القاسم فأثار ذلك سخط الجميع حتى القرامطة. ثم أطلق سراحه، وتوفى عام ٥٦٦ هـ (١١٧٠ - ١١٧١ م). ونصب عبد الله بن حمزة إمامًا عام ٥٩٣ هـ (١١٩٦ - ١١٩٧ م) وقدم الناس ولاءهم له فى العام التالي بعد أن جاز الامتحان الذى عقد للتثبت من صلاحيته للإمامة؛ وقد نسب أشراف الحمزية إلى أبيه. واحتفظ بصنعاء أمداً قصيراً، ولكنه اضطر للانسحاب منها
أمام السلطان الأيوبى ووطد مركزه فى الشمال، وجبى الضرائب من خيبر وينبع. وقد تحدث أحد الكتاب عن وجود جنود من بغداد فى اليمن، ولعل ذلك كان مبالغة فى الرواية التى تذهب إلى أن الُمطِّرفية استنجدوا بالخليفة.
وفى عام ٦١١ هـ (١٣١٤ م) استولى عبد الله على صنعاء وذمار وأغار على لحج. وقد اضطر إلى إخلاء صنعاء لأن الحرب كانت قد أنهكت جنده. ويقال إنه حكم جيلان والديلم بوساطة دعاته.
وتوفى عام ٦١٤ هـ. أُما تاريخ الأئمة فى القرنين التاليين فقد أوردناه فى مادة "بنى رسول".
وفى بداية حكم بنى طاهر قام أحد أئمة صنعاء بمحاربتهم. وقد لحقت به الهزيمة آخر الأمر، وقبض عليه بعض الأهالى أثناء فراره، وأسلموه إلى إمام آخر يدعى المطهر. واستولى بنو طاهر على صنعاء، ونصبوا ولداً من أولاد الإمام والياً على المدن والحصون. وفى عام ٨٦٩ هـ (١١٦٤ - ١١٨٥ م) استعاد الإمام محمد عبد الناصر صنعاء. وفى العام التالي قتل الملك
الظافر الطاهرى فى هذه المدينة. وقد بدأ شأن يحيى شرف الدين فى الظهور إلى حد ما عام ٩١٢ هـ (١٥٠٦ - ١٥٠٧ م)
ثم استدعى بعد ذلك الجنود المصريين من كمران ليعاونوه على بنى طاهر، فاستولوا على تعز وصنعاء، ولكن عزيمتهم فترت عندما بلغتهم أخبار الفتح العثمانى لمصر، فطردوا سريعاً من هذه البلاد. واستطاع الإمام أن يفتح معظم الهضاب على الرغم من
وجود بنى طاهر والأشراف الناقمين، بل استولى على جازان وأبى عريش ولكنه عجز عن الاستيلاء على عدن وزبيد. وسرعان ما استولى الترك على جازان وتعز وصنعاء، وأعانهم على
стр. 5077
ذلك النزاع بين الإمام وأبنائه. وكان القرامطة (الإسماعيلية) لا يزالون من الأعداء الخطرين وتم الاستيلاء على حمل أحد عشر جملا من كتب القرامطة، فعكف كبار أتباع الإمام على دراستها ليحذروا الجمهور مما جاء فيها من ضلالات. وفى عام ٩٥٣ هـ (١٥٤٦ - ١٥٤٧ م) قسم الإمام دولته بين أبنائه.
وقد خضع أحد أبنائه، وهو المطهر، للترك، إلا أنه انتقض عليهم عام ٩٧٤ هـ وأصاب فى أول الأمر نجاحاً. ودفع هذا الترك إلى فتح البلاد فتحاً منظما.
وحلت الهزيمة بالمطهر وسمح له بالارتداد إلى صعدة فى حراسة حامية تركية. وبعد ذلك قام إمام من أسرة أخرى، واحتفظ لنفسه بمنصب الإمامة سبع سنوات حتى وقع فى الأسر. وأتم الترك الفتح عام ٩٩٩ هـ (١٥٩٠ م) على أن القاسم جد الإمام الحالي (١) نادى بنفسه إماما عام ١٠٠٦ هـ. وتمكن ولده بعد أحداث توالى عليه فيها النصر والهزيمة من إخراج الترك من البلاد عام ١٠٤٥ هـ (١٦٣٥ - ١٦٣٦ م) وظلت مقاليد الحكم فى يد هذه الأسرة منذ ذلك. وقد يقوم النزاع على ولاية
الإمامة فيسوى حيناً بالتفاهم وحيناً بعد السيف، فيتولاها إمام ضعيف فيعزل ويخلفه ابن أقدر من أبيه.
وحوالى عام ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ م) انفصلت أبو عريش عن اليمن، وفى عام ١٢١٩ هـ (١٨٠٤ م) أصبحت عسير مستقلة. والحاصل أن الوهابيين قد حصروا سلطان الإمام فى اليمن بمعناها الضيق فى حين أخضعت عسير لنفوذ نجد. وكان كثير من الأئمة كتابًا مجيدين ألفوا فى المسائل الدينية.
المصادر:
(١) De Opkomst: C. Van Arendonk in Ye- Van het Zaidietische Imamaat
men ليدن سنة ١٩١٩
(٢) Yemen in XL Jah-: F. Wustenfeld rhundert سنة ١٨٨٤
(٣) N,E,. جـ ٤، ص ٤١٢ - ٥٣٧
(٤) Historia Yemanae: A.Rutgers sub Hasano Pasha ليدن سنة ١٨٣٨
(٥) Reisebeschreibung: C. Niebuhr سنة ١٧٧٤
стр. 5078
(٦) Rise of the Imams: A. S. Tritton of Sanaa سنة ١٩٢٥.
(٧) Kings of Arabia: H. F. Jacob سنة ١٩٢٣.
(٨) Omarah's History of: H. C Kay Yaman سنة ١٨٩٢.
(٩) Handbook of Arabia: Admiralty .
(١٠) Munzen der Rasulid-: H. utzel en سنة ١٨٩١. وانظر فيما يختص بالبحوث غير المنشورة كلا من Tritton و van Arendonk, Kay . وانظر أيضا المصادر الواردة فى المواد المذكورة فى صلب المقال.
الشنتناوى [تريتون A. S. Tritton]
رستم باشا
صدر من الصدور الأعظمين العثمانيين، ومؤرخ من مؤرخيهم. ولد عام ١٥٠٠ بالقرب من سرايفو انظر تقرير Bailo B.Navgero فى Re-: AIberi lazioni degli ombasciatari al senato المجموعة الثالثة، جـ ٣، ص ٨٩ d'un: A .Casale abbresso it sarraglio da Bosna i.e Bosni Seray) . فى بوتومير أو ربما على الحد الغربيّ لسرايفسقوبوليه - sara jevsko Polje (انظر C'Truhelka فى Bos- nische Post سراجيفو سنة ١٩١٢، رقم ٨٠، وقد استنتج ذلك لأن رستم باشا
ابتنى جسراً له خمسة عشر عقداً على زلزنيتسا Zeljeznica لا تزال بقاياه قائمة إلى الآن). من أبوين يرجح أنهما كانا
مسيحيى الأصل. وجاء فى سجل محكمة الشريعة بسرايفو أن "نفيسه خانم، ابنة مصطفى وأخت رستم باشا" قد باعت فى هذه المحكمة بيتها فى منتصف شهر شعبان عام ٩٦٤ (١٥٥٧ م) على يد وكيلها حاجى على بك ابن خير الدين متولى بزستان رستم باشا فى سرايفو، وهذه العبارة تزودنا باسم أبيه. ويقال إن هذه الأسرة كانت تدعى فى الأصل أوبوكوفيتش Opukovic على حين يذكر تروهلكه C. Truhelka (كتابه المذكور) أن اسمها كان جيكالتش Cigalic . وجاء فى الرواية المحلية بسرايفو أن نفيسه خانم هى أخت رستم باشا وابنة مصطفى بك أو باشا. وكان سنان باشا أمير البحر
"قيودان باشا" أخا رستم باشا. ودخل رستم باشا وهو صبى مدرسة الغلمان
стр. 5079
بإستانبول، ثم التحق بعد ذلك بخدمة القصر. وأصبح ركابدارا وحاز ثقة السلطان فوِّلى على ديار بكر ثم على الأناضول. وأصبح فى عام ١٥٣٣ الوزير الثالث، ثم الوزير الثانى فى عام ١٥٤١. وتلقى فى أول ديسمبر من عام ١٥٤٤ الخاتم السلطانى لأول مرة.
وفى عام ١٥٥٣ أعفى رستم باشا من منصبه بناء على طلبه، واعتكف فى اسكدار حيث ابتنت زوجه مهرماه ابنة سليمان الأول القانونى قصراً. ثم عين مرة أخرى فى عام ١٥٥٥ صدراً أعظم.
وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته فى العاشر من يولية عام ١٥٦١ (٢٨ شوال عام ٩٦٨، ولابد أن يكون ذلك هو التاريخ الصحيح من بين التواريخ المختلفة التى ذكرت لوفاته، على أن مورتمان J. H. Mordtmann فى. M. SO. S
جـ ٣٢/ ٢، سنة ١٩٢٩، ص ٣٨ يذكر أنه توفى فى السادس والعشرين من شوال عام ٩٧٨ الموافق ٨ يولية سنة ١٥٦١). ودفن رستم باشا فى ضريحه (تربه) الخاص بإستانبول بجوار مسجد شاه زاده (انظر حديقة الوزراء، ص ٢٨ ومابعدها، حسين بن اسماعيل: حديقة الجوامع، جـ ١، ص ١٦؛ ورواية سجل عثمانى فى ذلك خطأ، جـ ١، ص ٣٨٨) واشتهر رستم باشا بالتاريخ
المسمى باسمه وتناول الدولة العثمانية بعنوان "تواريخ آل عثمان" فضلا عن اشتهاره بما شيده من العمائر الكثيرة وخاصة المساجد، وهى العمائر التى شيدها بثروته الضخمة فى أنحاء مختلفة من الدولة وعهد إلى المعمارى الشهير سنان بإقامتها. ويصل هذا التاريخ فى أكمل النسخ التى وصلت إلينا إلى عام ٩٦٧ هـ (١٥٦٠ - ١٥٦١)، وهو يتبع فى تأريخه لصدر هذه الدولة ما جاء فى كتاب "تواريخ آل عثمان" الذى لا نعرف مؤلفه، وما جاء فى حوليات محيى الدين جمالى ونشرى ولا يظهر رستم باشا فى هذا الكتاب شيئاً من الاستقلال فى الرأى إلا بعد تجاوزه هذه الحقبة وبدئه الكلام عن عهد محمد الثانى، وإن كنا لا نشك فى أنه اعتمد فى ذلك أيضًا على مصدر أصلى استقى منه. ويتجلى شأن هذا الكتاب عندما يصف رستم أحداث
عهده. ومن المعروف أن رستم باشا قد شجع الدراسات التاريخية (انظر - F. Ba
стр. 5080
G.o.W.: binger . ص ٨٢، التعليق) إلا أننا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نقطع أهو الذى ألف هذا التاريخ الذى
يحمل اسمه أو أنّه أمر بتصنيفه فحسب. وقد نشر الدكتور لودفيج فورر Dr. Ludwig Forrer ترجمة ألمانية
لقسم من هذا الكتاب بعنوان - Die osma nische Chronik des. Rustem Pascha فى
Turkische Bibliothek جـ ٢١ (ليسك ١٩٢٣: وانظر فى هذا O'L.Z, ج ٢٨ (١٩٢٥) ص ٢٣٦ وما بعدها Isl., جـ ١٦ (١٩٢٥) ص ١٦٤ وما بعدها، Histor - Zeitschrift جـ ١٣٨ (١٩٢٨) ص ٥٧١ وما بعدها.
المصادر:
(١) عثمان زاده أحمد تائب: حديقة الوزراء، ص ٢٨ وما بعدها
(٢) محمد ثريا: سجل عثمانى، جـ ٢، ص ٣٣٧ وما بعدها
(٣) G.o.w.,: F.Babinger ص ٨١ وما بعدها
(٤) Mehmedbeg Kapetanovic فى wissenschaftl. " Mitteilingen. aus Bosnien، und der Herzegoina فينا سنة ١٨٩٥، ص ٥٢٤ وما بعدها
(٥) Rus-: Hamdija Kresevlijakovic LL Sulejmana tempasa, veliki vezir فى Vjesnik Nastavni جـ ٣٦, زغرب سنة ١٩٢٨، ص ٢٧٢ - ٢٨٧
(٦) Knjizevni rad: Mehemed Handzic bosanko hercegovacki muslimana
مستخرج من - starjesinst Glasnik vrhovnog zaiednice vierske va islamska سرايفو سنة ١٩٣٣، ص ٣٥ وما بعدها
(٧) Znameniti: Safvetbeg Basagic Bosnjaci i Hercehovci u Turskoj , Hrvati Carevini زغرب سنة ١٩٣١، ص ٦٥.
الشنتناوى [بابنكر Franz Babinger]
رستم، بنو
أسرة من الخوارج الإباضية فى تاهرت. وقد نصب عبد الرحمن بن رستم الفارسى الأصل وأول الأئمة من هذه الأسرة واليا على القيروان عندما استولى بربر جبل انفوسة من الخوارج بزعامة أبى الخطاب المعفرى على هذه المدينة عام ١٤١ هـ (٧٥٨ م). وبعد ذلك
стр. 5081
بثلاثة أعوام (١٤٤ هـ = ٧٦١ م) استعاد محمد بن الأشعث على رأس جيش عربى قوى مدينة القيروان، ففر ابن رستم إلى الغرب وأسس مدينة تاهرت فى إقليم كان عدد الخوارج فيه كثيرا بلا شك. وقد بايعه الإباضية بعد ذلك بخمسة عشر عاما بالإمامة.
وتعاقب عليها من بعده ستة من أفراد أسرته. ولا نعرف على وجه التحقيق تواريخ حكمهم، على أنه يمكن ترتيب هذه العهود على النحو التالي مع ترك بعض ثغرات:
عبد الرحمن بن رستم. ١٦٠ - ١٦٨ هـ (٧٧٦ - ٧٨٤ م).
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ١٦٨ - ٢٠٨ هـ (٧٨٤ - ٨٢٣ م).
أبو سعيد الأفلح بن عبد الوهاب ٢٠٨_٢٥٨ هـ (٨٢٣ - ٨٧١ م).
أبو بكر بن الأفلح، وقد خلع ٢٥٧ - ؟ (٨٧١ - ؟ م).
أبو اليقظان محمد بن الأفلح؟ - ٢٨١ هـ (؟ -٨٩٤ م).
أبو حاتم يوسف بن محمد، وقد خلع ٢٨١ - ؟ هـ (٨٩٤ - ؟ م).
يعقوب بن الأفلح، وقد خلع .. ؟
أبو حاتم يوسف، أعيد الى العرش؛ يعقوب بن الأفلح، وقد أعيد إلى العرش ٢٩٤ - ٢٩٦ هـ (٩٠٦ - ٩٠٨ م).
إن ما يعمله المؤرخون أمثال ابن خلدون وابن عذارى والبكرى عن تاريخ العلاقات الخارجية لدولة بنى رستم لا يتجاوز حقائق قليلة. فقد كانت دولة تاهرت يحيط بها الأعداء من كل جانب (بلاد أغالبة القيروان بما فيها الزاب وأدارسة فاس وكانوا أصحاب الأمر فى تلمسان) إلا أنها ظلت قائمة مائة وخمسين عاما لا يهدد كيانها خطر مباشر. فقد أشترك عبد الوهاب الإمام الثانى مع خوارج البربر (هوارة ونفوسة) فى هجومهم على مدينة طرابلس التى كانت فى يد أمراء الأغالبة. والظاهر أن بنى رستم قد خطبوا فى الوقت نفسه ود الأمويين فى قرطبة، ذلك أنهم كانوا لا يستطيعون الاعتراف بالخلافة العباسية، بل كانوا مضطرين إلى حماية أنفسهم من الأغالبة الذين كانوا أقيالا للخلفاء فى بغداد. وقد أورد ابن عذارى فى حوادث
стр. 5082
عام ٢٠٧ هـ (٨٢٢ م) ذلك الاستقبال الرائع الذى استقبل به عبد الرحمن الثانى الأموى وفد تاهرت. وكان يضم ابن الإمام عبد الوهاب. ونحن نعلم أيضا أنّه كان من وزراء هذا الحاكم الأموى وزير من بنى رستم (وهى معلومات زودنا بها ليفى بروفنسال)
وأن الأفلح تلقى فى عام ٢٣٩ (٨٥٣ م) هدية قدرها مائة ألف درهم من محمد الأول الأموى، وقد حدث فى عهد الإمام الأفلح هذا صراع بين بنى رستم وبربر إقليم تلمسان، أنصار أدارسة فاس، وخرجت تاهرت من هذا الصراع منتصرة ظافرة. ونحن نعلم فوق هذا كيف أن دولة تاهرت انهارت عام ٢٩٦ هـ (٩٠٨ م) فى بضعة أيام أمام هجوم بربر كتامة تحت زعامة أبى عبد الله
الداعية الشيعى. وكان القتل مصير كثير من بنى رستم، وحملت رؤوسهم إلى رَقادة وطافوا بها فى شوارع القيروان. أما البقية الباقية فقد نجحوا فى الفرار وبلغوا واحة وركلى، وتقول بعض المصادر أنه كان من بين هؤلاء الإمام يعقوب وولده أبو سليمان.
على أن الحياة الداخلية لدولة بنى رستم أعظم شأنا من صلات هذه الدولة بالدول الأخرى فى الأندلس وبلاد البربر، وهى الحياة التى لم يرد عنها شئ فى المصادر التى تتحدث عادة عن هذه الدولة، غير أننا نستطيع أن نخرج بلمحة عنها مما ذكره
المؤرخون الإباضيون أمثال أبى زكريا.
والإمامة فى دولة بنى رستم، وإن كانت وراثية، كانت تهيمن عليها من الوجهة النظرية أصوات الجماعة الإباضية. وكان الإمام فى نظرهم أصلح الناس وأشرفهم وأعلمهم، وهو الرئيس الزمنى والروحى للدولة ويمتد نفوذه على جماعات الإباضية فى الشرق- وهذا الإمام كان فى واقع الأمر تحت إشراف شيوخ المذاهب: الشراة والمشايف والطلبة، وهم القوام على التعاليم الصارمة التى تقول بها هذه الفرقة الدينية.
وكان من الطبيعى فى حكومة دينية من هذا القبيل أن تتخذ الأزمات التى تصيبها صورة الانقسام الديني. وقد حدث أشد هذه الانقسامات فى عهد عبد
стр. 5083
الوهاب ثانى الأئمة. فقد طالب جماعة من الحانقين بتحريض من أحد الذين عجزوا عن تولى الامامة أن يحكم الإمام المنتخب بإشراف مجلس دائم. وعرضت هذه البدعة على فقهاء الإباضية بالمشرق فرفضوا رفضا باتا الأخذ بهذا المبدأ. فانفصل دعاة الإصلاح عن بقية الجماعة، وكونوا فرقة النكارية. وحدث خلاف ديني آخر فى إقليم طرابلس بعد وفاة وإلى هذا الإقليم وقيام إمام تاهرت بالبحث فى أمر من يخلفه.
وهددت أزمات أخرى لا تقل خطورة عما ذكرنا سلام تاهرت وأمنها منذ عهد الإمام الرابع. ولكنها كانت تحمل طابع المنافسات العائلية. فقد اكتسب المطالبون بالعرش تأييد المعارضة التى كانت تتألف من عناصر شتى، وكانت ثروة هذا الإقليم وتجارته سببا فى اجتذاب الأجانب إلى تاهرت، بعضهم من فارس موطن أجداد بنى رستم، وبعضهم من جهات مختلفة من بلاد البربر، وبعضهم عرب من إفريقية، وبعضهم من قبائل نفوسة بطرابلس، وبعضهم نصارى من البربر. وكثيرا ما ترددت قبائل زناتة الرحل فى إفريقية والمغرب الأوسط على أسواق هذا الإقليم وأثرت منها. وكان بعض هذه الجماعات المتباينة مثل بربر نفوسة والفرس والنصارى يظهرون على الدوام بمظهر المؤيدين للسلطة القائمة، فى حين نجد أن الأخرين، وهم العرب خاصة والقبائل الرحل عامة، كانوا يجنحون إلى تشجيع الطامحين إلى العرش. وتعرضت هذه الدولة المثلى للفتن يثيرها عليها نزلاؤها وجيرانها.
وكانت أسرة بنى رستم تضم ساسة محنكين مثل الأفلح الذى سار على القاعدة المعروفة "فرق تسد" Divide et
impera فاحتفظ بالسلام. وفى عهده بلغت أسرة بنى رستم أوج سلطانها.
وكان كثير من بنى رستم أئمة من أهل العلم لا يحفلون بمركزهم بصفتهم حكاما قدر احتفالاتهم بتأملاتهم الدينية. هذا إلى جانب اهتمامهم بالدراسات العلمية التى لا تمت للدين بسبب مثل الفلك. وكان تسامحهم العجيب مع الأجانب بل مع المناهضين من هؤلاء للفرقة الإباضية السبب الذى شجع دخول العناصر المشاغبة فى
стр. 5084
إدارة البلاد فمهدت السبيل لاضمحلال تاهرت وضم هذه الدولة إلى أهل الشيعة الظافرين.
المصادر:
(١) ابن خلدون: تاريخ البربر، طبعة دى سلان، جـ ١، ص ١٥٤، الترجمة، جـ ١، ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) ابن عذارى: البيان المغرب، طبعة دوزى، جـ ١، ص ١٥٠ - ١٥١؛ ترجمة فانيان Fagnan جـ ١، ص ٢٠٩ - ٢١٠.
(٣) البكرى Description de L' Afrique septentionale طبعة دى سلان، الجزائر سنة ١٩١٣، ص ٦٧ - ٦٩.
(٤) أبو زكريا: كتاب السيرة وأخبار الأئمة، وقد ترجم قسما منه Chronique d'Abou Zakaria الجزائر سنة ١٨٩٨.
(٥) ابن صغير: Chronique sur les imams Rostemides de Tahert . طبعة وترجمة Actes du) A.de C. Motylinski XIVeme Congres des Orientalistes القسم الثالث، الجزائر سنة ١٩٠٥).
(٦) البّرادى: كتاب الجواهر، القاهرة سنة ١٣٠٢.
(٧) الشماخى: كتاب السير، القاهرة سنة ١٣٠١.
(٨) Les sanctuaires du: R. Basset Nefousa Djebel فى المجلة الآسيوية سنة ١٨٩٩, ج ٢.
(٩) المؤلف نفسه: Etude sur la Zena- ' d; Ouargla et de l'oued Rir tia du Mzab
Publications de la Faculte des letters d'Alger جـ ١٢).
(١٠) Berber und Iba- A. Strothmann diten فى Isl., سنة ١٩٢٨.
الشنتناوى [مارسيه George Marcais]
رسول
تستعمل كلمة رسول وجمعها رُسل، فى اللغة العربية، بمعنى ليس له صلة بالدين، وهو الرسول الذى يبعث لأمر يؤديه. أما هنا فلا يعنينا إلا المعنى الديني لهذه الكلمة. وفى القرآن ما يدل على اختصاص كل رسول بأمته ففى سورة يونس، الآية ٤٧ أنه "لكل أمة رسول". وفى سورة النحل الآية ٣٨ (١):
стр. 5085
"ولقد بعثنا فى كل أمة رسولاً" (راجع سورة "المؤمنون" الآية ٤٤؛ وسورة غافر، الآية ٥). وما فى هذه الآيات مرتبط بما فى الآيات التى تنص على أن الله فى يوم القيامة سيجئ من كل أمة بشهيد عليها (سورة النساء آية ٤١؛ سورة القصص، آية ٧٥، راجع ما جاء من أوصاف الرسول الذى سيجوز الصراط إلى الجنة على رأس أمته: البخارى، كتاب الأذان، باب ٢٩؛ وكتاب
الرقاق باب ٥٢ (١).
ومحمد ﵊ قد أرسل إلى قوم لم يأتهم من نذير من قبله (سورة القصص، آية ٤٦، سورة السجدة، آية ٣؛ سورة سبأ، آية ٤٤)، أما الأشخاص الآخرون الذين يجعل القرآن لهم درجة الرسل فهم: نوح ولوط وإسماعيل وموسى وشعيب
وهود وصالح وعيسى ﵈.
أما عدد الأنبياء فهو أكبر من ذلك، وهو يضم إلى جانب غالبية الرسل أشخاصا من الذين ورد ذكرهم فى التوراة أو ممن هم أشبه بأشخاص التوراة مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهرون وداود وسليمان وأيوب وذى النون. أما محمد [ ﷺ ] فهو يسمى فى القرآن رسولاً تارة ونبياً تارة أخرى، ويظهر أن الأنبياء هم الذين يرسلهم الله هداة ومنذرين لقومهم، ولكنهم لا يكونون على رأس أمة، كما هو شأن الرسل. والإنسان يميل إلى أن يتصور أن ما فى الإسلام من تمييز بين الرسول والنبى هو كالتمييز الموجود فيما كتبه علماء النصارى: فالرسول إلى جانب أنه رسول هو فى نفس الوقت نبى أيضًا؛ أما النبى فلا يتحتم أن يكون رسولا إلى جانب كونه نبياً.
غير أن هذا ليس يقيناً بالمعنى المطلق، وذلك أن الفكرة الموجودة وراء آيات القرآن ليست دائمًا واضحة.
أما فيما يتعلق باختصاص الرسول بأمته فهو يمكن أن يُقارن بالرأى الموجود فى الأعمال المنحولة للرسل من
стр. 5086
الحواريين Acta apostol apocrypha) (orum وهو الرأى القائل بأن الحواريين الاثنى عشر اقتسموا العالم فيما بينهم، بحيث صار على كل منهم أن يبشر بالإنجيل لأمة من الأمم.
أما فيما يتعلق بمعنى كلمة رسول فلابد من الرجوع إلى استعمال هذه الكلمة فى النصرانية، كما لابد من الرجوع أيضاً إلى استعمال الفعل المتصل بذلك (شلَح) فى الكلام عن الأنبياء الذين فى التوراة (سفر الخروج، إصحاح ٣، فقرة ١٣ وما بعدها؛
إصحاح ٤، فقرة ١٣؛ سفر أشْعيا، إصحاح، ٦، فقرة ٨، وسفر إرميا إصحاح ١، فقرة ٧). أما عبارة رسول فهى كثيراً ما ترد فى صورتها السريانية (شلِحْه دَله) فى الأعمال المنحولة للقديس توما. على أن الآراء التى ظهرت بعد عصر القرآن قد زادت عدد الرسل إلى ٣١٣ أو ٣١٥، دون أن تذكر أسماؤهم جميعاً (ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ١، قسم ١، ص ١٠، والفقه الأكبر (٣)، فصل ٢٢؛ وراجع كتاب Re- Mohammedica: land De religione, الطبعة الثانية، أوترخت ١٧١٧، ص ٤٠) والقول بأن الرسل كانوا معصومين من الوقوع فى المعاصى جزء من العقيدة. أما فيما عدا ذلك فيبدو أن الفرق بين الرسول والنبى- إذا صرفنا النظر عن الفرق الهائل بين عدد الأنبياء وعدد الرسل- فرق قد غاب فى كتابات المسلمين المتأخرين فى ثنايا نظريتهم فى النبوة بوجه عام؛ فنجد أن أبا حفص عمر النسفى فى كتابه العقائد النسفية يتناول الرسل والأنبياء معاً، وهو لايفرق بين الرسول والنبى، وكذلك يتكلم الإيجى عن النبوة بوجه عام، وهو فيما يبدو يعتبر الرسل داخلين فى الأنبياء. وإذا كان يمكن أن نشير إلى فرق فهو أن الرسول خلافاً للنبى يكون صاحب شريعة ويكون معه كتاب (راجع شرح الفقه الأكبر (٢) لأبى المنتهى، حيدر آباد ١٣٢١,ص ٤) (١) أما بحسب "العقيدة" التى نشرها ريلاند Reland (ص ٤٠ - ٤٤) فالرسل
стр. 5087
أصحاب الشريعة كانوا هم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵈.
وفى كتاب العقائد لأبى حفص عمر النسفى أن إرسال الرسل حكمة من الله. ويقول التفتازانى فى شرحه على العقيدة النسفية إن إرسال الرسل واجب لا بمعنى الوجوب على الله بل بمعنى أن الحكمة الألهية تقتضيه (١) ولكن هذا الرأى بما له من صبغة عقلية لا يقول به جميع المتكلمين، فعند السنوسى مثلا (انظر كتابه: أم البراهين) أن إرسال الرسل فى ذاته جائز ولكن الإيمان به واجب.
المصادر:
(١) Das Leben und die: A. Sprenger Lehre des Mohammed . جـ ٢، ص ٢٥١
وما بعدها.
(٢) verspreide: Snouck Hurgroinje Geschriften الفهرس تحت عنوان. Gezanten Gods .
(٣) Koranische Untersu-: J. Horovitz chungen، برلين، ليبسك ١٩٢٦ ص ٤٤ وما بعدها.
(٤) Muhammeds Lehre von der: Pautz Offenbarung الفهرس.
(٥) A J. Wensinck فى - Acta Orien talia. مجلد ٢، ص ١٦٨ وما بعدها.
(٦) المؤلف نفسه The Muslim Creed كمبردج , ١٩٣٢ - ص ٢٠٢ - ٢٠٤ والمواقف للأبجى طبعة Soerensen ص ١٦٩.
م. أبو ريدة [فنسنك A. J. Wensinck]
رسول، بنو
اسم أسرة. وفدت أسرة بنى رسول إلى اليمن مع تور نشاه الفاتح الأيوبى والراجح أن رسولا كان من التركمان.
ولو أن ثمة قولا يصل نسبه بأمراء غسان وقد لقب بهذا اللقب لأن خليفة من الخلفاء اتخذه رسولا. ثم ارتفع شأن على بن رسول وإخوته الثلاثة.
وقد سجن مسعود آخر الأيوبيين اثنين
стр. 5088
منهم عام ٦٢٤ هـ (١٣٢٧ م). أما الأخ الثالث نور الدين عمر الذى كان والياً على مكة فقد نصب أتابكا، ثم ولّى على اليمن بعد رحيل مسعود. وتوفى مسعود وهو فى طريقه إلى مصر، ولذلك تهيأ عمر للاستقلال بأمر اليمن.
كانت زبيد حاضرة له، ثم استولى منذ عام ٦٢٧ على كثير من الأماكن فى التلال مثل صنعاء وتعز وكوكبان. ثم استولى على مكة عام ٦٣٨ هـ بعد أن أحرز انتصارين لم يكتب لهما الدوام، وظلت فى حوزته خمسة عشر عاما.
وتصالح مع أشراف الزيدية عام ٦٢٨ هـ ثم ثارت مناوشات انتهت بأن نادى أحمد بن حسين بنفسه إماماً فى ثلا عام ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ - ١٢٤٩ م).
وقد كان فى مقدور عمر أن يعلن استقلاله عام ٦٢٨ هـ , ولكن الخليفة لم يعترف به إلا فى عام ٦٣٢ هـ وفى عام ٦٤٥ تشاحن ابن أخيه أسد الدين محمد مع عمه وفر إلى ذمار وتحالف مع الإمام، ولكن سرعان ما اصطلح مع عمه رحارب الأشراف، وهم سلالة الإمام عبد الله بن حمزه وقتل عمر عام ٦٤٧ على يد المماليك فى الَجَند. وكانت مملكته تمتد من مكة إلى حضر موت ولو أن كثيراً من الأماكن فى التلال كان مستقلا. وكان عمر مغرماً بإقامة المدارس والمساجد يرعى الأدباء مثل
معظم أفراد أسرته. وقد تجمعت فى حكمه كل خصائص بنى رسول، ألا وهى المنازعات العائلية، والحروب مع الإمام، ومع الأشراف الذين كانوا فى كثير من الأحيان على خلاف مع الإمام.
واستمال قتلة عمر بقية المماليك، وبايعوا ابن عم القتيل ثم ساروا إلى زبيد. وأدت دسائس القصر ومؤامراته إلى نفى المظفر يوسف أكبر أبناء السلطان إلىَ مَهْجَم. وسار يوسف، أيضًا إلى زبيد فى مائة وخمسين فارساً، وكانت زوجته تستحث الناس فيها على مقاومة المطالب بالعرش.
وكان يوسف يجمع هؤلاء الجنود أثناء تقدمه، وسلم المماليك له القتلة والمطالب بالعرش. على أنّه لم يجد بداً من أن يعيد فتح البلاد، لأن كل واحد من أخويه كان يطمع فى السلطنة. فكان أسد الدين محمد فى مركز قوى بصنعاء، وكان الإمام أحمد بن حسين
стр. 5089
دائب الحركة والنشاط، بل إن الخليفة نفسه كان قلقاً من قوته وسلطانه.
وتمكن يوسف بعد ثلاث سنوات من أن يسترد صنعاء وتعز وحصن دملؤة الحصين، وتصالح مع الإمام، على أن الإمام لم يرع هذا الصلح وانضم إلى أسد الدين، ولو أن أسد الدين بادر فعاد إلى أداء واجبه. وفى عام ٦٥٨ لحق بكثير من أهله فى السجن وظل فيه إلى أن أدركته المنية. وتم الاستيلاء على صعدة عام ٨٥٢، ولكنه لم يحتفظ بها.
وبويع الإمام أحمد بموافقة أسرة سلفه، ولكن المنازعات قامت حول ذلك، وأدت إلى قيام الأشراف بمحاربته بمساعدة السلطان وقتله عام ٦٥٦. وقبض على أحد الأئمة عام ٦٥٨ وسملت عينا إمام آخر عام ٦٦٠ وبويع إمام ثالث عينا ٦٧٠. وكان الأشراف إما قبليين وإما اقطاعيين، يناصبون السلطان العداء حيناً ويحالفونه حيناً. وفى عام ٦٧٤ انضم المماليك الثائرون فى صنعاء إلى الإمام والأشراف، غير أن هذا الحلف منى بهزيمة منكرة. وتم الاستيلاء على ظفار من أعمال حضرموت عام ٦٧٨
وجاءت إلى البلاد بعثة من الصين وكان يوسف حاكما قوياً موفقاً، حتى لقد أطلق عليه الخزرجى لقب خليفة فى نهاية حكمه، وتوفى عام ٦٩٤ هـ (١٢٩٤ - ١٢٩٥ م)، ولم يحكم ابنه وخليفته إلا ثلاث سنوات وعمد فيها إلى تشجيع زراعة أشجار النخيل حول زبيد حيث حاول آخرون إدخال زراعة الحنطة. واستولى أخوه والى الشحر على عدن وحاول أن يقيم نفسه سلطاناً، ولكنه هزم وسجن. واستدعى وهو فى سجنه عام ٦٩٦ ليتولى الحكم ولقب بالمؤيد داود. وتوالت فى عهده المناوشات فى التلال وفى السهول تردد اثناءه ذكر أماكن بعينها وخصوم بعينهم. وفى عام ٦٩٧ هـ (١٢٩٧ - ١٢٩٨ م) انتزع المؤيد حصنين من القرامطة وثار الكرد فى ذمار عام ٧٠٩ هـ، وانضموا إلى الإمام وهاجموا صنعاء، وحدث من بعد أن قتل بعض الكرد نفرًا من الغز. وفى عام ٧١٢ عقدت معاهدة صلح مع الإمام محمد ابن مظهر مدتها عشر سنوات نظير دفع ثلاثة آلاف دينار سنوياً. وبعد خمس سنوات خرق السلطان هذه المعاهدة، فشب القتال وكان مريراً
стр. 5090
دمرت خلاله البيوت والأشجار، واحتزت رؤوس المقتولين. وأعيد تنظيم الجيش عام ٧١٨ على غرار الجيش المصرى. وكثيراً ماكان الولاة يعزلون ويولى غيرهم فى السنوات الأخيرة من حكمه، وربما كان ذلك شاهداً من شواهد الضعف، وكان من اليسير على الأجنبى أن يصل إلى أعلى المراتب؛ وكم من مرة جمع رجل من هؤلاء بين منصبين. منصب رئيس الوزراء وقاضى القضاة. وفى عام ٧٢١ خلف المؤيد ابن من أبنائه يدعى المجاهد على، ولكن سرعان ما زج به فى السجن، وظل فيه أربعة أشهر، ولم يخلصه إلا أصدقاؤه، ووضعوا مغتصب السلطنة مكانه فى السجن. وغدا المجاهد فى عام ٧٢٤ سلطاناً من غير سلطنة، وضاعت عدن، واستقل الظاهر أحد ابناء أعمامه بأمر نفسه مدة عشر سنوات. ومكن آخرون من ذوى قرباه لأنفسهم فى بيت الفقيه وهاجم المماليك تعز واستولوا على زبيد. على أن أعطياتهم لم تحبس عنهم إلا بعد أن ظلوا على عصيانهم بضعة أشهر. وهزم الأشراف المماليك، وجاء الجنود من مصر وأمعنوا فى التخريب حتى أن الجميع فرحوا عندما غادروا البلاد بعد ذلك بقليل.
وتوفى الإمام عام ٧٢٨ فتخلص السلطان بوفاته من عدو خطير، وأمكنه أن يعيد النظام إلى البلاد إلى حد ما.
وخرج أولاد السلطان وبعض أقربائه عن طاعته، كما رفع المماليك راية العصيان للتأخر فى دفع أعطياتهم. وقد نكل السلطان بالمعازبة، وهى قبيلة من قبائل السهول أو سفوح الجبال، وأقام امرأة زعيمة على ما تبقى من منازلهم.
وفى عام ٧٣٦ هـ (١٣٣٥ - ١٣٣٦ م) فر الفلاحون من إقليم زبيد بسبب الضرائب وضرب عملة جديدة. وخرج عامل لجمع الضرائب فأمر حراسه من الغز بقتل زعيم من الزعماء الخارجين.
وغادر السلطان البلاد لحج بيت الله عام ٧٥١، ثمُ حمل إلى مصر، ولم يسمح له بالعودة إلى بلاده إلا بعد عام.
وكان عرب السهل منذ ذلك الوقت مصدر القلاقل. ومن الطبيعى أن كل قبيلة من القبائل كانت تراقب الأخرى، غير أن السلطان كان قد أوهن فريقاً منها حتى أن المعازبة كانوا فى ذلك
стр. 5091
الوقت قادرين على أن يخرجوا للإغارة عندما يحلو لهم ذلك، بل إنهم قطعوا أسباب الاتصال بين زبيد والشمال.
وكانت سياسة الحكومة ترمى إلى حرمانهم من خيولهم. وقدُ قتل أحد الولاة الطغاة ولم يعاقب القاتل.
واستولى شريف من الأشراف على مهجم، وتحدى وال من الولاة المنتقضين السلطان طوال عامين، كما خرج ثلاثة من أبناء السلطان عن طاعته. وخلف السلطان على العرش الأفضل العباسى عام ٧٦٤. وانضم أحد أخوته الثائرين إلى الإمام، وهاجمواً حَرض ثم الشْحر. واستولى العرب على زبيد، واستولىَ الأشراف على أماكن أخرى، وامتدت غارات الإمام صلاح الدين حتى بلغت زبيد، وكان ثمة قتال حول ذمار. وتوفى السلطان عام ٧٧٨ هـ, واختير الأشرف إسماعيل خلفاً له. وتمرد المماليك وأصبح أحد الأشراف صاحب الكلمة العليا فى صنعاء، وظل الإمام عدوا مبيناً له حتى وفاته عام ٧٩٣ هـ. وطرد ابنه على من صنعاء على يد منافس له، فجعل ذمار حاضرة له. والظاهر أن الإمامة كانت وراثية فى أسرة واحدة طوال خمسة أجيال على الأقل. وفى عام ٧٩٨ أرسل الإمام على الهدايا إلى السلطان ومن الواضح أن كثيراً من الهضاب قد ضاعت من السلطان كما أن القلاقل استمرت فى السهول، على أن السلطان ظل مع ذلك قوياً، فاحتفظ بهيمنته على عماله وكان يتلقى الرسائل والهدايا
والسفراء من الهند والحبشة. وتوفى عام ٨٠٣ وكان يلقب بالحاكم العادل، وخلفه الناصر فحكم البلاد بجدارة.
ففى الشمال أجبرَ حلى على الاعتراف بسلطانه، وهزم فىَ الجنوب الإمام، وكان قد هاجم أمراءه بنى طاهر، كما استولى على أربعين حصناً فى وُصاب، وجاءته الهدايا الثمينة من مكة والصين.
وانتقض عليه أحد أخوته فسمل الناصر عينيه، وما إن توفى هذا السلطان عام ٧٢٧ حتى تشتت شمل دولته. فقد أعقبه سلاطين حكموا مدداً قصيرة، وفى النهاية قام المماليك بكثير من الثورات. واجتاح الطاعون البلاد؛ وتوفى الإمام عام ٨٤٠ تاركا زمام الحكم لإحدى بناته. وفى هذا العام نفسه توفى إمام آخر هو أحمد بن
стр. 5092
يحيى، وكان كاتباً مكثراً. وقد زاد من خطورة الفتن الغارات التى شنها العرب، ذلك أنهم نهبوا زبيد عام ٧٤٦. وتولى الأمر إمام جديد هو الناصر محمد، فعمد إلى توطيد مركزه بالزواج من حفيدة على صاحب صعدة واشترك بنو طاهر فى القتال، واستولوا على لحج وعدن حتى اعتزل الحكم بفعل هجماتهم آخر بنى رسول عام ٨٥٨ هـ (١٤٥٤ م) وذهب إلى مكة منفياً.
وكان معظم السلاطين من بناة المساجد والمدارس، وكان بعضهم من الكتاب. وقد درج السلطان إبان عز هذه الأسرة وجاهها على أن يمضى إجازته بين أحراج النخيل فى زبيد (وكانت تسمى سبوت) وعلى ساحل البحر.
وكانت البلاد تحكم على يد ولاة أو زعماء خاضعين للسلطان يدفعون له الجزية. وكان فى كل مدينة كبيرة واليان أحدهما يسمى الوالى أو الأمير، والآخر يسمى الناظر أو الزمام أو الُمشد. وكان كبار العمال يخرجون فى أوقات معلومة لجمع الضرائب. وكان
الجيش يتألف من خيالة البوابة، والمماليك كردا وغزا، ومن المجندين.
وكانوا يحشدون ألف فارس وعشرة آلاف راجل، ويعد هذا الجيش جيشاً كبيراً. وكان حصان الرجل يذبح أحياناً فى جنازته؟
المصادر:
(١) الخزرجى: The pearl-strings فى سلسلة كب التذكارية جـ ٣، ص ١٩١٨
(٢) Munzen der Rasulid-: H.Nutzel en برلين سنة ١٨١٩
(٣) Yaman.Its Early: H.C.Kay Mediaeval History etc, لندن سنة ١٨٩٢
(٤) Historia Yeme-: C. T. Johannsen nae بون سنة ١٨٢٨.
الشنتناوى [تريتون A. S. Tritton]
الرشيد
(مولاى) ابن الشريف بن على بن، محمد بن على: سلطان مراكش العلوى، والمؤسس الحقيقي للأسرة التى لا تزال تحكم الدولة الشريفية. ولد الرشيد عام ١٠٤٠ هـ. (١٦٣٠ - ١٦٣١ م) فى
стр. 5093
تافيلالت بجنوب مراكش، حيث أنشأ أجداده شرفاء سجلْماسة الحسنيين زاوية مزدهرة، وَاكتسبوا شيئاً فشيئاً نفوذاً سياسياً لا بأس به نما عندما انحلت الأسرة السعدية. وكانت مراكش فى ذلك الوقت غارقة فى الفوضى، واستطاع شرفاء تافيلالت أن يصبحوا بسرعة سادة الأراضي الفسيحة الشبيهة بالسهوب الواقعة إلى الشمال من نطاق الواحات التى تؤلف منطقة نفوذهم. وتلقب مولاى محمد، أكبر أولاد شيخ الزاوية باللقب السلطانى عام ١٠٥٠ هـ (١٦٤٦ م) بعد إنتصاره فى تازروالت (فى الجنوب الغربيّ من مراكش) على مرابط زاوية إيلغ على أبى حسّون الذى كانت له أطماع سياسية خاصة. على أنّه لم يكن قد
أفلح بعد فى القضاء على نفوذ مرابطى زاوية الدلاء فى مراكش الوسطى، فقنع مرغماً بالسيادة الفعلية على مراكش الشرقية وحسب، بعد إن احتل مدينة فاس عام ١٦٥٠ احتلالا لم يدم إلا فترة قصيرة.
فلما توفى مولاى الشريف عام ١٠٦٩ هـ (١٦٥٩ م) هجر ولده مولاى الرشيد زاوية أجداده لأنه كان لا يثق بأخيه مولاى محمد، وذهب إلى زاوية الدلاء المنافسة لها فقابله أهلها فى الظاهر بالترحاب، إلا أنه سرعان ما أوحى إليه بمغادرتها فسار نحو
آزرو، ثم إلى فاس. فلم يسمح له بدخولها لأن الدريدى المغامر والى هذه المدينة اعتبره من الأشخاص غير المرغوب فيهم. وذهب مولاى الرشيد بعد ذلك إلى مراكش الشرقية فلم يلبث أن نجح فى أن يجمع حوله عدداً كبيراً من الأتباع، وخاصة الشيخ اللواتى من قبيلة بنى يزناسن (بنى سناسن) الهامة، وكان هذا الشيخ من أئمة رجال الدين واسع النفوذ مسموع الكلمة.
وهاجم الرشيد فى الوقت نفسه ثرياً من أثرياء اليهود كان يعيش فى جبال يزناسن فى قرية تعرف باسم دار ابن مشعل، وكان بمثابة الحاكم لها، وقتله ثم استولى على ثروته. وقد أثار هذا الحدث خيال أهل ذلك الإقليم، وكان السبب، كما يستفاد من بيان سنيفال C. de Cenival الرائع عن هذا الموضوع،
стр. 5094
فى نشأة أسطورة من الأساطير لا تزال ذكراها مائلة فى الاحتفال السنوى الذى يقام عقب اختيار سلطان الطلباء فى فاس. ولم يحصل الرشيد بقتل هذا اليهودى الثرى على موارد مادية هائلة فحسب. بل أتاح له ذلك أيضاً السيادة الحقيقية على أهل البلاد المجاورة. وفى ١٠٧٥ هـ (١٦٦٤ م) انضمت إلى سلطانه قبيلة أنكاد الكبيرة، واستقر فى وجدة واستتب له الأمر فيها. وما إن
وصلت أخبار تنصيب الرشيد لأخيه مولاى محمد حتى انزعج محمد لذلك أشد الانزعاج، وأسرع من تافيلالت إلى مراكش الشرقية، والتقت جنوده بجنود الرشيد، غير أن مولاى محمد خر صريعاً فى بداية القتال، ومن ثم انضمت جنوده إلى الرشيد الذى كتبت له السلامة. وهكذا انتقل مولاى الرشيد من نصر إلى نصر. وسرعان ما استولى الرشيد من بعد على تازا من غير أن
يلقى فى ذلك عناءً فهدد فاس تهديداً مباشراً، على أنّه صرف همه أولا إلى توطيد سلطانه فى تافيلالت مهد أسرته، وضم إلى أملاكه جبال الريف على شواطئ البحر المتوسط، وكان يحكمها وقتذاك مغامر يدعى أبا محمد عبد الله أعراص. وكان هذا الشيخ قد اتفق أولا مع الإنكليز، ثم مع الفرنسيين على إقامة محلات تجارية على خليج الخزامى Albucemas بالريف (وقد حِّرف فى وثائق ذلك العهد إلى ألبوزيم (Albouzeme . وقد انتزع مولاى الرشيد منه الريف فى شهر مارس عام ١٦٦٦.
فى الوقت الذى أخذ فيه رولان فريجوس Roland Frejus من أهل مارسيليا ينزل إلى الشاطئ المراكشى بعد أن حصل من ملك فرنسا على امتياز المتاجرة مع الريف، وذهب فريجوس هذا لمقابلة مولاى الرشيد فى تازا، ولكن سرعان ما خابت مساعيه فى الدخول فى مفاوضات مع هذا الشيخ.
وبادر الرشيد إلى توجيه اهتمامه إلى فاس حاضرة مراكش الشمالية.
وكانت لا تزال تقاوم سلطانه. فحاصرها واستولى عليها عنوة فى الثالث من ذى الحجة عام ١٠٧٦ (٦ يونية سنة ١٦٦٦) وركن واليها الدريدى إلى الفرار. واتخذ الرشيد إجراءات صارمة لمعاقبة بعض أعيان المدينة، وبايعه أهلها
стр. 5095
على السلطنة، واستطاع فى الوقت نفسه أن يستميل جماعة الشرفاء الأدارسة النابهى الشأن فى القصبة.
واستغل مولاى الشريف السنوات التالية فى توسيع ممتلكاته ناحية الغرب والجنوب. فجهز بادئ الأمر حملة على العرب تمكنت من طرد الزعيم الخضر غيلان واستولت على القصر الكبير وعلى مكناس وتطوان كما استولت على تازا، وكان أهلها قد انتفضوا على الرشيد. وفى عام ١٠٧٩ هـ (١٦٩٨ م) استولى على زاوية الدلاء وخربها بعد أن استأصل شأفة شيخها محمد الحاج عند بطن الرمان. واستولى مولاى الرشيد فى العام نفسه على مراكش وقتل أميرهم عبد الكريم الشَّبانى الملقب ب "كروم الحاج".وفى عام ١٠٨١ هـ. (١٦٧٠ م) قام بحملة على السوس وغدا حينئذ صاحب الكلمة العليا فى مراكش بأسرها. وقد ذكر المؤرخ الإفرنى أن المغرب كله من تلمسان حتى وادى نول على حدود الصحراء قد دان فى ذلك الوقت لسلطان مولاى الرشيد. وخرج السلطان فى العام التالي من فاس إلى مراكش حيث كان أحد أبناء أخيه يرمى إلى اعتلاء عرش السلطنة وتوفى
مولاى الرشيد إبان مقامه فى القصبة الجنوبية إثر حادث فى الحادى عشر من ذى الحجة عام ١٠٨٢ (١٩ أبريل سنة ١٦٧٢) ولما يبلغ الثانية والأربعين من عمره، ذلك أن الجواد الذى كان يمتطيه أجفل فارتطم بفرع شجرة برتقال فشج رأسه. ودفن مولاى الرشيد بمراكش ثم نقل جثمانه إلى فاس حيث دفن فى ضريح ولى الله على بنِ حرزِهم. (وينطق باللهجة العامية سيدى حرازم). ونودى بأخيه مولاى اسماعيل الذى خلفه فى الحكم سلطاناً فى الخامس عشر من ذى الحجة من العام التالي.
كانت حياة مولاى الرشيد السياسية القصيرة الأمد كما رأينا زاخرة بالنشاط مباركة الثمرات. والحق أن مؤرخى مراكش المسلمين لا يملون من الإشادة بمناقب هذا الحاكم التى لا تزال ذكراه عاطرةِ فى فاس بوجه خاص.
وهو الذى شيد فى هذه المدينة مدرسة الشراطين، وجسر الرصيف، وقصبة
стр. 5096
الشراردة على مسيرة ميلين ونصف ميل إلى الشرق من فاس، وهو جسر على وادى سبو له تسع فتحات.
المصادر:
(١) الإفرانى: نزهة الحادى، طبعة وترجمة هوداس Publications de) L'Ecole des langues orientales vivantes المجموعة الثالثة جـ ٣) باريس سنة ١٨٨٩ ص ٣٠١ - ٣٠٤ من النص وصفحة ٥٠١ - ٥٠٣ من الترجمة.
(٢) الزيانى: الترجمان المعرب، طبعة وترجمة هوداس Le Maroc de ١٦٣١ a P.EL.O.V., ١٨١٢) فى المجموعة الثانية، جـ ١٨ باريس سنة ١٨٨٦) باريس سنة ١٨٨٦.
(٣) آكنسوس: الجيش العرمرم، فاس سنة ١٣٣٦، جـ ١، ص ٥٨ - ٦٣.
(٤) الناصرى: كتاب الاستقصاء، القاهرة، جـ ٤ سنة ١٣١٢, ترجمة. mey A. M جـ ٩) باريس سنة ١٩٠٦ - Chronique de la dynastie alaouie au Ma roc) الفهرس.
(٥) القادرى: نشر المثانى، فاس، جـ ٢، ص ٣ - ٢٦, ترجمة - E. Michaux Bellaire. (A.M, جـ ٢٤) باريس سنة ١٩١٧، ص ٢١١ - ٢١٧؛ وغيرهم من كتاب السير المراكشيين (انظر L'evi Provencal: : Les Historiens des Chorfa باريس سنة ١٩٢٢. الفهرس).
(٦) Histoire des conquetes: Mouette -de Mouley Archy = al - Rashid, con nu sous le nom de roy du Tafilet, et de Mouley Ismael باريس ١٦٨٣.
(٧) Les Sources ine-: H. de Castries dites de L'histoire du Maroc باريس فى
,. Course of Publ المجموعة الثانية، فى مواضع مختلفة.
(٨) La Legende du: P. de Cenival Fete du في juif Ibn Mechal et le Hesperis sultan des tolba a Fes جـ ٥، سنة ١٩٢٥، ص ١٣٧ - ٢١٨.
(٩) L'etablissement des dy- A. Cour -nasties des Cherfis au Maroc et leur rival- tie avec les Turcs de la Regence d'Alger (١٨٣٠ .١٥٠٩) باريس سنة ١٩٠٤.
(١٠) Histoire de: Ch. A. Jilien L'Afrique du Nord: باريس سنة ١٩٣١،
стр. 5097
ص ٤٨٧ - ٤٩٠ (وبه صورة [هل هى صحيحة؟ ] لمولاى الرشيد، رسم رقم ٢٢٥، ص ٤٨١) وانظر أيضاً المواد: شرفاء، سلجماسة، وتافيلالت.
الشنتناوى [ليفى بروفنسال E.Levi - Provencal]
رشيد الدين الطبيب
من أعظم مؤرخى فارس. ولد فضل الله رشيد الدين بن عماد الدولة أبو الخير فى همذان حوالى عام ١٢٤٧ م؛ وبدأ حياته العلمية فى حكم العاهل المولى أبا غاخان طبيبا ممارسا للمهنة. غير أنه كان إلى جانب درايته الواسعة بالطب سياسيا عظيم المواهب نافذ البصيرة. ومن ثم ارتقى فى عهد غازان خان (١٢٩٥ - ١٢٠٤ م) من مركزه السابق إلى مرتبة الصدر (وإلى
مرتبة مؤرخ القصر أيضا) وذلكُ بعد مقتل صدرجهان الدين الزنجانى (٤ مايو سنة ١٣٩٨). وفى عام ٧٣٠٣ صحب مولاه بصفته هذه فى حملة له شنها على الشام. وبلغ رشيد الدين فى عهد أولجايتو (١٠٣٤ - ١٣١٦) أوج حياته العلمية. وقد أنفق دخله الهائل فى إقامة كثير من المنشآت الخيرية.
مثال ذلك أنه أراد أن يجمل السلطانية حاضرة المغول الجديدة فى فارس، فشيد ضاحية جديدة بأكملها عرفت باسمه "الرشيدية" وكانت تتألف من مسجد ومدرسة ومستشفى وعدة آلاف من البيوت. وكان رشيد فى الوقت نفسه دائبا على تأليف كتاب فى تاريخ العالم، قدم الجزء الأول منه لمولاه فى الرابع عشر من شهر أبريل عام ١٣٠٦.
وكان نفوذه فى تلك الفترة لا حد له، بل هو قد أفلح فى حمل مولاه أولجايتو على تغيير مذهبه واعتناق المذهب الشافعى. وأنقذ من الموت عالمين من أبرز علماء بغداد هما شهاب الدين السهروردى وجمال الدين، فقد اتهما بالتفاوض مع مصر وكانا يتوقعان الحكم بقتلهما. واستأنف رشيد عام ١٣٠٩ نشاطه فى إقامة المبانى فأنشأ ضاحية جديدة بالقرب من غازانية إلى
الشرق من تبريز، وأمدها بقناة عظيمة تأخذ مياهها من سراورود. غير أن المركز السابق الذى بلغه هذا الرجل العظيم خلق له طائفة من الأعداء. وفى
стр. 5098
عام ١٣١٥ مر به وقت عصيب بسبب الضائقة المالية التى حالت دون دفع أعطيات الجند. ولم يدخر أعداؤه بعد وفاة أولجايتو وسعا فى سبيل القضاء على رشيد الدين. فصرف عن منصبه الرفيع فى أكتوبر عام ١٣١٧، كما أن وفاة راعية الأمير سرنج (فى يناير. سنة ١٣١٨) حرمه من آخر سند له، فأعدم آخر الأمر هو وابنه الصغير خواجه إبرهيم ذلك أنه أتهم ظلما بأنه
دس السم لمولاه السابق أولجايتو (١٨ يولية سنة ١٣١٧) ومثل بجثمانه أشنع تمثيل كما هدم ونهب "الربع الرشيدى" مفخرته. ومع ذلك أفلح ولده الأكبر غياث الدين فى أن يحتفظ بمنصب رفيع حتى بعد وفاة والده، إلا أنه حكم عليه أيضا بالإعدام عام
١٣٣٦. ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل إن جثمان رشيد لم يترك ليثوى فى قبره آمنا، ذلك أن ميرانشاه المجنون (١٤٠٤ - ١٤٠٧) ولد تيمور جاء بعد ثمانين عاما فأمر بنبش قبر رشيد وأخرج عظامه ودفنها فى مدافن اليهود (١٣٩٩ م).
وترجع شهرة رشيد كما أسلفنا إلى تاريخه الخالد "جامع التواريخ، وهو تاريخ للمغول بدأ يكتبه بتكليف من غازان خان، ومن ثم يعرف أحيانا باسم "تاريخ غازانى". ثم أمر أولجايتو بإتمام هذا الكتاب وأن يُوفَى بتاريخ عام للعالم الإسلامى ويلحق به ذيل
جغرافى. وكان الكتاب، وفقا لخطته الأصلية، يتألف من جزءين رئيسيين: (١) تاريخ المغول (٢) تاريخ عام وذيل.
غير أنه أتخذ الصورة التالية بعد أن تم فى عام. ١٣١٠ - ٣١١.
المجلد الأول:
١ - تاريخ القبائل التركية والمغولية، أقسامها ونسبها وأساطيرها.
٢ - جنكيز خان، أسلافه وخلفاؤه حتى غازان.
المجلد الثانى:
المقدمة: آدم وأنبياء المسلمين والعبرانيين.
١ - ملوك الفرس القدامى.
٢ - محمد والخلفاء حتى عام ١٢٥٨.
стр. 5099
تاريخ الأسرة الحاكمة فى فارس: الإسماعيلية فى الشرق والغرب. الأوغز والترك، والصينيون، واليهود والفرنجة: أباطرتهم وباباواتهم، الهند، بوذا ودينه.
وكان فى عزم رشيد الدين أن يضيف تاريخ عهد أولجايتو أيضا بحيث تكون بداية هذا العهد (١٣٠٦ - ١٣٠٧) فاتحة المجلد الثانى، ونهايته خاتمة هذا المجلد. ولا نعلم هل نفذ ذلك أم لم ينفذه، لأن هذا القسم من الكتاب هو والذيل الجغرافى لا وجود لهما فى جميع المخطوطات التى وصلت إلينا.
وأهم سمات هذا الكتاب العظيم إخلاص رشيد فى عمله، فقد حاول أن يرجع إلى أحسن المصادر وأوثقها. صحيح أنه لم يتيسر له الرجوع إلى الأخبار المغولية المشهورة المعروفة باسم "ألتن دبتر" بوصفه فارسيا من الفرس، إلا أنه استخرج منها الحقائق الضرورية بالاستعانة بصديقه بولاد جينك سيانك كما استعان أيضا بعض الاستعانة بغازان نفسه، وكان غازان على دراية
واسعة بتاريخ قومه. وأمده بالمعلومات عن الهند "بهكشو" هنديا، كما زوده عالمان صينيان بالمعلومات عن الصين.
ومن أعجب العجب أن نلمس فى عالم من علماء العصور الوسطى مثل رشيد الدين كل هذه المعرفة المتعددة الجوانب.
لقد كان رشيد يعلم بالنزاع بين البابا والإمبراطور، بل كان يعلم أن استكلندة تدفع الجزية لإنكلترة وأنه لا توجد ثعابين فى إيرلنده.
وكان رشيد الدين مدركا تمام الإدراك ما لكتابه من شأن، ولذلك حاول بكل الطرق الممكنة أن يضمن له البقاء فأمر بكتابة نسخ منه لأصدقائه ولكثيرين من العلماء. وكانت المصنفات المكتوبة بالفارسية تترجم إلى العربية والعكس بالعكس. وكان رشيد يرسل
كل عام نسخا من تاريخه إلى مكتبات المدن الكبرى، ولا يضن على أى فرد بأن ينسخه دون مقابل، غير أن كل ما فعله رشيد فى هذا الصدد لم يأت بطائل، ذلك إنّه لم تصل إلينا نسخة كاملة من هذا التاريخ.
ولرشيد الدين علاوة على هذا التاريخ العظيم: (١) كتاب الأحياء والآثار، وهو فى أربعة وعشرين فصلا
стр. 5100
تناول فيها مسائل فى الأرصاد الجوية، والزراعة، وتربية النحل والقضاء على الثعابين والآفات الأخرى ألخ، وفى هذا الكتاب أيضا نبذ عن العمارة والتحصينات وبناء السفن والتعدين وصناعة المعادن. ولم نعثر بعد على آية نسخة منه. (٢) التوضيحات، وهى رسالة صوفية فقهية فى تسعة عشر فصلا (٣) مفتاح التفاسير، وهو فى بلاغة القرآن وتفسيره إلخ (٤) الرسالة السلطانية (تمت فى ١٤ مارس سنة ١٣٠٧) وهى خلاصة مناظرة فقهية عقدت فى حضرة أولجياتو (٥) لطائف الحقائق، فى أربع عشرة رسالة فى الفقه والتصوف، وقد كتب المصنفات الأربعة الأخيرة باللغة العربية، ويتألف منها ما يعرف باسم "المجموعة الرشيدية"، وتوجد نسخة جيدة من هذه المجموعة كتبت عام ١٣١٠ - ١٣١١ (ومن المحتمل أن يكون ذلك قد تم بطلب من المؤلف نفسه) فى المكتب الأهلية de Slane) Bibliotheque Nationale: Catalogue des manuscrits arabes باريس ١٨٨٣ - ١٨٩٥، رقم ٢٣١٤، ص ٤٠٧). (٦) بيان الحقائق فى سبع عشرة رسالة فقهية تتناول بعض المسائل الطبية من وقت لآخر. وكان فى مكتبة الأستاذ بروان الخاصة. E.G. Browne مجموعة قيمة من ٥٣ رسالة وجهها رشيد الدين إلى بعض الرجال البارزين. وقد جمع هذه الرسائل سكرتيره الخاص محمد أبرقوهى.
ولتاريخ رشيد الدين قيمة عظمى، ومع ذلك فإنه ليست لدينا طبعة كاملة للأجزاء الموجودة منه سواء بنصها أو فى ترجمات لها. على أن هذه المهمة ليست يسيرة، لأن مخطوطات هذا الكتاب-وإن تعددت- غير موثوق فيها جميعا، وتحتاج إلى عمل شاق عسير يقوم على النقد، بل إن أقدم المخطوطات (المتحف البريطانى، الملحق ١٦, ٦٨٨، Rieu رقم ٧٨ - ٩٧٩
يشوبها الخطأ. وفى رأى بارتولد أن أحسن مخطوط فيما بلغ إليه علمه هو المخطوط المحفوظ فى المكتبة العامة بليننغراد وقد نسخ عام ١٤٠٧ - ١٤٠٨. ويوجد مخطوط قديم قيم جدا (القرن الرابع عشر أو القرن الخامس عشر) بالمكتبة الاسيوية المركزية فى
стр. 5101
تاشكند (أنظر Jahresbericht: E.K.Betger fur das Jahr نلأ ٣ der Mitt. . As Staatsbibliothek ١٩٢٥ [بالروسية] Nach-: W.Barthold richten der Akademie der Wissenschaften ,der U.S.S.R سنة ١٩٢٦، ص ٢١٧ وما بعدها وهو بالروسية).
المصادر:
(١) G. Browne. A History of per-E sian Literature under Tartar Dominion
كمبردج سنة ١٩٢٠.
(٢) Turkestan down to: W. Barthold the Mongol Invasion فى مجموعة كب
التذكارية، لندن سنة ١٩٢٨.
(٣) Djami el-Tevarikh,: E.Blochet" histoire generale du monde par Fadl
Allah Rashid ed-Din. Tarikh-i Moubarek-i .Ghazani, Histoire des Mongols. Vol -Gontenant l'histoire des empereurs mon
gols successeurs de Tchinkiz khghan (مجموعة كب التذكارية جـ ١٨، ص ٢) لندن سنة ١٩١١.
(٤) Introduction a: E. Blochet l'Histoire des mongols de Fadl Allah
Rachid ed-Din باريس سنة ١٩١٠.
(٥) Histoire des Mon-: : Quatremere gols de la perse (Jami' ultavarikh), ecrite -en persan par Rachid-Eldin, publiee, tra duite en frangais, accompognee de notes et d'un memoire sur la vie et les ouvrages
de l'auteur جـ ١، باريس سنة ١٨٣٦ (وبه مراجع مستوفاة).
(٦) Description de la J. Klaproth - Chine sous le regne de la dynastie mon gole traduite du persan de Rachideddin et accompagnee de notes باريس سنة ١٨٣٣.
(٧) Vollstandige: T.V. Erdmann -Uber-sicht der dltesten tilrkischen. tatari chen and mongholischen Volkertamme nach Raschid-uddins Vorgange bearbeitet سنة ١٨٤١.
(٨) Extrait de: Quatremere .l'Histoire des Mongols de Rashid Eldin
Textepersan. Al'usage des eleves de I'Ecole ... des langues orientales vivantes باريس سنة ١٨٤٤.
الشنتناوى [برتلز. E.Berthels]
стр. 5102
الرضاع
أو الَرَضاعة، بفتح الراء وكسرها: لغة امتصاص ثدى الأم، واصطلاحًا الرضاع الذى ينبنى عليه نسب فى الرضاعة مانع من الزواج. ومن المفروض أن فكرة النسب فى الرضاعة كانت ذائعة عند العرب قبل الإسلام (انظر Kinship and: Robertson Smith , Marriage in Early Arabia ط ٢ ص ١٧٦، ١٩٦ هامش رقم ١)، ومما
يدل على ذلك دلالة واضحة الكيفية التى فسر بها الحديث الأوامر المتعلقة بالموضوع. فقد ذكرت الآية ٢٣ من سورة النساء أمهات الإنسان اللواتى أرضعنه وأخواته من الرضاعة من بين الأقارب من الإناث اللاتى يحرم عليه نكاحهن؛ ولابد أن يكون ذلك مطابقاً تمام المطابقة للعادة الجاهلية القديمة التى لم تكن تعتبر النسب فى الدم مانعاً من النكاح إلا بالنسبة لهاتين الدرجتين
من الأقرباء (١) (انظر Robertson smith فى نفس الموضع). ولكن لما كان القرآن فى الآية المتقدمة يوسع نطاق
الأسباب المانعة من الزواج بحيث تتجاوز النسب فى الدم فقد عولجت مسألة النسب فى الرضاعة تبعا لذلك على أساس أنه مانع من الزواج، خلافاً لنص الآية الصريح. وكثيراً ما تساق فى الحديث تأييداً لذلك تلك العبارة المتمشية مع الرأى الجاهلى القديم، وهى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والحادثة الحاسمة من حيث كونها أساسًا للقاعدة فى تحريم نكاح بنت
الأخ من الرضاعة ترجع إلى النبى [ ﷺ ] نفسه (٢). وانظر لما جاء فى الحديث من تحريم النكاح بين الأخوة فى الرضاعة من زوجتين لرجل واحد بعينه (٣) فقد
стр. 5103
أدخلت علاقات التصاهر أيضًا فى دائرة النسب فى الرضاعة. ونجد في الأحاديث المذكورة فى تفسير الآية القرآنية المتقدمة أن النسب فى الرضاع من الأسباب المانعة من النكاح على أساس التصاهر، وُيذكر فى بيان سبب ذلك المنع أن اللقاح (وهو الذى يحدث اللبن) واحد وفى حديث (كنز العمال، جـ ٣، رقم ٣٩١١) رد على رأى من يقول بالفصل والتمييز بين النسب فى
الدم والنسب فى الرضاع (وهو القول الذى بحسبه لايعتبر أخو زوج الأم من الرضاعة قريباً من الرضاعة).
وكانت مسألة كمية الرضاعة التى لابد منها لإيجاد النسب فى الرضاعة نقطة خلاف قديمة: فبعض الأحاديث تعتبر أن الرضعة والرضعتين أو المصة والمصتين غير كافية فى ذلك، وبعضها الآخر يحتم سبع رضعات، وبعضها يحتم الحضانة وما فتق الأمعاء وأنشأ العظم وأنبت اللحم، أى ما غذى الرضيع حقيقة. وقالت طائفة فى الرد على ذلك إنه يحرم النكاح من الرضاع قليله وكثيره، بل يقال إنه كان فى القرآن عشر رضعات، ثم رُدَ ذلك إلى خمس، ولكن هذه الرواية التى لا شك أنه يقصد منها أن تؤيد الرأى الذى ينبنى عليها غير جديرة بالثقة (انظر. Nodeke Geschichte des Qorans: Schwally
ج ١ ص ٢٥٣ وما بعدها؛ كنز العمال، حديث رقم ٣٩٢٣ وما بعده) ومن الثابت أن البعض كان يعمد إلى إلارضاع بقصد
إيجاد النسب فى الرضاع على نحو غير طبيعى، وتدل على هذا الصنيع أحاديُث أخرى كثيرة لا تعتد به، وهى لا تعتد به إما بصراحة وإما على وجه غير صريح (كما قيل فى المثل الفقهى، الرضاعة من المجاعة) والمرجع الأعلى فى جعله مانعاً من الزواج إلى النبى [ ﷺ ] نفسه يرخص به (كنز العمال، رقم ٣٩١٩)، وكذلك يوجد نص يدل على أنّه كان لا يعتد بإرضاع الأطفال بقصد إيجاد النسب فى الرضاع المانع من النكاح (رقم ٣٨٨٥) وفى بعض الأحاديث أنه تكفى لإثبات النسب فى الرضاعة شهادة المرضعة نفسها على أن تُسْتَحلف، بل من غير أن تْسَتحلف، وبوجه عام تكفى شهادة امرأة أو شهادة رجل وامرأة. أما فى البعض الآخر من الأحاديث فنجد،
стр. 5104
خلافا لهذا الذى أجيز فى أول الأمر، أنه لابد من الشهادة العادية، وهى شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وهذه النقط الخلافية التى تتجلى فى الأحاديث ظلت نقطة من النقط الخلافية عند أوائل الفقهاء، وقد ذكر الشوكانى فى كتابه نيل الأوطار (ط. القاهرة ١٣٤٦ هـ، جـ ٦، ص ٢٦٩ وما بعدها) آراء كبار الفقهاء .. أما أهم نقطة خلافية ظهرت فى هذه الفترة الثانية، وهى نقطة تكاد الأحاديث لا تتناولها، فهى مسألة المدة التى فى أثنائها ينشأ عند الطفل نسب الرضاعة، فنجد أحيانا أنها الفترة إلى
الفطام، أو الطفولة كلها دون تحديد ثابت؛ وأحيانا أخرى نجد أنها على التحديد مدة سنتين أو سنتين ونصف، أو ثلاث سنين، أو سبع سنين. وفيما يتعلق بتحديد مدة السنتين احتج البعض بآية ٢٣٣ من سورة البقرة، وهى: "والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة" (وفيما يتعلق بالتفاصيل راجع الشوكانى، نفس المصدر، ص ٢٧٢). والمذاهب الأربعة مجتمعة على أن النسب فى الرضاعة يقوم بين الرجل وكل ذريته من جهة، وبين مرضعته وكل أقاربها فى النسب والرضاعة وزوجها وكل أقربائه فى النسب من جهة أخرى، ولكن لا نسب فى الرضاعة بين رجل وبين آباء إخوته فى الرضاعة أو أقاربهن من غير العصبة ولا بين المرضعة وبين آباء رضيعها وأقاربه من غير العصبة.
والحنفية والمالكية لا يشترطون فى الرضاعة التى يحرم معها النكاح حداً أدنى، أما الشافعية فقد اشترطوا خمس رضعات. ومدة الرضاع عند المالكية (إلا إذا وقع الفطام مبكراً) وكذلك الشافعية والحنابلة سنتان، وعند الحنفية سنتان ونصف سنة. وأجاز الظاهرية رضاع الشخص الكبير. وقد اكتفى الشافعية أيضا فى إثبات النسب فى الرضاعة بشهادة أربع نساء، والمالكية بشهادة
امرأتين إذا كانت المسألة مسألة خطيرة، واكتفى الحنفية بشهادة امرأة واحدة.
ومنذ فجر الإسلام إلى اليوم قد احتفظ أشراف مكة بعادة استرضاع أبنائهم من مرضعات من أهل البادية (انظر La Meque a la Veille: Lammens)
стр. 5105
L'hegire وكانت عادة استئجار المرضعات فى مقابل إطعامّهن ذائعة ذيوعاً كبيراً فى صدر الإسلام، وقد أدت إلى الاعتراف بهذا التعاقد الذى لا يتفق مع ما يقضى به القانون الشرعى، فيوصى أحد الأحاديث بأن يعرب الإنسان عن شكره للمرضعة بإهدائها غلاما أو جارية. وقد وضع النظام الكامل فيما يتعلق بإرضاع الأطفال من أمهم أو من مرضعة بأجر فى حالة الطلاق، وذلك على أساس الآية ٢٣٣ من سورة البقرة.
المصادر:
(١) AHandbook of Early Mu-: Wensinck hammadan Traditian تحت كلمة:
Nurs-ing
(٢) Handbuch des islamischen: Juynboll Gesetzes ص ٢١٩
(٣) المؤلف نفسه Handleiding الطبعة الثالثة، ص ١٨٥
(٤) istituzioni di diritto mu-: Santillana sulmana Malichita - جـ ١، ص ١٦١ وفيما
يتعلق بالإمامية راجع:
(٥) Droit musulmam: Querry جـ ١، ص ٦٥٧ وما بعدها
م. عبد الهادى أبو ريدة [شاخت Joseph schacht]
تعليق
١ - مع اعترافنا بما لبعض المستشرقين من قدم راسخة فى الدراسات الإسلامية، فإننا نجد منهم غمزات هنا وهناك للرسول [ ﷺ ] ما جاء به من تشريعات مصدرها الأساسى القرآن (١) ومن هذا ما يذكره كاتب هذه المادة بخصوص الآية رقم ٢٣ من سورة النساء فى بيان المحرم زواجهن من النساء وفيها: " ... وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ... " حيث يقول: ولابد أن يكون ذلك مطابقاً تمام المطابقة للعادة الجاهلية القديمة إلخ.
إن الرسول [ ﷺ ] لم يكن حريصاً قط فى التشريع على أن يكون مطابقاً لما كان عليه العرب فى الجاهلية، فإن القرآن لم ينزله الله تعالى إلا لتغيير هذا الذى كان فى الجاهلية مما لا مصلحة ولا خير
стр. 5106
فيه، ولم يقر الرسول [ ﷺ ] من العادات والأعراف الجاهلية القانونية أو الأخلاقية إلا ما رأى المصلحة والخير فى إقراره، وذلك بلا ريب قليل إلى جانب سائر التشريعات القرآنية والنبوية المحضة.
٢ - وكذلك يقول بأن مسألة النسب فى الرضاعة عولجت على أساس أنه مانع من الزواج، خلافاً لنص الآية الصريح"! مع أنّه من المعلوم ضرورة أن الرسول ما كان ليخالف نصاً قرآنياً صريحاً إلا بوحى من الله تعالى من ضرب آخر، وهو الذى نسميه السنة؛ فإن الرسول [ ﷺ ] كما يقول القرآن نفسه "ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى" ويتناسى الكاتب الدور الذى للسنة بجانب القرآن، وهو بيانه وتحقيق المقصود منه، ولذلك يقول الله تعالى (سورة النحل ١٦/ ٤٤): " ... وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ... "
٣ - وحين يذكر الرسول [ ﷺ ] فى بعض أحاديثه هذه القاعدة، وهى: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من
النسب"، أو- كما رواه الترمذى وأحمد - "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب"، يرى كاتب المادة أن هذا رأى جاهلى قديم سيق فى الحديث تأييداً لما أراده الرسول! مع أن الرسول [ ﷺ ] نفسه يقول: "إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب"، أى أن مصدر هذا التشريع هو الله تعالى نفسه لا العرف فى الجاهلية!
٤ - هذا الحديث الذى ينسب للسيدة عائشة رضى الله عنها غير جدير بالثقة حقا كما يقول الكاتب، بل غير جائز اعتقاد صحته على ما ورد. وذلك -كما يذكر الجصاص فى كتابه أحكام القرآن جـ ٢: ١٥٢، المطبعة البهية بالقاهرة سنة ١٣٤٧ هـ (١) - لأنها ذكرت أنّه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن بخمس، وأن رسول الله [ ﷺ ]
توفى وهو مما يتلى.
وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبى [ ﷺ ] فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة، فإذا لم توجد التلاوة، ولم يجز النسخ بعد وفاة النبى [ ﷺ ] لم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون الحديث
стр. 5107
مدخولا فى الأصل غير ثابت الحكم؛ أو يكون إن كان ثابتا فإنما نسخ فى حياة رسول الله، وما كان منسوخا فالعمل به ثابت، إلى آخر ما قال.
٥ - من الثابت عند الأحناف أنهم لا يكتفون فى إثبات الرضاع بشهادة امرأة واحدة، كما يزعم كاتب المادة، بل لا يجيزون فى هذا شهادة النساء وحدهن. وفى ذلك يقول ملك العلماء علاء الدين الكاسانى، المتوفى عام ٥٨٧ هـ ما نصه: "وأما البينة (أى على ما يثبت به الرضاع) فهى أن يشهد على الرضاع رجلان أو رجل وامرأتان، ولا يقبل على الرضاع أقل من ذلك، ولا شهادة النساء بانفرادهن. وهذا عندنا (أى عند الأحناف)، وقال الشافعى يقبل فيه شهادة أربع نسوة (١)؟
الدكتور محمد يوسف موسى
رضية
(١٢٣٦ - ١٢٤٠ م): المرأة الوحيدة التى وليت عرش دهلى إبان الحكم الإسلامى، وهى أيضًا الملكة الوحيدة فى تاريخ الإسلام إذا استثنينا شجرة الدر ملكة مصر. فقد اختار إيلتتمش بعد وفاة ابنه الأكبر، ابنته رضية لولاية العهد لما رآه من صلاحها للحكم على الرغم من معارضة أصحاب رأيه. وبعد وفاة إيلتتمش ولى رجال حاشيته على العرش ابنه ركن الدين فيروز ضاربين عرض الحائط برغبات الملك المتوفى.
وأنفق ركن الدولة وقته فى العربدة تاركا السلطان الحقيقي بأجمعه فى يد أمه شاه تركان، فأهاجت الشعب بقسوتها وانتهى الأمر بثورة شعبية سافرة. وأخيرًا نادى أهل دهلى وفريق من رجال الجيش برضية ملكة على البلاد عام ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ م) على الرغم من كراهية المسلمين الشديدة لتولية النساء الحكم. وقد رفض نظام الملك محمد جنيدى الاعتراف بها، إلا أنها كانت من الفطنة والكياسة بحيث قضت على كل معارضة قامت فى طريقها. وعينت الخواجه مهذب الدين حسين وزيراً لها، كما نصبت ملك سيف الدين على رأس الجيش ومنحته لقب قوتلوغ. وأقامت اختيار الدين
стр. 5108
أيتكين أميرًا للحجاب "أمير حاجب".
على أن الأمراء الترك قد ساءهم ما أظهرته هذه الملكة من رعاية لحبشى يدعى ملك جمال الدين ياقوت. وكان يشغل منصب أمير الخيل "أمير أخور"، لذلك ثار هؤلاء الأمراء آخر الأمر وقتلوا هذا الحبشى وسجنوا الملكة، ونصبوا على العرش أخاها غير الشقيق بهرام شاه (رمضان ٦٣٦ الموافق أبريل ١٢٤٠). وعزم ملك اختيار الدين ألطونيه والى بهاتنده- وهو الذى عهد إليه زملاؤه المتآمرون بحبس الملكة عنده- على أن يقف إلى جانب الملكة، فتزوجها وسار وإياها إلى دهلى، ولكنه هزم بالقرب من كيتهل، وكان مصيره القتل هو ورضية فى اليوم التالي لهذه الهزيمة.
والمصدر الأصلى الوحيد عن حكم هذه الملكة هو كتاب "طبقات ناصرى" لمنهاج الدين [انظر جوزجانى]. أما روايات جميع الكتّاب المتأخرين مثل ابن بطوطة وفرشته والبداونى ومؤلف كتاب "طبقات أكبرى" فغير موثوق بها.
وكل ما ذكره منهاج الدين أن هذه الملكة قد عاملت الحبشى معاملة تقوم على العطف والرعاية، وكان فى هذا ما يكفى لتمكين المورخين المتأخرين من القول بأن هذا العطف كان غراماً لا يصح من جانب الملكة. وقد طرحت هذه الملكة فى أواخر حكمها ملابس النساء وظهرت أمام الناس سافرة ترتدى ملابس الرجال. والظاهر أن السبب الحقيقي فى سقوطها هو معارضة أمراء الترك لها.
المصادر:
(١) منهاج الدين: طبقات ناصرى.
ترجمة H. G. Raverty, لندن سنة ١٨٨١، جـ ١، ص ٦٣٧ - ٦٤٨.
الشنتناوى [كولن ديفز C. Collin Davies]
رطل
وحدة من وحدات الوزن ترجع إلى ما قبل الإسلام، وتختلف باختلاف البلاد والأزمان. ويقول المقريزى إن جميع الموازين كانت قبل الإسلام ضعف ما أصبحت عليه فى العهود الإسلامية ماعدا المثقال، فقد ظل موحداً
стр. 5109
قبل الإسلام وبعده (المقريزى، ص ٣, ٥)، وإن الرطل ١١ أوقية أو ١٤٤ درهماً. وكان الرطل فى دمشق أيام القرون الوسطى يساوى ٦٠ درهم، وكان يساوى فى حلب ٧٣٠ درهماً، أما فى مصر الحديثة فالرطل موحد، يساوى ١٠٠/ ١ من القنطار = ١٢ أوقية = ١٤٤ درهما = ٤٤٩، . كيلو جراما = ٩٩ ر، من الرطل الإنجليزى. و ٧٥ ,٢ رطلا تساوى فى جميع الموازين خلا
موازين الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة والعقاقير أقة = ٢٤٨, ١ كيلو جراماً = رطلين إنكليزيين و ١١ أوقية؟
المصادر:
(١) المقريزى: Historia Monetae Arabicae طبعة، . O.G.Tyschen روستوك ١٧٩٧ م
(٢) القلقشندى: صبح الأعشى، أربعة عشر مجلداً، ١٩١٣ وغير ذلك من الطبعات
(٣) Poids et: J.A.Decourdemanche neunles anciens et des mesures des
arabes باريس ١٩٠٩ م
(٤) La sy-: : Demombynes Godefroy rie a L'Epoque des Mamlouks باريس
١٩٢٨
(٥) القانون رقم ٩، ١٩١٤ م فى الوقائع المصرية؛ القانون رقم ١٢٩، ٣٠ سبتمبر ١٩١٤ الخاص بتوحيد الموازين فى مصر
خورشيد [عطية A. S. Atiya]
الرفاعى
أحمد بن على أبو العباس، شيخ الطريقة الرفاعية. توفى فى ٢٢ جمادى الأولى عام ٥٧٨ (٢٣ سبتمبر ١١٨٣) فى أم عبيدة من ناحية واسط. ويذكر بعض الكتاب أنه ولد فى المحرم عام ٥٠٠ (سبتمبر ١١٠٦)، ويقول آخرون إنّه ولد فى رجب عام ٥١٢ (أكتوبر- نوفمبر ١١١٨) فى قرية حسن إحدى قرى ناحية البصرة. وهذان المكانان فى إقليم البطائح ومن ثم نسبته البطائحى.
وتفسر كلمة الرفاعى عادة بأنها إشارة إلى سلف من أسلافه يدعى رفاعة، غير أن البعض يرون أن هذا الاسم علم على قبيلة من القبائل. ويقال إن هذا السلف
стр. 5110
"رفاعة" قد هاجر من مكة إلى إشبيلية من أعمال الأندلس عام ٣١٧، ومنها وفد جد أحمد إلى البصرة عام ٤٥٠، ومن هنا لقب أيضا بالغربى.
والإشارة الواردة عنه فى كتاب ابن خلكان قصيرة لا غناء فيها، غير أن ثمة تفصيلات أكثر عنه وردت فى كتاب تاريخ الإسلام للذهبى (مخطوط فى مكتبة بودليان Bodleian) أخذت من مجموعة مناقبه التى وضعها محيى الدين أحمد بن سليمان الحّمامى ولقنها أحد تلاميذه عام ٦٨٠. ولم تظهر هذه المجموعة بين ثبت الرسائل الخاصة بهذا الموضوع التى ذكرها أبو الهدى أفندى الرافعى الخالدى السيادى فى كتبه: تنوير الأبصار (القاهرة ١٣٠٦ هـ) وقلادة الجواهر (بيروت ١٣٠١ هـ) - وقلادة الجواهر سيرة مستفيضة تنقل كثيراً من الشواهد عن "ترياق المحبين" لتقى الدين عبد الرحمن ابن عبد المحسن الواسطى المتوفى عام ٧٤٤ (وقد عرفه حاجى خليفة) - و"أم البراهين" لقاسم بن الحاج، و"النفحة المسكية" لعز الدين الفاروثى المتوفى عام ٦٩٤ وغير ذلك من الكتب. وقد استقى الحمامى رواياته من شخص يدعى يعقوب بن كراز، وكان مؤذنا عند
الرفاعى. ويجب أن نحتاط كثيراً فى استخدام مثل هذه المعلومات.
وجاء فى بعض الروايات أن الرفاعى ولد بعد وفاة أبيه، فى حين أن معظم الروايات تجعل وفاة أبيه فى بغداد عام ٥١٩ عندما كان ولده أحمد فى السابعة من عمره. ثم كفله عندئذ خاله منصور البطائحى، وكان مقيما عند نهر دقلا من أرباض البصرة. والمنصور هذا (هناك إشارة عنه فى كتاب الشعرانى "لواقح الأنوار" جـ ١، ص ١٧٨) يذكر على أنه شيخ طائفة دينية يطلق عليها أحمد اسم الرفاعية (لو صح ما نقله عنه حفيده فى كتابه القلائد، ٨٨ ص). وقد أرسل منصور ابن أخته الى واسط ليتفقه على
أبى الفضل على الواسطى من شيوخ الشافعية، وعلى خاله أبى بكر الواسطى، وظل الرفاعى يطلب العلم حتى السابعة والعشرين من عمره، ثم قال إجازته على أبى الفضل، والخرقة من خاله المنصور الذى طلب إليه أن
стр. 5111
يستقر فى أم عبيده وكان فيها على ما يظهر مال لأسرة أمه، وبها دفن يحيى البخارى الأنصاري والد أمه، وفى العام التالي (٥٤٠) توفى منصور تاركا مشيخة الطائفة إلى أحمد حارماً منها ولده.
والظاهر أن نشاط أحمد كان محصوراً فى أم عبيدة والقرى المجاورة لها التى لم تكن أسماؤها معروفة للجغرافيين، بل إن أم عبيدة ذاتها لم يذكرها ياقوت وإن كانت قد ذكرت فى نسخة من كتاب "مراصد الاطلاع".
وهذه الحقيقة تدعونا إلى عدم تصديق ما ذكره أبو الهدى من جمهرة مريديه بل خلفائه وذلك العدد الكثير من العمائر الضخمة الفاخرة البناء التى كان يجتمع فيها وإياهم. وذكر سبط ابن الجوزى فى كتاب "مرآة الزمان" (شيكاغو سنة ١٩٠٧، ص ٢٣٦) أن شيخا من شيوخ الرفاعية أخبره أنّه شاهد نحو مائة ألف شخص مع الرفاعى فى ليلة من ليالى شعبان.
ونستدل مما جاء فى كتاب "شجرات الذهب" أن سبط ابن الجوزى نفسه هو الذى شاهد ذلك، مع أن الجوزى هذا ولد عام ٥٨١، أى بعد ثلاث سنوات من وفاة الرفاعى وجاء فى كتاب "تنوير الأبصار" أن جده بل هو نفسه يؤكدان ذلك.
ولم يذكر مريدو الرفاعى أنه ألف آية رسالة، غير أن أبا الهدى يذكر له ما يلى: ١) مجلسان ألقاهما فى عام ٥٧٧ (٣ رجب) ثم فى عام ٥٧٨ (٢) ديوان من القصائد الطوال (٣) مجموعة من الأدعية والأوراد والأحزاب (٤) عدد كبير من أقوال شتى تطول أحياناً حتى تبلغ مبلغ المواعظ، وهى مليئة فى كثير من الأحيان بالترديدات والإعادات. ولما كان الرفاعى يدعى فى مصنفاته رقم ١ و ٢ و ٤ أنه من سلالة على وفاطمة وأنه نائب النبى [ ﷺ ] فى الأرض، فى حين أن كتاب سيرته يؤكدون إنّه كان متواضعا ذليلا وينكرون عليه هذه الألقاب: قطب، وغوث بل شيخ، فإن صحة هذه الرسائل والمصنفات تكون
موضع شك وريبة. ويؤكد صاحب كتاب "شجرات الذهب" (جـ ٤، ص ٢٦٠) أن الفعال العجيبة التى تنسب
стр. 5112
إلى الرفاعية كجلوسهم فى الأفران المتأججة، وركوبهم الأسد وغير ذلك (وصف هذه الفعال لين Lane فى كتابه
Modern Egyptians جـ ١، ص ٣٠٥) لم تكن معروفة لدى منشئ هذه الطريقة وقد استحدثت بعد الغزو المغولى.
ومهما يكن من شئ فإن هذه الفعال لم تكن من بدع الرفاعى، لأن التنوخى الذى عاش فى القرن الرابع الهجرى ذكر فعالا شبيهة بها. ونستشف من الحكايات التى ذكرها الذهبى (رددها السبكى فى الطبقات، جـ ٤، ص ٤٠) أن عقيدة الرفاعى كانت شبيهة بعقيدة الأهنسا الهندية، أى الإحجام عن قتل المخلوقات أو إيذائها ولو كانت من القمل والجراد. ويقال أيضاً إنّه امتدح الفقر
والزهد والبعد عن الأذى والضر والاستسلام لهما. وجاء فى كتاب مرآة الزمان كيف أن الرفاعى سمح لزوجته أن تضربه بالمسعر وإن كان أصدقاؤه قد جمعوا له خمسمائة دينار ليمكنوه من تطليقها ورد صداقها. (ولا ينفق المبلغ المذكور مع فقره المزعوم)
وهناك روايات متناقضة عن علاقاته بعبد القادر الجيلانى الذى كان معاصراً له، فقد جاء فى كتاب "بهجة الأسرار" بإسناد خاطئ على ما يظهر رواية عن اثنين من أبناء أخت الرفاعى وعن شخص زاره فى أم عبيدة أن عبد القادر لما أذاع وهو فى بغداد أن قدمه على عنق كل ولىُ سمع الرفاعى يقول وهو فى أم عبيدة وعلى عنقى كذلك، ومن ثم فإن البعض يجعلونه تلميذاً لعبد القادر. ونجد من ناحية أخرى أن المصادر التى استقى منها أبو الهدى تجعل عبد القادر واحداً من الذين شاهدوا فى مكة عام ٥٥٥ معجزة النبى [ ﷺ ] الفريدة وهى إخراج يده من القبر ليقبلها الرفاعى. زد على ذلك أن الرفاعى قد ذكر فى ثبت أسلافه الذى ألقاه فى مجلسه عام ٥٧٨ المنصور ولم يذكر عبد القادر، ومن ثم فالراجح أن كل واحد من هذين
الشيخين كان له مجال من النشاط مستقل عن الآخر.
وجاء فى كتاب الفاروثى، حفيد مريد من مريدى الرفاعى يدعى عمر،
стр. 5113
تفاصيل عن أسرة الرفاعى. ذلك أنه روى أن الرفاعى تزوج أول ما تزوج من خديجة ابنة اخى منصور، ثم تزوج بعد وفاتها نفيسه ابنة محمد بن القاسمية.
وقد أنجب الرفاعى كثيراً من البنات، وكان له أيضًا ثلاثة أبناء توفوا جميعاً قبل وفاة أبيهم. وخلفه على مشيخة الطريقة على بن عثمان أحد أبناء أخته؟
المصادر:
ذكرت المصادر فى صلب المقال.
الشنتناوى [مركوليوث D.S.Margoliouth]
رفاعة بك
الطهطاوى: كاتب مشهور من كتاب القرن الماضى، ومن أئمة باعثى النهضة العربية الحديثة. ولد فى طهطا بمصر العليا عام ١٨٠١. وكان أبواه فقيرين وإن كانا من ذوى الحسب والنسب، وقد أكب وهو بعد صبى صغير السن على دراسة القرآن، ثم التحق وهو فى شبابه بالأزهر حيث درس بجد واجتهاد تحت إشراف الشيخ حسن العطار.
واختير بعد إتمامه دراسته فى الأزهر عام ١٨٢٤ رئيس رواتب- Pay master الجيش المصرى، وكان محمد على المشهور يحكم مصر إذ ذاك. وقد أقنع العالم الفرنسى جومار Jomard محمداً علياً بإرسال بعثة من الطلاب إلى فرنسا عام ١٨٢٦ ليتعلموا الفرنسية والعلوم الحديثة، واختار رفاعة بكُ للإشراف عليهم، وهناك تعرف على طائفة من المستشرقين من
أمثال جوبير Jaubert وجومار Jomard وسلفستر دى ساسى وكوسان دى يرسيفال. وتقدم رفاعه بك تقدماً سريعاً فى دراسته وتبحر فى اللغة الفرنسية فى وقت وجيز. وكانت تلك الفترة التى قضاها فى باريس الباعث له على الكتابة تلك الرسالة الشائقة الحية المعنونة "تخليص الإبريز" (بولاق عام ١٣٢٣) والتى ينم كل سطر من سطورها عن بساطة فاتنة وعن
الحماسة التى أثارتها فى هذه العقلية الشرقية تلك النواحى المتعددة للحياة والثقافة الفرنسية بما فيهما من أضواء وظلال مختلفة (انظر Carra de Vaux: Penseurs جـ ٥، ص ٢٣٧ وما بعدما).
стр. 5114
ولما عاد رفاعه الى مصر عام ١٨٣٢ التحق بمدرسة الطب، وكان على رأسها كلوت بكُ، مترجماً ومدرساً للغة الفرنسية، كما عهد إليه أيضا بتحرير "الأخبار المصرية" - Informations egyp tiennes التى عرفت فيما بعد باسم
الجريدة الرسمية Journal officiel.
وانتقل عام ١٨٣٢ إلى مدرسة المدفعية، ثم اختير فى عام ١٨٣٥ مديراً لمدرسة الألسن (وكانت فى الأصل قلم الترجمة). وظل فى هذا المنصب إلى أن اعتلى الحكم عباس الأول. ومن المؤسف أن هذا الوالى لم يتابع أعمال سلفه الباهرة، إذ أقفلت مدرسة الألسن (١) وأرسل مديرها إلى السودان لينظم المدرسة العالية بالخرطوم، وكان فى ذلك العمل انتقاصاً مستوراً لقدر رفاعة بك.
وعاد رفاعة بك إلى مصر عندما توفى عباس، فعينه سعيد باشا مديرا للمدرسة الحربية مدة وجيزة، ذلك أن هذه المدرسة أقفلت هى أيضا أبوابها فوجد رفاعة نفسه من غير عمل.
وأعيد افتتاح هذه المدرسة عام ١٨٦٣ فى عهد إسماعيل، وعين رفاعة مرة أخرى مديراً لقلم الترجمة. وأصبح فى عام ١٨٧٠ رئيس تحرير المجلة التعليمية المسماة "روضة المدارس" وكانت تصدر نصف شهرية وتوفى رفاعه عام ١٨٧٣.
وكان رفاعه بك من أشهر كتاب العربية فى القرن التاسع عشر، واسمه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة البعث الزاهرة للنشاط الأدبى والعلمى فى الشرق الحديث. وكان رفاعه متوقد الذكاء محبا للعلم والمعرفة. وقد خلف عدداً كبيراً من المصنفات فى مختلف
نواحى المعرفة: كالتاريخ، والجغرافيا، والنحو، والقانون، والأدب والطب وغير ذلك. وتجد تفصيلا لهذه المصنفات فى معجم سركيس: - bibliogra Dictionnaire)
phique ص ٩٤٢ - ٩٤٧). وحسبنا أن نذكر هنا ترجمته لتليماك - Tele ,maque وجغرافية ملطبرون Brun-Malte وللقانون المدنى الفرنسى.
وإذا شئنا أن نقدر ما كان لرفاعه بك من شأن عظيم فإنه يجب أن نذكر أن العالم العربي فى فجر القرن الماضى كان فى حالة خمود وركود يفصله عن
стр. 5115
العلم والمعرفة الأوربية حاجز سميك.
وكان الأزهر يبعث بنور ضئيل يخترق الظلمات التى كانت تخيم على ذلك العهد.
وكان من نتيجة أعماله ونشاطه وأعمال زمرة الخبراء والمترجمين الذين قدمهم للبلاد أن تمكن رفاعة من القيام بمعجزة هى تبسيط العلم الأوربى وتفتيح أذهان الشرق للآراء الحديثة وتنوير أذهان معاصريه، وإيقاظ الهمم الخامدة واعداد العدة للمستقبل.
ونحن نستطيع أن نقدر مدى المجهود الذى بذله فى هذا السبيل إذا علمنا أن رفاعة وتلاميذه قد ترجموا إلى العربية والتركية نحواً من ألفى كتاب. ثم إن رفاعة بك قد مكن للفكر العربي من أن يتمشى مع التقدم وأن ينشر ضوءه على العالم الإسلامى
الحديث، وذلك بتوسيع آفاق اللغة العربية القديمة وإحيائها وتزويدها بحشد من الكلمات الجديدة؟
المصادر:
(١) شيخو: الآداب العربية فى القرن التاسع عشر، بيروت سنة ١٩٢٤ - ١٩٢٦، جـ ٢ ص ٨
(٢) جورجى زيدان: مشاهير الشرق، القاهرة سنة ١٩٢٢، جـ ٢، ص ٢٢ وما بعدها
(٣) المؤلف نفسه: تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة سنة ١٩١٤، جـ ٤ ص ٢٩٥_٢٩٧
(٤) السندوبى: أعيان البيان، القاهرة ١٩١٤، ص ٩٠ وما بعدها
(٥) سركيس: معجم المطبوعات العربية، القاهرة ١٩٢٨, ص ٩٤٢ _ ٩٤٧
(٦) Vicomte Ph. de Tarrazi: تأريخ الصحافة العربية، بيروت سنة ١٩١٣، جـ ١، ص ٩٣_٩٦ (وهو نسخة من بحث زيدان)
(٧) السياسة الأسبوعية، القاهرة ٢٨ مايو سنة ١٩٢٧، ص ٢٠ - ٢٢.وهو بحث هام بقلم محمد حسين
(٨) Studies in Cantem- H. A. R. Gibb B. S. ٠. S.,، porory Arabic Literature, جـ ٤ سنة ١٩٢٨، ص ٧٤٨
(٩) Penseurs de: Carra de Vaux L'Islam باريس ١٩٢٦، جـ ٥، ص ٢٣٥.
(١٠) Litterature arabe: Huart باريس سنة ١٩١٢، ص ٤٠٦ - ٣٠٧.
الشنتناوى [موريس شمول Maurice Chemo]