون الصوفى المصري، ولما يتألف منه مذهبه من عناصر روحية لها قيمتها التصوفية والفلسفية: فالنفس الإنسانية وتحليل خطراتها وشهواتها وأخلاقها، ووصف أحوالها ومقاماتها، وتصنيف هذه الأحوال والمقامات وترتيبها، وبيان ما يستلزمه كل منها، وتحليل الأخلاق

стр. 4958

والكشف عما يتصل بها من بعض الأحوال والمقامات من ناحية، وعن صلتها بالجبر والاختيار من ناحية أخرى، والسماع وعلاقته بالوجد، والحج ومناسكه وتأويل هذه المناسك تأويلا يبين ما تنطوى عليه من المعانى الروحية والفلسفية، والطاعة المغرضة والطاعة المنزهة عن الغرض، والأخوة في الله وعلامتها وعناصرها، وعلم الباطن وحقيقته؛ والمعرفة وسبيل الوصول إليها، ومعرفة الله ووحدانيته وعلاقته بالمخلوقات، وأن أخص خصائص المعرفة اليقينية لله أنها معرفة له به، أو أنها معرفة يلقيها الله في قلب العبد لا معرفة يكتسبها العبد، والجنّة والنار والمحبة وتعريفها وتقسيمها ودرجاتها والمحبة الألهية المتبادلة بين الرب والعبد، وعلاقة المحبة بالمعرفة، كل أولئك وكثير غيره رؤوس لمسائل عرضت لها وعبرت عنها صراحة أو ضمنا أقوال ذى النون التي أثبتها أبو نعيم الأصبهانى في حلية الأولياء، وكلها يظهرنا من غير شك على أنَّه وإن لم يكن لذى النون كتاب جامع لأشتات آرائه في مختلف المسائل على الوجه الَّذي يجعل منها مذهبا مؤتلف العناصر متسق الأجزاء، فإن أبا نعيم قد كفانا مؤونة هذا الكتاب بما قدم بين أيدينا من نصوص ذى النون، وأننا بدراستنا لهذه النصوص وتحقيقها والفحص عما تشتمل عليه من المعانى وما تنزع إليه من المنازع وما تقوم عليه من الأسس النفسية والأخلاقية إلى جانب دعائمها الدينية، يتهيأ لنا أن نقف منه على مبلغ ما تركه ذو النون في الحياة الروحية الإسلامية من آثار باقية، وما كان له في هذه الحياة الروحية من مذهب، وما كان يتسم به هذا المذهب من سمات تيوزوفية ظهرت على يدى هذا الصوفى المصري لأول مرة في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية، ثم أخذت تدق وتتضح على أيدى من جاء بعده من الصوفية الذين أخذوا عنه وتأثروا به وزادوا عليه، فكان من تراثهم جميعا ما يعرف باسم التصوف التيوزوفى. ولكى يتبين لنا هذا كله، ويتبين معه أهم العناصر التي يمكن أن يتألف منها لذى النون مذهب، وأبرز الخصائص التيوزوفية التي يمكن أن يمتاز بها هذا

стр. 4959

المذهب، فإنه يجمل بنا أن نقف عند مسائل ثلاث هي في رأينا جماع مذهبه وملتقى خصائصه، ونعنى بهذه المسائل الثلاث: الطريق إلى الله وتحليله إلى عناصره العملية والروحية، والمعرفة، والمحبة، ولن نقف في عرضنا لهذه المسائل الثلاث عند حد ما يذكره أبو نعيم من نصوص ذى النون التي تشتمل عليها، وإنما سنضيف إليه أطرافا مما يورده غيره من المؤلفين الذين كتبوا عن ذى النون. وسنحاول بقدر المستطاع أن نؤلف بين هذا وذاك تأليفا تتضح معه الأفكار. وتتبين من خلاله المذاهب. ١ - وأول ما يلاحظه المتأمل في مذهب ذى النون الصوفى الَّذي يكشف فيه عن معالم الطريق إلى الله هو أن مدار الكلام عنده في هذه الناحية إنما يقوم على أربعة أشياء: حب الجليل، وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل: فهو قد جعل من حب الله والإعراض عن الدنيا والسير على نهج الكتاب والسنة والخوف من أن ينكص الإنسان على عقبيه متابعة لنفسه ومسايرة لنزواتها وشهواتها، أسسا يقوم عليها مذهبه الصوفى، ومثلا عليا ينبغي أن يتحقق بها من سلك طريق الله . وليس من شك في أن أهم هذه الأسس الأربعة وأشملها لغيرها من الأسس الثلاثة الأخرى هو ما عبر عنه ذو النون بحب الجليل، لا لأنه قدمه على غيره من هذه الأسس فحسب، بل لأنه كان يرى أن من علامات المحب لله متابعة حبيب الله [ ﷺ ] في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه (١). وهذا يعنى بعبارة أخرى أن الوقوف مع النفس الأمارة والخضوع لنزواتها هو عند ذى النون أكثف أنواع الحجب: لأن طاعة النفس إنما هي عصيان لله، وهذا العصيان أصل جميع الحجب (٢)، وهنا نجد لذى النون حديثًا عن الذنب وقد سئل عن سببه، فإذا هو يجيب إجابة هي أدنى ما تكون إلى تحليل النفس الإنسانية وما يوجهها من دوافع، وما تنزع إليه من نوازع تحملها

стр. 4960

على ارتكاب الشر واقتراف الذنب: فهو يرى أن سبب الذنب النظرة، وأن من النظرة الخطرة، وأن في تدارك الخطرة بالرجوع إلى الله ذهابها، وإلا فإنها تمتزج بالوساوس فتتولد منها الشهوة، وهذا كله باطن لم يظهر بعد على الجوارح؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في تدارك الإنسان للشهوة ما يجعله بمأمن من غوائلها، وإلا تولد من الطلب العقل (١). فواضح هنا أن ذا النون قد رتب ما يقع في باطن النفس الإنسانية بعضه على بعض، ورد ما يظهر من أفعالها بعضه إلى بعض، وذلك لكى يظهرنا آخر الأمر على العلة الأولى البعيدة التي تنشأ منها وترجع اليها الشهوات النفسية التي تفسد على الإنسان حياته الروحية الباطنة وحياته العملية الظاهرة كما تفسد عليه صلته بربه إذ يخضع لنفسه ويقع في ذنبه. ولا يقف ذو النون في تحليله للنفس الإنسانية عند هذا الحد الَّذي يكشف معه عن باطنها ويعلل شهواتها تعليلًا نفسيًا خالصًا وإنما هو يتجاوزه إلى شيء آخر: ذلك بأنه يتحدث عن أخلاق النفس وما ينبغي أن تتحلى به وما ينبغي أن تتخلى عنه، حديثا نتبين من خلاله أن النفس التي هي موضوع لذلك التحليل وشهواتها التي هي مجال لما قدم من تعليل، هي أيضًا موضوع لعلم الأخلاق، ومنبع للمحمود والمرذول من هذه الأخلاق. وإنه ليتحدث عن أخلاق النفس تارة بالذات، وتارة أخرى بالعرض؛ وهو حين يتحدث عنها بالعرض إنما يذكرها على أنها مقومات أو ثمرات أو علامات لهذه الحال أو تلك، ولهذا المقام أو ذاك من المقامات التي تمر بها نفس السالك في طريق الله، والأحوال التي تختلف عليها وقد جعلت غايتها ابتغاء وجه الله. فمن أمثلة ما يعرض له بالذات من أخلاق النفس ما تحدث به عن العاقل وعن الكريم: فعنده أن العاقل يعترف بذنبه، ويحس بذنب غيره، ويجود بما لديه، ويزهد فيما عند غيره، ويكف أذاه، ويحتمل الأذى عن غيره. وعنده أيضًا أن الكريم يعطى قبل السؤال، فلا يعقل أن يبخل بعد السؤال، ويعذر قبل

стр. 4961

الاعتذار، فلا يعقل أن يحقد بعد الاعتذار، ويعف قبل الامتناع، فلا يعقل أن يطمع في الازدياد (١). على أن أهمية ذى النون في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية لا ترجع إلى هذا الضرب من تحليل أخلاق النفس وبيان آدابها وآفاتها من الناحيتين النفسية والأخلاقية فحسب، وإنما هي ترجع أولا وقبل كل شيء إلى هذا التحليل الرائع الَّذي يقدمه لهذه الآفات وتلك الآداب، ونتبينه من خلال ما يعرضه من تعريفات الأحوال والمقامات وتصنيفاتها: فقد كان ذو النون - كما لاحظ السلمي وغيره ممن ترجم لذى النون - أول من عرف وصنف وعلم الأحوال ومقامات أهل الولاية. وقد رسم أبو سليمان الدارانى الخطوط الأولى للطريق إلى الله، ولكن هذا الطريق إلى الله قد انتهى على يد ذى النون إلى غايته، واستكمل صورته النهائية التي أخذتها عنه، واعتمدتها من بعده كتب التصوف القديمة، صحيح أن عدة الأحوال والمقامات تختلف من مؤلف إلى مؤلف، وصحيح أيضًا أن ترتيب هذه المقامات وتلك الأحوال يتباين في كتاب من كتب الصوفية عما هو عليه في كتاب آخر، وصحيح بعد هذا كله أن ما يعده بعض الصوفية والمؤلفين حالًا قد يعده البعض الآخر مقامًا، وما يعده هذا الصوفى أو ذاك من المقامات قد يعده غيره من الأحوال، ولكن ليس من شك مع هذا كله في أن فكرة التدرج من مقام إلى مقام، وانتقال النفس من حال إلى حال، وتعريف كل حال وكل مقام وتحليله إلى عناصره النفسية والأخلاقية والإبانة عن حقيقته بالاشارة إلى علاماته أو أعلامه أو أعماله، كل أولئك قد حفلت به أقوال ذى النون الَّذي أفاض فيها إفاضة لم يكن لغيره من الصوفية المعاصرين له أو الزهاد المتقدمين عليه سابق عهد بها. وليس من شك أيضا في أن الذين جاءوا بعد ذى النون من الصوفية المتحققين، ومن المؤلفين المحققين، قد استرشدوا بما خلفه الصوفى المصري في هذا الباب، وبما اتبعه فيه من تعريفات وتصنيفات. وفى هذا يقول الأستاذ ماسينيون إنه منذ نهاية القرن الثالث

стр. 4962

الهجرة قد اعتمدت هذه الطريقة في التصنيف الصورى لدى التسترى، ولدى صوفية بغداد، ثم استكملها وعدلها كل من الواسطي والسراج والقشيرى والغزالى (١). ولكى يتضح مبلغ ما أفادته الحياة الروحية الاسلامية من ترتيب ذى النون للأحوال والمقامات، ومدى ما تنطوى عليه هذه المقامات وذلك الأحوال من المعانى النفسية والأخلاقية التي اتشحت كلها بوشاح صوفى، يحسن أن نعدد بعض ما أورده ذو النون في هذه الناحية الهامة من نواحى الحياة الروحية، بل التي تعد أساسًا يقوم عليه صرح كل حياة روحية: فالمحبة واليقين والثقة بالله والشكر والرضى والأنس وحسن الظن بالله والشوق والخوف والإخلاص والكمال والتوكل والصبر والحكمة والزهد والعبادة والتواضع والسخاء وحسن الخلق والرحمة للخلق والاستغناء بالله والحياء والمعرفة والتسليم والإسلام والإيمان والحلم والتقوى والرجاء والحب في الله والصدق والانقطاع إلى الله والمروءة والتودد والرشد والسعادة (٢) كل أولئك وكثير غيره أحوال تختلف على النفس الإنسانية ومقامات تنتقل بينها هذه النفس في طريقها إلى الله، وإن ذا النون ليعرض لكل منها معرفًا به ومحللًا لعناصره ومبينًا لحقائقه ودقائقه ومشيرًا إلى ماله من أثر في تصفية النفس وتنقية القلب، فيتحدث عن هذا المقام أو ذاك، وعن هذا الحال أو ذاك، اعتمادا على علاماته أو دلالاته تارة، أو استنادا إلى أعلامه أو أعماله تارة أخرى، وكل ذلك على وجه يجعل من الأحوال والمقامات موضوعا لكن من علمي النفس والأخلاق بقدر ما هي موضوع رئيسى للتصوف ودعامة قوية لما ينبغي أن يحياه المتصوف من حياة روحية قوامها الإقبال على الله وغايتها الظفر بالقرب من الله. ولكى يتبين لنا هذا كله في وضوح وجلاء، يحسن أن نقف مع ذى النون عند بعض الأحوال والمقامات، وذلك على

стр. 4963

سبيل المثال لا الحصر وبالقدر الَّذي يكفى لإظهار ما تنطوى عليه هذه المقامات وتلك الأحوال من المعانى النفسية والأخلاقية، وما تنزع إليه أو تتشح به من منازع روحية: فذو النون يحلل المحبة إلى عناصرها تحليلا يتبين من خلال ما يذكره من أعلامها الثلاثة وهي: الرضا في المكروه، وحسن الظن في المجهول، والتحسين في الاختيار في المحذور، ويحلل الشكر بما يذكره من أعمال ثلاثة هي: المقاربة من الإخوان في النعمة، واستغنام قضاء الحوائج قبل العطية، واستقلال الشكر لملاحظة المنة؛ ويحلل الأنس بالله فيذكر ثلاثة من أعماله وهي: استلذاذ الخلوة، والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة، ويعبر عن مقومات الشوق إلى الله بما يذكره من أعلام ثلاثة هي: حب الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة، ودوام الحزن مع الكفاية، ويصور الخوف بعلامات ثلاث هي: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان مراقبة للتعظيم، ودواء الكمد إشفاقًا من غضب الحليم، وعلى هذا النحو من التحليل والتعبير والتصوير يمضى ذو النون في بيان خصائص الأحوال والمقامات بذكر أعلامها أو أعمالها: فمن أعمال اليقين ثلاثة هي: قلة المخالفة للناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطية، والتنزه عن ذمهم في المنع والرزية، ومن أعلام التوكل ثلاثة هي: نقض العلائق، وترك التملق في السلائق، واستعمال الصدق في الخلائق، ومن أعلام الزهد ثلاثة هي: قصر الأمل، وحب الفقر، واستغناء مع صبر، ومن أعمال السخاء ثلاثة هي: البذل للشئ مع الحاجة إليه، وخوف المكافأة استقلالا للعطية، والخوف على النفس استغناء لإدخال السرور على الناس، ومن أعلام الاستغناء بالله ثلاثة هي: التواضع للفقراء المتذللين، والتعظم على الأغنياء المتكبرين، وترك المعاشرة لأبناء الدنيا المستكبرين؛ ومن أعلام الحياء ثلاثة هي: وجدان الأنس بفقدان الوحشة، والامتلاء من الخلوة بإدمان التفكر، واستشعار الهيبة بخالص المراقبة، ومن أعلام الإسلام ثلاثة هي: النظر لأهل الملة، وكف الأذى عنهم،

стр. 4964

والعفو عند المقدرة لمسيئهم، ومن أعلام الحلم ثلاثة هي: قلة الغضب عند مخالفة الرأى، والاحتمال عن الورى إخباتًا للرب، ونسيان إساءة المسئ عفوا عنه واتساعًا عليه، ومن أعلام التقوى ثلاثة هي: ترك الشهوة المذمومة مع الاستمكان منها، والوفاء بالصالحات مع نفور النفس عنها، ورد الأمانات إلى أهلها مع الحاجة إليها، ومن أعلام الحب في الله ثلاثة هي: بذل الشيء لصفاء الود، وتعطيل الإرادة لإرادة الله، والسخاء بالنفس والمشاركة في محبوبه ومكروهه بصفة العقد، ومن أعمال الرشد ثلاثة هي: حسن المجاورة، والنصح عند المشاورة، والبر في المجاورة، ومن أعلام السعادة ثلاثة هي: الفقه في الدين، والتيسير للعمل، والإخلاص في السعى. ولا يقف ذو النون عند تصنيف المقامات والأحوال وتحليلها على هذا الوجه الَّذي قدمنا، وإنما هو يتجاوزه إلى شيء آخر لعله أدق من هذا وأعمق. وذلك بأنه يتحدث عن الحال حديثا هو أدنى ما يكون إلى فلسفته، فيظهرنا على ما بين الحال والجبر من صلة: فعنده أنَّه لا يكون للإنسان من الأحوال إلا ما يريده الله له، وليس الإنسان في حاجة إلى أن يعلم ما هو هذا الَّذي اختاره الله، إذ كان الله قد علم ما هو كائن، وهو المكون للأشياء، وهو الَّذي يختاره للإنسان (١). ويتصل السماع بالنفس الإنسانية وله فيها عند ذى النون أثر بما تثيره العظة الحسنة والنغمة الطيبة من المعانى التي تؤدى بمن يستشعرونها إلى النعيم الدائم في مقعد صدق عند مليك مقتدر (٢). وهذا يعنى بعبارة أخرى من عبارات ذى النون نفسه أن السماع هو وارد الحق الَّذي يهيج القلب حتَّى يجد الله، وأن الذين ينصتون إليه بالحق يتحققون، والذين ينصتون إليه بالنفس يتزندقون (٣). وعلى ما يذهب إليه ذو النون في السماع قد عقب الهجويرى بالإبانة عما يعنيه هذا

стр. 4965

الصوفى من أن من يتبع الحق في هذا السماع يحصل له الكشف، على حين أن من يتبع نفسه الأمارة يقع له الحجاب ويعمد إلى التأويل (١). ولما كانت العبادات عنصرًا هاما من العناصر التي يتألف منها سلوك العبد في طريقه إلى الله وكان الحج فريضة من فرائض الإسلام التي ينبغي أن يأخذ بها الانسان نفسه، وكان لهذه الفريضة ولغيرها من الفرائض الأخرى أثرها في رياضة النفس ومجاهدة الحس وتصفية القلب، فقد تأول ذو النون مناسك الحج تأويلا يكشف عن معانيها الخفية وآثارها الروحية في حياة الذين يؤدون هذه المناسك سواء في علاقتهم بربهم أو بأنفسهم أو بأشباههم: فذو النون يتأول ويعلل الوقوف بالجبل لا بالكعبة بأن ذلك إنما كان لأن الكعبة بيت الله والجبل باب الله، وإن الله ليوقف القاصدين إليه والوافدين عليها بالباب يتضرعون. ويتأول ويعلل الوقوف بالمشعر الحرام وكيف صار بالحرم، وذلك بأن الله لما أذن للوافدين عليه بالدخول إليه أوقفهم بالحجاب الثانى وهو المزدلفة، ولما طال تضرعهم أمرهم بتقديم قربانهم، وكان هذا القربان تطهيرا لهم من ذنوبهم التي كانت لهم حجابا من دون الله، وأذن الله لهم بالزيارة على طهارة. وأما أن الصوم مكروه أيام التشريق فذلك ما يؤوله ويعلله ذو النون بأنه راجع إلى أن القوم إنما زاروا الله، وأنهم في ضيافته، ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من أضافه. ويتأول ذو النون التعلق بأستار الكعبة فيكشف عن المعنى الَّذي ينطوى عليه هذا التعلق فيرى أن مثل الرجل وقد تعلق بأستار الكعبة كمثل الرجل وقد كانت بينه وبين أخيه جناية فتعلق بثوبه واستجدى له، وتضرع إليه ليهب له جرمه وجنايته (٢): فكل أولئك تأويلات وتعليلات يقدمها ذو النون بين يدى مناسك الحج فيظهرنا من خلالها على تلك المعانى النفسية والأخلاقية السامية التي ينطوى عليها الحج، وعلى ما ينبغي أن يقر في نفوس المؤدين لمناسكه من تلك

стр. 4966

المعانى، وإن ذا النون ليذكرنا هنا بما يصطنعه الإسماعيلية الباطنية من تأويل وتخريج للمعانى الخفية من الألفاظ الظاهرة، ومن يدرى فلعله كان متأثرا بهم، وإن كانت تلك مسألة لا تزال في حاجة إلى دراسة مقارنة على ضوء المعلومات التاريخية والمؤثرات الداخلية والخارجية في عصر ذى النون وحياته ومذهبه. ومهما يكن من شيء فإننا واجدون لدى ذى النون كلاما لعله أن يكون أقرب إلى كلام الإسماعيلية الباطنية فيما يذهبون إليه من حديث عن النجباء والدعاة والقائمين بالحجة والأئمة المستورين: فكل أولئك ألفاظ اصطلاحية إسماعيلية نجدها فيما تحدث به ذو النون عن هؤلاء الذين خلصت عبادتهم لله من عباد الله وهذا نصه: "إن لله (صفوة) خالصة من عباده، ونجباء من خلقه، وصفوة من برّيته، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها في الملكوت معلقة، أولئك نجباء الله من عباده، وأمناء الله في بلاده، والدعاة إلى معرفته، والوسيلة إلى دينه، هيهات بعدوا وفاتوا، ووارتهم بطون الأرض وفجاجها؛ على أنه لا تخلو الأرض من قائم فيها بحجته على خلقه لئلا تبطل حجج الله ... أولئك قوم حجبهم الله عن عيون خلقه، وأخفاهم عن آفات الدنيا وفتنها ... " (١). ٢ - وإذا تركنا هذه الناحية الروحية العامة لمذهب ذى النون الصوفى وما تشتمل عليه من عناصر عملية، وانتقلنا معه إلى الناحية التيوزوفية الخاصة لهذا المذهب، ألفينا له نظرية في المعرفة وأخرى في المحبة، وكلتاهما تنطويان على كثير من المعانى الفلسفية التي ظهرت لأول مرة في تاريخ التصوف الإسلامى عند ذى النون، وكان ظهورها عنده في صورة ساذجة بسيطة، ثم أخذت هذه الصورة تدق وتتضح رويدًا رويدًا على أيدى من تعاقب بعده من الصوفية بصفة عامة، حتَّى تهيأ لها من الدقة والوضوح والتمام أكبر حظ عند الصوفية المتفلسفين، أو الصوفية الذين وقع التزاوج في مذاهبهم بين التصوف والفلسفة الإلهية وعلم الكلام من أمثال محيى الدين بن عربى، وعمر بن الفارض، ويحيى السهروردى المقتول

стр. 4967

بصفة خاصة. والمعرفة على ضروب ثلاثة: معرفة عامة المؤمنين، ومعرفة المتكلمين والحكماء، ومعرفة خواص الأولياء المقربين الذين يعرفون الله بقلوبهم. وليس من شك في أن هذا الضرب الثالث من المعرفة هو عند ذى النون أرقى وأسمى ضروبها جميعًا، وذلك لأنها تتخذ موضوعها من الذات الألهية وما لهذه الذات من صفات الوحدانية، وهي لا تحصل عن طريق الكسب والتعلم والتصور والاستدلال، وإنما هي إلهام ونفث في الروع ونور يقذفه الله في سر العبد فيعرف العبد الله معرفة مباشرة لا واسطة فيها ويقينية لا شك يعتريها. ويدل على ذلك ما أجاب به ذو النون وقد سئل بم عرف العارفون ربهم؟ فقال ما نصه: "إن كان بشيء فبقطع الطمع والأشراف منهم على اليأس مع التمسك منهم بالأحوال التي أقامهم عليها، وبذل المجهود من أنفسهم، ثم إنهم وصلوا بعد إلى الله بالله" (١). ويدل عليه أيضًا ما أجاب به وقد سئل بم عرفت ربك؟ فقال: "عرفت ربى بربى، ولولا ربى ما عرفت ربى" (٢). هذا فيما يتعلق بمعرفة الله، أما فيما يتعلق بالمعرفة عامة فإن ذا النون يرى أنها تنال بأشياء ثلاثة: بالنظر في الأمور كيف دبرها، وفى المقادير كيف قدرها، وفى الخلائق كيف خلقها (٣). إذا كانت معرفة الانسان للذات الإلهية معرفة إلهامية على هذا الوجه الَّذي لا يدانيها فيه أي ضرب من ضروب المعرفة الأخرى سواء من حيث الموضوع والمنهج، فقد ترتب على ذلك أنَّه بغير هذه المعرفة الإلهامية المباشرة لا يمكن أن تعرف الذات الإلهية إلا من طريق صفات السلوب، إذ إن الذات الإلهية ليس كملثها شيء مما يتصوره وهم الإنسان. وهذا يعنى بعبارة أخرى أن الذات الإلهية قد تفردت عند ذى النون بالوحدانية، كما يعنى أن نظريته في المعرفة متصلة اتصالًا وثيقًا بنظريته في التوحيد: فعنده أن قدرة الله

стр. 4968

في الأشياء بلا مزاج، وأنه ليس في السموات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله (١). وليس أدل على هذا مما يناجى به ذو النون ربه فيقول: "إلهى، ما أصغى إلى صوت حيوان، ولا حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنم طائر، ولا تنعم ظل، ولا دوى ريح، ولا قعقعة رعد، إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك، دالة على أنَّه ليس كمثلك شيء ... إلهى لاتترك بينى وبين أقصى مرادك حجابًا إلا هتكته، ولا حاجزًا إلا رفعته، ولا وعرًا إلا سهلته، ولا بابًا إلا فتحته، حتَّى تقيم قلبى بين ضياء معرفتك، وتذيقنى طعم محبتك، وتبرد بالرضى منك فؤادى وجميع أحوالى، حتَّى لا أختار غير ما تختاره، وتجعل لى مقامًا بين مقامات أهل ولايتك، ومضطربًا فسيحا في ميدان طاعتك .. " (٢) على أن هذه النزعة التيوزوفية التي تظهر من خلال نظريتى ذى النون في المعرفة والتوحيد، والتى أجملناها هنا، قد عرض لها هذا الصوفى مفصلة، وعرضها في صورة شعرية ضمنها قصيدة طويلة نقف منها عند بعض أبياتها الدالة على منزعه التيوزوفى في معرفة الذات الإلهية وإثبات الوحدانية لها. قال ذو النون: رب تعالى فلا شئ يحيط به ... وهو المحيط بنا في كل مرتصد لا الأين والحيث والكيف يدركه ... ولا يحد بمقدار ولا أمد وكيف يدركه حد ولم تره ... عين وليس له في المثل من أحد أم كيف يبلغه وهم بلا شبه ... وقد تعالى عن الأشباه والولد من أنشأ قبل الكون مبتدعا ... من غير شيء قديم كان في الأبد ودهر الدهر والأوقات واختلفت ... بما يشاء فلم ينقص ولم يزد

стр. 4969

إلى أن يقول: وجل في الوصف عن كل الصفات وعن ... مقال ذى الشك والإلحاد والعند من لا يجازى بنعمى من فواضله ... ولم ينله بمدح وصف مجتهد (١) ٣ - وكما كان لذى النون نظرية في المعرفة وتوحيد الله فقد كان له أيضًا نظرية في المحبة: فهو يرى أن ثمة حبًا متبادلًا بين العبد المحب وبين الرب المحبوب، وأن هذا هو الحب الإلهى الَّذي ينبغي على من تحقق به ألا يتحدث عنه أو يبوح به لمن لا يعرفون من الحب غير معناه الحسى. ويرى ذو النون أن سبيل العبد إلى إقبال الرب عليه وحبه له هو أن يكون العبد صابرًا شاكرًا ذاكرًا، أما إذا كان العبد ساهيًا لاهيًا معرضًا عن ذكر الله فذلك علامة إعراض الله عنه (٢). ويرى أيضًا أن الرب إذا آنس العبد بخلقه أوحشه من نفسه. وإذا أوحشه من خلفها آنسه بنفسه (٣). والمتأمل فيما أثر عن ذى النون من أقوال منثورة وقصائد منظومة، يلاحظ أنَّه يصطنع لفظتى الحب والمحبة اصطناعًا صريحًا سواء في تعبيره عن إقبال الله على العبد أو إقبال العبد على الله، وأنه باستعماله لفظة الحب بنوع خاص إنما يشارك رابعة العدوية التي عاصرته، والتى تعد أول من استعمل هذه اللفظة استعمالًا صريحًا فيما كانت تناجى به ربها، أو فيما كانت تتحدث به عن علاقتها به وإقبالها عليه وإيثارها له. وعلى الرغم من أن كتب التراجم والطبقات قد تضاربت في إثبات الصلة بين ذى النون ورابعة ونفيها، فإننا لا نستطيع مع ذلك أن ننكر ما بين مذهبيهما في الحب الإلهى واستعمالهما للألفاظ الدالة عليه والمعبرة عنه من أوجه الشبه، ومهما يكن من شيء فإنه يتبين من بعض ما أورده أبو نعيم أن ذا النون قد لقى امرأة وصفهما بأنها صديقة دون أن يذكر اسمها، وأنه استمع إليها ونقل عنها كلامًا في تعريف المحبة ووصفها جرى على لسانها في ثنايا ما دار بينه وبينها من حوار، كما نقل عنها أبياتًا في تقسيم الحب إلى حبين: حب الهوى، وحب خليق بذات الله وحده (٤).

стр. 4970

ونحن إذا وقفنا عند هذه الأبيات التي تقول فيها مخاطبة ربها: أحبك حبين: حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الَّذي هو حب الهوى ... فذكر شغلت به عمن سواكا وأما الَّذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتَّى أراكا فما الحمد في ذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا. وإذا عرفنا أن هذه الأبيات تنسب إلى رابعة انتهينا إلى أن ذا النون إنما يتحدث هنا عن هذه الزاهدة العابدة العاشقة وعن حبها لله دون أن يذكر اسمها. وكما كانت رابعة تذهب في حبها الإلهى مذهبًا قوامه الإقبال على الله، وإيثاره على كل من عداه، والتنزه عن عبادته خوفًا من ناره أو طمعًا في جنته، بحيث كانت غايتها القصوى هي أن ينكشف عن عين قلبها عين الحجاب، فتستمتع بما يبيحه الله لها من مطالعة وجهه الكريم، فكذلك كان ذو النون يذهب في حبه هذا المذهب الَّذي جعله يتخذ من الله غايته ومعقد رغبته: فقد كانت رابعة تناجى ربها بقولها "إلهى، إذا كنت أعبدك رهبة من النار فاحرقنى بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنّة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمنى يا إلهى من جمالك الأزلى". وكانت تتحدث عن حبها الإلهى فتقول إنها لم تكن تعبد الله إلا حبًا له وشوقًا إليه. وهذا هو ما يعبر عنه ذو النون تعبير وإن اختلف في بعض تفاصيله عما ذهبت إليه رابعة، فهو يظهرنا من غير شك على أن الفكرة الرئيسية التي انطوى مذهبه في الحب عليها، والغاية القصوى التي كان يرمى في هذا الحب إليها، إنما هي حب الله لذاته، والإقبال عليه ابتغاء لوجهه، دون أن يكون له من وراء ذلك أي مطمع آخر، كما يدل على هذا كله قوله في هذه الأبيات: أموت وما ماتت إليك صبابتى ... ولا رويت من صدق حبك أوطارى

стр. 4971

مناى المنا كل المنا أنت لى منى ... وأنت الغنى كل الغنى عند إقصارى وأنت مدى سؤلى وغاية رغبتى ... وموضع شكواى ومكنون إضمارى وهكذا ينتهى بنا كل ما تقدم من حديث عن حياة ذى النون الروحية ومذهبه في الطريق إلى الله وفى المعرفة اليقينية والمحبة الإلهية إلى أن ذا النون المصري لم يكن زاهدًا أو عابدًا من طراز الزهاد والعباد الذين حفلت بهم عهود الحياة الروحية الإسلامية الأولى فحسب، وإنما كان صاحب منهج وصاحب مذهب، وكان أخص خصائص منهجه التحليل والتعليل والتأويل وكلها أشياء تبيّنا بعض آياتها من خلال ترتيبه وتصنيفه للأحوال والمقامات، كما كان ابرز ما يتسم به مذهبه من سمات، هذه الصبغة التيوزوفية التي اتخذ فيها من الله موضوعا أسمى لمعرفته ومحبته وغاية قصوى لرغبته ومنيته. الدكتور محمد مصطفى حلمى الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز بن عبد الله التركمانى الفارقى الدمشقي الشافعي، مؤلف عربى ولد في ميافارقين في غرة ربيع الثانى أو في الثالث منه عام ٦٧٣ هـ (٥ و ٧ أكتوبر ١٢٧٤ م) وتوفى في دمشق ليلة الإثنين الثالث من ذى القعدة عام ٧٤٨ هـ (٣ - ٤ فبراير ١٣٤٨) ودفن عند الباب الصغير (ويزودنا لقبه الذهبي في حساب الجمل بتاريخ وفاته) (١) ويقول محمد ابن أحمد بن إياس إن وفاته كانت عام ٧٥٣ (١٨ فبراير ١٣٥٣ - ٥ فبراير ١٣٥٣). بدأ يدرس الحديث عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م روايات أخرى أنَّه بدأ دراسته في سن الثامنة عشرة) في دمشق على عمر بن قوّاس وأحمد بن هيبة الله بن عساكر وغيرهما؛ وفى بعلبك على عبد الخالق بن علوان وزينب بنت عمر بن كندى؛ وفى حلب على

стр. 4972

سَوقَر الزينى؛ وفى نابلس على العماد ابن بدران، وفى مكة على التوزرى؛ وفى الإسكندرية على أبى الحسن على ابن أحمد العراقى وأبى الحسن يحيى بن أحمد الصواف، ثم في القاهرة على ابن منظور الإفريقى صاحب "لسان العرب" وعلى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد بخاصة. وكانت لابن دقيق العيد فراسة في اختيار تلاميذه الذين يأخذون الحديث عنه. وقد تلقى الذهبي كذلك إجازة من أبي زكريا بن الصيرفى ومن ابن أبى الخير ومن القاسم الإربلى وغيرهم. ونخص بالذكر من تلاميذه عبد الوهاب السبكى صاحب "طبقات الشافعية" وكان صديق أبيه تقى الدين السبكى الَّذي كان أعلم منه بفقه الشافعي. وأخذ الذهبي يدرّس الحديث في مدرسة أم الصالح في دمشق، ولم يخلف شيخه يوسف المزّى (المتوفى في عام ٧٤٢ هـ = ١٣٤١ م) في تدريس الحديث بالأشرفية، لأن مؤسس مشيخة الحديث في هذه المدرسة اشترط شروطًا خاصة بمذهب من يتولى تدريس الحديث في هذه المدرسة لم يوافق الذهبي عليها. واشتهر الذهبي بأنه من أبرز العلماء في التاريخ وفى الحديث، ومع هذا فإن معاصريه أبا الفداء وابن الوردى وإن اعترفا بتبريزه في التاريخ والحديث، قالا إن بصره كفَّ عام ٧٤٣ هـ (٦ يونية ١٣٤٢ م - ٢٥ مايو ١٣٤٢؛ وجاء في روايات أخرى أن بصره كف عام ٧٤٣ هـ). فلما أدرك قرب منيته كتب تراجم لبعض معاصريه وهم على قيد الحياة، واستقى معلوماته من فتيان متحمسين ممن التفوا حوله. وكان عاجزًا عن التحقق من صدق رواياتهم فلوث بذلك سمعة بعض الأعلام وإن كان ذلك عن غير عمد. ومما نشر من تواليفه: (١) تذكرة الحفاظ (وهو غير الطبقات) في أربعة أجزاء، وقد طبع بمدينة حيدر آباد، وجمع فيه حفاظ الحديث وقسمهم على إحدى وعشرين طبقة متفاوتة الطول. وقد ترجم في ذيله لبعض شيوخه. وقد اختصر السيوطي هذا الكتاب وأكمله بعنوان "طبقات الحفاظ"، نشره فستنفلد بهذا العنوان اللاتينى Liber -Classium Virorum qui Korani et Tradi

стр. 4973

tionum Cognitione excelluerunt كوتنكن ١٨٣٣. (٢) المشتبه في أسماء الرجال، وهو معجم للأعلام والكنى مرتب على حروف المعجم مما يرد في الحديث بخاصة ويشتبه فيه، طبعة دى يونكك de jong (ليدن عام ١٨٨١). (٣) ميزان الاعتدال في نقد (أو تراجم) الرجال، وهو معجم للمحدثين غير الثقات أو المظنون أنهم كذلك ... إلخ .. طبع في لكنهؤ عام ١٣٠١ هـ (١٨٨٤ م) وفى القاهرة. ١٣٢٥. (٤) تجريد أسماء الصحابة، وهو معجم للصحابة (حيدر آباد عام ١٣٥٠). (٥) الطب النبوى (وفى رواية أخرى "طب النبي") وينسب هذا الكتاب أيضًا للسيوطي، وقد ترجمه إلى الفرنسية برون Perron بعنوان La Medecine prophete (الجزائر ١٨٦٠) ونشر بالعربية على هامشى تسهيل المنافع لإبراهيم بن عبد الرحمن الأزرق (القاهرة ١٣٠٨ هـ) وهو مقسم إلى ثلاثة فصول: الأول في أصول الطب؛ الثانى في الأدوية والأطعمة؛ والثالث في علاج الأمراض. وللذهبى مصنفات أخرى مخطوطة: (١) أ، تاريخ الإسلام، وهو تاريخ عظيم للإسلام يصل إلى عام ٧٠٠ هـ ومقسم على فترات من عشر سنين، تضم كل فترة منها طبقة من الرجال مرتبة على حروف المعجم. وبعض مجلدات هذا الكتاب موجودة في مكتبات أوربية شتى. ب، ذيل له من عام ٧٠٧ - ٧٤٠ (في نسخة ليدن إلى ٧٦٥) ويقول عبد الوهاب السبكى صاحب طبقات الشافعية إنه كتاب قيم لولا بعض التحيز الَّذي وقع فيه، ولكن كمال الدين الزملكانى الَّذي قرأه مجلدًا مجلدًا وجده مصنفًا نفيسًا. وعالج الذهبي الموضوع نفسه مرة أخرى وعرضه في أربعة مصنفات كل منها قائم برأسه: (أ) الأخبار السياسية عن الدول الإسلامية، وهو الموسوم اختصارًا به "تأريخ دول الإسلام" كما يسمى "التاريخ الصغير" وهو تاريخ سياسى للإسلام إلى عام ٧١٦ هـ وله ذيل عن

стр. 4974

الفترة بين عامي ٧١٦ - ٧٤٠. وثمة نسخة أخرى من الكتاب نفسه انتهى الذهبي منها في ذى القعدة عام ٧١٥ (مارس ١٣١٦) عنوانها مختصر العبر في خبر من غبر (وفى رواية أخرى = من عبر) أو كتاب العبر في أخبار البشر ممن عبر، ويسمى كذلك التاريخ الأوسط، ومنه مخطوطات في المكتبات الأوربية. (ب) تأريخ النبلاء (أو سير الأشراف) وهو تأريخ لبعض الأعلام. (ج) تذكرة الحفاظ. (د) طبقات القراء (أو كتاب معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار). (٢) مختصر لتأريخ بغداد لابن الدبيثى. (٣) مختصر أخبار النحويين لابن القفطى. (٤) تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وهو تصحيح لتهذيب الكمال في أسماء الرجال لأبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار محب الدين الشافعي المتوفى في الخامس من شعبان ٦٤٣ هـ الموافق ٢٧ ديسمبره ١٢٤٥ م. وهو معجم للمحدثين المذكورين في كتب الحديث الستة. (٥) الكاشف في معرفة أسماء الرجال، وهو مختصر للكتاب السابق. (٦) المسترجل في الكنى، وهو معجم للكنى. (٧) المقتنى في سرد الكنى وهو معجم للكنى. (٨) المعجم، وهو معجم لتراجم شيوخه، وفيه أكثر من ١٣٠٠ ترجمة. وله مختصر وذيل في آخر كتاج "تذكرة الحفاظ". (٩) منطوقة في أسماء الحفاظ. (١٠) الموقظة، وهي رسالة في علوم الحديث. (١١) كتاب العلوم، وهو رسالة في تمجيد الله. (١٢) الكبائر وبيان المحارم. (١٣) المغنى في الحديث عن محدثين ضعفاء. (١٤) تشبيه الخسيس بأهل الخميس في المحدثين المظنون أنهم ثقات.

стр. 4975

(١٥) رسالة فيما يذم ويعاب في كل طائفة. (١٦) مفاخرة المشمش والتوت. (١٧) مختصر المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابورى، وهو ذيل لصحيحى البخاري ومسلم يتبع قواعدهما في اختيار الحديث. (١٨) الورد، (انظر فهرس فولرز لمكتبة جامعة ليبسك، رقم ٢٥٢). المصادر: (١) محمد بن أحمد بن إياس الحنفى: بدائع الزهور في وقائع الدهور (بولاق ١٣١١) ج ١، ص ١٩٩. (٢) ابن ناصر الدين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله ابن محمد القيسي الدمشقي الشافعي: كتاب التبيان لبدائة البيان، وهو مخطوط في حوزة كاتب هذه المادة (طبقة ٢١، ١٦). (٣) السيوطي: طبقات الحفاظ، طبعة فستنفلد (كوتنكن ١٨٣٣) ج ٢١، ص ٩. (٤) عبد الوهاب السبكى، طبقات الشافعية الكبرى (القاهرة ١٣٤٢ هـ) ج ٥، ص ٢١٦. (٥) ابن شاكر الكتبى، فوات الوفيات (بولاق ١٢٩٩) ج ٢، ص ١٨٢. (٦) عمر بن الوردى، التأريخ (القاهرة ١٢٨٥ هـ) ج ٢، ص ٣٤٨. (٧) أبو الفداء؛ التأريخ (الآستانة ١٢٨٦) ج ٤، ص ١٥٥. (٨) أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الشافعي، كتاب الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيميه شيخ الإسلام كافر القاهرة ١٣٢٩) ص ١٩. (١٠) Die Ges-: Wustenfeld chichtsschreiber der Araber and ihr werke، كوتنكن، ص ٤١٠. (١١) Geschichte der: Brockelmann Arabischen litteratur) طبعة برلين ١٩٠٢) ج ٢، ص ٤٦. (١٢) Ensayo bio-: Pons Boygues bibliografico (مدريد ١٨٩٨) ص ٤١٦. (١٣) Litterature Arabe: Cl. Huart (باريس ١٩٠٢) ص ٣٣٧. يونس [محمد بن شنب]
следующие страницы →