سامراء لابن حنبل فرصة الاتصال بشخصيات البلاط دون لم ن يتعرض لخطر التساهل من جانبه. وتبدى الروايات التى انتهت إلينا أنه قوبل عند وصوله بالترحاب من الحاجب وصيف وأنزل بقصر إيتاخ الفخم وحمّل بالهدايا وقدم إلى المعتز، ولكنه أعفى أخيرًا -بناء على طلبه- من أن يكلف بأية مهمة خاصة بالنسبة لسنه وضعف صحته، وعاد إلى بغداد بعد إقامة قصيرة دون أن يلقى الخليفة (المناقب، ص ٣٧٣ - ٣٧٨؛ الترجمة، ص ٥٨ - ٧٥؛ البداية، ج ١٠، ص ٣١٤، ٣١٦، ٣٣٧ - ٣٤٠).
وتوفى أحمد بن حنبل فى ربيع الأول سنة ٢٤١ هـ (يولية سنة ٨٥٥ م) فى الخامسة والسبعين بعد مرض قصير، ودفن فى مقابر الشهداء بالقرب من باب حرب. والروايات التى أحاطت بوصف جنازته، وإن كان بعضها يدخل فى باب الأساطير، إلا أنها تعطينا فكرة عن مشاعر الجماهير الصادقة نحوه، وقد كان قبره مشهدًا لمظاهرات من الولاء المتأجج مما حمل السلطات المدنية على حراسة مقبرته (المناقب، ص ٤٠٩ - ٤١٨؛ الترجمة، ص ٧٥ - ٨٢؛ البداية، ج ١٠، ص ٣٤٠ - ٣٤٣)؛ وأصبح هذا القبر من أكثر الأماكن فى بغداد احتشادًا بالزائرين. وقد زوده الخليفة المستضئ سنة ٥٧٤ هـ (١١٧٨ - ١١٧٩ م) بنقش يمجد ذلك المحدث المشهور ويصفه بأنه أصدق مدافع عن السنة (البداية، ج ١٢، ص ٣٠٠). ومحا هذا النقش فيضان لدجلة حدث فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى؛ انظر Le Strange: Baghdad، ص ١٦٦).
وأعقب أحمد من كل من زوجتيه ابنًا واحدًا: صالحًا وعبد الله، علاوة على ستة أولاد من سراريه لا نعلم عنهم شيئًا غير ذلك (المناقب، ص ٢٩٨ - ٣٠٦). ويقال إن صالحًا (ولد فى بغداد سنة ٢٠٢ هـ - ٨١٨ - ٨١٩ م، وتوفي وهو قاض لإصفهان سنة ٢٦٦ هـ - ٨٧٩ - ٨٨٠ م) قد نشر جزءًا كبيرًا من فقه أبيه (الطبقات، ج ١، ص ١٧٣ - ١٧٦). وكان عبد الله معنيا بالحديث خاصة، وعن طريقه نشر الجزء الأكبر من آثار أحمد؛ وتوفى عبد الله فى بغداد ودفن بمقبرة قريش، وإلى قبره تحول
стр. 527
تقديس الناس الذى كان منصرفًا إلى قبر أبيه عندما انمحى هذا القبر من بعد (الطبقات، ج ١، ص ١٨٠ - ١٨٨). وكلا الابنين اللذين كانا متصلين اتصالًا وثيقا بالحياة العقلية لأبيهما يعدان من أهم منشئى ذلك البنيان المجمع الذى يضم المذهب الحنبلى.
٣ - آثاره: أشهر آثار أحمد بن حنبل مجموعة الأحاديث المسماة "المسند" (الطبعة الأولى، القاهرة سنة ١٣١١ هـ). وكان أحمد يولى هذا الأثر عناية عجيبة، إلا أن ابنه عبد الله هو الذى جمع ورتب ذلك الحشد الحاشد من المادة، وأضاف إليه هو نفسه بعض الزيادات. وروى تلميذ أحمد البغدادى: أبو بكر القطيعى المتوفى سنة ٣٦٨ هـ (٩٧٨ - ٩٧٩ م) المسند برواية عبد الله مع بعض الزيادات. وقد رتبت الأحاديث فى هذه المجموعة الحاشدة بحسب الموضوعات كما فى صحيحى البخارى ومسلم، ولكنها منسوبة إلى أسماء أول من رواها. ومن ثم كانت هذه الأحاديث طائفة من المسانيد الخاصة تراكمت بعضها على بعض، وهى تشمل أحاديث أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى وأئمة الصحابة، وتنتهى بمسانيد الأنصار والمكيين والمدنيين وأهل الكوفة والبصرة والشآميين.
وهذا الترتيب وإن كان يفصح عن جهد عقلى صادق، إلا أنه قد جعل من العسير أن ينتفع به إلا الحفاظ، ومن ثم أعيد هذا الترتيب فى بعض الأحيان، إذ نجد المحدث ابن كثير فى كتاب فى جامع المسانيد العشرة"، قد رتب بترتيب أسماء الصحابة الأبجدى الأحاديث الواردة فى "مسند" ابن حنبل، وفى الكتب الصحاح الستة، والطبرانى "المعجم"، ومسندى البزار وأبي يعلى الموصلى (الشذرات، جـ ٦، ص ٢٣١). ويتبع ابن زكنون المتوفى سنة ٨٣٧ هـ (١٤٣٢ - ١٤٣٤ م؛ انظر الشذرات، ج ٧، ص ٢٢٢ - ٢٢٣) فى مصنفه "كتاب الدرارى" ترتيب كتب صحيح البخاري، ولهذا المصنف ميزة كبيرة هى أنه أدخل ضمن الأحاديث التى يرويها مقتطفات عدة من كتب الحنابلة وخاصة ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم. وهذا المصنف الضخم كان
стр. 528
ذخيرة لعدة طبعات من كتب المتون الحنبلية فى الخمسين السنة الأخيرة.
وفى نطاق الحديث يعد) حمد بن حنبل "مجتهدًا مستقلًا، وقد كان قادر، -كما يقول ابن تيمية (المنهاج، ج ٤، ص ١٤٣) - على أن "يختار لنفسه" من ذلك الحشد من الأحاديث والأقوال التى تلقاها عن شيوخه. ولا يمكن بوجه من الوجوه أن نقول فيه ما قاله الطبرى من أنه محدث فحسب وليس فيه شئ من "الفقيه" الذى يعنى بالأحكام القياسية. ذلك أنه -كما بين ابن عقيل من قبل- "قد خرج عنه [أى من أحمد بن حنبل] اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم". ويجب ألا يكون "أصحاب الحديث" متعارضين من حيث الأصول تعارضًا شديدًا مع "أصحاب الرأى"، وذلك أن من العسير أن نخرج من الأحاديث بمفهوم ما، أو نحل متناقضاتها وخلافاتها، أو نستنبط منها ما يمكن أن يستنبط من أحكام، إلا إذا استعنا فى ذلك بأقل قدر ممكن من الحكم الشخصى.
والرسالتان الأساسيتان اللتان نستطيع بهما أن ندرس موقف أحمد بن حنبل من العقائد هما الرسالة القصيرة المسماة: "رد على الجهمية والزنادقة"، و"كتاب السُنّة" (طبعت الرسالتان معًا فى القاهرة طبعة غير مؤرخة؛ وطبعت رواية أطول لكتاب السنة فى مكة سنة ١٣٤٩ هـ). ويشرح ابن حنبل فى الرسالة الأولى ويرد على أقوال جهم ابن صفوان الذى اعتنق آراءه -التى ذاعت ذيوعًا كبيرًا فى خراسان- بعض تلاميذ أبى حنيفة وتلاميذ عمرو ابن عبيد. أما فى رسالته "كتاب السنة" فهو يعيد النظر فى بعض المسائل الكلامية التى سبق إثارتها فى رسالة الرد على الجهمية ويحدد بشكل قاطع موقفه هو من جميع مسائل العقيدة الجوهرية (انظر أيضًا الطبقات، ج ١، ص ٢٤ - ٣٦). ومن كتبه الأخرى فى العقيدة التى انتهت إلينا: "كتاب الصلاة" (القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ، وسنة ١٣٤٧ هـ) فى أهمية صلاة الجماعة وأحكام إقامتها على وجهها، وقد رواه تلميذ من أقدم تلاميذه وهو مهنًا بن يحيى الشامى واختاره من الفهرس
стр. 529
الذى صنفه القاضى أبو الحسين بمراجع فى التراجم (الطبقات، ج ١، ص ٣٤٥ - ٣٨٠). ويجب أن نلاحظ أن له مخطوطين لم يطبعا هما: "المسند من مسائل أحمد بن حنبل" (انظر بروكلمان قسم ١، ص ٣١١) الذى رواه أبو بكر الخلال، ويحتمل أن يكون قطعة من "كتاب الجامع" (انظر ما سيأتي) وهو مهم فى دراسة آراء ابن حنبل السياسية الدينية؛ و"كتاب الأمر" الذى رواه غلام الخلال (مخطوط بالظاهرية).
وفى "كتاب الورع" (القاهرة سنة ١٣٤٠ هـ؛ وقد ترجم جزءًا منه G.H. Bosquet et P. Charles-Dominique Hesperis فى سنة ١٩٥٢ م، ص ٩٧ - ١١٢) نجد آراء أحمد فى مسائل يبدو فيها الورع لازمًا فى رأيه، وقد نسقت هذه الآراء فى صورة ملاحظات مرتبة ترتيبًا إجماليًا، وأضاف إليها راويها أبو بكر المروزي آراء الفقهاء الآخرين فى هذه المسائل نفسها أو فى مسائل تتصل بها مدافعا عن ذلك فيما يظهر ببيان أن أقوال أحمد فى الشبهات التى تساور أهل التقى وفى حياة الزهد والتعبد، يمكن أن تقارن بأقوال معاصرية إبراهيم بن أدهم، وفضيل بن عياض، أو ذى النون وترجحها. ومما يلاحظ أن هذا الكتاب (انظر Abd al-Jalil Aspects interieurs de l Islam ص ٢٢٨ تعليق ١٩٣) قد أمعن فى الاستشهاد به أبو طالب المكي فى كتابه "قوت القلوب"، كما نقل عنه بعد الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين".
المسائل: كان أحمد بن حنبل يرجع إليه فى المسائل التى تتصل بالعقائد والأخلاق والفقه على اختلاف أنواعها، ولعله لم يمنع تدوين آرائه منعًا قاطعًا كما تقرر بعض الروايات، وإن كان من المحقق أنه حذر سائله من تدوين آرائه إذ يحتمل فى هذه الحالة أن تحل محل قواعد السلوك التى مرجعها إلى القرآن والسنة. وهو يخالف الشافعى فى أنه لم يسع قط إلى عرضها عرضًا منتظمًا على اعتبار أنها داخلة فى مادة المذهب. ويجب أن ننظر إلى الغرض الأساسى من مذهبه على ضوء أنه ردة على تدوين الفقه. أما وقد كان الفقه
стр. 530
الإسلامى فى صورته الأولية شرعة تقوم فى أساسها على الرواية الشفوية تترك فى تفريعاتها العامة مجالًا واسعًا للاختلافات الشخصية، فإن أى تدوين منتظم لهذا الفقه -بفرضه مثلًا فى حدود تفكير فقيه بعينه من فقهائه أو تجميده بالتدوين- يغير من صفته الذاتية.
وكان تدوين ردوده على المسائل وترتيبها على الأبواب العامة للفقه من عمل ولديه صالح وعبد الله وعمل غيرهما من تلاميذ ابن حنبل الذين نذكرهم فيما يلى:
١ - إسحاق بن منصور الكوسج المتوفى سنة ٢٥١ هـ (٨٦٥ - ٨٦٦، الطبرى، ج ١، ص ١٣٣ - ١٣٥)؛ ٢ - أبا بكر الأثرم المتوفى سنة ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) أو سنة ٢٧٣ هـ (٨٨٦ - ٨٨٧ م؛ جـ ١، ص ٦٦ - ٧٤)؛ ٣ - حنبل بن إسحاق المتوفى سنة ٢٧٣ هـ (ج ١، ص ١٤٣ - ١٤٥)؛ ٤ - عبد الملك الميمونى المتوفى سنة ٢٧٤ هـ (٨٨٧ - ٨٨٨ م؛ ج ١، ص ٢١٢ - ٢١٦)؛ ٥ - أبا بكر المروذى المتوفى سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٨ - ٨٨٩؛ ج ١، ص ٥٦ - ٦٣)؛ ٦ - أبا داود (ج ١، ص ١٥٦ - ١٦٣، طبع بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ السجستانى المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، ج ١ ص ١٥٦ - ١٦٣، طبع بالقاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م)؛ ٧ - حربا الكرمانى المتوفى سنة ٢٨٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م؛ ج ١، ص ١٤٥ - ١٤٦)؛ ٨ - إبراهيم ابن إسحاق الحربي المتوفى سنة ٢٨٥ هـ (٨٩٨ - ٨٩٩ م؛ ج ١، ص ٨٦ - ٩٣). وثمة مجموعات أخرى أيضًا" ثم إن طبقات ابن أبى يعلى تشمل إجابات رد بها ابن حنبل على عدة زوار له.
وهذه المواد المتفرقة جمعها فى "كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد" تلميذ لأبي بكر المروذى هو المحدث أبو بكر الخلّال المتوفى سنة ١٣١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م) الذى كان يدرس ببغداد فى مسجد المهدى (الطبرى، ج ٢، ص ١٢ - ١٥؛ تاريخ بغداد، ج ٥، ص ١١٢ - ١١٣). وقد أحسن ابن تيمية تقدير ما كان للخلال من شأن، إذ قال (كتاب الإيمان، ص ١٥٨) إن مصنفه "كتاب السنة" هو أوفى مرجع ممكن لمعرفة "الأصول الدينية" فى عند أحمد بن حنبل،
стр. 531
كما أن مصنفه "كتاب فى العلم" هو أقيم خزانة يرجع اليها فى دراسة "الأصول الفقهية" عند أحمد. وهذه ألمصنفات هى بلا شك فروع لكتاب الجامع أو تناول جديد له. ويقول ابن قيم الجوزية (أعلام الموقعين، القاهرة، ج ١، ص ٣١) إن "كتاب الجامع" يقع فى عشرين مجلدًا. وهذا الكتاب، فيما نعلم الآن، مفقود إلا قطعة منه أشرنا إليها آنفا. على أنه تغلغل فى حصيلة ابن تيمية وابن قيم، ومن ثم فإن دراسة هذين الكاتبين تعوضنا بعض التعويض عن فقده إذ تعيننا هذه الدراسة على تقدير فكر ابن حنبل.
وقد أتم ما صنفه ابن الخلال تلميذه عبد العزيز ابن جعفر المتوفى سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٣ - ٩٧٤ م) الذى اشتهر بغلام الخلال، ولم يرض عبد العزيز فى جميع الأحوال بشروح شيخه لأفكار ابن حنبل، ومع أن مصنفه "زاد المسافر" هو دون "كتاب الجامع" شأنًا إلا أنه يشمل طائفة من الزيادات التى يرجع إليها فى كثير من الأحيان. والخلافات التى أبقى عليها هذا "المجموع" فى عرض أفكار ابن حنبل هى التى تفسر لماذا يفرق الحنابلة بين "نص" صاحب المذهب، والروايات المنسوبة إليه، و"التنبيهات" التى أدلى بها، وبين "الأوجاه" فحسب التى ارتآها تلاميذ ابن حنبل.
ويذكر ابن الجوزى له (المناقب، ص ١٩١) تفسيرًا يعتمد على مائة وعشرين ألف حديث، وغير ذلك من مصنفات فقدت الآن (انظر أيضًا Brockelmann، ج ١، ص ١٩٣؛ قسم ١، ص ٣٠٩ - ٣١٠).
٣ - مذهبه: عانى المذهب الحنبلى أحيانا من شغب بلِن بعض أتباعه نشأ من تعصب قليل فى النظرة، كما عانى من إسراف فى الحرفية التزمه أتباع آخرون عن جهل أو تحد، وقد تعرض فى مراحل تاريخه لعدة معارضين أقوياء من أهل المذاهب الأخرى المختلفة الذين تتعارض مبادئهم معه فكان هؤلاء إذا أمسكوا عن تعمد الانتقاص منه، اتحدوا فى مهاجمته أو أحاطوه بستار من الشكوك الماكرة. ولم يحفل مستشرقو الغرب به إلا قليلًا، ولم يكونوا فى حكمهم بأقل من ذلك شدة.
стр. 532
وقد أصبح الرأى المستقر هو أن مذهب ابن حنبل فيه قول بوجود الله مع المغالاة العنيفة فى الاستمساك بالتشبيه؛ وفيه سلفية ممعنة فى المذهبية إلى حد لا يمكن أن يتيح لها البقاء، وروح من التعصب مشتعل بالهياج العصبى، وافتقار أصيل إلى
التواؤم الاجتماعى، وضرب من العجز المقيم لتقبل النظام المقرر. والدراسة المباشرة لآثاره تدل على أننا يجب ألا نلتمس الأغراض المسيطرة على تعاليمه من هذه الأحكام العامة على مذهبه.
صفات الله: الله عند ابن حنبل هو الله الذى جاء فى القرآن. والاعتقاد بالله هو الاعتقاد بالصفات التى وصف بها نفسه فى كتابه. ومن ثم يجب أن نسلم بأن صفاته: السميع والبصير والمتكلم والقادر والمريد والحكيم وغيرها، هى حق، كما أن الصفات الأخرى جميعًا التى تدخل فى "المتشابه" -كالكلام عن يده وعرشه ووجوده فى كل مكان ورؤية المؤمنين له يوم البعث- كلها أيضًا حق. وأخذًا بالحديث يجب أن نسلم أيضًا بأن الله سبحانه يتنزل إلى السماء الدنيا فى ثلث الليل الأخير ليستمع إلى دعوات عباده, كما يجب أن نسلم فى الوقت نفسه بظاهر لفظ القرآن (سورة الإخلاص) إن يقول إن الله أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد؛ (كتاب السنة، ص ٣٧؛ كتاب المناقب، ص ١٥٥). ومن ثم أنكر ابن حنبل بشدة قول الجهمية بالتعطيل وتأويل القرآن والحديث، كما أنكر فى شدة لا تقل عن ذلك تشبيه المشبهة وسلك معهم فى مناظراته الجهمية راميًا إياهم بأنهم مشبهة بلا وعى منهم.
ويجب -فى عقيدة أحمد فى الله- أن يوْمن المرء بالله "بلا كيف" ويترك لله فهم أسراره تعالى، ويطرح دقائق علم الكلام فى تناوله للعقائد لأنها تنطوى على الغرور والخطر (كتاب السنة، ص ٣٧؛ المناقب، ص ١٥٥ - ١٥٦). وكان هذا الموقف غاية فى البساطة وغاية فى القوة أيضًا من حيث النظرة القرآنية حتى أن الأشعرى حين تخلى عن مذهب المعتزلة أخذ يسعى، إما عن لطف فى التدبير وإما عن تقبل
стр. 533
صادق النية، إلى الاستظلال براية ابن حنبل قبل أن يرجع إلى عقيدته الأولى فى أمور بعينها، وأخذ تلاميذه على تعاقبهم يتوسعون فى هذا الرجوع فى مسائل الصفات والقرآن وشرعية أقوال المتكلمين فى العقائد.
القرآن: والقرآن هو كلام الله غير مخلوق، وقولك إن القرآن كلام الله ووقوفك عند ذلك رفض لاتخاذ موقف، وهذا يدخلك فى زندقة الواقفية، وهى بحكم ما تثيره من شك إثم أكبر من زندقة أصرح من ذلك هى زندقة الجهمية (كتاب السنة، ص ٣٧ - ٣٨) ولا يفهم من القرآن أنه المعنى المجرد وحسب، بل يفهم منه أيضًا القرآن بحروفه وكلماته وتعابيره وأفكاره، القرآن فى واقعه الحى كله، وهو الذى تحير طبيعته فى ذاته أفهامنا.
اللفظ بالقرآن: من العسير أن نحدد موقف ابن حنبل من هذه المسألة، وتقرر بعض الروايات أنه كان يرى أن اللفظ بالقرآن غير مخلوق. وفى كتاب السنة (ص ٣٨) لا يزيد ابن حنبل على القول: "ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله فهو جهمى". وهو إذ يذم، من حيث المبدأ، اللفظية اللذين يقولون بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، لا يتخذ خطوة إيجابية أخرى فى تكوين مذهبه مما حير الحنابلة المتأخرين. ويرى ابن تيمية أن هذه المسألة هى أولى المسائل التى قام من حولها انقسام حق فى الرأى بين القدماء (انظر، Taymiyya Essoi sur ... bn H.Laoust ص ١٧٢)، ويقرر أن ابن حنبل توقف حيالها. ويسوق ابن تيمية نفسه فى رسالته "الواسطية" قاعدة تنطوى على الحذر بدت فى نظره متمشية مع روح المذهب الحنبلى: "إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه فى المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبلغًا مؤديًا".
أصول الفقه عنده: يخالف ابن حنبل الشافعى فى أنه لم يكتب رسالة فى أصول الفقه، ولا يمكن أن نسلم بأن الآثار المتأخرة المشهورة لمدرسته، وهى الآثار التى صنفت بإحكام العارف بأصول الصنعة فى جو من المناظرة مع
стр. 534
المذاهب الأخرى، تعبر عن أفكاره تعبيرًا دقيقًا. ذلك أن مذهبه هو نفسه، كما نستطيع أن نتبينه من "المسائل"، أكثر أولية من التخريجات المحكمة المتأخرة، ولكنه يتميز بأنه وضع المبادئ الأولى لأصول الفقه فى مذهبه.
القرآن والسنة: يقول مذهب ابن حنبل بأنه يعتمد فوق كل شئ على القرآن مع الأخذ فيه بظاهر اللفظ لا بالتأويل، كما يعتمد على الحديث. ويستفاد من رواية ابن حنبل نفسه (المسند، ج ١، ص ٥٦ - ٥٧) أنه كان يهدف إلى أن يجمع فى مسنده الأحاديث المشهورة فى زمانه. ومن ثم نجد فى مجموعته هذه، على حد مصطلحه هو، أحاديث ثبتت حجيتها على نحو سليم ومن ثم جاز أن تسمى "صحيحة"، وأحاديث ليس لها نصيب من القبول إلا ظن بحجيتها وما من سبب يقينى يدعو إلى رفضها باعتبارها "ضعيفة"، أو قل "أحاديث صحيحة" و "أحاديث حسنة" إذا أخذنا بالتصنيف الذى قرره الترمذى. وإنما حدث فى وقت متأخر عن ذلك كثيرًا، حين بلغ ابن الجوزى بنقد الحديث غاية الصرامة من حيث أصوله، أن وجه اللوم إلى ابن حنبل لقبوله أحاديث موضوعة، وقد نفى عنه هذه التهمة كثير من المحدثين مثل ابن تيمية وابن حجر العسقلانى. والرأى الذى أخذ يسود الآراء فى هذا الشأن هو أنه توجد فى المسند إلى جانب الأحاديث الصحيحة أحاديث حسنة "أو" "غريبة"، ومع ذلك فإن هذه الأحاديث الحسنة أو الغريبة ليس فيها مع التشدد ما لا يمكن قبوله.
فتاوى الصحابة والإجماع: وللقرآن والسنة تتمة تتمثل فى مرجع ثالث يستقى منهما ويكملهما وهو فتاوى الصحابة. والأسباب التى تدعم فى نظر أحمد شرعية هذا المرجع الجديد فى العقائد واضحة، هى أن الصحابة كانوا يعلمون ويدركون ويطبقون أحكام القرآن والسنة على نحو أسلم من الأجيال المتأخرة، وجميع هؤلاء الصحابة أهل للاحترام والتوقير. كما أن النبى ﷺ قد نصح المسلمين فى وصيته بأن يسيروا على سنته وعلى سنة الخلفاء الراشدين الذين سيخلفونه
стр. 535
وأن يتجنبوا جميع البدع. وحيثما اختلف الصحابة كان من اليسير التماس الرأى الأصوب بالرجوع إلى القرآن والسنة وإعلاء أحكامهما على كل حكم (المناقب، ص ١٦١).
أما من حيث التفضيل فإن أحمد بن حنبل قد بدأ بأبى بكر ثم عمر ثم أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر لأن كلا منهم أهل للخلافة وكلا منهم إمام، وهؤلاء هم: عثمان، وعلى، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، ثم من شهدوا بدرا، ثم المهاجرون ثم الأنصار (كتاب السنة، ص ٣٨؛ المناقب، ص ١٥٩ - ١٦١). وهذا المذهب السنى الذى يوفق بين الأقوال المتعارضة يعترف بفضل على وشرعية خلافته، ولكنه يرد أيضًا اعتبار خصومه وأولهم معاوية الذى كان شأنه فى التمكين للإسلام يشيد به الحنابلة دائما ولا يوجبون بالضرورة إهمال أحكامه.
وأحكام التابعين تستأهل أيضًا أن تدخل فى الاعتبار من حيث هى شاهد على التفسيرات الممدوحة. والإجماع فى مثل هذه المسائل العقائدية يعبر عن انعقاد الرأى على حقيقة تقوم على القرآن والسنة، ولكنه لا يكون فى ذاته، بالمعنى الصحيح، مصدرًا مستقلاً من مصادر الفقه. فالجماعة قد تقع فى الخطأ كلها إن لم تهتد بنور الوحى الذى أتى به الحديث (انظر ص ٢٣٩ - ٢٤٢).
وظيفة المفتى: أول واجب يفرض على المفتى هو الالتزام فى أمانة بالتراث الروحى الذى رواه الشيوخ، واجتناب آية نزعة للاستحداث أو الابتداع. ومن ثم ينكر ابن حنبل الرأى، أى التطوع بإبداء رأى شخصى (أبو داود: المسائل ص ٢٧٥ - ٢٧٧) ولكنه لم يجعل ذلك قاعدة من قواعد السلوك تقتضى الوقوف أمام النصوص موقفًا جامدًا بإطلاق يستحيل على المرء أن يقفه؛ ولم يرفض أحمد القياس ولكنه لم يقدر كل التقدير قيمته من حيث هو أداة لتكوين مذهب أو الكشف عن قاعدة كما فعل ابن تيمية وابن القيم من بعد متأثرين بمؤثرات عقلية.
وقد أكثر أحمد من الأخذ بالاستصحاب، وهو طريقة فى التدليل
стр. 536
تقوم على استدامة إثبات الحالة الفقهية ما لم تقم ظروف تقتضى تغييرها؛ وكذلك بالذرائع وهى طريقة أخرى فى التدليل، وذلك أن الله إذا كلف العباد أمرًا، فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهى الناس عن أمر، فكل ما يؤدى إلى الوقوع فيه حرام أيضًا. وفكرة "المصلحة" التى تبيح تحديد الحالة الفقهية أو التوسع فيها تنطبق أيضًا على مذهب أحمد، وان كان لم يفعل ما فعله ابن تيمية وتلميذه الطوفى من التوسع فى استعمالها وتنظيم هذا الاستعمال.
ولنكرر هنا تشبيها قال به ابن قيم فإنه فيما يبدو يملو خير تمثيل العناية المزدوجة التى أبداها ابن حنبل بالحديث وبالواقع: أن المفتى كالطبيب، فالطبيب يجب عليه أن يجعل علاجه موائمًا لحالة المريض, والمفتى يجب عليه أن يجتهد فى أن يستنبط من مراجع الفقه العلاج الخلقى الذى يجب أن يطبق على حالة بعينها. ومن ثم فإن شيوخ الحنابلة إذ كفوا بإطلاق عن فتح باب الاجتهاد فما ذلك إلا لأنهم رأوا أن استمرار الاجتهاد لا محيص عنه لفهم المبادئ الفقهية وتطبيقها.
الخلافة والعرب: إن آراء ابن حنبل السياسية: التى يرد بها أساسا على الخوارج والشيعة (الروافض) تؤكد أولًا وقبل كل شئ شرعية أن تكون الخلافة فى قريش: "والخلافة فى قريش ما بقى من الناس اثنان، ليس لأحد - من الناس أن ينازعهم فيها، ولا نقر لغيرهم إلى قيام الساعة؛ (كتاب السنة، ص ٣٥). وقد دافع عن العرب حين كانت الشعوبية محتدمة فى أيامه ولكنه لم يقل بتفوقهم: "ونعرف للعرب حقها وفضلها، وسابقتها، ونحبهم بمحبة رسول الله ﷺ . سب العرب نفاق، وبغضهم نفاق" (المصدر السابق، ص ٣٨)، نفاق لأن وراء هذا السب أو البغض كان يكمن غرض أخفى من ذلك، هو القضاء على الإسلام بإحياء الإمبراطوريات القديمة أو إعادة صور حضارية أخرى.
وقد اعتمد ابن حنبل على السنة التى سنها أبو بكر وعمر فى قوله بشرعية أن يعهد للخليفة إلى من يخلفه، على أن
стр. 537
أى عهد من هذا القبيل لا يكون ناجزًا إلا إذا أعقبته مبايعة يقسم فيها الإمام والممثلون المفوضون للرأى العام على الإخلاص المتبادل احترامًا لكلام الله (Essai، ص ٢٨٧) , أما رأى ابن حنبل فى واجبات الإمام فيتبع المخطوط
العامة للشروح الفقهية، وهو يترك للإمام، فى إطار أحكام القرآن والسنة، حرية واسعة فى أن يتخذ للمصلحة جميع ما يراه ضروريا للنهوض المادى والأدبى بالمجتمع. وفى هذا تكمن بذرة للك الفكرة الهامة ألا وهى "السياسة الشرعية" التى أصّلها ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية.
وأعضاء الجماعة يدينون بالطاعة للإمام، فلا يجوز لهم المعارضة فى حكمته "والجهاد ماض، قائم مع الإمام، بر، أو فاجرًا، ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل. والجمعة والحج والعيدان: مع الأئمة، وإن لم يكونوا بررة عدولًا أتقياء. ودفع الصدقات. والأعشار والخراج والفئ، والغنائم: إلى الأمراء، عدلوا فيها أو جاروا" (كتاب السنة، ص ٣٥). فإذا سعى الأمير إلى معصية الله وجب أن يواجه فى هذا الشأن بعدم الطاعة، بلا دعوة إلى إثارة فنتة مسلحة لا يمكن تبريرها ما دام الإمام يقيم الصلاة فى أوقاتها. على أن كل عضو من أعضاء الجماعة عليه واجب آخر هو أن يأمر، فى حدود علمه وقدرته، بالمعروف وينهى عن المنكر. ومن ثم وجب على الفقهاء، بحكم ولا يتهم، أن يحيوا السنة وأن يجعلوا الرأى العام متيقظًا دائمًا، ويفرضوا على الإمام اتباع أحكام الدين دون أن يخرجوا عن حدود الطاعة له.
روح الجماعة: تقوم سياسة أحمد على لم شمل الجماعة ووحدة العقيدة، وهو يعارض فكرة الجماعة فى الفتنة، بل لقد ذهب فى مسألة "التكفير" إلى حد اتخاذ موقف سمح فيه شئ من تساهل المرجئة، ذلك أنه يقول بأنه لا ينبغي أن يخرج عن الإسلام أى مسلم يرتكب الذنب إلا إذا استند فى ذلك على حديث يؤخذ بظاهر لفظه (كتاب السنة، ص ٣٥ - ٣٦)، ولا يذكر فى هذا الخصوص إلا ثلاثة ذنوب تقتضى التكفير وهى: ترك الصلاة، وشرب الخمر، ونشر الآراء المتزندقة التى
стр. 538
تعارض عقائد الإسلام، واقتصر فى ذكر الزنادقة على الجهمية والقدرية. أما عن التكفير بمعناه الصحيح فهو يستعيض عنه بالكف المستمر عن معاشرة الزنادقة فى نطاق الجماعة: "ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على من مات منهم" (كتاب السنة، ص ٣٥ - ٣٦).
الأخلاق: يسيطر التشدد فى المسائل الخلقية على مذهب ابن حنبل سيطرة تامة، فعنده أن غاية الأفعال هى غبادة الله. وهو يقرر بما يخالف المرجئة أن الإيمان "قول وعمل ونية وتمسك بالسنة" (كتاب السنة، ص ٣٤). ومن ثم فالإيمان "يزيد وينقص"، وهو يقتضى ارتباطا كاملا من المخلوق حتى أن أى مؤمن لا يستطيع أن يقرر شيئًا إلا على الاستثناء فيستدرك: "إن شاء الله". ونخرج من هذا بأن الإيمان ليس جملة من الشعائر وإنما هو يقتضى مجموعة معقدة من العقائد الخلقية، يقتضى: إخلاصًا تامًا فى عبادة الله، وإنكارًا للدنيا، وتهذيبًا للمشاعر، ونزعة إلى الزهد، وشجاعة أدبية تقوم على ترك ما تحب إلى ما تخشى (الفتوة)؛ وخشية لله، وعقلا متشككًا يتجنب الشبهات (المناقب، ص ١٩٤ - ٢٦٩). ومن ثم فإن عقيدة ابن حنبل ليس فيها شئ من الفيهقة التى تستمسك فى أمور الشرع بالحرفية.
العبادات والمعاملات: ليس المقام - هنا مقام التحليل المستفيض للأحكام الأصولية التى تكون "الفروع" عند ابن حنبل فى الميدانين اللذين يندرجان تحت هذه الفروع وهما العبادات والمعاملات أو العادات، ذلك أن العرض المنهجى لها الذى ورد فى المختصر للخرقى لم يزد على نقل آراء فريدة لابن حنبل وترتيب محدود لأرائه. ويصدق هذا على كتاب العمدة لابن قدامه، على قيمته بالنسبة لمن يريد أن يعرف شيئًا عن المذهب الحنبلى فى القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى (انظر Precis de droit d lbr Qudama، دمشق سنة ١٩٥٠ م).
ولكن ثمة قاعدة هامة جدًا أبرزها ابن تيمية، وهى فيما يبدو لنا تمثل الحنبلية الأولى: ما من شئ يمكن أن
стр. 539
يقال إنه يفرض على الناس واجبات اجتماعية إلا العبادات التى أمر بها الله صراحة، ثم العكس، وهو: ما من شئ حرمه الشرع إلا العبادات التى حرمها الله فى القرآن وفى السنة، وهذا هو المبدأ الذى أجمله ابن تيمية قائلًا قولته "توقيف فى العبادات وعفو فى المعاملات" أى الصرامة المسرفة فى تطبيق العبادات والسماحة الواسعة فى جميع مسائل المعاملات (Essai، ص ٤٤٤)، ولذلك يجب أن تترك حرية واسعة للطرفين فى وضع شروط العقد وخاصة فيما يتعلق بالإجراءات بحيث لا يمكن إلغاء آية أحكام فيه إلا إذا كانت مخالفة لصريح القرآن والسنة فى الميسر والربا. وقد رد ابن حنبل فى كتاب السنة (ص ٣٨) على المحاسبى فى قوله بأن السعى الحر إلى الربح الشريف واجب دينى.
على أنه فى العبادات لم يقل إلا بشرعية ما نص عليه القرآن والسنة وعلى الوجه الذى جاء به هذا النص. ولا يرجع تشدد المذهب الحنبلى إلى روح التعبد والعناية بالتفاصيل التى يسعى هذا المذهب إلى مراعاتها فى أداء الفرائض الدينية، بقدر ما يرجع إلى إنكاره الاعتراف بأية قيمة شرعية لصور العبادة التى استحدثها "اجتهاد" الزهاد والمتصوفة، أو حتى بالأحكام الاعتسافية التى تحكم بها السلطات الإدارية. وهذه النظرة المعادية للبدع (بقايا الوثنية، وما ابتدعته الأجيال المتأخرة، وتسللات الحضارات الدخيلة) قد تجلت بعنف شديد فى البربهارية والوهابية الأولى.
المصادر:
التراجم:
(١) فصل فى كتاب أبى بكر الخلال المتوفى سنة ١٣١ هـ (٩٢٣ - ٩٢٤ م) عن تاريخ المذهب الحنبلى، لم يبق منه إلا صفحات قلائل فى المكتبة الظاهرية بدمشق.
(٣) كتيب أبى بكر البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٥ - ١٠٦٦ م) وقد استشهد ابن الأثير فى مصنفه البداية، ج ١٠، ص ٢٣٤ - ٢٤٣، بفقرات كبيرة منه (وثمة ترجمة منسوبة أيضًا للهروى المتوفى سنة ٤٨١ هـ الموافقة ١٠٨٨ - ١٠٨٨ م)؛ وهنالك سيرتان موسعتان هما:
стр. 540
(٣) ابن الجوزى: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، القاهرة سنة ١٣٤٩ هـ = ١٩٣١ م.
(٤) الذهبي: قطعة من تاريخه الكبير، نشرها منفصلة أحمد محمد شاكر: ترجمة الإمام أحمد، القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م أعيد طبعها فى المجلد الأول من المسند). وهاتان الترجمتان تشتملان على وثائق وافرة ترجع إلى ولدى ابن حنبل وتلاميذه الأولين، ومع ذلك فإنه يغلب عليهما المديح وتفتقران إلى ضبط التواريخ.
دراسات:
(٥) Ahmed ibn Hanbal: W.M.Patton and the Mihna، ليدن سنة ١٨٩٧ م.
(٦) Goldziher: : Zur Geschichte handalitsischen Bewgungen فى zeitschr، Morgenel .Gesells der Deutsch سنة ١٩٨، ص ١ - ٢٨.
(٧) مادة أحمد بن حنبل فى الطبعة الأولى وهى مثبتة قبل هذه المادة الجديدة.
(٨) محمد أبو زهرة: ابن حنبل، القاهرة سنة ١٩٤٩ م.
خورشيد ﴿لاوست، H.Laoust]
الأخطل
شاعر عربى نصرانى، ولد فى حدود عام ٦٤٠ م بالحيرة (الأغانى؛ ج ٧، ص ١٧٠) أو فى صحراء الشام غير بعيد من الرصافة حيث كانت تنزل عشيرته (انظر ديوان الأخطلء طبعة سنة ١٨٩١ - ١٨٩٢، ص ٨٢، س ١؛ الأغانى، ج ١١، ص ٥٥ - ٦٠)، وهو غِياث بن الصَلْت بن طاِرقة، وينتسب إلى عشيرة بنى جُشَم بن بكر التغلبية (الديوان ص ١٧٦، ١٧٨؛ الأغانى، ج ٧، ص ١٦٩؛ مجلة المشرق، سنة ١٩٠٤، ص ٤٧٩) وهى من أشهر عشائر العرب. وكانت أمه ليلى من قبيلة إياد النصرانية، ولما كان قد اختار لنفسه لقب "الأخطل" فلا بد أنه لم ير فيه ما يكره. ودعاه خصومه بـ "دَوْبَل" (الديوان ص ١) وكنى باسم ابنه الأكبر مالك. وقد عاش ومات نصرانيًا لأنه انحدر من قبيلة تغلب النصرانية. وإذا أحوجنا الأمر إلى دليل فحسبنا هجاء جرير له، ولا نجد للنصرانية فى ديوانه إلا أثرًا ضئيلًا، بل هى لم تمسس قرارة نفسه شأن جميع الأديان بين الأعراب.
стр. 541
وقد ورد فى ديوانه ذكر القديس سرجون والصليب والرهبان والدعوات النصرانية؛ ويقابل هذا بعض العبارات الإسلامية الشائعة التى تدلنا على أثر البيئة الإسلامية فيه (الديوان، ص ١، ٧٨، ١١٩، ١٨٤، ٢٠٤؛ ديوانه طبعة سنة ١٩٠٥، ص ١٧١، س ٦؛ الأغانى ج ٧، ص ١٧٣). وكان يظهر بين الناس وفى عنقه صليب من ذهب على عادة النصارى من الأعراب، ويولّى وجهه شطر المشرق فى صلاته. وكان يتناول القربان المقدس ويقبل بخضوع ما كان يفرضه عليه كاهنه من عقوبات علنية.
ولما دعاه الخليفة إلى الإسلام رفض فى إباء (الديوان ص ١٥٤) وهجا خصومه من المسلمين بقوله: "فما الدين حاولتم ولكن دعاكم إلى الدين جوع" (الديوان، ص ٣١٥، س ١٣) ومع ذلك فلم يكن أكثر مراعاة للتعاليم النصرانية، ذلك أنه طلق امرأته ثم تزوج طالقًا وتلك سنة شائعة عند النصارى من العرب. ولنا أن نتساءل: هل عاشر الأخطل قينة حباه بها ابن زياد؟ (الديوان، ص ١٨١، س ١٣) يقول ذلك مركوليوث، ولكنه لم يقم الدليل عليه (Mohammed: Margoliouth ص ٤٠). وكان الأخطل مسرفًا فى الشراب، وهو أمر لم يتأثر فيه بالأقدمين الذين عرفهم وقلدهم، بل كان يشرب لأن النصارى رأوا فى الخمر ما يميزهم عن المسلمين. على أن الأخطل كان يرى هو وكثير من رفاقه من المسلمين (الأغانى، ج ٨، ص ١٥؛ جـ ٩، ص ٨٨، ج ١١، ص ٣٩) أن الخمر مصدر للإلهام الشعرى. فكان يختلف فى نفر من بنى هاشم وابن لعثمان (الديوان، ص ٢٧، س ٦؛ ديوانه المطبوع سنة ١٩٠٥، ص ١٧٤) إلى حوانيت الخمر. ويظهر أنه من العسير أن نغتفر له اتصاله بالقيان الفاجرات طوال حياته إن تسامحنا فغفرنا له نسيبه وهو حب عذرى لا فحش فيه أصبح من موضوعات الشعر المألوفة (مجلة المشرق ص ٤٧٩). وديوانه عفيف؛ عدا بعض أبيات واقعية إلى حد بعيد (انظر ديوانه طبعة سنة ١٩٠٥ م، ص ١٠٥، ١٠٦، ١٠٩، ١١٠، ١٦٥، س ١٥). وأى شئ هى إذا قيست بما عرف عن فحش العرب فى الهجاء؟ وحسبنا هجاء جرير
стр. 542
والفرزدق وحميدة الأنصارية، (الأغانى، ج ٨، ص ١٣٩ - ١٤٠). وكان الأخطل -شأن بنى تغلب- ممن أخذوا بمذهب الطبيعة الواحدة، ولم يمنعه هذا من أن يكون صديقًا لأسرة ابن سرجون الملكانية ذات النفوذ الواسع.
ولما طلب يزيد بن معاوية إلى كعب ابن جُعَيْل شاعر الأمويين أن يهجو الأنصار، أشار عليه بشاعر حدث من قبيلته هو الأخطل، فوفق الأخطل إلى هجاء مقذع (الديوان، ص ١٣٤) كاد يودى بحياته لولا تدخل يزيد. ومنذ ذلك العهد شارك الخليفة مائدته وصحبه إلى مكة، وشرع فى مدح الأمويين: يزيد وعبد الله بن معاوية (انظر شروح ديوانه، ص ١٦٧، ١٧٦، وانظر أيضًا ديوانه المطبوع عام ١٩٠٥، ص ٦٣ - ٧٢؛ ومع ذلك فقد ذكرت فيه وقعة مرج راهط التى وقعت بعد عهد يزيد) وخالد بن يزيد، وكذلك عمالهم: زياد وأبنائه والحجاج وغيرهم. ولما اتخذه عبد الملك شاعرًا للدولة الأموية (الأغانى؛ ج ١٢، ص ١٧٢، ١٧٦) أخذ يتغنى بمدح هذا الخليفة وأقربائه: عمر ابن عبد العزيز وابنيه الوليد وسليمان. نم أشاد بذكر عثصان (الديوان، ص ٣٩ س ٦؛ ١٩٢ - ١٩٤). وهجا أعداءهم من العلويين وآل الزبير والأنصار (الديوان، ص ٥٨ - ٦٤، ٧٣ - ٧٦، ٩٣ - ٩٤، ٢٦٤، ٢٧٧، ٢٧٨، ٢٨٩ وما بعدها) والقيسية، الله بن خاصموا بنى مروان منذ وقعة مرج راهط. فياله هن شاعر سياسى يقربه أصحاب السلطان ويخشاه المعارضون! ولأشعاره فى هذه الناحية قيمة تاريخية عظيمة نجد فيها آثار الجاهلية ونزعات عصره؛ كما أظهرنا بترفعه واستقلاله على تسامح الأمويين الذين كانوا عربًا قبل أن يكونوا مسلمين. (المشرق، ص ٤٧٨؛ ٤٨٢). بيان الأثر الذى تركه هذا النصرانى يمثل لنا مظهرًا من مظاهر عصر الانتقال الله الذى كانت تمر به الأمة العربية فى ذلك الوقت. وجاء فى ديوانه (طبعة سنة ١٩٠٥. ص ١٧٠ - ١٧١) أن عبد الله ابن جرير البَجَلى (وليس الجبلى كما فى هذه الطبعة) قد انضم نهائيًا إلى الأمويين. وظلت الخصومة بين الأخطل وجرير حية فى تاريخ الأدب. وكان الأول قد تفوق بصفة عامة
стр. 543
على خصمه جرير الذى كان أقل منه اقذاعا وأكثر لغوًا، ونقائضهما موضوع إقذاعًا. ويؤلف الأخطل وجرير والفرزدق "الطبقة الأولى" من الشعراء، وهى طبقة متفردة لم يجد نقاد العرب منذ ظهور الإسلام ما يقارن بها. ولكن النقاد لا يتفقون دائما فى المفاضلة بين هؤلاء الشعراء، والواقع أن هذا الموضوع كان مثار مناقشات متصلة عند نحاة العصر العباسى (البيهقى: المحاسن، ص ٤٥٧). فلو لم يكن الأخطل نصرانيًا هاجم الإسلام فى أشعاره لأجمع هؤلاء النحاة على تفضيله. وأسلوب الأخطل جزل رصين يذكرنا بالشعر الجاهلى؛ وشعره فى الهجاء والخمريات لا يضارعه فيه أحد. أما فى المدح فقد سمت به شاعريته إلى مرتبة لم يبلغها أضرابه الذين أسفّوا فى المدح. ونجد فى هذا التغلبى أخلاق رجل البلاط، مع أن نظرته للحياة كانت نظرة البدوى الذى يؤثر الظعن على الإقامة فى دمشق (الديوان، ص ١٢١، س ٦) ونعتقد أن ندرة ما فى أشعاره من الفحش الذى انغمس فيه أضرابه تفصح عن نصرانيته أكثر مما يفصح عنها حديثه. ولهذا استطاع الأخطل أن يقول كما قال نُصَيْب (الأغانى، ج ١، ص ١٤٥) أن الفتاة العذراء لا تتحرج من قراءة ديوانه. ويمكننا أن نأخذ عليه - كما نأخذ على الشَمّاخ والحُطَيْئَة (الأغانى، ج ٨، ص ١٠٢) - التكلف الظاهر فى بعض قصائده وجمودها والتواءها: فلم يكن الأخطل شاعرًا مطبوعًا، بل لم يحرص على أن يكون كذلك. وتعتبر قصيدته فى مدح الأمويين درة اشعاره (الديوان، ص ٩٨ - ١١٢) نجد فيها ذلك البيت الذى مجد فيه حلم خلفائهم:
شمْسُ العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلامًا إذا قدروا
(الديوان، ص ١٠٤، س ٨). وإذا كان الأخطل قد قلد القدماء وانتهب أشعارهم، فإنه لم ينتهبها قط بتلك الصفاقة التى عرفت عن الفرزدق؛ وهو يتغنى فى جزء من ديوانه (الديوان، ص ١٦، ١٢٩، ١٣٣، ١٣٥، ٢٦٨ - ٢٦٩؛ ديوانه المطبوع عام ١٩٠٥، ص ١٦٧ - ١٦٩؛ وانظر أيضًا أشعار القُطَامى ص ٢، ٨، ٩، ١٠، ١٣) بتقلبات حروب قبيلته مع القيسية الذين ناصروهم على كلب بادئ الأمر. واشترك الأخطل فى هذه
стр. 544
الحروب وفقد فيها ابنه، وهو يؤكد لنا أنه أظهر فى تلك الحروب شجاعة نادرة (الديوان، ص ٢٧) وكم فى هذا الفخر من مبالغة؛ فلم يكن الأخطل من رجال الحرب، ذلك أنه فر من النزال الدموى يوم البِشْر وكان هو مثيره بإقذاعه فى الهجاء (القطامى ص ٢٣، س ٤٠، ٤٣). ولما تخلى عبد الملك بن مروان عن حمايته أنشد:
فإن لا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مُسْتَمَاز ومَزْحَل
(الديوان، ص ١١) وهو بيت فيه ثورة لايدانيه إلا البيت الذى أعلن فيه الأخطل أن عبد الله بن سعيد بن العاص التغلبى الخامل الذكر أهل للإمارة، وكان هذا أخا لرجل حاول خلع الخليفة عبد الملك. على أن جرأة الأخطل لم تفقده رضا الخليفة. وكان الوليد الأول (ولم يكن شاعره عدىّ بن الرقاع متحمسًا فى إعجابه بالأخطل؛ انظر الأغانى، ج ٨، ص ١٧٩، ١٨٤) وإن قل حظه من الثقافة يظهر غيرة على الإسلام (الأغانى، ج ٧، ص ٦٩، س ٢). وقد احتكم بنو بكر وبنو تغلب إلى الأخطل -وكان النزاع قد نشب بينهما منذ رقت طويل (الديوان، طبعة سنة ١٩٠٥ م، ص ١٦١ - ١٦٢) - فنطق الأخطل بحكمه فى المسجد.
ولاشك أن الأخطل قد توفى قبل نهاية عهد الوليد بن عبد الملك، بينما يقول ابن عبد ربه (العقد الفريد، ج ١، ص ١٥٥، ج ٢، ص ٧٠). أن العمر قد امتد به إلى عهد عمر بن عبد العزيز، ولاشك فى أنه خدع فى ذلك بأبيات (الديوان، ص ٢٧٧ - ٢٧٨) قيلت قبل ولاية عمر. وإذا صح لنا أن نجعل وفاته حوالى عام ٦٤٠ م فإن الأخطل يكون قد بلغ عامه السبعين، وتكون حياته الشعرية قد دامت أربعين سنة تقريبًا. ولم يذكر له أحفاد.
المصادر:
(١) صالحانى: ديوان الأخطل، بيروت سنة ١٨٩١ - ١٨٩٢ م.
(٢) صالحانى: ديوان الأخطل، وهو صورة شمسية طبعت عن نسخة مخطوطة بغداد، بيروت سنة ١٩٠٥ م.
(٣) صالحانى: مجلة المشرق، سنة ١٩٠٤، ص ٤٧٥ وما بعدها.
стр. 545
(٤) الأغانى، مواضع مختلفة لاسيما جـ ٧، ص ١٦٩ - ١٨٨.
(٥) ابن قتيبة: كتاب الشمر، طبعة ده غويه، ص ٢٨٦.
(٦) السيوطى: المزهر، جـ ٢، ص ٢١٧.
(٧) ابن عبد ربه: العقد، جـ ٢، ص ٥٣.
(٨) باريس سنة ١٨٩٥ م، ص ١ - ٢٠٨) مقتطف من المجلة الأسيوية، سنة ١٨٩٥ م.
(٩) (مقتطف من مجلة سنة ١٩٠٤)
(١٠) e ٣ rw,.nmauceMo'awn - d Kwide: Vficocr ص ٣٩٧ - ٤٠٤.
(١١) des Mora جـ ٥، ص ١٦٠ وما بعدها، جـ ١٥، ص ١ وما بعدها.
[لامنس]
+ الأخطل: لقب الشاعر العربى غياث بن غَوْث بن الصَلْت الذى توفى فيما يرجح قبل عام ٩٢ هـ (٧١٠ م). وهو ينتسب إلى قبيلة تغلب الكييرة التى كانت تنزل شمالى الشام وظلت جميعًا النصرانية آخذة بمذهب الطييعة الواحدة. وقد ارتبط من ناحية أمه لبلى بقبيلة نصرانية أخرى هى قبيلة إياد.
ولد الأخطل إما فى الحيرة (انطر الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٧، ص ١٧٠) وإما بالقرب من الرصافة ولا نعرف تاريخ ولادته على التحقيق، ولعله كان حوالى سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م)؛ وظل الأخطل على النصرانية طوال حياته، فلم يتأثر بما بذل وجوه بنى أمية من جهود لإدخاله فى الإسلام.
ومع أنه كان يقول بالطبيعة الواحدة للمسيح، إلا أنه احتقط بعلاقاته الطيبة مع أسرة سَرْجُون الملكانية. وتثبت بعض سماته فى شعره غيرته على مذهبه، بل هى تعبر عن بعض الفخر باستمساكه به (ديوانه، فى مواضع مختلفة). على أن القيم الخلقية التى كان
стр. 546
يؤمن بها لم تكن تختلف اختلافا بينًا عن قيم المجتمع الذى عاش فيه. فهو قد هجر زوجته وتزوج من امرأة مطلقة. والظاهر أنه كان مدمنًا على الشراب ينفق وقته فى الحانات مع قيان مغنيات مستهترات.
وكان الأخطل يتقلب مع الأسر الحاكمة، ففى عهد معاوية غاص فى لجج السياسة، وكان يلزم صحبة يزيده الأول ويثنى عليه فى مدائحه، وكذلك كان شأنه مع غير يزيد من وجوه القوم مثل زياد والحجاج. وفى عهد عبد الملك أصبح فى واقع الأمر الشاعر الرسمى للخليقة (الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٧، ص ١٧٢ - ١٧٦). وظل فى خدمة خلفاء عبد الملك وحمل فى شعره على جميع خصوم الأمويين (انظر الديوان، ص ٥٨، ٧٣، ٩٣، ٢٠٤، ٢٧٧ وما بعدها) وقد بين لامنس بجلاء القيمة التاريخية لهذا الشعر.
وقد استغرق حياة شاعرنا العملية كلها التهاجى باللفظ بينه وبين معاصره الشاعر جرير - وقد ناصره فى هجائه هذا الفرزدق للخصومة التى كانت قائمة بين هذا الشاعر وجرير، مع أن الفرزدق كان أيضًا تميميًا كجرير. ويكاد يكون من المستحيل أن نفصل بين أخبار هؤلاء الرجال الثلاثة. ومن الواضح أن الأخطل وجريرا قد احتفظا فى هذا المجال بسنة الجاهلية ولم يخرجا عن التعبير عن مشاعر قبيلهما الخاص. وتبين أشعار الأخطل فى هذا الشأن كيف تنبثق الموضوعات البدوية القديمة من ثنايا الستار الدينى الذى يغشاها.
ويبدو أن الأخطل لم ينل من الحظوة فى عهد الوليد الأول مثل ما نال من قبل (انظر الأغانى، جـ ٧، ص ١٧٩ وما بعدها) والراجح أنه توفى قبيل نهاية خلافة الوليد ولم يعقب.
وقد انتهت إلينا أشعار الأخطل برواية السُكّرى الذى صنفها مستعينًا بالمادة التى جمعها ابن الأعرابى (انظر، قسم ١، ص ٩٤؛ الفهرست ص ٧٨، ١٥٨) - وهذه الرواية ميسورة فى طبعات غير مستوفاة، فنجد طبعة صالحانى لديوان الأخطل (بيروت سنة ١٨٩١ - ١٨٩٢ م) قد
стр. 547
أكمل بعضها صالحانى نفسه فى طبعته للديوان ببيروت سنة ١٩٠٥ م (صورة شمسية من مخطوط بغداد) وكرفينى فى طبعته للديوان ببيروت سنة ١٩٠٦ م (نقلا عن مخطوط اليمن). وأراد الشاعر أبو تمام أن يجئ بمقابل للنقائض بين جرير والفرزدق فجمع فى القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع الميلادى) النقائض بين جرير والأخطل وسماها "نقائض جرير والأخطل" وهى تسوق المنابذات الكلامية بين الغريمين، وثمة مخطوط من مصنفه هذا فى إستانبول.
وأشعار الأخطل مثل أشعار جرير والفرزدق تكمن جذورها فى الحوادث المعاصرة، وهى تصور ثارات عصرهم وخصوماته السياسية، وتتمثل فيها دائما التقاليد البدوية. ويشمل ديوان الأخطل مدائح فى صورة القصائد وطائفة كبيرة من شعر الحكمة. وتشبه قوالبه الشعرية ومصطلحاته الجامدة ولغته سائر الشعراء المعاصرين إلا فى القليل. ومن المرجح كثيرًا (كما قال بشار) إن الصيت الذى ناله الأخطل فى حياته كان مرجعه إلى افتتان عرب ربيعة به لأنهم طربوا إذ وجدوا فيه نصيرًا قويًا يقف فى وجه عرب بكر وتميم (انظر المَرْزُبانى: الموشح، ص ١٣٨). فلما حدث بعد أن أقامت الأوساط الأدبية فى العراق لها مثالًا فى الشعر، جرى الذوق الغالب على الموازنة بين شعر الأخطل والفرزدق وجرير؛ واستسلم الناس لهذا الذوق فى "التقييم النسبى للمزايا" الذى غلب على العلماء المشارقة فى القرون الوسطى، وقد أصبح هذا اللون من الموازنة النقدية موضوعًا ملحًا للمناظرة استعرضه الهمذانى فى مقاماته التى كتبها فى أواخر القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). ويجوز أنه حدث فى تاريخ متقدم يرجع إلى نهاية القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) أو إلى أوائل القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) أن أظهر نحويو البصرة والكوفة ولغويوهما تفضيلهم للأخطل (انظر أحكام أبى عبيدة، والأصمعى، وحماد الراوية التى ذكرها الأغانى على سبيل المقارنة، جـ ٨ من الطبعة الثالثة، ص ٨٤، وما بعدها، ٢٩١، ٣٠٥).
стр. 548
والظاهر أن الأخطل لم يحتفظ بمكانته فى الأدب العربى فى نظر الأجيال المتأخرة (مثال ذلك الرأى الذى يجنح إلى الحذر الذى أبداه طه حسين فى كتابه "حديث الأربعاء"، جـ ٢، ص ٧٧ وما بعدها). وحتى اليوم لم يكن الأخطل موضوع دراسات فى الغرب إلا من حيث سيرته.
المصادر:
(١) الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٧، ص ١٦٩ - ١٨٨ = الأغانى الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٢٨٠ - ٣٢٠.
(٢) المرزبانى: الموشح، ص ١٣٢ وما بعدها.
(٣) Notice sur: Caussin de Perceval les poetes Akhtal, Ferazdaq et j، ar فى. Jour. As جـ ١٣، ص ٢٨٩ وما بعدها؛ جـ ١٥, ص ٥ وما بعدها.
(٤) فى، سنة ١٨٩٤، ص ٩٤ - ١٧٦، ١٩٣ - ٢٤١، ٣٨١ - ٤٦٥.
(٥) الكاتب نفسه Omayade Mo'awia Ter عنم regne du Calife, بيروت، سنة ١٩٠٨ م، ص ٣٩٧ - ٤٠٤.
(٦) Der Wein in al-: ١. Krachkowskiy Fests-: G. Jacob ,i Akhtal's Gedischter chr ص ١٤٦ - ١٦٤.
(٧) وثمة تفصيلات أخرى فى بروكلمان، جـ ١، ص ٤٩ - ٥٢؛ قسم ١، ص ٨٣ وما بعدها.
(٨) Raccolta di Scritti: C.A. Nallino . جـ ٦، ص ٧٣ - ٧٦ La Litterature) -arabe des origins a ١'epoque de la dy .umayyade ءْ nastie, ترجمة بلا، باريس سنة ١٩٥٠ م، ص ١١٥ - ١٢٠)
خورشيد [بلاشير R. Blachere]
أخلاق
" أخلاق" جمع خُلُق: والأخلاق هى صفات الإنسان الأدبية، وعلم الأخلاق هو هذه الصفات معروضة على وجه تعليمى .. ونجد كثيرًا من النبذ عن الأخلاق فى عدة فروع مختلفة من كتب الأدب: نجدها عند الشعراء، ونجدها فى
стр. 549
الأمثال والقصص؛ ولا حاجة بنا إلى القول بأننا نجدها فى القرآن وتفاسيره وفى الأحاديث؛ ونجدها كذلك عند الفقهاء الذين تبدو الأخلاق عندهم يحثًا فى حالات الضمير الجزئية (١) ونجدها أخيرا عند المؤرخين ورواة الأخبار الذين يتحدثون عن الأخلاق كلما دعت الظروف إلي ذلك. ولكن علم الأخلاق منفصل عن كل هذا قائم بذاته، وليس مقتطفًا من مختلف المصنفات. هو فى الحقيقة علم يتصل بالمتوارث من الفلسفة اليونانية، سواء أكانت هذه الوراثة شفوية نقلتها المدارس الفلسفية والأديرة فى مصر والشام وفارس، أم كانت مدونة فى الكعب التى وصلت إلينا والتى أحياها المترجمون.
وقد عرف حاجى خليفة علم الأخلاق فقال: "قسم من الحكمة العملية" (حاجى خليفة، طبعة فلوكل جـ ١، ص ٢٠٠) وهذا التعريف يتضمن التفريق بين الفلسفة العملية والفلسفة النظرية، وهو أمر سبق وجوده عند أفلاطون، ولكن العرب عرفوه بصفة خاصة من المدارس الفلسفية المختلفة التى تناقلت فيما بينها هذا الرأى. وأضاف حاجى خليفة راويًا عن ابن صدر الدين الشروانى المتوفى عام ١٠٣٦ هـ (١٦٢٦ - ١٦٢٧ م) وهو قاض من أصحاب الوزير نصوح ومؤلف كتاب "الفوائد الخاقانية" أن علم الأخلاق: "هو علم بالفضائل وكيفية اقتنائها لتتجلى النفس بها، وبالرذائل وكيفية توقيها لتتخلى عنها. فموضوعه الأخلاق والملكات والنفس الناطقة من حيث الاتصاف بها" وهذا القول يحد إذن علم الأخلاق فى دراسة منهجية للفضائل والرذائل، وبذلك لا يكون علم الأخلاق سوى الفلسفة الخلقية المعروفة عند المشائين.
وهناك اعتراض مبدئى يوجه إلى إمكان تحقق جزء من هذا العلم: ذلك أنه لما كان خلق كل إنسان هو قوام شخصه وذاته، فإنه يبدو أن الخلق مغروز فى طبيعة الإنسان نفسه
стр. 550
ولا يمكن أن يتغير. فيمكن إذًا أن يوجد علم يصف هذه الأخلاق، ولكن لا يمكن أن توجد صناعة تغيرها.
ينسب حاجى خليفة هذا الاعتراض إلى ابن صدر الدين، ونجده عند كثير من علماء الأخلاق: عند يحيى بن عدى والغزالى ونصير الدين الطوسى مثلاً.
وقد دعم ابن صدر الدين هذا الاعتراض بقوله المحكم: "السيرة تقابل الصورة وهى لا تتغير". وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأن الأخلاق بعضها طبيعى والبعض الآخر مكتسب بالعادة فأما الطبيعى فهو ثابت، وأما المكتسب بالعادة فيمكن تغييره. وهذا القول الذى يتقق مع المتوارث من الفلسفة الإغريقية يؤيده الحديث الشريف: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، . وهذه الشبهة والرد عليها نجدهما بالتقريب عند الغزالى ولكن فى صورة أكثر قوة وتفصيلاً.
ويجب أن لا نخلط علم الأخلاق -كما سبق تعريفه- بما سماه العرب "الأدب". فالأدب أقل عمقًا من علم الأخلاق وأكثر شمولًا منه؛ لأن معنى هذا اللفظ يتضمن ثقافة أدبية حسنة لا سبيل إلى عدها بين الفضائل أو على الأقل بين أمهات تلك الفضائل. ويتصل بعلم الأخلاق "النصائح" و"الوصايا" ويندرج تحت هذين الموضوعين كثير من الأقوال التى تضيفها المؤلفات العربية إلى شخصيات هامة والتى تتضمن مبادئ خلقية، ولكنها ليست عرضا لعلم الأخلاق على أسلوب منهجى، وعلى هذا فإن هذه الأقوال يجب أن توضع إلى جانب الأمثال والحكم. ولنشر هنا على سبيل المثال إلى وصايا نزار المتوفى عن أربعة أولاد، وقد ذكرها الأصمعى (مجانى الأدب، بيروت، سنة ١٨٩٦ م، جـ ١، ص ٥٣).
ويعنى علم الأخلاق فى جوهره بالإنسان على وجه العموم، ولكنه مع ذلك توجد رسائل فى الأخلاق تتصل بصنف خاص من الناس، أهمها ما يتصل بأخلاق ذوى السلطان، وهذه تدخل فى باب السياسة التى اعتبرها العرب كما اعتبرها قدماء الفلاسفة فرعًا من الأخلاق، ولكنه فرع هام جدير بأن يفرد له بحث خاص. وتوجد كذلك
стр. 551
رسائل فى خلق أهل الورع. ولكن هذه الرسائل لاتتصل فى الواقع بعلم الأخلاق، لأن علم الأخلاق -إذا نظرنا إليه فى ذاته- يجب أن يتميز عن التصوف والزهد.
ولسنا نعرف على وجه التحقيق أى كتب اليونان فى علم الأخلاق وصلت إلى العرب: فقد روى أن إسحاق بن حنين نقل كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس لمؤلفه أرسطو فى اثنى عشر مجلدًا بعنوان "كتاب الأخلاق"؛ ولكن كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس لا يقع إلا فى عشرة مجلدات، فهل لنا أن نفرض أنه قد أضيف إلى الترجمة العربية كتاب هو "المقالات الكبار فى الأخلاق"، أو نقول إن ما روى عن هذا الكتاب تحريف لرواية أخرى تذهب إلى أن إسحاق بن حنين -لا حنين بن إسحاق- قد نقل شرح فورفريوس على كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس فى اثنى عشر مجلدًا، وهذا العدد نفسه إنما صار كذلك بإضافة كتابى "المقالات الكبار فى الأخلاق" أيضا ونحن نعلم إلى ذلك أن إسحاق بن حنين قد نقل شروح ثامسطيوس إلى السريانية، وربما كان قد نقلها إلى العربية أيضا. وقد عرف الفارابى كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس والمقالات الكبار فى الأخلاق و"المقالات الصغار فى الأخلاق" التى كتبها أرسطو إلى أوذيمس. وللفارابى نفسه شرح على بعض هذه الكتب. وقد شرح ابن رشد بعد ذلك كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس ونقل رجل يدعى ابن الخمَار كتابًا فى الأخلاق، يذهب فنريش Wenrich إلى أنه عين كتاب أرسطو فى الأخلاق. ولا توجد فى دور كتبنا الترجمة العربية لكتاب أرسطو. ويروى أن الطبيب أبا الفرج عبد الله بن الطيب المتوفى عام ٤٣٥ هـ (١٠٤٣ م) شرح كتاب أرسطو المذكور؛ وقد بقى لهذا الطبيب مقالة لأرسطو فى الفضيلة ترجمها من السريانية إلى العربية.
أما مؤلفات أفلاطون فى الأخلاق فإنها تتصل بالسياسة أكثر منها بالأخلاق البحتة، وحسبنا أن نذكر هنا أن كتابه "النواميس" قد ترجمه حنين ابن إسحاق كما نقله يحيى بن عدى. ولا نعرف من كتب فلوطرخس فى
стр. 552
الأخلاق غير كتاب الرياضة الذى ترجمه قسطا بن لوقا، وقد نسب إلى أفلاطون كتاب فى "أدب الصبيان" نقله أبو عمرو يوحنا بن يوسف؛ وقد رأى فنريش: Wenrich دون أن يستند إلى سند قوى- أن يصحح هذه النسبة فيجعل الكتاب لفلوطرخس بدلًا من أفلاطون.
وعرف العرب من المدرسة الفيثاغورسية "المذهَبات" وهى أشعار تدخل فى باب الحكم، كما عرفوا منها حكم الفيلسوف سكندوس Secundus واستبقى ابن مسكويه رسالة طريفة فى الأخلاق عنوانها "لغز قابس" وهو كتاب يظهر أنه رواقى (طبعة Elichmann فى ليدن عام ١٦٤٠ م الجزائر سنة ١٨٩٨ م). وهناك رسالة منهجية فى الأخلاق تغلب عليها النزعة الأفلاطونية هى "معاتبة النفس" (طبعها باردنهور Hermetis tri-: Bardenhewer -smegisti qui apud Arabes fertur de cas Ratione animae libellum، بون سنة ١٨٧٣ م) تنسب حينا إلى هرمس الهرامسة المثلث بالحكمة، وينسبها حينا آخر ابن أبى أصيبعة إلى سقراط وإلى أفلاطون، كما تنسب فى مخطوط بمكتبة بودليان Bodleian إلى أرسطو ولكن بعنوان "زجر النفس" ولا نعرف أصل هذه الرسالة. أما باردنهور فيعتقد أنها من تصنيف مسلم ويقارنها برسائل إخوان الصفاء، بينما يميل شتينشنيدر (Die: Steinschneider -arabischen Ubersetzungen aus deco Grie o rhisrhen، ص ٢٣) إلى اعتبارها مصنفًا يونانيًا لنصرانى شرقى.
ولنذكر إلى جانب "الوصايا" المختلفة و"كتاب التفاحة"، وهو محاورات منتحلة بين أرسطو عند احتضاره وتلاميذه نسج فيها على منوال محاورات فيدون: رسالة فى تدبير المنزل كتبها رجل نصرانى توجد بمكتبة الإسكوريال، وكتابا لعلى بن
رضوان المتوفى عام ٤٥٣ هـ (١٠٦١ م) أو ٤٦٠ هـ (١٠٦٨ م) وهو ضرب من الترجمة الذاتية أودع فيه فصلاً فى الأخلاق والسياسة، وقد نسب هذا الكتاب فيما بعد إلى أرسطو وترجم إلى العبرية. كما نذكر رسالة فى الأدب
стр. 553
يقال إن أرسطو كتبها إلى الإسكندر توجد بالمتحف البريطانى (الفهرس، ص ٢٠٣) وانظر فيما يختص بهذه الترجمات سواء أكانت حقيقية أم منتحلة (ليبسك سنة ١٨٤٢ م؛ جـ ١٢، ليبسك سنة ١٨٩٣ م)
والمسلمون الذين كتبوا فى الأخلاق بطريقة منهجية قليلون، والذين اشتهروا منهم إنما اشتهروا جميعًا -على التقريب- بما كتبوه فى غير الأخلاق، وفى هذا ما يدفعنا إلى القول بأن الأخلاق باعتبارها علمًا مستقلاً قائمًا بذاته لم يلق الحظوة عند المسلمين. وهناك ثلاثة عناوين تتكرر عندهم على وجه ظاهر أكثر من غيرها، هى: "كتاب الأخلاق". وقد مر الآخلاق، و، مكارم الآخلاق". وقد مر بنا من قبل هذا التعبير الآخير، والكتب التى تذكر يهذا العنوان هى فى العادة كتب فى أخبار الأنبياء وغيرهم تنزع إلى الحض على الفضائل المختلفة وتمجيدها.
وأول أخلاقيى العرب هو ابن المقفع المترجم المشهور لكتاب "كليلة ودمنة" وأهم الأخلاقيين بعده: إخوان الصفاء وابن مسكويه والغزالى ونصير الدين الطوسى صاحب الكتاب المعروف "أخلاق ناصرى"، ونضيف أيضًا كتابى "أخلاق جلالى" و"أخلاق كاشفى" وهما كتابان واسعا الانتشار فى بلاد الشرق (انظر باريس سنة ١٩٠٢ م).
وليس من السهل أن نلخص فى قليل من السطور ما جاء فى هذه الكتب من التعاليم الخلقية، فلنكتف هنا إذن بذكر يعض ما يعده الأذهان لدراسة هذا النوع من الكتب.
يترتب على ما لاحظناه سابقًا من أن معظم أخلاقيى الإسلام اشتهروا فى الغالب بمصنفات فى غير الأخلاق، أن تعاليمهم الخلقية إنما هى صورة من طبيعة تقكيرهم وتصنيفهم الشائعة فى باقى مؤلفاتهم، وعلى هذا فإن للمؤلف
стр. 554
الصوفى تعاليم فى الخلق غير تعاليم المؤلف الدينى، ويخالف المؤلف الدينى الفيلسوف، والفيلسوف الشاعر والمؤرخ. ثم إننا إذا عرفنا المدرسة الفلسفية التى ينتسب إليها مؤلف ما، فإن من السهل أن نعرف إذا كانت تعاليمه الخلقية أقرب إلى تعاليم أفلاطون أو تعاليم أرسطو أو إلى تعاليم أصحاب الحكم والأقوال المأثورة، أو آباء الكنيسة؛ فنحن نجد فى الكتاب المسمى "معاتبة النفس" -وقد لا يكون هذا الكتاب من تأليف رجل مسلم- وصفًا للفضائل على أسلوب أفلاطونى، فأمهات الفضائل فيه هى: الحلم والحكمة والشجاعة. ونجد الفضائل عند نصير الدين الطوسى الذى ينتسب إلى مدرسة الفلاسفة مقسمة وموصوفة على نحو ما هى عليه عند المشائين وفلاسفة العصور الوسطى، ولو أن هذا المؤلف أفرد "للعدالة" مكانة هامة وعالجها على نحو أفلاطونى. -ونجد عند الغزالى- الذى هاجم الفلاسفة والذى يشبه إلى حد كبير آباء الكنيسة فى طبيعة تفكيرهم دقة فى التحليل وعمقًا فى النظر وحوارة فى العاطفة خالية من التنظيم والترتيب، ولكنها تذكرنا بمجاهدة رجال الدين فى سبيل رياضة النفس. ونجد عند الإبشيهى بنوع خاص محاولة مشكورة فى ربط عدد كبير من الحقائق الجزئية المستمدة من الحوادث التاريخية ربطًا فلسفيًا. وهناك صفات مشتركة بين هؤلاء الأخلاقيين جميعًا: فهم ينزلون بعض الفضائل منزلة خاصة كالإيثار والقناعة بما قسم وضبط اللسان والصبر. وهذه الفضائل كثيرًا ما تذكر فى كتبهم، وهى تنم عن روح الإسلام بصفة خاصة. وهم يشتركون كذلك فى اعتبار الرذائل أمراضًا نفسية، وفى تشبيه الأخلاق بالطب، ويبلغ مذا التشبيه كماله عند المتصوفة الذين يشبهون الطبيب
الروحانى بطبيب الأجساد. وعلى هذا فعلم الأخلاق هو صناعة مداواة الأمراض وحفظ الصحة. وغايته الحصول على السعادة، وتلك غاية رسمها أرسطو وأفلاطون. وتلاحظ كذلك عند هؤلاء المؤلفين نزعة -كنزعات فلاسفة العصور الوسطى-إلى تقسيم الفضائل تقسيمًا منهجيًا -ويقوم هذا التقسيم على تحليل قوى
стр. 555
النفس، فلكل قوة فضيلتها ورذيلتها، وتعتبر الرذيلة حينًا ضد الفضيلة، وحينًا آخر يذهب الأخلاقى إلى أن هناك رذيلتين إحداهما نتيجة الإفراط والأخرى نتيجة التفريط وهما طرفان وسطهما الفضيلة، وذلك هى نظرية "الوسط بين الطرفين" المعروفة. وهناك فضائل أخرى غير ما تقدم عنى بها المسلمون: كبهجة النفس والتسامى فى النظر والكرم وعرفان الجميل والتسامح والرفق والعفة. أما الرذائل المذمومة فهى: الكذب والحسد والغضب والتهور والكبرياء. وكثيرًا ما تفرد الفصول الخاصة بالكلام فى الصداقة، ومعاشرة الناس، والواجبات الخلقية التى ينبغى أن تكون عليها كل طبقة من طبقات الناس.
المصادر:
(١) حاجى خليفة، فى كلامه على الأخلاق.
(٢) ابن أبى الربيع: كتاب سلوك المالك فى تدبير الممالك، القاهرة سنة ١٢٨٦ هـ.
(٣) ابن مسكويه فى تهذيب الأخلاق، القاهرة سنة ١٢٩٨ - ١٢٩٩ هـ.
(٤) الماوردى: أدب الدنيا والدين، الآستانة، ١٢٩٩ هـ؛ القاهرة ١٣٠٩ - ١٣١٠ هـ.
(٥) الغزالى: كتاب أيها الولد.
(٦) الغزالى: كيمياء السعادة، بكلكتة ولكنهؤ وبومباى، وترجمه إلى الإنكليزية Albany ,٩ Homes. نيويورك سنة ١٨٧٣ م.
(٧) الكاتب نفسه: ميزان العمل. ترجمة عبرية، طبعة Godentha, سنة ١٨٣٩ م.
(٨) نصير الدين الطوسى: أخلاق ناصرى، طبع فى بومباى، كلكتة، لكنهؤ، لاهور وغيرهما.
(٩) جلال الدين الدَوَّانى: أخلاق جلالى (أو لوامع الإشراق).
(١٠) حسين واعظ كاشفى: أخلاق محسنى، طبع عدة مرات فى الشرق.
(١١) على بن عمر الله: أخلاق علائى، طبعة بولاق سنة ١٢٤٨ هـ
стр. 556
(١٢) وانظر dr ran. PhiloL، فيما يختص بالمؤلفات الفارسية التى كتبت عن الأخلاق، جـ ٢، ص ٣٤٨ - ٣٤٩ والفهرس، جـ ٢، ص ٧٢٢، مادة أخلاق.
[كارا ده فو]
+ الأخلاق (جمع خلق)
(١) عرض للأخلاق فى الإسلام.
(٢) الأخلاق الفلسفية.
(١) عرض للأخلاق فى الإسلام.
١ - لم يتخذ علم الأخلاق فى الإسلام صورته إلا تدريجًا، ولم يستقر المأثور الخلقى بعناصره المختلفة فى ثوبه النهائى قبل القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، وهو فى ذلك يخالف ما حدث فى العالم اليونانى، ذلك أن الأخلاق العامة فيه قد هذبها التفكير الفلسفى وأعاد صياغتها من غير أن تقع بينهما فرقة، ومن غير أن يبدو عليها أثر محسوس لأى مذهب دخيل، ومن ثم انتهى الأمر إلى أن أصبحت الفلسفة تعبر عن القيم الأخلاقية التى تحكم حيوات الطبقات المثقفة. أما فى الإسلام فقد ظهرت الأخلاق فى اكتمالها مزاجًا طريفًا، موفقًا بصفة عامة، لتقاليد العرب فى الجاهلية وتعاليم القرآن وعناصر غير عربية ترجع فى جوهرها إلى أصول فارسية ويونانية دخلت فى التكوين الإسلامى العام أو اندمجت فيه. وامتداح "الخلق الحسن" والقيمة المعزوة إليه شائع بين السلفيين والمتصوفة والفلاسفة، وأولئك الكتاب الذين يستهدفون بذل النصائح العملية للحكام وعمال الدولة. غير أن آراءهم فى الكمال الخلقى مستقى من مصادر جد مختلفة، ولو أنهم يحاولون جميعًا أن يوفقوا بين هذه اللآراء وبين مثل الإسلام الأساسية (وهى فى ذاتها غير جامدة) منتهجين فى ذلك شتى الطرق. ومن ثم فإن هضم هذه النزعات المختلفة، بل المتعارضة فى بعض الأحيان، وتوحدّها آخر الأمر قد امتد زمنًا طويلًا.
٢ - ولعل من الخطأ أن نذهب إلى أن ضروب الأخلاق المختلفة التى تبدت فى الأدب على تعاقب العصور من
стр. 557
عصر الشعراء الجاهليين حتى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) تمثل عملية تراكم للأنماط، بمعنى أن كل نمط جديد كان بمجرد ظهوره يحل محل نمط آخر أقدم منه أو ينسخه، بل لقد كان الأمر على العكس من هذا، فقد تعايشت هذه الطبقات مدة طويلة على تفاوت فى ذلك؛ ولما ظهر الإسلام لم تنقرض بحال السنة القبلية لعرب الجاهلية التى تقوم على المعاملات والعادة، وهى السنة التى وصفها كولدتسيهر (جـ ١) وغيره (مثل بشر فارس: Les Arabes avant l'Islam، ياريس سنة ١٩٣٢ م). ومنذ أن أصبح الأدب الجاهلى آخر الأمر جزءًا من الآداب العربية الرفيعة لم تنس كل النسيان قط القيم الخلقية التى عبر عنها: وهى العِرض، والحماسة والروح القبلية، وإكرام الضيف والصبر والحلم والمروءة ومن البين أن دعوة محمد ﷺ قد أحدثت كذلك تغييرًا أساسيًا فى القيم الخلقية التى أصبحت تقوم على ما إباحه الدين الجديد وعلى خشية الله والخوف من يوم الحساب، فالشفقة والعدل والرحمة والرأفة والسماحة والحلم والإخلاص والأخوة بين المؤمنين من الفضائل الجديدة التى حلت محل الأخلاق القبلية، وقد غدت هذه الفضائل أركان مجتمع أخلاقى أو قل أنها كانت على الأقل البرنامج المرسوم لهذا المجتمع.
واتسع الخلق الدينى القرآنى من بعد وفصَل تفصيلاً ضافيًا، فعل ذلك المحدثون فى صورة الأحاديث التى تعتمد صراحة على السنّة او قل الخلق الكامل للرسول، وأكملوا فى كثير من الأحيان هذا المصدر بأحاديث الصحابة واقتباس مواد من المأثورات الثقافية للديانات القديمة. ولا نستطيع أن نقدر ما للحديث من شأن فى تكوين المثل الأخلاقية العامة للجماعة الإسلامية والمحافظة عليها فى كل العصور وفى جميع الأقطار. زد على ذلك أن الحديث كان أكبر دعامة للهيكل الخلقى للفقه الإسلامى النامى، وهو الذى قامت عليه أركان عملية التوحدَ التى أشرنا إليها
стр. 558
آنفًا، ويمكن أن نقول بصفة عامة أن مجموح الحديث كله هو السفر الذى يضم يين دفتيه أصول الأخلاق الإسلامية من حيث أن الرأى الإسلامى الغالب يقول بأن أداء الواجبات الدينية على وجهها السليم وفهم العقيدة فهما صحيحًا هما جزآن لا ينفصلان من الحياة الخلقية. على أننا نجد فى إطار هذا الهيكل الشامل بعض صور خلقية تُدرج على وجه أخص تحت مصطلح الأدب مع أنها تحمل فى هذا النص الدينى القديم مفهومًا خلقيًا على التحديد (انطر على سبيل المثال: ، ماده أدب) - وثمة ما يغرى المرء على الظن بأن إصطناع هذا المصطلح للدلالهَ على الأخلاق الفارسية الأصل المتباينة البواعث التى أفاض فيها كتاب القرن الثانى الهجرى (القرن الثامن الميلادى؛ انظر الفقرة ٤ من هذه الماده) هو الذى أدى إلى أن يستبدل بالأدب المصطلح "أخلاق"، وهو مصطلح يظهر فى مختلف الأخبار عند الثناء على مكارم الأخلاق (انطر، ص ١١ أ، وبشر فارس: مكارم الأخلاق، سنة ١٩٣٧ م، ص ٤١٧ = مباحث عربية، القاهرة سنة ١٩٣٩، ص ٢١ وما بعدها) وحديث الرسول الذى اتخذه الكتّاب المتأخرون شاهدا على الأخلاق الإسلامية "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" لم يرد فى كتب الأحاديث الصحاح (بشر فارس: الكتاب المذكور). وتحت هذا العنوان صنفت عدة مجموعات من الأحاديث الخلقيه منذ القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، مثل ابن أبى الدنيا (جـ ١، ص ١٦٠) والخرائطى قسم ١، ص ٢٥٠) والطَبَرْسى (جـ ١، ص ٥١٣؛ قسم ١، ص ٧٠٩) - والطبرسى هو الكتاب الشيعى المأثور فى هذا الموضوع (انظر أيضًا: بشر فارس، ص ٤١١ - ٤١٢).
٣ - وتهذيب الفكر الأخلاقى وتطويره على أساس الحديث قد مضيا فى طريقهما بفضل الحركتين الدينيتين اللتين بدأتا فى النماء فى نطاق الإسلام السنى فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). فمن جهة نجد فى أوساط المتكلمين أن الصراع بين النزعة
стр. 559
المنكرة للجبر عند المعتزلة وما أعقبها من إصرار متكلمى المعتزلة على الحكم الخلقى على الأشياء والمسؤولية الشخصية قد أثارا مناقشة واسعة فى هذه الموضوعات وتحليلًا لها، وبفضل هذه الحركة المعتزلية التى اتصلت بدورها بالفكر اليونانى والكتب اليونانية المتأخرة التى تدافع عن المسيحية، وبفضل ردّ أهل السنة عليها مهد الطريق لتقبل الأخلاق الفلسفية اليونانية وأصبح ذلك ممكنًا. ونجد من جهة أخرى أن حركة الصوفية المناهضة للعقل والموسومة بالزهد قد استحدثت نمطًا من الأخلاق الإسلامية مختلفًا بعض الاختلاف، واستطاع هذا النمط أن يكون له سلطان متزايد حتى لقد أوشك آخر الأمر أن يسيطر على العالم الإسلامى. وغدًا الفقر وإذلال النفس والإنكار المطلق للذات هى أرفع القيم فى الحياة عند دعاة الصوفية. وحسبنا فى هذا المقام أن نذكر إمامًا من أئمة الكتاب الصوفية المتقدمين وهو المُحاسبى المتوفى سنة ٢١٣ هـ (٨٥٧ م) الذى كان له أثر حاسم فى الغزالى حين جعل الغزالى التصوف جزءًا ثابتًا من الأخلاق الإسلامية فى كتابه العمدة "إحياء علوم الدين" (انظر M. Smith: An Early Mystic of Baghdad لندن سنة Journ. of the Royal As. soc ١٩٣٥ م وسنة ١٩٣٦ ص ٦٥).
٤ - لقد كان دخول الفكر الفارسى الأخلاقى فى التراث الإسلامى سابقًا على معرفة المسلمين للأخلاق عند اليونان. وخير ممثل للفكر الفارسى المذكور هو ابن المقفع؛ وإذا صرفنا النظر عن كتابه "كليلة ودمنة" الذى يستأهل الذكر فى هذا المقام، فإن معظم هذا الفكر الفارسى نجده فى كتابين ينسبان إليه: "الأدب الكبير" (انظر الترجمة الفرنسية بقلم C. F. Detsree, بروكسل سنة ١٩٠٢ م، نقلا عن الترجمهَ الهولندية التى قام بها C'- van Vloten` الترجمة الألمانية بقلم i cher فى tal. Sprachen, Westasiat. St alien, سنة ١٩١٧) م و"الأدب الصغير" (الترجمة الألمانية بقلم، سنة ١٩١٥ م)، وقد شك فى صحة نسبتهما إليه وإن كان لم ينكر هذه النسبة كل من ريختر
стр. 560
(G. Richter فى sl، سنة ١٩٣٠ م، ص ٢٧٨) وكابرييلى (Gabriel فى Rivista؛ al فى ٤ studi orient، سنة ١٩٣٢ م، ص ٢١٩ وما بعدها). وهذان الكتابان (انظر أيضا مادة "اردشير بزرجمهر") لا يقومان على أى مبدأ فلسفى، بل هما يذكران القارئ بالخطابة اليونانية، فيبذلان النصيحة عن سبل النجاح للحكام وعمال الدولة المدنيين والأشخاص الذين يريدون التقدم فى الحياة. والإشارات الإسلامية الموجودة فى هذا الأدب نادرة وشكلية وإن كانت الصلة بين هذا المأثور والدين تُؤكِّد باطراد. ومن ثم ينظر إلى الإسلام على اعتبار أنه دين دولة يرتبط بالسلطة العليا ارتباط الدين بالسلطة السياسية فى الدولة الفارسية القديمة (انظر: les Sassanides: A.Christensen L'Iran s ٥. الطبعة الثانية، كوبنهاغن، سنة ١٩٤٤ م، الفصل الثالث): "الدين والدولة شقيقان". وهذه النصيحة التى تبذل فى أسلوب طلى مؤثر فى النفس تعتمد على اعتبارات انتهازية وعلى الاعتراف بالقوة التى يعرف العاقل كيف يسوسها على الوجه السليم. على أن هذا التراث الأدبى الدخيل الأصل قد طوّع للمثل الإسلامية على تفاوت فى ذلك، ثم دخل آخر الأمر فى الهيكل المقرر للأدب الإسلامى فى كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ - ٨٩٠ م). وهذا الكتاب - الذى يمكن أن نقول إنه أوفى موجز شامل فى الأخلاق الإسلامية- قد جمع ووحَد إلى حد عجيب ذخيرة القرآن والحديث والجاهلية والفرس فى الأخلاق، واستطاع -باستبعاد العناصر الناشزة من الأخلاق فى الجاهلية وعند الفرس- أن يحدد ويوحد بصفة عملية العناصر التى يتركب منها البناء الأخلاقى السنَّى فى مرحلته السابقة للفلسفة والتصوف. وهناك ضروب من الأدب تتصل بهذا مثل "مرايا الملوك" والحكمة الشعبية التى تتبدى فى الأمثال.
٥ - ولقد استحدثت الأخلاق الفلسفية المستقاة من اليونان أول ما استحدثت على يد الأوساط المحدودة التى انصرفت إلى دراسة الفلسفة. ودرست تفصيلات نموها بين الفلاسفة
стр. 561
المسلمين فى القسم الثانى من هذه المادة. وأحدثت الأخلاق الفلسفية، كما بُيِّن فى الفقرات من ٨ إلى ١٠ من هذا القسم، أثرًا فى كتب الأدب، بل إن ثمة أمرا يزيد عن ذلك فى أهميته زيادة كبيرة، وهو أن الأخلاق الفلسفية على الصورة التى أبرزها بها مسكويه وجدت قبولًا تامًا عند متكلم مسموع الكلمة كالغزالى، وبذلك اندمجت فى التراث الدينى. وقد عُرف مذهب مسكويه أيضًا عن طريق آخر هو المؤلفات الفارسية لكتاب مثل الطوسى والدوّانى. على أن الأخلاق الصوفية الصرف أصبح لها بفضل فحول الشعراء الفرس سلطان ضخم فى العالم الإسلامى الشرقى بما فى ذلك تركية، وهو سلطان كان يقابله ويدغمه فى جميع البلاد ما كان للطرق الصوفية من مكانة اجتماعية عظيمة الشأن وتغلغل أعضائها من غير المتصوفة فى جميع الطبقات.
٦ - وقد كان للتحول القوى عن الصوفية فى أوساط المسلمين السنيين أثناء القرن الأخير أثر موازٍ له فى الفكر الإسلامى الأخلاقى، فقد انتقض على السلبية المطلقة التى تتسم بها الأخلاق عتد المتصوفة وجتح إلى الاتجاه نحو أخلاق فعالة عبر عنها بشئ من التحفظ زعماء من أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده، كما عبر عنها آخرون فى أسلوب معتزلى أصرح. وفى خارج الأوساط الدينية، أثارت هذه النزعة نفسها -يدعمها ما أحدثته الفلسفات الغربية من أثر، وتقترن بها التطورات الداخلية الاجتماعية والسياسية- أنماطًا من النظر الأخلاقى أكثر ثورية، وخاصة عند عالم الاجتماع التركى ضيا كوك آلب والشاعر الهندى محمد إقبال، على أن من الأصوب أن ننظر إلى جميع هؤلاء على اعتبار أنهم يملكون مراحل انتقال فى الفكر الإسلامى الحديث.
الأب قنواتى [فالتزر وجب walm- Gibb]
(٢) الأخلاق الفلسفية
١ - تعد الأخلاق فى تصنيف فروع الفلسفة المختلفة هى و"العلم المدنى" Politics و"تدبير المنزل" جزءا من الفلسفة العملية، ويصف
стр. 562
حنين بن إسحاق فى رسالته عن الترجمات السريانية والعربية كتاب "فى الأخلاق" لجالينوس فيقول إن جالينوس يتناول فيه "الأخلاق" على اختلافها ودلالاتها وعلاجها (طبعة rgs، رقم ١١٩؛ وانظر رسائل سنيكا، جـ ٩٥، ص ٦٥)، ويكاد الغزالى يستعمل نفس الكلمات اذ يقول (المنقذ من الضلال، ص ٩٩) إن الأخلاق فرع من الفلسفة يشمل "حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها، وكيفية معالجتها ومجاهدتها". وهذا التعريف نفسه يرد بعد فيما رواه حاجى خليفة فى مادة أخلاق عن ابن صدر الدين الشروانى المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ. (١٦٢٦ - ١٦٢٧ م): "هو علم بالفضائل وكيفية اقتنائها لتتحلى النفس بها، وبالرذائل وكيفية توقِّيها لتتخلى عنها، فموضوعه الأخلاق والملكات والنفس الناطقة من حيث الاتّصاف بها". والأخلاق من حيث هى مذهب فلسفى لم تجتذب أول الأمر إلا أوساطًا محدودة من أشخاص اهتموا بالفلسفة اليونانية. فلما أكد القائلون بهذه الفلسفة أن الأخلاق الفلسفية لا يقصد بها مخالفة الإسلام بل تكملته أو تثبيته أمكن إدماج هذه الأفكار آخر الأمر فى التراث الدينى والاحتفاظ ببعض سلطانها حتى فى القرون المتأخرة.
٢ - سلكت الفلسفة الأخلاقية اليونانية فى بلوغها العرب طرقًا شتى تقاربت فى النهاية، ذلك أن أمهات الكتب التى أثِرَت عن أيام اليونان القديمة وقرئت فى المدارس الفلسفية المتأخرة -مثل جمهورية أفلاطون، وطيماوس، والقوانين- قد عرفت فى نصها الأصلى وشروحها ومختصراتها وعرف "كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس" لأرسطو الذى يضم بين دفتيه أحد عشر مجلدًا، من ترجمة إسحاق بن حنين له. وقد اكتشفت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر والحادى عشر من النص العربى المطابقة للمجلدات من ٧ - ١٠، بحسب التقسيم المأثور للكتاب، فى مخطوط مراكشى (انظر o A.J. Arberry فى Oriental and African Studies. سنة
стр. 563
١٩٥٥ م، ص ١ وما بعدها). ويشتمل هذا المخطوط نفسه على موجز لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخس بقلم نيقولاوس الدمشقى (القرن الأول قبل الميلاد). وقد نقل شرح فورفريوس (انظر كتاب الفهرست و Vie de Porphyre J. Bidez، كاند وليبسك سنة ١٩١٣ م، ص ٥٦ - ٥٨) وأفاد منه فيما يرجح إفادة عظيمة مسكويه فى كتابة الفصول الثالث والرابع والخامس من كتابه "تجارب الأمم" (انظر الفقرة ٧ فيما يلى). وكان العرب يعرفون أيضًا موجزًا يونانيًا متأخرًا لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخس (موجز السكندريين) ومنه مقتطفات فى مخطوط بمكتبة تيمور باشا (أخلاق ٢٩٠، رقم ١٦). وقد ترجم هذا الموجز إلى اللاتينية هرمان الجرمانى سنة ١٢٣٤ أو ١٢٤٤ م (Aristotles Latinus. جـ ٢، كمبردج سنة ١٩٥٥ م، ص ١٣٠٨). وقد كتب الفارابى شرحًا على مقدمة كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس أشار إليه الكتاب الأسيان من أعيان القرن الثانى عشر (انظر Al-Farabi: M. Steinschneider سانت بطرسبرغ سنة ١٨٦٩ م، ص ٦٠).
وشرح ابن رشد الأوسط الذى كتب سنة ١١٧٧ م محفوظ فى ترجمة لاتينية قام بها هرمان نفسه سنة ١٢٤٠ م (انظر، جـ ٢، ص ١٣٠٨) وفى ترجمة عبرية ترجع إلى سنة ١٣٢١ م قام بها صموئيل ابن يهوذا من أهل مرسيليا (hebr Uber-: M. Steinschneider ص ٢١٧).
ومن الكتب اليونانية غير المعروفة كثير، فى التراث الغربى وإن كانت واسعة الانتشار فى العالم العربى رسائل ثلاث لجالينوس:
(١) رسالة: "فى الأخلاق" وقد فقد أصلها اليونانى ولم تبق إلا فى ثوبها العربى (الموجز العربى الذى نشره فى مجلة كلية الآداب بالجامعة المصرية، مجلد ٥، جـ ١، وانظر s R. Walter فى Quarterly سنة ١٩٤٩ م، ص ٨٢ وما بعدها؛ الكاتب نفسه فى Harvard Theological Review، سنة ١٩٥٤ م، ص ٢٤٣ وما بعدها؛ sical Quarterly، سنة ١٩٥٦ م).
стр. 564
(٢) "تعريف المرء عيوبه" (انظر. Graec جـ ٥، ص ٤، ١١؛ حنين: رسالة، رقم ١١٨).
(٣) "انتفاع الأخيار بأعدائهم" (فقد أصلها اليونانى وبقيت ترجمة حنين رقم ١٢١). وقد استشهد مسكويه برسالة لثامسطيوس وأخطأ فى ذكر اسمها. وثمة رسالة أخرى منسوبة له بقيت باللغة العربية (نشرها لويس شيخو فى مجلة المشرق، سنة ١٩٢٠ م، ص ٨٨٧ - ٨٨٩، ترجمها Arch. de Philosophie سنة ١٩٢٤ م، ص ١٥ وما بعدها). ولاشك أنه كانت هناك كتب يونانية متأخرة أخرى انتهى إلى العرب بوساطتها الفكر اليونانى الأفلاطونى الأوسط تشوبه مسحة قليلة من الأفكار الأفلاطونية المحدثة. ومن الرسائل الأخرى التى درسها العرب فى الفلسفة الأخلاقية السابقة للأفلاطونية المحدثة رسالة فى "لغز قايس" the Platonist التى نقلها مسكويه فى كتابه "جاوذان خرد" (طبعة بدوى، ص ٢٢٩ وما بعدها؛ وهناك نسخ منفصلة قام بها El is. ليدن سنة ١٦٤٠ م و Rene Basset , الجزائر سنة ١٨٩٨ م) ورسالة بريسون الفيثاغورى المحدث فى تدبير المنزل. (obwwc: ). ولم يبق إلا ترجمتها العربية التى أمعن مسكويه فى الاستشهاد بها (طبعة
Pless، هيدلبرغ سنة ١٩٢٨ م)؛ "المذهبات" المنسوبة إلى فيثاغوراس والمقالة المنحولة لأفلاطون فى تأديب الأحداث هما وثيقتان فيثاغوريتان تأثر بهما مسكويه (انظر senthal فى prienmlia, سنة ١٩٤١ م، ص ١٠٤ وما بعدها, ٣٨٣ وما بعدها).
٣ - والظاهر أن رسائل الكندى الفلسفية (الفهرست، رقم ١٩٠ - ١٩١، ١٩٣ - ١٩٦؛ وانظر أيضًا Racentha: Al-.Sarakhsi جـ ٢ أ، ص ١٠ - ١٢، ١٦ - ١٧) قد قدرها الكتّاب المسلمون اللاحقون؛ وأفاد مسكويه
(التهذيب، ص ٧٠ وما بعدها) وابن سينا وغيرهما من رسالته "كتاب دفع الأحزان" (طبعة: H. Ritter-R-Waltzer , Studi su Kind رومة سنة ١٩٣٨ م؛ M . Pohlenz , فى Gouinger Gelehrte
стр. 565
سنة ١٩٣٨ م، ص ٤٠٤ وما بعدها). وربما كان مسكويه (ص ٦١) قد نقل شاهدًا آخر من كتاب الكندى المفقود "فى الأخلاق" وهذا الكتاب عرفه الغزالى أيضاً (F. Rosenthal فى lia سنة ١٩٤٠ م، ص ١٨٦ وما بعدها). ولا يشذ الكندى (انظر "الحدود" فى الرسائل طبعة أبو ريده، ص ١٧٧ - ١٧٨ وغير ذلك من مواضع فى رسائله) عن الفلاسفة الرواقيين جالينوس وغيره من الفلاسفة اليونانيين، ذلك أنه اعتمد فى فلسفته الأخلاقية على تقسيم النفس إلى ثلاث نفوس أو قوى: هى النفس الناطقة والنفس الانفعالية والنفس المشتهية، وعلى التحديد الأفلاطونى لأمهات الفضائل وهى الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة ويرتبط كل من هذه الفضائل بدوره بعدد من الفضائل الفرعية. ويمكن أن يقارن هذا التقسيم، مع خلاف فى التفصيلات، بالتقسيم الرواقى للفضائل والرذائل أو بكتاب "فى الفضائل والرذائل" المنحول لأرسطو (بروكلمان، قسم ١، ص ٨٨٤). وقد اقترن عنده التعريف الأرسطى للفضيلة بأنها وسط بين طرفين بنزعة أفلاطونية (انظر فرفوريوس، الفصل ٣٢، ص ٢ و: معانى النفس، ص ٢٠) والراجح -فيما يبدو لنا- أن مسكويه قد اعتمد فى الفصل الأول من كتابه "تهذيب الأخلاق" على دراسة الكندى للفضائل والرذائل، ولو أن الشواهد الميسورة لنا فى كتبه القليلة الباقية قليلة بشكل واضح. ويمكننا أن نقول بصفة عامة إنه ليس فى فلسفة الكندى العامة المائلة إلى الأفلاطونية أية نزعة متطرفة من الأفلاطونية المحدثة، وتمتزج فى فلسفته هذه العناصر الأفلاطونية والمشائية والرواقية على نحو ليس غريبًا عن الرسائل الأخلاقية العامة فى العالم اليونانى المتأخر وما بعده.
٤ - وتعتمد رسالة قسطا بن لوقا النصرانى "فى الطبائع" وهى التى تناول فيها أسباب الخلاف بين الناس فى أخلاقهم وطرق حياتهم ورغباتهم الخلقية (طبعة الأب شباط P. Sbath فى Bulletin de I'Institut Egyptien, سنة