- ٥) كما يرد (١) على هذه الوجوه (-٥ - ٥ - ٥ و- - -٥ - ٥، بل و- ٥ - ٥، وهى حقيقة فطن لها العرب تماماً). ولكن العرب لسوء الحظ لم يشيروا فى وضوح إلى مكان القطع stress من هذه التفعيلات، ذلك أنه لم تكن لديهم فكرة عن الحركة tone والقطع stress فى العروض والنحو جميعاً. ويذهب هارتمان (M.hartmann: Meturn und Rhythmus ص ٢٢) إلى أن القطع الرئيس (ويسميه هارتمان hauptton) يقع على المقطع الأخير، بينما يقع القطع العرضى على المقطع الطويل قبل الأخير.
وعلى أية حال فإن التفعيلة "مستفعلن" (أو ما يقوم مقامها) كان لزاماً أن تتكرر فى رأى العرب ست مرات لتعطى الصورة الأصلية لبحر الرجز. ويُشك كثيراً فى أن يكون ما ذهبوا إليه من ذلك هو الصواب. فليس فيما أورده أبو تمام، من شعر فى
حماسته، رجز سالم acatalectic، وإن كان هذا النوع قد ورد مرة واحدة فى حماسة البحترى (طبعة شيخو، المقطوعة رقم ٩٩٨ لقعنب بن ضمرة الغطفانى) (٢). وشواهد الرجز التام فى " دوواين الشعراء الستة الجاهلين" إما موقوفة Catalectic مثل الأبيات المنسوبة إلى طرفة (رقم ٤، ص ١٨٤ من طبعة آلفارت)، والأبيات المنسوبة إلى امرئ القيس (رقم ٥٣، المصدر نفسه، ص ١٥٤ وما بعدها) - وثانية التفعيلتين فى أبيات امرئ القيس حذاء، أى أنه قد حذف من آخرها وتد مجموع- وإما ذات زيادة hypercatalectic مثل قصيدة امرئ القيس التى تلى ذلك.
ونجد فى شعر المتأخرين أيضاً أن الرجز ذا التفاعيل الست الذى يقال إنه هو الأصل فى بحر الرجز، ونعنى به الرجز الطويل السالم actalectic نادر، وأن نوعية الموقوف ctalectic وذا الزيادة hypercatalectic أكثر ندرة. وشاهد ذلك أن القالى لم يورد فى أماليه من الرجز
стр. 5042
الطويل غير مثالين (طبعة القاهرة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٦ م، جـ ١، ص ١٨٠؛ جـ ٢، ص ١٢٧) يرجع زمنهما إلى القرن الثالث الهجرى. وقد استعمل الوأواء الدمشقى، وهو رجل تقدمى فى الشعر، هذا النوع من الرجز فى ديوانه مرة واحدة. وذهب كراتشكوفسكى Kratchkovsky إلى أن وفاته كانت فى أوائل القرن الرابع للهجرة، وأيد هذا بأسباب وجيهة (الديوان، المقدمة ص ٤٨ فى أعلاها، مقطوعة رقم ١٠٧)، كما استعمل أبو العلاء الذى جاء بعد الوأواء بجيل (٣٦٣ - ٤٤٩ هـ = ٩٧٣ - ١٠٥٨ م) هذا الرجز مرة واحدة فى شعر شبابه (سقط الزند، بولاق ١٢٨٦ هـ جـ ١، ص ٨٩).
وإلى جانب الرجز ذى التفاعيل الستة نوع من الرجز ذو تفاعيل أربع سالمة، ويسميه العرب مجزوء الرجز (freytag، المصدر السابق، ص ٢٣١ وفى الأمالى ثلاثة شواهد عليه، وربما كان أحدهما (جـ ١، ص ٦٣ وما بعدها) من الشعر القديم. أما الشاهدان الآخران (جـ ٢، ص ٢٣١ وما بعدها) فواضح أنهما يرجعان إلى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). ويرى
كراتشكوفسكى (المصدر السابق، ص ١٢١ فى أعلاها) أن هذا النوع وحده هو الذى استعمله عمر بن أبى ربيعة المتوفى فى أواخر القرن الأول للهجرة.
ومن شعر أواخر العصر الأموى وأوائل العباسى أبيات حماد عجرد الواردة فى الأغانى (جـ ١٣، ص ٨٣). ومن شعر العصر العباسى الأول أبيات أبى العتاهية الواردة فى ديوانه (طبعة بيروت ١٩٠٩ م، ص ٣٤٣ - ٣٠٧).
ويوجد شاهد واحد من هذا النوع أيضاً فى خمريات أبى نواس، وثلاثة عند الوأواء (المصدر السابق، أرقام ٢٠٦، ٢٢٢، ٢٤٧).
وجميع هذه الشواهد من الرجز السالم acatalectic ذى التفعيلات الأربع.
ويبدو بعضها كأنه من الموقوف catalectic كأبيات سلم الخاسر فى عاصم بن عتبة (الأغانى جـ ٢١، ص ١١٥) وكأبيات مسلم بن الوليد (الديوان، طبعة دى غوى، رقمى ٢٦، ٣٧ وكلها منظومة على وزن- ٥ - ٥
стр. 5043
- ٥ - ٥ - ٥ - ٥). بيد أن العروضيين العرب يدخلونها إجمالا فى "المنسرح" Darstellung: Freytag r، ص ٢٥٥ وما بعدها) ولا نجد مندوحة من التسليم بهذا الرأى إلى حين مادمنا لا نعرف أتأثر هؤلاء العروضيون بمؤثرات خلاف المد والقصر- ولو عن غير قصد منهم- وقد تكون هذه المؤثرات هى الحركة tone والقطع stress وحتى لو لم نأخذ برأى الِعروضيين العرب فى قولهم بأن مثل هذه الأبيات من الرجز، فإن عدد الشواهد من الرجز السالم ذى التفاعيل الأربع سيظل قليلا جداً.
وأشكال الرجز التى كانت مدار حديثنا إلى الآن إنما تتفق قافية أبياتها الكاملة ذات المصراعين، بخلاف البيت الأول الذى يكون عادة مصرعا. ومع هذا فإن الأكثر شيوعاً من ذلك، حتى فى الشعر الجاهلى، أن تكون الأبيات كلها مصرعة، وعلى هذا نعد المصاريع (أى أنصاف الأبيات) أبياتاً قائمة بذاتها. ويظهر أن هذا الشكل من الرجز يعد عند كثير من العروضيين رجزا
(انظر لسان العرب، جـ ٧، ص ٢١٧ - س ١٠ - ١١ من أسفل: "الرجز بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه يكون كل مصراع منه منفرداً")، والقول الذى سبق أن ذكرناه من أن الرجز من الرجازة يمهد فيما يظهر لهذا الرأى.
والقاعدة فى مثل هذه المصاريع أن تكون من تفعيلات ثلاث، ويجوز أن تكون من اثنتين أو حتى من واحدة فقط. وهذا الشكل الأخير يعد من الشعر تجوزاً، وقد جرى فى شعر بعض الشعراء. أما النوع الأول فيقال إن سلما الخاسر نظم فيه قصيدة قالها فى موسى الهادى، ولا تزال هذه القصيدة مروية (Abhandlungen zur: Goldziher arab Philologie، جـ ١، ص ١٢١).
والراجح أن الرجز ذا التفعيلة الواحدة كان دائما من النوع السالم acatalectic ويلزم على قول العروضيين أن يكون الرجز ذا التفعيلتين والثلاث رجزاً سالما أيضا، أو قل إنهم على أيسر تقدير قد أنكروا فيما يظهر أن يكون الرجز الموقوف catalectic من هذا النوع
стр. 5044
(انظر محمد بن شنب: تحفة الأدب، ص ٤٦ وما بعدها؛ شرح التبريزى على الحماسة لأبى تمام، ص ٧٩٨ القصيدة التى قافيتها ن؛ المصدر نفسه ص ٨٠١؛ القصيدة التى قافيتها ب؛ ص ٨٠٢: القصيدة التى قافيتها شِ؛ ص ٨٠٨: القصيدة التى قافيتها يره؛ ص ٨٠٩: القصيدة التى قافيتها هـ وكلها من ذوات التفاعيل الثلاث، ويعدها التبريزى من السريع! . ولكننا سبق أن وجدنا عند الرجازين الأقدمين عدداً لا بأس به من القصائد ذات الضرب الموقوف catalectic والتفاعيل الثلاث، ومن
الواضح أنها من الرجز. وعندما تتعاور القصيدة الواحدة أبيات موقوفة وأخرى سالمة فليس ثمت ما يدعو الى الشك فى أنها كلها من الرجز، كما هو الشأن فى مخمسة أبى نواس التى سنعرض لها بعد، أو المنظومات التعليمية المتأخرة التى من طراز الألفية. أما الأبيات ذات التفعيلتين كتلك التى لهند بنت عتبة والتى يسلكها محمد بن شنب (المصدر نفسه، ص ٦٦) فى منهوك المنسرح، على حين يسلكها روكرت Ruckert (ترجمة الحماسة ص ١٩٦. إضافة إلى رقم ١٦١) فى مشطور (ولابد أنه يقصد منهوك) السريع، فيظهر حقا أنها من الرجز الموقوف، وهى تطابق قصيدة الأمثال لأبى نواس التى سنعرض لها
بعد قليل (مع اختصار التفعيلة الثانية بحذف وتد مجموع منها، أى من نفس البحر الذى نظمت به المرثية القديمة التى نقلها جولدسيهر Goldizher: Abhandlungen ص ٧٦ وما بعدها عن الأغانى، ج ١٠، ص ٢٩ وقصيدة أبى العتاهية التى عارض بها أبا نواس (بزيادة حرفين على آخر كل مصراع).
وجنح عروضيو العرب إلى جعل الصور القصار أقساماً من الرجز الكامل ذى التفاعيل الست (على اختلاف كثير فى تفصيلات يمكن تعرف دقائقها بالرجوع إلى Freytag: المصدر نفسه ص ٢٣٤ - ٢٣٦) فأطلقوا "مشطور الرجز " على الصراع ذى التفاعيل الثلاث، و "منهوك الرجز" على ذى التفعيلتين و "مقطع الرجز" على ذى التفعيلة الواحدة (ويقال إن هذا الاصطلاح الأخير قد استحدثه الجوهرى؛ انظر ابن رشيق: العمدة فى
стр. 5045
جولدسيهر، المصدر نفسه ص ١٢١).
ومع ذلك فالواقع أن هذه الأنواع القصار- مع استثناء المقطع- كانت أكثر شيوعاً فى الأزمان الأولى، ومن الواضح أنها كانت أيضاً أقدم من البيت الطويل الكامل ذى التفاعيل الست.
فمثلا الأبيات المنسوبة الى عنترة فى الفخر (الكنز الثمين، ص ١٨٠، رقم ١٢ = ابن قتيبة: كتاب الشعر، طبعة دى غوى، ص ١٣١ فى أعلاها، وهى على تفعيلتين)، والأبيات التى قيل إنها أول ما صنع طرفة (المصدر السابق، ص ١٨٥، رقم ١١، وهى على ثلاث تفاعيل؛ انظر ابن قتيبة: المصدر المذكور آنفاً، ص ٩٠؛ والكلام عن نسبتها وارد فى الحماسة، جـ ١، ص ٣٤٣)، بل ومقطوعتا الهجاء اللتان جاءتا على لسانى بنتى فند تهيجان بهما بكرا على تغلب (شَرح التبريزى على أبى تمام، طبعة Freytag ص ٢٥٤؛ Noldeke: Delectus ص ٤٧، س ١ - ٣؛ وانظر أيضاً ابن هشام طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٦٥٢ حيث نسبت الأبيات إلى هند بنت عتبة)، هذه كلها أقرب بلا شك إلى الحوشية من الأبيات ذات المصراعين
والتفاعيل الست. ونجد طابع القدم واضحاً فى المقطوعة الأولى من أبيات الهجاء هذه، لأن الأبيات الثلاثة الأولى منها على تفعيلتين، على حين أن المقطوعة الثانية على ثلاث تفعيلات، وهو أمر لا يمكن أن يصدر عن شعراء العصر الذى يليه ويستطيع المرء أن يزعم، مخالفاً فى ذلك عروضى العرب، أن الأبيات ذات المصراعين والتفاعيل الست قد نشأت عن الأبيات القصار، أى ذات المصراع الواحد، وليس الأمر بالعكس. أما إذا أخذنا بمذهب العرب فإننا نجد لزاما علينا أولا وقبل كل شئ أن نفسر: لم لم يجعلوا المصراعين الأول والثالث من الثلاثية مستقلين بعضهما عن بعض فى الأعاريض الأخرى أيضا. وإذا صح أن شيئا من هذا وقع شذوذاً فى دواوين الشعراء الستة الجاهلين (ص ١٣٣, رقم ٢٨، فى القصيدة المعروفة بقصيدة القطاة لامرئ القيس والتى من بحر الكامل، أو القصيدة التى على بحر الهزج الواردة فى هذه الدواوين أيضاً، ص ٢٠٦، رقم ٣١، والواردة فى الأمالى، طبعة القاهرة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٦، جـ ١، ص ٤٢ فى
стр. 5046
أعلاها وهى منسوبة كذلك لامرئ القيس؛ انظر إلى ذلك Arabic: Wright Grammar، جـ ٢، الفقرات ٢١٢، ٢١٩، ٢٢٠ عن بحور المضارع والرمل والمديد) فإن ذلك بطبيعة الحال لا يعنى من الأمر شيئا، بل هو فى الأكثر يدل على أن الأبيات ذات المصراع الواحد من هذين البحرين كانت أسبق فى التطور إلى أبيات ذات مصراعين وتفاعيل ست من أبيات الرجز ذات المصراع الواحد.
وحتى فى الأمثلة السابقة التى قيل إنها من "مشطور السريع" و "منهوك المنسرح" فإنا تنتهى رغم ذلك كله إلى التساؤل لم لا تكون حقا من الرجز. ثم إن بحر الطويل الذى لم يقل فيه الوأواء إلا مقطوعة واحدة (الديوان، رقم ١٤٣) اجتزأ فيها بأربع تفاعيل دون ثمانية، هو فيما يبدو من بدع هذا الشاعر.
على أن وجود هذه الأبيات ذات المصراع الواحد والأبيات ذات التفاعيل الست جنبا إلى جنب لا يعنى بحال أن مجال الكلام فى تطور شكل الرجز قد فرغ منه. ففى أوائل الدولة العباسية، وليس قبل هذا، نشأ ضربان جديدان، بفعل ما ساور الناس من ملل لكثرة ترديد أبيات رجزية ذات مصراع واحد، أو بفعل مؤثرات خارجية: الأول منهما كان بتقفية المصراعين على قافية واحدة، والثانى، وهو أندر، كان يجعل كل خمسة مصاريع فى المقطوعة على قافية واحدة، وبهذا وجدت المقطوعات ذات البيتين والخمسة. وأطلق على الأولى "المزدوجة" (وقد وجدت فى عهد حمزة الإصفهانى، كما وردت فى كتاب الأغانى)، وأطلق على الثانية "المخمسة" وفى كتاب الأغانى (جـ ١٣، ص ٧٤ فى منتصفها) حديث لأبى نواس ينسب إلى حماد عجرد (المتوفى قبل عام ١٦٧ هـ- ٨٧٣ م) شعراً مزدوجا (فى النص: مزاوج) بيتين بيتين. ويظهر أن هذه الأبيات المزدوجة، ولعلها أول ما قيل فى هذا النوع، قد ضاعت لسوء الحظ. وأقدم ما وصل إلينا من شواهد المزدوجات ما نظمه منها أبو العتاهية وأبو نواس، فنحن نجد فى النسخة المطبوعة لديوان أبى العتاهية (بيروت
стр. 5047
١٩٠٩ م، ص ٣٦١ - ٣٦٤) مزدوجة من مصراعين موقوفين على ثلاث تفعيلات، كما نجد فى القسم الأخير من نسخة حمزة لديوان أبى نواس التى لم تطبع بعد مزدوجتين من مصراعين مقفيين، ويقال إن الأولى لأبى نواس والثانية معارضة لها صنفها أبو العتاهية.
والظاهر أن بشار بن برد (المتوفى عام ١٦٧ هـ = ٧٨٣ م) هو أول من استعمل التخميس وفقاً لما ذكره فريتاج
(Darstellung: Freyrag ص ٤١١) بيد أن مختارات شعره التى جمعها الخالديان (طبعة محمد بدر الدين القاهرة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م) لم يرد فيها ولا فى كتاب الأغانى شئ من ذلك.
ومع هذا فعندنا فى نسخة حمزة لديوان أبى نواس التى ذكرناها آنفاً قصيدة تنسب له، وربما كان الشاعر قد صنعها حقا، وهى مخمسة طويلة كل مقطع فيها من خمسة مصاريع من الرجز ثلاثى التفعيلات، وجاء بعض مقاطعها موقوفا وبعضه الآخر سالما.
ولا يضير هذا سعة البحر. ومع أن إيفالد Ewald قد قارب الصواب حين قال فى مؤلفه (De metris carninum ar) إن جميع بحور العرب التقليدية يمكن أن ترد إلى الرجز فإن هارتمان Hartmann M. قد استطاع أن يثبت أن ما لا يقل عن خمسة وعشرين بحراً من البحور المستحدثة تمت بجلاء إلى الرجز (Actes du ١٠ eme Congres des Orienatalistes جـ ٣، قسم ٣، ص ٥٦ وما بعدها)
أغراض الرجز: يقول ابن قتيبة فى مصنفه "طبقات الشعراء" مادة "الأغلب (بن جشم) الراجز": كان الرجز فى العصر الجاهلى إنما يقول الرجل منه البيتين أو الثلاثة إذا "خاصم أو شاتم أو فاخر". والواقع أن أقدم قصائد الرجز التى بقيت هى قصائد قصار فى الحماسة كالتى ذكرناها لابنتى فند ومفاخرة عنترة. والرجز يستعمل فى غرض آخر هو الرثاء، وهو كما يقول جولدسهير Abhandlungen: Goldziher جـ ١، ص ٧٧) يحل محل "السجع".
стр. 5048
والحق أن جولدسهير قد تجاوز القصد بقوله إن الرجز نشأ عن السجع بعد إخضاعه للميزان العروضى metrische")
('Disciplinierung .
وربما كان الأمر كذلكُ، وقد يعترض عليه بأن أى وزن من الأوزان يمكن أن ينشأ عن السجع أيضا لا لشئ إلا لأنه مفتقر إلى الميزان العروضى. ومهما يكن من شئ فإن الرجز لم يقتصر على الحماسة وما يشبهها وقتا طويلا، فقد أصبح يستعمل فى شعر المناسبات كمقطوعة الصيد لطرفة التى أشرنا اليها، وفى وصف الأيام، والرثاء، كما استعمل بصفة خاصة فى المديح والفخر والأمثال الموجزة الحكمية (انظر قصائد الرجز فى حماسة البحترى) على أننا نجد أن للرجز شأنا جد يسير فى هجاء البلغاء فأنت لا تجد مثلا قصيدة واحدة من شعر الرجز فى حماسة أبى تمام فى القسم الخاص بالهجاء، كما أن جريراً والفرزدق لم
يستعملا هذا الوزن الحماسى القديم كثيراً كما كان المرء يتوقع منهما.
ومهما يكن من شئ فإن مجال استعمال الرجز قد اتسع اتساعاً كبيراً بالقياس إلى ما كان عليه فى العصر الجاهلى. بيد أن الراجز ظل يقتصر على أبيات قليلة يغلب عليها الارتجال. وليس من شك فى أن عادة الارتجال فى الرجز هى السبب فى أننا نجد بين
الحين والحين أخطاء نحوية فى هذا الوزن مثل "ثنْتا حَنْظل" (حماسة أبى تمام، ص ٨٠١) أو حذفا شاذا لبعض الكلمة مثل رُبْ (وصحتها رُبْ) فى دواوين الشعراء الستة الجاهلين، ص ١٣٣، قصيدة رقم ٢٨ لامرئ القيس) أو نعثر على "التقاء الساكنين" غير الجائز فى آخر الأبيات التى أوردها لسان العرب (جـ ١١، ص ٣٤٨).
وروى ابن قتيبة (المصدر السابق ص ٣٨٩، وقد نقل عبارته آلفرت قبل ذلك فى Bemerkungen ص ١٩) أن
الأغلب بن جشم شاعر جاهلى إسلامى، وهو أول من شبه الرجز بالقصيد وأطاله. ونجد فى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى شاعراً آخر عنى باقتفاء أثر الأغلب، هو العجاج التميمي،
стр. 5049
ثم تلاه ابنه رؤبة الذى أدرك بداية العصر العباسى (توفى عام ١٤٥ هـ = ٧٦٢ م). وقد أنشأ هذان الشاعران وغيرهما طائفة كبيرة من شعر الرجز يمكن أن توازن حقا بالقصائد الطوال التى على البحور الأخرى (انظر مدح رؤبة للسفاح الخليفة العباسى الأول
الذى يبلغ مالا يقل عن أربعمائة مصراع). وهى من حيث الشكل إنما تمتاز عن القصائد الأخرى بوزنها (ومن ثم عرفت القصيدة من الرجز بالأرجوزة) وبالإكثار من مهجور اللفظ (والراجح أن ذلك يرجع إلى تعدد لهجات القبائل) وبتقفية جميع المصاريع. أما الغرض الشعرى فهو بعينه الذى يطرقه الشعراء فى القصائد التى على الأوزان الأخرى.
على أن الشهرة الواسعة التى كسبها العجاج ورؤبة وغيرهما من الرجازين لهذا البحر الذى كان أثيراً لديهم لم تدم طويلا. فنحن نجد فى أوائل العصر العباسى اتجاها ملحوظا نحو التخصص فى استعمال هذا البحر، فبينما نراه فى الجاهلية وصدر الإسلام
البحر المستعمل فى الحماسة، فإنا نراه يستعمل بعد ذلك فى القصص، والوصف، والتعليم خاصة. فالشاعر ردينى بن عبس الفقعسى يصف فى المقطوعة رقم ١٤٣٤ من حماسة البحترى حادثا له مع تاجر من التجار، كما أن مخمسة أبى نواس التى أشرنا إليها آنفا فيها شئ من صفات الأغانى الفكهة. والشاعر يروى لنا فيها كيف أغراه وسيط على الزواج فوقع فى مأزق حرج. ويستعمل أبو نواس أيضا الرجز ذا المصراع والقافية الواحدة سواء أكان موقوفا أو سالما فى طردياته خاصة، وبعضها قصص والبعض وصفى. ولم يقف استعمال الرجز عند هذه الأغراض الشعرية بل تعداها إلى شعر المناسبات بجميع أنواعه. ومعظم
مقطوعات الرجز التى صنعها الوأواء من هذا القبيل (انظر الشواهد على ذلك فى الكتاب السابق ذكره، ص ١٣٠ وما بعدها).
стр. 5050
والذى حدث آنئذ أن المزدوجات من الرجز ذى المصراع الواحد قد اقتفت أثر البحور الأخرى وسايرتها، فتولد منها جميعا الأساس العروضى للملحمة فى نطاقها الواسع، أو قل إنها أعانت العرب فى جهودهم الصادقة التى بذلوها فى هذا السبيل. وإذا كانت هذه الجهود لم تلق نجاحا كبيرا، فإن ذلك لم يكن على التحقيق خطأ هذا البحر. ونحن نذكر فى هذا الباب القصيدة (فى ٤١٩ بيتا من المزدوج) التى قالها ابن المعتز المتوفى عام ٢٩٦ هـ (٩٠٨ م) فى الخليفة المعتضد (- zeitschrift, der Deuts chen Morgenl, Gesellschaft, العدد ٤٠، ص ٥٦٤ وما بعدها؛ العدد ٤١، ص ٢٣٢ وما بعدها) والقصيدة (فى ٤٤٦ بيتا من المزدوج) التى أشاد فيها ابن عبد ربه المتوفى عام ٣٢٨ هـ (٩٤٠ م) بغزوات عبد الرحمن الناصر الأندلسيّ الأموى (العقد، فى آخر كتاب "العسجدة الثانية"). وهاتان الأرجوزتان تتفاوتان فى أسلوبهما بين الأخبار المنظومة والمديح، والأرجوزة الثانية ضعيفة الصلة بالشعر فى معناه الرفيع.
وهذا يصدق بصفة خاصة على المقطوعات التعليمية التى يخطئها الحصر والتى اصطنع لها الرجز، بل إنا لنلاحظ كثيراً فى شعر الرجز المتقدم كلفاً بالإيجاز، كما أن مزدوجات أبى نواس وأبى العتاهية المشار إليها آنفاً من ذوات التفعيلتين أو الثلاث هى فى
واقع الأمر مجمع للأمثال. وازداد الأمر سوءاً عند ما تشبث المعلمون بالرجز مساعدة للطالبين على حفظ شتى الموضوعات. ومع أن الناس لم يهملوا البحور الأخرى كل الإهمال، فإنهم كانوا يستعملون الرجز، وبخاصة المزدوجات ذات المصراع الواحد، كلما أرادوا نظم آية موضوع من موضوعات العلم. وخير شاهد على ذلك ألفية ابن مالك فى النحو العربي، ومقدمة الجزرى فى التجويد (انظر هذه المادة؛ Gesch. der. Arab. Litt.: Brockelmann، جـ ٢، ص ٢٠٢ فى منتصفها) وتحفة الحكام لابن عاصم فى فقة المالكية.
ونجد شواهد أخرى فى كتاب بروكلمان المذكور (جـ ٢، ص ٩٦، رقم ٢٩/ ١: الكلام والفقه، والتصوف؛ الكتاب نفسه: ص ١٤١، س ٢ - ٤ "التوريث"،
стр. 5051
ص ١٤٢، رقم ٥/ ١١ "البلاغة" ص ١٧٩؛ فقرة ٨/ ٢ - ٥ "الأوقيانوغرافيا" وكذلك عن تعيين القبلة وتقويم البلدان الخ ... ) ومجموعة المتون التى نشرها فى القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ مصطفى البابى الحلبى.
على أن ثمة سؤالا مازال فى حاجة إلى جواب، ، هو كيف أن الرجز الذى استهدف إثارة العواطف، وكان أهلا لذلك كما يستدل من استعماله فى الأصل، قد انتهى إلى وزن خاص بالقصص والوصف والتعليم، بل قل إنه غدا بحق نظما ركيكا يستخدمه المعلمون فى حشو أذهان الطلاب؟ وعلة ذلك أن الرجز، بفضل مافيه من سعة عروضية، كان أيسر منالا من البحور الأخرى. على أننا نجد أولا أن هذا التحرر قد اصطنع أيضاً فى البحور الأخرى (Grammar: Wright Arabic جـ ٢، فقرات ٢٠٥، ٢١٦، بحور السريع والبسيط والمنسرح)، ونجد ثانياً أن الشعراء والعلماء الذين استعملوا الرجز فى أغراض سلمية لم يكونوا بحال هواة غير مجيدين، بل كانوا قوما يستطيعون أن يجيدوا تناول أوزان أخرى أكثر منه صعوبة.
والسبب فى تفضيلهم الرجز يجب أن يلتمس فى ناحية أخرى، ولكن أين؟ ... نستطيع فى هذا المقام أن نفترض أنهم فضلوا هذا الوزن الذى يثير الانفعالات لأنه يشيع الحياة فى موضوعات لا تستهوى الناس أو قل إنها ميتة.
المصادر:
وردت المصادر فى صلب المادة، ونذكر إلى ذلك:
(١) مقال كولد سيهر: Bemerkungen Zur Arabischen Trauerpoesie فى Weiner
-Zeitschr. Fur die Kubde des Mor ,genlandes العدد ١٢ (١٩٠٢ م).
ص ٣٠٧ - ٣٣٩؛ وانظر بصفة خاصة.
(٢) الفصل الرابع من مقدمة كراتشوفسكى لطبعته لديوان الوأواء، ١٠٩ - ١١٣، ١١٦، ١٢٢، ١٣٠_١٣١، وهذه الصفحات جديرة بالتنويه.
وإنى لمدين بالفضل لـ كب Gibb لأنه لفتنى إلى هذا المصدر الأخير.
يونس [شاده A. Schaade]
стр. 5052
الرجم
رمى الحجارة. ومادة ر- ج- م أصلها سامى، وتوجد مشتقاتها فى "العهد القديم"، بمعنى "قتل مخلوق بغيض أو طرده برميه بالحجارة"، والـ "رجم" "الحجارة المجتمعة، أو جماعة الناس أو الصياح أو الصخب" ومعنى مادة ر- ج- م فى لغة العرب هو القتل بالرمى بالحجارة أو السب واللعن، والرَجْم الحجارة مجتمعة، وهو يدل أيضاً على الحجارة التى تنصب على القبور إما على هيئة علامات وشواهد منفردة، وإما على هيئة حجارة مجتمعة. وقد نهى الحديث عن نصب الرجَم فوق القبور، ويوصى بأنُ يْجَعل القبر فى مستوى سطح الأرض. وقد اخُتلف فى قول عبد الله بنُ مَغفل المزني: "لا تُرجِّموا قبرى"، فقيل معناه: لا تجعلوا عليَه الرَجم، وهو الحجارة، أراد بذلك تسوية قبره بالأرض وألا يكون مرتفعاً مُسنَّما؛ وقيل معناه: لا تنوحوا عند قبرى، أى لا تقولوا عنده كلامًا قبيحاً، من الرجم، بمعنى السب والشتم.
ورمى الحجارة أو موضع رميها عند منى يسمى الجمرة. وقولهم "جمرات العرب"، مأخوذة من الجمرة، وهى القبيلة المجتمعة يداً واحدة، تقاتل من ناوأها ولا تنضم إلى أحد. وهنا نجد المعنيين القديمين لمادة ر ج م التى يمكن ردّها إلى مادة جـ -م، وهى فى العربية "جم" و"جْمع". وفقهاء اللغة العربية يرون أن "الجمرة" بمعنى مجمع الحصى مأخوذة من قولهم "جمرات العرب" وعلى هذا فيجب ألا يغرب عن بالنا خاصة المعنى المزدوج لكلمة "رجم" وكذلك تبدّل مكان الحروف من قولهم "جَمر" ألى قولهم: "رجم".
وإلى جانب ماتدل عليه كلمة "الرجم" من حد الزنا برمى الزانى بالحجارة فهى تدل أيضًا على رمى الجمرات فى منى، وهو من الشعائر التى كانت موجودة قبل الإسلام، وأبقاها النبى ﵊ وجعلها من مناسك الحج (١).
стр. 5053
والقرآن لا يذكر هذا المنسك من مناسك الحج، وإنما ورد فيه فعل" "رجم" بمعناه فى العهد القديم، وهو رمى الكافرين للأنبياء بالحجارة، كما وردت فى القرآن كلمة "الرجيم" (= المرجوم) فى صفة الشيطان، بمعنى طرد الملائكة له ورجمهم إياه برجوم
من نار، كما جاء فيه فعل "رجم" بمعنى مجرد يدل على تطور طويل فى دلالة هذا الفعل (١) (سورة "الكهف" آية ٢٠، ٢٢).
ورمى الجمرات بالحصى فى منى قد نصت عليه الأحاديث فى كتب الصحاح، وهناك الحج الكامل، وهو حج النبى ﵊، وهو الذى نجده فى الكتب المختصرة فى "مناسك الحج" مثل "رسالة ابن تيمية" (قارن إبراهيم رفعت جـ ١، ص ٨٩ ومابعدها). وبعض الأحاديث الأولى (مثل البخارى، كتاب النكاح ب ٢ (٢) وكتاب السَّلم ب ١، ٢، والعمدة (٣) جـ ٨، ص ٤٨٩) تدل على أن النبى ﵊ كان لابد له أن يضع قواعد لمسألة "الوقوف"، وهو الركن الذى يكون به تمام الحج. فكان الُحْمس (٤)، وهم قريش ومْن دان بينها يقفون فى جمع (المزدلفة)، فى الحرم.
وكان سائر العرب يقفون بعرفات خارج الحرم (٥). ولما كان لابد للنبى ﵊ من أن يختار بين أصحابه الذين يرجعون إلى أصلين مختلفين، أعنى المهاجرين والأنصار، فإنه اختار مع الآخرين الوقوف بعرفة، ولكنه احتفظ بوقوف ثانوى فى
المزدلفة، كما احتفظ بالإفاضتين، وهذا الجمع الجديد بين المناسك يتم برمى الحصى فى جمرة العقبة.
стр. 5054
ولما كانت العقبة تقع فى بطن وادى منى، على الممر المنحدر إلى مكة، فإنَها ليست "من منى، بل هى حد منى من جهة مكة" (العمدة جـ ٤، ص ٧٧٠).
وفى صباح يوم النحر يهبط الحاج فى الوادى، ويمضى دون أن يقف بالجمرة الأولى، وبعد ٤٠ , ١٥٦ متراً يصل إلى الجمرة الوسطى، وبعد ذلك بـ ٧٧، ١١٦ متراً يصل إلى جمرة العقبة (راجع إبراهيم رفعت، جـ ١، ص ٣٢٨). وهنا يرمى سبع حصيات، وهذا هو أحد المناسك الأربعة التى يقصد منها فى يوم النحر التحلل من الإحرام. ويجب عليه أيضًا أن يحلق شعره، وأن ينحر،
وأن يفيض إلى مكة. والإفاضة هى التى يكون بعدها للحاج أن يقرب أهله. أما المناسك الثلاثة التى قبلها فهى التى بأدائها تزول التكاليف عن الحاج. ولكن الفقهاء مختلفون فى ترتيب أدائها. وفى الأحاديث الشريفة أن النبى [ ﷺ ] أجاب فى أمر الحجاج الذين تحرجوا لأنهم لم يقضوها على الترتيب الذى قضاها هو به بأن قال: "لاَ حَرَج" البخارى (، كتاب
الحج، البابان ١٢٥، ١٣٠ ... إلخ)، ويقال فى تفسير ذلك إن النبى ﵊ لم يشأ فى ذلك اليوم الذى هو يوم سرور أن يؤلم نفوس الجاهلين من العرب، ونستطيع أن نتصور أن أولئك العرب لم يتبعوا عادات قريش، وأن النبى ﵊ لم يكن عنده الوقت لفرض ما اختاره من بين العادات المختلفة ولا كان هو يميل إلى فرضه.
فقد كان النبى يبدأ برمى الجمار فى العقبة. وكان بعد أن يحلق وينحر وُيفيض يعود للمبيت بمنى وفى اليوم الأول والثانى والثالث من أيام التشريق كان يرمى سبع جمرات منتهياً بجمرة.
العقبة. فعلى الحجاج الذين يريدون أن يسَتنوا بسنة النبى ﵊ أن يرموا ٧ + (٧ × ٣) ٣ = ٧٠ جمرة. ولكنهم فى العادة يأخذون بالرخصة التى جاءت فى الحديث، فيخرجون من منى فى اليوم الثانى من أيام التشريق من غير أن يرجعوا إليها، وعلى هذا فهم لا يرمون إلا ٧ + (٧ × ٢) ٣ = ٤٩ جمرة. ومن الراجح أنه لم تكن هناك عادة قديمة. ووجود جثث
الأضاحى التى كانت تنحر كان يجعل
стр. 5055
من منى مكاناً بشعاً. ومن العسير أن يدرك الإنسان معنى ما يقوله ويفل (Pilgrim: Wavell, ص ٢٠٢) من أنه رمى ٦٣ جمرة، أى: (٧ × ٣) ٣ = ٦٣.
على أن هذا هو عدد الأضاحى التى نحرها النبى ﵊ بيده، أضحية عن كل سنة من سنوات حياته.
ورمى الحصى فى جمرة العقبة يكون فى يوم النحر، والحجاج محرمون، أما رمى الجمرات فى الأيام الثلاثة التالية لذلك فالحجاج يؤدونه بعد زوال الإحرام. وليس شئ من ذلك ركنا من أركان الحج.
وترمى حصيات صغيرة أكبر من الحمص لكن دون البندق، وهو ماسماه قدماء العرب "حصى الَخذْف"، التى كانت ترمى إما بأطراف الأصابع، وإما بقطعة من الخشب على هيئة المقلاع، وهى المخذفة (الترمذى، جـ ٤ ص ١٢٣) (١). وهناك حديث ينهى عن هذه اللعبة الخطرة، فقد نهى النبى ﵊ عن الخذف بالحصى وقال إنّه يفقأ العين ولا ينكى العدو
ولا يحرز صيدا. ومن ثم لاشك أنه كان له طابع سحرى أو وثنى ما (٢) وكان يتعين أن تجمع الجمرات من الحجم المناسب، ولا يصح أن تقطع من جبل، ولا يصح أن تكون من الذهب أو الفضة أو نحوها. على أن بعض النصوص تجوز رمى نوى التمر أو بعر الجمل أو العصفور الميت، وهذه أشياء كان نساء الجاهلية يستعملنها فى آخر فترة الترمل والوحدة لإزالة دنس الترمل
والتمهيد لحياة جديدة. ويندب التقاط الحصيات التى ترمى عند العقبة من المشعر الحرام، عند المزدلفة، خارج منى. أما الحصيات الثلاث والستون الباقية فهى تؤخذ فى العادة من وادى منى، لكن من خارج المسجد، بعيداً من الجمرات، لكيلا يرمى الحاج بحصى قد رمى به غيره من قبل (ابن تيمية ص ٣٨٣) على أنه يقال إن الملائكة تأخذ الجمرات إلى يقبلها الله من راميها- أما الحصى الذى يجمع ولا يستعمل فيجب
стр. 5056
أنُ يْدَفن، لأنه تصير له صبغة مقدسة تجعله خطراً (١).
والحج النموذجى الكامل المروى عن النبى ﵊ يجعل رمى الحصى فى جمرة العقبة فى يوم النحر. ويدل هذا الحج على أن النبى ﵊ كان يبدأ بالإفاضة فى المزدلفة بعد صلاة الفجر ويرمى الحصى بعد شروق الشمس.
ولكن الشريعة سمحت بأوقات أخرى، وكان ذلك بحكم بقاء العادات القديمة أكثر مما كان بدوافع التسهيل والتيسير، فالشافعى، خلافا للأئمة الثلاثة، يجيز رمى حصى العقبة قبل الشروق (إبراهيم رفعت، جـ ١، ص ١١٣) وبالجملة فإن وقت رمى الجمار يجوز أن يمتد إلى الضحى، وإلى الزوال، وإلى الغروب، وإلى الليل، وإلى صباح اليوم التالي: وهذه المخالفات
للسنة المعروفهُّ يكفر عنها بنحر شاة أو بصدقة، على حسب اختلاف المذاهب.
ورمى الحصى فى أيام التشريق الثلاثة يكون عند الزوال، وفى هذا أيضاً آراء مختلفة (البخارى، كتاب الحج، باب ١٣٤). وقد تجنب الشرع دائما فى تحديده وقت رمى الجمار أن يكون ذلك فى وقت إحدى العبادات المفروضة، كالصلوات التى تكون فى الأوضاع الثلاثة للشمس (٢) وهى الشروق والظهيرة والغروب. وقد بين فنسنك. A (J.Wensink: الترجمة العربية للدائرة، ) جواز كون الحج الوثنى قبل الإسلام حجا ذا صبغة ترجع إلى الشمس.
وقد رمى النبى ﵊ جمرة العقبة، وهو فى بطن الوادى، راكبا ناقته، متجها إلى الجمرة، بعد أن جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، وبينه وبين الجمرة خمس أذرع (ثمانى أقدام) ولكن يجوز رمى الجمرة من مواضع أخرى. ويصف إبراهيم رفعت جـ ١، ص ٣٢٨) جمرة العقبة بأنها حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة امتار فى عرض نحو مترين أقيم
стр. 5057
على قطعة من صخرة مرتفعة على الأرض نحو متر ونصف، ومن أسفل هذا الحائط حوض من البناء تسقط إليه حجارة الرجم. ويقال إن جهال الناس أزالوا جمرة العقبة عن مكانها برميهم الحصى فى غير موضعها ثم ردت إلى مكانها فى سنة ٢٤٠ هـ =
٨٥٤/ ٨٥٥ م (الأرزقى، ص ٢١٢).
وقد رمى النبى ﵊ الجمرتين الأخريين راجلا، مستقبلا القبلة. وبالجملة فإن رمى الحصى يكون من أى موضع وقف فيه الإنسان.
ووقوف الرامى متجها إلى الجمرة التى يرجمها يمكن تعليله بأنه يرجع إلى طبيعة الموضع، لكنه يتفق أيضا مع القصد إلى لعن الشيطان فى وجهه. أما وقوف الرامى متجها بوجهه إلى الكعبة فهو يرجع إلى ما يؤثر فى الإسلام من قصة الفتنة من جانب الشيطان، وإلى فرض التكبير الذى سنبينه فيما يلى.
وبحسب السَّنة يجب وضع الحصى على الإبهام والسبابةَ مَحْنيَّة عليها، ثم ترمى واحدة كما ترمى الكرات البلورية الصغيرة فى اللعب بها. على أن الشارع لم يهمل ما قد يكون من رمى الحصيات السبع معا، أعنى باليد مملوءة فرئى أن تعتبر الرمية بمثابة حصاة واحدة، كما رُئى التدارك للخطأ أو السهو بالفدية.
ولا يجوز رمى الحصى بشدة، كما لا يصح أن يقول الرامى عند الرمى: "إليك! إليك! " (الترمذى جـ ٤، ص ١٣٦) , وذلك عادة وثنية كان البدو فى العصر الحديث لا يزالون عليها حتى عهد قريب جدا (إبراهيم رفعت جـ ١، ص ٨٩) ويظهر أن النبى ﵊ كان يرمى بشئ من الشدة لأنه رفع يده "إلى حذاء حاجبه الأيمن" (الترمذى جـ ٤، ص ١٣٥) (١) وحتى ظهر إبطه (البخارى، كتاب الحج، ب ١٤١) (٢)
وعند المسلمين يكون رمى كل حصاة مصحوباً بدعاء. ومن المتفق عليه أن التلبية تنتهى فى عرفة أو على الأقل قبل الرمي فى جمرة العقبة. البخارى، كتاب الحج، ب ١٠١) وبعض العلماء يجوزونها بعد العقبة، ويجوز التهليل
стр. 5058
والتسبيح، لكن التكبير هو المستحب (ابن تيمية ص ٣٨٣: البخارى؛ كتاب الحج، البابان ١٣٨، ١٤٣) وقد رأى العلماء مع التطور فى فهم الشعائر فهمًا روحياً أن الدعاء هو العنصر الجوهرى فى الشعائر. أما رمى الحصى، وأما هيئة الإبهام والسبابة
التى تجعل منهما عند الرمى "عقْداً" يمثل رقم ٧٠ فليس إلا شيئاً رمزياً من شأنه أن يذكر الرامى بالدعاء، "وإنما جعُل رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله" (الترمذى، جـ ٤، ص ١٣٥) (١) أما عند الغزالى (الإحياء، جـ ١، ص ١٩٢) فالمقصود من رمى الجمار هو الانتهاض لمجرد الامتثال لله "من غير حظ للعقل والنفس فيه" تشبها بإبراهيم ﵇ حيث عرض له إبليس فى ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية، فأمره الله أن يرميه بالحجارة، طرداً له
وقطعاً لأمله، فالإنسان فى الظاهر يرمى الحصى فى العقبة وفى الحقيقة يرمى به وجه الشيطان (قارن - Gold Richtungen: ziher ص ٢٥٢) والرامى الصالح يدعو وهو يرمى، والدعاء بمثابة الرمى من حيث قضاء المناسك. والدعاء المشهور هو: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً"
وطبيعى أن يكون ثم وقوف بعد الرمى فى العقبة وقبل الرمى فى الجمرتين الواقعتين أعلى منها.
والوقوف بعد الرمى فى الجمرة الثانية خاصة أطول من غيره، ويقاس طوله بما يكفى لقراءة سورة البقرة أو سورة يوسف أو آل عمران، هذا بتحريف مدلول فى الحديث (البخارى، كتاب الحج، ب ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧) (٢) ويجوز
стр. 5059
أن هذا الوقوف قد حل محل منسك قديم كان يقصد منه اللعن.
ومخالفة الأصول التى تجب مراعاتها فى قضاء هذه المناسكُ وخصوصاً فيما يتعلق بعدد الحصى ووقت رميه (العمدة جـ ٤، ص ٧٦٧ وما بعدها؛ إبراهيم رفعت جـ ١، ص ١١٣) تجب فيها فدية رأى الفقهاء أن يحدوها فيما بين نحرَ هْدى أو التصدق بُمدَ من طعام.
وقد حاول فقهاء المسلمين أن يفسروا رمى الجمار فى منى. فبعض المفسرين (كالطبرى، التفسير جـ ٢٥، ص ١٦٧) قد تبينوا فى وضوح تام أن رمى الجمار يمثل شعائر قديمة، وهم شبهوه برمى قبر أبى رجال. وثم شعائر أخرى معروفة كالتى عند بئر ذى الحليفة Betyles: Lammens ص ٩٤) وتدل المراجع المذكورة على انتشار هذه الشعيرة، كما تبين الأحوال التى تجعلنا واثقين أن المسألة هى مسألة طرد الشر. ويمكن أن تضاف إلى ذلك عادات أخرى، فمثلا كان يرمى الحصى وراء شخص إذا ذهب إظهاراً للرغبة فى ألا يعود (مقامات الهمذانى طبعة بيروت ص ٢٣) ويذكر أنه كان من عجائب الإسكندرية عمودان يسميان عمودى الإعياء وكانا ملقيين ووراء كل منهما جبل حصباؤه كصبر الجمار بمنى، فيقبل العيُّى بسبع حصيات حتى يستلقى على أحدهما، ثم يرمى وراءه بالحصيات السبع ويقوم ولا يلتفت، ويمضى لطلبته فلا يحس بشئ من تعبه (صبح الأعشى للقلقشندى جـ ٣، ص ٣٢٢) ولكن المضى فى المقارنات سيبعد بنا عن جزيرة العرب Pro-: Lods
phetes d' Israel ص ٣٥٤)
والمأثورات الشعبية ترد رمى الجمار كما ترد كثيرا غيره من المناسك إلى إبراهيم ﵇ فيروى أن الشيطان تعرض لإبراهيم أو هاجر أو إسماعيل، بل تعرض لمحمد [ ﷺ ] نفسه لكى يفتنه عن قضاء مناسك الحج فرماه بالحجارة وطرده، فإذا أخذنا من ذلك أنه سمى الرجيم فإنما نكون بسبيل تفسير آية ٥ من سورة الملكُ (انظر ما تقدم).
стр. 5060
ويود الباحث أن تتاح له معرفة مكان رمى الحصى بين شعائر الحج قبل الإسلام. ويتعين عليه فى هذه الحالة أن يكون فكرة واضحة عن معنى الشعائر وتفاصيلها وعما كان لرمى الحجارة والرجامة المقدسة من شأن فى العصر القديم من تاريخ الأمم السامية وأمم البحر المتوسط. ويظهر أن رمى الحجارة كان من شعائر طرد الشر، جاء مع تحلل الحاج من الإحرام.
ويظهر أيضاً إنّه يقصد منه أن يكون سبباً فى حفظه من الشر متى عاد إلى حياته العادية. ومن الجائز أن رمى الحجارة كان فى وقت من الأوقات يعقب النحر، وأن النحر كان يحدث فى عرفة والمزدلفة.
المصادر:
يضاف إلى ما ذكر فى صلب المقال
(١) إبراهيم رفعت باشا: مرآة الحرمين، القاهرة ١٣٤٤ هـ (جزءان)
(٢) ابن تيمية: رسالة مناسك الحج، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، القاهرة ١٣٢٣. الجزء الثانى، ص ٣٥٥.
م. أبو ريدة [ديمومبين Gaudefroy - Demombynes]
رجوع
بمعناه فى المذهب الأفلاطونى الجديد، هو الموضوع الأساسى للكتاب المنحول لأرسطو والمسمى "أثولوجيا أرسطو طاليس". ومسألة الرجوع هنا تتعلق فى الغالب بالنفوس الجزئية التى هبطت أو سقطت إلى هذا العالم الحسِّى واتصلت بالأبدان، ثم هى
تتطهر بالمعرفة وترجع إلى وطنها الأول فى العالم العقلى. وهذا الرجوع إما أن يكون على صورة الفناء فى العالم الأعلى أثناء الحياة، وأما أن يكون بعد مفارقة النفوس للأبدان عند الموت.
وتستعمل فى ذلك كلمة "مرجع" إلى جانب كلمة "رجوع" فى كثير من الأحيان وتتصل بذلك طائفة من الاصطلاحات، وهى ذات معنى مشابه لمعنى الرجوع أو مبين له بياناً أدق.
على أن المترجمين العرب الذين ترجموا كتاب "أثولوجيا" قد أخذوا بعض مصطلحاتهم من القرآن والسنة النبوية، ولكن لابد لنا من أن نقتصر هنا على الكلام عن معنى الرجوع فى المذهب الأفلاطونى الجديد وعن تقبل المسلمين لهذا المعنى.
стр. 5061
والقول بالرجوع، بمعنى من معانيه مقابل لمعنى الانبجاس أو الفيض فكل شئ يأتى من الله وإليه يرجع على أن التفكير الفلسفى والتفكير الأسطورى الرمزى (المتعلق بالنفس) يمتزجان هنا أكثر من امتزاجها فى مذهب الفيض.
وأساس ذلك هو اتفاق الأولين والآخرين على القول بأن النفس الناطقة جوهر عقلى محض، وعلى القول بأنها باقية لا تفسد ولا تفنى، وهذا القول لا يستند إلى البرهان الفلسفى فحسب بل يؤيده أيضاً ما هو معروف منذ القدم من الترحم على الماضين من الأسلاف والاستغفار لهم، ومن الاستغاثة بأرواح الموتى عند الهياكل المبنية لهم والمسماة بأسمائهم (انظر كتاب أثولوجيا، طبعة
ديتريصى ص ٧ وما بعدها). وهنا نجد مزجاً وتوفيقاً بين المأثور من الآراء الأورفية الفيثاغورية، وآراء سقراط وأفلاطون وأرسطو.
فلنبتدئ بفكرة إجمالية نأخذها من كتاب أثولوجيا. (ص ٤ - ٨، وفى مواضع مختلفة) النفوس الإنسانية، أعنى النفوس الناطقة، لا تشعر وهى فى البدن الأرضى بأنها فى وطنها.
وهى بالنظر إلى سجنها فى أدناس المادة تشتاق إلى الرجوع إلى أصلها الطاهر، وذلك لأنها كانت من قبل جزءاً من النفس الكلية الشريفة التى أوجدها الله بتوسط العقل، وهى لما كان محلها فى النفس الكلية كانت فى مركز الكل.
وللنفس الكلية وجهان: فهى من حيث أنها متجهة إلى أعلى تشاهد العقل وتشاهد الله بتوسط العقل. وهى من جهة أخرى متجهة إلى العالم الحسِّى الذى صدر عنها والذى تدبِّره (قارن كتاب أثولوجيا ص ٢٠). ولما كانت النفس الكلية هى علة العالم الحسى فإنها تعرف معلولها، ولكنها من حيث هى جوهر عقلى تبقى دائماً ثابتة فى عالم العقل، ومع هذا فربما اشتاقت أجزاء من النفس الكلية إلى الأشياء الأرضية شوقا شديداً فعرفتها ومالت إلى الاتحاد بها. وهذا هو السبب فى هبوط النفوس الجزئية (نزول، تنازل، تنزل إلخ = باليونانية).
стр. 5062
ولكن لما كانت نفس جزئية تشارك فى الوجود العقلى وفى حياة الدوام فإنها لا يمكن أن تهبط هبوطاً كاملاً (قارن ص ١٣٢): فهى من جهة لا تزال متعلقة بالعالم العقلى، وهى من جهة أخرى تتصل بالعالم الحسى، وهى من جهة ثالثة تتحرك وتتنقل بين العالمين، ويجب بطبيعة الحال تأويل هذا التحرك تأويلا روحانياً، أعنى مستقلاً عن الزمان والمكان.
ودرجات هبوط النفس الجزئية تختلف اختلافاً كبيراً، وهى كلما انغمست فى المادة نسيت أصلها السماوى، وإذا اتبعت شهواتها ولذاتها لم تستطع الصعود إلى عالمها الشريف الأعلى، حتى بعد مفارقتها للبدن بالموت، إلا بتعب شديد. أما النفوس
النقية التى انصرفت عن الشهوات ولم تتدنس بأوساخ البدن بل تأهبت بالأعمال الصالحة وتطهرت- وهذا هو الأهم .. بالمحبة والمعرفة، فإنها تستطيع، إما فى حالة الفناء (كتاب أثولوجيا وقارن فى ذلك: L. Massignon: Textes inedits ص ١٣١ وما بعدها) وأما بمفارقة البدن، أن تصعد (صعود، نهوض، ارتفاع، ترقى = (باليونانية) إلى أصلها حيث تشاهد العقل وتشاهد بتوسطه الله ذاته فى نوره وبهائه. وقد تكلم أفلاطون من قبل عن هذا الصعود (فى الجمهورية مثلا، الكتاب السابع ص ٥١٧ ب: حسب كتاب أثولوجيا (ص ٩ والصفحات التالية) فيقال إن أنباذوقليس وأفلاطون وفيثاغورس حثوا أيضاً على هذا الصعود. ويضيف إخوان الصفا إلى هؤلاء الفلاسفة بطلميوس الفلكى، كما أنهم يؤولون ارتفاع المسيح عليه
السلام ومعراج محمد ﵊ تأويلا روحانياً وقد فعل الفلاسفة والصوفية المسلمون مثل ذلك.
ويتضح مما تقدم أن صعود النفس إلى أصلها يمكن أن يسمى "رجوعاً"، وهو يوسف وصفاً أدق بأنه رجوع النفس إلى داخلها، إلى ذاتها، فهو
стр. 5063
دخول الانسان فى نفسه ووصوله إلى أن يشعر بنفسه، وليس هذا انعداما ولا فسادا. وقد سار الصوفية المتفكرون بين المسلمين فى هذا الاتجاه أبعد من ذلك بكثير.
ويقول كتاب أثولوجيا (ص ١٨ والصفحات التالية) إن الرجوع إلى الأصل أو إلى الوجود لا يمكن أن يكون إلا حالا للنفس لا للعقل، وذلك أن العقل يبقى على حال واحدة، وهو لا يتغير، فلا حاجة له بالرجوع إلى ذاته. والعقل والعاقل والمعقول كلها فى وجوده شئ واحد دائما. وإذا نسب إلى العقل فى كتاب العلل (طبعة Bardenhewer الفصل السادس، وقارن الفصل الرابع عشر) إنّه يرجع إلى ذاته فإن هذا لا يصح فهمه إلا على أنه عند ذلك يعقل ذاته عقلا لا ينقطع وإلى هذا الحد يمكن
القول بأن الآراء فى هبوط النفس ورجوعها إلى عالمها ليس بينها كبير اختلاف، فهى تعطينا عن حياة النفس فى البدن فكرة فيها تشاؤم ولكن لها تفسيرا فيه تفاؤل أيضا (أثولوجيا ص ١٠) ويلاحظ أنه منذ أيام أفلوطين صار كلام أفلاطون فى محاورة طيماوس (قارن ص ٢٨ والصفحات التالية) يُفَسَّر على نحو غير ما هو موجود فى محاورة فيدون وفيدروس وفى الجمهورية. ففى طيماوس أن الله خلق هذا العالم الجميل وهو بفضله العظيم قد هيأ فيه العقل والحياة (= النفس)، وهو لم يكتف بإرسال النفس الكلية إلى هذا العالم بل هو أرسل نفوسنا الجزئية أيضا لكى يبلغ العالم بذلك أكبر ما يمكن له من الكمال. وإذا
استطاعت النفس الجزئية أن تدرك العالم المحسوس على حقيقته، أعنى على أنه صورة للعالم المعقول، فلا يكون اتصالها بالعالم المحسوس شراً لها. لأن كلا العالمين من الله، وهو الخير المحض. أما السؤال الوحيد فهو: ما غاية النفس فى هذا العالم؟
وكتاب أثولوجيا (ص ٤٣ وما بعدها) يجيب عن هذا بأن اتحاد النفس بالبدن ليس الغاية القصوى للنفس الجزئية. ومهما يكن من شئ فإن
стр. 5064
الاتحاد بالنفس الكلية ومشاهدة العقل والله يتيحان للنفس سعادة عليا تشتاق إليها، فهى لها مهمة إلهية، وهى إذا هبطت إلى عالم الحس فإنها تتلقى قوة من أعلى تساعدها على تكوين البدن وتدبيره، فإن لم تسرف فى الهبوط حصلت منه على فائدة واستفادت منه معرفة، لأنها عند ذلك تعرف ما لها من قوة كانت نائمة، كما تعرف طبيعة هذه القوة، وهذا هو عين غايتها، وهى أن تعرف ذاتها وتعرف عالمها. فرحلتها فى عالم الحس رحلة تدريب لها. ولذلك (ص ٨٠) لا يصح أن تُذَم النفس الجزئية ولا أن تُلاَم على تركها العالم العقلى ومجيئها إلى هذا العالم، لأنها جاءت إليه لكى تزينه وتبدى طبيعتها، وهى بعد أن تتم عملها ترجع إلى عالمها.
وكل من التفسيرين المتفائل والمتشائم فيما يتعلق بمصير النفس قد أثَّر فى المفكرين المسلمين، فالتشاؤم سائد عند الغنوصيين (Gnostics)، وإخوان الصفا وكثير من الصوفية، على حين أن الفلاسفة منذ الفارابى يزدادون ميلا إلى التفاؤل. وليُلاحَظْ أن مصطلحات كتاب أثولوجيا لم يؤخذ بها كلها، فمثلا لا نجد كلمة "الرجوع" إلا عندما نستطيع أن نتعرف من السياق على أثر للمذهب الأفلاطونى الجديد.
ولكن كلمة "الرجوع" لم تصر مصطلحاً فنياً بالمعنى الحقيقي، ونجد فى العادة بدلا منها ومن كلمة "مرجع" كلمة "معاد" و"عَود"، وهما يُؤَوّلان بأنهما رجوع بالمعنى المعروف فى المذهب الأفلاطونى الجديد.
ومن المعروف حق المعرفة أن آراء إخوان الصفا تدور كلها تقريباً على أن النفس جوهر روحانى وأنها باقية. وقد أشار جولد سيهر (Vorlesungen ص ١٣، ١٦٣؛ , Koranauslegung ص ١٨٣ وما بعدها) إلى ذلك فى كثير من
الأحيان إشارة صريحة وقد خصص إخوان الصفا القسم الثالث من رسائلهم كله للنفس (للمعاد خصوصا، الرسالتين الثانية والثلاثين والثامنة والثلاثين وما بعدها، طبعة بومباى) وعنوان الرسالة الثامنة والثلاثين هو:
стр. 5065
"فى البعث والنشور والقيامة"، وهذه مترادفات ثلاثة فى معنى البعث، وهو يؤوّل هنا تأويلا روحانيا، ولكن فى رسائل أخرى من رسائل إخوان الصفا (القسم الأول، الرسالة الثالثة، والقسم الثانى من الرسالة السابعة والعشرين إلى التاسعة والعشرين والقسم الرابع، الرسالة الثالثة والأربعين وما بعدها) شئ كثير فى الموضوع نفسه. ويذكر إخوان الصفا فى رسائلهم ذلك النص المشهور فى كتاب أثولوجيا، وهو المتعلق بالفناء الأفلاطينى (القسم الرابع، الرسالة الثانية، ص ٦٩ وما بعدها)، كما يذكرون "كتاب التفاحة" المنحول لأرسطو والمؤلف على مثال محاورة فيدون لأفلاطون (القسم الرابع، الرسالة الثانية، ص ١١٩). نعم قد يسلم إخوان الصفا أحياناً بقيمة الحياة فى هذه الدنيا، ولكن تأكيدهم لبؤس النفس الحائرة فى هذه الدنيا أشد من ذلك. وكثيراً ما يشيرون إلى أن النفوس الضعيفة لا تستطيع إسعاف نفسها، وإلى أنها محتاجة إلى للنصح والإرشاد من جانب الأنبياء والفلاسفة فى ظل حياة دينية اجتماعية، حتى يتسنى توجيه تلك النفوس فى الطريق الصحيح الذى ترجع منه إلى عالمها.
وأهم شئ هو المعرفة (Gnosis) ذلك أن العلم والحكمة للنفس كتناول الطعام والشراب للبدن (القسم الثانى، الرسالة
السابعة والعشرين، ص ٣١٣، وما بعدها). وإخوان الصفا، شأنهم شأن الرازى الطبيب والكندى الفيلسوف، وقد اختاروا سقراط كما صورته روايات اليونان المتأخرين، قدوتهم الأولى، لكنه ليس القدوة الوحيدة؛ ذلك أن النفوس الجزئية تحتاج فى رأيهم إلى فلاسفة وأنبياء كثيرين، وتحتاج أيضا إلى قادة أحياء (وهذه فى الجملة فكرة من العصر اليونانى المتأخر)، وبمعونتهم تسير النفس الخيرة الحكيمة إلى الاتحاد بالنفس الكلية، وبتوسطها تتحد بالعقل وبالله. واتحاد النفس الجزئية بالنفس الكلية هو القيامة الصغرى، أما القيامة الكبرى فهى تكون عندما تنفصل النفس الكلية عن المادة انفصالا
стр. 5066
تاما وتعود إلى عالم العقول الشريف وإلى العالم الإلهى (قارن Ti de Boer: ,Wijsbegeerte in den Islam هارلم ١٩٢١ م، ص ١٧ وما بعدها، وخاصة ص ٩٨ وما بعدها).
ولقد ازدادت نظرية المعاد تعقيداً بعد تلك النظرية التى قال بها الفارابى وزادها ابن سينا تفصيلا وإيضاحا، وأعنى نظرية عقول الأفلاك العشرة، فبحسب هذه النظرية لا تهبط النفوس الجزئية الناطقة من النفس الكلية بوصفها أجزاء العالم الحسى معلومات
للعقل الأخير فى مراتب الفيض، وهو العقل الفعال. والنفس المطهرة تشتاق الى هذا العقل، وأول رجوعها يكون إليه، ثم يزداد شوقها لكى تبلغ فى القرب من الله أدنى مرتبة، ولكى تتشبه به بقدر الطاقة الإنسانية. ويتميز الفلاسفة عن الصوفية المتفكرين بأنهم من الفارابى إلى ابن رشد أول سؤال يضعونه هو: كيف يمكن اتصال نفوسنا بأصلها (العقل الفعال). أما الصوفية فأنهم مهما اختلفوا عن الفلاسفة فى وصف أحوالهم ومقاماتهم، لا يبغون سوى الاتحاد بالله نفسه.
وعند الفارابى يكون رجوع النفس من طريق المعرفة الصحيحة والأعمال الصالحة، غير أن المعرفة أعلى قدرا من الأعمال، لأن الأعمال تبقى فى الدنيا، أما المعرفة فتدخل فى العقل (قارن مادة عمل)
ويربط الفارابى، على نحو منقطع النظير بين القول بالأحوال التى تصل فيها النفس الى الفناء وبين مذهبه فى النبوة، خصوصاً فى كتابه "المدينة الفاضلة"، وهو على غرار كتاب الجمهورية لأفلاطون، ولكن بعد فهم مذهب أفلاطون فهما رواقى الصبغة.
والبحث فى هذا الباب يدور عند الفارابى حول مسألة الاتفاق بين الدين والفلسفة. وأساس الاتفاق بينهما هو أن مصدرهما واحد: أما الفرق فهو يرجع إلى أن نفوس الأنبياء ونفوس الفلاسفة تختلف فى موقفها، فنفس النبى فى صعودها إلى حال الفناء فى العقل
стр. 5067
الفعال تتلقى حقائق الوحى من طريق المخيلة، على حين أن نفس الفيلسوف تتلقى الحكمة التى تشرق فيها من طريق العقل. ولكن الحقيقة فى الحالين واحدة، حتى لنجد الفلاسفة إلى أيام ابن رشد وابن سبعين (فى القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادى) يقولون بهذا الرأى نفسه ويوافقهم عليه كثير من الصوفية (انظر رسائل الفارابى طبعة ديتريصى ص ٦٩ وما بعدها، كتاب "المدينة الفاضلة"، ص ٤٦ وما بعدها) وعند ابن سينا فى رسالته فى "أقسام العلوم العقلية" (وهى ضمن تسع رسائل له، طبعة إستانبول ص ٧٦ وما بعدها) أن ما بعد الطبيعة (وابن سينا يسميه العلم الإلهى متابعة لأرسطو) يشمل بين أقسامه الأصلية ما يتعلق بمذهب الفيض، ولكنه من جهة أخرى يتناول علم المعاد والعلم المتعلق بالوحى والنبوة باعتبارهما من
فروع العلم الإلهى، ومعنى هذا أن نظرية الفيض أعلى مكانا من نظرية الرجوع.
ويعود ابن سينا هنا إلى تأييد الفارابى، وهو يأخذ بنظرية روحانية النفس وبقائها على نحو أوضح وأدق مما عند الفارابى، فالنفس ليست مجرد سورة للبدن، كما قال أرسطو، ورأيه فى هذا متناقض بطبيعة الحال، بل هى جوهر عقلى، وهى لذلك جوهر غير
فاسد. ويؤكد ابن سينا، خلافا لأفلاطون وفيثاغورس، أن النفس ليس لها وجود سابق فى النفس الكلية، وأنها لا تتناسخ منتقلة من بدن إلى آخر.
والعقل الفعال يعطى (على افتراض أن خزائنه لا تنفد) كل بدن نفسا تلائمه إذا كان متهيئا لقبولها تهيؤا كافيا، ويمكن القول بوجه من الوجوه إن النفس حادثة لكنها لن تفنى وقد كان الفارابى كما لاحظ ابن طفيل (رسالة حى بن يقظان، طبعة Gauthier ص ١١) مضطربا فيما يتعلق برأيه فى بقاء النفوس، الكاملة منها والشريرة، أما ابن سينا فلم يكن متحيراً، ولكنهما جميعا يؤولون الثواب والعقاب فى الحياة الأخرى تأويلا روحانيا، وهذا ما كان
стр. 5068
من إخوان الصفا أيضا. ومما تجب ملاحظته أيضا أن ابن سينا، خصوصا فى رسائله الصوفية، يستعمل اصطلاحات ذات صبغة صوفية أكثر مما استعمل الفارابى وقد أخذ الغزالى عن الفلاسفة الذين تقدم ذكرهم مذهبهم فى روحانية النفس وبقائها، ولكن الغزالى، فى كتبه الكبرى على الأقل، لم يستخرج من ذلك المذهب ما يلزم عنه منطقيا من صبغة روحانية للحياة الأخرى، فهو فى كتابه "تهافت الفلاسفة" (طبعة Bouyges' ص ٣٤٤ وما بعدها) يدافع عن القول ببعث الأجساد فى الآخرة بحسب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، على حين أنه فى كتبه المضنون بها يتكلم كلاما رمزيا على طريقة الصوفية (قارن فى هذا
كتاب تهافت التهافت لابن رشد، طبعة، ص ٥٨٠ وما بعدها). ولذلك يتهمه ابن رشد بالتناقض، وهو يدافع عن الفلاسفة، ويقول إن الصوفية يعتقدون بالمعاد الروحانى فهم مسلمون.
ولكن ما رأى هذا الفيلسوف نفسه؟
يبدو أنه كره الإفصاح عن رأيه الحقيقي، ولذلك فلابد من التماس مذهبه فى كتبه الكبرى فيما بعد الطبيعة وفى النفس، وهى لم تدرس حتى الآن درسا كافيا. على أن من العسير جداً فى كثير من الأحيان أن يعرف الانسان فى شخص ابن رشد أين ينتهى الشارح لأرسطو وأين يبدأ الفيلسوف. ولكن يستطيع الإنسان أن يقول مطمئنا إن ابن رشد فيما يتعلق باعتباره أن النفس سورة لبدنها قد ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الفارابى وابن سينا، وبذلك فربما تلاشى جوهرها العقلى وبقاؤها الفردى
المصادر:
ذكرت المصادر فى صلب المقال؛ وانظر أيضا
(١) Abenmasarra y su: Asin Palacios escuela. مدريد ١٩١٤. خصوصا ص ٤٠ والصفحات التالية وص ١١٠ والصفحات التالية
стр. 5069
(٢) المؤلف نفسه La Escatologia musulmana en la Divina Comedia مدريد ١٩١٩ ص ٥٨ والصفحات التالية.
(٣) إبراهيم مدكور - la Place d' al -Farabi dans l'ecole Philosophique musl
mane، باريس ١٩٣٤ خصوصا ص ١٢٢ والصفحات التالية، وص ١٨١ والصفحات التالية. انظر مادة تصوف.
م. ابو ريدة [دى بور Tj De Boer]
الرحمانية
طريقة من الطرق الدينية بالجزائر، نسبت إلى محمد بن عبد الرحمن الكشتلى الجُرجُرى الأزهرى أبى قبرين المتوفى عام ١٢٠٨ هـ (١٧٩٢ - ١٧٩٤ م). وهى فرع من الطريقة الخلوتية، ويقال إنها كانت تعرف فى وقت من الأوقات باسم البكرية نسبة إلى
مصطفى البكرى الشامى. وهى تعرف فى نفطة من أعمال تونس، وغيرها من الأماكن الأخرى باسم العزوزية نسبة إلى مصطفى محمد بن عزوز.
حياة صاحب الطريقة:
كانت أسرته من قبيلة أيت إسماعيل من حلف كشتلة فى قبائل جرجرة.
درس فى مسقط رأسه، ثم فى الجزائر؛ وبعد ذلك حج إلى مكة عام ١١٥٢ هـ (١٧٣٩ - ١٧٤٠) وفي عودته جاور فترة من الزمن بالأزهر فى القاهرة حيث أدخله ابن سالم الحفنوى المتوفى عام ١١٧١ هـ (سلك الدرر، جـ ٤، ص ٥٠) فى الطريقة الخلوتية، وأمره أن يعمل على نشر هذه الطريقة فى الهند والسودان وعاد إلى الجزائر بعد أن غاب عنها ثلاثين عاما، وبدأ فى الوعظ والارشاد فى القرية التى نشأ فيها حيث أنشأ زاوية. والظاهر أنه أدخل بعض التعديل على شعائر الطريقة الخلوتية وقد كان للرؤى السبع التى شاهد فيها النبى [ ﷺ ] شأن هام فى تقوية شخصيته ودعم طريقته فالمرء يكون بمنجاة من نار جهنم إذا هو دخل فى طريقته أو بذل لها أوله الحب، أو زاره، أو وقف أمام قبره، أو استمع لتلاوة ذكره، وقد جر عليه نجاحه فى اكتساب
стр. 5070
المريدين حسد المرابطين من أهل بلده، ولذلك هاجر الى الحامة بالقرب من الجزائر. وقد أثار نشاطه فيها أيضا معارضة رجال الدين، فاستدعوه لمحاكمته أمام مجلس برياسة على بن أمين مفتى المالكية. وقد برئ من تهمة الزندقة بفضل نفوذ السلطات التركية التى تأثرت بكثرة المريدين من أتباعه، ولكنه رأى أن الحكمة تقتضيه أن يعود أدراجه إلى قريته حيث توفى فيها بعد
قليل تاركا على بن عيسى المغربى خليفة له.
ويقال إن الترك سرقوا جثته ودفنوها باحتفال مهيب فى الحامة، وابتنوا فوقها قبة ومسجداً. على أن آل إسماعيل (أيت إسماعيل) يرون أن الجثة لم تفارق قبرها الأصلى، ومن ثم فقد ذهبوا إلى أنها ازدوجت بفضل كرامة من كراماته ولذلك لقب بـ "أبو قبرين".
تاريخ الطريقة وانتشارها:
كان على بن عيسى المغربى شيخ الطريقة دون منازع من عام ١٢٠٨ هـ (١٧٩٣ - ١٧٩٤) إلى عام ١٢٥١ هـ (١٧٣٦ - ١٨٣٧ م). ومات خلفه من بعده بوقت قصير، وانقسمت الطريقة منذ العام التالي إلى فرعين مستقلين وإن ظلت تستهوى كثيراً من المريدين.
ويعزى ذلك إلى معارضة أيت إسماعيل فى خلافة الحاج بشير، وهو مغربى آخر. وقد اضطر بشير هذا إلى التخلى عن مشيخة الطريقة على الرغم من معاونة عبد القادر له (عدو الفرنسيين المشهور) فتولتها فترة من الزمن أرملة على بن عيسى، على أنها لم تجد آخر الأمر بداً من استدعاء بشير لضآلة دخل الزاوية. وفى خلال ذلك كان مؤسسو الزوايا الأخرى قد أخذوا يستقلون بأنفسهم. فلما توفى بشير عام ١٢٥٩ هـ (١٧٤٣ - ١٨٤٤ م) أفلح زوج ابنتها الحاج عمّار فى ولاية هذه الطريقة. وأحس الحاج عمّار بأن نفوذه آخذ فى الاضمحلال لعجزه عن الاشتراك فى الهجوم على الفرنسيين الذى نظمه بوبغله فطلب من أتباعه فى شهر أغسطس عام ١٩٥٦ حمل السلاح
стр. 5071
وأحرز بعض الانتصارات فى بادئ الأمر ولكنه اضطر الى التسليم فى العام التالي، ثم استسلمت زوجه (أو حماته) على رأس مائة "خوان" بعد ذلك بقليل. وعاد بشير إلى تونس حيث حاول أن يستمر فى مباشرة أعمال المشيخة، إلا أن الاعتراف به لم يصدر من الناس كافة، واحتل محمد أمريان ابن الحداد الصدّوقى مكانته بين الناس. ولما بلغ محمد الثمانين من عمره فى الثامن من أبريل عام ١٨٧١ أعلن الجهاد على الفرنسيين، وكانوا قد هزموا وشيكا فى الحرب بين الفرنسيين واليروسيين. على أن هذا
الانتفاض على الفرنسيين لم ينجح إلا قليلا، وإن كان قد اتسع مداه. ففى الثالث عشر من شهر يوليه سلّم ابن الحداد للجنرال سوسييه Saussier فأرسله إلى بجاية. واتخذ الفرنسيون إجراءً تحفظياً فأغلقوا الزاوية الأصلية.
وأفلح ولده عزيز، وكان قد نقل إلى كاليدونيا الجديدة، فى الفرار إلى جُدّة، ومن هناك حاول أن يدبر شئون الطائفة، غير أن كثيراً من "المقدمين" الذين اختارهم أبوه، وكذلك غيرهم من منشئى زوايا الطريقة وطدوا استقلالهم، وقد ذكر كل من ديبون Depont وكوبولانى Coppolani جرائد بهؤلاء المشايخ ومجال نفوذهم الذى امتد إلى تونس والصحراء وجاء فى مؤلفها أن عدد أفراد هذه الطائفة بلغ ١٥٦٢١٤ شخصاً فى عام ١٨٩٨. ولاحظ أن rinn أن رحمانية طولقا Tolga
قد احتفظوا على الدوام بصلاتهم الودية مع السلطات الفرنسية.
شعائر الطريقة:
تكون رياضة المريد بتلقينه سلسلة من الأسماء عددها سبعة أولها صيغة "لا اله إلا الله" يرددها ما بين ١٢ ألف و ٧٠ ألف مرة فى يوم وليلة، ثم تلى هذه الصيغة أسماء أخرى إذا اقتنع الشيخ بتقدم المريد: وهى ٢ - الله ثلاث مرات ٣ - هو ٤ - حق ثلاث مرات ٥ - حى ثلاث مرات ٦ - قيوم ثلاث مرات ٧ - قهار ثلاث مرات. ويختلف
стр. 5072
الترتيب الذى أورده رن عن ذلك بعض الاختلاف. ويذكر رن Rinn أن ذكر هذه الطائفة تكرار لابتهال الشاذلية ثمانين
مرة على الأقل من عصر يوم الخميس إلى عصر الجمعة، كما أنهم يذكرون فى الأيام الأخرى من الأسبوع صيغة "لا إله إلا الله" ومن الدروس المحببة إليهم آية الكرسى، ثم تليها سورة البقرة وسور الناس والفلق والإخلاص (وهى المنصوص عليها فى العهد الذى أخذه منشئ هذه الطريقة، وقد ترجمه A.Del-Pech فى المجلة الأسيوية سنة ١٨٧٤) ثم الرؤى السبع التى ذكرناها آنفا (وقد ترجمها رن Rinn فى كتابه صفحة ٤٦٧).
كتب الطريقة:
ويظهر أن معظم كتب هذه الطريقة لا تزال مخطوطة، وينسب إلى منشئها عدة كتب. ويصف لنا شر بنّو - A. Cher
bonneau (المجلة الأسيوية سنة ١٨٥٢، ص ٥١٧) رسالة تضم تعليم هذه الطريقة على هيئة السؤال والجواب، وعنوانها الرحمانية، لمحمد بن بخترزى وعليها شرح لولده مصطفى، ولعل هذه الرسالة هى نفس المؤلف الذى يطلق عليه الكتاب الفرنسيون اسم Presents dpminicaux وهناك كتاب آخر يذكره أهل هذه الطريقة هو "الروض الباسم فى مناقب الشيخ محمد بن القاسم"،
المصادر:
(١) معلومات خاصة استقيت من سيد بن حسن لربه الخانجى سيدى ناجى بمساعدة M.P. Geuthner
(٢) E. de Neveu: : Les Khouan باريس سنة ١٨٤٦
(٣) Marabouts et Khouan: L. Rinn الجزائر سنة ١٨٨٤
(٤) Les: ٠. Depont and X. Coppolani Confreries religieuses musulmanes الجزائر سنة ١٨٩٧
(٥) Histoire gengrale de l': H. Garrot Algerie الجزائر سنة ١٩١٠.
الشنتناوى [مر كوليوث D.S. Margoliouth]
стр. 5073
رزيك بن طلائع
الملك العادل بدر الدين أبو شجاع مجد الإسلام، وزير فاطمى أرمنى الأصل قتل أبوه طلائع غيلة فى ٢٠ رمضان ٥٥٦ (١٢ سبتمبر ١١٦١) فخلفه رزيك فى الوزارة، وظل متوليا هذا المنصب خمسة عشر، شهرا.
وكانت اهم الحوادث التى وقعت فى عهده تلك الغزوة التى شنها البربر سنة ٥٧٧ هـ (١١٦٢ م) بقيادة حسين بن نزار (على أن حسينا هذا قبض عليه وقتل. وقد ورث رزيك عن أبيه تذوقه للأدب، ويقال إنّه حكم فأحسن الحكم؛ على أنه حاول سنة ٥٧٧ هـ أن يقصى منافسه شاور عن ولاية الصعيد الأعلى فانقض عليه شاور بتشجيع الخليفة العاضد غفر من القاهرة فى ١٨ من
المحرم عام ٥٥٨ هـ (٢٩ ديسمبر ١١٦٢ م) ولكن الوشاة فضحوا أمره فقتله طى بن شاور. ويلاحظ المؤرخ المقريزى (الخطط، جـ ٢، ص ٢٠٧ و ٢٠٨) أن رزيك كان آخر من ولى منصب "ناظر المظالم" فى عهد الفاطميين.
المصادر:
(١) ابن تغرى بردى، طبعة بوير، جـ ٣، ص ٨٨ ,٩٤ - ٩٥، ١٠٩.
(٢) ابن خلكان، ترجمة دى سلان، جـ ١، ص ٦٠٨، ٦٦٠.
(٣) سبط بن الجوزى: طبعة Jewett ص ١٤٦.
(٤) جمال الدين الحلبى، مخطوط، المتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية، رقم ٣٦٨٥ ورقة ٩٠ ب- ٩١ ب.
(٥) Oumara du Ye-: H. Derenbourg men ثلاثة مجلدات في مجموعة Publi- cations de L'Ecole des langues orientales Vivantes ١٨٩٧ - ١٩٠٤ م.
خورشيد [كب H.A.R. Gibb].
رس، بنو
اسم أسرة حاكمة. ولا يفرق مؤرخو الزيدية بين أئمة الزيدية فى الديلم وأئمتهم فى اليمن. وسنتكلم فى هذه المادة عن زيدية اليمن فحسب. وقد فصل مؤرخو الزيدية الكلام عن بعض
стр. 5074
عهود هؤلاء، فى حين لا نجد عن بعض العهود الأخرى سوى إشارات عارضة ذكرها كتاب كان اهتمامهم الخاص موجهًا إلى نواح أخرى، ومن ثم كانت هذه التفصيلات فى كثير من الأحيان ضعيفة السند، كما أننا نشك فى أن بعض أفراد الزيدية قد ادعوا الإمامة حقاً. والاسم الرس نسبة إلى عقار بالقرب من مكة كان فى حوزة القاسم الّرسى جد إمام الزيدية الأول، وهو من
سلالة الحسن بن على بن أبى طالب.
وفى عام ٢٧٠ هـ (٨٩٣ م) دخل يحيى، الملقب بالهادى إلى الحق، بلاد اليمن قادماً من الحجاز، وسار حتى أشرف على صنعاء، ولكنه عاد أدراجه بعد أن عجز عن فتح هذه البلاد. ثم عاود الكرة واحتل صعدة عام ٢٨٤ هـ، واستولى على نجران، على أنه لم يمكن لنفسه فى هذه النواحى؛ وظل القتال مشبوباً؛ شاهد ذلك أنه استولى على صنعاء أكثر من مرة، وكان ولده أسيراً بها عام ٢٩٠. ثم ظهر القرامطة فى اليمن واستولوا على صنعاء عام ٢٩٤. وبقيت فى حوزتهم ثلاثة أعوام فضلا عن
استيلائهم على كثير من المدن الأخرى.
وقد عاون الإمام على إخراجهم من صنعاء، ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بالمدينة لنفسه، وتوفى عام ٢٦٧ هـ (٩١٠ - ٩١١ م) وكان فى اليمن فى حياته ولاة وجند من العباسيين. وقد اشتبك يحيى مع القرامطة فى سبعين واقعة، وبلغ من قوته أنه كان يستطيع أن يطمس بأصابعه النقش الذى على العملة. وكان يحيى على مذهب الحنفية يستهدف إقامة حكومة إسلامية تفرض
على النساء الحجاب، ويقتسم الجنود المغانم وفقاً لما جاء فى القرآن. وحاول أن يجعل الذميين فى نجران يبيعون كل ما يكونون قد اشتروه من أرض فى العهد الإسلامى. ولم يجد بداً من الاكتفاء بفرض ضريبة قدرها تسع المحصول. وبادر الناس بعد وفاة يحيى إلى مبايعة ابنه محمد الذى احتفظ بصعدة حاضرة له، وامتد حكمه على نجران وهمدان وخولان. واعتزل محمد
الحكم عام ٣٠١ هـ فخلفه أخوه الذى كان فى حرب مستمرة مع الزعماء والقرامطة على اختلافهم. وقد هزمه بنو يعُفر عام ٣٢٢ هـ (٩٣٤ م) وأدركته المنية، فاحتل الظافرون مدينة صعدة
стр. 5075
أربعة أشهر، وادعى ولد من أولاده اسمه حسن أحمد الإمامة. على أن الناس بايعوا ولداً آخر يدعى القاسم المختار. ونشب الخلاف بين الأخوين، ولكنهما عزلا آخر الأمر، وإن كان القاسم قد استطاع أن يستولى على صنعاء عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) ثم اغتيل قبل أن ينتهى هذا العام، وتوفى أخوه حسن من قبله. وكان يوسف الداعى أمير صنعاء إبان القلاقل التى أعقبت ذلك، وظل محتفظا بها إلى أن أخرجه منها واغل جديد من الشمال. وفى عام ٣٨٨ هـ (٩٩٨ م) كانت الدعوة فى اليمن للقاسم المنصور، ثم قابلته الوفود فى بيشة ومكن لنفسه فى صعدة بمساعدة قبيلة خثعم، واستولى على صنعاء، فى حين كانت الخطبة له فى كحلان ومخلاف جعفر. وتوفى القاسم عام ٣٩٣ هـ، وحكم ابنه البلاد من ألْهان إلى صعدة وصنعاء حتى قتل عام ٤٠٤ هـ ويقول البعض إنّه لم يمت، ولكنه كان المهدى، وفى رواية أخرى أنه ادعى ذلك. وربما جاز لنا وقد بلغنا هذا الحد أن نقول إن دولة الأئمة قد انتهت.
أما بعد ذلك فهذه الصفة عادت لا تنطبق على أمراء هذه البلاد. وكان الجيش يتألف من نحو ألف فارس وثلاثة آلاف راجل. وجاء الإمام الذى حكم البلاد بعد ذلك من الحجاز، وصادف بعض النجاح. وأقبل قبل وفاته واغل آخر من الديلم يدعى أبا الفتح عام ٤٣٠ هـ (١٠٣٨ - ١٠٣٩ م) استولى على صعدة وغيرها من الأماكن، وقتل وهو يحارب السلطان السليحى. ويقال إن أبا طالب يحيى الإمام فى الديلم والمتوفى عام ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) قد بايعه الناس إماماً فى شمال اليمن، وأنه أقام عليها واليًا من قبله. وبويع أحمد بن سليمان عام ٥٣٢ هـ وحكم صعدة ونجران والجوف. وفى عام ٥٤٥ هـ انعقد مجلس كبير تولى مناقشة أحمد ثمانية أيام لمعرفة مدى صلاحيته للإمامة.
وانتزع أحمد- تؤيده قبائل مذحج وبكيل- صنعاء من السلطان الحمدانى أو قل إنه ألحق الهزيمة به. ووقعت زبيد فى قبضته أياماً قلائل، وكانت الخطبة له فى خيبر وينبع وحارب أحمد أيضاً القرامطة بنجاح. وكف بصره فى شيخوخته، وأسره فليتة بن
стр. 5076
القاسم فأثار ذلك سخط الجميع حتى القرامطة. ثم أطلق سراحه، وتوفى عام ٥٦٦ هـ (١١٧٠ - ١١٧١ م). ونصب عبد الله بن حمزة إمامًا عام ٥٩٣ هـ (١١٩٦ - ١١٩٧ م) وقدم الناس ولاءهم له فى العام التالي بعد أن جاز الامتحان الذى عقد للتثبت من صلاحيته للإمامة؛ وقد نسب أشراف الحمزية إلى أبيه. واحتفظ بصنعاء أمداً قصيراً، ولكنه اضطر للانسحاب منها
أمام السلطان الأيوبى ووطد مركزه فى الشمال، وجبى الضرائب من خيبر وينبع. وقد تحدث أحد الكتاب عن وجود جنود من بغداد فى اليمن، ولعل ذلك كان مبالغة فى الرواية التى تذهب إلى أن الُمطِّرفية استنجدوا بالخليفة.
وفى عام ٦١١ هـ (١٣١٤ م) استولى عبد الله على صنعاء وذمار وأغار على لحج. وقد اضطر إلى إخلاء صنعاء لأن الحرب كانت قد أنهكت جنده. ويقال إنه حكم جيلان والديلم بوساطة دعاته.
وتوفى عام ٦١٤ هـ. أُما تاريخ الأئمة فى القرنين التاليين فقد أوردناه فى مادة "بنى رسول".
وفى بداية حكم بنى طاهر قام أحد أئمة صنعاء بمحاربتهم. وقد لحقت به الهزيمة آخر الأمر، وقبض عليه بعض الأهالى أثناء فراره، وأسلموه إلى إمام آخر يدعى المطهر. واستولى بنو طاهر على صنعاء، ونصبوا ولداً من أولاد الإمام والياً على المدن والحصون. وفى عام ٨٦٩ هـ (١١٦٤ - ١١٨٥ م) استعاد الإمام محمد عبد الناصر صنعاء. وفى العام التالي قتل الملك
الظافر الطاهرى فى هذه المدينة. وقد بدأ شأن يحيى شرف الدين فى الظهور إلى حد ما عام ٩١٢ هـ (١٥٠٦ - ١٥٠٧ م)
ثم استدعى بعد ذلك الجنود المصريين من كمران ليعاونوه على بنى طاهر، فاستولوا على تعز وصنعاء، ولكن عزيمتهم فترت عندما بلغتهم أخبار الفتح العثمانى لمصر، فطردوا سريعاً من هذه البلاد. واستطاع الإمام أن يفتح معظم الهضاب على الرغم من
وجود بنى طاهر والأشراف الناقمين، بل استولى على جازان وأبى عريش ولكنه عجز عن الاستيلاء على عدن وزبيد. وسرعان ما استولى الترك على جازان وتعز وصنعاء، وأعانهم على
стр. 5077
ذلك النزاع بين الإمام وأبنائه. وكان القرامطة (الإسماعيلية) لا يزالون من الأعداء الخطرين وتم الاستيلاء على حمل أحد عشر جملا من كتب القرامطة، فعكف كبار أتباع الإمام على دراستها ليحذروا الجمهور مما جاء فيها من ضلالات. وفى عام ٩٥٣ هـ (١٥٤٦ - ١٥٤٧ م) قسم الإمام دولته بين أبنائه.
وقد خضع أحد أبنائه، وهو المطهر، للترك، إلا أنه انتقض عليهم عام ٩٧٤ هـ وأصاب فى أول الأمر نجاحاً. ودفع هذا الترك إلى فتح البلاد فتحاً منظما.
وحلت الهزيمة بالمطهر وسمح له بالارتداد إلى صعدة فى حراسة حامية تركية. وبعد ذلك قام إمام من أسرة أخرى، واحتفظ لنفسه بمنصب الإمامة سبع سنوات حتى وقع فى الأسر. وأتم الترك الفتح عام ٩٩٩ هـ (١٥٩٠ م) على أن القاسم جد الإمام الحالي (١) نادى بنفسه إماما عام ١٠٠٦ هـ. وتمكن ولده بعد أحداث توالى عليه فيها النصر والهزيمة من إخراج الترك من البلاد عام ١٠٤٥ هـ (١٦٣٥ - ١٦٣٦ م) وظلت مقاليد الحكم فى يد هذه الأسرة منذ ذلك. وقد يقوم النزاع على ولاية
الإمامة فيسوى حيناً بالتفاهم وحيناً بعد السيف، فيتولاها إمام ضعيف فيعزل ويخلفه ابن أقدر من أبيه.
وحوالى عام ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ م) انفصلت أبو عريش عن اليمن، وفى عام ١٢١٩ هـ (١٨٠٤ م) أصبحت عسير مستقلة. والحاصل أن الوهابيين قد حصروا سلطان الإمام فى اليمن بمعناها الضيق فى حين أخضعت عسير لنفوذ نجد. وكان كثير من الأئمة كتابًا مجيدين ألفوا فى المسائل الدينية.
المصادر:
(١) De Opkomst: C. Van Arendonk in Ye- Van het Zaidietische Imamaat
men ليدن سنة ١٩١٩
(٢) Yemen in XL Jah-: F. Wustenfeld rhundert سنة ١٨٨٤
(٣) N,E,. جـ ٤، ص ٤١٢ - ٥٣٧
(٤) Historia Yemanae: A.Rutgers sub Hasano Pasha ليدن سنة ١٨٣٨
(٥) Reisebeschreibung: C. Niebuhr سنة ١٧٧٤
стр. 5078
(٦) Rise of the Imams: A. S. Tritton of Sanaa سنة ١٩٢٥.
(٧) Kings of Arabia: H. F. Jacob سنة ١٩٢٣.
(٨) Omarah's History of: H. C Kay Yaman سنة ١٨٩٢.
(٩) Handbook of Arabia: Admiralty .
(١٠) Munzen der Rasulid-: H. utzel en سنة ١٨٩١. وانظر فيما يختص بالبحوث غير المنشورة كلا من Tritton و van Arendonk, Kay . وانظر أيضا المصادر الواردة فى المواد المذكورة فى صلب المقال.
الشنتناوى [تريتون A. S. Tritton]
رستم باشا
صدر من الصدور الأعظمين العثمانيين، ومؤرخ من مؤرخيهم. ولد عام ١٥٠٠ بالقرب من سرايفو انظر تقرير Bailo B.Navgero فى Re-: AIberi lazioni degli ombasciatari al senato المجموعة الثالثة، جـ ٣، ص ٨٩ d'un: A .Casale abbresso it sarraglio da Bosna i.e Bosni Seray) . فى بوتومير أو ربما على الحد الغربيّ لسرايفسقوبوليه - sara jevsko Polje (انظر C'Truhelka فى Bos- nische Post سراجيفو سنة ١٩١٢، رقم ٨٠، وقد استنتج ذلك لأن رستم باشا
ابتنى جسراً له خمسة عشر عقداً على زلزنيتسا Zeljeznica لا تزال بقاياه قائمة إلى الآن). من أبوين يرجح أنهما كانا
مسيحيى الأصل. وجاء فى سجل محكمة الشريعة بسرايفو أن "نفيسه خانم، ابنة مصطفى وأخت رستم باشا" قد باعت فى هذه المحكمة بيتها فى منتصف شهر شعبان عام ٩٦٤ (١٥٥٧ م) على يد وكيلها حاجى على بك ابن خير الدين متولى بزستان رستم باشا فى سرايفو، وهذه العبارة تزودنا باسم أبيه. ويقال إن هذه الأسرة كانت تدعى فى الأصل أوبوكوفيتش Opukovic على حين يذكر تروهلكه C. Truhelka (كتابه المذكور) أن اسمها كان جيكالتش Cigalic . وجاء فى الرواية المحلية بسرايفو أن نفيسه خانم هى أخت رستم باشا وابنة مصطفى بك أو باشا. وكان سنان باشا أمير البحر
"قيودان باشا" أخا رستم باشا. ودخل رستم باشا وهو صبى مدرسة الغلمان
стр. 5079
بإستانبول، ثم التحق بعد ذلك بخدمة القصر. وأصبح ركابدارا وحاز ثقة السلطان فوِّلى على ديار بكر ثم على الأناضول. وأصبح فى عام ١٥٣٣ الوزير الثالث، ثم الوزير الثانى فى عام ١٥٤١. وتلقى فى أول ديسمبر من عام ١٥٤٤ الخاتم السلطانى لأول مرة.
وفى عام ١٥٥٣ أعفى رستم باشا من منصبه بناء على طلبه، واعتكف فى اسكدار حيث ابتنت زوجه مهرماه ابنة سليمان الأول القانونى قصراً. ثم عين مرة أخرى فى عام ١٥٥٥ صدراً أعظم.
وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته فى العاشر من يولية عام ١٥٦١ (٢٨ شوال عام ٩٦٨، ولابد أن يكون ذلك هو التاريخ الصحيح من بين التواريخ المختلفة التى ذكرت لوفاته، على أن مورتمان J. H. Mordtmann فى. M. SO. S
جـ ٣٢/ ٢، سنة ١٩٢٩، ص ٣٨ يذكر أنه توفى فى السادس والعشرين من شوال عام ٩٧٨ الموافق ٨ يولية سنة ١٥٦١). ودفن رستم باشا فى ضريحه (تربه) الخاص بإستانبول بجوار مسجد شاه زاده (انظر حديقة الوزراء، ص ٢٨ ومابعدها، حسين بن اسماعيل: حديقة الجوامع، جـ ١، ص ١٦؛ ورواية سجل عثمانى فى ذلك خطأ، جـ ١، ص ٣٨٨) واشتهر رستم باشا بالتاريخ
المسمى باسمه وتناول الدولة العثمانية بعنوان "تواريخ آل عثمان" فضلا عن اشتهاره بما شيده من العمائر الكثيرة وخاصة المساجد، وهى العمائر التى شيدها بثروته الضخمة فى أنحاء مختلفة من الدولة وعهد إلى المعمارى الشهير سنان بإقامتها. ويصل هذا التاريخ فى أكمل النسخ التى وصلت إلينا إلى عام ٩٦٧ هـ (١٥٦٠ - ١٥٦١)، وهو يتبع فى تأريخه لصدر هذه الدولة ما جاء فى كتاب "تواريخ آل عثمان" الذى لا نعرف مؤلفه، وما جاء فى حوليات محيى الدين جمالى ونشرى ولا يظهر رستم باشا فى هذا الكتاب شيئاً من الاستقلال فى الرأى إلا بعد تجاوزه هذه الحقبة وبدئه الكلام عن عهد محمد الثانى، وإن كنا لا نشك فى أنه اعتمد فى ذلك أيضًا على مصدر أصلى استقى منه. ويتجلى شأن هذا الكتاب عندما يصف رستم أحداث
عهده. ومن المعروف أن رستم باشا قد شجع الدراسات التاريخية (انظر - F. Ba
стр. 5080
G.o.W.: binger . ص ٨٢، التعليق) إلا أننا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نقطع أهو الذى ألف هذا التاريخ الذى
يحمل اسمه أو أنّه أمر بتصنيفه فحسب. وقد نشر الدكتور لودفيج فورر Dr. Ludwig Forrer ترجمة ألمانية
لقسم من هذا الكتاب بعنوان - Die osma nische Chronik des. Rustem Pascha فى
Turkische Bibliothek جـ ٢١ (ليسك ١٩٢٣: وانظر فى هذا O'L.Z, ج ٢٨ (١٩٢٥) ص ٢٣٦ وما بعدها Isl., جـ ١٦ (١٩٢٥) ص ١٦٤ وما بعدها، Histor - Zeitschrift جـ ١٣٨ (١٩٢٨) ص ٥٧١ وما بعدها.
المصادر:
(١) عثمان زاده أحمد تائب: حديقة الوزراء، ص ٢٨ وما بعدها
(٢) محمد ثريا: سجل عثمانى، جـ ٢، ص ٣٣٧ وما بعدها
(٣) G.o.w.,: F.Babinger ص ٨١ وما بعدها
(٤) Mehmedbeg Kapetanovic فى wissenschaftl. " Mitteilingen. aus Bosnien، und der Herzegoina فينا سنة ١٨٩٥، ص ٥٢٤ وما بعدها
(٥) Rus-: Hamdija Kresevlijakovic LL Sulejmana tempasa, veliki vezir فى Vjesnik Nastavni جـ ٣٦, زغرب سنة ١٩٢٨، ص ٢٧٢ - ٢٨٧
(٦) Knjizevni rad: Mehemed Handzic bosanko hercegovacki muslimana
مستخرج من - starjesinst Glasnik vrhovnog zaiednice vierske va islamska سرايفو سنة ١٩٣٣، ص ٣٥ وما بعدها
(٧) Znameniti: Safvetbeg Basagic Bosnjaci i Hercehovci u Turskoj , Hrvati Carevini زغرب سنة ١٩٣١، ص ٦٥.
الشنتناوى [بابنكر Franz Babinger]
رستم، بنو
أسرة من الخوارج الإباضية فى تاهرت. وقد نصب عبد الرحمن بن رستم الفارسى الأصل وأول الأئمة من هذه الأسرة واليا على القيروان عندما استولى بربر جبل انفوسة من الخوارج بزعامة أبى الخطاب المعفرى على هذه المدينة عام ١٤١ هـ (٧٥٨ م). وبعد ذلك