انظر. M.S.O.S جـ ٣١، قسم ٢، سنة ١٩٢٨، ص ١٦٩، وترجمها إلى الألمانية Widmer الكتاب المذكور، ص ١٠: ١٢) والقصيدة الفريدة فى بابها التى نظمها بعنوان "تنويما لطفلتها" (الديوان، ص ١٤) وقصيدة "على قبر ابنتها" (الديوان، ص ٧٧ - ٧٩). على أن الزهاوى لم يصب مثل هذا النجاح فى المحاولات التى بذلها لتبسيط نظرياته العلمية الأصيلة بعرضها فى قالب شعرى (مثال ذلك أشعاره عن قوى الجاذبية والتنافر: الديوان، ص ١٤٢ - ١٤٣، أو عن شأن الأثير فى خلق العالم: الرباعيات، ص ١٩٠، رقم ٢٥١ إلى غير ذلك). ولم يكن الزهاوى شاعرًا فحسب بل كان أيضًا عالمًا وفيلسوفًا، فهو أستاذ فى العلوم الإسلامية المأثورة. وشاهد ذلك مساجلاته والموضوعات المختلفة التى كان يعلّمها. وقد تعمق أيضا فى دراسة العلوم الطبيعية، وبسط كثيرًا من النظريات المشهورة، مثل نظرية الكهرباء وقوة التنافر (وهى النظرية العامة المقابلة لنظرية الجاذبية). وغير ذلك. وقد أيد هذه النظريات بقوة فى كثير من المقالات المتفرقة وفى ثلاث مجموعات: كتاب الكائنات (القاهرة سنة ١٨٩٦) الجاذبية وتعليلها (بغداد سنة ١٣٢٦ هـ = سنة ١٩١٠؛ انظر L. Massignon في R.M.M جـ ١٢، سنة ١٩١٠، ص ٥٦٧ - ٥٧٠) المجمل مما أرى (القاهرة سنة ١٩٢٤، انظر RM .M، جـ ٦٢، سنة ١٩٢٥، ص ٢٠٩ - ٢١٠، وكان المؤلف فخورًا بالكتاب الأخير خاصة، انظر Widmer: كتابه المذكور ص ٧، ١٨) وتقوم نظرياته على التأمل وليس على التجربة. وقد قوبلت هذه النظريات بفتور، بل إن البيئات العلمية العربية قد رمتها بالخطأ (مثال ذلك مجلة المقتطف). وكتب الزهاوى علاوة على ما ذكرنا فى موضوعات أخرى مثال ذلك الخيل وسباقها (١٨٩٦) والشطرنج (مجموعة كبيرة لم تنشر بعد: أشراك الداما، انظر بطى: سحر الشعر، ص ١٣، الأدب العصرى، ص ١٦) إلخ. ويجب أن ننوه فى هذا المقام بأن شهرة الزهاوى لا تعتمد على كتابته فى هذه الموضوعات، وإنما هى تعتمد على تبريزه فى الشعر. ولا شك فى أنه يعد كاتبًا من الطبقة الأولى فى الأدب العربى الحديث. والزهاوى مشهور أيضًا بشعره الفارسى، ذلك أن تضلعه
стр. 5287
فى هذه اللغة أتاح له أن يترجم مختارات من رباعيات عمر الخيام (رباعيات الخيام، بغداد سنة ١٩٢٨، ولقد تم إعداد النص الفارسى لمائة وثلاثين رباعية مع ترجمتها النثرية والشعرية فى عام ١٩٢٥، انظر G.Kampffmeyer فى M. S. O. S جـ ٣١، قسم ٢، سنة ١٩٢٨، ص ٢١٠ - ٢١١، و F. Krenkow في مجلة الجمعية الأسيوية الملكية، سنة ١٩٢٩، ص ١٧٣ - ١٧٤). ولسوف يذكر بعض العلماء الأوربيين كيف تجلى الزهاوى فى أعياد ذكرى الفردوسى التى أقيمت فى طهران عام ١٩٣٤، فقد قوبلت قصائده التى نظمها بالعربية والفارسية، وأهداها لذكرى هذا الشاعر، باستحسان كبير من أولئك الذين استمعوا إليه من الفرس.
المصادر:
تجد فى أقوال الزهاوى مادة على جانب كبير من الدقة تصلح فى الترجمة له.
(١) انظر ترجمته لحياته فى رباعيات الزهاوى، بيروت سنة ١٩٢٨، صفحة ميم - خاء فى R.A.A.D. جـ ٨، سنة ١٩٢٨، ص ٢٩٢ - ٢٩٨ (وسيرته حتى عام ١٩٣٢ فى ترجمات ألمانية لمقتطفات من خطابات الزهاوى) فى G. Widmer: كتابه المذكور، ص ٢ - ١٣. وقد قام الزهاوى أكثر من مرة بشرح آرائه عن أصول الشعر.
(٢) محاضرة فى الشعر، فى بطى: سحر الشعر، القاهرة سنة ١٩٢٢, ص ١٧ - ٨٣.
(٣) نزعتى فى الشعر، فى ديوان الزهاوى، القاهرة ٢٤ صفحة ألف - زاى.
(٤) كلمة فى الشعر، فى اللباب، بغداد سنة ١٩٢٨ صفحة ألف - دال (والترجمة الألمانية بقلم G. Kampffmeyer فى M.S.O.S جـ ٣١، قسم ٢، ص ٢٠٧ - ٢١٠ = G.Widmer كتابه المذكور، ص ١٤ - ١٧) ونذكر بصفة خاصة من بين المصادر العربية عنه والتى تحوى كثيرا من المقالات المتفرقة التى لا يسهل الحصول عليها مقالين لبطى هما: سحر الشعر، القاهرة سنة ١٩٢٣، ص ٤ - ٨٣، الأدب العصرى
стр. 5288
فى العراق العربى، جـ ١، القاهرة سنة ١٩٢٣، ص ٥ - ٦٦ (وانظر عنهما. A Schaade فيما يلى).
(٥) الريحانى: ملوك العرب، جـ ٢، بيروت سنة ١٩٢٥، ص ٣٨١ - ٣٧٧ [L,Cheikho: تاريخ الآداب العربية فى الربع الأول من القرن العشرين، بيروت سنة ١٩٢٦, ص ١٨٤ لا يذكر إلا كتابه: الكلم المنظوم مع تعليق يفند فيه ما اتهم به من زندقة].
(٦) Dictionnaire encyclopedique de bibliographie arabe: J.E.Sarkis. القاهرة سنة ١٩٢٩، ص ٩٧٨ - ٩٧٩ لا يذكر إلا كتبه المطبوعة حتى عام ١٩١٩. وانظر المصادر الأوربية القليلة الواردة فى G,Kampffineyer, الفهرس في M.S.O.S, جـ ٣١، قسم ٢ (١٩٢٨) ص ٢٠٥.
(٧) A. Moderne Regungen in der inakischen kunstdichtung der Gegenwart: Schaade فى O.L.Z. جـ ٢٤، سنة ١٩٢٦، عمود ٨٦٥ - ٨٧٢ وخاصة كتاب Ubertragungen aus der neu-arabischen Literatur II. Der iraquische Dichter Gamil Sidqui az-Zahawi aus Baghdad. Antorisierte Ubersetzung mit eimer Einteilung uber den Schriftstellerand zmei Bildnissen von ihm: Widmer برلين سنة ١٩٣٥ (= و W.I جـ ١٧، قسم ١ - ٢، سنة ١٩٣٥) وكثيرا ما استشهد به فيما سبق.
(٨) المؤلف نفسه: Djamil Sidqui azZahowi Ein islamischer Modernist, in Ziitschrift fur Missionskunde und Religionswissen- schaft جـ ٦٩ سنة ١٩٣٤، ص ٣٥٣ - ٣٦١ (وانظر عن ذلك W.I جـ ١٧، سنة ١٩٣٥ ص ١٣٠ وما بعدها).
الشنتناوى [كراتشكوفسكي Ign, Kratschkowsky]
زهد
مصطلح فى التصوف الإسلامى، وهو صفة الزاهد (الجمع زاهدون وزهاد، والزهد الكف: أولا عن المعصية وعما زاد عن الحاجة، وترك ما يشغل عن اللَّه (وهذا أقصى ما يقرّ به الحنابلة) ثم الكف عن أمور الدنيا جميعًا بتخلية القلب (وهنا ندخل فى الصوفية) والتقشف التام وترك كل ما هو مخلوق، ومن ثم فإن المصطلح زهد،
стр. 5289
إذ يحل محل "نسك" المرادف له فى النصوص القديمة، يدل بوضوح على معنى أوسع من القناعة (والقناعة هى الاعتدال وقمع شهوات النفس)، بل أوسع من الورع أيضًا، وهو الكف عن المحارم والتحرج منها (والورع من صفات الحنابلة). ويقول المصرى فى ترتيبه للأحوال إن الورع يؤدى إلى الزهد، وقد وضع الغزالى الزهد بعد الفقر وقبل التوكل.
واتسعت فكرة الزهد من عهد الحسن البصرى إلى عهد الدارانى، ثم استقرت فيما بين القرنين الثانى والثالث: فأضحى الترك غير مقتصر على اللباس والمسكن والطعام الشهى بل شمل أيضًا النكاح (الدارانى)، ثم نشأت فكرة محاسبة النفس التى توسع فيها المحاسبى (والملامتية) فأصبح التعويل على زهد النفس بترك الأغراض والشهوات مما يؤدى إلى فكرة التوكل.
وقد ساق ابن الجوزى أمثلة على الزهد استمدها من سير أشهر الصوفية فى لغة ساخرة مرة. وذكر ابن عباد الرندى الشاذلى طائفة من الحالات على نية المتقشف اختارها بعناية. أما فيما يختص بالعلاقة بين شعائر التقشف فى مختلف الديانات والعقائد فانظر L.Essai sur les origines du lexique technique: Massignon , باريس ١٩٢٢، ص ٤٥ - ٨٠.
المصادر:
(١) المكى: قوت القلوب، جـ ١، ص ٢٤٢ - ٢٧١.
(٢) الخرجوشى: تهذيب، مخطوط، برلين، رقم ٢٨١٩، الورقة ٥٣ (ب).
(٣) القشيرى: الرسالة، ص ٦٧ (Darstellung: Hartmann, تحت هذه الكلمة).
(٤) الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة Nicholson الفهرست تحت هذه الكلمة.
(٥) الغزالى: إحياء علوم الدين، طبعة ١٣٢٢، جـ ٤، ص ١٥٤ - ١٧١ (تلخيص Asin Palacios فى M F.O جـ ٧ [١٩١٤]، ص ٨٢ - ٨٤ و Tscheuscjner: Gazat Ees Lehre von der Askese, ١٩٣٣).
стр. 5290
(٦) ابن الجوزى: تلبيس إبليس، طبعة ١٣٤٠، ص ٣١٢ - ٣١٥ (الدارانى)، وص ٣٧٤ - ٣٨٨.
(٧) ابن عربى: الفتوحات المكية، جـ ٣، ص ١٩٧.
(٨) ابن عباد الرندى: رسائل، مطبوعة على الحجر بفاس (حللها Asin Palacios فى Etudes Carmelitaioines، أبريل ١٩٣٢ - ص ١١٣ - ١٦٧ وفى "الأندلس"، مدريد، جـ ١، ١٩٣٣، ص ٧ - ٧٩)؛ وانظر خاصة ص ١٢٢.
(٩) Recueil de textes inedits: L.Massignon، ص ١٤٦ - ١٤٨ وص ١٧ (عن المصرى).
صبحى [ماسينيون Loui Massignon]
الزهرى
محمد بن مسلم بن عبد اللَّه بن شهاب، ويكنى يأبى شهاب: محدث مشهور ولد فيما يرجح سنة ٥٠ هـ (٦٧٠ م) أو ٥١ هـ (وفى روايات أخرى سنة ٥٦ و ٥٧ و ٥٨ هـ)، وترجع نسبته إلى كونه من عشيرة زهرة المكية. وقد شهد جده بدرًا وقاتل النبى ﷺ فى صفوف قريش، وأصابه بجرح فى وقعة أحد. وكان أبوه مع عبد اللَّه بن الزبير، ولكن ابنه تصالح مع بنى أمية. وأدى الزهرى فروض الولاء لمروان المتوفى عام ٦٥ هـ الموافق ٦٨٤ م (ابن حجر: التهذيب، جـ ٩، ص ٤٤٥) وهو بعد فى ريّق الشباب، ثم شخص إلى بلاط عبد الملك؛ وربما كان ذلك قبل سنة ٧٣ هـ (٦٩٢ م)، لأن اليعقوبى (جـ ٢، ص ٣١٣) يقول إن عبد الملك أجاب أهل الورع الذين احتجوا على منعه الحج إلى مكة: "هذا ابن شهاب الزهرى يحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ قال "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد". والحق أن هذا الحديث المنسوب إلى النبى ﷺ والذى جاء فيه أن الحج يكون إلى المسجد الحرام ومسجد النبى فى المدينة ومسجد بيت المقدس، (وقد جمع بين هذه المساجد الثلاثة) قد ورد فى كتب الحديث الصحاح بإسناد الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة (انظر البخارى: فضل الصلاة فى مسجد مكة، باب ١؛ أبى داود: المناسك باب ٩٤؛ النسائى: المساجد، باب ١٠؛ أحمد بن
стр. 5291
حنبل جـ ٣، ص ٣٢٤ وفى مواضع أخرى) ولكنه ورد في أحاديث أخرى بإسناد آخر لم يذكر فيه اسم الزهرى (مثل الترمذى: مواقيت باب ١٢٦؛ ابن ماجة: الإقامة، باب ١٩٦ أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ٧، ٣٤، ٤٥، ٥١، ٦٤، وفى مواضع أخرى) وقد فسر شيخ الزهرى سعيد بن المسيب، وهو الذى روى عنه الزهرى هذا الحديث، حلما رآه عبد اللَّه بن الزبير فقال إنه ينبئ بفوز عبد اللَّه المبين. ويذكر ناقل الخبر فى ابن سعد (جـ ٥، ص ٩١ س ١٠ وما بعدها) كيف خف إلى دمشق ليحوز رضاء عبد الملك بإبلاغه نبأ هذا الحلم، ويصح لنا أن نفترض أن الزهرى شخص إلى دمشق تحدوه آمال من هذا القبيل ليروى لعبد الملك ذلك الحديث المؤيد لدعوته باسم شيخه. وإذا كانت رواية اليعقوبى جديرة بالتصديق حقًا فإن الزهرى يكون قد حمل الحديث إلى دمشق فى سنة ٧٣ هـ (٦٩٢ م) على أكثر تقدير، وهى السنة التى سقط فيها الخليفة الذى كان يناهض عبد الملك، وتكون سنه آنئذ لا تتجاوز الثالثة والعشرين. وإقامة الزهرى هذه فى دمشق، إذا صح أن لها سندا من التأريخ على الإطلاق، لابد أنها كانت إقامة موقوتة. ذلك أن استقراره فى دمشق إنما حدث فى سنة متأخرة عن ذلك كثيرًا. فقد بلغها فى وقت كان ابن الأشعث قد شق فيه عصا الطاعة (البخارى: تاريخ، ص ٩٣) أى فى سنة ٨١ هـ الموافقة ٧٠٠ م) Wellhausen: Das Arab. Reich، ص ١٤٥، وما بعدها) وكان قد ترك المدينة فى أشد حالات الفقر -وقدمه إلى الخليفة قبيصة بن ذؤيب حامل خاتم عبد الملك. ويقال إن عبد الملك سأل ابن المسيب عن الزهرى- ويلاحظ هنا أن رواية اليعقوبى لو كانت صحيحة لكان عبد الملك يعرف الزهرى منذ وقت طويل -ثم سدد ديونه وأجرى عليه معاشًا دائمًا. وكان الزهرى يدين بالفضل خاصة لحفيد من أحفاد على يدعى على ابن الحسين، ذلك أن عليا هذا قد أراح ضميره من وزر تسببه فى قتل شخص بإهماله (ابن سعد، جـ ٥، ص ١٥٨، الطبرى، جـ ٣، ص ٢٤٧٨). ولعل إحساسه بالدين الذى فى عنقه لهذا العلوى هو الذى شد من أزره عندما
стр. 5292
أراد الخليفة (الذى يقول بعضهم إنه الوليد الأول، ويقول آخرون إنه هشام) أن ينتزع منه القول بأن صاحب حديث الإفك المجهول فى قصة عائشة التى أشارت لها الآية ١١ من سورة النور هو على. وأصر الزهرى على أن الرجل الذى تشير إليه هذه الآية هو عبد اللَّه بن أبى. والظاهر أن زيارة الزهرى للخليفة الوليد الأول فى شأن ابن عمه (البخارى تاريخ، ص ١٠٤) قد أثارت قصة غرامية نسبت هذا الحادث إلى أيام الخليفة هشام (الفهرست، ص ٣٠٧، س ٢١). وولاه الخليفة يزيد الثانى (١٠١ - ١٠٥ م) القضاء. وقد أثبت له الزهرى أيضا أنه ذو بصر بالشعر (كتاب الأغانى، جـ ٤ ص ٤٨). ووكل إليه خليفته هشام (١٠٥ - ١٢٥ م) تأديب أولاده. واتفق فى حديث له معه أن بدر منه كلام فى حق الأمير الوليد بن يزيد الذى ولى الخلافة من بعد، فلما بويع الوليد استقر رأى الزهرى على مغادرة البلاد، فقد اتصل بعلمه أن بعض الناس كان قد نقل كلامه إلى الأمير. على أن الزهرى أدركته المنية قبل هذا سنة ١٢٤ هـ فى ضيعته أدامى بالقرب من سَغْب، وكانت هذه الضيعة بعض ما أنعم به عليه الخلفاء الذين أظلوه برعايتهم. وقد جرى الزهرى، حتى بعد أن انتقل إلى دمشق، على أن يزور مسقط رأسه زيارات طويلة. فقد كان فى الحجاز فى تاريخ متأخر يرجع إلى سنة ١١٩ هـ الموافقة ٧٣٧ م (الطبرى، جـ ٢، ص ١٦٣٥).
وقد جمع الزهرى حشدًا عظيمًا من الأحاديث بفضل ما أبداه من همة لا تكل فى تقصيها لدى الشبان والشيب، والرجال والنساء، شريفهم وحقيرهم. ولم يكتف الزهرى ببذل الجهد فى توطيد دعائم السنة النبوية فحسب، بل وطد أيضًا سنة صحابة النبى ﷺ . وقد وصف بعضهم الزهرى فقال إنه أول من دون الحديث ولكنه إنما فعل ذلك نزولا على إرادة الأمراء الذين كانوا يشملونه برعايتهم، وشاهد ذلك أنه قال فيما رواه تلميذه معمر عنه "كنا نكره كتابَ (*) العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء". وكان شيوخ الزهرى يلوذون
стр. 5293
بالصمت لا يستطيع أحد أن يحملهم على الكلام إلا بمشقة، أما الزهرى فكان يخالفهم فى ذلك لا يضن بعلمه أبدًا على الناس. ولم يقف الزهرى عند هذا الحد، بل كان يسمح لمستمعيه الذين يدونون عنه الحديث أن يذيعوه دون أن يراجع ما دونوه. ونخص بالذكر من شيوخه عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب. وقد لزم الزهرى ابن المسيب عشر سنين لا يفارقه قط (ابن سعد جـ ٢، قسم ٢، ص ١٣٥). وأضاف الزهرى علمه إلى علم شيوخه، ومن ثم عدته الأجيال المتأخرة أعلم أهل الحديث. ومن ذلك قول مكحول "أى رجل هو لولا أنه أفسد ففسه بصحبة الملوك". ولم تقتصر مواهب الزهرى على رواية الحديث، فقد كان إلى ذلك عارفا بالتاريخ وبصيرًا بالشعر (انظر ما أسلفنا بيانه، وانظر أيضًا Bio-graphieen: Fischer ص ٧١). والزهرى أيضًا من أئمة رواة السيرة، وكان شيخ شيوخ ابن إسحق. ويدين له ابن إسحق والواقدى وابن سعد والطبرى بكثير من علمهم ويروى عنه الطبرى كثيرًا فى كلامه عن حوادث العقدين الأولين من السنوات التى تلت عصر النبوة. وتذكر بعض المصادر القديمة أنه ألف كتابًا واحدًا هو "كتاب نسب قومه". وحاجى خليفط هو أول من نسب له "كتاب المغازى". على أنه من الواضح أن الزهرى انصرف إلى جمع الحديث، ولم يكتب كتابًا منتظمًا كما فعل تلميذه ابن إسحق. والزهرى فى كثير من الأحيان يذكر إسناده فى الآثار التى تردُّ إليه، ولكنه كان فى أحيان كثيرة يغفل سنده. على أنه كان إذا استقى من عدة رواة حديثًا ورأى أن كل هؤلاء الرواة يتفقون فى جوهر الحديث، لم يفصَّل كل رواية على حدة بل يدمجها جميعًا ويذكر أسانيده كلها. وتعد هذه الطريقة أول محاولة متواضعة بذلت فى رواية الحديث بأسلوب مبتكر.
المصادر:
(١) ابن هشام، فى مواضع مختلفة.
(٢) ابن قتيبة: كتاب المعارف، ص ٢٣٩.
(٣) الواقدى، ترجمة Welhausen الفهرست، تحت هذه الكلمة.
стр. 5294
(٤) ابن سعد، جـ ٢، قسم ٢، ص ١٣٥ وما بعدها؛ جـ ٧، قسم ٢، ص ١٥٧.
(٥) الطبرى الفهرست، تحت هذه الكلمة.
(٦) البخارى: تأريخ، ص ٩٣، ص ١٠٤، ص ١٤٤.
(٧) Biographieen von Oewdhrs, mannern des Ibn Ishak: Fischer، ص ٦٤ وما بعدها.
(٨) المؤلف نفسه: فى Z.D.M.G. جـ ٤٤، ص ٤٢٨ وما بعدها.
(٩) ابن خلكان (بولاق) جـ ١، ص ٥٧١ وما بعدها.
(١٠) كتاب الأغانى، جـ ٤، ص ٤٨ وما بعدها؛ جـ ٦، ص ١٠٣؛ جـ ٨، ص ٨٩ وما بعدها.
(١١) النووى: تهذيب؛ طبعة Wustenfeld ص ١١٧.
(١٢) ابن حجر العسقلانى: تهذيب التهذيب، جـ ٩، ص ٤٤٥ وما بعدها.
(١٣) Muh. Studien: Goldziher، جـ ٢، ص ٣٥ وما بعدها و ١٩٦ و ٢١٠.
(١٤) المؤلف نفسه فى Z.D.M.G جـ ٥٠، ص ٤٧٤.
(١٥) Sachau فى مقدمته لابن سعد، جـ ٣، قسم ١ و ٣ و ١٩.
(١٦) المؤلف نفسه فى M.S.O.S. As جـ ٧، ص ١١ وما بعدها.
(١٧) Fuck: محمد بن إسحق، ص ٩ وما بعدها و ٢٨.
خورشيد [هوروفتز J.Horovitz]
تعليق على مادة الزهرى
نلاحظ على ما جاء بهذه المادة ما يأتى:
إن صحة كنية الزهرى هى "أبو بكر"، وقد عرف باسم "ابن شهاب" نسبه إلى جده الأعلى.
ويقول الكاتب إن الزهرى أدى فروض الولاء لمروان، وهذا تخريج من عندياته. فإن العبارة فى التهذيب لابن حجر (ص ٤٥١، س ٦ - ٧ فى آخر الترجمة) "عن ابن شهاب، قال: وفدت إلى مروان وأنا محتلم". وليس فى هذا
стр. 5295
معنى فروض الولاء، وإنما يريد الزهرى بذلك بيان عمره: أنه كان إذ ذاك فى نحو الخامسة عشرة أو أقل.
أما الادعاء بأن عبد الملك منع الحج فهو أكذوبة على عبد الملك بن مروان، اخترعها أعداء بنى أمية. وكان عبد الملك أعلم بالدين، وأتقى للَّه من أن يفكر فى مثل هذا العمل الذى هو خروج عن الإسلام صراحة.
ويقول الكاتب فيما يختص بالحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى" أن الحج يكون إلى هذه المساجد الثلاثة. وهذا تحريف لمعانى الكلام. فليس فى الإسلام شئ يسمى حجا إلا الحج إلى البيت الحرام، وأما المسجدان الآخران: الحرم النبوى، ثم مسجد بيت المقدس، فإنما يقصدان للصلاة فيهما فقط، لورود الحديث فى مضاعفة الأجر فيهما بأقل مما يضاعف فى المسجد الحرام بمكة.
ويقول الكاتب "ويصح لنا أن نفترض أن الزهرى شخص إلى دمشق تحدوه آمال من هذا القبيل ليروى لعبد الملك ذلك الحديث المؤيد لدعوته باسم شيخه سعيد بن المسيب" على أن هذا الفرض ساقه الكاتب من غير أى دليل، وهو مناف تماما لخلق الزهرى العالم العظيم القوى فى الحق. ولا أدل على ذلك مما رواه الذهبى (تاريخ الإسلام، جـ ٥، ص ١٤٩): "قال يعقوب بن شيبة، حدثنى الحسن الحلوانى، حدثنا الشافعى، حدثنا عمى قال: دخل سليمان بن يسار على هشام، فقال له يا سليمان: من الذى تولى كبره منهم؟ فقال: ابن سلول. قال كذبت، بل هو على، فدخل ابن شهاب، فقال يا ابن شهاب من الذى تولى كبره؟ قال ابن أبىّ [أى ابن سلول]، فقال له كذبت بل هو على. قال أنا أكذب لا أبا لك، فواللَّه لو نادى مناد من السماء أن اللَّه قد أحل الكذب ما كذبت.
أما ما رواه كاتب المادة عن اليعقوبى فقد تشكك هو نفسه فيه بدليل قوله: وإذا كانت رواية اليعقوبى صحيحة.
وأما صاحب حديث الإفك والذى تولى كبره، فهو عبد اللَّه بن أبى بإجماع أهل العلم. وإصرار الزهرى على ذلك
стр. 5296
هو إصرار الرجل الثابت الدين الواسع العلم- على الحق، لا إرضاء لفلان، أو خوفا من فلان.
وأما القصة الغرامية التى نقلها الكاتب عن فهرست ابن النديم فحسبنا أن نقول إن ابن النديم لا يعتدّ بقوله فى مثل هذه الأمور.
ويريد الزهرى بالعبارة التى نقلها عنه تلميذه معمر: أنهم كانوا يتحرجون من تأليف الكتب، ثم رأوا طاعة أمرائهم، ثم اقتنعوا بفائدة ذلك، نشرا للعلم بين المسلمين. أما الكتابة نفسها، فقد كانت شائعة عند أهل العلم -مع اعتمادهم على الحفظ- وفى نفس الصفحة من ابن سعد، قبل هذا الخبر (جـ ٢، ق ٢، ص ١٣٥) خبر عن صالح بن كيسان، زميل الزهرى فى الطلب، يتضمن أنهما اشتركا فى كتابة ما جاء عن النبى ( ﷺ )، ثم أراد الزهرى أن يكتب ما جاء عن الصحابة "فإنه سنّة" فخالفه صالح ابن كيسان، ولم يرض أن يكتب ذلك. قال صالح: "فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيَّعتُ".
ونزيد على المصادر التى فيها أخبار الزهرى، مصدرين عظيمين، هما "تذكرة الحفاظ للذهبى، جـ ١، ص ١٠٢ - ١٠٦"، وتاريخ الإسلام للذهبى، جـ ٥، ص ١٣٦ - ١٥٢.
أحمد محمد شاكر
زهير بن أبى سلمى
واسم أبى سلمى ربيعة بن نباح بن قرة المزنى (والنسب فى ابن قتيبة خطأ شأنه فى أكثر الأحيان)، وكان زهير من شعراء الجاهلية، وقد عده نقاد زمنه أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء الجاهليين، والاثنان الآخران هما امرؤ القيس والنابغة؛ وكان زهير من مزينة، بيد أنه ولد فى بنى عبد اللَّه بن غطفان، وقضى معهم طيلة حياته، وكان أبوه ربيعة قد تزوج من أخت رجل يسمى كعب بن سعد من عشيرة مرة بن عوف ابن سعد بن ذبيان، واستقر بينهم. على أنه نشب خلاف على ما أصابوه من نعم وأموال فى غارة على طيئ، فهجرهم ربيعة واتخذ مقامه بين قبيلة بنى عبد اللَّه بن غطفان التى تربطها
стр. 5297
بقبيلته صلة نسب، وهنا ولد زهير وتزوج زوجته الأولى، وهى أخت الشاعر بشامة بن الغدير، ولعلها أم عوف (أوفى) التى ذكرها فى كثير من قصائده. وقد نظم فى طلاقها قصيدة أبدى فيها ندمه، ولدت له امرأته هذه أولادًا ماتوا جميعًا فى طفولتهم؛ أما زوجته الثانية كبشة بنت عفار من بنى عبد اللَّه بن غطفان فقد كانت أم أولاده كعب وبجير وسالم، وكان ابناه كعب وبجير شاعرين كأبيهما، وقد شهدا الإسلام؛ وكان بجير من أوائل من دخلوا فى دين اللَّه. فى حين اضطر كعب إلى التكفير عن معاداته رسول اللَّه ﷺ بنظم قصيدته المشهورة التى كثيرًا ما يطلق عليها "البردة" (١)؛ أما ابنه الثالث سالم فقد مات شابًا، إذ سقط عن جواد أهداه رجل إلى ابيه؛ وعاش زهير خلال الحرب الضروس التى نشبت بين عبس وذبيان، وهما عشيرتان من بنى غطفان، وتسمى هذه الحرب حرب داحس؛ وأشهر قصائد زهير هى القصيدة التى دخلت فى عداد المعلقات، ومدح بها سيدين من سادة بنى مرة بن غطفان هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان لأنهما احتملا ديات الأسر فى العشيرتين عمن قتلوا فى الحرب التى قامت بين الإخوة، بل إنهما تعهدا بتحمل دية أخرى عندما كادت فعلة الحسين بن دمدم تهدد بنقض معاهدة الصلح. وقد أشاد زهير فى قصائده الأولى بسنان بن ابى حارثة، والد أحد هذين السيدين، وتضمن ديوانه أيضًا مرثية فى وفاته؛ ولم يرد فى قصائده المذكورة فى الدواوين المحفوظة قصيدة واحدة يشير فيها إلى قومه بنى مزينة بالرغم من أن قصائده ربما كانت قد حفظت فى حال أحسن من قصائد سائر شعراء العرب الأقدمين؛ ويروى فى كل قصائده تقريبًا أخبار بنى غطفان أو ما وقع له من حوادث.
وثمة قصائد ثلاث روى فيها خبر عبد له وماشية سرقها منه الحارث بن ورقاء الصيدوى من بنى أسد، وقصائد غير هذه ناشد فيها القبائل على اختلافها الكف عن الإغارة على بنى
стр. 5298
غطفان، ومنها قصيدة ناشد فيها بنى تميم (Ahlwardt, رقم ٦) وأخرى ناشد فيها بنى شيبان؛ وثالثة ناشد فيها بنى سليم، ونظم قصيدة أخرى للنعمان بن المنذر والى الحيرة (Ahlwardt، رقم ١٧)، ولكن هذه القصيدة، فى رواية الأصمعى، ليست من شعر زهير، وإنما هى لصرمة بن الأنصارى، وصرمة شاعر لولا هذه القصيدة ما كنا لنعرف عنه شيئًا. وقد نسبت قصيدتان فى دواوين شعر زهير إلى ولده كعب (ثعلب، رقم ١٧، ٤١)، وورد فى لسان العرب بعض الأبيات من القصيدة الأولى، وتنسب هذه الأبيات فى غير لسان العرب إلى زهير حينًا، وحينًا إلى ابنه كعب، وقد قيل إن زهيرًا كان كثير المال، ونحن لذلك لا نجد فى ديوانه قصائد يمتدح فيها الأغنياء طلبًا للعطاء. ويثنى عليه النقاد من أهل زمانه، إذ إنه لم يكن يمدح أحدًا إلا بما فيه، وكان يتجنب وحشى الشعر. ونحن نجد أيضا فى قصائده مسحة من تدين اتخذها بعض النقاد المحدثين دليلا على أنه كان مسيحيا، بيد أن كل ما نستطيع أن نؤكده هو أن الأفكار المسيحية كانت فيما يرجح قد أثرت فيه، وهى أفكار لاشك فى أن عرب النجاد كانوا لا يجهلونها؛ وفى زهير وأهل بيته مثل على الشعر تتوارثه عدة أجيال جيلا بعد جيل، وليس هو فى ذلك نسيج وحده بين شعراء العرب الأقدمين.
وقد اشتهر زهير بأنه راوية أوس ابن حجر. كما كان أوس راوية طفيل الغنوى، ولكننا نعلم من عدة مصادر أنه أخذ الشعر عن أخى زوجته بشامة بن الغدير. وقد تقدم بنا القول بأن ابنيه كعبًا وبجيرا كانا شاعرين، وكذلك كان أبوه قبله كما كانت أخته سلمى أيضا (كتاب الأغانى، جـ ٩، ص ١٤٨) وكان حفيداه سعيد وعقبة من الشعراء؛ وعقبة هذا هو الملقب بالمضرب وكذلك كان أيضا أولاد أحفاده عمرو بن سعيد والسوار والعوام ولدى عقبة؛ وكان هؤلاء الثلاثة قد هجروا البادية وأقاموا فى البصرة. ويبدو أن موهبة الشعر قد خبت فى الأسرة بهم، وقد انتقلت إلينا قصائد زهير، عدا المعلقة، فى ثلاثة دواوين، أقدمها جمعه السكرى (المتوفى عام ٢٧٥ هـ = ٨٨٨ م) وهو المحفوظ
стр. 5299
فى مخطوط سوسان Socin الفريد الذى تملكه الجمعية الألمانية الشرقية والنسخة المهذبة للنحوى الكوفى ثعلب (المتوفى عام ٢٩١ هـ = ٩٠٤ م) والمحفوظة فى مخطوطين فى الاسكوريال بمدريد، ونسختين أو ثلاث نسخ فى إستانبول، وديوان ثالث مختصر مع شرح للفقيه الأندلسى الأعلم (المتوفى عام ٤٧٦ هـ = ١٠٨٣ م)؛ وجميع نسخ هذا الديوان المطبوعة تعتمد على نسخة الأعلم التى يظن أنها تشمل النص كما حرره النحوى البصرى.
وقد نهج الأصمعى مناهج أغمض فيها التقليد القديم أكثر من تيسيره له، فقد عمد إلى الاختيار، ومن ثم فإنه يحسن جدًا أن تتهيأ لنا طبعة جديدة من قصائد زهير تعتمد على النسختين المهذبتين القديمتين اللتين روعى فيهما سنة فقهاء العرب الأقدمين، على أن دايروف (K. Dyroff) لم يحل هذه المشكلة إلا من بعض وجوهها، وخاصة أنه لم يدرك أن لدينا نسختين مهذبتين مختلفتين تمام الاختلاف عن النصوص التى استخدمها هو.
المصادر:
(١) الطبعات المختلفة للمعلقات.
(٢) poets Diwans of the six ancient Arabic، طبعة Ahlwardt، لندن ١٨٧٠.
(٣) Primeurs: Landberg , جـ ٢ (يحتوى على الديوان بحسب تهذيب الأعلم)، ليدن ١٨٨٩.
(٤) Zur Geschichte der Uberlieferung des Zuhairdiwans: R. Dyroff . ميونخ ١٨٩٢.
(٥) Bemerkungen uber die Echtheit der alten arabischen Gedichte: Ahlwardt؛ جربسفالد، ١٨٧٢.
(٦) ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، طبعة ده غوى، de Goeje, ليدن ١٩٠٢.
(٧) أبو الفرج الأصبهانى: كتاب الأغانى، بولاق، جـ ٩، ص ١٤٦ - ١٥٨ وفى مواضع متفرقة.
(٨) المرزبانى: الموشح، القاهرة ١٣٤٣.
(٩) الجمحى: طبقات الشعراء، طبعة Hell، ليدن ١٩١٦.
стр. 5300
(١٠) شيخو: شعراء النصرانية، بيروت ١٨٩٠، ص ٥١٠ - ٥٩٥ (وهو يشتمل على موجز نصوص الأغانى والديوان بحسب تهذيب الأعلم).
وليس اسم زهير بالاسم النادر بين شعراء العرب، وتدمج أشعار هؤلاء أحيانا فى القطع التى أضيفت إلى الديوان، كما فعل Ahlwardt مثلا، ومن ثم يحسن بنا أن نذكر كلمة عن أهم هؤلاء الشعراء:
زهير بن جناب بن هُبل الكلبى: وهو أيضا من شعراء الجاهلية، وينتمى إلى جيل يسبق جيل زهير بن أبى سلمى، ويعد من المعمرين. وقد اتصل هذا الشاعر بكليب وائل والمهلهل، ومن ثم فلاشك فى أنه عاش فى صدر القرن السادس الميلادى. على أن الروايات الخاصة بحياته قد غلب عليها طابع الأساطير فلا يمكن أن نعول عليها. وقد توارث أهل بيته هو أيضًا حرفة الشعر عدة أجيال جيلا بعد جيل. ويذكر أبو الفرج الاصبهانى نفرًا منهم، ولعل آخرهم هو المسيب بن نوفل بن حارثة ابن جناب بن امرئ القيس بن أبى جابر بن زهير بن جناب، وقد فاخر المسيب فى بعض أشعاره، كما فى رواية كتاب الأغانى، بأن واحدًا من أهل بيته قتل يزيد بن الملهب عام ١١٢ بعد الهجرة (كتاب الأغانى جـ ٢١، ص ٩٣ - ١٠٤؛ المفضليات، طبعة Lyall، رقم ١١٧ زهير بن جذيمة بن رواحة العبسى: سيد من سادة بنى عبس، قتله خالد بن كلاب (النقائض ص ٣٨٤, المفضليات، طبعة Lyall ص ٧٧٨؛ كتاب الأغانى، جـ ١٠، ص ١٢ - ١٧.
زهير بن حرام الهذلى الملقب بالداخل Carmina Hudsailitarum طبعة Kosegarten ص ٢٦٣).
زهير بن علس الضبعى المشهور بكنيته المسيب (المفضليات، طبعة Lyall، رقم ٩١).
زهير بن مسعود الضبى (كتاب التنبيه لأبى عبيد البكرى، طبعة صالحانى، رقم ٢٢).
واستشهدت المعاجم العربية بهؤلاء الشعراء جميعًا.
صبحى [كرنكوف F. Krenkow]
стр. 5301
زياد بن أبيه
وإلى العراق، وتكنيه المصادر ابن سميّة حينًا، وابن عبيد حينًا، وابن أبى سفيان حينًا، وابن أبيه أحيانًا. وكنيته بابن أبيه حل لهذا اللغز، ولكن هذا الحل إنما ينطوى على شئ من اليأس والقنوط، ومع ذلك فهو أسلم الحلول من حيث الحقيقة التاريخية.
وقد خلط مشايعو بنى أمية ومناهضوهم نسب هذا الشخص ما شاء لهم الخلط، مدفوعين إلى ذلك ببواعث مختلفة، فقال المشايعون إن أم زياد هى سمية وكانت أمه من الطائف. أما المناهضون فيزيدون على ذلك أنها كانت امرأة فاجرة ويروى أن أبا سفيان عرفها، ومن ثم نستطيع تعليل نسبة زياد إلى بنى أمية. ومهما كان رأينا فى ذلك فإن زيادًا الصغير قد اجتمع له ما عرف عن بنى قومه الثقفيين من ذكاء ويقظة ورجاحة عقل، واستقر الأمر بزياد فى البصرة مع أقرب أقربائه بنى بكرة، فأصبح فى سن مبكرة كاتبًا فى خدمة ولاة العراق الأولين، وتولى علىّ الخلافة فقرر الانتفاع بمواهبه، وكان يوفده فى عظائم الأمور، وتوفى على فاسترعى زياد نظر معاوية، وكان هذا السيد الخطير حريصًا على أن يستميل إليه عضدًا فى مقدرة زياد، بيد أن مساعيه الأولى قوبلت من زياد بالصد، فعمد معاوية إلى حيلة تدلك على مبلغ ما كان يستطيعه هذا الخليفة عندما تتعرض مصالح بيته للخطر، ونعنى بهذه الحيلة الاستلحاق، أى الاعتراف رسميا ببنوة زياد لأبى سفيان.
ونصب الخليفة بعد قليل أخاه من أبيه واليًا على البصرة، وكانت معسكر، رئيسيًا ينتظم الجنود المجهزين لإتمام الفتوح فى المشرق، وقوامهم جماعات من أشد قبائل البدو جنوحا إلى الفتنة والشغب، وأكثرهم تهديدًا لأمن الدولة وسلامتها، ومن ثم كان منصب البصرة يتطلب رجلا من الطراز الأول. وكانت نية معاوية قد صحت على توجيه اهتمامه إلى الأقاليم الغربية للخلافة. وظلت خطبة زياد التى ألقاها فى مسجد البصرة عند وصوله من آيات الأدب
стр. 5302
العربى، وتسمى الخطبة البتراء (١). ذلك أن الخطيب، فيما يقال، قد بدأها مبتورة. وكشف فيها عن برنامجه وأعلن عن الإجراءات الصارمة التى قد يلجأ إليها إذا دعته الحال، وقد ثبت من الحوادث التى تلت ذلك أن تهديداته لم تكن مجرد أقوال؛ وهكذا استطاع زياد أن ينشر النظام فى إقليم البصرة المترامى الأطراف بأسره، مما عجز عنه كل من تقدموه. وبادر الخليفة فكافأه على ذلك بتوليته الكوفة أيضًا؛ وكانت الكوفة مع العلويين قلبًا وقالبًا، وما كان لها بعد فقد على أن تتعزى عن ضياع لقب الخلافة من يدها أو ترضى بانتقال قصبة الخلافة إلى غيرها من المدائن. على أن زيادًا نجح فى الكوفة نجاحه فى البصرة، وأعاد هيبة الأمويين إلى هذه المدينة المتمردة فى أمد وجيز.
وقد استطاع زياد، بوصفه واليًا على العراق بأسره وعلى الولايات التى كانت تعتمد على العراق فى بلاد العرب وشرقى آسية، أن يبرر، حتى نهاية عمره، تلك الثقة التى لاحد لها والتى أولاه إياها معاوية؛ وهو فى رأى المؤرخين العرب صنو معاوية فى الجدارة بلقب السياسى الأمثل، ذلك أنه تولى زمام الحكم بيد الخبير المحنك لا يبدو فى تصرفاته أثر الجهد والنصب، فكانت أذنه صاحية واعية لا تغفل عن الحوادث التى تقع فى ولايته المترامية الأطراف. وكثيرًا ما يتردد المؤرخون وأصحاب الحكم فى الاختيار بين معاوية وزياد وهم يضربون المثل على السياسة العليا، وقد يؤثرون أن يضربوا بهما المثل جميعًا؛ وكان زياد يعد من الدهاة الأربع الذين عاشوا فى هذا القرن؛ أما الثلاثة الآخرون فهم معاوية والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص. وقد اضطر زياد فى الكوفة إلى أن يرقب بعين ساهرة اجتماعات العلويين، واختلف فى هذه المدينة مع مشعل الفتن حجر بن عدى، وهو أمر مألوف يقع كل يوم، إلا أن الرواية
стр. 5303
المناهضة للأمويين بالغت فيه مبالغة تفوق كل وصف، وخاصة الشيعة؛ وعمد زياد إلى نقل السكان من مكان إلى مكان لفل مقاومة العلويين وقبائل العرب المستقرة فى العراق، فنقل ٥٠.٠٠٠ بدوى إلى خراسان. وتوفى زياد بالطاعون فى الكوفة عام ٥٦ - ٥٧ هـ.
ولا مناص من أن نعتمد فى معلوماتنا عن زياد على مدرسة العراق التاريخية، على أن تحزب مؤرخى العراق الذين كانوا يضمرون أشد العداوة لزياد، قد مال بهم إلى تعيين تأريخ مولده بعد الهجرة ببضع سنوات لينكروا عليه دعواه فى أنه صحابى، بيد أننا إنصافًا له نقول إنه لا يمكن أن يكون قد ولد قبل الهجرة بوقت طويل، ذلك أنه توفى فى الستين أو نحوها؛ وأحسن شهادة على مقدرة زياد هى ما قرره معاوية من أن يعهد إليه بالنصف الشرقى من الدولة العربية الذى كان أصعب حكما وأشد تمردًا على آراء الأمويين، وقد استدعى معاوية، وهو ذلك الرجل العظيم القادر على سياسة الناس والخليفة العالى الهمة الذى كان حازمًا مع أقربائه، زيادًا لمعاونته فى مباشرة سلطانه، وفرض على نفسه ألا يتدخل فى شئون العراق طيلة حياة وإليه وسنده. والحق أن موالاة الخليفة له بالعطف، وإخلاص زياد لبنى أمية، لكافيان لتعليل تلك المرارة التى روى بها الكتاب العلويون أخبار ذلكم الرجل الثقفى من رجال الحكم.
المصادر:
(١) الأغانى، جـ ١٢، ص ٧٣ - ٧٥؛ جـ ١٦، ص ٣ - ٩، جـ ٢١، ص ٢١ - ٤٠.
(٢) المسعودى: مروج الذهب (باريس)، جـ ٥، ص ١٤ - ٧٢.
(٣) الطبرى، طبعة ده غوى de Goeje جـ ١، ص ٢٤٦٥ - ٢٤٦٦، جـ ٢، ص ٦٦ - ٨٧، ص ١١١ - ١٥٨، ص ١٦٢.
(٤) البلاذرى، طبعة ده غوى De Goeje، ص ٢٧٦ - ٢٨٠، ص ٣٤٤ - ٣٧٠، ص ٣٧٧، ص ٣٩٧، ص ٤٠٣، ص ٤٠٩، ص ٤١٠، ص ٤٣٣، ص ٤٤٣، ص ٤٦٢.
стр. 5304
(٥) ابن عساكر: تاريخ دمشق، طبعة بدران جـ ٥، ص ٤٠٦ - ٤٢٢.
(٦) Die religios politisch Oppositions-parteien im alten Islam: Wellhausen ص ٢٠ - ٢٥.
(٧) Etudes sur le regne du Mo'awia ler: H.Lammens ص ٣٧ - ٣٨ و ٩١ و ١٠٠ و ٢١٦ و ٢١٧ و ٢٣٩ و ٢٢٥ و ٣٧٧ و ٤٣٧.
(٨) Das arabische Reich and sein Sturz: Wellhausen ص ٧٥ - ٨١.
(٩) وارجع فى شأن المصادر الأخرى إلى مقال Zidd ibn Abihi vice-roi de l'Iraq, lieutenant de Mo'awia ler: H. Lammens (مستخرجة من R.S.O. جـ ٤، ١٩١٢).
صبحى [لامنس H.Lammens]
زيادى
أسرة يمنية حكمت من عام ٢٠٤ إلى عام ٣٧١ هـ (٨١٩ - ٩٨١ م) أو ٤٠٩ هـ (١٠١٨ م)، وكانت قصبتها زبيد، وكان أفرادها يعتبرون من سلالة زياد بن أبيه، على أن نسب زياد نفسه كان غير ثابت، ومن ثم لم ينقل إلينا على وجه التحقيق اسم محمد أبى رأس هذه الأسرة.
وكان يناوئ الخليفة المأمون عمه إبراهيم بن المهدى، كما أن قبائل اليمن شقت عصا الطاعة فى الوقت نفسه، ولعل قيام نوايا سياسية للعلويين فى اليمن قبيل إعمال إبراهيم الجزار أخى على الرضا يد السلب والنهب فى صنعاء، قد حمل الخليفة على أن يقلع تمامًا عن سياسته السابقة المناصرة للعلويين، وأن يعهد بأمر اليمن إلى رجل من أسرة بنى زياد التى اشتهرت بعداوتها للعلويين، ولو أن هذا الرجل نفسه كان فى خدمة بنى أمية. وقد ارتبط ذكر سليل من سلالة بنى أمية بمحمد كما ارتبط به أيضًا محمد بن هارون من بنى تغلب، وهو الذى ولى أحفاده، بنو عقامة، القضاء فى زبيد طوال عهد الزيادية وبنى نجاح الذين جاءوا بعدهم. وربما كان قد تقرر قتل هؤلاء الرجال الثلاثة جميعًا تمشيًا مع سياسة العباسيين، إلا أنهم أصبحوا
стр. 5305
آنئذ من أنصار هذه السياسة، وكان بنو زياد يدينون بالولاء دائمًا للعباسيين.
وقد استطاع محمد بن. . . زياد أن يمكن لنفسه فى الساحل، وأن يتوغل حتى بلغ، فيما يقال، الشحر من أعمال حضرموت، بفضل تعضيد مشاة خراسان وفرسانها المؤتمنين له، وبفضل المؤازرة التى لقيها من معتوق عالى الهمة يدعى جعفرًا. وقد بايع محمدًا سادة حصون الهضاب، فى جَنَد والمذيخرة، أما فى قلب الهضاب فقد استمرت حكومة بغداد على بعث ولاة يلون أمر صنعاء دون غيرها، حتى استقل بنو يعفر بأمرهم هناك من عام ٢٤٧ إلى عام ٢٨٩ هـ (٨٥٩ - ٩٠١ م)؛ أما الزيادى الثانى إبراهيم بن محمد (٢٤٥ - ٢٨٩ هـ = ٨٥٩ - ٩٠٢ م) فقد اضطر إلى تسليم حضرموت وجند إلى محمد بن يعفر، ولو أن هذا التسليم كان فى نظير جزية؛ وقد أعقبت وفاة إبراهيم الفترة الأولى من الفترات التى خلت فيها البلاد من الحكام. وتداول حكلى صنعاء الزيدية والقرامطة الشيعة، فى حين استولى القرامطة الشيعة فى عهد على بن الفضل على جند والمذيخرة، بل استولوا أيضا على زبيد نفسها ردحا من الزمن. ولا نعرف على وجه التحقيق اسم الزيادى الثالث ولا طول عهده، بل لا نعرف ما انتهى إليه من مصير، وانتعشت الأسرة فى عهد إبراهيم الابن الثانى لأبى الجيش إسحق ابن إبراهيم الذى دام عهده ٨٠ عامًا (حوالي ٢٩١ - ٣٧١ هـ = ٩٠٤ - ٩٨١ م) بل إن الضحاك الأمير الحمدانى قد بايعه حوالى عام ٣٥٠ هـ (٩٦١ م)، بيد أن عبد اللَّه بن قحطان قضى على الزيادية عام ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) وكان عبد اللَّه قد استعاد سلطان بنى يعفر ردحا من الزمن باستيلائه على زبيد وحرقها.
وما وافى هذا التاريخ حتى كان الزيادى الخامس الصغير، واسمه غير محقق أيضًا، يحكم بالاسم، وكان الحاكم الفعلى المملوك الحبشى الوزير الحسين بن سلامة الذى تمكن مرة أخرى من أن ينقذ البلاد من نكبة تحل
стр. 5306
بها، وكسب شهرة بقيت له حتى اليوم، ذلك أنه شق الطرق للحجاج فى الجبال وفى السهل وأقام فيها المساجد واحتفر الآبار؛ ولم يكن ثمة شأن لنقل اللقب إلى الزيادى السادس القاصر، ولعله إبراهيم الثانى، فقد خلف ابن سلامة مملوكه مرجان بوصفه وزيرًا مستقلا، وعمد مرجان إلى تقسيم الحكم بين عبديه: نجاح فى الأقاليم الشمالية، ونفيس (أو أنيس) فى الأقاليم الجنوبية بما فيها قصبة الباود، واستولى نفيس نفسه على الملك، وعمد إلى دفن الملك الصغير وعمته هند حيّين فى مكان مسور (٤٠٩ هـ = ١٠١٨ م)، بيد أنه لم يكن هو الذى أسس هذا البيت، إنما أسسه نجاح.
المصادر:
(١) انظر مصنف Kay.
(٢) Manuel de genealogie et de chronologie: E.V. Zambaur، هانوفر ١٩٢٧، ص ١١٥.
صبحى [شتروتمان R.Strothmann]
زيار، بنو
أسرة من أفيال السامانيين حكمت العراق العجمى وطبرستان، ثم جرجان من ٣١٦ - ٤٧٠ هـ (٩٢٨ - ١٠٧٧ م) ونسبت إلى مؤسسها زيار أبى وردان شاه حاكم كيلان (جيلان) الذى كان والد مرداويج. وفيما يلى سلسلة نسبها:
стр. 5307
١ - مرداويج.
٢ - وشمكير.
٣ - ولده ظهير الدولة أبو منصور بهستون، وقد تصالح مع ركن الدولة، وتوفى سنة ٣٦٦ هـ (٩٧٦ م) فى مدينة جرجان.
٤ - قابوس الأول.
٥ - منوجهر: عاد إلى الرى بتدبير علاء الدولة؛ وهاجمه فيها السلطان محمود وطارده إلى الجبال، ولكنه تصالح معه على أن يؤدى له ٥٠٠.٠٠٠ دينار ويدين له بالطاعة (٤٢٠ هـ = ١٠٢٩ م). وهذا الأمير هو الذى أهدى إليه الشاعر منوجهرى قصائده الأولى، وإليه نسب.
٦ - أنو شروان، اعترف بسيادة مسعود بن محمود وخليفته، ولكن طغرل بك السلجوقى هاجمه سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١ - ١٠٤٢ م) وانتزع جرجان منه. واعتكف أنوشروان فى "قلعة" حيث توفى سنة ٤٤١ هـ (١٠٤٩ م) وفى خلال حكمه كان عمه دارا الذى كان يسمى الاسكندر أيضًا حاكما على جرجان وطبرستان من قبل السلطان مسعود (حوالى ٤٤٦ هـ = ١٠٣٥ م).
٧ - قابوس الثانى ابن دارا (عنصر المعالى): كان صهرًا للسلطان محمود، وقد صحبه فى حملاته على الهند، وتوفى فى الغزوة التى شنها الأمير فضلون أبو السُوار من أسرة بنى شدّاد على بلاط الأبخاز والتى انتهت بهزيمته عام ٤٦٢ هـ (١٠٦٩ م).
وقابوس هو مؤلف قابوسنامه، وهو كتاب فى النصح الجميل موجه إلى ابنه كيلان شاه. وقد ترجمه إلى الألمانية. Fr.v. Diez (برلين ١٨١١) كما ترجمه إلى الفرنسية A. Querry (باريس ١٨٨٦).
٨ - ابنه كيلان شاه: حكم المنطقة الجبلية فقط، لأن طغرل بك احتل طبرستان قبل مسيره إلى بغداد. وقد خلفه ملكشاه، وتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ م).
стр. 5308
ويذكر فرهاد على أنه ابن مرداويج، ولكن أبوته له ليست محققة، كما أنه لم يدع ليخلف أباه أو أحد أبناء أعمامه، ونجده عام ٤١٤ هـ (١٠٢٣ م). حاكما على بروجرد، ولابد أن سنه كانت آنئذ تربى على الثانية والثمانين. وفى عام ٤١٧ هـ (١٠٢٦ م) صحب علاء الدولة كاكويه فى حملته على الأكراد، وبقى حليفه المخلص، وسقط فى معركة مع جيش السلطان مسعود (٤٢٥ هـ = ١٠٣٤ م).
المصادر:
(١) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ جـ ٨، ص ٨، ٥٩، ١٣٩، ١٧٢، ١٩٥، ٢٠١، ٢٠٧، ٢٢٦، ٢٦٢، ٢٧٦، ٢٩١، ٣٣٣، ٣٥٣، ٣٧٨، ٤٠٢، ٤١١، ٤٣٦، وما بعدها، ٥٠٦، ٥١٩، جـ ٩، ص ٨، ٩٧، ١١١، ٢٥١، ٢٦٢، ٢٨٤، ٣٤٠.
(٢) ابن مسكويه مجموعة كب التذكارية، جـ ٥، ص ٢٧١، ٣٤٥، ٣٧٦، ٤٣٥ وما بعدها، ٤٧٩، وما بعدها، ٥٧٢، جـ ٦، ص ٩، ٣٣، ٥٥، ٢٠٤، ٢٧٠، ٢٩٦، وما بعدها.
(٣) ابن خلدون: التاريخ، بولاق، جـ ٤، ص ٤٢٣، ٤٤٤، ٤٩٧.
(٤) Samanides: Defremery ص ١٣٠، ١٣٧، ٢٤٧، ٢٨٩.
(٥) ابن إسفنديار: تاريخ طبرستان، ترجمة Browne ص ٢٠٢، ٢٠٥، ٢١٧، ٢٢٠، ٢٣٨.
(٦) ظهير الدين: Geschichte von Taharistan، طبعة Dorn، ص ١٧٤، ١٩٦، ٢١٦، ٣١١.
(٧) Iranisches Namenbuch: F. Justi . ص ٤٤١.
(٨) Les Ziyarides Mem.de l'Acad. des Inscr. et Belles Letters: Ch. Huart جـ ٤٢، باريس ١٩٢٢.
عبد النعيم محمد حسنين [إيوار Ch. Huart].
زيان، بنو
أو بنو زَيان (وكلا النطقين قديم وكذلك ينطق بها زيَان)، أسرة بربرية من ملوك تلمسان، حكمت المغرب الأوسط من القرن الثالث عشر إلى
стр. 5309
القرن السادس عشر الميلادى؛ ويزعم بنو زيان أنهم ينتسبون إلى الشريف إدريس، ولكن هذه النسبة موضع جدال (انظر Hist des Berh ترجمة ده سلان de Slane . جـ ٣، ص ٣٢٨، وانظر فى المصدر نفسه الكلمات المنسوبة إلى يغمراسن)، ويسميهم الإخباريون أيضا بنى عبد الواد ذلك أن عبد الواد وزيان كانا من أسلاف ملوك تلمسان، ولو أن قرونا فصلت بين عهديهما، فقد عاش عبد الواد فى الجاهلية، أما زيان فكان أبا يغمراسن (آخر القرن السابع الهجرى = القرن الثالث عشر الميلادى) وقد حكم يغمراسن أول ملك مستقل الأسرة من عام ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م)، ثم خلفه على العرش أربعة ملوك متعاقبين كلهم ينحدرون من صلب يغمرا سن مباشرة ابتداء من ابنه أبى سعيد عثمان الأول، واستمر حكمهم حتى عام ٧٣٧ هـ (١٣٣٧ م)؛ وعندئذ غزا بنو مرين مملكة تلمسان، واحتلوا البلاد مرتين، المرة الأولى من ٧٣٧ إلى ٧٤٩ هـ (١٣٣٧ - ١٣٤٨ م) والثانية من ٧٥٣ إلى ٧٦٠ هـ (١٣٦٢ - ١٣٥٩ م).
وقد استرد بنو زيان العرش أول مرة عام ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م) فاعتلاه الأخوان أبو سعيد عثمان الثانى وأبو ثابت، وأعاد أبو حمّو الأول ابن أخيهما (ابن أبى يعقوب يوسف) للأسرة منزلتها القديمة عام ٧٦٠ هـ (١٣٥٩ م)؛ وظل خلفاؤه يحكمون البلاد حتى الغزو التركى عام ٩٦٢ هـ (١٥٥٤ م).
أما الخلاف الوحيد بين نسب هذين الفرعين الحاكمين من هذه الأسرة، فهو أن الفرع الأول كان يتألف من أولئك الذين انحدروا من صلب يغمرا سن مباشرة عن ابنه الأكبر عثمان الأول، فى حين كان الفرع الثانى يتألف من أولئك الذين انحدروا من صلب ابنه الأصغر عبد الرحمن مباشرة.
وليس ثمة أسباب ولا وثائق تبرر القول بما ذهب إليه بارجس Barges (انظر. Tlemcen anc. cap الخ.، ص ١٩٤، و Hist. des B. Zeiyan ترجمة المقدمة، ص ٤١) من أن ملوك الفرع الأصغر هم
стр. 5310
وحدهم الذين اتخذوا اسم بنى زيان (من عام ٧٩٤ هـ = ١٣٤٨ م) فقد كانوا جميعًا من بنى زيان كما كانوا من بنى عبد الواد، ذلك أنهم كلهم ينحدرون مباشرة من صلب يغمراسن، وكان عبد الواد وزيان من أسلاف الفرعين.
أما عن قرابة هؤلاء الملوك ببنى مرين أصحاب فاس فقد أثبتها النسابة المسلمون بجعلهم "وَسَان" جد عبد الواد بين أسلاف مرين بن ورتاجن جد المرينية (انظر بصفة خاصة ابن خلدون: Hist. des Berbers. جـ ٢، ص ٢٤٠؛ الترجمة جـ ٤، ص ٢٥؛ الذخيرة السنية، ص ١٠).
المصادر:
يضاف إلى المصادر المذكورة فى مادتى عبد الواد ما يأتى:
(١) ابن الأحمر: روضة النسرين فى دولة بنى مرين، طبعة وترجمة. Gh Bouali و G. Marcais باريس ١٩١٧, مع Histoire des Banu Zayan de Tlemcen (منقولة عن ترجمة بقلم Dozy في J.A، السلسلة الرابعة، جـ ٣، ص ٣٨٢ - ٤١٦).
(٢) الذخيرة السنية، Chronique anonyine des Meri nides وطبعة محمد بن شنب، الجزائر ١٩٢١.
(٣) Themcen et ses enviorns: Alfred Bel , تولوز من غير تاريخ.
صبحى [الفريد بل Alfred Bel]
الزيانى
أبو القاسم بن أحمد بن على بن إبراهيم: رجل من رجال الحكم المراكشيين ومؤرخ من أهل القرن الثامن عشر، وهو من قبيلة زيان البربرية الكبرى فى مراكش الوسطى. ولد فى فارس ١١٤٧ هـ (١٧٣٤ - ١٧٣٥ م) وتلقى العلم فيها، ولما بلغ الثالثة والعشرين من عمره صحب والديه فى حجهما إلى مكة، وعاد إلى فاس بعد رحلة مثيرة فى الذهاب وفى الإياب، وتولى فى فاس منصب كاتب سر مخزن السلطان محمد بن عبد اللَّه.
стр. 5311
وسرعان ما تقدم الصفوف بفضل كفايته وعلمه باللهجات البربرية ومجريات الحوادث. وكان له شأن هام فى إخضاع الفتنة التى ثارت فى وجه قبيلة أيت أما لو. فنال بذلك ثقة السلطان، فعهد إليه بالمفاوضة مع أقوام البربر المختلفة فى الدولة الذين لم يكن قد تم إخضاعهم بعد، ومن ثم أخذ يجوب مراكش من أقصاها إلى أقصاها بلا انقطاع، وقام بعدة أسفار إلى تافيلالت البعيدة. وفى عام ١٢٠٠ هـ (١٧٨٦ م) أوفده السلطان محمد بن عبد اللَّه فى مهمة بالأستانة للسلطان عبد الحميد. وبلغ الزيانى القصبة العثمانية بعد أحداث كثيرة، ومكث فيها أكثر من ثلاثة أشهر. فتمكن بذلك من أن يكتب بعد عودته وصفا مفصلا لهذه المدينة. وعند عودته عين واليا على سجلماسة بعد أن قام بعدة مهام سرية. وظل فى هذا المنصب إلى أن توفى السلطان محمد بن عبد اللَّه عام ١٢٠٤ هـ (١٧٩٠ م).
وخلف السلطان محمد ابنه اليزيد فوضع حدا لأعمال الزيانى السياسية، ذلك أنه كان يمقته. وقد نجا الزيانى بأعجوبة من الموت عندما أصيب اليزيد نفسه في عام ١٢٠٦ هـ (١٧٩٢ م) بجرح فى قتاله هشاما أحد المطالبين بالعرش. وما إن أطلق سراح الزيانى، وكان أسيرا فى مدينة رباط، حتى اشترك اشتراكا فعالا بمدينة مكناسة فى المناداة بمولاى سليمان وهو ابن آخر لمحمد بن عبد اللَّه، سلطانا على البلاد، فعينه هذا السلطان عاملا على منطقة مدينة وجدة، ولكن ما إن تقلد الزيانى زمان هذا المنصب حتى هاجمه الأهالى الذين ولى عليهم وهزموه، وكانت هذه البلية سببا فى مقته الحياة العامة، ولذلك عاد إلى تلمسان وعاش فى عزلة يدرس ويتأمل ثمانية عشر شهرا بطولها. ولم يخرج من عزلته هذه إلا اعتزم الرحلة إلى الآستانة فى شأن خاص به، ولتأدية فريضة الحج مرة أخرى. وعند عودته عام ١٢١٠ هـ
стр. 5312
(١٧٩٥ - ١٧٩٦ م) استدعاه السلطان مولاى سليمان فشخص إلى فاس. وقام الزيانى بعدة مهام خطيرة على الرغم من تقدمه فى السن، ولقب بلقب "ذى الوزارتين" بوصفه رئيس مخزن السلطان. وظل فى منصبه عدة سنوات، ثم صرف عنه، وتوفى فى فاس عام ١٢٤٩ هـ (١٨٣٣ م) بالغا من العمر تسعة وتسعين عاما، ودفن فى زاوية إخوان الناصرية فى حى السياج.
وشهرة الزيانى بالكتابة فى مراكش لا تقل على شهرته فى الحكم. فقد استطاع خلال حياته المضطربة أن يجد فسحة من الوقت يكتب فيها نحو خمسة عشر كتابا جلها فى التاريخ والجغرافية. وأول كتاب ظهر من هذه الكتب هو تاريخ عام للإسلام عنوانه "الترجمان المعرب عن دول المشرق والمغرب" وقد وجه فيه معظم عنايته إلى الأسرة الشريفية بمراكش، ثم أكمله فيما بعد فبلغ بحوادثه عام ١٢٢٨ هـ (١٨١٣ م). ولم ينشر بعد الجزء الخاص بأسرة السعديين من هذا الكتاب. على أن القسم الخاص بالعلويين فى مراكش قد نشره وترجمه إلى الفرنسية هوداس O.Houdas عام ١٨٨٦ بعنوان Le Maroc de ١٦٣١ a ١٨١٢ P.E. L.O.V. المجموعة الثانية، جـ ١٨). وهو يروى الحوادث التى وقعت فى مراكش مع شئ من الإيجاز فى بعض أجزائه، من تأسيس أسرة العلويين إلى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر. وقد أعد الزيانى فيما بعد نسخة أكثر تفصيلا من هذا القسم من كتاب الترجمان، وهو القسم الذى يتصل بصفة خاصة بالأحداث التى اشترك فيها الزيانى أو التى كان من شهودها، وأطلق عليها اسمين مختلفين هما: البستان الظريف فى دولة أولاد مولاى على الشريف" و"الروضة السليمانية فى ذكرى ملوك الدولة الإسماعيلية ومن تقدمها من الدول الإسلامية" وهناك مصنف آخر هام للزيانى يصف فيه رحلاته المختلفة وصفا مستفيضا أضاف إليه كل ما هو غريب فى الأدب والتاريخ والسير، وأطلق عليه اسم
стр. 5313
"الترجمانة الكبرى التى جمعت اخبار مدن العالم برًا وبحرًا". وهذا الكتاب الذى يحمل طابع الرحلة والفهرست على السواء، هو أيضا رسالة عجيبة فى الجغرافية تضم مصورات جغرافية (مثال ذلك خريطة البحار، وهى التى أوردتها فى كتابى Historiens des Chorfa ما بين صفحة ١٨٨، ١٨٩). وتوجد مصنفات الزيانى كلها مخطوطة فى المكتبات الخاصة بمراكش على اختلافها. وهناك ثبت كامل بمصنفاته فى المصدر السابق، ص ١٦٧ - ١٦٨.
وكتاب الزيانى، و"كتاب الاستقصاء" الحديث للناصرى السلاوى هما العمدة فى تاريخ أسرة العلويين بمراكش. ذلك أن كتاب الزيانى حافل بالتفاصيل القيمة، ومن ثم فهو أهل للدراسة الجدية يوحى لقارئه بأنه كتاب دقيق محكم سواء فى المعلومات التاريخية أو خطط البلدان. وفيه إلى ذلك معلومات عن البدع والإصلاحات الاجتماعية وعن تاريخ مدن مراكش. ويتجلى فى كتابة الزيانى أيضا درايته الواسعة بالحوادث الأوربية. وأخيرا نذكر أن كل ما رواه عن مشاهداته فى رحلاته إلى الآستانة يستأهل النشر بأكمله.
المصادر:
(١) الناصرى السلاوى: كتاب الاستقصاء القاهرة، جـ ٤، ص ٣، ١٠٨ - ١٠٩، ١١٦ - ١١٨، ١٣٢.
(٢) الكتانى: سلوة الأنفاس، فاس، جـ ١، ص ٢٦٣.
(٣) Introduction au Maroc de ١٦٣١ a ١٨١٢: O. Houdas
(٤) The Moorish Empire: Budgett Meakin لندن سنة ١٨٩٩ - ص ٥١٨.
(٥) Un voyageur marocain d la fin du XVIII eme siecle, la Rihla d'az-Zyany: G. Salmon فى A.M جـ ٢، سنة ١٩٠٥، ص ٣٣٠ - ٣٤٠.
(٦) La Boustan adh-dharif d-az: A. Graulle Ziyani فى R.M.M. جـ ٢٤، ص ٣١١ - ٣١٧ ص ٣١١ - ٣١٧.
стр. 5314
(٧) Une description geographique du Maroc d-az-zyany: Coufourier في A.M, جـ ٦، سنة ١٩٠، ص ٤٣٦ - ٤٥٦ (وانظر أيضا نفس المصدر ص ٤٥٧ - ٤٦٠).
(٨) G.A.L.: Brockelmann جـ ٢، ص ٥٠٧.
(٩) Litterature arabe: Huart ص ٤٢٣.
(١٠) Les Histori-ens des Chorfa Essai sur la litterature historique et biographique au Maroc du XVI eme au eme Siecle: E.L. evi Provencal باريس سنة ١٩٢٢، ص ١٤٢ - ١٩٩.
الشنتناوى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal]
الزيانية
فرع من الطريقة الشاذلية مركزه فى قناذى، وقد أورد (Rinn: كتابه المذكور بعد) وديبور وكوبلانى (Dupont& CopConrfreries: polani ص ٤٩٨ وكور (Cour: كتابه المذكور بعد) أثباتا بأسماء مشايخ هذا الفرع. وفى الكتاب الثانى من هذه الكتب نموذج لاجازة "مقدّم" خلعها عليه شيخ الطريقة وعليها خاتم. ويقال إن ذكر الزيانية يختلف عن ذكر الطرق الشاذلية الأخرى فى التفاصيل فحسب. وقد أورد رن صورة لذكر الزيانية المألوف فى كتابه المذكور ص ٤١١، وهم يرددون أدعية غيرها ألف مرة. ويختص الزيانية بإرشاد القوافل والمسافرين وحراستهم من اللصوص وقطاع الطرق. وفى أيام رن (١٨٨٤): "لم يكن يجسر أى تاجر على أن يبعث ببضاعة صوب الجنوب" إلا إذا ضمن لها الحراسة يتولاها رجل من ركبان الزيانية يحمل رسالة مختومة بخاتم مقدّم فيهاب اللصوص أمره. ومن هنا أطلق عليهم رن ربابنة الصحراء. ويتفق ذلك إلى حد كبير وما ذكره أ. برنار A. Bernard الذى كتب سنة ١٩٣١ Le Maroc، ص ٢٠٥) وجماعة الزيانية لا يعرف عنها فيما يظهر إلا القليل خارج شمال إفريقية
стр. 5315
وقد أورد ديبو وكوبولانى أثباتا بزواياهم فى بلاد الجزائر ووصفا انتشارهم فى مراكش (Confreries).
وقد أسس الطريقة الزيانية محمد ابن عبد الرحمن بن أبى زيان المتوفى سنة ١١٤٥ هـ (١٧٣٣ م)، ونشركور JA. Cour فى R.M.M (جـ ١٢، ص ٣٦٠ - ٣٧٩، ٥٧١ - ٥٩٠) بالفرنسية مقتطفات من مخطوط الترجمة لهذه الطريقة عنوانه "طهارة الأنفس والأرواح الجسمانية فى الطريقة الزيانية الشاذلية"، وهذا المخطوط نفسه موجز لكتاب أقدم منه، وهو جوهرة يسجل كرامات مشايخ الطريقة، على أنه يزودنا بتفصيلات خاصة تكمل ما جمعه رن (Marabouts et Khouan: A- Rinn، ١٨٨٤ م، ص ٤٠٨ - ٤١٥) وقد ولد محمد رأس هذه الطريقة فى ثاثا بالقرب من قناذى (جنوب شرقى فجوج من أعمال مراكش) ودرس هو وسيدى مبارك بن عزَّة فى سجلماسة، فلما توفى مبارك شخص محمد إلى فاس حيث درس ثمانى سنوات على محمد بن عبد القادر الفاسى المتوفى سنة ١١٠٦ هـ (١٧٠٤ م)، وأحمد بن الحاج المتوفى عام ١١٠٩ هـ (١٦٩٧ م) وغيرهما. ويقول رن إن الأمبراطور طرده من فاس بتهمة السحر، ففر إلى تافيلالت حيث أدخله مقدم الناصرية الشاذلية فى الطريقة، ثم حج إلى مكة، وأقام بعد عودته فى قناذى وأنشأ فيها زاوية. وادخل محمد بعض التعديلات على شعائر الشاذلية وذاع أمر ولايته، زد على ذلك أنه ينسب إليه حفر بعض الآبار، كما نظم شئون الرى. وأشهر كراماته التى قررت مصير جماعته هى قضاؤه على اللصوص. وقد اجتذبت شهرته ومواهبه كثيرًا من الزوار، وهؤلاء أنشاوا موقعا زاهرا. وكان شأن غيره من أصحاب الطرق المسلمين رب أسرة، وقد خلف مشيخة الطريقة لابنه.
المصادر:
ذكرت فى صلب المادة
خورشيد [ماركوليوث D.S Margolio]
стр. 5316
زيدان
" زَيْدان" (والنطق الحديث زِيدان): جرجى زيدان، عالم وصحفى وأديب عربى، ولد ببيروت فى ١٤ ديسمبر سنة ١٨٦١, وتوفى بالقاهرة فى ٢١ أغسطس سنة ١٩١٤؛ وقد ولد زيدان فى أسرة مسيحية فقيرة، ولم يتلق تعليما منتظما، وإنما علم نفسه بنفسه فى جميع فروع المعرفة تقريبًا" وقضى زمنا فى كلية البروتستانت حيث نال إجازة الصيدلة، ثم رحل بعد ذلك إلى مصر حيث بقى سنة أو نحوها محررًا فى صحيفة الزمان، وفى عام ١٨٨٤ التحق بالخدمة بوصفه ترجمانًا فى الحملة على السودان التى أنفذت لإنقاذ غوردن، ثم عاد إلى بيروت، وأقام فى لندن إقامة قصيرة (عام ١٨٨٦) استقر بعدها نهائيا فى القاهرة حيث قضى بضع سنوات فى التدريس والاشتراك فى تحرير صحيفة المقتطف، واقتصر نشاطه الأدبى على مصر فيما عدا رحلتيه إلى أوربا (١٨٨٦ و ١٩١٢ م)، ولم تتسن له زيارة تركية إلا بعد الثورة وذلك لبعض الأسباب السياسية (وزار إستانبول عام ١٩٠٨، وفلسطين عام ١٩١٣).
وكان مصنفه الأول لغوى الصبغة، وهو "فلسفة اللغة العربية" (١٨٨٦؛ الطبعة الثانية ١٩٠٤)، ومع أن هذا المصنف عالج بعض المسائل فى سذاجة فإنه يعد أول جهد طيب بذل فى تطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، وعاد زيدان إلى الموضوع نفسه فى كتاب "تاريخ اللغة العربية" (١٩٠٤)، ثم اتجه إلى الكتب التاريخية وكتب المتون: "تاريخ مصر الحديث، (جزءان، ١٨٨٩) و"تاريخ الماسونية العام" (١٨٨٩) و"التاريخ العام" (الجزء الأول) و"تاريخ اليونان والرومان" و"تاريخ إنكلترة" و"جغرافية مصر" و"الأنساب بين العرب القدماء"؛ بيد أن هذه المصنفات لم تلق نجاحًا كبيرًا؛ وفى عام ١٨٩١ ظهرت روايته التاريخية الأولى "المملوك الشارد" (ترجمها إلى الألمانية مارتن تيلو Martin Thilo، بارمن ١٩١٧) ثم شرع عام ١٨٩٢ فى نشر مجلته الأدبية "الهلال"، وقد ارتبطت حياته ارتباطا وثيقًا بهذه المجلة منذ ذاك إلى
стр. 5317
حين وفاته المبكرة؛ وكان زيدان جم النشاط عارمه، ولم يقتصر ذلك على كتابة جل مقالات هذه المجلة (وأعاد ولداه نشر أهمها فى ثلاثة أجزاء باسم "المختارات" ١٩١٩ - ١٩٢١، وجمع هو نفسه مقالات تتعلق بالسير ونشرها فى جزءين ١٩٠٢ - ١٩٢٣، الطبعة الثانية ١٩١٠ الطبعة الثالثة ١٩٢٢) بل كان زيدان يكتب فى كل عام رواية جديدة، ويصدر مجلدًا ذا صبغة تعليمية شعبية؛ وأضحى "الهلال" أوسع المجلات العربية انتشارًا، واشتهر اسم زيدان بوصفه روائيًا ومؤرخًا لا فى الأمم التى تتكلم العربية فحسب بل فى الشرق الإسلامى بأسره.
وتعالج جل رواياته (١٧ من ٢٢) صدر التاريخ الإسلامى من الفتح العربى إلى دولة المماليك (القرن الثالث عشر)؛ وكان مسرح ثلاث روايات أخرى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومشهد رواية رابعة فى مصر فى العقد الأخير من القرن التاسع عشر وفى أيام الثورة التركية؛ وقد طبع بعض هذه الروايات عدة طبعات (بلغت أربعًا)؛ وترجمت كل هذه الروايات تقريبًا إلى الفارسية والتركية والهندستانية والأذربيجانية، وترجم بعضها إلى اللغات الشرقية الأخرى وإلى اللغات الأوربية (عدا ترجمة تيلو Thiln، انظر مثلا ترجمة رواية "العباسة أخت الرشيد" مع مقدمة لكلود فارير، Claude Farrere، باريس ١٩١٢ و"اللَّه ساهر"، باريس ١٩٢٤)؛ وتنحصر الأهمية الكبرى لهذه المصنفات فى أنها بسّطت التاريخ، وقد كتبت بأسلوب سهل سلس طبعها بطابع شائق طلى، بيد أن هذه الروايات لا تروق كثيرًا فى نظر الذوق الأدبى الأوربى، ذلك أن أسلوب إنشائها عتيق وعاطفى بعض الشئ.
وكتابه "تاريخ التمدن الإسلامى" (٥ أجزاء ١٩٠٢ - ١٩٠٦) هو أهم مصنفاته التاريخية جميعا وقد بناه على المصنفات الأوربية المشهورة التى وضعها سديو Sedillot وكريمر Kremer وجولدسيهر Goldzihei وغيرهم، وقد أضاف إليه كثيرًا من المعلومات استقاها من المصادر العربية، وأكمله بما يعرفه عن الحياة الحديثة فى الشرق؛ وكان كتابه هذا عملا جليلا من الطراز الأول فى نظر البلاد الإسلامية، ولذلك كان
стр. 5318
من الطبيعى أن يترجم إلى لغات أخرى (الفارسية والتركية والهندستانية) (انظر Bouvat فى J.A. المجموعة ١٠، جـ ١٩، ١٩١٢، ص ٤٠١ - ٤٠٢)، بل إن الدارس الأوربى كثيرًا ما يجد فيه تفصيلات لا يجدها فى مكان آخر (انظر ده غوى de Goeje فى J.A، المجموعة ١٠؛ جـ ٣، ١٩٠٤، ص ٣٥٦ - ٣٥٩)، وقد ترجم مركوليوث D. S. Margoliouth المجلد الرابع إلى الإنجليزية (G.M.S. جـ ٤، ليدن ١٩٠٧). وثمة تتمة لكتابه "تاريخ التمدن الإسلامى" هى "تاريخ العرب قبل الإسلام" (١٩٠٨)، بيد أنه لم يتمه، وفيه كل مزايا مصنفه الأكبر وعيوبه.
ولا يقل عن هذا شأنا فى نظر الشرق مصنفه العظيم الأخير "تاريخ آداب اللغة العربية" (٤ أجزاء، ١٩١١ - ١٩١٤، وله فهرس وضع ١٩٢٢؛ طبع طبعة مختصرة فى مجلد واحد ١٩٢٤)؛ وكان هذا المصنف أول كتاب بالعربية ترسم المبادئ الأوربية؛ وقد بني زيدان مصنفه على أساس كتب بروكلمان Brockelmann وإيوار Huart وغيرهما، وكذلك استخدم المجموعات المصرية من المخطوطات، وأخرج من هنا وهناك مواد جديدة للعلماء الأوربيين. على أن استخدامه للمصادر الأوربية لم يخل دائمًا من النقد، كما تدل على ذلك انتقادات شيخو (المشرق جـ ١٤، ١٩١١, ص ٥٨٢ - ٥٩٥؛ جـ ١٥، ١٩١٢، ص ٥٩٧ - ٦١٠؛ جـ ١٦، ١٩١٣، ص ٧٩٢ - ٧٩٤) وانتقادات الأب أنسطاس (لغة العرب، جـ ١، ١٩١٢، ص ٣٩٢ - ٣٩٧؛ جـ ٢، ١٩١٢، ص ٥٢ - ٦٢ و ١٣٩ - ١٤٦ و ٢٠٥ - ٢٠٩؛ جـ ٤، ١٩١٤، ص ٨٢ - ٩٠، انظر أيضًا "فى أوقات الفراغ" لمحمد حسين هيكل، القاهرة ١٩٢٥، ص ٢٢١ - ٢٤٧)؛ والمجلد الرابع من هذا الكتاب هو أهم المجلدات فى نظر العلماء الأوربيين، فهو يعرض الأدب العربى فى القرن التاسع عشر عرضًا جميلا، ثم إنه هو ونظائره من مصنفات شيخو وطرازى تعد مصادرنا الوحيدة لدراسة هذه الحقبة من الزمن (١).
стр. 5319
ونذكر من مصنفاته الأخرى ما يلى: "علم الفراسة" و"طبقات الأمم" و"عجائب المخلوقات"، ووصف رحلته إلى أوربا (فى الهلال وقد أعيد طبعها مستقلة عام ١٩٢٣)، وقد ترك "مذكرات" نستطيع الحكم على عظم طرافتها مما نشر من مقتطفاتها.
ولم يكن زيدان بالباحث المبتكر، بيد أنه كان رائدًا بالنسبة للبلاد التى تتكلم العربية والعارفة بطرائق الأوربيين. فقد يسرَّ لنا الرجوع إلى مواضيع كثيرة مختلفة، وبين أن كل عربى يجب عليه الاهتمام بتقدم أساليب الأوربيين الفنية وعلومهم الرياضية فضلا عن اهتمامه بتاريخه وأدبه؛ ولم يكن زيدان من أصحاب الأفكار الثورية فى الميدان العقلى، وإنما كان ذا خلق رفيع نبيل؛ وكثيرًا ما كان يوجه النقد المر إلى مصنفاته، بيد أن هذا النقد كان تافهًا فى معظمه (انظر مثلا "نبش الهذيان من تأريخ جرجى زيدان" لأمين المدنى، بمباى ١٣٠٧؛ أو "البرهان فى انتقاد رواية عذراء قريش" ليوسف طبشى: القاهرة ١٩٠٠ وخاصة "انتقاد كتاب تأريخ التمدن الإسلامى" لشبلى النعمانى، القاهرة ١٣٣٠)؛ ولم يكن المسلمون المحافظون ليرضوا بأن يعمد زيدان وهو الكاتب المسيحى إلى الخوض فى موضوعات إسلامية بحتة، ويتجلى ذلك بأجلى بيان فى الهجمات التى تعرض لها عندما عرض عليه منصب الأستاذية فى الجامعة المصرية أما المتعصبون للغة العربية وسلامتها (من أمثال إبراهيم اليازجى) فقد انتقدوا لغته وأسلوبه انتقاد من يتصيد الأخطاء؛ وقد أبرز الربع الأول من القرن العشرين ما كان لزيدان من شأن كبير فى تاريخ الأدب العربى الحديث وفى المجتمع العربى الحديث.
المصادر:
الأقوال الأوربية فى زيدان ليست كاملة (انظر مثلا G.A.L.: Brockelmann، جـ ٢ ص ٤٨٣.
(١) على أن أهمها هى كتابات:
(١) The Arabic Press of Egypt: Hartmann، لندن ١٨٩٩، ص ٣٥ - ٣٦، ٧٢.
(٢) المؤلف نفسه: Die Arabisahe Frage، ليبسك ١٩٠٩، ص ٥٨٦ - ٥٨٨.
стр. 5320
(٣) Margoliouth فى J.R.A.S، ٣٦. (١٩٠٤)، ص ٥٨٢ - ٥٨٦.
(٤) Desormeaux فى R.M.M، جـ ٤ (١٩٠٨)، ص ٨٣٨ - ٨٤٥.
(٥) Studies in Contemporary Arabic Literature: H.A.R. Gibb فى B.S.O.S، جـ ٤، ص ٧٥٩ - ٧٦٠.
(٦) Index zur neueren arabischen Literatur: G. Kampffimeyer فى M.S.O.S، جـ ٣١ الفصل الثانى، ١٩٢٨ ص ٢٠٥؛ وانظر أيضًا:
(٧) ل. شيخو: تاريخ الآداب العربية فى الربع الأول من القرن العشرين، بيروت ١٩٢٦، ص ٧١.
(٨) Dictionnaire encyclopedique de bibliographie arabe: J. Sarkis القاهرة ١٩٢٩، ص ٩٨٥ - ٩٨٧.
(٩) وقد كتب Ign. Krackowsky مقالا: Der historische Roman in der neueren arabischen Litteratur، ليبسك ١٩٣٠ (= W.I، جـ ١٢، ص ٦٩ - ٧٩) عن صفاته العامة وسيرته، أساسه العلاقات الشخصية مع الإشارة بوجه خاص إلى رواياته.
(١٠) السيرة العربية مع صورة فى "مرآة العصر فى تاريخ ورسوم أكابر الرجال بمصر" لإلياس زخوره، القاهرة ١٨٩٧، ص ٤٥٧ - ٤٦٤، وفي ملحق المجلد الرابع من كتاب زيدان "تاريخ الأدب العربى" الذى ظهر بعد وفاته (القاهرة ١٩١٤، ص ٣٢٣ - ٣٢٦؛ وكذلك تضمن الملحق بيانًا بمصنفاته)؛ وقد أعيد طبع السيرة مطولة (مع خمس صور) على هيئة مقدمة للمجلد الأول من مختاراته (القاهرة ١٩١٩، ص ٧ - ١٦).
(١١) وانظر أيضًا "الهلال فى أربعين سنة" (القاهرة ١٩٣٢، ص ٩ - ٤٠)، ولا جدال فى أن شخصيته جديرة بمقال محكم.
صبحى [كراتشكوفسكى Ign. Kratschkowsky]
زيد بن ثابت
ابن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمر بن عبد مناف (أو عوف) بن غنم ابن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى: صحابى يرجع معظم الفضل فى شهرته إلى اشتراكه فى كتابة
стр. 5321
الوحى. وقد قتل أبوه يوم بعاث -قبل الهجرة بخمس سنين، وكان زيد فى السادسة من عمره، وأمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدى، وكانت هى أيضًا من بنى النجّار.
ويقال إن الغلام كان يحفظ بعض السور عندما استقر النبى ﷺ فى المدينة. ومهما يكن من شئ فإن زيدًا غدا كاتبه، وقد دوّن بعض ما نزل على النبى ﷺ من الوحى، وتولى كتابة رسائله إلى اليهود. ويقال إنه تعلم لغتهم فى ١٧ يومًا أو أقل؛ وقد أطرى معاصروه سرعة إدراكه وحكمته وعلمه؛ وكان يلقّب بـ "حبر هذه الأمة".
وتولى زيد بعد وفاة النبى ﷺ مناصب تتفاوت فى الشأن، فقد عهد إليه عمر ثم عثمان بولاية المدينة عندما خرجا للحج، وصحب عمر إلى الشام، وتولى قسم الغنائم بعد وقعة اليرموك وكتب أثباتًا بأسماء من سجلوا فى الديوان عندما أنشأه عمر، وكان قاضيًا فى المدينة ومتوليًا شئون المال فى عهد عثمان: فلما مات عثمان ظل زيد بمعزل عن على، ولو أنه كان يظهر له ما هو أهل له من توقير، على أنه يقال (الطبرى، جـ ١، ص ٣٠٧٠ و ٣٠٧٢) إنه رفض أن يبايعه.
وأشهر ما عرف به اشتراكه فى كتابة القرآن وكان خبيرًا فى شئون التوريث.
ومات زيد عام ٤٥ هـ (٦٦٥ - ٦٦٦ م) وجاء فى روايات أخرى أن وفاته كانت سنة ٤٢ أو ٤٣ أو ٥١ أو ٥٥ أو ٥٦، وقد صلى عليه مروان بن الحكم.
المصادر:
(١) ابن هشام: السيرة، طبعة Wustenfeld، ص ٥٦٠.
(٢) اليعقوبى: طبعة Houtsma، الفهرست.
(٣) الطبرى: طبعة ده غوى De Goeje جـ ١، ص ٢٩٣٧ و ٣٠٥٨ و ٣٠٧٠ و ٣٠٧٢؛ جـ ٢، ص ٨٣٦؛ انظر أيضًا الفهارس.
(٤) ابن سعد: طبعة Sachau, جـ ٢/ ٢، ص ١١٥ - ١١٧.
(٥) النووى: تهذيب الأسماع، طبعة Wustenfeld, ص ٢٥٩ وما بعدها.
(٦) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٢٢١ - ٢٢٣.
стр. 5322
(٧) ابن حجر العسقلانى الإصابة، رقم ٢٨٦٥؛ المؤلف نفسه: تهذيب التهذيب، حيدر آباد ١٣٢٥ هـ، جـ ٣، ص ٣٩٩ وما بعدها.
(٨) Geschichte des Qorans: Noldeke-Schwally جـ ٢، ص ٥٤.
(٩) Das Leben und die Lehre des Mohammad: Sprenger جـ ٣ ص ٣٩ وما بعدها.
(١٠) Annali dell' Islam: L-Caetani, فهرست المجلدين ١ - ٢ و ٣ - ٥.
(١١) المؤلف نفسه Chron Islamica, ص ٥٠٥.
(١٢) Handbook of Early Mu h Wensinck Tradition, مادة زيد بن ثابت.
صبحى [فنسنك A.J. Wensinck]
زيد بن حارثة
ابن شراحيل الكلبى أبو أسامة، رقيق جاء به إلى مكة حكيم بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة وكان قد اشتراه من الشام وأهداه إليها، ثم أهدته خديجة إلى محمد ﷺ قبل أن يبعثه اللَّه رسولا. وسعى أبوه إلى مكة ليعتق ابنه، ولكن زيدًا رفض أن يترك محمدًا ﷺ ومن ثم أعتقه محمد ﷺ وتبناه، وعرف منذ ذلك الوقت بزيد بن محمد ﷺ ، وكثيرًا ما كان يشترك فى تجارة أبيه بالتبنى.
وكان زيد يصغر محمدًا ﷺ بنحو عشر سنوات، وهو من السابقين إلى الإسلام، إن لم يكن أولهم جميعًا؛ وزيد ينحدر من قبيلة كانت تضرب قرب دومة الجندل.
وقد آخى زيد فى المدينة حمزة بن عبد المطلب، وفي العام الأول للهجرة شخص إلى مكة ليصحب سودة بنت زمعة وبنات الرسول ﷺ إلى المدينة؛ وكان زيد مقاتلا باسلا، شهد بدرًا وأحد والخندق، كما شهد الحديبية، وكان على رأس عدة سرايا (القَرَدة فى العام الثانى للهجرة، والجَمون والعيس فى العام السادس وغيرها)، وكثيرًا ما كان يترك على رأس حامية المدينة عندما كان محمد ﷺ يخرج فى بعض غزواته (انظر فيما يتصل بزواجه من زينب بنت جحش وطلاقه منها؛ وقد نزلت عقب هذا الطلاق الآية الكريمة التى ألغت التبنى "سورة الأحزاب، الآية
стр. 5323
٤٠")؛ وتزوج زيد، بعد طلاقه من زينب، بأم كلثوم بنت عقبة فولدت له زيدًا ورقية، ثم تزوج من درة بنت أبي لهب، وقد طلق الاثنتين؛ على أنه عاد فتزوج هندًا بنت العوام وعتيقة الرسول ﷺ الجارية أم أيمن فولدت له أسامة.
وتوفى زيد فى العام الثامن للهجرة فى الخامسة والخمسين من عمره تقريبًا وهو على رأس غزوة مؤتة وكان حامل لوائها؛ وقد حزن عليه محمد ﷺ ودبر أمر الانتقام له؛ ولزيد مكانة فى الحديث، ويرجع ذلك إلى سببين، أولهما محبة النبى ﷺ له مما دعا الأحاديث الصحاح إلى القول بأنه حبيب رسول اللَّه وأنه آثره على على بن أبى طالب (١)، والثانى أنه قد ذكر فى القرآن.
المصادر:
(١) ابن سعد، طبعة Sachau، جـ ٣/ ١، ص ٢٦ - ٣١.
(٢) ابن إسحاق: طبعة Wustenfeld ص ١٦٠ - ١٦١ و ٨٠١ - ٨٠٢.
(٣) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٢٢٤ - ٢٢٧.
(٤) Annali dell' Islam: Caetani، المقدمة الفصول ١٧٥ و ٢٢٣ و ٢٢٦ و ٢٢٧؛ العام الأول للهجرة - الفصل ١٥ رقم ٥٠، والفصلان ٥٠ و ٥٣؛ العام الخامس للهجرة، الفصل ٢٠١، العام الثامن للهجرة، الفصول ٧ - ١٥.
(٥) Fatima et les ٣ fllles de Mahomet: Lammens فى مواضع متفرقة.
صبحى [فكا V. Vacca]
زيد بن على
زين العابدين وإليه ينسب الزيدية وهم الذين يقدسونه شهيدًا سياسيًا ودينيًا؛ وحلت النكبة بجده الحسين بن على فى كربلاء، فكان زيد بن على أول علوى سعى إلى حرمان بنى أمية من الخلافة بالفتنة المسلحة، فوضع نفسه تحت إمرة الكوفيين متخذًا صفة الإمام؛ وقد قضى سنة يتجهز فى الكوفة، فيما عدا فترة لا تتجاوز الشهرين كان يبحث فيها عن أتباع فى البصرة؛ وكان
стр. 5324
يختفى خلال إقامته فى الكوفة فى مخابئ دأب على تغييرها، ولكنه ما إن أصبح مستعدًا لبدء القتال حتى كان الوالى يوسف بن عمر الثقفى، وكان وقتئذ غائبًا بالحيرة، قد أثبت أنه اتخذ للأمر أهبته فلم ينضم إلى زيد إلا بضع مئات من الرجال بالرغم من أن آلافًا منهم كانوا قد بايعوه بالإمامة؛ واستمر القتال فى الطرقات بضعة أيام أصيب بعدها زيد فى مقتل، وأخفيت جثته فى مخبأ تحت الماء إلا أن بعضهم أفشى سر هذا المخبأ، فعرض جثمان زيد فى الكوفة ورأسه فى دمشق ومكة والمدينة؛ وقد نقل الطبرى عن أبى مخنف وصفا حيا مسهبا لتفصيلات القتال رواية عن بعض من عمروا بعده، بيد أن تاريخ القتال نفسه الذى وقع فى مستهل عام ١٢٢ هـ (٧٤٠ م) ليس محققًا تمامًا، ذلك أن زيدًا فيما يظهر قد اضطر أن يسارع بفتنته قبل أجلها الذى جعله بينه وبين أهل الكوفة ببضعة أيام نظرًا لبراعة رجال الشرطة السرية؛ والقول بأن تاريخ هذه الفتنة كان سنة ١٢١ أو حتى سنة ١٢٠ فيه على ما نظن إغفال للمدة الطويلة التى كان يقتضيها التجهيز لهذه الفتنة. ويرجع الفضل فى نجاح شرطة الأمويين، ولم يكن عددهم كبيرًا بأى حال، إلى ما عرف عن متآمرى أهل الكوفة من تردد. فقد التأم شملهم فى المسجد الجامع وتركوا الباب يغلق دونهم، ولم يؤازروا زيدًا فى جهوده لإطلاق سراحهم، مع أن هذه الجهود كادت تكلل بالنجاح عدة مرات؛ ولم يكن بين هؤلاء المتآمرين شئ من التجانس، وإنما كانوا نفرًا من الساخطين على الحكومة، بل كان بينهم بعض الخوارج، ثم إنه لم ينصر زيدًا أحد ممن أجمعوا على أن يلى الخلافة رجل من العلويين. أما الرواية التى تقول إن كثيرًا من الذين تخلوا عنه لجأوا إلى أخيه محمد الباقر بوصفه الإمام الحق فلعلها تأثرت بالاضطراب الذى ساد صفوف الشيعة بعدئذ قبل أوانه، زد على ذلك أن زيدًا نفسه لم يكن زعيم الحركة الحقيقى، ذلك أنه لم يأت الكوفة بمحض رغبته، بل كان فى الرصافة مع الخليفة هشام بن عبد الملك وكان قد لجأ إليه فى إبان حاجته وعوزه، وإذا بالوالى يستدعيه إلى الكوفة ليسأله فى قضية تتصل بَديْن
стр. 5325
عليه، وكان زيد نفسه يخامره الشك فى نجاح ما دبر، وما إن انقضت أربعة أشهر حتى أراد أن ينسحب تمامًا من تنفيذ خطته، وبلغ القادسية فى طريقه إلى المدينة مسقط رأسه عندما استماله إلى العودة بعض الشيعة وكانوا قد هرعوا وراءه.
وقد بقيت بعض الكتابات والمقتطفات التى نسبت إلى زيد، وهى تتضمن تفاسير لبعض آيات القرآن ومسألتى الإمامة والحج. وتشمل بصفة خاصة مجملا كاملا للفقه؛ ولكنها فى صورتها الحالية تعرض لمسائل فى الدين والشعائر والشريعة والسياسة تناقض بعضها بعضا فى كثير من الأحيان، كما تناقض المبادئ التى قالت بها كتب الزيدية المتأخرة والتى صدق عليها زيد. على أنها تعد شواهد على أنه كان على حظ من العلم. ولا ينبغى لنا أن نحفل كثيرًا بلقب التشريف الذى لقب به زيد، وهو "حليف القرآن" ولا بالرواية الزيدية التى تقول إن أبا حنيفة درس عليه وأيد فتنته بالفتوى والمال، ومع ذلك فإننا نستدل من هذين الشاهدين على الخبرة الفقهية التى دافع بها أبرع دفاع عن قضايا آل الحسين فى مطالبتهم آل الحسن بميراث بيت على.
وذاع صيت زيد فى أغانى المغنين، بل إن هذا الصيت يرد إلى تاريخ مبكر يرجع إلى السيد الحميرى الذى ذكر زيدًا كما ذكرته كتب "المقاتل" القديمة وقد حاولت القصص أن تكفّر عن المعاملة المشينة التى عومل بها جثمانه، فساقت حكايات عن كراماته، على أننا نستطيع أن نقول بصفة عامة إن الأوصاف التى ذكرتها هذه الحكايات كانت معتدلة بعض الشئ تمشيا مع مذهب الزيدية. وكان زيد ما زال فى الحلقة الخامسة من عمره عند وفاته، وكان أميل إلى البدانة شأنه فى ذلك شأن العلويين جميعًا؛ وكانت أمه أمة، وقد تزوج هو نفسه ريطة حفيدة محمد ابن الحنفية فولدت له يحيى الذى اشترك فى الفتنة، واستطاع أن يهرب إلى خراسان حيث كان أنصار زيد يعملون. ولكنه لقى نفس المصير الذى لقيه أبوه عام ١٢٥ أو ١٢٦ هـ (٧٤٣ أو ٧٤٤ م)؛ وقد ادّعى رأس الزنج أنه حفيد يحيى هذا. والحق أن سلالة زيد كانت قد انقرضت قبيل ذلك، ولم يكن