نفس النبى [ ﷺ ] بقولها أن النبى [ ﷺ ] قال مرة عند التحدث إليه "فداك أبى وأمى". ويقال إن النبى [ ﷺ ] أذن له بصفة خاصة بلبس الحرير. ويرجع فيما يختص بوصيته إلى ابن سعد، جـ ٣ قسم ١، ص ٧٥ وما بعدها؛ البخارى، خمس باب ١٣.
المصادر:
(١) ابن إسحاق: السيرة، طبعة فستنفلد، الفهرس.
(٢) الواقدى، ترجمة فلهوزن، برلين سنة ١٨٨٢. الفهرس.
(٣) اليعقوبى، طبعة هوتسما، الفهرس.
(٤) الطبرى، طبعة ده غوى، الفهرس.
(٥) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ٣/ ١ ص ٧٠ - ٨٠.
(٦) البلاذرى، طبعة ده غوى، الفهرس.
(٧) المسعودى: مروج الذهب، طبعة Berbier de Meynard الفهرس العام.
(٨) ابن حجر العسقلانى: الإصابة، رقم ٢٧٧٤.
(٩) ابن الأثير: أسد الغابة، القاهرة، ١٢٨٦، جـ ٢، ص ١٩٦ وما بعدها. أما الأحاديث النبوية فموجودة فى.
(١٠) فنسنك Handbook of Early Muh. Tradition: A.J. Wensinck تحت هذه المادة.
(١١) Sprenger: Das Leben and die Lehre des Mohammad جـ ١، برلين ١٨٦١، ص ٣٧٤ وما بعدها، وما بعدها.
(١٢) Das Leben Muhammeds: F. Buhl ليبسك سنة ١٩٣٠. ص ١٥١، ١٧٣.
(١٣) Annali: Caetani الفهارس فى جـ ٢/ قسم ٢، جـ ٦ وكذلك جـ ٧، فقرة ٧، جـ ٨، فقرة ٣٧٤ وما بعدها، جـ ٩، فقرة ٣٠ - ٢٢٥ فى مواضع مختلفة ٦١٦ - ٦٩٠.
(١٤) Der Islam im Morgen and Abendland: A.Muller برلين سنة ١٨٨٥. ص ٣٠٦ وما بعدها.
стр. 5182
(١٥) The Caliphate: W.Muir طبعة Weir، الفهرس.
(١٦) G. Levi Della vida فى R.S.O جـ ٦، ص ٤٤٠ وما بعدها، جـ ٤٤٨ وما بعدها.
الشنتناوى [فنسنك A.J.Wensinck]
الزرنوجى
برهان الدين: فيلسوف عربى مجهول الاسم، لا يمكن أن نحدد الزمن الذى عاش فيه إلا على وجه التقريب، ويذكر الوارت Ahlwardt فى فهرس برلين، رقم ١١١ أن محمود بن سليمان الكفَّوى المتوفى عام ٩٩٠ هـ (١٥٦٢ م) فى كتابه "أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار" يجعل الزرنوجى من أهل الطبقة الثانية عشرة من طبقات الحنفية. ويستخلص من ذلك أن الزرنوجى قد نبه ذكره حوالى عام ٦٢٠ هـ (١٢٢٣ م). ويتفق مع هذا أن إدوارد فإن ديك Eduard van Dyck فى كتاب "اكتفاء القنوع بما هو مطبوع" (القاهرة ١٨٩٦، ص ١٩٠) يصف هذا الفيلسوف كما وصفه حاجى خليفة (رقم ٣١٣٤) بأنه تلميذ مؤلف كتاب "الهداية فى فروع الفقه"، أى تلميذ برهان الدين على بن أبى بكر الفرغانى المرغينانى. وقد توفى المرغينانى عام ٥٩٣ هـ (١١٩٧ م). والواقع أن الزرنوجى يستشهد به أكثر من مره فى كتابه "تعليم المتعلم" على أنه أستاذه، وقد رثاه فى هذا الكتاب. ويؤيد رواية آلوارت ما ذكره المؤلفون الآخرون الذين أوردهم كتاب تعليم المتعلم بقدر ما نستطيع أن نتبينه من تواريخ حياتهم. فقد ذكر الزرنوجى على سبيل المثال فخر الإسلام الحسن بن منصور الفرغانى قاضى خان المتوفى عام ٥٩٢ (١١٩٦ م) على أنه شيخه. وذكر فى فقرة أخرى أن الشيخ ظهير الدين الحسن بن على المرغينانى قد تلا أمامه بعض الأشعار G.A.L.: Brockelmann جـ ١، ص ٣٧٩ مما يجعل تاريخ هذا الفيلسوف متأخرا عن ذلك كثيرًا لأن أباه قد توفى عام ٥٠٦ هـ (١١١٢ م) وأن قاضى خان الوارد ذكره آنفًا كان تلميذه؛ ويضيف الزرنوجى أنه استمع إلى قصة من الشيخ فخر الدين الكاشانى. ولا شك أنه قصد بذلك أبا بكر مسعود بن أحمد (G.A.L جـ ١،
стр. 5183
ص ٣٧٥، وقد توفى عام ٥٨٧ هـ = ١١٩١ م). ويذكر أخيرًا أن ركن الدين محمد بن أبى بكر إمام خواهر زاده قد تلا عليه شيئًا. ويقول بروكلمان (فى G.A.L، جـ ١، ص ٤٢٩) إن هذا الشخص كان على قيد الحياة حوالى عام ٥٦٠ هـ = ١١٦٥ م، وإذا وضعنا موضع الاعتبار هذه الأقوال جميعا خرجنا من ذلك بأن المؤلف قد نبه ذكره فى تاريخ سابق على ما ذهب إليه آلوارت بقليل، غير أنه من المحقق أنه صنف كتابه بعد عام ٥٩٣ هـ.
والكتاب الوحيد المعروف الذى بقى من مؤلفات الزرنوجى وهو "تعليم المتعلم طريق التعلم" رسالة صغيرة تبصر الطلاب بالمظهر الخلقى لطالب العلم. والكتاب بأجمعه إنما هو أقوال للكُتَّاب المتقدمين أحسن المؤلف اختيارها وعرضها عرضًا شائقا. وهذه الحقيقة مضافة إلى إيجاز الكتاب هى السر فى ذيوعه ذيوعًا عظيما بين الناس، انظر تفصيل ذلك فى كتاب بروكلمان (G.A.L جـ ١، ص ٤٦٢) ومما هو جدير بالملاحظة أن الغالبية العظمى من الكتَّاب الذين نقل عنهم المؤلف هم جميعا بدون استثناء من الحنفية فيما عدا رجال القرن الأول منهم، وإن كان موضوع الكتاب لا يمت فى الواقع بصلة لعقائد أى مذهب من المذاهب. وقد طبع شرح ابن إسماعيل على هذا الكتاب بالقاهرة عام ١٣١١.
المصادر:
ذكرت فى صلب المقال.
الشنتناوى [بلنسر M. Plessner]
زرياب
أبو الحسن على بن نافع: أعظم موسيقيى الأندلس. ويقال إنه لقب بزرياب تشبيها له بالشحرور؛ ونحن لا نعلم تاريخ مولده ولا وفاته. ويذكر كل من دوزى Dozy وكروف Grove أن زرياب من أصل فارسى وإن لم يؤيدا قولهما بالدليل الكافى. ويذكر كروف أيضا أنه ولد فى بغداد حوالى عام ٨٠٠، ولكننا لا نعلم أن بغداد كانت مسقط رأسه. ومن المحقق أن هذا العام متأخر جدًا عن سنة مولده، ذلك أن المقرى يؤكد نقلا عن ابن حيان أن
стр. 5184
زرياب كان مولى للخليفة المهدى المتوفى عام ٧٨٥ م. وجاء فى العقد الفريد أنه كان تلميذا لإبراهيم الموصلى المتوفى عام ٨٤٠ ومن ثم فإن إبراهيم لا إسحاق هو الذى ذكر فى قصة هارون التى سوف نذكرها. وذكر ابن حيان أن زرياب درس الموسيقى على إسحاق الموصلى، وكان يحفظ أغانيه خلسة [ولعل هذا يشير إلى أن زرياب كان فى بادئ أمره غلامًا أو خادمًا للمهدى أو لإسحاق]. وقد سمع هارون الرشيد (المتوفى عام ٨٠٩) بمواهب زرياب فأمر إسحاق بأن يحضر إليه هذا الموسيقى الشاب. وأعجب هارون أشد الإعجاب بإبداع زرياب ليس فى الغناء فحسب بل بأسلوبه الخاص أيضا فى العزف على العود الذى صنعه على طريقته، فأثار ذلك حسد أستاذه إسحاق. وعندئذ اضطر زرياب إلى الخروج من بغداد والرحيل إلى المغرب حيث التحق بخدمة زيادة اللَّه الأول (٨١٦ - ٨٣٧) الوالى الأغلبى على القيروان. وفى عام ٨٢١ عرَّض زرياب بالأمير فى إحدى أغانيه فحكم عليه بالجلد ونفاه من البلاد. فعبر البحر المتوسط إلى الجزيرة الخضراء، وعرض خدماته على الحكم الأول (المتوفى ٨٢٢) الوالى الأموى على قرطبة فاستدعاه إلى الحاضرة، ولكن الحكم توفى قبل قدوم زرياب إليها. وجدد خليفته عبد الرحمن الثانى (توفى عام ٨٥٢) العرض على زرياب فقبل زرياب أن يخدم عبد الرحمن. واحتضن الوالى هذا الموسيقى عقب وصوله وعامله معاملة تنطوى على تقدير عظيم. وأجرى على زرياب هو وأسرته (وكان له فى ذلك الوقت أربعة أبناء) معاشا سنويا قدره ٥٦٤٠ دينارًا علاوة على ثلثمائة مد من الحبوب وأملاك تقدر قيمتها بأربعين ألف دينار. وأصبحت هبة الأمير هذه حديث الناس فى العالم الإسلامى. وقد شكا موسيقى آخر مشهور يدعى علوية كان فى خدمة المأمون الخليفة العباسى فى بغداد (توفى عام ٨٣٢) سوء حاله إلى مولاه ذاكرًا أن زرياب ينعم فى ظل الأمويين فى الأندلس فيركب دابته يحف به أكثر من مائة عبد ويملك ما يربى على ثلاثين ألف دينار، فى حين يكاد يموت هو من الجوع، بل إن خازن المال قد احتج على
стр. 5185
هذا المبلغ الجسيم الذى منحه زرياب فانتهى الأمر بالوالى إلى دفع هذا المبلغ من جيبه الخاص. وزاد الأمور سوءًا تلك الصلات الوثيقة التى كانت تربط الأمير بمغنيه، مما أدى إلى قيام الشاعر الغزَّال بهجاء زرياب، على أن الأمير بادر بإسكاته. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن شاعرا آخر يدعى ابن عبد ربه (المتوفى عام ٩٤٠) قد باح بمثل هذه الموجدة بعد ذلك بقرن من الزمان.
وليس ثمة ما يدعو إلى الشك فى أن زرياب كان اهلا لهذا المديح وتلك الأموال التى اغدقت عليه. ويذكر المقرى أنه لم يوجد احد من أهل صناعته قبله أو بعده كان أكثر منه موضعًا لحب الناس له وإعجابهم به، بل إن الشعراء ظلوا إلى آخر أيام دولة غرناطة التى سقطت عام ١٤٩٢ يرون فى شهرة زرياب موضوعا محببًا تنجذب قلوبهم إليه. فقد كان زرياب على دراية واسعة بمختلف فروع الفنون الجميلة كما كان عالما بالنجوم والجغرافية. وكانت هذه الفضائل هى التى قربته من مولاه بصرف النظر عن تفوقه الذى لا يبارى فى الموسيقى (١). والظاهر أن زرياب كان بو بروميل Beau Brummell (٢) عصره، كما كان الأصل فى كثير من البدع التى ظهرت فى عادات المسلمين بالأندلس. وقد ذكر المقرى كل ذلك بالتفصيل.
غير أن شهرة زرياب فى الموسيقى غطت على كل شئ آخر. فقد كان ضليعا فى كل ناحية من نواحى الموسيقى "مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغانى بألحانها. وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطلميوس" (وقد ذكرت خطأ فى كتابى تاريخ الموسيقى العربية History of Arabian Music ص ١٣٠ نقلا عن الترجمة الانكليزية لكيانكوس Gayangos-P. de أن عدد هذه الأغانى بلغ ألف
стр. 5186
أغنية) ولرواية بطلميوس هذه أهمية خاصة، ذلك أنه وإن كان كتابه عن () لم يرد ذكره فى الفهرست، ولا فى ابن القفطى أو ابن أبى أصيبعة فإن ثمة أسبابًا قوية تحملنا على الاعتقاد بأن هذا الكتاب كان معروفا فى العربية (انظر أيضًا ابن عبد ربه، جـ ٣، ص ١٨٦؛ المسعودى: كتاب التنبيه؛ المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧، ص ١٢٨؛ إخوان الصفا، طبعة بومباى جـ ١ ص ١٠٢). وزرياب هو الذى اخترع مضراب العود من قوادم النسر معتاضا به من مرهف الخشب. وقد أضاف أيضا وترًا خامسًا إلى العود ولو أن ذلك كان موضع أخذ وردَّ فى المشرق فعلا (انظر كتاب الأغانى، طبعة بولاق، جـ ٥، ص ٥٣؛ مخطوط المتحف البريطانى رقم ٣٦١، ورقة ٦٠) وقد أفاض المقرى فى التحدث عن طريقته فى تعليم الغناء. وفضل زرياب الأكبر على الموسيقى هو أنه مبدع التقاليد الموسيقية الإسلامية فى الأندلس. وتعاليمه قائمة على تعاليم مدرسة إسحاق الموصلى. وقد كان معهده الموسيقى وتلاميذه من مفاخر الأندلس، وظل أثر هؤلاء باقيًا حتى فى أيام ملوك الطوائف كما يقول ابن خلدون. وانتقلت هذه التعاليم إلى إفريقية حيث نجد بعض آثارها ماثلة فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى).
وكان لزرياب عشرة أبناء (لا ستة كما ذكرت فى كتابى تاريخ الموسيقى العربية، ص ١٦٠) جميعهم من أهل الموسيقى. وكان أعظمهم عبيد اللَّه وكان كان القاسم أحسنهم غناء. وأدار عبد الرحمن معهد الموسيقى، وكان لأحمد شهرة فى الشعر. أما أبناؤه الآخرون فهم: يحيى ومحمد وجعفر والحسن. وكان له ابنتان هما حمدونة وعُلَيَّة: وكانت الأولى تفضل الثانية فى الغناء. وتزوجت حمدونة من الوزير هشام بن عبد العزيز (انظر P. de Gayangos جـ ٢، ص ٤٣٢) وقد جمع أخوه أسلم أغانى زرياب فى مجلد واحد عنوانه "كتاب معروف فى أغانى زرياب" ولعل ذلك تم بمعاونة حمدونة. ونحن لا نعلم تاريخ وفاة زرياب، على أنه من المستبعد أن يكون قد عمَّر بعد وفاة مولاه عبد الرحمن الثانى.
стр. 5187
المصادر:
(١) المقرى، المقتطفات، جـ ١، ص ٦٣٣؛ جـ ٢، ص ٨٣ - ٩٠، ٤١٥، ٨٣٢؛ الترجمة الإنكليزية بقلم P. de Gayangos بعنوان Hist. of the Mohmmedan Dynasties in Spain جـ ١، ص ١٢١، ٤١٠ - ٤١١؛ جـ ٢، ص ١١٦ - ١٢٠، ٤٣٢.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة ١٨٨٧ - ١٨٨٨, جـ ٣، ص ١٨٩.
(٣) ابن خلدون المقدمة فى N.E. جـ ١٧، ص ٣٦١.
(٤) الضبى: بغية الملتمس، مدريد سنة ١٨٨٥، ص ١٣٨، ١٩٢، ٢٢٤.
(٥) ابن حزم: طوق الحمامة، ليدن سنة ١٩١٤ ص ١٠٨.
(٦) ابن الأبار: التكملة، مدريد سنة ١٨٨٩، ص ٣٩٩.
(٧) ابن القوطية: تاريخ فتح الأندلس، مدريد سنة ١٨١٨، ص ٧٧.
(٨) الخشانى: Jueces de Cordoba Historio de los طبعة Ribera مدريد سنة ١٩١٤، ص ١٣.
(٩) History of Arabian Music: Farmer لندن سنة ١٩٢٩ انظر الفهرس.
(١٠) المؤلف نفسه: Studies in Oriental Musical Instruments لندن سنة ١٩٣١، ص ٦٠، ٩٧.
(١١) La musica de las cantigas: Ribera مدريد سنة ١٩٢٢، انظر الفهرس والترجمة الأنكليزية بقلم Hague و Leffingwell وعنوانها Music in Ancient Arabia and Spain لندن سنة ١٩٢٩، انظر الفهرس.
(١٢) المؤلف نفسه: La ensenanza entre los Musulmanes . سرقسطة ١٨٩٣.
(١٣) المؤلف نفسه: La musica arabe medieval y su influencia en la Espanola مدريد سنة ١٩٢٧.
(١٤) Histoire des Musulmans d'Espagne: Dozy . . , ليدن سنة ١٨٦١، جـ ٢، ص ٨٩، والترجمة الإنكليزية بقلم Stokes بعنوان Spanish: Islam A History the Moslems of in Spain لندن سنة ١٩١٣، انظر الفهرس.
стр. 5188
(١٥) History of the Moorish Empire in Europe: Scott فيلادلفيا سنة ١٩٠٤. جـ ١، ص ١٣٦.
(١٦) Dictionary of Music and Musicians: Grove الطبعة الثالثة، جـ ٥، ص ٧٨٧. وقد ورد فى هذا المصدر الأخير أن أبا الفرج الأصفهانى هو مؤرخ سيرة زرياب وهذا خطأ لأن زرياب المذكور فى كتاب الأغانى هو اسم مغنية.
الشنتناوى [فارمر H.G.Farmor]
زكاة (*)
ركن من أركان الإسلام، وهى فى الشرع مقدار مفروض يؤديه المسلم عن أنواع معينة من الأموال ويصرف فى ثمانية أصناف من الناس. وعلماء الإسلام يفسرون كلمة "زكاة"، فى العربية بأنها "الطهارة" أو "النماء والزيادة"، والحقيقة أن النبى ﵊ استعملها بمعنى أوسع من ذلك بكثير، عن استعمالها عند اليهود (فى اليهودية - الآرامية: زاكوت) (١) وكان الجود بخيرات هذه الدنيا يعتبر عند أهل الديانة فى الشرق من أخص الأعمال الصالحة، أما التمسك بها فكان يعتبر بمثابة عقبة دون سعادة الآخرة، ولذلك أمكن أن تستعمل كلمة الزكاة، وهى تدل على الفضل والصلاح بوجه عام، فى الدلالة أيضًا على البر وعلى أنواع الصدقة (٢)، ولما كان النبى محمد ﵊ قد عرف التقوى من هذا الوجه على أنها من مميزات الأديان المنزلة، فإنه من أول الأمر قد اعتبر البر من الفضائل الكبرى التى يتحلى بها المؤمن الحق (انظر سورة الرعد، آية ٢٢؛ سورة فاطر، آية ٢٩ (أ): ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (ومثل هذا كثير فى القرآن)؛ سورة المعارج، آية ٢٤، ٢٥ وما بعدها:
стр. 5189
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وانظر أيضا سورة الإنسان، آية ٨، ٩ وما بعدها: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ وكان النبى [ ﷺ ]، وهو ما يزال فى مكة يستعمل كلمة "زكاة" ومشتقات مختلفة من مادة "زكا" (بمعنى طهر) ترتبط بالزكاة بحسب الإحساس اللغوى عند العرب. وهذه المشتقات نفسها لا يكاد يكون لها فى القرآن الكريم سوى ذلك المعنى الذى ليس عربيا أصيلا بل هو مأخوذ عن اليهودية (ب) (٣) وهو "التقوى". وكلمة زكاة، فى الاصطلاح، تدل على الفضل بوجه عام، كما تدل أيضًا، مع تطور فى المعنى لا يكاد يلحظ (انظر سورة الأعلى، آية ١٤؛ وسورة المؤمنون، آية ٤؛ وسورة الليل، آية ١٨) على الجود والعطاء (انظر مثلا سورة مريم، آية ٣١، ٥٥) وعلى البر والصدقة (انظر مثلا سورة الأعراف، آية ١٥٦؛ سورة الأنبياء، آية ٧٣ وسورة الروم، آية ٣٨ (جـ)؛ سورة لقمان، آية ٤؛ سورة فصلت، آية ٧) وكان المؤمنون بالنبى [ ﷺ ] فى أثناء الحقبة المكية كلها قليلين، وإن كانوا قد امتلأوا حماسة. ولذلك لم يكن ثمة ما يدعو لوضع قواعد لتنظيم الإحسان الفردى، بل إن ذلك كان مستحيلا. ويرى علماء الإسلام أيضًا أن الزكاة باعتبارها فرضا شرعيًا تفرض إلا فى المدينة، وإن كان العلماء يختلفون فى تحديد وقت فرضها بين السنة الثانية والسنة التاسعة للهجرة؛ أما الأحكام العامة المتقدمة على ذلك فتعتبر عندهم بعد فرض الزكاة منسوخة (٤). وإن عدم القطع بتاريخ فرض الزكاة ليضعف مما ساقته هذه الرواية من أقوال مقررة. والفكرة التالية هى التى نخرج بها من
стр. 5190
القرآن الكريم بصفة خاصة عن تطور الزكاة فيما بعد: يظل البر الذى يعبر عنه بعبارات عامة حينا وبكلمة زكاة حينا آخر (وقد تحل عبارة محل عبارة أخرى، كما فى سورة البقرة، آية ٣٦٢ - ٢٨١) من فضائل المؤمن الكبرى. وعلى المؤمن أن يجعل نية البر أمرًا أساسيًا. وبحسب الاصطلاح الأخير لا يزال المعنى العام يتوارى ومعنى العطاء يبرز إلى الأمام. وترد كلمة صدقة مرادفة لكلمة زكاة تقريبًا، ولا ريب أن النبى [ ﷺ ] قد عرف ذلك، ولم يلبث معنى الزكاة أن تاثر فى المدينة أيضًا بتغيير الأحوال: فكان لابد من القيام بالانفاق على فقراء المسلمين الذين هاجروا من مكة. وزاد البر بعد أن صار بعض الناس لا يدخلون فى الإسلام مدفوعين ببواعث دينية خالصة (٥) على أن النبى [ ﷺ ] استطاع عند ذلك أن يضع نظامًا لأخذ الصدقات وصرفها فى وجوهها، وهو النظام الذى قررته الآية ٦٠ من سورة التوبة. بيد أن هذا النظام لم يغير فى أول الأمر شيئًا من طبيعة الزكاة من حيث هى صدقة فردية، على الرغم من وجود بعض الصدقات التى لها صفة الالزام (سورة البقرة، آية ١٧٧، حيث يذكر البر إلى جانب إيتاء الزكاة)، وأخيرًا فإن النبى [ ﷺ ] لم يستعمل ما يتحصل من جملة هذه الصدقات لمساعدة المحتاجين فحسب بل استعمله عند الضرورة فى الجهاد، وكان تحصيل هذه المبالغ الكبيرة اللازمة لذلك مصدر صعوبات كبيرة، ومن ثم لا يزال يتردد القرآن الحض الشديد على الإنفاق "فى سبيل اللَّه"، يؤيده الترغيب فيما وعد اللَّه من ثوابه، والترهيب مما أوعد به من عذابه، وقد أثار تصرف النبى [ ﷺ ] فى الصدقات نقدًا لما أراد النبى [ ﷺ ] بعد فتح مكة، أن يتألف قلوب بعض سادات قريش، بأن أعطاهم من أموال الزكاة، حتى يرضوا بالنظام الجديد. ونزلت آيات لتهدئة هذا التذمر (سورة التوبة، آية ٥٨ - ٦٠: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٦). . . ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي
стр. 5191
الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾) وصارت هذه الآية فيما بعد أساس الأحكام الفقهية فى تقسيم الزكاة، وأهل الزكاة المذكورون هنا كان عليهم أن يأخذوها من قبائل الأعراب الذين يدخلون فى الإسلام؛ ولم تكن الزكاة عند هؤلاء من أول الأمر أكثر من صدقة واجبة يُعطونها، وكان مقدارها يحدد فى معاهدتهم مع النبى ﷺ تحديدًا دقيقًا، وقد جاءت بعض الآيات، (سورة التوبة آية ٩٨ وما بعدها) تعيب على بعض الأعراب قلة ميلهم إلى أداء الزكاة. على أن النبى [ ﷺ ] قد قصر ما ابتدأه بذلك من جعل الزكاة فرضا واجب الأداء إلى بيت المال، على الضرورى الذى لابد منه؛ وبعض العناصر الجوهرية فى تنظيم الزكاة بعد ذلك غير موجود، لا فى القرآن الكريم ولا فى الحديث. والقرآن الكريم يجيب عن سؤال المؤمنين: ماذا ينفقون، بقوله "العفو"، دون تقييد (سورة البقرة، آية ٢١٩). وهناك آية أخرى نزلت فى السنة الأخيرة من حياة النبى [ ﷺ ] وهى تُنذر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل اللَّه بعذاب أليم في فى نار جهنم (سورة التوبة، آية ٣٤ - ٣٥)، وتروى عن النبى [ ﷺ ] أحاديث لا تتضمن قيدًا ما على فرض الزكاة (٧)، وأبو ذرّ هو من دون صحابة النبى [ ﷺ ] الذى قال بأن الإنسان لا يجوز له أن يدخر شيئًا من المال إلا بقدر ما يحتاج إليه. ويروى عن على رضى اللَّه عنه أنه جعل الحد الأقصى لما يجوز أن يملكه الإنسان ٤٠٠٠ درهم، بل إن ثمة رأيا ينسب إلى فقيه متأخر كثيرًا عن هؤلاء هو مالك بن أنس، يقول إن كل ادخار للمال حرام (٨). ويذكر القرآن الكريم (انظر مثلا سورة البقرة، آية ٢١٥) والحديث فى أكثر من موضع أن ممن تؤدى لهم الزكاة الوالدين والأقربين واليتامى والفقراء وابن السبيل والسائلين والأرقاء، ولكن تحل الزكاة أيضًا لبعض فئات أخرى، المهم هو البر من حيث هو (٩). أما أنواع الأشياء التى تجب عليها الزكاة فلم يزد القرآن الكريم فى تحديدها على ما تقدم؛ وفى الحديث أحوال تُؤدى فيها الزكاة لا تتفق مع نظام الزكاة الذى جاء بعد ذلك. ومهما
стр. 5192
يكن من شئ فإن طبيعة الزكاة فى أيام النبى ﷺ كانت لا تزال غامضة، ولم تكن ضريبة من الضرائب التى يقتضيها الدين (١٠)، ولذلك امتنع من أدائها البعض من قبائل الأعراب بعد وفاة النبى [ ﷺ ]، لأنهم اعتبروا أن معاهدتهم قد بطلت بوفاة من عاهدوه على أدائها، وبعض المؤمنين، جنحوا إلى التسليم بذلك، وكانت صلابة أبى بكر هى التى جعلت من الزكاة نظامًا دائمًا (١١)، وقد ساعد هذا النظام بفضل إنشاء بيت مال للدولة مساعدة كبيرة على بسط سلطان الإسلام، وظل المؤمنون الغيورون على سابق عهدهم يرون أن من حقهم أن ينفقوا الزكاة فى الوجوه التى يختارونها، ولكن نمو الدولة وتركيز سلطانها لم يلبثا أن جعلا هذا الأمر مستحيلا من الناحية العملية، فلما تحددت واجبات المسلم تحديدًا تقررت الزكاة بوصفها ضريبة شرعية وبينت أحكامها بجميع تفاصيلها، وقد تركت الآراء التى قيلت فى هذا الصدد أثرها فى الحديث (١٢)، ونذكر بهذه المناسبة نظام الزكاة المفصل الذى ينسب فى الغالب إلى أبى بكر وينسب أحيانا إلى النبى [ ﷺ ] أو إلى عمر بن الخطاب، أو إلى على بن أبى طالب (١٣).
أما الأحكام الشرعية المتعلقة بالزكاة فهى الأحكام التالية، بحسب مذهب الشافعى: لا يؤدى الزكاة إلا المسلمون (ولا يؤديها عند الحنفية إلا من كان بالغًا قادرا على الحساب) (١٤)، وهى تؤدى عن أنواع الأموال الآتية:
١ - ما يخرج من زرع إذا زرع ليكون طعامًا.
٢ - الثمار، خصوصًا التى ورد ذكرها صريحًا فى الحديث، وهى العنب والتمر.
٣ - النعم، أى الإبل والبقر والغنم (والخيل أيضا عند الحنفية).
٤ - الذهب والفضة.
٥ - عروض التجارة. ويجب أداء الزكاة عن الصنفين الأولين عند حصادهما على الفور؛ أما الأصناف الثلاثة الأخرى فلا تؤدى زكاتها إلا إذا ظلت فى حوزة صاحبها حولا كاملا من غير أن تنقطع ملكيته لها؛ ويشترط فى
стр. 5193
وجوب الزكاة بلوغ "النصاب" والزكاة عن الصنفين الأولين هى العشر إذا كان السقى بماء السماء. فإذا كان الرى صناعيًا كانت الزكاة نصف العشر)، والنصاب خمسة أوسق، والوسق حمل بعير (١٥). أما أحكام المصنف الثالث فهى معقدة، وهى ترجع خصوصًا إلى نظام الزكاة الذى وضعه أبو بكر رضى اللَّه عنه، وهى تراعى نوع الحيوانات كما تراعى عددها؛ والنصاب هو خمسة من الإبل، وعشرون من البقر، وأربعون من الغنم. ولا تجب الزكاة عن الحيوانات إلا إذا كانت سائمة غير معلوفة، حولا كاملا، ولم تستخدم فى عمل ما. أما زكاة الصنفين الرابع والخامس فهى ربع العشر ٢.٥ %)؛ ونصاب المعادن النفيسة يقدر بحسب وزنها وهو فى الذهب عشرون مثقالا (أو دينارا = ٨٤ جرامًا على وجه التقريب = ١.٣٢٠ قمحة)، ونصاب الفضة سبعة أمثال ذلك، وهو ٢٠٠ درهم (ويقدر النصاب لحلى الذهب والفضة بحسب قيمتها التجارية). أما قيمة عروض التجارة فيجب أن تقدر فى نهاية الحول بالذهب والفضة، وهنا أيضًا لا تجب الزكاة إلا إذا ظلت المعادن النفيسة أو عروض التجارة حولا كاملا من غير أن تستعمل، أى إذا ظلت مكنوزة. وأخيرًا يصح أداء الزكاة أيضا عما يتحصل من المناجم من معادن نفيسة وما يوجد من كنوز ودفائن إلى بيت المال، وذلك فى قول أصدق الثقات (انظر مقال Die occupatio Im Islamischen Rechl: F.F.Schmidt، فى مجلة Islam، مجلد ١، قسم ٤، ٥) ويجوز أداء الزكاة للأشخاص الذين يستحقونها مباشرة، ولكن الأفضل أداؤها للإمام، لكى يقسمها بحسب الشرع، فإذا طلبت الدولة أداء الزكاة وجب على مؤديها أن يؤديها للعامل، حتى ولو كانت صفة الحكومة لا تحقق ضمان صرفها فى وجوهها (ولكن يرى البعض، خصوصًا علماء الحنفية، أنه يجب على الإنسان فى هذه الحالة، إرضاء لضميره، أن يؤدى الزكاة مرة أخرى ويقسمها على مستحقيها مباشرة) على أن حق الدولة فى أخذ الزكاة يقتصر على ما يسمى الأموال الظاهرة، أى الأشياء الظاهرة من الأصناف الثلاثة الأولى، والعامل هو الذى يعين مقدار زكاة هذه الأشياء
стр. 5194
بحسب تقديره الشخصى، أما ما يسمى الأموال الباطنة، أى الأشياء المخفية التى من الصنفين الآخرين، فهى خارجة صراحة عن هذا الإشراف، ويترك أداء الزكاة عنها إلى ضمير الإنسان كلية. ومال الزكاة مرصود للطوائف الثمانية من الناس الذين نصت عليهم الآية ٦٠ من سورة التوبة (مع استثناء آل بيت النبى ﷺ فهم لا يأخذون من الزكاة، وإن كانوا، على الخلاف من ذلك، فيما يتعلق بالغنيمة والفئ). ويستقطع من مال الزكاة عطاء معلوم لعمالها، ثم يقسم الباقى أقساما متساوية على الطوائف السبع الباقية، إذا كانوا فى الناحية التى تؤخذ منها الزكاة، ثم يقسم نصيب كل طائفة على أفرادها المستحقين للزكاة (هذا بحسب رأى الشافعية، على حين أنه عند بقية المذاهب تراعى الحاجات المختلفة (١٩)). والفرق الذى يذكر بين "الفقراء والمساكين" فرق تعسفى من كل وجه، وعلى كل حال اعتاد علماء الفقه أن يفسروا التعريف بحيث يكونون هم أنفسهم فى معظم الأحيان من إحدى الطائفتين (٢٠). والفقهاء يختلفون فيما إذا كان قد بقى هناك بعد عصر النبى ﷺ ، قوم من "المؤلفة قلوبهم (٢١)، أما الأرقاء الذين يستحقون نصيبًا من مال الزكاة فالفقهاء (عدا المالكية) يرون أنهم هم الذين وقعت "مكاتبة" بينهم وبين من يملكونهم، لفك رقابهم من الرق.
أما الغارمون فهم (عند الشافعية) خاصة أولئك الذين احتملوا دينًا فى سبيل اللَّه. وأما النصيب المخصص من مال الزكاة للإنفاق "فى سبيل اللَّه" فهو ينفق على المجاهدين لأهل الكفر ممن يشتركون فى الجهاد طوعًا من غير أن يكونوا من الجند النظامية، وبيان هذه الطوائف يستند إلى تفسير إجمالى لآيات القرآن الكريم. . أما "الحيل" التى كان يلجأ إليها البعض للتهرب من أداء الزكاة فهى عند المالكية والحنابلة باطلة، وهى عند الحنفية والشافعية معصية، لكنها غير باطلة.
وقد باينت الزكاة من الناحية النظرية الزكاة من الناحية العملية مباينة كبيرة فى البلاد الإسلامية المختلفة. والمكوس العالية التى لم تتوقعها الشريعة جعلت الزكاة،
стр. 5195
خصوصا زكاة الأموال الباطنة، لا تؤدى على الإطلاق، أو هى لم تكن تؤدى بالقدر الذى فرضه الشرع، وكثيرًا ما اقترن جمع الزكاة بالابتزاز وغيره من الآفات، بل إن حصيلة الزكاة لم تكن تنفق فى غالبية الأحوال فى وجوهها الشرعية؛ وكان عمال الزكاة أنفسهم أو القضاة يحتفظون فى العادة بالشطر الأكبر من مال الزكاة. وفى بعض الأحيان آلت زكاة الزروع المعروفة باسم "العشر"، إلى ضريبة مدنية بحتة. ومع ذلك يعرف الناس فى البلاد الإسلامية أحكام الزكاة، فإذا كان صاحب الحقل غير مثقل بمكوس أخرى فإنه يتبع هذه الأحكام بالنسبة للأموال الظاهرة على الأقل، بقدر ما تسمح الأحوال، وإن كان يقع كثير من المخالفات من حيث التفاصيل.
أما زكاة الفطر فهى الصدقة الواجبة التى يؤديها المسلم فى آخر شهر رمضان من مواد الطعام، وبحسب الحديث كان النبى [ ﷺ ] هو الذى أمر بها فى السنة الثانية للهجرة وبين مقدارها بيانًا دقيقًا (على أن هذا البيان غير ثابت ثبوتا قطعيا من الناحية التاريخية).
ولكن الفقهماء يختلفون فى أمر العلاقة بين زكاة الفطر هذه والزكاة المفروضة الأخرى، كما يختلفون فى وجوب أدائها، وبحسب الرأى الذى ساد أخيرًا تعتبر زكاة الفطر واجبًا (أما عند المالكية فلا تعتبر إلا سُنّة) ويؤديها كل مسلم حر عن نفسه وعن جميع من تلزمه بحسب الشرع نفقته، وآخر موعد لأدائها أول شهر شوال (٢٣)، وهو الذى يعقب شهر رمضان، ولا يعفى من زكاة الفطر إلا من كان لا يملك شيئًا يزيد على ما يحتاج إليه فى قوته هو ومن يعول من أهله. ومقدار هذه الزكاة صاع واحد (= ١/ ٦٠ من الوسق) أو أربعة أمداد مما يطعم أهل البلد فى العادة، وذلك عن كل فرد من الأسرة. وأهل زكاة الفطر عند الشافعية هم أهل الزكاة المفروضة، أما أصحاب المذاهب الأخرى فهم يرون، ورأيهم أكثر تمشيًا مع الصبغة الأصلية لزكاة الفطر، قصر هذه الزكاة على الفقراء والمساكين. وقد
стр. 5196
اعتاد الناس فى جميع بلاد العالم الإسلامى أن يراعوا أحكام زكاة الفطر مراعاة دقيقة؛ لأن جمهور الناس يشعر أنها من واجبات رمضان، ويعتبرون أنها تصلح ما قد يفوت الصائم من غير عمد من مراعاة آداب الصوم.
على أنه لم تزل للصدقات الاختيارية التى لم يوجبها الشرع قيمة الأعمال الصالحة عند المسلمين.
المصادر:
فيما يتعلق بأصل الكلمات راجع كتاب.
(١) Neue Beitrage zur-semitischen Sprachuissenschaft: Noldeke، ص ٢٥.
(٢) Horovitz فى مجلة Islam جـ ٨، ص ١٣٧ - وفيما يتعلق بالقرآن راجع.
(٣) Verspreide Geshriften: Snouck Hurgronje جـ ٢، ص ٩ وما بعدها؛ جـ ١، ص ٣٤٦ وما بعدها (راجع مناقشة H. Grimme فى كتابه: Mohammed، الجزء الأول). -وفيما يتعلق بالحديث راجع.
(٤) Handbook of early Muhammadan Tradition: Wensinck مادة زكاة -وفيما يتعلق بالفقه راجع.
(٥) Handbuch des islamischen Gesetzes: Juynboll, ص ٩٤ وما بعدها.
(٦) المؤلف نفسه: Handleiding الطبعة الثالثة، ص ٧٧ وما بعدها.
(٧) Hughes: Dictionary of Islam، مادة زكاة. وفيما يتعلق بالناحية العملية خصوصا فى جزر الهند الهولندية راجع.
(٨) Verspr.Geschr: Snouck Hurgronje، جـ ٢، ص ٣٨٠ وما بعدها.
(٩) Handleiaing: Juynboll، ص ٨٥، ٨٩ وما بعدها وفيما يتعلق بتأويل أحكام الزكاة عند الباطنية، راجع.
(١٠) Streitschrift des Gazali: Goldziher، ص ٢٣، هامش رقم ٤.
أبو ريدة [شاخت Joseph,J.Schacht]
تعليق
١ - كثير من المصطلحات الفقهية كان لها معان لغوية، ثم نقلت عن هذه المعانى إلى معان أخرى شرعية؛ ومن
стр. 5197
ذلك اصطلاح: الصلاة، واصطلاح: الزكاة. والفقهاء أنفسهم هم الذين أعطوها هذه المعانى الشرعية، وقد يكون الناقل لها عن المعنى اللغوى إلى المعنى الاصطلاحى الفقهى هو المشرع نفسه. فليس صحيحًا إذًا، ما يقوله الكاتب من أن النبى [ ﷺ ] أخذ معنى الزكاة الشرعى عن اليهود، ولكنه التعصب على الإسلام هو الذى يدفع كثيرا من المستشرقين إلى ادعاء أخذ الإسلام عن اليهودية حينا وعن المسيحية أو غيرها حينا آخر.
وفى "الزكاة" خاصة، نجد القرآن أشار إليها أولا بكلمة "صدقة"، ثم صرح بلفظ "زكاة" بعد ذلك فى مواضع كثيرة من القرآن، فلو أن الرسول [ ﷺ ] أخذ استعمالها عن اليهود لما كان هنا معنى للإشارة إليها أولا بلفظ: صدقة وصدقات، ثم إن الرسول [ ﷺ ] كما هو معروف -لم يكن إلا مبلغا عن اللَّه تعالى، فاللَّه هو الذى استعمل فى كتابه الكريم لفظ "زكاة" فى معناه الشرعى، فهل أخذ اللَّه جل وعلا هذا الاستعمال عن اليهود!
٢ - إذا أردنا الدقة فى التعبير، وهذا ما كان يجب أن يلاحظه الكاتب، لا نرى الزكاة تدل أيضا على الإحسان وعلى أنواع الصدقة كما يقول، بل هى شرعا "حق يجب فى المال"، ومنه قول الرسول ﷺ : "ليس فى المال حق سوى الزكاة" (المعنى لابن قدامة، طبعة المنار سنة ١٣٦٧ هـ، جـ ٢: ٥٧٢: ٥٧٣). وهذا الحق مقدار معين من المال، ولهذا يقال عادة: فلان أخرج زكاة ماله؛ أما الإحسان فهو فعل يكون من المحسن، لا نفس الحق الذى يؤديه.
٣ - أتى الكاتب هنا ببعض الآيات التى تبين فضل الإنفاق والصدقة، وأشار إلى بعض آخر، ثم ذكر أن كل هذه الآيات مكية وأن النبى [ ﷺ ] كان يستعمل وهو فى مكة كلمة: زكاة بمعناها الشرعى الذى أخذه عن اليهود. وفضلا عن ردنا على زعم الأخذ هذا فى التعليق رقم ١، نلاحظ أنه ليس فى الآيات التى ذكرها أو أشار إليها كلمة: زكاة، كما نلاحظ أن صلة الرسول [ ﷺ ] باليهود لم تكن إلا بعد الهجرة إلى "المدينة" التى كانت موطنهم فكيف أخذ عنهم وهو فى مكة! على أن صلته
стр. 5198
بهم بعد أن استقر بالمدينة لم تكن إلا صلة عداوة لا تدع مجالا للأخذ عنهم، وهو بعد هذا كله غنى عن الأخذ عنهم بما يوحيه اللَّه إليه تعليما له.
٤ - نجد الكاتب هنا يصرح بأن فرض الزكاة لم يقع إلا بالمدينة، وهذا حق، ولكنه ليس صحيحا ما يذكره من نسخ الأحكام التى جاءت بها الآيات الخاصة بالصدقة بالآيات التى فرضت الزكاة. ذلك بأن فرض الزكاة، ليس معناه إلا بيان وتحديد المراد بالصدقة ووجوب أخذها من الأغنياء، فلا حاجة إذًا للقول بالنسخ.
(٥) يقول الكاتب إنه بعد الهجرة للمدينة "نقص الإحسان بعد أن صار الناس لا يدخلون فى الإسلام ببواعث دينية خالصة في ونقول نحن إن المسلمين كانوا فى هذه الفترة بين مهاجرين وأنصار، والكل صدق بالرسول وبايعه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وعلى التضحية فى سبيل اللَّه بأنفسهم وأموالهم، فكيف يزعم الكاتب أن الناس فى فجر الإسلام صاروا لا يدخلون فى الإسلام ببواعث دينية خالصة!
قد يكون فيما بعد، أى بعد عصر الرسول وحين صار للإسلام دولة فتحت بلاد كسرى وفارس ودخل كثير من أهالى هذه البلاد فى الدين الجديد، أن بعض هؤلاء دخلوا فى هذا الدين فرارًا من الجزية والخراج، ولكن هذا لم يكن قط فى عصر الرسول.
٦ - نزلت هذه الآية فى بعض المنافقين الذين لم يعطهم الرسول من الصدقات لأنهم ليسوا من أهلها، فطعنوا عليه وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته (راجع أحكام القرآن للجصاص، جـ ٣: ١٥٠، طبع المطبعة البهية المصرية ١٣٤٧ هـ). أما عمل الرسول على تألف قلوب البعض للدخول فى الإسلام أو الثبات عليه، فهو أمر معروف وسياسة حسنة، ولم يكن هذا الصنيع مقصورا على القرشيين وحدهم.
٧ - لا ندرى ماذا يريد الكاتب بقوله: "وتروى عن النبى [ ﷺ ] أحاديث لا تفيد فرض الزكاة". إن الثابت لدى العلماء أن للرسول [ ﷺ ] أحاديث كثيرة فى الزكاة؛ منها ما يبين وجوبها، ومنها
стр. 5199
ما يبين الأنواع التى تجب فيها من الأموال النقدية وغيرها من الأنعام والزروع وعروض التجارة، ومنها ما يحدد المقادير الواجب إخراجها فى كل نوع منها وفق شروط معينة معروفة (راجع المغنى لابن قدامه، جـ ٢: ٥٧٣ وما بعدها؛ الهداية وشرحها فتح القدير للكمال ابن الهمام، جـ ١: ٤٨١ وما بعدها؛ سنن أبى داود، جـ ٢: ١٢٧ وما بعدها، طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة؛ موطأ الإمام مالك، جـ ١: ١٨٨ وما بعدها، طبعة الحلبى عام ١٩٥١).
٨ - يقول الكاتب إنه "ينسب إلى مالك ابن أنس أنه كان يرى أن كل ادخار للمال حرام" ولم يذكر مرجعه فى هذا والمعروف أن الذى ذهب إلى هذا الرأى هو سيدنا أبو ذر الغفارى دون أن يتبعه أحد على رأيه أو يقره عليه، وبين أيدينا كتاب "الموطأ" للإمام مالك ولا نرى فيه شيئا مما زعم الكاتب نسبته إليه، بل نجده يروى عن عبد اللَّه ابن عمر أن الكنز، الذى توعد اللَّه عليه أصحابه بالعذاب الأليم، هو المال الذى لا تؤدى منه الزكاة، ومعنى ذلك أن الإدخار لا حرمة فيه ما دام المدخر يخرج زكاة ما ادخره.
٩ - مصارف الزكاة هى الأصناف الثمانية التى جاءت فى آية سورة التوبة، وهى آية معروفة ذكرها الكاتب، وأول هؤلاء الأصناف الفقراء والمساكين، فلا ندرى من أين جاء الكاتب بحديث يرى أنها تحل للأغنياء واللصوص والبغايا لأن المهم هو البر من حيث هو كما يزعم! إن أحدًا من هؤلاء الأصناف الثلاثة لا يحل له شئ من الزكاة إلا إذا كان داخلا فى أحد مصارفها؛ كان يكون لصا وهو فقير، أو بغيا كذلك، أو يكون من العاملين على جمع الزكاة وإن لم يكن مسكينا أو فقيرا فى رأى بعض الفقهاء.
١٠ - الدين يقتضى الزكاة وكانت أحكامها ثابتة أيام الرسول [ ﷺ ] نفسه، وذلك على الضد مما يزعم الكاتب، ففى القرآن كثير من الآيات التى تأمر بذلك، ونكتفى بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾. وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وذلك كله غير أحاديث الرسول وأوامره فى هذا السبيل.
стр. 5200
١١ - يأخذ الكاتب من امتناع بعض المسلمين عن أداء الزكاة بعد وفاة الرسول أن أداءها لم يكن يتطلبه الدين،
ويستدل على هذا بأن عمر بن الخطاب نفسه كان ميالا إلى قبول ذلك -أى امتناع من أبى أداءها- ثم يقول: وإنما صلابة أبى بكر هى التى جعلت من الزكاة فى صورتها الضريبية نظاما دائما.
هكذا يتصور الكاتب المسألة، ونحن قد بينا أن الزكاة فرضت بالقرآن، ثم بينها الرسول ﷺ بما نراه بين أيدينا من أحاديث ثابتة. أما مسألة امتناع بعض المسلمين من أدائها لأبى بكر بعد وفاة الرسول، فهى مسألة معروفة تاريخيا؛ وقد اعتبر الخليفة الأول أن هؤلاء صاروا مرتدين عن الإسلام بامتناعهم عن أداء الزكاة وجحد وجوبها فريضة دائمة من اللَّه تعالى، ولهذا قص المؤرخون ما كان من هؤلاء تحت عنوان: حروب الردة.
وميل عمر بن الخطاب أول الأمر لعدم حرب هؤلاء لهذا السبب، ليس لأنه كان يرى معهم أن لهم ألا يؤدوا الزكاة، بل أشفق على الإسلام والمسلمين من أن يحاربوا فى جبهات عديدة فى آن واحد بعد أن انتقض كثير من القبائل على الإسلام والمسلمين، ولهذا نجده والمسلمين جميعا قد اتفقوا على وجوب قتال مانعى الزكاة مع الخليفة الأول (راجع المغنى لابن قدامة، جـ ٢: ٥٧٤ - ٥٧٥). وإذًا، فلم تكن صلابة أبى بكر هى التى جعلت من الزكاة نظاما دائما، فذلك كان مقررا تماما أيام الرسول نفسه، ولكنها ردت هؤلاء المرتدين جميعا على أعقابهم، وثبتت الإسلام ونفوذه وأوامره بصفة عامة.
١٢ - هنا يذكر الكاتب أن انتشار الفقه الإسلامى جعل الزكاة ضريبة شرعية بصفة نهائية، وأنه دخلت الآراء التى قيلت فى ذلك فى الحديث. ونحن لا نرى أن نعيد ما قلناه سابقا من أن الزكاة تقررت نهائيا بالقرآن والسنة. ولكن نذكر أن آراء الفقهاء فى الزكاة أو غيرها لم تدخل قط فى الحديث، فإن أحاديث الرسول [ ﷺ ] وسنته نجدها مفردة فى دواوين خاصة لا يشوبها شئ من أقوال غيره، وهذا أمر يعرفه
стр. 5201
من له إلمام بهذا الموضوع أو بأصول الدين وفقهه والثقافة الإسلامية بعامة.
١٣ - من المعروف أنه كان من مهمة الرسول [ ﷺ ] تبليغ ما نزل إليه من القرآن وبيانه، وحاشاه أن يكون قد قصر فى شئ من ذلك ﷺ ، وقد كان مما جاء به القرآن فرض الزكاة فلا بد عقلا ومنطقا أن قد يكون بيّن هذه الفريضة. وهذا ما كان منه فعلا. ثم كان من الصحابة والتابعين أن بينوا فى عصورهم ما رأوه فى حاجة إلى بيان من شريعة اللَّه ورسوله، وأن فصلوا منها ما يحتاج إلى تفصيل.
ومن مثل هذا، فيما يختص بالزكاة، ما كان من الكتب التى كتبها كل من أبى بكر وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز (راجع موطأ مالك، جـ ١: ١٩٤ - ١٩٦؛ المغنى لابن قدامة، جـ ٢: ٥٧٥ - ٥٧٦). وهذه الكتب لا تعدو أن تكون بيانا لما فرض اللَّه ورسوله، ولذلك نجد أبا بكر يبدأ كتابه (المغنى جـ ٢: ٥٧٥) إلى "أنس الذى وجهه إلى البحرين بقوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التى فرض اللَّه ورسوله"، إلى آخر ما كتب رضى اللَّه عنه. وهذا غير أحاديث الرسول التى نجد فيها الأسس الأول لما ذكر هؤلاء فى كتبهم التى كانت -كما قلنا- تذكيرا بما كان من الرسول [ ﷺ ] وإذًا فليس صحيحا ما يزعمه الكاتب من أن هذا النظام ينسب غالبا إلى أبى بكر الخليفة الأول (راجع أيضا فتح القدير شرح الهداية، جـ ١: ٤٩٦، ففيه أن كتابى أبى بكر وعمر اشتملا على الألفاظ التى ذكرها الرسول فى كتابه الذى كتبه فى الصدقة).
١٤ - يذكر الكاتب أن الزكاة لا تجب عند الحنفية إلا على "من كان بالغا قادرا على الحساب"، ولا ندرى من أين جاء بشرط "القدرة على الحساب"! والذى نعرفه من كتب فقه الأحناف أنهم يشترطون هنا البلوغ والعقل، فليس على الصبى والمجنون زكاة، على حين لا يشترط الشافعية هذين الشرطين: البلوغ والعقل، أما اشتراط القدرة على
стр. 5202
الحساب فهذا شئ آخر وراء ما نعلم ويعلم الفقهاء المسلّمون جميعا! (راجع الهداية وشرحها فتح القدير عند الأحناف، جـ ١: ٤٨٣ وما بعدها، وراجع نهاية المحتاج عند الشافعية، جـ ٢: ٢٩٠) والحنابلة يوافقون الشافعية فى ذلك، راجع المغنى لابن قدامة جـ ٢: ٦٢٢ - ٦٢٣.
١٥ - الوسق ستون صاعا أو حمل بعير، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادى، والرطل البغدادى ٤/ ٧ ١٢٨ من الدراهم على أصح التقديرات راجع نهاية المحتاج، جـ ٢: ٢٤٧).
١٦ - النصاب فى البقر ثلاثون، لا عشرون كما ذكر الكاتب. وفى مذهب الشافعى، وهو الذى التزمه الكاتب فيما كتب، قول بأن فى الماشية العاملة الزكاة أيضا وهو مذهب مالك، وأنها إن علفت دون معظم الحول كان الرأى الأصح وجوب الزكاة فيها، وإذًا فليس الأمر كما ذكر الكاتب تماما (راجع نهاية المحتاج، جـ ٢ ك ٢٣٣ وص ٢٤٣ - ٢٤٤ وفتح القدير شرح الهداية جـ ١: ٥٠٩ حيث أشار إلى مذهب مالك فى وجوب الزكاة فى الماشية التى تعمل لصاحبها).
١٧ - يذكر الكاتب أن الحلى المصنوع من الذهب والفضة يقدر النصاب فيه بحسب قيمته التجارية، وهذا غير صحيح. ففى نهاية المحتاج (جـ ٢ ك ٢٦٠) ما نصه: "ويزكى المحرم من ذهب وفضة من حلى وواحده حلى، ومن غيره، كالأوانى، إجماعا، ولا أثر لزيادة قيمته بالصنعة فلو كان له إناء وأنه مائتا درهم وقيمته ثلاثمائة، وجبت زكاة مائتين فقط". ثم ذكر بعد هذا مباشرة، أن الحلى المباح لا زكاة فيه على أظهر الأقوال، لأنه معد لاستعمال مباح كعوامل المواشى، وأن من المحرم الإناء من الذهب والفضة والسوار ونحوه للرجل.
١٨ - أشار الكاتب إلى زكاة المعادن والكنوز، ونحوهما مما يستخرج من الأرض، إشارة لا تغنى شيئا، وقد أطال الفقهاء فى الكلام على هذه المسألة؛ ففرقوا بين كل من المعدن والركاز
стр. 5203
والكنز، وبين السائل من المعدن والجامد، وبين ما يقبل الطرق والسحب كالنحاس والحديد وما لا يقبل ذلك كالأحجار الكريمة، وبين الكنز الجاهلى أو الإسلامى.
وهذا التعليق لا يحتمل بيان هذا كله، فيحسن الرجوع إلى ما كتب الفقهاء فى ذلك، مثل: كتاب الأموال لأبى عبيد القاسم بن سلام، نشر المكتبة التجارية سنة ١٣٥٣ هـ، ص ٣٣٦ وما بعدها؛ البدائع للكاسانى الحنفى، مطبعة الجمالية بمصر سنة ١٣٢٧ - ١٣٢٨ هـ، جـ ٢: ٦٥ وما بعدها؛ الشرح الصغير للدردير المالكى وحاشية الصاوى عليه، طبع بولاق عام ١٢٨٩ هـ، جـ ١: ٢٥٩ وما بعدها؛ نهاية المحتاج لشمس الدين الرملى الشافعى، جـ ٢: ٢٢٦ وما بعدها.
١٩ - لتلافى ما فات الكاتب من الوضوح والدقة، نذكر أن العامل على جمع الزكاة يعطى عند الأحناف ما يكفيه هو وأعوانه ويعطى الثمن عند الشافعى لأنه أحد الأصناف الثمانية حتى وإن كان غنيا. وبالنسبة للأصناف الأخرى، يرى الأحناف والحنابلة أن للمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم، وله أن يقتصر على صنف واحد، على حين يرى الشافعى أنه لا يجوز أن يصرف إلا إلى ثلاثة من كل صنف، بينما يرى الإمام مالك أنه فى الدفع يتحرى موضع الحاجة ويقدم الأولى فالأولى (راجع البداية وشرحها فتح القدير، جـ ٢: ١٦ - ١٨، المغنى لابن قدامة جـ ٢: ٦٦٨ - ٦٧٠).
٢٠ - لا ندرى لماذا يعمد الكاتب إلى غمز الفقهاء بلا سبب، وذلك حين يذكر أنهم اعتادوا فى بيان الفقير والمسكين -حين يتكلمون عن مصادر الزكاة- أن يصوغوا التعريف بما يجعلهم فى معظم الأحيان من إحدى الطائفتين! إنهم يختلفون فى أن الفقير هو من له أدنى شئ والمسكين من لا شئ له، أو أن الأمر على العكس، ولكل رأى سنده من اللغة والآثار. وقد كان من الفقهاء الغنى، وكان منهم الفقير، فكيف يبيح الكاتب لنفسه القول بأنهم كانوا يصوغون التعريف للفقير والمسكين بما يجعلهم غالبًا من أحد الصنفين.
стр. 5204
٢١ - راجع فى اختلاف الفقهاء، فى المؤلفة قلوبهم، الهداية وشرحها فتح القدير والعناية بالهامش، جـ ٢: ١٤ - ١٥؛ أحكام القرآن للجصاص، جـ ٣، ١٥٣، المغنى لابن قدامة، جـ ٢: ٦٦٦؛ بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٩٢٨، جـ ١: ٢٦٦ - ٢٦٧.
٢٢ - يذكر الكاتب أن النصيب المخصص للإنفاق "فى سبيل اللَّه" يصرف للمجاهدين طوعا من غير أن يكونوا جنودا نظاميين. وهذا تعبير تعوزه الدقة والإصابة، فإن الذين "فى سبيل اللَّه" هم فقراء الغزاة أو الحجاج، وقد قال بالأول أبو يوسف، وقال بالثانى محمد بن الحسن، وكلاهما من تلاميذ أبى حنيفة وأصحابه (راجع البداية وشرحها: فتح القدير والعناية. جـ ٢: ١٧).
٢٣ - اختلف الفقهاء فى حكم زكاة الفطر؛ فجمهرتهم تراها واجبة، وبعضهم يراها فرضا. وبعض المتأخرين من أصحاب مالك -أو الإمام نفسه كما يذكر الكاتب- يراها سنة مؤكدة وسبب اختلافهم فى ذلك تعارض الآثار من ناحية، واختلافهم فى مدلول "أمر الرسول" من ناحية أخرى. ومن السنة ألا يؤخر إخراجها عن صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم الفطر، وإن أخرها عن هذا اليوم كان آثما وعليه أداؤها أيضًا. (راجع بداية المجتهد، جـ ١: ٢٦٩ - ٢٧٠؛ المغنى لابن قدامة، جـ ٣: ٥٥ - ٥٦؛ الهداية وشرحها، جـ ٢: ٢٩ - ٣٠، ص ٤٣؛ نهاية المحتاج، جـ ٢: ٢٧٧ - ٢٧٨).
الدكتور محمد يوسف موسى
زكريا
زكريا أبو يحيى المعمدان، وقد جاء فى القرآن ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة الأنعام، الآية ٦٥) (١).
стр. 5205
وهو ينقل مضمون ما ورد فى الآيات من ٥ - ٢٥ من الإصحاح الأول من إنجيل لوقا (١) فيقول إن زكريا كفل مريم العذراء، وكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها فاكهة فى غير حينها. ثم دعا زكريا ربه فنادته الملائكة مبشرة إياه بولد اسمه يحيى لم يكن له من قبل سميا، نبيا من الصالحين مصدقا بكلمة من اللَّه يرث يعقوب. واستبعد زكريا أن يكون له غلام وقد بلغ من الكبر عتيًا. فجعل اللَّه آيته ألا يكلم الناس ثلاثة أيام (سورة آل عمران الآية ٤١؛ سورة مريم، الآيات من ١ - ١٥؛ سورة الأنبياء الآية ٨٩ - ٩٠).
وقد توسعت القصص المتأخرة فى رواية الإنجيل وذكرت أن جبريل هو الذى بشر زكريا (إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، الآية ١٩) وأن لسانه عقل عن الكلام عقابا له على شكوكه (إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، الآية ٢٠). ثم أسهبت فى التفاصيل فقالت إن تسعة عشر رجلا تنافسوا على كفالة مريم فتقارعوا عليها بالأرقام، وألقوا أقلامهم فى بركة شلوام فارتفع قلم زكريا فوق الماء. وشيخ زكريا واعتزل سدانة بيت المقدس فأقام قلمسلوس عليها يوسف النجار (الثعلبى، ص ٢٢٦) وكان فى محراب مريم فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف. وعندئذ تشجع زكريا ودعا اللَّه أن يرزقه بالولد على الرغم من شيخوخته (الثعلبى، ص ٢٣٧).
وقد جعلت قصص المسلمين زكريا النبى يموت ميتة الشهداء. فقد انطلق بعد قتل يحيى، ولجأ إلى شجرة فانفتقت له، ولكن هدب ردائه ظل خارج الشجرة. وخدعه إبليس فقطعت الشجرة مع زكريا (الثعلبى ص ٢٤٠؛ ابن الأثير، ص ١٢٠) وقد نسجت هذه القصة على منوال الهجادة واستشهاد أشعيا (Sanhedrin: Pal.، ١٠، ٢٨، Sanhedrin: Bab، ١٠١، Kautzsch Apokryphen und Pseudepigraphen، جـ ٢ ص ١٢٣: أشعيا وجمشيد وزكريا).
والظاهر أن القصص الإسلامية تقول إن زكريا الوارد فى الإنجيل هو
стр. 5206
النبى ﵇ زكريا الذى روت الهجادة أن دمه ظل يغلى إلى أن حضر بنو زرادان قائد بختنصر. وقد حاول هذا القائد أن يسكن من غليانه فرمى عليه بدم القربان ودماء خير بنى إسرائيل ولكنه لم يسكن إلا عندما أهاب به القائد فسكن. وتروى القصص الإسلامية هذه الرواية عن دم يحيى بن زكريا.
المصادر
(١) الطبرى، طبعة ليدن، جـ ١، ص ٢، ٢١٣ وما بعدها، ٧١٩ وما بعدها.
(٢) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة ١٣٢٥، ص ٢٣٤ - ٢٤٠.
(٣) ابن الأثير: الكامل، بولاق ١٢٩٠ هـ، جـ ١، ص ١١٧ - ١٢٠.
(٤) الكساتى: قصص الأنبياء، طبعة أيزنبرغ، ص ٢٩٧، ٣٠٢، ٣٠٣.
(٥) Secharja ben Rerechja: Leo Baeck فى fd Geschichte in Wis- Monatsschrift serschaft des Judentums، ص ١٩٣٢، ص ٣١٣ - ٣١٩.
(٦) Les Origines des Legendes Musubnanes: D.Sidersky باريس ١٩٣٣ ص ١٣٩ وما بعدها.
(٧) The Jewish Foundation of Islam: C.C.Torrey , نيويورك ١٩٣٣، ص ٥٨، ٦٧، ٨٠.
خورشيد [برنارد هيلر Berland Heller]
زلزل
منصور بن جعفر الضارب عواد مشهور ببلاط الخلفاء العباسيين الأولين Tables alphabetiques du Kitub al-Aghani: Guidi يكنيه زلزل بكسر الزائين، بينما يكتب الاسم كل من Caussin de Perceval الموضع المذكور، و Carra de Vaux الموضع المذكور فى De Slnae فى Ibn Khallikan's Biographical Dictionary وفيات الأعيان زلزل بضم الزائين) وهذا اللقب الأخير هو كنية الشاب الخفيف الحركة وخاصة الذى يعزف
стр. 5207
ولزلزل مكانة فى تاريخ الموسيقى لأنه أصلح السلم الموسيقى إذ أدخل ثلثًا محايدًا (١) (٢٢: ٢٧) على دساتين العود. وهذه هى معدل الفاصل الموسيقى لما يعرف باسم وسطى زلزل كما يقول الفارابى (المتوفى عام ٩٥٠). أما ابن سينا (المتوفى عام ١٠٣٧) فيقول إن هذا الفاصل (عند ٣٢: ٣٩) قد وضع بالتقريب فى منتصف المسافة بين دساتين السبابة والخنصر (الشفاء، مخطوط بمكتبة وزارة الهند، رقم ١٨١١, ورقة رقم ١٧٣).
وهذه النغمة أو الأنغام القريبة منها لا تزال موضع استحسان فى الأوساط التى تتحدث بالعربية. وزلزل أيضا مبدع العود المحسّن الذى أطلق عليه اسم عود الشبوط نسبة إلى السمك الذى يعرف بهذا الاسم. والظاهر أن السمة التى كان يتميز بها هذا العود هى استخدام رقبة وقصعة قائمين بذاتهما.
وكان هذا العود يعتبر آلة عجيبة تفوق العود الفارسى الذى عده العرب حتى ذلك الوقت أهم آلاتهم الموسيقية.
المصادر:
(١) كتاب الأغانى ٦ بولاق، جـ ٥، ص ٢٢، ٢٤، ٣٤ - ٧٥، ٤٠، ٥٤ - ٥٥، ٥٧، ٥٨، جـ ٦، ص ٧٢، ٤٧، جـ ١٠، ص ١٠٠؛ جـ ١٨، ص ١٢٦، جـ ٢١، ص ١٥٧، ١٩٥.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٨٨٧ - ١٨٨٨، جـ ٣، ص ١٩٠.
(٣) Baghdad during the Abbasid Caliphate: G.Le Strange أكسفورد سنة ١٩٠٠, ص ٦٢.
(٤) History of Arabian music: Fanner لندن ١٨٩٩، ص ١١٨ - ١١٩، انظر الفهرس.
(٥) المؤلف نفسه: Studies in oriental musical Instruments لندن سنة ١٩٣١، ص ٩٥ - ٩٦.
стр. 5208
بخفة على إحدى الآلات الموسيقية كما ذكر ذلك الفيروزآبادى. على أننى أجد أن كتاب مفاتيح العلوم (ص ٢٣٩) بل وجل ما رجعت إليه من المخطوطات العربية فى نظرية الموسيقى تذكر الاسم زَلزَل بفتح الزائين. ونحن لا نعرف تاريخ مولده، إلا أننا نرجح أنه كان يعيش فى بلاط المهدى (٧٧٥ - ٧٨٥ م) ولو أننا لا نجد له ذكرا فى كتاب الأغانى إلا فى عهد هارون الرشيد (٧٨٦ - ٨٠٩ م). والظاهر أن زلزَل كان من أهل الكوفة، ولكنه أصبح بفضل دراسته على الموسيقار العظيم إبراهيم الموصلى المتوفى فى عام ٨٠٤ الذى زوجه أخته، ألطف العازفين على الآلات الوترية، فلم يكن له ضريب بين من تقدموه أو جاءوا بعده كما يذكر ابن عبد ربه المتوفى عام ٩٤٠. وفى يوم من الأيام كان مهرة العازفين على العود يتبارون فى العزف ببلاط الواثق (المتوفى عام ٨٤٧) وإذا بإسحاق الموصلى المتوفى عام ٨٥٠؛ يحكم بأن زلزل أمهر فى العزف من ملاحظ عازف البلاط المشهور (كان زلزل فى عداد الأموات عندما حدث ذلك انظر Carra de Vaux الموضع المذكور , Caussin de Parceval الموضع المذكور، La: Ribera musica de las Cantinas الموضع المذكور) ويذكر صاحب كتاب العقد الفريد أن زلزل لم يكن مغنيا، وإنما كانت مهارته فى العزف على العود -ومن ثم لقبه الضارب- هى السبب فى شهرته. وكان يصاحب بصفة خاصة فى العزف على العود كلًا من إبراهيم الموصلى وابن جامع وبرصوما الزامر. وقد أحنق عليه هارون الرشيد فزجه فى السجن، غير أن إبراهيم الموصلى استطاع بلباقته أن يذكر اسمه فى أغنية من أغانيه فعفا عنه الخليفة" وقاسى كثيرًا فى السجن فشيخ قبل الأوان، ولعل ذلك كان من أسباب وفاته المبكرة عام ٧٩١. وكان لزلزل إبان حياته بئر احتفرها ببغداد تركها لأهل هذه المدينة بعد وفاته ووقف على صيانتها أموالا كافية؛ وظلت هذه البئر قرونًا تعرف ببركة الزلزل.
стр. 5209
(٦) المؤلف نفسه Historial Facts for the Arabian Musical Influence لندن سنة ١٩٣٠، ص ٢٤٨.
(٧) Caussin de Perceval في المجلة الأسيوية، نوفمبر - ديسمبر سنة ١٨٧٣ ص ٥٤٨ - ٥٥٠، ٥٨٧.
(٨) Le traite des rapports musicaux: Carra de Vaux ص ٦٣.
(٩) La musica de las cantigas: Ribera مدريد سنة ١٩٢، ص ٣١، ٣٢، ٣٥ وترجم إلى الإنجليزية بعنوان Music in Ancient Arabia and Spain لندن سنة ١٩٢٩ ص ٥٠، ٥٢، ٦٠.
(١٠) تاريخ ابن خلكان، ترجمة de Slane، باريس - لندن سنة ١٨٤٣ - ١٨٧١، جـ ١، ص ٢١.
(١١) ابن خلكان: وفيات الأعيان، بولاق سنة ١٨٨٢، جـ ١، ص ١٢.
(١٢) الخوارزمى: مفاتيح العلوم، طبعة Van Vloten ليدن سنة ١٨٩٥، ص ٢٣٩.
(١٣) Musik des Orients: Lachmann ص ٣٣.
(١٤) Sensations of Tone: Helmholtz لندن سنة ١٨٩٥، ص ٢٨١، ٥٢٥.
(١٥) Recherches sur L'histoire de la gamme arabe (actes du ٦ eme. Congres Inter. des Orientalises tenu en ١٨٨٣ a Leide: Land جـ ١، ص ٦١.
(١٦) المؤلف نفسه: Earliest Development of Arabic Music (Transactors of the ٩ th International congress of ١٨٩٢ orientalists held in London جـ ٢، ص ١٦١.
(١٧) Musique Orintale: Porisot باريس سنة ١٨٩٨، ص ١٣.
(١٨) Etude sur la musique arabe: Collangettes المجلة الأسيوية نوفمبر - ديسمبر سنة ١٩٠٤. ص ٤٠٣ وما بعدها.
(١٩) R.d' Erlanger: الفارابى، ص ٧٤، وما بعدها (La musique arabe باريس سنة ١٩٣٠).
[الشنتناوى فارمر H.G Farmer]
стр. 5210
زمان
(ج أزمان وأزمن وأزمنة): لسهولة معرفة الفرق فى استعمال كلمة "زمان" (المشتركة بين اللغات السامية) وكلمة "وقت" (التى لا توجد بمعنى الزمان إلا فى اللغة العربية) يمكن استنباط الأحكام الآتية أخذًا عن الكتب العربية التى تتناول الموضوعات العلمية، فإن كان يظهر أن هذه الأحكام قد خولفت فى أحيان كثيرة، حتى فى الكتب التى ألفها أصحابها بعناية كبيرة.
إن كلمة "زمان" تطلق فى الغالب للدلالة على الزمان من حيث هو مفهوم فلسفى أو رياضى، وذلك فى مقابل كلمة "كان" (ويظهر أن التشابه بين الكلمتين فى الجرس والوزن اللغوى لم يخل من أن يكون له من هذا الوجه أثره فى تفضيل كلمة "زمان" على كلمة "وقت")، كما تستعمل بالإجمال للدلالة على الأحقاب الطويلة والقرون ومدة حكم الدول وعلى بداية العصور التاريخية، وتستعمل أيضا فى اصطلاح علم الفلك للدلالة على مقدار طول فترة ما من الزمان، قد تختلف بطبيعتها، مثل طول "الساعات الزمانية" () فى اليونانية و horae temporales seu inaequsles فى اللاتينية) التى يختلف طولها بحسب خط العرض الجغرافى وبحسب فصول السنة، والتى نحصل عليها -خلافًا لساعاتنا المنسوبة إلى معدل النهار والتى لها طول ثابت (وهى "ساعات الاعتدال" () فى اليونانية و horae aequinoctiales فى اللاتينية) - بقسمة مدة النهار أو مدة الليل إلى اثنى عشر قسما. وفى هذه الحالة يقال: "أزمان ساعات النهار والليل الزمانية" (ونادرًا ما يقال: "أوقات ساعات النهار والليل الزمانية").
أما كلمة "وقت" (ج: أوقات) فهى تدل فى علم الفلك على نقط معينة من الزمان وكذلك على أجزاء من الزمان (ثابتة عادة)، فيقال: "وقت انتصاف النهار"، أعنى وقت الزوال الفلكى، و"وقت انتصاف الليل".
والمعنيان يوجدان معًا فى كتاب البتانى الذى نشره نللينو بعنوان Opus
стр. 5211
Astronicum (١) جـ ٣، ص ١٩٢: الوقت (بمعنى فترة الزمان) الذى تعود فيه الشمس إلى الجزء الذى كانت فيه فى وقت (بمعنى نقطة معينة من الزمان) الابتداء". وتدل كلمة وقت بوجه عام على مدد من الزمان قصيرة الأمد، مثل طول حياة إنسان أو جيل، كما أنها تستعمل فى المعنى الذى تستعمل فيه كلمة () اليونانية، وذلك للدلالة على الزمان الصحيح؛ وفوق هذا قد تدل أيضا على وقت الرصد الفلكى. ولكن الكلمة الاصطلاحية فى هذا المعنى، وهى كلمة "ميقات" (ج مواقيت) المشتقة من نفس الأصل أكثر استعمالا فى العادة. وكلمة "ميقات" هذه قد تدل على فن عمل الأزياج وعلى تحديد مواقيت الصلاة. وكل من كلمة "زمان" وكلمة "وقت" تستعمل أيضا مرادفة لكلمة "فصل" فى الدلالة على فصول السنة. ونجد البيضاوى فى تفسيره للقرآن، وهو التفسير المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (٢) عند كلامه عن كلمة "مواقيت" الواردة فى القرآن (سورة البقرة) آية ١٨٩ (٣) يعرف المدة والزمان والوقت تعريفا مجملا على النحو الآتى: "المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها (يعنى أنها تدل على جملة الزمان "من الأزل إلى الأبد") والزمان مدة مقسومة (يعنى جزءًا كبيرًا) (٤)، والوقت الزمان المفروض لأمر (٥) (يعنى أن الوقت يؤخذ من الزمان بقسمة الزمان، ويدل على فترات قصيرة من الزمان وعلى نقط منه)، وهذا التعريف يتفق فى جوهره مع التعريف الذى تقدم.
حساب الزمان: (أ) حساب الزمان قبل الإسلام:
إن معرفتنا بحساب الزمان عند العرب القدماء، وهى المعرفة التى تستند
стр. 5212
إلى مادة متفرقة موجودة فيما حفظ لنا من بقايا القصائد القديمة والأشعار الشعبية، لا تزال حتى يومنا بعيدة كل البعد عن الكمال والشمول، ولا يمكن بحال أن تعتبر مرضية جديرة بالثقة من جميع الوجوه. وهناك دلائل كثيرة -وخصوصًا معانى معظم أسماء الشهور العربية القديمة (صفر الأولى والثانى، ربيع الأول والثانى، جمادى الأولى والآخرة، رمضان) - تدل على أن السنة العربية القديمة كانت تشبه السنة العبرية (السنة التشرية) بعض الشبه، غير أنه يجب علينا أن نلتزم القصد إذ ليس من المأمون أن نقول إنه كان يوجد فى جزيرة العرب فى العصر القديم تقسيم زمانى معمول به فى الجزيرة كلها. أما الذى لا شك فيه فهو أن قبائل الأعراب لم تكن تستعمل فى الأصل سوى حساب الزمان المبنى على ملاحظة أوجه القمر، شأنها فى ذلك شأن الأقوام المتبدية الأخرى، أعنى أنه لم يكن عندها سوى ما يسمى السنة القمرية الخالصة. أما التوفيق بينها وبين السنة الشمسية فإنه لم يحدث إلا فى عصر متأخر عن ذلك. ويؤيد هذا الافتراض ما ذكره كثير من العلماء المسلمين (وقد استفاد محمود أفندى من هذه المادة فى بحثه الذى ظهر عام ١٨٥٨ فى المجلة الآسيوية. J. A السلسلة الخامسة، جـ ١١). فالبيرونى فى مؤلفه الآثار الباقية (طبعة سخاو، ليبسك ١٨٧٨) وقد اتفق فى الرأى مع جعفر بن محمد البلخى (فى كتابه المسمى كتاب الألوف فى بيوت العبادات) -وكان على علم بهذا الكتاب- ذلك أنه قال إن الانتقال من السنة القمرية الخالصة إلى السنة القمرية الشمسية وقع بتأثير السنة اليهودية قبل الهجرة بنحو من قرنين (١). أما نظرية محمود أفندى التى ذهب إليها فيما بعد (Mint. des Savants strangers de
стр. 5213
l'Academie Royale de Belgique جـ ٢، ١٨٦١ م، والتى تابعه فيها كنز F.K Ginzel فى كتابه Chronologie جـ ١، ص ٢٤٨). ومؤداها أنه كانت هناك سنة قمرية خالصة فى مكة إلى الفترة السابقة للهجرة مباشرة، فهى نظرية لا يمكن أن تكون حجة ثابتة أمام ما تقدم ذكره، لأنه لم يقم دليل كاف على أن قران المشترى وزحل الذى وقع فى مارس سنة ٥٧١ - وهو المسمى "قران الدين"- قد حدث بالفعل قبل مولد النبى ﵊ مباشرة، وهنا لا يمكن أن يكون الأمر أمر افتراض وتخمين ظهر بعد ذلك. وكانت بداية السنة القمرية العربية -وأيضا بحسب السنة العبرية- فى الخريف. والسنة نفسها كانت تتألف من اثنى عشر شهرًا -وفى سنين الكبس من ثلاثة عشر شهرًا- تحسب من الهلال إلى الهلال. أما زيادة الشهر الثالث عشر، وهى الزيادة التى لم يكن منها بد لتحديد بداية السنة القمرية فى موضع معين من السنة الشمسية، فقد كانت تعمل بحسب التجربة بين آن وآخر، وذلك كل سنتين أو ثلاث فى المتوسط. وكلمة "النسئ" المذكورة فى القرآن (سورة التوبة، آية ٣٧) والتى كثر حولها الجدل إنما تشير إلى زيادة هذا الشهر الثالث عشر (١)، كما بين ذلك من جديد الأستاذ موبرج بيانا مقنعا لا جدال فيه (An - Nasi' in: Axel Moberg der islamischen Tradition، لند، ١٩٣١) ولم يحرم النسئ تحريما صريحا على يد محمد ﵊ إلا فى السنة العاشرة للهجرة (الموضع المتقدم ذكره من القرآن) (٢) وكان وقت الحج، الذى كان يرتبط فى أول الأمر بالخريف، أعنى أنه قد حدد بحسب السنة الشمسية، يعين بحسب نوء (ج، أنواء) أحد المنازل الثمانية والعشرين للقمر. وهذا الضرب من تعيين المواقيت الشمسية مأثور أيضا عن عصر تال لذلك (راجع Calendrier de Cordoue del'annee ٩٦١ طبعة Dozy، ليدن ١٨٧٣) ونجده كذلك فى العصور القديمة عند
стр. 5214
أمم متحضرة (كالصين والهند ومصر) على أن السنة القمرية الشمسية فى عهد النبى [ ﷺ ] كانت قد تقدمت على السنة الشمسية بكثير بسبب عدم كفاية وسائل الملاحظة والكبس فوقعت بداية السنة القمرية كما وقع شهر ذى الحجة السابق لها وكذلك وقت الحج فى فصل الربيع.
وفى أواخر أيام الجاهلية كانت أسماء الشهور قد استقرت على النحو الذى نجدها عليه فى العصر الإسلامى، غير أن شهر المحرم قد حل فى الإسلام محل صفر الأول، صفر الثانى، ربيع الأول، ربيع الثانى، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. ولا يفوتنا أن النصف الأول من السنة يتألف فى الحقيقة من ثلاثة شهور مزدوجة، وتختلف عنها أسماء الشهور العربية القديمة التى يذكرها البيرونى (١) والتى حلت محلها الشهور التى تقدم ذكرها، وكانت هذه الشهور القديمة هى: المؤتمر (ويطابق صفر) وناجر، وخوان، وبصان، وحنتم (أو حنم (القراءة غير يقينية) وزباء أو زُبى، والأصمّ، وعادل، ونافق، ووغل، وهُواء، وبُرَك. وبعض هذه يظهر فيما بعد، ويكون أحيانا ألقابا لأسماء الشهور الإسلامية المرادفة لها، كإطلاق اسم الأصم على رجب والعادل على شعبان. وإلى جانب هذا يذكر البيرونى والمسعودى كما تذكر النقوش الصابئية أنواعًا أخرى كثيرة لأسماء الشهور، وهى تختلف فيما بينها بحسب القبائل والمصادر اختلافا كبيرًا بحيث لا يكاد يمكن الاهتداء منها إلى معرفة ما كان عليه حساب الزمان عند العرب فى أقدم عصورهم.
وكانت السنة بحسب ما يقوله فلهاوزن (Rest arabischen: Wellhausen Heiden turns، برلين ١٨٩٧، ص ٩٦ وما بعدها) مقسمة فى أول الأمر إلى ثلاثة أزمنة: زمان المطر، وزمان الجفاف وزمان الحر. ونجد فى الشعر العربى القديم ذكر أربعة أقسام: الخريف أو
стр. 5215
الربيع والشتاء والصيف والقيظ، وهى تطابق على وجه التقريب فصولنا: الخريف والشتاء والربيع والصيف؛ ومن الجائز أنه كان هناك تقسيم السنة إلى ستة أقسام: الربيع (آخر الحصاد) والخريف، والشتاء، والربيع الثانى (أول الحصاد) والصيف (أول فصل الحر) والقيظ (وهو الصيف بمعناه عندنا).
أما الجرى على تقسيم الأسبوع إلى سبعة أيام فيمكن إثبات أنه كان موجودًا عند العرب الجاهليين منذ عصرقديم جدًا. والأسماء القديمة للأيام هى بحسب حكاية البيرونى (الآثار الباقية، ص ٦٤): أول (يطابق يوم الأحد) أهوَن، وجُبار، ودُبار ومؤنس، وعَروبة، وشيار. ولكن لا يصح افتراض أن العرَب هم الذين استحدثوا الأسبوع ذا السبعة الأيام، بل هناك دلائل كثيرة تدل على أنهم أخذوا ذلك عن البابليين أو اليهود، وكان قد أصبح مشهورًا عند هؤلاء منذ زمان قديم جدًا.
وكانت أيام الشهر مقسمة إلى عشرة أقسام، كل قسم منها ثلاثة أيام، وكانت تحسب اعتبارًا من الهلال، ولكل ثلاثة منها اسم، وأسماؤها هى (١): الغررَ، والنُفَل، والتسع، والعشر، والبيض، والدُرَع، والظُلَم، والحنادس أو الدهم، والدآدى. والمحاق (راجع كتاب الآثار للبيرونى ص ٦٣ وما بعدها). أما اليوم ذاته فكان يبتدئ عند العرب القدماء كما كان يبتدئ عند اليهود وفى الإسلام أيضًا، بعد ذلك، بمغيب الشمس، وليس ثمة ما يدل على تقسيم
стр. 5216
اليوم عند الجاهليين إلى أربع وعشرين ساعة.
بداية التآريخ: يظهر أن البدايات أو النقط الزمانية التى كان يبتدئ بها العرب حساب السنين كانت كثيرة جدًا. ويذكر البيرونى فى هذا الصدد أن بعض العرب كانوا يؤرخون بالوقائع المشهورة والأيام المذكورة الكائنة بينهم [كالتى لقريش مثل أيام الفجار وحلف الفضول. . . وبناء الكعبة وغير ذلك] فتصير هذه الحوادث بدايات للتأريخ عند مختلف القبائل (كتاب الآثار، ص ٣٤) ويظهر أن التأريخ بأيام الفجار خاصة (وقعت حروب الفجار بين ٥٨٥ و ٥٩١ بعد الميلاد على الأرجح) وبعام الفيل (حوالى ٥٧٠ م على الأرجح) كان أكثر انتشارًا عند العرب. وعام الفيل، عند بعض المؤرخين، هو العام الذى ولد فيه محمد عليه الصلاة السلام (٥٧١ م).
(ب) التأريخ فى الإسلام: أصبح ما يتميز به الإسلام من حساب السنين طبقا للسنين القمرية الخالصة هو المعمول به بعد الذى أشرنا إليه فيما تقدم من تحريم النبى ﵇ للنسئ (والسنة القمرية الخالصة = ١٢ شهرًا قمريًا كل منها ٢٩ يومًا و ١٢ ساعة و ٤٤ دقيقة و ٣ ثوان = ٣٥٤ يوما و ٨ ساعات و ٤٨ دقيقة و ٣٦ ثانية، واسم السنة القمرية هو فى الحقيقة لا معنى له! )، فلم يكن من الممكن بعد ذلك وجود توافق بين أول السنة الهجرية وأول السنة الشمسية فيقع أول السنة الهجرية موافقا على وجه التقريب لأول السنة الشمسية، وصار أول السنة الإسلامية يتقدم كل عام أحد عشر يومًا فى السنة الشمسية فيقع أول السنة الهجرية موافقًا على وجه التقريب لأول السنة الشمسية مرة واحدة كل ثلاثة وثلاثين عامًا، وكل ثلاث وثلاثين سنة قمرية تساوى على وجه التقريب اثنتين وثلاثين سنة شمسية. ونستخلص من هذه النسبة القاعدة التالية لتحويل سنى الهجرة (هـ) إلى سنين ميلادية (م)، والعكس.
السنة الميلادية = عدد السنين الهجرية × ٣٢/ ٣٣ + ٦٢٢
السنة الهجرية = عدد السنين الميلادية - ٦٢٢ × ٣٣/ ٣٢
وفيما يتعلق بالتحويلات الدقيقة لا غنى عن لوحات المقارنة بين السنين
стр. 5217
الهجرية والميلادية التى قام بعملها فستنفلد ومالر (راجع المصادر).
وكان لا بد، بحسب القرآن، (سورة يونس، آية ٥ مثلا) فى الآية التى تقرر بصراحة أن القمر هو مقياس الزمان (١)، من أن يتحدد أول الشهر وأول السنة، كما كان الحال فى العصر القديم، بالاستناد إلى رؤية الهلال بالعين، وهذا هو بالفعل ما يجرى عليه عامة الناس فى أيامنا. ولكن نشأ مع هذا، لأسباب يسهل إدراكها ومنذ وقت مبكر حساب دورى يستند إلى أن مدة كل شهرين تساوى على وجه التقريب ٥٩ يوما، ومن شأنه أن يجعل أحد الشهور ٣٠ يومًا والشهر الآخر ٢٩ يومًا، بحيث يكون الشهر الأول من السنة (وهو المحرم) والشهر الثالث والخامس والسابع والتاسع والحادى عشر، كل منها ٣٠ يومًا، ويكون الشهر الثانى (صفر) والرابع والسادس والثامن والعاشر والثانى عشر كل منهما ٢٩ يومًا، وبذلك تكون السنه ٣٥٤ يومًا فى العادة. أما الفرق الذى يبلغ ٨ ساعات و ٤٨ دقيقة و ٣٦ ثانية (وهو يساوى ١١/ ٣٠ من اليوم بوجه قريب من الدقة)، وهو الفرق الذى تزيد به السنة القمرية الفلكية عن الأيام التى تشتمل عليها الشهور، فقد روعى من طريق إضافة ١١ يوما كل ثلاثين سنة قمرية (وتلك هى أيام الكبس). وأكثر الطرق انتشارًا فى كبس السنين فى البلاد الإسلامية هى الطريقة التى تعتبر السنين الثانية والخامسة والسابعة والعاشرة والثالثة عشرة والسادسة عشرة والثامنة عشرة والواحدة والعشرين والرابعة والعشرين والسادسة والعشرين والتاسعة والعشرين، من كل فترة طولها ثلاثون سنة، سنين كبيسة، أما الكبس نفسه فهو دائمًا فى شهر ذى الحجة بحيث يكون فى السنين العادية
стр. 5218
٢٩ يومًا وفى السنين الكبيسة ٣٠ يومًا (وفيما يتعلق بمدد أخرى يكون فيها الكبس، خصوصا الكبس كل ثمانى سنين عند الترك؛ راجع كتاب Ginzel: Chronolgie جـ ١، ص ٢٥٥).
أما اليوم بليلته (وهو المقابل: فى اليونانية) فكان فى أيام الجاهلية يحسب من مغيب الشمس، ويرجع هذا النوع من حساب اليوم، كما يؤكد الفرغانى، إلى أن أول يوم فى الشهر يعرف برؤية الهلال، والهلال يرى دائمًا عند مغيب الشمس. فأما تقسيم اليوم بليلته () إلى أربع وعشرين ساعة فهو يرجع على كل حال إلى التأريخ اليونانى. وفى حساب الزمن عند الناس لا تستعمل إلا "الساعات الزمانية" (انظر ما تقدم)، أما الفلكيون فهم يحسبون الزمان بحسب ساعات الاعتدال، غير أنهم ينصون دائمًا على أنها ساعات الاعتدال.
وقد حلت فى الإسلام محل أسماء أيام الأسبوع القديمة أسماء مشتقة من مجرد الترتيب العددى مع تغيير فى صورة التسمية، وذلك فيما يتعلق بالأيام التى بين الأحد والخميس، ويوم الجمعة عندنا صار يوم اجتماع المسلمين وسمى باسم مشتق من ذلك، ويوم السبت عندنا يسمى عند العرب باسم شبيه بالاسم العبرى بحيث تكون الأيام على ترتيبها هى: يوم الأحد (الموافق ليوم الأحد عندنا)، يوم الاثنين، يوم الثلاثاء، يوم الأربعاء، يوم الخميس، يوم الجمعة، يوم السبت. وعند ذكر الأيام، يجب أن يراعى، نظرًا للسبب المتقدم، أن يوم الأحد يبتدئ فى مساء يوم السبت عندنا، وأن يوم الإثنين يبتدئ من مساء يوم الأحد عندنا، وهكذا، بحيث لا تتفق الأيام العربية مع أيامنا اتفاقًا تامًا.
وبداية حساب السنين فى التاريخ الإسلامى هى أول المحرم من السنة التى هاجر فيها النبى ﵊ من مكة إلى يثرب (ولا يتخذ يوم الهجرة نفسه ولا يوم وصول النبى ﵊ إلى المدينة، وهو على التدقيق يوم الخميس ٨ ربيع الأول الموافق ٣٠ سبتمبر سنة ٦٢٢, عند معظم المؤرخين، مبدأ للتأريخ).
стр. 5219
ويوم الهجرة. هو يوم ١٥ يولية سنة ٦٢٢ م ويسمى تاريخ الهجرة (وهو طبقا للحساب اليوليانى للأيام اليوم الـ ١٩٤٨٤٣٩). أما جعل عام الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامى فلم يحدث إلا فى أيام الخليفة عمر بن الخطاب.
وإلى جانب التأريخ بعام الهجرة كانت تستعمل التآريخ الأجنبية على ما بينها من تنوع، وأحقها بالذكر هنا التأريخ الإسكندرى (وهو المسمى تاريخ القبط أو تأريخ الشهداء)، وذلك فى صورة الحساب طبقا لشهور القبط التى استعملت قبل غيرها على كل حال. وهذا الحساب للتاريخ حساب شمسى، خلافًا للحساب الإسلامى، فطول السنة، كما هو الحال فى اليوليانية، يبلغ ٣٦٥ يوما، وهى اثنا عشر شهرًا لا ترتبط بأحوال القمر، وكل منها ثلاثون يوما، ويزاد فى آخر الشهر الخامس منها خمسة أيام، وفى السنين الكبيسة ستة أيام، وذلك على سبيل الإكمال والكبس. وقد استعملت أسماء الشهور المصرية مع شئ من التحوير فى صورتها، وهى بحسب حكاية البتانى (جـ ٣، ص ١٠٠ من كتابه): توت (ويسمى (. . .) عند المؤرخين اليونان)، بابه (. . .)، أتور (. . .) كيهك (. . .) طوبة (. . .) أمشير (. . .)، برمهات (. . .) برموده (. . .)، بشنس (. . .) بؤونه (. . .) أبيب (. . .) مسرى (. . .) وكانت الأيام الخمسة أو الستة التى تزاد فى الشهر تسمى كما عند القبط (الشهر الصغير)، وسنو التأريخ القبطى تحسب فى العادة من سنة ٢٨٤ م، وهى السنة التى اعتلى فيها الإمبراطور دقلديانوس العرش، أما بحسب حكاية البتانى فهى تبدأ من يوم الجمعة ٢٩ أغسطس سنة ٢٥ ق. م (ويذكر نللينو تفسيرا لذلك: جـ ١، ص ٢٤٤)، وهناك تأريخ آخر كثيرًا ما استعمل وهو التاريخ السلوقى. ويسمى عند العرب تاريخ الروم أو تاريخ الإسكندر أو، وهو الغالب، تاريخ ذى القرنين، وهو يحسب من يوم الإثنين أول أكتوبر (وعند البتانى من يوم السبت أول سبتمبر) سنة ٣١٢ ق. م. وهو يستعمل السنة اليوليانية كما يستعمل طريقة الكبس اليوليانية، ويستعمل أسماء الشهور السريانية - العربية؛ وهى المسماة شهور الروم،
стр. 5220
وذلك لأن كل شهر من هذه الشهور له نظير فى الشهور الرومية، وشهوره على الترتيب الآتى:
تشرين الأول. . . أكتوبر. . . ٣١ يوما
تشرين الثانى. . . نوفمبر. . . ٣٠ يوما
كانون الأول. . . ديسمبر. . . ٣١ يوما
كانون الثانى. . .يناير. . . ٣١ يوما
شباط. . . فبراير. . . ٢٨ أو ٢٩ يوما
آذار. . . مارس. . . ٣١ يوما
نيسان. . .أبريل. . . ٣٠ يوما
أيار. . . مايو. . . ٣١ يوما
حزيران. . . يونية. . . ٣٠ يوما
تموز. . .يولية. . . ٣١ يوما
آب. . .أغسطس. . . ٣١ يوما
أيلول. . .سبتمبر. . . ٣٠ يوما
وأسماء الشهور هذه تستعمل أيضا فى حساب السنة عند نصارى الشام. وفيما يتعلق بتآريخ أخرى راجع كتاب البتانى، الفصل الثانى والثلاثين، وشروح نللينو على ذلك، جـ ١، ص ٢٤٢ والصفحات التالية.
وكانت السنة الخراجية العربية فى مصر، وهى السنة التى استحدثها العرب بعد فتحهم لمصر وظلت معمولا بها أزمنة طويلة، سنة شمسية، وكانت بدايتها مع بداية السنة الشمسية المصرية، ولكن كانت السنون تحسب من عام الهجرة، فنشأت عن ذلك فروق بين عدد سنى الهجرة وعدد سنى الخراج، وكثيرًا ما لوحظ أن هذه الفروق كانت سببا فى وقوع الاضطراب عند تأريخ الحوادث. وفى مصر نفسها كانت هذه السنة تستعمل أيضا عند عامة الناس (ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب Ginzel جـ ١، ص ٢٦٤ - ٢٦٥).
أما السنة المالية التركية التى كانت هى السنة الرسمية وكانت تستعمل إلى جانبها السنة الهجرية فى أكثر الأحيان فى الأغراض الدينية، فهى من حيث صورتها -بصرف النظر عن أولها- توافق السنة اليوليانية، وأسماء شهورها هى بعينها أسماء الشهور السريانية - العربية التى تقدم ذكرها، مع فروق طفيفة. وهذه السنة المالية التركية تبدأ فى أول مارس، ويقع الكبس فى التاسع والعشرين فى شهر فبراير، وهو أيضا آخر يوم فى السنة. وعلى ذلك فإن سنى الكبس تكون دائمًا