اليوم عند الجاهليين إلى أربع وعشرين ساعة.
بداية التآريخ: يظهر أن البدايات أو النقط الزمانية التى كان يبتدئ بها العرب حساب السنين كانت كثيرة جدًا. ويذكر البيرونى فى هذا الصدد أن بعض العرب كانوا يؤرخون بالوقائع المشهورة والأيام المذكورة الكائنة بينهم [كالتى لقريش مثل أيام الفجار وحلف الفضول. . . وبناء الكعبة وغير ذلك] فتصير هذه الحوادث بدايات للتأريخ عند مختلف القبائل (كتاب الآثار، ص ٣٤) ويظهر أن التأريخ بأيام الفجار خاصة (وقعت حروب الفجار بين ٥٨٥ و ٥٩١ بعد الميلاد على الأرجح) وبعام الفيل (حوالى ٥٧٠ م على الأرجح) كان أكثر انتشارًا عند العرب. وعام الفيل، عند بعض المؤرخين، هو العام الذى ولد فيه محمد عليه الصلاة السلام (٥٧١ م).
(ب) التأريخ فى الإسلام: أصبح ما يتميز به الإسلام من حساب السنين طبقا للسنين القمرية الخالصة هو المعمول به بعد الذى أشرنا إليه فيما تقدم من تحريم النبى ﵇ للنسئ (والسنة القمرية الخالصة = ١٢ شهرًا قمريًا كل منها ٢٩ يومًا و ١٢ ساعة و ٤٤ دقيقة و ٣ ثوان = ٣٥٤ يوما و ٨ ساعات و ٤٨ دقيقة و ٣٦ ثانية، واسم السنة القمرية هو فى الحقيقة لا معنى له! )، فلم يكن من الممكن بعد ذلك وجود توافق بين أول السنة الهجرية وأول السنة الشمسية فيقع أول السنة الهجرية موافقا على وجه التقريب لأول السنة الشمسية، وصار أول السنة الإسلامية يتقدم كل عام أحد عشر يومًا فى السنة الشمسية فيقع أول السنة الهجرية موافقًا على وجه التقريب لأول السنة الشمسية مرة واحدة كل ثلاثة وثلاثين عامًا، وكل ثلاث وثلاثين سنة قمرية تساوى على وجه التقريب اثنتين وثلاثين سنة شمسية. ونستخلص من هذه النسبة القاعدة التالية لتحويل سنى الهجرة (هـ) إلى سنين ميلادية (م)، والعكس.
السنة الميلادية = عدد السنين الهجرية × ٣٢/ ٣٣ + ٦٢٢
السنة الهجرية = عدد السنين الميلادية - ٦٢٢ × ٣٣/ ٣٢
وفيما يتعلق بالتحويلات الدقيقة لا غنى عن لوحات المقارنة بين السنين
стр. 5217
الهجرية والميلادية التى قام بعملها فستنفلد ومالر (راجع المصادر).
وكان لا بد، بحسب القرآن، (سورة يونس، آية ٥ مثلا) فى الآية التى تقرر بصراحة أن القمر هو مقياس الزمان (١)، من أن يتحدد أول الشهر وأول السنة، كما كان الحال فى العصر القديم، بالاستناد إلى رؤية الهلال بالعين، وهذا هو بالفعل ما يجرى عليه عامة الناس فى أيامنا. ولكن نشأ مع هذا، لأسباب يسهل إدراكها ومنذ وقت مبكر حساب دورى يستند إلى أن مدة كل شهرين تساوى على وجه التقريب ٥٩ يوما، ومن شأنه أن يجعل أحد الشهور ٣٠ يومًا والشهر الآخر ٢٩ يومًا، بحيث يكون الشهر الأول من السنة (وهو المحرم) والشهر الثالث والخامس والسابع والتاسع والحادى عشر، كل منها ٣٠ يومًا، ويكون الشهر الثانى (صفر) والرابع والسادس والثامن والعاشر والثانى عشر كل منهما ٢٩ يومًا، وبذلك تكون السنه ٣٥٤ يومًا فى العادة. أما الفرق الذى يبلغ ٨ ساعات و ٤٨ دقيقة و ٣٦ ثانية (وهو يساوى ١١/ ٣٠ من اليوم بوجه قريب من الدقة)، وهو الفرق الذى تزيد به السنة القمرية الفلكية عن الأيام التى تشتمل عليها الشهور، فقد روعى من طريق إضافة ١١ يوما كل ثلاثين سنة قمرية (وتلك هى أيام الكبس). وأكثر الطرق انتشارًا فى كبس السنين فى البلاد الإسلامية هى الطريقة التى تعتبر السنين الثانية والخامسة والسابعة والعاشرة والثالثة عشرة والسادسة عشرة والثامنة عشرة والواحدة والعشرين والرابعة والعشرين والسادسة والعشرين والتاسعة والعشرين، من كل فترة طولها ثلاثون سنة، سنين كبيسة، أما الكبس نفسه فهو دائمًا فى شهر ذى الحجة بحيث يكون فى السنين العادية
стр. 5218
٢٩ يومًا وفى السنين الكبيسة ٣٠ يومًا (وفيما يتعلق بمدد أخرى يكون فيها الكبس، خصوصا الكبس كل ثمانى سنين عند الترك؛ راجع كتاب Ginzel: Chronolgie جـ ١، ص ٢٥٥).
أما اليوم بليلته (وهو المقابل: فى اليونانية) فكان فى أيام الجاهلية يحسب من مغيب الشمس، ويرجع هذا النوع من حساب اليوم، كما يؤكد الفرغانى، إلى أن أول يوم فى الشهر يعرف برؤية الهلال، والهلال يرى دائمًا عند مغيب الشمس. فأما تقسيم اليوم بليلته () إلى أربع وعشرين ساعة فهو يرجع على كل حال إلى التأريخ اليونانى. وفى حساب الزمن عند الناس لا تستعمل إلا "الساعات الزمانية" (انظر ما تقدم)، أما الفلكيون فهم يحسبون الزمان بحسب ساعات الاعتدال، غير أنهم ينصون دائمًا على أنها ساعات الاعتدال.
وقد حلت فى الإسلام محل أسماء أيام الأسبوع القديمة أسماء مشتقة من مجرد الترتيب العددى مع تغيير فى صورة التسمية، وذلك فيما يتعلق بالأيام التى بين الأحد والخميس، ويوم الجمعة عندنا صار يوم اجتماع المسلمين وسمى باسم مشتق من ذلك، ويوم السبت عندنا يسمى عند العرب باسم شبيه بالاسم العبرى بحيث تكون الأيام على ترتيبها هى: يوم الأحد (الموافق ليوم الأحد عندنا)، يوم الاثنين، يوم الثلاثاء، يوم الأربعاء، يوم الخميس، يوم الجمعة، يوم السبت. وعند ذكر الأيام، يجب أن يراعى، نظرًا للسبب المتقدم، أن يوم الأحد يبتدئ فى مساء يوم السبت عندنا، وأن يوم الإثنين يبتدئ من مساء يوم الأحد عندنا، وهكذا، بحيث لا تتفق الأيام العربية مع أيامنا اتفاقًا تامًا.
وبداية حساب السنين فى التاريخ الإسلامى هى أول المحرم من السنة التى هاجر فيها النبى ﵊ من مكة إلى يثرب (ولا يتخذ يوم الهجرة نفسه ولا يوم وصول النبى ﵊ إلى المدينة، وهو على التدقيق يوم الخميس ٨ ربيع الأول الموافق ٣٠ سبتمبر سنة ٦٢٢, عند معظم المؤرخين، مبدأ للتأريخ).
стр. 5219
ويوم الهجرة. هو يوم ١٥ يولية سنة ٦٢٢ م ويسمى تاريخ الهجرة (وهو طبقا للحساب اليوليانى للأيام اليوم الـ ١٩٤٨٤٣٩). أما جعل عام الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامى فلم يحدث إلا فى أيام الخليفة عمر بن الخطاب.
وإلى جانب التأريخ بعام الهجرة كانت تستعمل التآريخ الأجنبية على ما بينها من تنوع، وأحقها بالذكر هنا التأريخ الإسكندرى (وهو المسمى تاريخ القبط أو تأريخ الشهداء)، وذلك فى صورة الحساب طبقا لشهور القبط التى استعملت قبل غيرها على كل حال. وهذا الحساب للتاريخ حساب شمسى، خلافًا للحساب الإسلامى، فطول السنة، كما هو الحال فى اليوليانية، يبلغ ٣٦٥ يوما، وهى اثنا عشر شهرًا لا ترتبط بأحوال القمر، وكل منها ثلاثون يوما، ويزاد فى آخر الشهر الخامس منها خمسة أيام، وفى السنين الكبيسة ستة أيام، وذلك على سبيل الإكمال والكبس. وقد استعملت أسماء الشهور المصرية مع شئ من التحوير فى صورتها، وهى بحسب حكاية البتانى (جـ ٣، ص ١٠٠ من كتابه): توت (ويسمى (. . .) عند المؤرخين اليونان)، بابه (. . .)، أتور (. . .) كيهك (. . .) طوبة (. . .) أمشير (. . .)، برمهات (. . .) برموده (. . .)، بشنس (. . .) بؤونه (. . .) أبيب (. . .) مسرى (. . .) وكانت الأيام الخمسة أو الستة التى تزاد فى الشهر تسمى كما عند القبط (الشهر الصغير)، وسنو التأريخ القبطى تحسب فى العادة من سنة ٢٨٤ م، وهى السنة التى اعتلى فيها الإمبراطور دقلديانوس العرش، أما بحسب حكاية البتانى فهى تبدأ من يوم الجمعة ٢٩ أغسطس سنة ٢٥ ق. م (ويذكر نللينو تفسيرا لذلك: جـ ١، ص ٢٤٤)، وهناك تأريخ آخر كثيرًا ما استعمل وهو التاريخ السلوقى. ويسمى عند العرب تاريخ الروم أو تاريخ الإسكندر أو، وهو الغالب، تاريخ ذى القرنين، وهو يحسب من يوم الإثنين أول أكتوبر (وعند البتانى من يوم السبت أول سبتمبر) سنة ٣١٢ ق. م. وهو يستعمل السنة اليوليانية كما يستعمل طريقة الكبس اليوليانية، ويستعمل أسماء الشهور السريانية - العربية؛ وهى المسماة شهور الروم،
стр. 5220
وذلك لأن كل شهر من هذه الشهور له نظير فى الشهور الرومية، وشهوره على الترتيب الآتى:
تشرين الأول. . . أكتوبر. . . ٣١ يوما
تشرين الثانى. . . نوفمبر. . . ٣٠ يوما
كانون الأول. . . ديسمبر. . . ٣١ يوما
كانون الثانى. . .يناير. . . ٣١ يوما
شباط. . . فبراير. . . ٢٨ أو ٢٩ يوما
آذار. . . مارس. . . ٣١ يوما
نيسان. . .أبريل. . . ٣٠ يوما
أيار. . . مايو. . . ٣١ يوما
حزيران. . . يونية. . . ٣٠ يوما
تموز. . .يولية. . . ٣١ يوما
آب. . .أغسطس. . . ٣١ يوما
أيلول. . .سبتمبر. . . ٣٠ يوما
وأسماء الشهور هذه تستعمل أيضا فى حساب السنة عند نصارى الشام. وفيما يتعلق بتآريخ أخرى راجع كتاب البتانى، الفصل الثانى والثلاثين، وشروح نللينو على ذلك، جـ ١، ص ٢٤٢ والصفحات التالية.
وكانت السنة الخراجية العربية فى مصر، وهى السنة التى استحدثها العرب بعد فتحهم لمصر وظلت معمولا بها أزمنة طويلة، سنة شمسية، وكانت بدايتها مع بداية السنة الشمسية المصرية، ولكن كانت السنون تحسب من عام الهجرة، فنشأت عن ذلك فروق بين عدد سنى الهجرة وعدد سنى الخراج، وكثيرًا ما لوحظ أن هذه الفروق كانت سببا فى وقوع الاضطراب عند تأريخ الحوادث. وفى مصر نفسها كانت هذه السنة تستعمل أيضا عند عامة الناس (ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب Ginzel جـ ١، ص ٢٦٤ - ٢٦٥).
أما السنة المالية التركية التى كانت هى السنة الرسمية وكانت تستعمل إلى جانبها السنة الهجرية فى أكثر الأحيان فى الأغراض الدينية، فهى من حيث صورتها -بصرف النظر عن أولها- توافق السنة اليوليانية، وأسماء شهورها هى بعينها أسماء الشهور السريانية - العربية التى تقدم ذكرها، مع فروق طفيفة. وهذه السنة المالية التركية تبدأ فى أول مارس، ويقع الكبس فى التاسع والعشرين فى شهر فبراير، وهو أيضا آخر يوم فى السنة. وعلى ذلك فإن سنى الكبس تكون دائمًا
стр. 5221
قبل سنى الكبس فى التاريخ الميلادى بسنة، وهذا مما يسهل تبينه.
وترد السنة المالية التركية إلى السنة الخراجية العربية التى استحدثت فى القرن الرابع للهجرة (العاشر الميلادى) فى أيام العباسيين، وقد دخلت إلى الترك فى سنة ١٠٨٧ هـ (١٦٧٧ م). أما السنون فكانت تحسب طبقًا للتاريخ الهجرى. ولإيجاد التساوى بين حساب السنين على هذه الطريقة وبين السنين القمرية التى هى أقصر من السنة التركية، كانت تسقط سنة قمرية من كل ثلاث وثلاثين سنة، وهذه السنة التى كانت تسقط تسمى سوش (ومعناها بالتركية الإلغاء أو الإسقاط). ولما جاءت سنة ١٢٨٨ هـ (١٨٧١ م) كان الواجب إسقاطها ولكنها حسبت خطأ، مما سبب اضطرابا فى حساب السنين المالية حينًا من الزمان، أما فى العصر الحديث فقد صار التقويم الغريغورى هو التقويم الرسمى فى تركيا.
المصادر:
(١) كتاب الزيج الصابئ للبتانى (وهو الذى يسمى Opus Astronomicum) نشره نللينو A.Nallino جـ ١ - ٣) ميلانو ١٨٩٩، ١٩٠٣، ١٩٠٧)
(٢) الآثار الباقية للبيرونى (ويسمى Chronologie orientalischer: Volker طبعة سخاو (Sachau) ليبسك ١٨٧٨)
(٣) Handbuch der mathe matischen and technischen Chronologie: F.K.Ginzel جـ ١، ليبسك ١٩٠٦،
(٤) An - Nasi' in der islamisches Tradition: A.Moberg لند ١٩٣١
(٥) Le Calendrier de Cordnue de l'annee ٩٦١: R.Dozy ليدن ١٨٧٢
(٦) F. Wustenfeld and E.Mahler: Vergleichungstabellen der muhainineda nischan and christlichen Zeitrechnung ليبسك ١٨٥٤، ١٨٨٧، الطبعة الثانية ١٩٢٦.
(٧) Umrechungstafeln fur Nachrichten CGXLVII Wandeljahre: J.Mayer، ٢٢ كيل ١٩٣٢).
أبو ريدة [هارتنر W.Hartner]
стр. 5222
+ زمان: كلمة "زمان " هى الكلمة العربية التى تستعمل عادة فى الاصطلاح الفلسفى للدلالة على فكرة الزمان، ومرادفاتها هى "الدهر" و"الوقت" و"الحين". وللتمييز بين الزمان المدرك بالحواس وبين الزمان المعنوى كثيرًا ما يطلق على الزمان المعنوى كلمة "دهر" (زروان فى الفارسية)، أو يقال: "زمان معنوى" أو "زمان مطلق" أو "زمان علوى".
وقد رفض المفكرون المسلمون بطبيعة الحال رفضًا باتًا كل ما كان يقال فى الزمان (أو المكان) من آراء، باعتبار أن الزمان مبدأ أعلى للعالم؛ وهو ما عرفه المسلمون من التراث الفارسى واليونانى المتأخر. وكان المذهب القائل بأن الزمان، شأنه شأن المكان، أحد المبادئ الخمسة للعالم، معروفا عند الكثيرين، لكنه لم يلق قبولا كبيرًا. وتوجد مبادئ خمسة مشابهة لذلك، مع اختلاف فى ذواتها وفى أسمائها، بين أتباع الحكمة الهرمسية وبين صابئة حران وبين الإسماعيلية والدروز وغيرهم (راجع Die Lehren des Hennes Trisinegistos: J.Kroll ضمن مجموعة Beitr. z Gesch. d. Philos . d.MA, قسم ١٢، ٢ - ٤، ط. Munster ١٩١٤، ص ٦٧ وما بعدها و S.Guyard Fragments relatifs a la doctrine des Isinaelis, ضمن N. E.، ٢٢، باريس ١٨٧٤ ص ٣٣ وما بعدها، وكتاب النقط والدوائر المعروف عند الدروز، طبعة Chr. Seybold، ليبسك ١٩٠، ص ٦٨). والرازى الطبيب (المتوفى عام ٩٢٣ أو ٩٣٢ م) يذكر المبادئ الخمسة على هذا الترتيب: (١) البارئ تعالى (٢) النفس الكلية (٣) الهيولى الأولى (٤) المكان المطلق (٥) الزمان المطلق (كتاب تحقيق ما للهند من مقولة للبيرونى ط Sachau لندن ١٨٨٧ ص ١٦٣، وكتاب الفصل فى الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ط. القاهرة ١٣١٧ هـ , جـ ٣ ص ٢٤ وما بعدها (وهنا يجب قراءة "ملاء"، بدلا من "مدة"، فيما يتعلق بالزمان المطلق) (١) ولما كان اللَّه بحسب
стр. 5223
العقيدة الإسلامية هو وحده المطلق القديم الذى لا نهاية له فإن مذهب الرازى اعتبر إلحادًا.
والقول بمبادئ خمسة تدخل فى ميدان ما بعد الطبيعة صار له نظير فى علم الطبيعة، فنجد اليعقوبى (١) (فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى = القرن التاسع الميلادى) يقول بمناسبة الكلام عن كتاب "سمع الكيان" أو "الخبر الطبيعي" (٢) لأرسطو إن أرسطو "بين فيه عن الأشياء الطبيعية، وهى خمسة، المشتملة على الطبائع كلها، التى لا وجود لشئ من الطبائع دونها، وهى العنصر (٣) والصورة والمكان والحركة والزمان .. وهذه الخمسة منها اثنان جوهران، وهما العنصر والصورة، وثلاثة أعراض جوهرية، (اليعقوبى ط Houtsma جـ ١، ص ١٨٤). وقد كتب الكندى (المتوفى بعد سنة ٨٧٠ = ١٤٦٦) (٤) كتابًا صغيرًا لم يصل إلينا إلا فى ترجمته إلى اللاتينية، وهو كتاب De quinque essentiis (وقد نشره ألبينو ناجى Alb Nagy فى ميونخ عام ١٨٦٧، ضمن مجموعة رسائل للكندى، بعنوان Die Philo sophischen Abhandlungen des Ja'qub ben Ishaq al-Kindi، ص ٢٨ - ٤٠) (٥).
والكندى فى هذا الكتاب يتكلم، بعد مقدمة عامة، عن هذه الأشياء الخمسة نفسها، معتمدا فى الجملة على الكتاب
стр. 5224
الرابع من كتاب الطبيعة لأرسطو. ويتكلم إخوان الصفاء عنها كلاما أوفى، لكن على الترتيب عينه (راجع الرسائل، طبعة بمباى، جـ ٢، الرسالة الخامسة عشرة، وبحسب مختارات ديتريصى لييسك ٨٨٣، جـ ١ ص ٢٤ وما بعدها الرسالة الرابعة عشرة). ويذكر إخوان الصفاء آراء كثيرة عن هذه الأشياء الخمسة. على أنه من البين أنهم لا يكتفون بتقديم الصورة على الهيولى، بل يجعلون المكان، من حيث هو عرض للجسم، بعد الحركة والزمان، لأنهما فى النفس وناشئان عنها. ويظهر أنه يجب أن نفهم على هذا الاعتبار أيضا المشكلة التى نجدها فى كتاب المقابسات للتوحيدى (طبعة القاهرة ١٩٢٩، ص ١٧٢ وما بعدها): "لم صار الظرف المخصوص بالزمان أكثر من الظرف المخصوص بالمكان؟ ". والجواب هو: "الظرف الزمانى ألطف من ظرف المكان، والمكانى أكثف من ظرف الزمان، وكأن المكان من قبيل الحس والزمان من قبيل النفس. . إلخ".
وعلى حين أن المصنفات الأولى تكتفى فى الغالب بذكر مختلف الآراء فى الزمان (١). فإنه يظهر أن المعرفة برأى أرسطو قد أوجدت إجماعا بين الفلاسفة، ولكن الأمر لا يزال معقدًا، لأن التمييز المعروف عند أصحاب المذهب الفيثاغورى الجديد والمذهب الأفلاطونى الجديد بين "زمان حسى" و"زمان معنوى" قد بقى قائمًا، وكان البحث الطبيعى فى الزمان، من حيث صلته بالمكان والحركة فى الفراغ، يستند إلى الكتاب الرابع من كتاب الطبيعة لأرسطو، وإن كان لم يخل من صبغة رواقية. أما مباحث ما بعد الطبيعة التى تتناول العلاقة بين الحادث والقديم فقد كانت متأثرة بالمذهب الأفلاطونى الجديد، وخصوصا بحسب نقل هذا المذهب إلى العرب من طريق الكتاب المسمى "كتاب الربوبية" المنحول لأرسطو و"كتاب" Liber de causis (٢) .
وشرح القائلين بالمذهب الأفلاطونى الجديد على كتب أرسطو.
стр. 5225
ففيما يتعلق بالزمان الطبيعى قد ميز بين الزمان الماضى وبين الزمان الحاضر أو الـ "آن" وبين الزمان المستقبل أو المستأنف. ولما كان الزمان، شأنه شأن الحركة عند أرسطو، كمًا متصلا فإنه (خلافا لمذهب الجوهر الفرد عند علماء العقائد) (١) لا يتألف من لحظات منفصلة، وعلى هذا فإن الـ "آن" ليس زمانا بالمعنى الحقيقى. ومع هذا فإن اللحظة الحاضرة هى الشئ الحقيقى الوحيد فى الزمان، وهذا التناقض فيما يتعلق بالزمان أدى إما إلى الشك فى الزمان وأما إلى آراء فى أن الماضى يبقى حقيقة ويدخل فى الحاضر.
وقد عرف الزمان، متابعة لأرسطو، تعريفًا دقيقا بأنه عدد الحركة -أو مقدار، أو كم، أو كمية الحركة- بحسب المتقدم والمتأخر، وكذلك عرفت الحركة على العكس من ذلك، بأنها عدد أو مقدار الزمان. وأرسطو، وهو الذى ينسب إليه أنه قد أبرز العلاقة بين الحركة والزمان، قد ذكر التعريف الأخير مرة (كتاب الطبيعة لأرسطو، الكتاب الرابع، قسم ١٢، ص ٢٢٠ جـ، س ١٤ - ١٦)، لكن هذا التعريف صار عند أصحاب المذهب الأفلاطونى الجديد تعريفًا ثابتًا. وأخيرا يجب أن نذكر أن الزمان، كما يفهم من تعريف أرسطو له، شأنه شأن الحركة، ليس له بداية ولا نهاية، فمكان العالم متناه، وكل نقطة فى هذا المكان يمكن أن تكون نقطة انتهاء خط، لأن الخط ساكن؛ أما الزمان، من حيث هو مقدار الحركة، فهو يجرى أبدا ولا ينتهى.
ويختلف عن هذا التصور الأرسطى للزمان تعريف الزمان بأنه "المدة" أو "الامتداد" أو "المدى (٢) "، وأغلب الظن
стр. 5226
أن لدينا فى هذه الكلمات ترجمات للكلمتين اليونانيتين (. . .)، وهما تدلان عند الرواقيين على المدة، وقد فسرهما أفلوطين تفسيرًا يجعل لهما معنى عاليًا من حيث هما مدة دوام حياة النفوس (راجع كتاب - H.A. Wolfson: Crescas' Critique of Aristotle. Problems of Aristotles, Physics in jewish and Arabic Philosophy, كمبردج وهرفارد، ١٩٢٩، ص ٦٣٨ وما بعدها) ونحن إذا وجدنا أبا الهذيل العلاف يعرف الوقت بأنه "الفرق بين الأعمال، وهو مدى ما بين عمل إلى عمل" فإن وراء ذلك معنى الفترة التى تنقضى بين شيئين (راجع: Die dogmatischen Lehren der Anhanger des Islams للأشعرى، ط. ريتز Rtter ((Bibl Is,. Ib استانبول ١٩٣٠، جـ ٣، ص ٤٤٣). وكذلك يقول المطهر بن المقدسى إن الزمان عند المسلمين "هو حركة الفلك ومدى ما بين الأفعال" (راجع Le livre de la creatian et de L'histoire (١) لأبى زيد احمد بن سهل البلخى، ط. إيوار CL. Huart. باريس ١٨٩٩ جـ ١ ص ٤١) أما المدة فمعناها الدوام (راجع كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمى طبعة ج. فان فلوتن G.Van Vloten ليدن ١٨٩٥، ص ١٣٧ وما بعدها حيث نجد: "أن الزمان مدة تعدها حركة الأفلاك وغيرها من المتحركات. والمدة عند بعضهم الزمان المطلق الذى لا تعده حركة"). فالحقيقة أن الكلام هنا يدور حول التمييز الذى أشرنا إليه آنفا بين الزمان الحسى الذى يقاس بحركة الأجسام المتحركة وبين الزمان المعنوى الذى لا يقاس بل تشاهده النفس وتدركه إدراكا مباشرًا (راجع تمييز هـ. برجسون H.Bergson . وبين الزمان Temps والديمومة duree (٢)؛ وكلمة المدة من مصطلحات الرازى الطبيب؛ انظر كتاب تحقيق ما للهند من مقولة للبيرونى، الموضع المتقدم الذكر، وأيضا من
стр. 5227
مصطلحات إخوان الصفاء ففى الرسالة الخامسة عشرة التى أشرنا إليها آنفا يتكلم إخوان الصفاء عن الزمان (الطبيعى) من حيث هو المدة التى تعدها حركة الفلك).
فالمدة من حيث هى مجرد دوام حياة النفوس هى فى الحقيقة شئ متوسط بين الزمان (الذى هو عرض فى حركة الأجسام) وبين الدهر (الذى هو مدة بقاء العقل) وهذا يؤدى بنا إلى الأنظار الميتافيزيقية الصوفية فى العلاقة بين الزمان والأزل. والاصطلاح هنا غير ثابت، وذلك لا يرجع فقط إلى أن الفلاسفة يحاولون أن يوفقوا بين أفلاطون وأرسطو، بل يرجع إلى أن كل فريق، وخصوصا الصوفية، يحب مصطلحاته الخاصة.
وفى كلمات لأفلاطون فى محاورة طيماوس يتصور أفلاطون، على سبيل التمثيل، أن الزمان صورة حسية للأزل (قارن ما جاء فى الكتاب المسمى بكتاب الربوبية المنسوب لأرسطو طبعة د يتريصى Dieterici ليبسك ١٨٨٢ ص ١٠٧ بما جاء فى محاورة طيماوس ص ٣٧ وما بعدها؛ وراجع كتاب
H.Lessgegen Die Begriffe der Zeit und Ewigkeitt im spatern Platonismus, ضمن مجموعة Beitr. Z. Gesch. d. Philos im M.A منستر ١٩١٣، ص ١ وما بعدها) فالزمان لم يبدأ إلا بعد خلق النفس الكلية وانتظام مادة الكون بعد اضطرابها، وذلك بفضل حركة السماء المنتظمة. وهذا العالم المنظم تنظيما جميلا ستكون له نهاية، ولكن الزمان لا ينتهى بذلك. وعلى أساس الآراء المأثورة عن أفلاطون، وخصوصا وبتوسط أفلوطرخس بحسب الآراء المنحولة ويتوسط جالينوس، جاءت أيضا الآراء فى الزمان باعتباره عين حركة الفلك، أو باعتبار أنه هو الفلك نفسه أو أنه هو النفس الكلية. ومن قال إن الزمان هو الفلك نفسه أو النفس الكلية نفسها سماه جوهرًا (خلافا لأرسطو القائل إنه عرض).
وبعد أن عرف رأى أرسطو صار الفيلسوف المتهم فى نظر الدين يعرف بنظريته فى قدم الزمان، وذلك أن أصحاب هذه النظرية كانوا، متابعة لأصحاب المذهب الأفلاطونى الجديد،
стр. 5228
يؤمنون بأن الوجود ذو مراتب وبأنه من البديهى، تبعا لذلك، أن يكون لكل نوع من الموجودات زمانه الخاص أو أزليته؛ ولا أزلى فى الحقيقة إلا اللَّه، إن لم تكن ذاته فوق الأزل، وقد وافق الفلاسفة أرسطو فى القول بأن ماهية العلة الأولى (اللَّه) وفعلها (١) شئ واحد؛ فاللَّه أزلى، وهو لذلك يخلق العالم فى الأزل، والمخلوق الأول وهو العقل (يذكر صاحب كتاب Le livre de Ia Creation انظر ما تقدم جـ ١، ص ٨٥٤ وما بعدها أن بعض أهل الإسلام ذهب "إلى أن أول ما أحدث من الزمن العلوى، وهو وقت يظهر فيه الفعل، ليس السفلى الذى هو من حركات الفلك") أقل أزلية، لكنه فى دهر وسكون، وكذلك النفس الصادرة عن العقل توجد فوق الزمان لأنها علة الزمان. هذا ما يذهب إليه مع أفلوطين كتاب الربوبية المنسوب لأرسطو (طبعة ديتريصى ص ١٣ وما بعدها) وفى كتاب العدل Liber de causis لبرقلس ما جملته أن اللَّه، من حيث هو العلة الأولى، يوجد فوق الدهر، والعقل مع الدهر والنفس تحت الدهر، لكنها فوق الزمان والطبيعة هى مجال الحوادث (كتاب Liber de Causis طبعة O.Bardenhewer بمدينة فرايبورج بألمانيا , ١٨٨٢، ص ٦١ وما بعدها).
ومن البين أن فعل الكائنات التى فوق الزمان يتم أيضا على نحو خارج عن الزمان، وقد شبه بفعل التعقل عند الناس وبالارتباط بين الصورة والهيولى وبانتشار الضوء فى العالم، وكلها تتم فى غير زمان (راجع فيما يتعلق بمسألة التغير الذى يقع فجأة ودفعة واحدة، أعنى فى غير زمان، كتاب H.A.Wolfson المتقدم ذكره، ص ٤٩٨ وما بعدها، ص ٥٤٢ وما بعدها).
وكانت المشكلة فى أول الأمر بسيطة جدًا عند المتكلمين: فهناك إله قديم أزلى وهناك عالم حادث؛ ولا وسط بينهما، وكان كل من أصحاب مذهب الجوهر الفرد بين المسلمين وخصومهم متفقين على ذلك. وكان أهم ما يريده أصحاب مذهب الجوهر الفرد هو أن يؤكدوا أشد التأكيد أن المكان يتألف من أجزاء
стр. 5229
لا تتجزا متناهية معدودة، وأن مدة دوام العالم لا تتجاوز عددًا متناهيًا من أجزاء الزمان (١).
وقد دافع الغزالى فى كتابه تهافت الفلاسفة عن القول بحدوث العالم وأيضا عن القول بتناهيه فى الزمان وذلك باسم جميع فرق الأمة الإسلامية، ردا على الفارابى وابن سينا. وهو يشتد فى محاربة قول أرسطو بقدم العالم، ولكنه يتساهل مع مذهب أفلاطون. والغزالى لا يوافق أبا الهذيل فى قوله بأنه كما لا يمكن القول بدورات لا نهاية لعددها فى الماضى فكذلك لا يمكن القول بدورات لا نهاية لها فى المستقبل، بل يجوز الغزالى بقاء العالم بقاء لا نهاية له، ولكنه يأخذ بما جاء به الدين من التصريح بنهاية العالم (كتاب تهافت الفلاسفة طبعة بويج Bouyges بيروت ٢٧ ص ٨٠ وما بعدها) (٢).
ويقول ابن رشد بحق، فى كتابه تهافت التهافت (طبعة بويج، بيروت ١٩٣٠، ص ٦٤ وما بعدها، وراجع كتاب الفلسفة طبعة القاهرة ١٣١٣ ص ١٠ وما بعدها، وراجع كتاب ل. جوتييه La theorie d'Ibn Rochd Sur les rapports de la religion et la philosophie: L.Gauthier باريس ١٩٠٩ ص ١٠٣ وما بعدها) إن كثيرًا من هذا الجدال يدور حول التسميات والنزاع فيها. وكل من المتكلمين والفلاسفة يميزون بين موجود أزلى لا نهاية له (هو اللَّه) وبين
стр. 5230
عالم متغير: وهذا هو الشئ الجوهرى، أما كون العالم فى جملته حادثا أو قديما أو كونه على الدوام حادثا زائلا فهو أمر ثانوى.
أما الصوفى الذى يعيش فانيا فى الذات الخالدة فهو وحده الذى لا وجود عنده للزمان بكل صوره، وهو فى "حال" من أحوال يثبت عنده "الوقت" فيصير حياة فى حضرة اللَّه الأزلية (راجع كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون، ليدن ١٩١١، ص ٣٦٧ - ٣٧٠).
المصادر:
لا يوجد بحث مخصوص للموضوع، ولنذكر المراجع الآتية بالإضافة إلى ما ذكر أثناء الكلام:
(١) Le Systeme du Monde: P.Duhem جـ ١، ص ٢٧١ ما بعدها، جـ ٢، ص ٤٦٥ وما بعدها
(٢) Uber iranische Quellen der hellenistischen Aionvorsell: H. Junker) Vortr d, Bibl, Warhrug جـ ١) هامبورغ (Vortr d, Bibl, Warhrug جـ ١) هامبورغ ١٩٢٣.
أبو ريدة [ت. دي بور Tj. De. Boer]
تعليق
لابد من إكمال ما قاله كاتب القسم الثانى من هذا المقال، وهو المتعلق بمعنى كلمة "زمان"، من حيث هى اصطلاح فلسفى، ويتعين بطبيعة الحال أيضا أن نشير إلى ما أشار إليه الكاتب من نواح سواء فيما يتعلق بالكلمات التى صار بعضها مصطلحات فلسفية، أو بالمعانى الاصطلاحية التى أصبحت لبعض هذه الكلمات، وخصوصا أن من هذه الكلمات ما لم يوف حقه فى الأصول الأوربية لدائرة المعارف هذه، وأن المراجع التى كانت لدى كاتب المقال لم تكن فى حينها بالكافية. هذا إلى أنها تكاد تكون من نوع واحد يمثل تراثا فلسفيًا واحدًا، هو التراث الأفلاطونى أو التراث الأفلاطونى المحدث.
والكلمات العربية التى لها صلة بكلمة زمان، من حيث الدلالة العامة، هى: دهر، أزل، أبد، خلد، سرمد، مدة، حين، وقت، آن.
ومما تجب ملاحظته من أول الكلام فى الموضوع أن هذه الكلمات كانت
стр. 5231
جارية على ألسنة العرب، مستقرة فى لغتهم، قبل ظهور الإسلام، وقبل بدء التفكير الفلسفى الإسلامى، وكانت لها مدلولاتها التى تحددت فيما بعد على أيدى المفكرين الإسلاميين من متكلمين وفلاسفة. بعد هذا تحسن الإشارة إلى أن معظم هذه الكلمات كانت تستعمل أسماء وأفعالا (أبّد، دهَر، مد، وامتد، حان، وقّت. . . إلخ، )، وأن بعضها له دلالة الفعل الإيجابى المتلف أو المهلك (فيقال مثلا: دهر فلانا أمر، بمعنى أصابه مكروه أو نزلت به نازلة؛ أو يقال: دهره الجزع، بمعنى غلبه أو أتلفه، ويقال: دهور الشئ جمعه وقذفه فى مهواة، ويقال: زَمِن الشخص زمنا، وزُمنة أو أصابته الزمانة (العاهة أو الضعف) فهو زَمِن وزمين؛ ويقال: حان حينه، أى قرب وقت هلاكه، والحين الهلاك والنهاية والموت، والحائنة النازلة. . . إلخ.) وفى كتب اللغة مادة غزيرة تتعلق بهذه الكلمات، وفيها تحديد لمعنى كل كلمة، لا من الناحية الاصطلاحية الفلسفية بطبيعة الحال، بل من ناحية الاستعمال اللغوى الدال على المفهومات التى توصل لها العرب. ولو نظرنا فى هذه المادة فى جملتها لوجدنا، بوجه عام، أن كلمة "الدهر" تطلق على الزمان المتطاول الذى لا تكاد تكون له نهاية: لا من أوله ولا من آخره؛ ومن ذلك عبارة "الدهر الداهر". أما كلمة "الأزل" فهى تطلق على الامتداد الزمانى الذى لا أول له فى الماضى، "والأبد" هو الدهر من حيث الامتداد خصوصًا فى المستقبل، ومن ذلك عبارة "أبد الآبدين" و"الأبد الأبيد"، والسرمد دوام الزمان خصوصًا فى المستقبل، وكل من "الزمان" و"المدة" و"الحين" و"الوقت" يطلق على المقدار المحدود من الدهر، قليلا كان هذا المقدار أو كثيرًا، مع أنواع من التمييز فى الاستعمال الدقيق، وهذه الكلمات الأخيرة كلها تستعمل مع الإشارة إلى شئ واقع معين، وكلمة "الآن" تطلق على الزمان أو الوقت الحاضر.
كل هذا يتعلق بالمعنى اللغوى كما يوجد فى كتب اللغة، بحسب المأثور من استعمال الكلمات وبحسب الشواهد اللغوية القديمة التى سجلها علماء اللغة؛
стр. 5232
أما ما ورد فى القرآن من هذه الألفاظ، فهى كلمات "دهر" بمعنى الدهر المهلك، وبمعنى الزمان المتطاول الذى ليس له حدود (١)، وكلمة "أبد" فى صيغة ظرف الزمان أو الوصف الدال على الامتداد الزمانى فى المستقبل، وكلمة "حين" بمعنى القسم من الدهر، وبمعنى الوقت والوقت المحدد، وفى صيغة ظرف الزمان (٢)، وكلمة "الآن" لفعل المرتبط بها (٣)، وكلمة "السرمد" بمعنى الدوام فى المستقبل (٤)، وكلمة "الخلد" بالمعنى نفسه (٥)، وكلمة "المدة" و"الأجل" بمعنى المدة المحددة أو نهايتها (٦)، وكلمة "وقت" فى صيغ كثيرة ومع تمييزات دقيقة فى المعنى. وكلمات أخرى دالة على الزمان مثل اليوم والساعة والأمد، والفعل الدال على المدة أو الامتداد فى الزمان. وهذا كله مما يوجد فى القرآن يحتاج إلى دراسة قائمة بذاتها، وخصوصًا إذا انضم لذلك ما ورد فى الحديث الشريف من هذه الكلمات، فأما الكلمات التى قدر لها أن تغلب فى الاصطلاح الفلسفى من حيث الدلالة على الامتداد الزمانى أو على معنى هذا الامتداد بحسب التصورات المختلفة له، فهى كلمة: الدهر والزمان والمدة (عند البعض)، وهى موجودة في القرآن، عدا كلمة "زمان" فهى لا ترد فيه بأى صيغة من صيغها، أما كلمة الوقت فقد صارت اصطلاحا عند الصوفية.
أما فيما يتعلق بكلمة الدهر فيجب الرجوع إلى معناها عند العرب قبل الإسلام. ولو نظرنا فى جملة النصوص المأثورة عن العرب الجاهليين لوجدنا أن فكرة الدهر كانت قديمة عندهم، وهى عند الشعراء مفهوم شعرى يستعينون به فى الدلالة على مجرى الحوادث
стр. 5233
الكونية وتصرف الأقدار. ولكن الكلمة لم تكن تدل على قوة شخصية، بل على قوة غير شخصية تتصرف فى الأشياء وفى الناس، وهى ليست قوة مقدسة ولا إلهية، بل تتصرف تصرفا غاشمًا من غير مراعاة قاعدة، وليس فى عملها حكمة، وقد استعمل الشعراء ألفاظًا أخرى للدلالة على المعنى نفسه مثل كلمات: الزمان، الليالى، الأيام، المنون، الحدثان، المنايا؛ ومن ذلك قولهم: قوارع الدهر، بنات الدهر، ريب الحوادث، ريب المنون. . . إلخ. ولا يمكن أن تخلو أذهان الشعراء، مهما كان اصطناعهم لهذا المفهوم الشعرى المساعد لهم فى التعبير، من فكرة كانت تلوح أمام أذهانهم، وهى فكرة القوة التى وراء القوانين التى تحكم الأشياء وتحكم حياة الإنسان، والتى لا يزال لها ظل فى الشعر العربى على قديم الأيام وحديثها. فالجاهليون كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيب الإنسان من نازلة أو مكروه، وكانوا أحيانا يمقتون هذا الدهر ويسبونه، ويظهر أن فكرة الدهر كانت، على نحو ما، تحل فى أذهان الجاهليين محل فكرة التدبير الإلهى عند المؤمنين باللَّه. ولذلك أراد النبى ﵇، فيما روى عنه من قوله: "لا تسبوا الدهر. فإن اللَّه هو الدهر" تصحيح تفكير العرب بأن بين لهم أن ما ينسب إلى الدهر يجب أن ينسب إلى اللَّه، لأن اللَّه هو فاعله، لا الدهر. ومهما يكن من شئ فإن الجاهليين كانوا يتصورون الدهر قوة مفنية. وعلى هذا المعنى نستطيع أن نفهم معنى كلمة: "دهر" فى سورة (الجاثية) آية ٢٤: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر﴾، وإذن فعند منكرى وجود اللَّه والحياة الآخرة (وهذا ما يفهم بالاستنباط من الآية) أن الدهر قوة مهلكة. والواقع أن "القول بالدهر" أصبح مع تطور النظر الفلسفى عند المفكرين الإسلاميين مساويًا للمذهب المادى، مع إنكار الخالق المدبر وإنكار الحياة الآخرة والقول بقِدَم العالم وقِدَم الأنواع الحيوانية على هذه الأرض، ولذلك نجد المتكلمين، من أول
стр. 5234
الأمر، يردون على الدهرية، كما نجد أول تحديد لمعنى كلمة "دهرية" عند الجاحظ (١)، فهو يصفهم بأنهم هم الذين ينكرون الخالق ولا يؤمنون بالنبوات أو البعث أو الثواب والعقاب، ويردون الأشياء إلى فعل الأفلاك، ولا يعرفون خيرًا ولا شرًا سوى المنفعة واللذة. ومن ذلك الحين صار علماء الإسلام يذكرون الدهرية بين الفرق الضَّالة ويردون عليهم.
وإلى جانب فكرة الدهر بمعنى المفهوم الشعرى وبمعنى النظرية الدهرية كان عند العرب مفهوم الدهر، من حيث هو الامتداد الزمانى الذى لا نهاية له، وهو المفهوم الذى ورد فى القرآن فى سورة (سورة الانسان، أو سورة الدهر) آية ١، وهى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، وإذا كان مفهوم الدهر هنا أنه الامتداد الزمانى غير المحدود، فإن الحين جزء من الدهر، وهذا الاستعمال القرآنى يوافق المعنى الذى كان معروفًا للمتكلمين، وهو فى نفس الوقت يؤيده ويضع الأساس للتطور التالى. وعند الكندى، أول فلاسفة الإسلام المتوفى حوالى سنة ٢٥٠ هـ = ٨٦٤ م نجد أول بيان واضح لفكرة الزمان (٢)، فهو فى رسائله المعروفة لنا حتى الآن يعتبر أن الزمان "مدة تعدها الحركة، غير ثابتة الأجزاء"، وأن الوقت، كما هو عند المتكلمين أيضًا، "نهاية الزمان المفروض للعمل". على أن الكندى يعرف اختلاف الفلاسفة فى معنى الزمان وقول بعضهم إنه هو الحركة، وقول البعض الآخر إنه ليس هو الحركة، ويختار القول بأنه "عدد عاد للحركة" ويرى أن فكرة الزمان هى التى تساعد على إدراك السرعة والبطء فى الحركة، أما "الآن" فهو ما يصل الزمان الماضى بالزمان الآتى، وهو لما كان لا بقاء له فهو ليس زمانًا، ولكن إذا اعتبر الإنسان بعقله الانتقال من آن إلى آن أدرك معنى
стр. 5235
الزمان، وهو الاتصال والاستمرار فقط، وهو مرتبط بمعنى القَبْل والبَعْد، ويمكن أن يعد، رغم أنه متصل، لأنه كمّ متصل، ولما كان الآن "متوهما" غير قار الذات فإن الزمان لا وجود له فى ذاته. وإذا عرفنا أن الكِنْدى يقول بحدوث العالم عن علته من غير شئ سابق عليه، وذلك من حيث كونه جسما، ويقول بتناهى هذا الجسم فى الامتداد المكانى، بحيث لا يكون خارج العالم شئ حتى ولا الفراغ (الخلاء المطلق)، ويقول بالتالى بحدوث المكان الذى يعتبره متوقفا على المتمكن فيه وبحدوث الحركة والزمان الذى هو عددها، أدركنا، على نحو أوضح، أن الزمان لا يوجد مستقلا عن العالم وحركته وأنه حادث له بداية، ويقيم الكندى الأدلة النظرية المستندة خصوصا إلى التفكير الرياضى، على هذا كله، وأساس رأى الكندى فى تناهى الجسم والحركة والزمان من حيث أول وجودها هو أن الشئ الذى لا نهاية له بالفعل -وهذا ما ينشأ عن القول بعدم التناهى- هو الوجود المتحقق وأن الجسم والحركة والزمان مرتبطة فى الوجود ودوامه، فلا جسم يوجد إلا ووجوده حركة كون، وهو لا يتحرك بعد ذلك إلا فى زمان، ولا يستمر وجوده أيضا إلا فى زمان هو مدة وجوده، أى المدة التى يكون فيها "إنية". فالزمان عند الكندى هو المدة التى يكون الوجود فيها موجودًا، ولكن لما كان من الموجودات، ما هو ساكن، فإن مدة وجوده تقاس إما بحسب حركة من نوع ما -ولو حركة التغير (السيلان) والتبدل الدائم فى كل ما هو محسوس- أو بحسب مقدار حركة متحرك غيره، ولكن لما كان الكندى يصرح بأن المدة المفصولة، يعنى المنقسمة بتبدل من نوع ما، هى الزمان وبأن المدة هى "مدة الوجود"، فإننا نستطيع أن نميز عنده بين زمان هو مدة الوجود وزمان متصل بالحركة والتغير، وهو خاص بالمتغيرات. ولكن هذه المدة على كل حال ليست ذاتا ولا جوهرًا قائمًا بذاته، بل هى اعتبارية ترجع إلى استمرار وجود ما هو موجود. وعند الكندى أن هذا العالم حادث، وأن له "مدة مقسومة" قد يزول بانتهائها، وقد تمتد حسبما تقتضيه إرادة موجد العالم، ولكن مهما امتد
стр. 5236
وجود العالم فهو سيكون وجودًا متناهيا، لأن له بداية من جهة، ولأن امتداد مدة وجوده لا يمكن أن يبلغ اللانهاية بالفعل من جهة أخرى وكل ما يمكن أن يقال هو أن وجود العالم وحركته يمكن أن يعتبر لا نهاية له بالقوة لا بالفعل. وإذا كان الزمان حادثًا، وكان هو زمان هذا العالم، فإن الخلق، أعنى وجود العالم، لم يكن فى الزمان. ولما كان اللَّه علة العالم فهو متقدم عليه بالذات لا بالزمان، لأنه لم يكن قبل العالم زمان، لأن الزمان للجرم المتحرك المتبدل. ويصرح الكندى بأن اللَّه ليس فى الزمان، فهل يمكن القول بأن وجود اللَّه له زمان أو مدة تليق بكماله؟ هذا ما لا نجده فى كتب الكندى التى وصلت إلينا. ومن هنا ندرك قوله إنه كانت قبل حدوث العالم ذات أزلية، هى الذات الإلهية طبعًا، كما ندرك تعريفه للأزل بأنه "الذى لم يكن ليس"، والذى لم يسبق وجوده شئ، ولا علة له. وإذن فالأزلية صفة الوجود القديم، ومعناها عدم المسبوقية بشئ أيا كان، ولا يمكن، بحسب هذا، وأن يكون اللَّه فى زمان ولا مدة ولا دهر، وإن كان وجوده دائما أزلًا أبدًا.
على أنه يُذكر بين مؤلفات الكندى كتاب له فى "النسب الزمانية" وآخر فى "ماهية الزمان والحين والدهر"، ولكنهما غير معروفين لنا حتى الآن. أما الذى لا شك فيه فهو أن اللَّه عنده ليس فى الزمان، وأن هذا العالم وكل ما يعرض فيه حادث، وأنه لا يوجد مبدأ قديم سوى اللَّه تعالى.
وكان المتكلمون فى عصر الكندى، وهم جميعا من المعتزلة، ويقولون بتناهى وحدوث كل شئ سوى اللَّه، وهم بطبيعة الحال، رفضوا قول أرسطو بقدم الزمان وتناولوا فكرة الامتداد الزمانى من ناحية أخرى، فنجد أبا الهذيل العلاف المتوفى سنة ٢٣٥ هـ = ٨٤٩ م يعرف "الوقت" بأنه "الفرق بين الأعمال"، ويقول إنه "يحدث مع كل وقت فعل"، ونجد الجبّائى المتوفى سنة ٣٠٣ هـ = ٩١٥ م يقول "إن الوقت هو ما توقته للشئ فإذا قلت: آتيك قدوم زيد، فقد جعلت قدوم زيد وقتا لمجيئك"؛ ويقول الجبائى أيضًا: "إن الأوقات هى
стр. 5237
حركات الفلك، لأن اللَّه وقتها للأشياء"، هذا ما يحكيه الأشعرى من آراء الإسلاميين، وهو يذكر قول من قال: إن الوقت "عرض" وإنه لا تعرف ماهيته ولا يوقف على حقيقته، كما يذكر الأشعرى اختلاف المفكرين، بين مثبت ومنكر، فى: هل يكون وقت لشيئين أم لا؟ وهل يجوز وجود أشياء لا فى أوقات؟ ولا شك فى أن المقصود من الوقت هو الزمان، ومع أن الأشعرى يعرف آراء القدماء من الفلاسفة فإنه لا يحكيها، ولهذا دلالته (١).
وبعد الكندى، فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى = التاسع الميلادى، تجد أبا العباس الإيرانشهرى يقول (٢) إن "الزمان" و"الدهر" و"المدة" أسماء لجوهر واحد قديم دائم الجريان لا قرار له، ولكن هذا المفكر يذكر للزمان معنى جديدًا محيرًا، وهو يقول إن الزمان "دليل علم اللَّه"، كما أن المكان دليل قدرته، والحركة دليل فعله، والجسم دليل قوته؛ وكل هذه الأشياء جواهر قديمة ولا نهاية لها، ولا تسمح قلة النصوص كما لا يسمح قصرها بتأويل لكلام الإيرانشهرى يمكن الثقة به، وإن كان من البين أن ثمة علاقة بين هذه الجواهر وبين الصفات الإلهية، من حيث إنها أثر لهذه الصفات والدليل الظاهر عليها (٣). ولو نظرنا فى دليل الإيرانشهرى على أن المكان "مظهر قدرة اللَّه" (قدرت ظاهر خداى إست) وهو بما أن قدرة اللَّه تشمل مقدوراته، وأن هذه المقدورات أجسام مصورة لا يمكن أن توجد إلا فى مكان، فالمكان مظهر قدرة اللَّه، لتبين لنا أن الإيرانشهرى يرى فى المكان رأيا شبيهًا برأى نيوتن، هذا وإن كان هذا الرأى غريبا عن الإسلام، ويذكر ناصر
стр. 5238
خسرو (١) المتوفى حوالى سنة ٤٥٢ هـ = ١٠٦٠ م رأى الإيرانشهرى مع شئ من التقريظ، ويقول إن محمد بن زكريا الرازى الطبيب المتوفى بين ٣١١، ٣٢٠ = ٩٢٣ - ٩٣٢، أخذ هذا الرأى وعبَّر عنه بعبارات إلحادية موحشة، ومهما يكن من شئ فإن الرازى يعتبر أن الزمان أحد المبادئ الخمسة القديمة، كما ذكر صاحب هذا المقال الذى نعلق عليه، غير أنه يميز بين شيئين: ما يسمى "الزمان المطلق" وما يسمى الزمان المحصور (٢) والأول لشئ "متحرك غير لابث" وهو قديم ولا نهاية له، ودائم الجريان، ويسميه الرازى المدة، والدهر، والأبد، والسرمد؛ والثانى وهو يسمى أيضا "الزمان المضاف" أي النسبى المحدود وهو يمكن أن يحسب ويعد. وينقسم بحسب حركات الفلك وطلوع الشمس وغروبها وجريان الكواكب ومر الأيام ووقوع الحوادث، وهو يقابل على نحو ما، معنى الزمان عند أرسطو. ولا يريد الرازى أن يعتمد فى إثبات رأيه هذا فى الزمان، وفى المكان أيضا إلا على العقل السليم عند عامة الناس الذين لم يفسد اللجاج والجدل من بديهة نفوسهم، فهم يقولون: تشهد عقولنا بأن ثم فضاء يحيط بالعالم، وبأنه حتى لو لم يكن هناك فلك يدور لأدركنا أن ثم شيئًا لا يزال يجرى علينا وهو الزمان (٣).
وهنا ندرك تمامًا معنى ما يقوله البيرونى (٤) عن الرازى من أنه "فرق بين الزمان وبين المدة بوقوع العدد على أحدهما دون الآخر، كما جعل الفلاسفة الزمان مدة لما له أول وآخر، والدهر مدة لما لا أول له ولا آخر" وهذا التمييز يرجع، كما أشار ذلك كاتب المقال الذى نعلق عليه، إلى التراث الأفلاطونى.
وإذن فالمدة أو الدهر، بمعنى الامتداد الزمانى الذى لا نهاية له، هو عند
стр. 5239
الرازى موجود حقيقة، وهو أشبه بجوهر.
ويميز أبو سليمان السجستانى (نبغ فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى)، بين الدهر والزمان، فالدهر فوق الزمان، وهو إشارة إلى امتداد وجود ذات من الذوات، ومنه "دهر مطلق"، وهو امتداد وجود الذوات الثابتة الموجودة وجودًا حقيقيًا مطلقًا من غير أن تقترن بمبدأ أو نهاية، و"ودهر بسيط" أو "دهر بالإضافة والشرط" وهو امتداد وجود الذوات الحادثة المتناهية التى لها ابتداء.
أما الزمان فهو عند أبى سليمان "عدد الحركة" وفيه القبل والبعد، وهو ليس عنده مدة تعدها الحركة، وإلا أصبحت الحركة أشبه بمكيال للمعنى المفهوم من الدهر، ويرى أبو سليمان أن الزمان ألطف من المكان "كأن المكان من قبيل الحس والزمان من قبيل النفس" وأن الزمان الواحد يشمل أكثر من شئ واحد، بل يشمل أشياء لا نهاية لها، أما المكان الواحد فهو إن شغله شئ لم يتسع لغيره (١).
ومن المعروف أن افلاطون يميز بين شيئين: الدهر أو السرمد (. . .) وهو شئ أزلى باق ثابت؛ والزمان الذى وجد على مثال السرمد مع وجود السماء. وإذن فله بداية، وهو متحرك، ويمكن أن تكون له نهاية (٢)؛ كما نعرف أن أرسطو قال إن الزمان هو "مقدار الحركة بحسب المتقدم والمتأخر". ثم جاء أفلوطين (٣) فبنى مذهبه على مذهب أفلاطين وميز بين زمان هو مدة بقاء العالم المادى المتغير وبين دهر هو مدة بقاء العالم العقلى الأبدى الأزلى الذى لا يعرض له تغير، ومعنى هذا أن الدهر كما عند برقلس مبدأ أعلى، فوق الزمان بل فوق النفس. ومن جهة أخرى يذكر البيرونى (٤) عن الهنود أنهم يميزون بين "الزمان الكلى" و"الأزمنة الجزئية" والأول هو "المدة" أو "الدهر" وهو الامتداد الزمانى للَّه أو للنفس أو
стр. 5240
للجواهر البسيطة؛ وهو، خصوصًا بالنسبة للَّه، مقدار لا يقع عليه العد، لأن المعدود متناه، واللَّه فوق التناهى. أما الزمان السنين والأيام فهو الكائنات المحدودة المتناهية، وهو يقدر بالحركة والتغير.
ولعل فى هذا ما يشير إلى أصول مذهب الإيرانشهرى والرازى فى الزمان من أحد معانيه، وخصوصا أن البيرونى يحكى لنا أن الإيرانشهرى كتب فى آراء الهنود.
أما عند ابن سينا (١) فالزمان مدة هى كم متصل، لكنه شئ متجدد متقضّ غير قار، وهو يطابق الحركة، أعنى الحركة المستديرة الدائمة، وهى هيئة فى الجسم لا هى مقدار الجسم نفسه ولا المسافة التى يقطعها، وعليها يتوقف الزمان فى وجوده وفى إحساسنا به وتصورنا له، بحيث يكون عبارة عن مقدارها. والزمان والحركة عند ابن سينا حادثان حدوث إبداع بالذات لا بالزمان، وإلا كان قبل الزمان زمان، وأدى ذلك إلى التناقض. أما الآنات التى هى أطراف أقسام الزمان (الماضى والمستقبل) فهى أجزاء الزمان الوهمية، وأساس هذا كله تمييز ابن سينا بين القدم بالذات، وهو انتفاء البداية للقديم، والقدم بالزمان، وهو انتفاء البداية الزمانية، وبين الحدوث الإبداعى الذى هو عبارة عن حدوث شئ غير مسبوق بزمان، بفعل مبدأ يوجده، والحدوث الزمانى الذى هو عبارة عن حدوث الشئ مسبوقا بزمان لم يكن فيه موجودا. ويتحصل من هذا أن الزمان عند ابن سينا، شأنه شأن الحركة والمتحرك، قديم وإن كان مبدعا. ويميز ابن سينا بين ما يكون فى الزمان مثل أقسام الزمان وأطرافه والحركات والمتحركات الزمانية، وما يكون مع الزمان من غير أن يكون فى الزمان. ويظهر أن ابن سينا يقصد هنا الذات الإلهية وعالم العقول بحسب مذهب الصدور، وهو يقول إن الأشياء التى مع الزمان وخارجة عنه، إذا قوبلت مع الزمان واعتبرت به فكان لها ثبات مطابق لثبات الزمان وما فيه، سميت
стр. 5241
هذه الإضافة دهرا، "فيكون الدهر هو المحيط بالزمان". ورأى ابن سينا لا يخرج عن رأى أرسطو مع شئ من التراث الأفلاطونى، وهو على كل حال رأى لا يخلو من تناقض، والمهم أنه يعرف الزمان بالتعريف الأرسططاليسى، وهو أنه "مقدرًا الحركة من جهة المتقدم والمتأخر" ويقول: إن الزمان علته الحركة المستديرة، وهذه حركة نفسانية إرادية، علتها النفس، يعنى النفس المحركة للفلك. أما الدهر فيعرفه بأنه "المعنى المعقول من إضافة الثبات إلى النفس فى الزمان كله"، والآن "طرف موهوم يشترك فيه الماضى والمستقبل من الزمان". وبمناسبة الكلام فى ذوات الأشياء الثابتة وغير الثابتة يقول ابن سينا إن الذوات الثابتة، إذا أخذت من جهة ثباتها، لم تكن فى الزمان بل مع الزمان، ثم يقول إن "نسبة ما مع الزمان وليس فى الزمان إلى الزمان هو الدهر، ونسبة ما ليس فى الزمان من جهة ما ليس فى الزمان، الأولى به أن يسمى السرمد". وينتهى ابن سينا إلى أن "الدهر" فى ذاته، من "السرمد" والدهر دهر بالقياس إلى الزمان.
حتى إذا جاء ناصر خسرو الشاعر والعالم الفارسى، وهو الذى روى آراء الإيرانشهرى والرازى ونقض بعض آراء الرازى، وجدناه يذهب إلى أن الزمان ليس سوى "تغير أحوال الجسم"، هذا مع موافقة ناصر لأرسطو فى القول بأن الزمان عدد الحركة وأن علته النفس، ولا شك أن هذا بمعنى يوجد أساسه عند أرسطو فى قوله إن إدراك الزمان يتوقف على إدراك الحركة فى القبل والبعد، وعلى عدد هذه الحركة، ولكن ناصر خسرو يميز بين الزمان بهذا المعنى الأرسطى من أحد الوجوه، وبين "الدهر" الذى هو عنده عبارة عن مدة بقاء المعقولات المجردة التى لا تتغير والذى علّته العقل (١).
ومن الطريف أن نذكر رأى شاعر حكيم ذى ثقافة فلسفية: هو أبو العلاء المعرى المتوفى سنة ٤٤٩ هـ = ١٠٥٧ م (٢)، والدهر عنده كما عند
стр. 5242
شعراء العرب، مفهوم شعرى بالمعنى الذى تقدم ذكره، وهو يهلك ويغتال ويتصرف من غير حكمة، بل هو لا يعقل ولا يشعر حتى لا يكون هناك معنى لذمه. غير أن أبا العلاء يستعمل الدهر مرادفا للزمان والمدة والوقت، والزمان والمكان عنده طرفان أو وعاءان مجردان لا لون لهما ولا حجم، وهما يشملان كل الأشياء المدركة. والزمان أوقات متتالية أو "أكوان" متشابهة، وهو يمر سريعا كالخيل التى لا تضبطها اللجم. أو كالطير، وهو يفنى، وتفنى بفنائه الأشياء والناس. لكن هذه الأوقات تؤلف الزمان المديد أو الدهر الطويل الذى لو طار جبريل بقية عمره ليخرج منه لما خرج. على أن أبا العلاء يعرف رأى من قال إن الزمان عبارة عن حركة الفلك، ويجد أن ذلك لا معنى له، ثم يذكر رأى سيبويه العالم اللغوى الذى نبغ فى النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة، فى أن الزمان عبارة عن "مضى الليل والنهار"، ثم يعرف الزمان تعريفا يعتبره جديرا بأن تكون قد تنبهت إليه العقول، وإن كان يقول إنه لم يسمعه من أحد، وهو أن "الزمان شئ، أقل جزء منه يشتمل على جميع المدركات"، وهو فى ذلك ضد المكان، لأن أقل جزء من المكان لا يمكن أن يشتمل على شئ، والكون والزمان بهذا المعنى واحد، ويدل على ذلك قول أبى العلاء:
وأيسر كونٍ تحته كل عالم ... ولا تدرك الأكوان جرد صلادم
وإذا كان تعريف أبى العلاء للزمان تعريفا له من حيث الإضافة لغيره فيظهر أنه يعتبر أن حقيقة الزمان -أو المكان- فى ذاته شئ لا يدرك وسر من أسرار اللَّه. وقد يلاحظ الإنسان على كل حال فى رأى أبى العلاء فى الزمان شيئًا من رأى أبى سليمان السجستانى.
أما أوفى بحث وأعمقه وأطرفه عن الزمان فهو الذى نجده عند أبى البركات البغدادى الفيلسوف الإسرائيلى الذى تحول إلى الإسلام فى كبره، وتوفى سنة ٥٤٧ هـ = ١١٥٢ م (١)، وهذا الرأى نتيجة منطقية لتطور آراء الإسلاميين فى أمر الزمان. يستعرض أبو البركات
стр. 5243
الآراء فى الزمان، ويرفض منها قول من قال إنه الحركة، لأن كلا من الحركة والسكون يكون فى الزمان، ولأن الفرق بين الشئ ساكنا ومتحركا هو الفرق بين كونه فى مكان واحد زمانا معينا، وعدم كونه فيه، وقول من قال إنه مقدار الحركة بحسب المتقدم والمتأخر، لأن الزمان يتجدد على الساكن كما يتجدد على المتحرك، ولأنه يمكن أن تشترك حركات كثيرة من متحركات كثيرة فى جهات مختلفة مسافات مختلفة مع الاشتراك فى زمان واحد، ولأن معرفته أسبق فى الذهن من معرفة الحركة والسكون ومن الشعور بهما، ولأنه كما يمكن تقدير الحركة بالزمان يمكن تقدير الزمان بالحركة. هذا كله مع اعتراف أبى البركات أن للزمان تعلقا بالحركة فى الذهن والاعتبار. وينكر أبو البركات قول من قال بأن الشعور بالزمان مبنى على الشعور بالحركة، ويرى أن هذا يمكن أن ينعكس، بحيث يقال إن من لم يشعر بزمان لا يشعر بحركة، بل يذهب أبو البركات إلى شئ يشبه ما ذهب إليه برجسون من أن الشعور بالزمان عند الإنسان الواعى ظاهرة نفسية أو حدسية تدركها النفس "بذاتها ومع ذاتها ووجودها قبل كل شئ تشعر به وتلحظه بذهنها"، وهذا الشعور يكون موجودا عند الإنسان، حتى عندما يكون ساكنا وادعا لا يدرك شيئا بالحواس ولا يشعر بحركة متحرك، فهو فى هذه الحالة يشعر بمضى الزمان ويقدر له ما يليق به من الحركات ويحدس الأوقات بتقديره للزمان. ثم يستند أبو البركات إلى شعور النفس الإنسانية بالزمان، وهو الشعور الذى تدركه إدراكا ذهنيا عقليا، كما يستند إلى ارتباط الوجود بمدته بحيث لا يمكن تصور الوجود من غير مدة له، وينتهى إلى أن الزمان يعرف معرفة عقلية وأنه هو "مقدار الوجود". فالوجود هو الذى يقدره وهو الذى يفصله، ولا يرتفع الزمان إلا بارتفاع الوجود، فالزمان بحسب المعرفة البديهية مدة تقارن الوجود وتقابله مقابلة موضوعية -صدقا وكذبا وتساوقه ما دام موجودا- وتتقدر به ساكنا كان أو متحركا، محسوسا كان أو غير محسوس، من غير أن تتوقف على حركة المتحرك أو
стр. 5244
سكون الساكن، لأن المعقول من الزمان، ما دام مرتبطا بالوجود فهو أسبق من كل معقول فى الذهن أو فى الواقع سوى معقول الوجود نفسه. ومن هذا الوجه لا يمكن أن يتصور العقل وجودا ليس له مدة ولا زمان، لا وجود خالق ولا وجود مخلوق وعلى هذا يكون الوجود كله فى الزمان. أما الذين قالوا إن وجود الخالق ليس فى الزمان فذلك فى نظر أبى البركات لأنهم اعتبروا أن الزمان مقدار الحركة. ولما كان الخالق لا يتحرك فهو عندهم ليس فى الزمان. على أنهم، قالوا إن وجود الخالق فى الدهر والسرمد، بمعنى البقاء الدائم الذى ليس معه حركة، فهم قد غيروا لفظ الزمان من غير تغيير فى المعنى، ومن البين أن الزمان فى رأى هذا الفيلسوف شئ واحد ثابت هو الدهر أو الدوام أو السرمد وشئ تتبدل فيه وبالنسبة إليه أحوال المتحركات وهو الزمان، لأن الزمان مدة الوجود، وهو مع ذلك ليس له عند أبى البركات "وجود مجرد وهوية قائمة بنفسها"، وهو أيضا ليس عرضا قارا فى الوجود، بل هو اعتبار ذهنى لما هو الأدوم وجودا إلى ما هو أقل دواما فى الوجود، ولما كان الزمان مدة الوجود بالمعنى المطلق فإنه كان موجودا قبل وجود هذا العالم الحادث، والقول بحدوث الزمان معناه فى رأى أبى البركات القول بحدوث الوجود. أما كيف يتصور أبو البركات هذا الزمان فهو عنده ليس جوهرا محسوسا ولا جوهرا قارا فى الوجود بل هو كم، لكنه ليس كما متصلا فى الوجود، لأن ما مضى منه قد انعدم وما سيأتى لم يوجد بعد، وهو وإن لم يكن متصلا فإن الوجود يفصله فصلا بعد فصل إلى ماض ومستقبل، وهو أيضا ليس كما منفصلا بل يعلو بعضه بعضا على الاتصال الذى لا وقفة فيه، فهو متصل فى ماهيته منفصل فى وجوده؛ وهو ليس كالحركة، لأن الحركة تختلف فى السرعة والبطء والمسافات والجهات، على حين أن الزمان ثابت، بل هو واحد لا اختلاف فيه إلا بالنسب والإضافات إلى ما فيه.
والزمان يلقى الوجود ويدخل فيه من طريق جزء غير متعين، بل مفروض
стр. 5245
اعتبارا، هو الآن السيّال الذى يشبه فى حركته خطا تخطه رأس إبرة دقيقة، فالخط نقطة متحركة، ولكن كل موضع فيه نقطة متوهمة، "واستمرار الزمان على الوجود كاستمرار خيط تجره على حد سيف بالعرض. . فكله يلقى حد السيف لكن لا يلقى منه إلا حدا بعد حد ونقطة بعد نقطة، ولا يقر على نقطة بل يتصل فى اجتيازه" ويمكن القول إن حد السيف لم يلق الخيط فى وقت من أوقات حركته، لأنه لم يلق إلا نقطة لأطول لها وليست خطا، ولكن أجزاء الخيط كله باستمرار سير الخيط تلقى السيف، لا شك فى ذلك؛ والسيف عند ذلك يقسم الخط دائما إلى سابق ولاحق، فالالتقاء بين الزمان والوجود التقاء غير مستقر. وليس الزمان آنات متتالية، بل هو أشبه بآن منجر على الاتصال، نتصور فيه النقط الزمانية افتراضا، ونتصور الزمان المتجدد المنقضى افتراضا أيضا.
ولا شك أن بعض هذا تمثيل وخيال؛ أما الصحيح فهو أن الامتداد عبارة عن بقاء الوجود الباقى عند من يتعقل معنى الوجود وبقاءه، والوجود الباقى يدركه العاقل، أزليا كان هذا العاقل أو فانيا، أما افتراض أمر وجودى منفصل عن الوجود يجتاز على الوجود فهو يؤدى إلى افتراض وجود له يجتاز عليه أمر وجودى آخر. وهذا يؤدى إلى تسلسل لا يمكن التخلص منه إلا إذا أدركنا أن البقاء شأن جوهرى للوجود الحق نميزه فى الاعتبار الذهنى، أما فى الحقيقة فإن بقاء الوجود هو عين الوجود. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن الوجود الحق فى زمان هو ظرف له، ولم يكن هناك شئ يجتاز عليه، ومن هذا الوجه لا يكون اللَّه فى الزمان، بل هو الموجود الواجب الباقى.
ويرى الفخر الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ هـ = ١٢٠٩ م، أن الزمان على معنيين، أحدهما أمر موجود خارج الذهن يطابق الحركة فى كونها بين مبدأ ونهاية، وثانيهما أمر متوهم لا وجود له فى الخارج، والموجود فى الخارج هو "الآن" الذى يفعل بسيلانه وجريانه أمرا ممتدا وهميا هو مقدار الحركة (١).
стр. 5246
وبعد هذا التطور تحددت المفهومات على نحو ثابت، ونجد خلاصة آراء المتقدمين وثمرة التطور السابق كله محددة فى كتب التعريفات عند المتأخرين كالجرجانى فى تعريفاته، والتهانوى فى الكشاف: فالدهر هو الآن الدائم الذى هو امتداد الحضرة الإلهية، وهو باطن الزمان وبه يتحدد، الأزل والأبد، والأزل استمرار الوجود فى أزمنة مقدرة غير متناهية فى جانب الماضى، كما أن الأبد استمرار الوجود فى أزمنة مقدرة غير متناهية فى جانب المستقبل؛ والأزلى ما لا يكون مسبوقا بالغير أو بالعدم؛ والسرمد ما لا أول له ولا آخر، ونسبة المتغير إلى المتغير بالمعية أو القبلية أو البعدية تعطينا معنى الزمان وتحتم وجوده من كلا جانبيه؛ ونسبة المتغير إلى الثابت تعطينا معنى الدهر للثابت والزمان للمتغير، وتحتم وجود الزمان من أحد جانبيه، ونسبه الثابت إلى الثابت من حيث وجودهما معا تعطينا معنى السرمد ولا تحتم وجود زمان لهما، وعلى هذا يكون الزمان للمتغير دون الثابت؛ والمتغير الذى يوجد دفعة واحدة إنما يوجد فى آن هو طرف الزمان، فلا يوجد إلا فى زمان؛ أما الأمور الثابتة التى لا تتغير تغيرا تدريجيا ولا دفعيا فهى مع الزمان ولكنها فى حد ذاتها مستغنية عنه. والمتأخرون يرفضون رأى أبى البركات فى الزمان، لا لأنه "مدة الوجود"، بل لأنه رأى أن وجود اللَّه تعالى فى الزمان. ولا خلاف بين الفلاسفة ولا بين المتكلمين فى أن اللَّه لا يجرى عليه زمان وإن كان وجوده قد يكون مع الزمان، لأن الأشياء الموجودة فى الزمان قد تكون موجودة مع وجود اللَّه، ولكن بين وجودها ووجوده تعالى فرق حاسم.
أما غير ذلك مما يتعلق بالزمان من نحو رأى أفلاطون أو الآراء التى ترجع إلى مذهبه، كالقول بأن الزمان جوهر مجرد عن المادة، أو أنه الفلك الأعظم، فكل ذلك لا يذكر عند الإسلاميين إلا كما يذكر الشئ التاريخى.
أما رأى المتكلمين فى معنى الزمان فقد رأينا شيئا منه عند المعتزلة، ومنه يتبين أنه ليس عندهم ذاتا ولا شيئا حقيقيا، بل هو اعتبارى بالنسبة
стр. 5247
للأعمال أو الأشياء. ولما كان المتكلمون جميعا يقولون بحدوث العالم -وهو عندهم كل ما سوى اللَّه- فهم جميعا يقولون بحدوث الزمان وتتاهيه من أوله تبعا لحدوث العالم، وعلى هذا الأساس أقاموا الدليل على وجود الخالق، واختلفوا فى ضرورة تناهى العالم وفنائه، فمنهم، مثل جهم بن صفوان، من قال بوجوب فنائه آخر الأمر ليبقى اللَّه وحده بعد فناء العالم، كما كان وحده قبل خلقه له؛ ومنهم، مثل أبى الهذيل العلاف، من قال بضرورة انتهاء حركة العالم إلى سكون دائم؛ ومنهم، مثل الإسكافى والنظام والكندى الفيلسوف والغزالى من جوز بقاء العالم والحركة والزمان بقاء مستمرا، لكن ما دام ذلك البقاء والاستمرار سيدخل فى دائرة الفعل فهو بالضرورة متناه، وإن كان من حيث القوة والإمكان يمكن أن يعتبر لا نهاية له (١). والمتكلمون بالجملة، تمشيا مع تصورهم الذرى للكون، ينكرون الكم المجرد سواء كان عددا (وهو الكم المنفصل) أو مقدرا أعنى امتدادا مكانيا (هو الكم المتصل غير القارّ الذى يعرض فى الجسم أو يكون فيه)، وهم قد انكروا الزمان أيضا (أى الكم المتصل غير القارّ) ولم يعتبروه موجودا حقيقيا بل أمرا عرضيا اعتباريًا موهوما؛ فالماضى قد انقضى ولا وجود له، والمستقبل لم يات بعد، فلا يبقى إلا الحاضر، فلو قيل بوجود زمان حاضر -هو الآن- لكان جزءًا لا يتجزأ مستقلا بذاته، وهذا ما لا يقول به الفلاسفة فضلا عن المتكلمين، ولو كان الزمان شيئا موجودًا -مع القول بأنه كم متصل غير قار- لتقدم بعض أجزائه على بعض، وهذا التقدم لا يكون إلا بالزمان، وهذا يؤدى إلى التسلسل. والأشاعرة يرون أن الزمان "متجدد معلوم يقدر به متجدد مبهم إزالة لإبهامه، وقد يتعاكس التقدير بين المتجددات، فيقدر تارة هذا بذاك وأخرى ذاك بهذا، وإنما يتعاكس بحسب ما هو متصور ومعلوم للمخاطب، فإذا قيل مثلا: متى جاء زيد؟ يقال: عند طلوع الشمس، إن كان المخاطب الذى هو السائل مستحضرا لطلوع الشمس ولم يكن مستحضرا لمجئ زيد كما دل عليه
стр. 5248
سؤاله، ثم إذا قال غيره: متى طلع الشمس؟ يقال: حين جاء زيد، لمن كان مستحضرًا لمجئ زيد دون طلوعها الذى سأل عنه، ولذلك. . اختلف الزمان بالنسبة إلى الأقوام، فيقدر كل واحد منهم المبهم بما هو معلوم عنده" (١).
ومن البين أن الأشاعرة -والمقصود هم الأشاعرة الأولون- لم يخرجوا عن تصور المعتزلة الأولين. ومن هذا القبيل رأى الطبرى محمد بن جرير المؤرخ المفسر المتكلم المتوفى سنة ٣١١ هـ = ٩٢٢ م، فهو يقدم لكتابه الكبير فى التاريخ بمقدمة عن الزمان فيقول إنه مخلوق، ويتناول بالبحث ماهيته وكميته، ويبحث مشكلة: هل كان قبل خلق اللَّه للزمان شئ؟ وهل الزمان فان؟ وهل بعد فنائه شئ غير اللَّه؟ وكيف كان ابتداء خلق اللَّه للزمان؟ وكيف يكون فناؤه .. إلخ. ولا يتسع المقام لذكر رأى الطبرى فى هذا كله، فلنكتف بذكر تعريفه له بأنه "ساعات الليل والنهار" وأن هذه مقادير من جرى الشمس والقمر فى الفلك، وأنه يطلق على الطويل من المدة والقصير ويستعمل ظرفًا، كما يقال: جئتك زمان الصرام. أو أزمان الحجاج، وأن الزمان حادث تبعًا لحدوث الشمس والقمر وحركتهما وحدوث الليل والنهار عنهما، وله بداية، أما ما جاء فى القرآن أو غيره من الكتب المقدسة من ذكر "أيام" قبل وجود الشمس والقمر فذلك عند الطبرى مجاز.
وإذا أردنا مفكرًا إسلاميًا من المغرب الإسلامى وجدنا ابن حزم القرطبى المتوفى ٤٥٦ هـ = ١٠٦٢ م يتمسك بمعنى الزمان، كما يتمسك بمعنى المكان، المعهود المعروف عند العقلاء، ويعرفه بأنه "مدة وجود الجرم متحركا أو ساكنًا" أو "مدة وجود العرض فى الجسم"، أو بعبارة أعم "مدة وجود الفلك وما فيه من الحوامل والمحمولات". ويستعمل ابن حزم كلمة زمان مرادفة لكلمة "مدة" و"أمد" و"بقاء". أما ما يسمى "بالزمان المطلق" (الدهر) أو "المكان المطلق" (الخلاء، من حيث إن كلا منهما "معنى ثابت قائم
стр. 5249
بنفسه موجود" ومستقل عن مدة وجود الأشياء المادية أو عن مكانها -وهذا عند ابن حزم هو مذهب المجوس ومذهب محمد بن زكريا الرازى الطبيب- فذلك عند ابن حزم شئ ليس عليه دليل ولا شبه دليل، وهو من قبيل الوساوس التى يستطيع أن يدعيها كل من لا يبالى ما يقول. ولا يتسع المقام لذكر أدلة ابن حزم على فسادها، ومهما يكن من شئ فالزمان عند ابن حزم حادث تبعا لحدوث ما هو مدة له (١).
وفى حدود هذه الفكرة العامة عن الزمان عند المتكلمين، أعنى إنكارهم حقيقة الزمان وجوهريته وقدمه تنوعت آراؤهم وتحددت وازدادت عمقا. وأول فكرة تستحق التسجيل هى فكرة الغزالى. يرى الغزالى (٢) أن الزمان حادث بحدوث العالم، وأن له، تبعًا لذلك، بداية، وأن تقدم اللَّه على العالم وعلى الزمان معناه أنه كان وحده قبل خلقه إياهما، وكلمة: كان، من قولنا: "كان اللَّه، ولم يكن معه عالم" ومن قولنا: بعد وجود العالم: "كان اللَّه ومعه العالم". وكذلك كلمة يكون من قولنا، بعد زوال العالم: "يكون اللَّه، ولا عالم معه"، كل هذه الكلمات لا تدل على وجود فى الزمان، بل على وجود اللَّه وحده، أو وجوده مع غيره، أما ما نتخيله من وجود معنى ثالث، هو الزمان، فهو فى رأى الغزالى من خطأ الوهم، وهو "نسبة لازمة بالإضافة إلينا"، والوهم لا يستطيع أن يتخيل وجودًا مبتدأ إلا ويتخيل شيئا قبله، هو الزمان، ولا يصح الاحتجاج فى إثباته بالاستناد إلى عجز الوهم. وكما أن العالم محدود متناه فى المكان، بحيث لا يوجد خارج العالم شئ، لا خلاء ولا ملاء، فكذلك لا يوجد قبل العالم ولا بعده زمان، وإذا كان قيام الدليل على تناهى العالم فى الامتداد وفى المكان يمنع من تصور امتداد خارج العالم، فكذلك قيام الدليل على تناهى الحركة من أولها ومن آخرها، وهو ما يثبته الغزالى، يمنع من القول بامتداد زمانى قبل خلق العالم، وان كان الوهم لا
стр. 5250
يرجع عن خطئه، ودليل الغزالى فى ذاته شيئا حقيقيًا يقوم على فكرة التوازى والتشابه بين المكان والحركة والزمان. وقد أراد بعض الباحثين أن يتخذ من رأى الغزالى فى الزمان دليلا على أنه يرى أن فكرة الزمان شئ ذهنى وذاتى محض، وأنها "نسبة محضة" ويعارضهم باحثون آخرون، والحقيقة أن فى رأى الغزالى قسطًا من المذهب الذاتى فيما يتعلق بالزمان بحيث لا يصح إنكاره (١).
وما دام كاتب المقال الذى نعلق عليه قد أشار إلى الوقت عند الصوفية إشارة موجزة لا يكاد القارئ يفهم منها شيئا، فلنضف إلى كلامه أن الصوفية قد يستعملون كلمة الوقت فى معنى الزمان استعمالا لا يخرج عما نعرفه عند المتكلمين، معتزلة وأشاعرة، فيعرفونه بأنه "حادث متوهم علق حصوله على حادث متحقق، فالحادث لتحقق وقت للحادث المتوهم؛ يقول: آتيك رأس الشهر، فالإتيان متوهم، ورأس الشهر حادث متحقق؛ فرأس الشهر وقت الاتيان". ولكن الصوفية يستعملون كلمة الوقت استعمالا اصطلاحيًا، فيعتبرونه الحال التى يكون الإنسان فيها، ويقصدون من ذلك إقامة اللَّه للعبد فى حال من أحواله. ويرتبط هذا المعنى عندهم بآداب السلوك وترك التدبير للَّه، والوقت بهذا المعنى "حال" فردى، فلكل إنسان وقت، وفى هذا الوقت يحدث اللَّه ما يشاء، ويجب على الإنسان أن يراعى الأدب مع اللَّه، فيوفى كل وقت حقه ولا يترقب وقتًا يكون فيه فارغًا من الوقت الذى هو فيه، لأن ترقبه لذلك يمنعه من القيام بحقوق وقته، بل هو إذا ورد عليه خاطر يشغله عن حكم وقته استوحش منه. ومن هنا ندرك معنى قول ابن عطاء اللَّه فى حكمه: "ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث فى الوقت غير ما أظهره اللَّه فيه وقوله: "ما من نفس تبديه إلا وله (للَّه) قدر فيك يمضيه"، وقول ابن عباد الرندى فى شرحه على هذه العبارة الأخيرة: "الأنفاس أزمنة دقيقة تتعاقب على العبد ما دام حيا، فكل نفس يبدو منه ظرف لقدر من أقدار الحق تعالى ينفذ فيه". ويقسم أبو العباس المرسى أوقات العبد أربعة أقسام: وقت
стр. 5251
الطاعة، وهو يقتضى من العبد أن يشهد فضل اللَّه عليه فى التوفيق؛ ووقت المعصية وهو يقتضى من العبد الاستغفار والندم؛ ووقت النعمة، وهو يقتضى منه الشكر؛ ووقت البلية، وهو يقتضى الصبر والرضا. وإذا قال الصوفية إن الصوفى ابن وقته أرادوا أنه فى حكم هذا الوقت، مشتغل بما هو أولى به فيه، وإذا قالوا: الصوفى فى حكم وقته، أرادوا أنه تارك نفسه لما يختاره اللَّه له. وأساس ذلك كله فيما يظهر حديث ينسب للنبى [ ﷺ ]: "لى مع اللَّه وقت لا يستغنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل".
وإذن فعلى حين كان الفلاسفة والمتكلمون يبحثون فى الزمان، فى كونه جوهرًا أو غير جوهر، أو كونه متناهيًا أو غير متناه، كان الصوفية، فى سلوكهم إلى اللَّه وموقفهم منه، يعنون بما يجب عليهم فى كل لحظة من لحظات تدبير اللَّه لنفوسهم (١).
محمد عبد الهادى أبو ريدة
الزمخشرى
أبو القاسم محمود بن عمر: عالم عربى فارسى المولد، ومتكلم وفقيه لغوى، ولد فى خوارزم فى السابع والعشرين من رجب عام ٤٦٧ (٨ مارس ١٠٧٥) ووفد على مكة فى أسفاره طلبا للعلم، وأقام فيها ردحا من الزمن حيث حضر على ابن وهاس، ومن ثم لقبه جار اللَّه ومع ذلك فلاشك فى أنه اشتهر فى الأدب قبل ذلك. ولما مر ببغداد فى طريقه إلى الحج رحب به الفقيه العلوى هبة اللَّه بن الشجرى. وكان الزمخشرى متكلما يؤمن بتعاليم المعتزلة. وكان أيضا فقيها لغويا يفضل العربية تفضيلا على الرغم من أصله الفارسى، ولا يستخدم لغته الأولى إلا فى تعليم المبتدئين. وتوفى فى خوارزم يوم عرفات سنة ٥٣٨ (١٤ يونية ١١٤٤) ,, وظل قبره قائما فيها إلى أيام ابن بطوطة، وقد استطاع هذا الرحالة أن يشاهده هناك (الرحلة، طبعة باريس، جـ ٣، ص ٦).
وأعظم مؤلفاته شأنا هو تفسيره للقرآن المعروف بالكشاف عن حقائق
стр. 5252
التنزيل الذى أتمه سنة ٥٢٨ هـ (١١٣٤ م)، وقد أقبل على قراءته أهل السنة على الرغم من تحيزه للمعتزلة، وشاهد ذلك أنه يقول بخلق القرآن فى مطلع هذا التفسير. وهو يهتم اهتماما خاصا بتفسير العقيدة تفسيرا فلسفيًا، ولا يحفل بالتقليد إلا احتفالا ضئيلا، ولا يقتصر على الشرح النحوى فحسب بل يعنى أيضا عناية كبيرة بإبراز مواطن البلاغة، فأثبت بذلك أنه يؤيد القول بإعجاز القرآن. وقد التفت الزمخشرى التفاتا خاصا إلى الناحية اللغوية من تفسيره، وهو يسهب فى الاستشهاد بالقراءات ويعزز شروحه بأبيات كثيرة من شعر القدماء. وظل تفسير الزمخشرى محتفظا بمكانته بين آثار الكتاب حتى جاء البيضاوى فكتب تفسيره ليكون نظيرا لتفسير الزمخشرى عند أهل السنة، وحاول فيه أن يبز الزمخشرى فى دقة عرضه للشروح النحوية وفى استشهاده بالقراءات المختلفة. وكان رأى الزمخشرى فى العقائد يعارض المالكية فى المغرب، بيد أن ابن خلدون يفضله كثيرًا على سائر المفسرين. ومع ذلك فليس بعجيب أن نرى مخطوطات تفسيره أندر فى المغرب منها فى المشرق. وقد أصدر نساو ليس W. Nassau Lees والمولويان خادم حسين وعبد الحى (كلكتة ١٨٥٦ م فى مجلدين) أول طبعة لتفسير الزمخشرى وتلتها طبعة بولاق ١٢٩١ هـ، وطبعات القاهرة ١٣٠٧، ١٣٠٨، ١٣١٨ هـ. ونضيف إلى الحواشى الخمس عشرة التى ذكرها بروكلمان (Brockelmann: Gesch. d. Arab. Lit جـ ١، ص ٢٠٩) والتى طبع منها حاشية على الجرجانى المتوفى عام ٨١٦ هـ (١٤١٣ م) على هامش طبعتى القاهرة سنة ١٣٠٨ م وسنة ١٣١٨ هـ (ونصرف النظر فى هذا المقام عما جاء فى فهارس مكتبة استانبول من أقوال غير محققة) الحواشى التى كتبها محمد الدوّانى المتوفى عام ٩٠٧ هـ الموافق ١٥٠١ م (موجودة فى الإسكوريال انظر Les Mss. ar. L'Escurial: Levi-Provencal، جـ ٣، رقم ١٣٨٣) على مقدمة محمد الفيروز آبادى (المتوفى عام ٨١٧ هـ = ١٤١٤ م) المعروفة باسم "نغبة الكشاف من خطبة الكشاف" وحواشى
стр. 5253
الحواشى التى كتبها الخيالى المتوفى عام ٨٦٣ هـ (١٤٥٨ م) على حواشى الجاربردى (مخطوطات الإسكوريال، رقم ٤) وهى موجودة فى كمبردج (Suppl. Handlist: Browne رقم ١٠٣٧). أما بخصوص شواهد الآيات، فلدينا الآن علاوة على محب الدين بن تقى الدين المفتى الحموى المتوفى عام ١٠١٦ هـ (١٦٠٨ م) كتاب الدمشقى "تنزيل الآيات " الذى ألفه عام ١٠١١ هـ (١٦٠٢ م)، بولاق ١٢٨١ هـ، القاهرة ١٣٠٧، ١٣٠٨ على هامش الكشاف المطبوع عام ١٣١٨، وكتاب آخر يتناول فى الوقت نفسه البيضاوى كتبه خضر ابن عطاء اللَّه بعنوان "الإسعاف فى شرح شواهد القاضى والكشاف" عام ٩٧٤ هـ (١٥٦٦ م)، وهو موجود ضمن مخطوطات إدنبره (رقم ٢ - ٣). ونضيف إلى مختصرات الكشاف التى ذكرها بروكلمان (Brockelmann Gasch.d. Arab. Lit): " تجريد الكشاف مع زيادة نكت لطاف" لجمال الدين على ابن محمد بن أبى القاسم بن الهادى إلى الحق بن رسول اللَّه الزيدى الذى كتبه عام ٩٧٥ هـ (١٣٩٣ م) فى صنعاء، وهو موجود فى المتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية رقم ٥٧٥٢ (انظر Descriptive List رقم ٤) وفى أمبروزيانا (Criffini) رقم ٣٠٤، ١٠٤ و"الجوهر الشفاف الملتقط من مغاصة الكشاف" لعبد اللَّه بن الهادى بن يحيى بن حمزة بن رسول اللَّه الذى كتبه حوالى عام ٨١٠ هـ (١٤٠٧) وهو موجود فى أمبروزيانا، رقم ٤٧، ٤٨، ٩٩ (Rivista degli Studi Orientall، جـ ٤، ص ١٠٥) و"خلاصة الكشاف" لأبى الطيب بن صديق القنوجى نائب بهوبال المتوفى عام ١٣٠٧ هـ (١٨٩٠ م)، لكنهؤ ١٢٨٩ هـ. وثمة مختصر آخر يعارض "كتاب الانتصاف من الكشاف" لأحمد ابن محمد المنير المالكى المتوفى عام ٦٨٣ هـ (١٢٨٤) , المطبوع فى القاهرة ١٣٠٧، ١٣٠٨ هـ، على هامش الكشاف، والذى يحمل فيه أحمد على الكشاف، وهذا المختصر هو "الإنصاف" لعبد الكريم بن على العراقى الأنصارى، وهو موجود فى الإسكوريال (انظر فهرس ليفى يروفنسال) رقم ١٢٧٨، وفى استانبول، وفى مكتبة سليم أغا، رقم ٣٤.
стр. 5254
وللزمخشرى مؤلف آخر هو "كتاب الكشف فى القراءات" لم يذكر فيما أعلم فى غير هذا الموضع، وقد جاء فى مجلة المجتمع العلمى بدمشق (جـ ٨، ص ٧٥٨) أنه موجود فى مكتبة رباط سيدنا عثمان فى المدينة.
أما عن كتبه فى النحو، فإن المفصل الذى ألف عام ٥١٣ - ٥١٥ هـ (١١١٩ - ١١٢١ م) قد اشتهر بأنه على إيجازه مسهب واضح. وقد نشره (بروخ J.B.Broch كرستيانيا ١٨٥٩، ١٨٧٩)، ونشره مع حواش وذيول مولوى محمد يعقوب راسبورى، دهلى ١٨٩١، وحمزة فتح اللَّه، الإسكندرية ١٢٩١، القاهرة ١٣٢٣، ونشره مع شرح الشواهد محمد بدر الدين أبو فراس النعسانى الحلبى. ونضيف إلى الشروح التى ذكرها بروكلمان فى كتابه المعروف (جـ ١، ص ٢٩١) وأشهرها شرح ابن يعيش المتوفى ٦٤٣ هـ (١٢٤٥ م) الذى نشره يان (G.Yahn لييسك ١٨٨٢، فى مجلدين):
(١) "المحصل" لأبى البقاء عبد اللَّه ابن أبى عبد اللَّه حسين العكبرى المتوفى عام ٦١٦ هـ (١٢١٩ م)، الفهرست، الطبعة الثانية، القاهرة، جـ ٢، ص ١٥٧.
(٢) "المفضّل" لعبد الواحد بن على الأنصارى، وهو موجود فى الإسكوريال (Derenbrurg، رقم ١٦).
(٣) "المحصل" لمحمد بن سعد المرزوى (حاجى خليفة، جـ ٦، ص ٣٨، ٤٣) بريل هوتسما، رقم ١٣٤.
(٤) "ذكر معانى أبنية الأسماء الموجودة فى المفصل" لابن مالك المتوفى عام ٦٧٣ هـ (١٢٧٣ م) وهو موجود فى دمشق، الزيات: خزائن الكتب، ص ٦٤، ٥٥.
(٥) شرح الآيات لفخر الدين الخوارزمى (الزيات: خزائن الكتب، ص ٨٦، س ٣٤).
(٦) شرحا لمحمد بن محمد فخر الفرسخان (المتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية رقم ٧٤٧٢؛ Descriptive List، رقم ٥٠).
(٧) "المؤول فى شرح المفصل" لمحمد عبد الغنى، كلكتة ١٣٢٢ هـ (١٩٠٤ م).
стр. 5255
(٨) شرحا لعبد اللَّه العمادى، لكنهؤ ١٣٢٣ هـ.
(٩) شرحا لأبى القاسم أحمد الأندلسى، استانبول، مكتبة سليم أغا، رقم ١١٥٧. وقد كتب أحمد بن بهرام ابن محمود سنة ٦٧٠ هـ (١٢٧١) كتابا قلد فيه المفصل وسماه بالاسم نفسه، وهذا الكتاب مخطوط فى المتحف البريطانى (انظر Oriental Studies prsented to E. G. Browne ص ١٤٨، رقم ٨٢٦).
وللزمخشرى رسالة فى النحو اسمها "المفرد والمؤلف فى النحو" لم تنل حظا كبيرا من الرواج والانتشار، ولم نعرف بها إلا من مخطوطى استانبول (كويريللى، ١٣٩٣) ولا له على (رقم ٣٧٤٠؛ انظر Rescher في Metteilungen des Sem. fur oriental. Sprachen Westasiat Studien، جـ ١٤، ص ٣١)، وله علاوة على ذلك كتيب اسمه "الأنموذج" أصاب شهرة عظيمة (انظر grmmatical Anthologie: de Sacy ص ٩٩ ما بعدها؛ A. Fischer فى Centenario d.nasc. di M. Amari، جـ ١، ص ٣٥٧ - ٣٩٣؛ وقد نسخه بخطه بروخ Broch، كريستيانيا ١٨٦٧ وطبع فى طهران (؟ ) ١٢٦٩ هـ، وتبريز (؟ ) ١٢٧٥ هـ والقاهرة ١٢٨٩ هـ، واستانبول ١٢٩٩ هـ (ملحقا بالميدانى: نزهة الصرف) وفى "جامع المقدمات، طهران ٨٨٤ م). ومن أشهر شروح هذا الكتيب شروح محمد بن عبد الغني الأردبيلى الذى لا نعرف تاريخ وفاته (ونحن نجزم بأنها لم تحدث سنة ٦٤٧ كما جاء فى الفهرست، القاهرة، الطبعة الثانية، جـ ٢، ص ١٢٣، ذلك أنه ليس ثمة مخطوط نعرفه قبل عام ١٠٠٠ هـ) وقد طبع هذا الشرح فى بولاق سنة ١٢٦٩ هـ، وفى مجموعة فارسية سنة ١٢٧٩ هـ، على هامش الكتيب الأصلى، قازان ١٩٠١. ويمكننا الآن أن نضيف إلى شرح سعد الدين البردعى (انظر عن مخطوطاته Borockelmann: Gesch. d. Arab. Litt. جـ ١، ص ٢٩١) شرح تلميذه ضياء الدين الموسكى (المتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية، رقم ٦٢٦٠) والشرحين الحديثين: الفيروزج فى شرح الأنموذج" لمحمد عيسي عسكر، القاهرة ١٢٨٩ هـ؛ و"عمدة السارى"