المسلمين فى القسم الثانى من هذه المادة. وأحدثت الأخلاق الفلسفية، كما بُيِّن فى الفقرات من ٨ إلى ١٠ من هذا القسم، أثرًا فى كتب الأدب، بل إن ثمة أمرا يزيد عن ذلك فى أهميته زيادة كبيرة، وهو أن الأخلاق الفلسفية على الصورة التى أبرزها بها مسكويه وجدت قبولًا تامًا عند متكلم مسموع الكلمة كالغزالى، وبذلك اندمجت فى التراث الدينى. وقد عُرف مذهب مسكويه أيضًا عن طريق آخر هو المؤلفات الفارسية لكتاب مثل الطوسى والدوّانى. على أن الأخلاق الصوفية الصرف أصبح لها بفضل فحول الشعراء الفرس سلطان ضخم فى العالم الإسلامى الشرقى بما فى ذلك تركية، وهو سلطان كان يقابله ويدغمه فى جميع البلاد ما كان للطرق الصوفية من مكانة اجتماعية عظيمة الشأن وتغلغل أعضائها من غير المتصوفة فى جميع الطبقات.
٦ - وقد كان للتحول القوى عن الصوفية فى أوساط المسلمين السنيين أثناء القرن الأخير أثر موازٍ له فى الفكر الإسلامى الأخلاقى، فقد انتقض على السلبية المطلقة التى تتسم بها الأخلاق عتد المتصوفة وجتح إلى الاتجاه نحو أخلاق فعالة عبر عنها بشئ من التحفظ زعماء من أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده، كما عبر عنها آخرون فى أسلوب معتزلى أصرح. وفى خارج الأوساط الدينية، أثارت هذه النزعة نفسها -يدعمها ما أحدثته الفلسفات الغربية من أثر، وتقترن بها التطورات الداخلية الاجتماعية والسياسية- أنماطًا من النظر الأخلاقى أكثر ثورية، وخاصة عند عالم الاجتماع التركى ضيا كوك آلب والشاعر الهندى محمد إقبال، على أن من الأصوب أن ننظر إلى جميع هؤلاء على اعتبار أنهم يملكون مراحل انتقال فى الفكر الإسلامى الحديث.
الأب قنواتى [فالتزر وجب walm- Gibb]
(٢) الأخلاق الفلسفية
١ - تعد الأخلاق فى تصنيف فروع الفلسفة المختلفة هى و"العلم المدنى" Politics و"تدبير المنزل" جزءا من الفلسفة العملية، ويصف
стр. 562
حنين بن إسحاق فى رسالته عن الترجمات السريانية والعربية كتاب "فى الأخلاق" لجالينوس فيقول إن جالينوس يتناول فيه "الأخلاق" على اختلافها ودلالاتها وعلاجها (طبعة rgs، رقم ١١٩؛ وانظر رسائل سنيكا، جـ ٩٥، ص ٦٥)، ويكاد الغزالى يستعمل نفس الكلمات اذ يقول (المنقذ من الضلال، ص ٩٩) إن الأخلاق فرع من الفلسفة يشمل "حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها، وكيفية معالجتها ومجاهدتها". وهذا التعريف نفسه يرد بعد فيما رواه حاجى خليفة فى مادة أخلاق عن ابن صدر الدين الشروانى المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ. (١٦٢٦ - ١٦٢٧ م): "هو علم بالفضائل وكيفية اقتنائها لتتحلى النفس بها، وبالرذائل وكيفية توقِّيها لتتخلى عنها، فموضوعه الأخلاق والملكات والنفس الناطقة من حيث الاتّصاف بها". والأخلاق من حيث هى مذهب فلسفى لم تجتذب أول الأمر إلا أوساطًا محدودة من أشخاص اهتموا بالفلسفة اليونانية. فلما أكد القائلون بهذه الفلسفة أن الأخلاق الفلسفية لا يقصد بها مخالفة الإسلام بل تكملته أو تثبيته أمكن إدماج هذه الأفكار آخر الأمر فى التراث الدينى والاحتفاظ ببعض سلطانها حتى فى القرون المتأخرة.
٢ - سلكت الفلسفة الأخلاقية اليونانية فى بلوغها العرب طرقًا شتى تقاربت فى النهاية، ذلك أن أمهات الكتب التى أثِرَت عن أيام اليونان القديمة وقرئت فى المدارس الفلسفية المتأخرة -مثل جمهورية أفلاطون، وطيماوس، والقوانين- قد عرفت فى نصها الأصلى وشروحها ومختصراتها وعرف "كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس" لأرسطو الذى يضم بين دفتيه أحد عشر مجلدًا، من ترجمة إسحاق بن حنين له. وقد اكتشفت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر والحادى عشر من النص العربى المطابقة للمجلدات من ٧ - ١٠، بحسب التقسيم المأثور للكتاب، فى مخطوط مراكشى (انظر o A.J. Arberry فى Oriental and African Studies. سنة
стр. 563
١٩٥٥ م، ص ١ وما بعدها). ويشتمل هذا المخطوط نفسه على موجز لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخس بقلم نيقولاوس الدمشقى (القرن الأول قبل الميلاد). وقد نقل شرح فورفريوس (انظر كتاب الفهرست و Vie de Porphyre J. Bidez، كاند وليبسك سنة ١٩١٣ م، ص ٥٦ - ٥٨) وأفاد منه فيما يرجح إفادة عظيمة مسكويه فى كتابة الفصول الثالث والرابع والخامس من كتابه "تجارب الأمم" (انظر الفقرة ٧ فيما يلى). وكان العرب يعرفون أيضًا موجزًا يونانيًا متأخرًا لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخس (موجز السكندريين) ومنه مقتطفات فى مخطوط بمكتبة تيمور باشا (أخلاق ٢٩٠، رقم ١٦). وقد ترجم هذا الموجز إلى اللاتينية هرمان الجرمانى سنة ١٢٣٤ أو ١٢٤٤ م (Aristotles Latinus. جـ ٢، كمبردج سنة ١٩٥٥ م، ص ١٣٠٨). وقد كتب الفارابى شرحًا على مقدمة كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس أشار إليه الكتاب الأسيان من أعيان القرن الثانى عشر (انظر Al-Farabi: M. Steinschneider سانت بطرسبرغ سنة ١٨٦٩ م، ص ٦٠).
وشرح ابن رشد الأوسط الذى كتب سنة ١١٧٧ م محفوظ فى ترجمة لاتينية قام بها هرمان نفسه سنة ١٢٤٠ م (انظر، جـ ٢، ص ١٣٠٨) وفى ترجمة عبرية ترجع إلى سنة ١٣٢١ م قام بها صموئيل ابن يهوذا من أهل مرسيليا (hebr Uber-: M. Steinschneider ص ٢١٧).
ومن الكتب اليونانية غير المعروفة كثير، فى التراث الغربى وإن كانت واسعة الانتشار فى العالم العربى رسائل ثلاث لجالينوس:
(١) رسالة: "فى الأخلاق" وقد فقد أصلها اليونانى ولم تبق إلا فى ثوبها العربى (الموجز العربى الذى نشره فى مجلة كلية الآداب بالجامعة المصرية، مجلد ٥، جـ ١، وانظر s R. Walter فى Quarterly سنة ١٩٤٩ م، ص ٨٢ وما بعدها؛ الكاتب نفسه فى Harvard Theological Review، سنة ١٩٥٤ م، ص ٢٤٣ وما بعدها؛ sical Quarterly، سنة ١٩٥٦ م).
стр. 564
(٢) "تعريف المرء عيوبه" (انظر. Graec جـ ٥، ص ٤، ١١؛ حنين: رسالة، رقم ١١٨).
(٣) "انتفاع الأخيار بأعدائهم" (فقد أصلها اليونانى وبقيت ترجمة حنين رقم ١٢١). وقد استشهد مسكويه برسالة لثامسطيوس وأخطأ فى ذكر اسمها. وثمة رسالة أخرى منسوبة له بقيت باللغة العربية (نشرها لويس شيخو فى مجلة المشرق، سنة ١٩٢٠ م، ص ٨٨٧ - ٨٨٩، ترجمها Arch. de Philosophie سنة ١٩٢٤ م، ص ١٥ وما بعدها). ولاشك أنه كانت هناك كتب يونانية متأخرة أخرى انتهى إلى العرب بوساطتها الفكر اليونانى الأفلاطونى الأوسط تشوبه مسحة قليلة من الأفكار الأفلاطونية المحدثة. ومن الرسائل الأخرى التى درسها العرب فى الفلسفة الأخلاقية السابقة للأفلاطونية المحدثة رسالة فى "لغز قايس" the Platonist التى نقلها مسكويه فى كتابه "جاوذان خرد" (طبعة بدوى، ص ٢٢٩ وما بعدها؛ وهناك نسخ منفصلة قام بها El is. ليدن سنة ١٦٤٠ م و Rene Basset , الجزائر سنة ١٨٩٨ م) ورسالة بريسون الفيثاغورى المحدث فى تدبير المنزل. (obwwc: ). ولم يبق إلا ترجمتها العربية التى أمعن مسكويه فى الاستشهاد بها (طبعة
Pless، هيدلبرغ سنة ١٩٢٨ م)؛ "المذهبات" المنسوبة إلى فيثاغوراس والمقالة المنحولة لأفلاطون فى تأديب الأحداث هما وثيقتان فيثاغوريتان تأثر بهما مسكويه (انظر senthal فى prienmlia, سنة ١٩٤١ م، ص ١٠٤ وما بعدها, ٣٨٣ وما بعدها).
٣ - والظاهر أن رسائل الكندى الفلسفية (الفهرست، رقم ١٩٠ - ١٩١، ١٩٣ - ١٩٦؛ وانظر أيضًا Racentha: Al-.Sarakhsi جـ ٢ أ، ص ١٠ - ١٢، ١٦ - ١٧) قد قدرها الكتّاب المسلمون اللاحقون؛ وأفاد مسكويه
(التهذيب، ص ٧٠ وما بعدها) وابن سينا وغيرهما من رسالته "كتاب دفع الأحزان" (طبعة: H. Ritter-R-Waltzer , Studi su Kind رومة سنة ١٩٣٨ م؛ M . Pohlenz , فى Gouinger Gelehrte
стр. 565
سنة ١٩٣٨ م، ص ٤٠٤ وما بعدها). وربما كان مسكويه (ص ٦١) قد نقل شاهدًا آخر من كتاب الكندى المفقود "فى الأخلاق" وهذا الكتاب عرفه الغزالى أيضاً (F. Rosenthal فى lia سنة ١٩٤٠ م، ص ١٨٦ وما بعدها). ولا يشذ الكندى (انظر "الحدود" فى الرسائل طبعة أبو ريده، ص ١٧٧ - ١٧٨ وغير ذلك من مواضع فى رسائله) عن الفلاسفة الرواقيين جالينوس وغيره من الفلاسفة اليونانيين، ذلك أنه اعتمد فى فلسفته الأخلاقية على تقسيم النفس إلى ثلاث نفوس أو قوى: هى النفس الناطقة والنفس الانفعالية والنفس المشتهية، وعلى التحديد الأفلاطونى لأمهات الفضائل وهى الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة ويرتبط كل من هذه الفضائل بدوره بعدد من الفضائل الفرعية. ويمكن أن يقارن هذا التقسيم، مع خلاف فى التفصيلات، بالتقسيم الرواقى للفضائل والرذائل أو بكتاب "فى الفضائل والرذائل" المنحول لأرسطو (بروكلمان، قسم ١، ص ٨٨٤). وقد اقترن عنده التعريف الأرسطى للفضيلة بأنها وسط بين طرفين بنزعة أفلاطونية (انظر فرفوريوس، الفصل ٣٢، ص ٢ و: معانى النفس، ص ٢٠) والراجح -فيما يبدو لنا- أن مسكويه قد اعتمد فى الفصل الأول من كتابه "تهذيب الأخلاق" على دراسة الكندى للفضائل والرذائل، ولو أن الشواهد الميسورة لنا فى كتبه القليلة الباقية قليلة بشكل واضح. ويمكننا أن نقول بصفة عامة إنه ليس فى فلسفة الكندى العامة المائلة إلى الأفلاطونية أية نزعة متطرفة من الأفلاطونية المحدثة، وتمتزج فى فلسفته هذه العناصر الأفلاطونية والمشائية والرواقية على نحو ليس غريبًا عن الرسائل الأخلاقية العامة فى العالم اليونانى المتأخر وما بعده.
٤ - وتعتمد رسالة قسطا بن لوقا النصرانى "فى الطبائع" وهى التى تناول فيها أسباب الخلاف بين الناس فى أخلاقهم وطرق حياتهم ورغباتهم الخلقية (طبعة الأب شباط P. Sbath فى Bulletin de I'Institut Egyptien, سنة
стр. 566
١٩٤١) على التقسيم الأفلاطونى الثلاثى للنفس كما تعتمد بعامة على آراء نجدها عند جالينوس.
٥ - والظاهر أن رسالة الكندى "كتاب الطب الروحانى" فقدت، ولكن بحث الرازى الرائع للموضوح نفسه ميسور فى نسخة نقدية للنص العربى ra Philosophical طبعة kraus ص ١٥ - ١٩٦؛ الترجمة الإنكليزية التى قام بها. دول لندن سنة ١٩٥٠ م) وقد كتب هذا البحث -كما ينتظر من هذا المسلم" الأفلاطونى" - بنزعة افلاطونية قاطعة، ولا أثر فيه للعناصر الأرسطية التى نجدها فى الكندى ومسكويه. ويجب أن يدرس مع دفاعه المستقى من سيرته الذاتية عن الأسلوب الفلسفى فى الحياة). opera، ص ٩٨ - ١١١؛ الترجمة الفرنسية التى قام بها. p kraus فى Orienwlia سنة ١٩٣٥ م، ص ٣٠٠ وما بعدها؛ الترجمة الإنكليزية التى نشرها Arberry: Asiatic Review سنة ١٩٤٩). على أن تفسير الرازى للفلسفة الأخلاقية عند اليونان لم يؤثر فى المجرى الرئيسى للاخلاق الفلسفية فى الاسلام.
٦ - وتعرض رسالة الفيلسوف اليعقوبى يحيى بن عدى، "فى تهذيب الأخلاق" صورة أخرى للفكر اليونانى وليس فيها أية أفكار مسيحية متميزة كما أنها خلت من أثر أرسطو كما هى الحال عند الرازى. وتعتمد هذه الرسالة على التقسيم الثلاثى الأفلاطونى للنفس، ولكنها لا ترجع على التخصيص الفضائل الإحدى والعشرين والرذائل المقابلة لها إلى النفوس الثلاث ولا تخضعها لأمهات الفضائل الأربع ومقابلاتها (التى أثبتت ضمنها). والراجح أن هذا التقسيم يعتمد فى النهاية على أصل يونانى مفقود ينتسب للفلسفة السابقة للأفلاطونية المحدئة. أما الفصل الأخير فى هذه الرسالة الخاص بالكلام على الإنسان الكامل الذى يعتمد فى حياته على مطالب نفسه العاقلة ويروض نفسه على أن يحب كل إنسان من البشر، فإنه يجمع بين النزعتين الرواقية والأفلاطونية المحدثة ولا يختلف كثيرا عن أفكار الفارابى.
стр. 567
٧ - وأعظم الكتب أثرًا فى الفلسفة الأخلاقية هو كتاب "تجارب الأمم" لمسكويه المتوفى سنة) mfr (١٠٣٠ م؛ وثمة تحليل لمحتوياته فى كتاب ده بور، ص ٥٠٧ Donaldson j. ص ١٢٧ - ١٣٣؛ أما الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب التى أعدها. (. ول M. Craig فهى تحت الطبع). ويرفض مسكويه رفضا قاطعا أن يدخل الشعراء الجاهليين فى عداد المعلمين ولكنه لا ينكر التراث الفارسى فى الأخلاق، وهو يؤكد فى عدة نظرات تستلفت النظر أن الفلسفة الأخلاقية اليونانية تتفق مع العقائد الأساسية للإسلام. على أنه يحاول أن يوائم بين الحقيقة التى جاء بها الوحى والحقيقة الفلسفية على أساس من الفكر العقلى. ولهذا السبب لا يستطيع مفكر دينى صريح أن يتقبل آراءه إلا إذا مال بها ميلًا خاصًا. أما الكتاب اليونان القلائل الذين يذكرون بالاسم أو تنقل عنهم شواهد مطولة، فجميعهم من القرون المتأخرة للإمبراطورية الرومانية، وهم جالينوس) انظر الفقرة ٢ آنفا)، وبرايسون (فى التأديب الصحيح للصبيان، انظر ٥٦٠ المصدر المذكور) وفرفوريوس فى شرحه كتاب الأخلاق لأرسطو، وثامسطيوس الذى استشهد به فالتبس اسمه بسقراط (انظر nthal فى Culture سنة ١٩٤٠ م، ص ٤٠٣). وترد فى نص هذه الكتب المتأخرة إشارات إلى أرسطو وأفلاطون. ومع أن الكندى لا يذكر بالاسم إلا مرتين فحسب، فإن مسكويه فيما يرجح مدين للكندى إلى حد كبير (انظر الفقرة ٣ آنفاً). وهو ينقل فى الفصول الثالث والرابع والخامس من كتابه نقلاً أدخل فى النقل الحرفى ما كتبه أفلاطونى محدث فى شرح بعض أقسام من كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس مما يذكر المرء بالتعاليم الأخلاقية للمشائين المتأخرين والشروح الباقية لكتاب الأخلاق دون أن تكون هذه الفصول مطابقة لأى منها. على أنه يبرز فى الوقت نفسه العناصر الأفلاطونية فى كتاب الأخلاق مما يجعل أرسطو أصرح فى نزعته الأفلاطونية من حقيقته. وقد كان فضل مسكويه على هذه الشروح الموروثة، إن كان له فضل على الإطلاق، هو زيادة التنويه بهذه الأنظار الأفلاطونية المحدثة
стр. 568
لهذه الفلسفة الأخلاقية إذا صرفنا النظر عن بيانه لإمكان المواءمة بين الفلسفة اليونانية وبين الإسلام (انظر: R. Walzer Miskawaih's Tahdhib Al of ASPesTs som Akhlaq فى رومة سنة ١٩٥٦ م).
٨ - وقد لاحظ ده بور أثر الأخلاق الفلسفية فى كتب الأدب، واختار لذلك مثلا دالاً هو"كتاب أدب الدنيا والدين، للماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م) فقد عرض فيه الماوردى المادة الأخلاقية الماثورة وبعث فيها الحياة وجددها بإدخال مواد من القرون المتأخرة تشمل أفكارًا فى الفلسفة والزهد، وجمع بين هذه الأفكار وبين المواد القديمة على نحو لا يلتزم خطة أو منهجاً، ولكنه ساقها مساقاً لا يختلف عما انتحاه الغزالى من بعد (انظر الترجمة الألمانية لكتاب بقلم Rescher سنة ١٩٣٢ - ١٩٣٣ م)
٩ - وقد ذهب الغزالى المتوفى سنة ٥٠٥ هـ (١١١ م) فى طريقة المزج هذه إلى مدى أبعد من ذلك بكثير وأوثق صلة بالجوهر، ذلك أنه استبعد من جهة العناصر الشكلية والسطحية المحضة من عناصر التراث الأدبى، وأقام بيانه من جهة أخرى على أساس متين من التحليل الروحى النافذ الذى نمَّاه أئمة الصوفية (انظر القسم ٢، الفقرة ٣ فيما سبق). ومن الواضح أنه رأى فى الوقت نفسه أن كتاب مسكويه معقول فى ذاته مؤيد بالبرهان، ويسلم بأن ما جاء فيه لا يتعارض مع الكتاب ولا مع السنة. ومن ثم أصبحت الأفكار الفلسفية اليونانية الأصل التى يناقشها مسكويه ويشرحها جزءاً من المذهب التهذيبى المقرر بصفة عامة الذى نجده فى إحياء علوم الدين. ويعتمد الغزالى فى كتاب رياضة النفس -وهو الكتاب الثانى من المربع الثالث من الاحياء- على تهذيب الأخلاق لمسكويه. وأثر مسكويه واضح أيضاً لا يخطئه النظر فى غير ذلك من كتب الغزالى، كما أن مذهبه فى الأخلاق قد اندمج آخر الأمر فى صميم التراث الدينى (انظر: A-٧ - Wensinck؛ Pencee de Ghazal، باريس سنة ١٩٤٦ م، وخاصة الفصل الثانى؛ . m
стр. 569
Plessner: الكتاب المذكور، فينا سنة ١٩٢٥ Al Ghazzali,: Rittert, Das Elixier der Gluckseligeit فينا سنة ١٩٢٥ م.
١٠ - إلى أى حد نجح الغزالى فى التاثير على كتب الأخلاق المتأخرة وعلى التفكير من بعده بمزجه بين تلك العناصر؟ لاتزال هذه المسألة تتطلب البحث. والشواهد الأدبية تفيد لأول وهلة أن تأثيره -إذا كان له تأثير- كان غير مباشر، وأن النزعات المختلفة للفكر الأخلاقى استمرت تعيش جنباً إلى جنب. ومضى كتاب مسكويه يحدث أثره، وخاصة فى المصنفات الفارسية. فقد اقتفى نصير الدين الطوسى الشيعى الآخذ بمذهب ابن سينا أثر ابن سينا أو مسكويه عن كثب، كما يصرح هو نفسه فى القسم الخاص بالأخلاق من كتابه "اْخلاق ناصرى (تم سنة ٦٣٣ هـ = ١٢٣٣ م؛ انظر الكتاب المذكور). وبعد ذلك بقرنين جاء الدوانى المتوفى سنة ٩٠٧ هـ (١٥٠١ م) صاحب كتاب "أخلاق جلالى" (الترجمة الإنكليزية وعليها تعليقات قيمة بقلم o- Y Practical Philosophy: W.F.Thompson of the Muhammadan People، لندن سنة ١٨٣٩ م؛ وثمة تحليل موجز للكتاب بقلم Donaldson ص ١٨٤) فتخير مادته الأساسية من كتاب الطوسى، ولكنه يشير أيضا إلى الغزالى بوصفه مرجعاً إسلامياً إضافياً.
المصادر:
بالنسبة للقسمين (١)، (٢) من المادة لم يكتب بعد تاريخ شامل للأخلاق فى الإسلام
(١) Studies in: D. M Donadson Musli,n Ethics، لندن سنة ١٩٥٣ م وله قيمة لا تقدر.
(٢) وثمة عرض موجز ولكنه موقظ للأذهان فيما كتبه T.J. de Boer فى مادة + Ethics and Moralit عند المسلمين فى Hasting: Encyclopaedia of Religion and Ethics ج ٥، سنة ١٩١٢ م.
وثمة مواد متفرقة فى عدد من الكتب. وعلاوة على المواد التى ذكرت فى هذه المادة من الدائرة فإن وجوها مختلفة لموضوع الأخلاق قد تناولها:
стр. 570
(٣) Studien zur Ges-: G. Richter -chichte der alteren arabischen Fus tenspiegel لييسك سنة ١٩٢٣.
(٤) The Religious: D.B. Macdonald life in Islam , Attitude and. شيكاغو سنة ١٩٤٦ الخ.
(٥) la cite musutl: L. Gardet d man ياريس سنة ١٩٥٤ م.
الأب قنواتى [فالتزر R. Walzer]
إخوان الصفاء
فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى ٣٧٣ هـ = ٩٨٣ م) ظهرت جماعة سياسية دينية ذات نزعات شيعية متطرفة، وربما كانت إسماعيلية على وجه أصح. وأعضاء هذه الجماعة التى اتخذت البصرة مقراً لها كانوا يطلقون على أنفسهم "إخوان الصفا" لأن غاية مقاصدها كانت السعى إلى سعادة نفوسهم الخالدة، بتضافرهم فيما بينهم، وبغير ذلك من الطرق، وخاصة العلوم التى تطهر النفس. ولسنا نعرف شيئا عن نشاطهم السياسى، أما جهودهم فى التهذيب النظرى فقد انتجت سلسلة من الرسائل رتبت ترتيباً جامعاً لشتات العلوم متمشياً مع الأغراض التى قامت من أجلها الجماعة. ويغلب القول بأن هذه الرسائل جمعت ونشرت فى أواسط القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) تقريباً. وهى تبلغ ٥٢ رسالة (تشمل طبعة بومباى ٥٢ رسالة وهى فى هذا تتفق مع ماورد فى فهرس الموضوعات المثبت فى أولها، كما تتفق مع آخر ماورد فى الرسالة" الأولى منها، ولكننا نستدل من الرسائل الأخيرة من القسم الرابع منها على أن عددها ٥١ رسالة فقط) ويذكر من مؤلفيها: أبو سليمان محمد بن مُشير البُسْتى المشهور بالمقدسى، وأبو الحسن على بن هارون الزَنْجانى، ومحمد بن أحمد النَهْر جورى، والعوفى، وزيد بن رفاعة. ولا نستطيع أن نعرف الآن شيئا أكثر من هذا، لأن إخوان الصفاء كانوا يميلون إلى التعبير عما يجول فى نفوسهم بأسلوب غير صريح. والآراء
стр. 571
التى تضمنتها هذه الرسائل على قدر ما أمكننا تحقيقه، مستمدة من موْلفات القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. ونزعتهم الفلسفية هى نزعة قدماء مترجمى الحكمة اليونانية والفارسية والهندية وجامعيها الذين يأخذون من كل مذهب بطرف. ويستشهدون فى هذه الرسالة بهرمس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون أكثرمن استشهادهم بأرسطو طاليس، ذلك أن أرسطو عندهم أقل مقاماً من هؤلاء فهم يعدونه منطقياً ومؤلفاً لكتاب "أثولوجيا" الأفلوطينى و"كتاب التفاحة". ولا نجد فى رسائل إخوان الصفاء أثراً للفلسفة المشَّائية الحقيقية التى بدات بظهور الكندى. ومن خصائص نزعتهم الفلسفية أنهم لم يأخذوا شيئا من الكندى، ولو أنهم أخذوا من أحد تلاميذه الذين انحرفوا عن مذهبه، وهو المنجم البهرج أبو معشر المتوفى عام ٢٧٣ هـ (٨٨٥ م). وليس معنى ذلك أنهم لم يكونوا على دراية بمصنفات الكندى ومدرسته. وتدلنا الترجمة اللاتينية التى كتبت فى القرون الوسطى للرسالة الثالثة عشرة على أنها من تأليف "محمد تلميذ الكندى" (انظر T.٧. de فى. f Gesch. d. Philns ج ١٣، سنة ١٨٩٩ م ص وما بعدها).
وقد أخذت هذه الرسائل من كل مذهب فلسفى بطرف. والمحور الذى تدور عليه هو فكرة الأصل السماوى للأنفس وعودتها إلى الله، وقد صدر العالم عن الله، كما يصدر الكلام عن المتكلم أوالضوء عن الشمس؛ ففاض عن وحدة الله بالتدرج: العقل. ومن العقل النفس ثم المادة الأولى، ثم عالم الطبائع، ثم الأجسام، ثم عالم الأفلاك، ثم العناصر، ثم مايتركب منها وهى المعادن والنبات والحيوان. والمادة فى هذا الفيض تبدو أساساً للتشخيص ولكل شر ونقص. وليست النفوس الفردية إلا أجزاء من النفس الكلية، تعود إليها مطهرة بعد الموت، كما ترجع النفس الكلية إلى الله ثانية يوم المعاد. والموت عند إخوان الصفاء يسمى البعث الأصغر، بينما تسمى عودة النفس الكلية إلى بارئها البعث الأكبر.
стр. 572
ويذهب إخوان الصفاء إلى أن الأديان كلها فى جميع العصور وعند جميع الناس يجب أن تتفق وهذه الحكمة. وغرض كل فلسفة وكل دين هو أن تتشبه النفس بالله بقدر ما يستطيعه الإنسان. وقد أولوا القرآن تأويلاً رمزيا لكى يتمشى مع هذا
التصور الروحى للأديان، كما أولوا بعض القصص غير الدينية تأويلاً رمزياً مثل قصص كتاب "كليلة ودمنة". وقد بين كولدتسيهر كيف أن اسم "إخوان الصفاء" قد أخذ من قصة الحمامة المطوقة التى تذهب إلى أن الحيوانات إذا صفت أخوتها وتبادلت المعونة فيما بينها تستطيع الفكاك من شباك الصياد وغيرها من المخاطر.
وقد كتبت هذه الرسائل الاثنتان والخمسون فى أسلوب مسهب فيه تكرار وحض على الفضيلة. وهذه الرسائل تشبة فى الظاهر موسوعة فى العلوم المختلفة. والجزء الأول من هذه الرسائل يحتوى على أربع عشرة رسالة تعالج مبادئ الرياضيات والمنطق، بينما يعالج الجزء الثانى الذى يحتوى على سبع عشرة رسالة العلوم الطبيعية بما فيها علم النفس. أما الرسائل العشر التى يتضمنها الجزء الثالث فتبحث فيما بعد الطبيعة. وتتناول الرسائل الإحدى عشرة الأخيرة التصوف والتنجيم والسحر. وقد فصل الكلام فى الرسالة الخامسة والأربعين من الجزء الرابع على نظام هذه الجماعة وطبيعة تكوينها.
المصادر:
نذكر علاوة على المصادر التى ذكرها بروكلمان فى كتابه المعروف، ج ١، ص ٢١٤؛ طبعة سنة ١٨٩٨ م.
(١) Gesch. der Phi-: T.J. Boer losophie im Islam . ص ٧٦ - ٨٩
(٢) Uber die Bemn-: I. Goldziher Islam nung der "Ichwan al-Safa" in e ج ١؛ ص ٢٢ - ٢٦.
(٣) la date de la: Louis Massignon ". composition de "Rasail Ikhwan al-s ٦ afa, ج ٤؛ ص ٣٢٤
[ده بور De Boer .j t]
стр. 573
إدريس [﵇]
اسم نبى ورد ذكره فى القرآن مرتين: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية ٥٦ وما بعدها)؛ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنبياء، الآية ٨٦) ولم يقصد من هذه الآيات أن تميط اللثام بحال عن هذه الشخصية، بل إن الاسم نفسه ظل مدة طويلة لغز، عند المستشرقين حتى جاء نولدكه فرجح أنه هو"أندرياس" (Assyriologie، جـ ١٧، ص ٨٤ وما بعدها). وزعم "هارتمان" R. Hartmann (المجلة نفسها، جـ ٢٤، ص ٣١٤ وما بعدها) أن أندرياس هذا الذى رفع مكانًا عليًا ليس إلا طاهى الإسكندر، ذلك الطاهى الذى كتب له الخلود. ويذهب مؤلفو المسلمين إلى أن أندرياس هذا هو أخنوخ المذكور فى التوراة، وهو شخص كتب له الخلود أيضًا كما يذهب القصص، أو دخل الجنة حيا حسبما تذكر المصادر اليهودية.
وما يضيفه كتاب العرب المذكورون إلى ادريس [﵇] إنما يرجع بنوع خاص إلى مصادر يهودية متأخرة منحولة. ولأخنوخ المذكور فى التوراة ثلاث صفات بارزة تتردد فى القصص الإسلامية المصوغة على مثال قصص اليهود (سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الآية ٢٣ - ٢٤):
وهى:
١ - ورعه، ٢ - تعميره ٣٦٥ سنة على الأرض، وفى هذا ما يشير إلى أنه كان بطلاً من أبطال الأسطورة الشمسية، ٣ - رفعه إلى السماء. واسم "أخنوخ" نفسه -الذى توحى حروفه معنى "المُلهم"- قد أثر أيضًا على ما يرجح فى تكوين القصص التى حيكت حوله.
أما فيما يتعلق بهذه المسألة الأخيرة فإن إدريس [﵇] يبدو فى المصنفات الإسلامية ملهمًا بالعلوم والفنون، فقد كان أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب وارتداها، وكان الإنسان قبله يرتدى الجلود. فهو إذا "راعى" الخياطين وأحد الرعاة السبعة الذين يرعون النظام النقابى. وكان أيضًا أول
стр. 574
من برع فى الطب ونظر فى علم النجوم وحساب السنين والأيام.
أما من جهة الورع، فقد كان أول من امتطى الفرس للجهاد فى سبيل الله ضد أحفاد قابيل المفسدين. ومن جهة النبوة، كان أول من نزل عليه جبريل [﵇] بالوحى. ويروى أن ثلاثين صحيفة أوحيت إليه على هذا النحو. ويمكن الرجوع إلى تاريخ ابن القفطى خاصة (طبعة ليبير ص ١ وما بعدها) إذا أردنا أن نتتبع أعماله باعتباره نبيًا وملكًا. وسمى إدريس [﵇] لغزارة علمه بما نزل من الوحى قبله، وهو علم توصل إليه بالدرس الكثير، ولكن دراية البيضاوى بفقه اللغة العربية جعلته ينكر اشتقاق إدريس [﵇] من الدرس، ولو أن هذا الاشتقاق ممكن فى أخواتها من اللغات. ولابد أن ورعه قد أثار إعجاب الملائكة، فقد سأل ملك الموت الله أن يزور إدريس، فجاءه على صورة إنسان ودعاه فى الليل إلى مائدته، ولكن إدريس [﵇] أبى، فكرر ملك الموت دعوته تلك مرتين متتاليتين، وهى المرة الثالثة سأله ادريس [﵇] عن شخصه، فلما أجابه طلب إليه إدريس أن يقبض روحه فقُبض ساعة من الزمن، ثم استردها مرة أخرى، ثم طلب إليه كذلك أن يرفعه إلى السماء ليراها ويرى الجنة، فلما بلغ الجنة أبى أن يخرج منها وتعلق بنخلة واعتصم بآيتين من القرآن أولاهما ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقد ذاقه هو من قبل، والثانية ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ولذلك فقد تشبث هو بالبقاء فى الجنة فأبقاه الله فيها، وسيعود منها إلى الأرض ثانية. وكما يعيش هو وعيسى [﵇] فى السماء خالدين، يعيش الخضر وإلياس [﵇] خالدين فى الأرض.
والذى يجعل إدريس [﵇] فى هذه القصة بطلًا من أبطال الأسطورة الشمسية هو أن روحه قبضت عند مغيب الشمس. ونجد فى رواية أخرى لهذه القصة عدة نواح تشير إلى صلته بالأسطورة الشمسية. ففى ذات يوم -أثناء رحلة له- اشتدت عليه حرارة الشمس، فسأل الله أن يخفف وطأتها رحمة بالذى يطوى كل يوم رحلة قدرها خمسمائة سنة تحت هذه
стр. 575
الحرارة (يعنى ملك الشمس). وسأل إدريس [﵇] هذا الملك أن يؤخر أجله، فحمله هذا الملك نحو مشرق الشمس وأبلغ سؤله ملك الموت، ولم يستطع هذا الملك أن يجيب سؤله، فأطلعه ملك الشمس على يوم موته. ولما فتح ملك الموت ديوانه لم يجد فيه وفاة إدريس، ففسر الملك ذلك بأن وفاة إدريس يجب أن تكون عند شروق الشمس. وقد وجده ملك الشمس ميتًا بالفعل عندئذ. ومع ذلك فإن إدريس خالد لا يموت، ومعنى ذلك -لو عبرنا عن الأسطورة الشمسية باللغة الجارية- أن الشمس تموت كل يوم وتحيا، أى أنها خالدة. وما زالت ناحية أخرى من نواحى صلة إدريس بالأسطورة الشمسية ماثلة للأذهان فى تفسير "المكان العلى" الوارد فى الآية ٥٦ من سورة مريم، بأنه ملك الشمس.
ويجعل إدريس أيضًا عين إلياس والخضر. ويقال إن اليونان عرفوه باسم فرْمُز أو كما يقول ابن العبرى (تاريخه، طبعة بوكوك Pncnke. ص ٩) هرمس الهرامسة المثلث بالحكمة. وقد وردت معلومات وافية عن هذا الموضوع فى تاريخ ابن القفطى. وتتفق الروايات الإسلامية مع بعض الآيات الواردة فى سفر الرؤيا، فى أن إدريس قد مر بجهنم. أما فيما يختص بصلة الحرانيين بإدريس هرمس فانظر - Chwolsohn: Die Ssabier and der Ssa(hismus. الفهرس).
المصادر:
(١) تفاسير القرآن.
(٢) الطبرى: تاريخ الأمم والملوك، جـ ١، ص ١٧٢ وما بعدها.
(٣) اليعقوبى طبعة هوتسما، جـ ١، ص ٨ وما بعدها، ص ١٦٦.
(٤) المسعودى، طبعة ياريس، جـ ١، ص ٧٣.
(٥) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ١، ص ٤٤.
(٦) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة عام ١٢٩٠ هـ، ص ٤٣ وما بعدها.
(٧) الدياربكرى: تأريخ الخميس، طبعة القاهرة سنة ١٢٨٣ هـ، ص ٦٦ وما بعدها.
стр. 576
(٨) أبو زيد: كتاب البدء والتاريخ، طبعة إيوار، جـ ٣، ص ١١ وما بعدها.
(٩) blische Legenden der: Weil a Muselmanner ص ٦٢ وما بعدها.
(١٠) Die Chadhir leg-: ١. Friedlander ende and de Alexanderroman. ليبسك، ١٩١٣ انظر الفهرس مادتى أخنوخ
وإدريس.
(١١) بسط مدد التوفيق (Bibliothek طبعة مجلد ١١ ص ٩٤، ٩٦، ٢٦٨ وما بعدها).
[فنسنك Wensinck]
تعليق على مادة "إدريس" [﵇]
ورد ذكر أنبياء كثيرين فى القرآن الكريم، ولكن ليس على سبيل الحصر ولا التاريخ، بل على سبيل الوعظ بأحوال الأولين والتنبيه على سنن الله فى الأمم أجمعين. فقد ذكر الله تعالى أنه لم يحرم أمة من رسول فقال ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وصرح بأنه دكر بعضا منهم وأغفل بعضا فقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، وبين فى أكثر من موطن أن أولئك الأنبياء والرسل كانوا رجالًا كسائر الرجال، وإنما خصّوا بالوحى لتعليم الناس وإرشادهم فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أ﴾ وقال فى خاتم رسله محمد ﷺ
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وقد كافح القرآن كل ميل كان فى الناس لتأليه انبيائهم أو الغلو فى تنزيههم، وقرر الأصوليون عندنا أن الأنبياء منزهون عن الكبائر دون الصغائر التى تبدر منهم بحكم بشريتهم فيتبعونها بما يمحو أثرها من استغفار أو صلاة أو أية قربة من القربات. كانت التوراة موردًا تستمد منه تواريخ كثير من الأمم التى كانت معاصرة لبنى اسرائيل، ولذلك جاء الكلام عنها مطبوعا بطابع الإسرائيليات وقد سرى إلى مؤرخينا شئ من الإسرائيليات وخاصة فيما يتعلق بتاريخ الأنبياء. وقد نصح نقدتنا بوجوب الحذر الشديد من الثقة المطلقة
стр. 577
بهذه الروايات. ومهما كانت الأحوال فإن القرآن لا يلزمه شئ من هذه الإسرائيليات، ولو نقلها بعض المسلمين فى تفاسيرهم للكتاب، فإن القرآن ذكر النبوة والرسالة وبين أنهما مرتبتان بشريتان لا تقتضيان لمستحقيهما الارتفاع إلى درجة الألوهية ولا تخرجانهم عن دائرة الحالات الإنسانية، حتى قرر أن الأعمال الخارقة للعادة لا تصدر منهم إلا بإذن من الله لهم فهى ليست ذاتيه فيهم.
والمسلم مكلف، إن نظر فى تواريخ الأنبياء. أن يتبع الأسلوب القرآنى من التمحيص والتحقق والبعد عن الظنون إلا ما نص الكتاب على أنه معجزة فتلك يعزوها إلى قدرة الله الذى لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء.
بعد هذه المقدمة نقول إن المسلم لا يهمه أن يعرف من أمر إدريس [﵇] أكثر من أنه كان صديقًا نبيًا، وأنه كان من الصابرين، وأن الله رفعه مكانًا عليًا كما ذكر عنه فى الكتاب. فأما ما وراء هذا مما ذكره المفسرون من أنه كان سبط شيث وجد أبى نوح ﵇، وما ذكره المستشرقون من أن إدريس [﵇] هو أندرياس الذى كان طاهيًا للإسكندر، أو أنه أندرياس المذكور فى التوراة، وأنه عمر أكثر من ثلاثمائة سنة فكل هذا لا يلزم القرآن منه بشئ، وإن قاله مفسر فإنه يفعل ذلك باسم التاريخ لا باسم القرآن ولا باسم الدين، ولذلك فهو يعقب على مثل هذا بقوله: والله أعلم.
والذى ينظر فى كتب المسلمين يرى هذا الأسلوب ماثلًا فيها فى صورة لا يمكن الاشتباه فيها، خذ مثالًا لذلك ما كتبه العلامة البيضاوى فى تفسير آية إدريس، فقد قال فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعنى شرف النبوة والزلفى عند الله وقيل الجنة وقيل السماء السادسة والرابعة.
فانظر كيف فسر الكلام الإلهى بما يتبادر إلى الفهم منه لأول وهلة ثم لم يرد أن يوصد الباب فى وجه أصحاب الآراء المختلفة، فذكر أن بعضهم فسر مكانًا عليا بالجنة وبعضهم بالسماء، ولكن لاحظ أنه ذكر هذه الآراء بصيغة
стр. 578
تدل على ضعف القول وأثبت المعنى الأول بصيغة التحقيق.
يقول كاتب المادة التى نرد عليها من هذه الدائرة أن لأخنوخ المذكور فى التوراة ثلاث صفات بارزة توجد أيضًا فى الأقاصيص الإسلامية المصوغة على مثال الأقاصيص اليهودية وهى:
(١) الورع.
(٢) التعمير ثلاثمائة وخمسًا وستين سنة.
(٣) والرفع إلى السماء، نقول إن هذا الكلام يشعر بأن كتاب الإسلام مشحون بالأقاصيص التى من هذا النوع والواقع اْنه ليس فيه واحدة منها.
محمد فريد وجدى
الإدريسى
أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحمودى (انظر الدولة الحمودية) الحسنى، المعروف "بالشريف" الإدريسى، لأنه كان من نسل النبى ﷺ ولد عام ٤٩٣ هـ (١١٠٠ م) بسبته، وتوفى عام ٥٦٠ هـ (١١٦٦ م) وهو تاريخ ورد بنوع خاص فى فهرست الكتب العربية المحفوظة بالقاهرة (جـ ٥، ص ١٦٦) تلقى العلم بقرطبة، ومن ثم لقب أيضًا بالقرطبى (انظر المكتبة الصقلية Biblioteca Arabo ص ٦١٠، والنسخة الإيطالية
٢' Versions Italiana، ص ٤٨٧، أما "ابن الث [ث] رى"، وهى الكنية أو النسبة التى رواها عن ابن بشرون: عماد الدين فى "الخريدة" فلا نعلم معناها) بعد). وبعد أسفار مختلفة، استقر زمنا طويلا فى بلاط الملك النورماندى "روجر الثانى" فى بالرموز، ولذلك لقب أيضا بالصقلى، وقد أتم فى بالرمو قبيل وفاة هذا الملك (٥٤٨ هـ = ١١٥٤ م) وصفه للكرة الأرضية المصنوعة من الفضة فى كتابه المشهور باسم "كتاب رجار" أو لكتاب الرجارى" أو"نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق"، وهو الكتاب الذى نشر بعضه مع إحدى وسبعين خريطة،
стр. 579
والذى ترجمه إلى الفرنسية ترجمة كثيرة الخطأ أمديه جوبير - AmLdLe Jauu bert (عام ١٨٣٦ - ١٨٤٠ م) وصنف الإدريسى أيضًا لغليوم الأول (١١١٥٤ - ١١٦٦ م) كتابًا كبيرًا فى الجغرافية عنوانه "روض الأنس ونزهة النفس" أو "كتاب الممالك والمسالك"، ولم يبق من هذا المصنف إلا مختصر أوغلى على باشا باستانبول (رقم ٦٨٨، وكان أول من أشار إليه منذ سنوات هورفتز Horovitz عندما كان ينقب فى مكتبات إستانبول باحثًا عن مخطوطات فى التاريخ) وطبع مختصر بسيط "كتاب رجار" فى رومة حوالى عام ١٩٥٢ م بعنوان "نزهة المشتاق فى ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق"، كما نشرت ترجمته اللاتينية الناقصة التى قام بها المارونيان كابرييل سيونيتا Ic Jonnes Hesronita عام ١٦١٩ بعنوان Geographia Nubiensis (قرأ خطأ ما ورد فى أول كلامه عن منابع النيل فى الإقليم الأول، القسم الرابع: "أرضنا" بدلا من "أرضها ولا شك فى أن الدراسات العربية فى حاجة ماسة إلى نشر كتاب الإدريسى الذى لم يعد أعظم مصنفات العصور الوسطى فى الجغرافية، مع ترجمته وشرحه، وعمل خرائط هامة له، على أن يعتمد فى ذلك على المخطوطات المعروفة لنا الآن فى مكتبات باريس (مخطوطان) وإستانبول (مخطوط واحد فى آيا صوفيا فقط) لله أما البيانات المختصرة الواردة فى فهارس مكتبات إستانبول الأخرى فإنها لا تشير إلى طبعة رومة عام ١٩٥٢ أو إلى طبعة جوبيرا)! وبتروغراد القاهرة. وإنى لأفكر منذ زمن فى أن أنشر المخطوط الصغير الوحيد المحفوظ بإستانبول والذى توجد لدىّ نسخة شمسية منه.
المصادر:
(١) Geographie d'Abaulfeda: Reinaud المقدمة العامة، ص ١١٣ - ١٢٢، و ٣١٠ - ٣١٦.
стр. 580
(٢) Storia die, Muslmani di -: A Sicilia جـ ٣، ص ٤٥٢ - ٤٦٠ و ٦٦٢ - ٦٦٨.
(٣) blioteca Arabo-Sicula: Am جـ ١، ص ٢٦ - ٢٨؛ جـ ٢، ص ٣٨٧ - ٤٨٩.
(٤) Description de: Dozy et de Goeje L'Afrique et del, Espagne, ليدن سنة ١٨٦٦ م.
(٥) AAO، Espana: Saavedra ١٨٨٥ م.
(٦) L'Itatla descritta nel "Libro del -Edrisi, testo ara ى" " re RuRRero compilato bo pubblicato con versione e note da j Amairie e Schiaparelli رومة سنة ١٨٧٨ - ١٨٨٣ م.
(٧) Contribution a L'etude: Blochet de la Cartographie chez les Muslmans, بون سنة ١٨٩٨ م Bulletin du)) (L'Academie d'Hippone) مع خريطتين بالألوان لشمالى إفريقية للإدريسى.
(٨) Om och ur den arabiska: Brandel f، geografen Idroisi أبسالا عام ١٨٩٤ م.
(٩) Edrisiana . L Triest,: Seybold . Deutsch. Morn. Ges جـ ٦٣، عام ١٩٠٩، ص ٥٩١ - ٥٩٦.
(١٠) الكاتب نفسه: Analecta Arabo Centenario Amari italics. فى سنة ١٩١٠، جـ ٢، ص ٤١١.
(١١) Gesch der byz-: : Krumbacher antin.Litteratur، ص ٤١١.
(١٢) Oriental. Kongress Flo-: Lagus N .re جـ ١، ص ٣٩٥ - ٤٠١.
(١٣) Sinnland: Noldeke دربات عام ١٨٧٣
(١٤) Rerum Normannicarum: Seippe fontes arabi، كرستيانا سنة ١٨٩٣
(١٥) Madagascar: Grandidier (خريطة الإدريسى).
(١٦) ptolemaeus and: H.V. Mzhik t o die Karten der arab, Geographer سبع لوحات، ثلاث منها للإدريسى، فينا سنة ١٩١٥ (Mitteilungen. der .geogr-Gesell فينا سنة ١٩١٥، المجلد ٥٨، الجزء الثالث).
(١٧) Hamushalbinse: W.Tomaschek (القرن الثانى عشر)
стр. 581
ص ١١٣, عام ١٨٨٦ م.
(١٨) Le Maroc: Massignon (\ A. الجزائر ١٩٠٦ م.
(١٩) Histoire de la Me-: Leclerc decme arabe، جـ ٢، ص ٦٥ - ٧٠: "كتاب المفردات".
(٢٠) s Wustenfeld فى f ugl. Erdkunde جـ ١، عام ١٨٤٢ م، ص ٤١.
(٢١) Geographie du Moy-: Lelewel en-age سنة ١٨٥٢ - ١٨٥٧ م.
(٢٢) Dictionnaire Universel: Samy ص ١٨٢.
[تسيبولد C.F. Seybold]
أدوية
" أدوية" (ع) جمع دواء: يقول ابن سينا فى كتابه "القانون" إن العرب يقسمون الأدوية إلى "مُفْرَدة" و "مركَّبة"؛ ويطلقون على الأخيرة أيضًا الأقراباذين.
وتنقسم الأدوية المركبة أيضًا تبعًا لخواصها إلى: حارة وباردة ورطبة ويابسة، وهذا يطابق أقسام الحرارة فى الجسم الإنسانى. وتنقسم الأدوية المفردة كذلك إلى أولى وثانية، تبعًا لمزاجها الطبيعى: أهو يتكون من عنصر واحد أو من عدة عناصر. فاللبن مثلًا يعد من الأدوية المفردة الثانية لأنه يتكون من الماء والجبن والدهن. وتعرف آثار التركيب إما بالمران وإما بالمضاهاة. فالدواء الواحد قد يكون أثره حار، فى الجسم الإنسانى وبارد، فى جسم الأسد والحصان.
ويعرف الدواء باعتبار آثاره بالأسماء الآتية: (١) مُلَطِّف (٢) مسخن (٣) محلل (٤) جالى (٥) مُخَشِّن (٦) مَفَتِّح (٧) مُرْخى (٨) منضج (٩) هاضم (١٠) كاسر الرياح (١١) مقطِّع (١٢) جاذب (١٣) لاذع (١٤) مُحَمِّر (١٥) مُحكِّك (١٦) مُقَرع (١٧) مُحرّ (١٨) أكّال (١٩) مُفَتِّت (٢٠) مُعَفِّن (٢١) كاو (٢٢) قاشر (٢٣) مبرد (٢٤) مُقَوّ (٢٥) رادَع (٢٦) مُغَلِّظ (ضد ملطف) (٢٧) مُفْجِج (٢٨) مخدّر
стр. 582
(٢٩) مُرَطِّب (٣٠) مُنَفخِّ (٣١) غَسّال (٣٢) مُوَسِّخ للقروح (٣٣) مَزّاق (٣٤) مُمَلِّس (ضد مخشن) (٣٥) مُجَفِّف (٣٦) قابض (٣٧) عاصر (٣٨) مُسَدِّد (٣٩) مُغْرٍ (٤٠) مُدْمِل (٤١) منبت للحم (٤٢) خاتم (٤٣) قاتل (٤٤) سم
(٤٥) ترياق (٤٦) باذ زهر (٤٧) مشِلّ (٤٨) مُدِرّ (٤٩) مُعَرِّق.
وتبين الأمثلة الآتية كيف أن هذه المصطلحات محددة، تبدأ تعريفاتها جميعًا بهذه العبارة "هذا دواء خاصيته هى ... " مثال ذلك أنهم يقولون فى تعريف المنضج (رقم ٨) "هو دواء خاصيته إنضاج الأخلاط بالحرارة أثناء الهضم، وله كذلك قوة قابضة تقهر الأخلاط وتمنعها بالقوة من التحلل وفى هذا فسادها". ويقولون فى المفجج (رقم ٢٧): "هو الهاضم (رقم ٩) والمنضج (رقم ٨)، وهو دواء خاصيته أن يمنع ببرودته تأثير الحرارة الطبيعية والحرارة الخارجية، ويؤثر فى الأطعمة والأخلاط بحيث يمنع هضم الأولى ونضج الثانية". ويقولون فى تعريف القاتل: "إنه دواء يغير المزاج تغييرًا خبيثًا"؛ وفى السم: "إنه يفسد الأخلاط بفعله "؛ وفى الترياق والباذزهر: "إنهما يحفظان على الذهن نشاطه ووضوحه".
وفى بعض الأحيان يضيفون إلى حدود هذه المصطلحات أسماء بعض العقاقير؛ فمثلًا يضيفون إلى تعريف الملطف: الزوفا والزعتر والبابونج؛ وإلى تعريف المحلل: جندبادستر: وإلى تعريف المخشن: إكليل الملك؛ وإلى تعريف القاتل: الفاربيون والأفيون؛ وإلى تعريف السام: زهر الكشاتبين. وأحيانًا تحل كلمة "معروف" محل التعريف كما هى الحال فى لفظ مرطب.
وفى ابن سينا إثنا عشر جدولًا ذكر فيها بإيجاز الحالات التى تنجم عن فعل الأدوية كالتلوين والانتفاخ والبثور والجروح والتقرح، وكالحالات التى تصاب فيها الأعضاء مثل الرأس والعينين وجهاز التنفس والصدر والهضم والإفراز، وكالحالات التى تنجم عنها حص أو تسمم. ويختم هذا الباب بثبت أبجدى للأدوية المفردة.
стр. 583
وللعرب مؤلفات قديمة فى هذا الموضوع ابتدأت منذ أخذوا ينقلون كتب اليونان الطبية، فلإسحاق بن حنين المشهور "كتاب الأدوية المفردة" (ابن القفطى، طبعة ليبير، ص ٨، س ٨) ولثابت بن قره الحرانى كتابان فى هذا الموضوع: (١) كتاب فى أجناس ما تنقسم إليه الأدوية (٢) كتاب فى أجناس ما توزن به الأدوية (ابن القرطبى، ص ١١٩) ولابن البيطار (المتوفى عام ٦٤٦ هـ = ١٢٤٨ م) كتاب عنوانه، جامع مفردات الأدوية والأغذية"، وكان أول ما عرف عن هذا الكتاب
ترجمته الألمانية غير القيمة التى قام بها v. Sontheimer بعنوان - nstellung fiber die Krafte der be - einfachen Heil-und Nah kannten rungsmittil (شتوتكارت، سنة ١٨٧٠ - ١٨٧٢) ثم نصه العربى الذى طبع فى بولاق عام ١٨٧٥. وقد ترجمه أخيرًا. Leclerc الطبيب الجهادى الفرنسى بعنوان Traite des Simpels (باريس سنة ١٨٨٣) مع تعليقات وفهرس. ويعد جامع، بن البيطار أهم مصنفات العرب فى هذا الموضوع، لأنه يجمع إلى العلم العملى سرد الأسماء، فهو يحتوى على اكثر من ثلاثة آلاف اسم.
ومصنف شتينشيندر (M. Steinschneider:
n der Araber Weiner a Heit mittelname ١ Zeit. schrf ٧ d. Kunde d. Norg جـ ١١) الذى يحتوى على أكثر من ٢٠٤٣ اسما يقوم ايضًا على أساس دراسة عميقة للمصادر.
[ليبير J. Lippert]
+ أدوية: جمع دواء، وهو كل مادة يمكن أن تؤثر فى جسم الإنسان، وكل عقار يستخدم علاجًا أو سمًا. وقد أخذ علماء الأقراباذين المسلمون بأفكار اليونانيين فميزوا بين الأدوية المفردة (hkgfk) والأدوية المركبة (apaxa) انظر عن الأدوية المركبة مادة "أقراباذين". والأدوية بحسب أصولها تنقسم إلى: "نباتية" و"حيوانية" و"معدنية".
ويعتمد علم المسلمين بالصيدلة على معارف اليونانيين شأنه فى ذلك شأن الطب، وثمة عنصر من مأثور الفرس
стр. 584
يظهر فى تسمية أدويته. ونجد فى كثير من الأحوال أن هذه الأسماء الفارسية للنباتات والعقاقير التى لايزال بعضها مستعملًا (انظر على سبيل المثال "معجم أسماء النبات" لأحمد عيسى بك، القاهرة، سنة ١٩٣٠) قد ترجع إلى أيام مدرسة جنديسابور الطبية المشهورة التى ازدهر فيها العلم اليونانى على أرض فارسية. وقد بدأ هذا العلم يحدث أثرًا فعالًا فى المسلمين سنة ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) حين استقدم الخليفة المنصور كبير أطباء بيمارستان جنديسابورجر جيس بن بختيشوع ليطب له. ونقل علم اليونان بالصيدلة عن طريق الترجمات السريانية للكتب العمدة التى ألفها ديسقوريديس، وجالينوس، وآوريباسيوس، وبولس الإيكينى.
وقد كان من شأن الفكرة التى قال بها ديسقوريديس وعبر عنها بجلاء العالم الإيرانى العظيم البيرونى فى كتابه فى الصيدلة الذى ذكرناه بعد -وهى أن لكل نبات من حيث النظر، قيمة طبية سواء عرفت هذه القيمة فعلًا أو لم تعرف- أن حملت المؤلفين فى الصيدلة على أن يضمنوا كتبهم أوصافًا للنبات لها قيمة خالصة من حيث هذا العلم، مقتبسين فى ذلك من أبى حنيفة الدينورى خاصة. ولذلك لم يكن فى مأثور المسلمين أية تفرقة واضحة بين المادة الطبية -أى كتب الأدوية المفردة وما إلى ذلك- وبين علم النبات.
ويقول حنين بن إسحق فى رسالته عن فهرس كتب جالينوس (Jhnr div - syrischen and arabischen Galen (Ubersetzungen (Bergstrasser(رقم ٥٣) أن المقالات الخمس الأولى من كتاب الأدوية المفردة لجالينوس قد ترجمها إلى السريانية ترجمة غير مرضية يوسف الخورى ثم ترجمها أيوب (أيوب الرهاوى؛ حوالى سنة ٧٦٥ - ٨٣٥ م)، ثم ترجمها آخر الأمر ترجمة موجزة (؟ ) حنين نفسه، وأنه قد قام أيضًا بترجمة عربية للمتن. أما الجزء الثانى فقد ترجمه إلى السريانية سرجيس (سرجيس الرشعيناوى المتوفى سنة ٥٣٦؛ وثمة مخطوطة من المتن فى المتحف البريطانى، رقم ١٠٠٤) وصحح الترجمة حنين ونقلها
стр. 585
إلى العربية ابن أخته حبيش (وقد ترجم أيضًا كتاب الأدوية المركبة إلى السريانية بمعرفة حنين، وترجمه إلى العربية حبيش؛ انظر حنين: الرسالة، رقم ٧٩).
أما المختصر وكتاب "إلى أونافيس" لأوريباسيوس فقد نقلهما (إلى العربية؟ ) حنين الذى ترجم أيضًا، هو وعيسى بن يحيا، إلى السريانية المقالة الأولى من الكناش الكبير Collectiones (ذكر ابن أبى أصيبعة الكناش الكبير فى جـ ١، ص ١٠؟ )؛ وهذه الترجمات فقدت، وإن كان الكتاب المتأخرون يستشهدون بها كثيرًا.
ويقدر الأطباء المسلمون تقديرًا عظيمًا "الكناش فى الطب" لبولس الإيكينى، ويرجع هؤلاء الأطباء إلى ترجمة (مختصرة؟ ) لكتبه السبعة صنعها حنين (الكناش فى الطب، الفهرست، ص ٢٩٣؛ الكناش الثريا، ابن أبى أصيبعة، جـ ١، ص ١٠٣). ولم يبق أى مخطوط منها بالعربية، ولكن ثمة شواهد كثيرة منها ترد فى كتب المؤلفين المتأخرين.
ويقول ابن العبرى (فى تاريخه The Chronography, ترجمة. Budg أوكسفورد سنة ١٩٣٢، ٥٧) إن أهرن القس كتب مجموعه الطبى باليونانية، وترجم كتابه هذا إلى السريانية وله ترجمة عربية قام بها ماسَرْجِس (ماسرجويه). ويستشهد الكتاب فى الصيدلة كثيرًا بكُنَّاش أهرن القس، وكان لمؤلفه صيت كبير فى العلم (الجاحظ: كتاب الحيوان، القاهرة سنة ١٣٥٦، جـ ١، ص ٢٥٠). وماسرجس (ماسرجويه؛ انظر Steinschneider فى Zeitschr. der Deutsch. Morgen. Gesells, سنة ٨٩٩، ص ٤٢٨ - ٤٣٤) الذى هو أول من نقل الكتب الطبية إلى العربية، كان أيضًا مؤلف كتابين: واحد فى الغذاء، والآخر فى العقاقير، ولعلهما هما عين المقالتين اللتين أضيفتا إلى نقوله لأهرن (ابن القفطى، ص ٨٠).
ونمت الصيدلة سريعًا فى البلاد الشرقية من العالم الإسلامى بعد أيام حنين، فقد أحصى قرابة مائة كاتب عربى فى المادة الطبية فى فهارس ابن النديم وابن أبى أصيبعة وابن القفطى.
стр. 586
ويمثل نحو ثلاثين من هؤلاء بمخطوطات فى المكتبات الشرقية والغربية؛ ولم يدرس العلماء الغربيون إلا عددًا قليلًا من هذه الكتب. ومن المحقق أن هذه النصوص العربية سوف تثبت أهميتها فيما يختص بتاريخ المتن اليونانى لجالينوس.
وبمرور الزمن دخلت عدة مئات من أسماء الأدوية المفردة التى يجهلها اليونانيون فى مادة العلم الذى نقله اليونانيون إلى تلاميذهم العرب والفرس (وإن شاء القارئ قائمة أولية بهذه الأدوية فليرجع إلى L. Leclerc: Histoire de la medecine arahe. باريس سنة ١٨٧٦ م، جـ ٢، ص ٢٣٢ - ٢٣٣). ولم يكن بد من أن يحدث خلط شديد فى مصطلح الأدوية نتيجة للتدفق الكبير للأسماء العربية والإيرانية واليونانية والهندية للنباتات والعقاقير التى شاع استعمالها من حيث النظر ومن حيث العمل. وبمرور الزمن كتبت عدة كتب لتحديد المدلولات الصحيحة لهذه الأسماء وتصنيف المترادفات.
وكانت النقول عن ديسقوريدس التى تمت فى بغداد قليلة الفائدة من الناحية العملية للقراء، ذلك أن الأسماء اليونانية إنما اقتصر على رسمها فى معظم الأحوال بالحروف العربية.
وقد أدخل العلماء الأندلسيون المرادفات العربية على المتن فى منتصف القرن العاشر الميلادى. وحوالى هذا الوقت جاء المترجم العربى للكناشة السريانية التى صنعها يوحنا بن سرابيون (ابن أبى أصيبعة، جـ ١، ص ١٠٩) بالمرادفات العربية لطائفة كبيرة من الأسماء اليونانية والسريانية للأدوية المفردة الواردة فى الكناشة. (مخطوط بآياصوفيا، رقم ٣٧١٦؛ Les noms arabes dans Se-: P. Guigues rapion فى سنة ١٩٠٥ - ١٩٠٦). ومن أهم الكتب النثرية التى ألفت باللغة الفارسية كتاب "الأبنية عن حقائق الأدوية" لأبى منصور موفق بن على الهروى، وهو يشرح فيه مصطنعًا الترتيب الأبجدى الأسماء العربية والفارسية والسريانية لأربعة وثمانين وخمسمائة دواء مفرد (طبعة. Selifymann، فينا سنة ١٨٥٩؛ الترجمة
стр. 587
الألمانية بقلم AC- Achundow، دوريات سنة ١٨٩٣).
ومن المحقق أن أهم كتاب فى مترادفات الأدوية كتب فى المشرق هو كتاب البيرونى (٣٦١ - ٤٤٠ هـ = ٩٧٢ - ١٠٤٨ م): "الصيدنة فى الطب" (Das Vorwort, zur Dro- A. Meyerhof -genkunde des Beruni, Quellen and Studi en zur Gesch. der Naturwiss. and der . Med جـ ٣، برلين سنة ١٩٣٣؛ الكاتب نفسه فى Bulletin de I'Institut Egyptien, سنة ١٩٤٠، وما بعدها، ١٥٧ وما بعدها). وبصرف النظر عن المخطوطين الموجودين من الترجمة الفارسية لهذا الكتاب، فقد انتهى الكتاب نفسه إلينا فى مخطوط وحيد مشوه ببروسة، على هيئة مسودة للمؤلف، والراجح أنه كتبها وقد طعن فى السن ولم يتمها هو نفسه قط وهى تشمل فى حالتها الناقصة هذه.٧٢٠ مادة مرتبة حسب الترتيب الأبجدى العربى المألوف، وتتناول المفردات النباتية والحيوانية والمعدنية مع ملاحظات عن أسمائها باليونانية والسريانية والهندية والفارسية وغيرها من اللغات الإيرانية، وتعليقات لغوية عن مدلولات أسماء النبات ومرادفاتها المستعملة فى الشعر العربى، وشواهد وافرة من كتب الطب والنبات (وكثير منها غير معروف لنا) عن صفة العقار وأصله، وأبداله وما إلى ذلك. ولا شك أن هذا الكتاب يستاهل دراسات أخرى.
وحسبنا أن نذكر أهم الكتب العديدة التى كتبت عن الطب فى الشرق واحتوت فصولًا عن الصيدلة؛ فكتاب "فردوس الحكمة" لعلى بن ربن الطبرى الذى كتب سنة ٢٣٥ هـ (٨٥٠ م؛ طبعة م. ز. صديقى، برلين سنة ١٩٢٨)؛ يستشهد بترجمات حنين وتلاميذه وله قيمة خاصة من حيث أنه يقصد إلى تقديم الطب الهندى أيضًا (انظر A. Siggel فى، برلين سنة ١٩٥٠)؛ والموسوعة الطبية الكبيرة المسماة "الحاوى" لأبى الرازى (٢٥٠ - ٣١٣ هـ = ٨٦٤ - ٩٢٥) حافلة بأسماء العقاقير. والفصل المناظر لذلك فى كتاب ابن سينا الضخم: "القانون
стр. 588
فى الطب" (طبعة بولاق سنة ١٢٩٤ هـ) يتناول ثمانمائة دواء. والكتاب العاشر من "ذخيرة خوارزمشاهى" الذى لم يطبع بعد، موسوعة طبية كتبها زين الدين إسماعيل الجرجانى فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) تحتوى على مقالة خاصة فى أسماء العقاقير وفعلها.
وقد كانت أوصاف ديسقوريدس وأبى حنيفة الدينورى على التحقيق غير كافية فى كثير جدًا من الحالات لتمييز النبات. ومن ثم فإن عدم وجود المصطلحات الفنية، وهى حاجة أحس بها المسلمون كما أحس بها أهل العلم القدماء، قد رفعت إلى أقصى حد من قيمة تلك الحيلة التى اهتدت إلى رسم أشكال النباتات. وقد استحدث هذا النهج فى الأزمان القديمة العشاب قراطيواس Crateuas من أعيان القرن الأول قبل الميلاد، وقد انتقل بعض مرادفات أعشابه وأشكالها إلى النسخة المهذبة من آثار ديسقوريدس الماثلة فى المدونة المعروفة باسم Juliana Anica codex التى دونت سنة ٥١٢ م (وقد أدخلت فيها أيضا مرادفات عربية على يد أناس من المتأخرين). وقد كانت النسخة المزودة بالرسوم لآثار ديسقوريدس التى أهداها الإمبراطور البوزنطى إلى عبد الرحمن الثالث فى قرطبة سنة ٩٤٨ م هى التى أوحت بدرس المتن فى الأندلس دراسة جديدة أتت بأطيب الثمرات (وانظر عن المخطوطات المزودة بالرسوم لكتب ديسقوريديس مادة "ديسقوريديس"). وقد أخبرنا ابن أبى أصيبعة (جـ ٢، ص ٢١٦ - ٢١٩) أن استاذة رشيد الدين المنصور بن الصورى المتوفى سنة ٦٣٩ هـ ١٢٤١ م) أعد كتابا فى الأعشاب مزودًا بأشكال مستقاة من النباتات الحية. أما عن الفصل الخاص بالنبات لابن فضل الله فانظر كتاب بشر فارس (lustre du XIV siecle, Archeologica Orien talia in Memoriam E. Herzfeld سنة ١٩٥٢، ص ٨٤ وما بعدها).
وقد كان سكان شبه الجزيرة الإيبيرية المسلمون ورثة بلاد اشتهرت فى الزمن القديم بثروة نباتية ومعدنية
стр. 589
نافعة فى تحضير الأدوية. على أن العلم بالأدوية فى الأندلس كان فى أول الأمر مجلوبًا من المشرق، وكان الطلاب المغربيون يشخصون إلى بغداد ليدرسوا الطب. وقام دافع قوى للدراسات الصيدلية فى الأندلس بفضل النسخة المنقحة لديسقوريديس، ولم تنقطع الإضافات إلى العلم بالأدوية المفردة منذ نهاية القرن العاشر الميلادى (انظر Esquisse: M. Meyerhof ,anique chez les Musubnans d'Espagne سنة ١٩٣٥، ص ١ - ٤١).
وكان أول من كتب كتبًا فى الأدوية المفردة بالأندلس هو عبد الرحمن بن إسحق بن الهيثم، وسليمان بن حسان المعروف بابن جلجل، وقد انضم كلاهما إلى الراهب نقولاس وغيره من الأطباء والنباتيين الذين كانوا يدرسون متن ديسقوريديس. وقد كتب ابن جلجل كتابًا عن الأدوية المفردة التى لم يذكرها ديسقوريديس (مخطوط أوكسفورد، هيد ٣٤، ورقة ١٩٧ - ٢٠١). وتضم الموسوعة الطبية الكبرى "التصريف" لأبى القاسم الزهراوى المتوفى حوالى عام ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م) فى الكتاب السابع والعشرين منها مقالة فى الأدوية المفردة ومرادفاتها وأبدالها. ونحن لانعرف عن حياة أبى بكر حامد ابن سمجون إلا أقل القليل، وكل ما نعرفه عنه أنه كان طبيبًا بارزًا فى أيام الحاجب المنصور المتوفى سنة ٣٩٢ هـ (١٠٠٢ م). وقد ظهر حديثًا كتابه المشهور فى أقوال الأطباء والفلاسفة القدماء والمحدثين فى الأدوية المفردة (انظر Ibn Sa- T. Kahle n and sein Drogenbuch, Docuinen islamica inedita برلين سنة ١٩٥٢، ص ٢٥ وما بعدها).
واشمل الكتب العمدة فى الأدوية المفردة (وعلم النبات) التى أخرجت فى الأندلس هو الكتاب الذى صنفه الغافقى -والراجح أن ذلك كان فى النصف الأول من القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) - والمجلد الأول منه موجود فى مخطوطين مزودين بالأشكال (انظر M. Meyerhof فى Bulletin de ١'Institut Egyptien. سنة
стр. 590
١٩٤١، ص ١٣ وما بعدها؛ وقد اكتشف الكتاب كله فى بلاد طرابلس). وقد صنع نسخة مختصرة منه أبو الفرج ابن العبرى النصرانى (طبعة - M. Mey erhof & G.P. Sobhy, القاهرة سنة ١٩٣٢ - ١٩٣٨، ولم تتم بعد). والمنهج والترتيب اللذان اتبعهما ابن سمجون والغافقى فى ذكر المواد هما بعينهما ما فعله الإدريسى المتوفى سنة ٥٦٠ هـ (١١٦٦ م). ففى كتابه فى الأدوية المفردة (يوجد النصف الأول منه فى مخطوط بمكتبة الفاتح، رقم ٣٦١٠ بإستانبول) جاء بمادة مستفيضة من المرادفات بعدة لغات (انظر M. Meyerhof فى Gesch. der Math. der Naturwiss. and der .Technik سنة ١٩٣٠، ص ٤٥ وما بعدها، ٢٢٥ وما بعدها؛ الكاتب نفسه فى Bulletin de I'Institut Egyptien سنة ١٩٤١، ص ٨٩ وما بعدها). أما عن الفصل الذى عقده ابن رشد على الصيدلة فانظر الصورة الشمسية للكتاب الرابع من "الكليات" التى نشرها. البستانى (طنجة سنة ١٩٣٩). وقد جمع ابن البيطار المتوفى سنة ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) فى موسوعته المطولة "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" (وثمة نسخة سيئة من المتن العربى طبعت فى بولاق سنة ١٢٩١ هـ؛ الترجمة الفرنسية التى قام بها Notices et Extraits de la Bib-: L. Leclerc liotheque Nationale، جـ ٢٣، ٢٥، ٢٦ سنة ١٨٧٧ - ١٨٩٣) كل ما تيسر له من المعلومات، مستشهدًا بنحو مائة وخمسين مؤلفًا من ديسقوريديس إلى شيخه هو -أبى العباس النباتى- الذى ينقل ابن البيطار عن "رحلته" الشئ الكثير. ولاريب فى أن ابن البيطار كان يعرف معظم هذه الكتب رواية عن مراجع فى الطبقة الثانية، وفوق هؤلاء جميعًا الغافقى. ويتناول ابن البيطار فى ٢٣٢٤ مادة حوالى ١٤٠٠ من العقاقير والنباتات المختلفة، منها أربعمائة كانت خافية على اليونانيين.
ويمكن أن نضيف أيضًا إلى هذه الكتب -التى كتبت فى المغرب واشتملت على أوصاف للعقاقير وإرشادات عن
стр. 591
استعمالها- عددًا آخر من الكتب تضم قوائم بمفردات أدرجت لشهرح معنى الأسماء المختلفة للأدوية المفردة والعقاقير المذكورة؛ مثل "شرح أسماء العقار" للمتكلم والفيلسوف والطبيب اليهودى المشهور موسى بن ميمون (١١٣٥ - ١٢٠٤ م)، وقد نشره مايرهوف بالقاهرة سنة -١٩٤٠ م؛ وكتاب "تحفة الأحباب" المجهول المؤلف الذى نشره رينو وكولان H.P.J. Re) (et . .٣. Colin فى الرباط سنة ١٩٣٤ م، وهو يتناول بخاصة الأسماء الشائعة فى مراكش، والراجح أن هذا الكتاب ألف فى القرن الثامن عشر.
المصادر:
(١) M. Meyerhof فى مقدمته لكتاب ابن ميمون: شرح أسماء العقار.
(٢) ومن شاء قائمة بالعقاقير فليرجع إلى Steinschneider: Wiener Zeits- Lss mittelnamen der Araber far die Kunde des Morgenlandes، جـ ١١ (٢٠٤٣ مادة).
خورشيد [ليون B. Lewin]
الأذان
اصطلاح معناه المناداة للصلاة فى أوقاتها الخمس وفى يوم الجمعة.
وتقول الرواية الإسلامية إن النبى [ ﷺ ] تشاور مع صحابته بعد دخوله المدينة مباشرة فى العام الأول أو الثانى للهجرة فى خير الطرق لتنبيه المؤمنين إلى وقت الصلاة، فاقترح بعضهم أن يوقدوا لذلك نارًا أو ينفخوا فى بوق أو يدقوا ناقوسًا (مثل قطعة طويلة من الخشب تضرب بقطعة أخرى، وكان يستعمله المسيحيون فى الشرق للتنبيه إلى الصلاة)؛ ولكن واحدًا من المسلمين هو عبد الله بن زيد أخبر أنه رأى فى المنام رجلًا يدعو المسلمين إلى الصلاة)؛ من سقف المسجد، وامتدح عمر هذه الطريقة فى الدعوة إلى الصلاة. ولما اتفق رأى الجماعة على هذا الأذان أمر النبى باتباعه.
ومن ذلك الوقت أخذ بلال ينادى المؤمنين إلى الصلاة بهذا الأذان الذى
стр. 592
يستعمله العالم الإسلامى إلى وقتنا هذا.
والأذان عند أهل السنة من المسلمين سبع عبارات، السادسة منها تكرار للأولى:
١ - الله أكبر.
٢ - أشهد أن لا إله إلا الله.
٣ - اْشهد أن محمدًا رسول الله.
٤ - حى على الصلاة.
٥ - حى على الفلاح.
٦ - الله أكير.
٧ - لا إله إلا الله.
وتردد العبارة الأولى أربع مرات متتاليات (المالكية ترددها مرتين) كما تردد كل عبارة من العبارات الأخرى مرتين، ما عدا العبارة الأخيرة وهى "لا إله إلا الله" فينادى بها مرة واحدة فقط. وبعد أن يؤذن بالعبارتين الثانية والثالثة مرتين يرفع الصوت بها عند المرة الثالثة.
وهذا الترجيع ممدوح فى الشرع. أما الحنفية فتنكره. ويضاف إلى أذان الصبح عبارة "الصلاة خير من النوم" التى تردد مرتين (تثويب) بين العبارتين الخامسة والسادسة، ولكن الحنفية يذكرونها فى الآخر.
ويختلف أذان الشيعة عن أذان أهل السنة فى أنه يزيد على الأخير بعبارة ثامنة هى "حى على خير العمل" التى يؤذن بها بين العبارتين الخامسة والسادسة، وهى العبارة التى كانت على الدوام شعار الشيعة حتى إنه إذا نودى بها من مآذن مدينة من مدن أهل السنة عرف السكان أن الحكومة أصبحت شيعية (انظر سنوك هر كرونى: ka، جـ ١، ص ٦٣؛ ده ساسى: Crestomathie arabe جـ ١، ص ٦٠، ١٦٩) والشيعة يرددون العبارة الأخيرة مرتين.
وعلى المسلم إذا سمع الأذان أن يردد عباراته، ولكنه يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" بدل العبارتين الرابعة والخامسة، كما يقول: "صدقت وبررت" بدل التثويب فى أذان الصبح.
стр. 593
ويتبع الأذان تثويب أوصى به الشرع وحدده، ولا يترك هذا التثويب إلا فى صلاة المغرب لقصر المدة بين الأذان والصلاة.
وليس للأذان نغم خاص، بل إن كل مؤذن يستطيع أن ينغمه كما يهوى، ويتخذ له نغمًا معروفًا على شرط واحد هو ألا يفسبد التنغيم صحة النطق بالألفاظ (قال سنوك هركرونى فى كتابه السابق، جـ ٣، ص ٨٧: "يسمع المرء فى مكة نغمات مختلفة للأذان فى وقت واحد: فالأذان فيها كتلاوة القرآن فن راق تشتد به عناية الناس").
ولا نجد من الفقهاء من يرفض تنغيم الأذان إلا بين الحنابلة، وينهج الوهابيون هذا النهج؛ والإباضية أيضًا لا ينغمون الأذان (انظر عن تنغيم الأذان مادة "غناء").
وعلى كل مسلم -سواء أكان منفردًا أم مع جماعة- أن يجهر بالأذان عند قيامه للصلاة داخل البيت أو خارجه كما نص على ذلك الشرع (انظر Mekkanische: Snouck Hurgronje Sprichworter and Redensarten، ص ٨٧ = dragen tot de taal, land-en volkenk van ned.-hulie، المجموعة الخامسة، جـ ١، ص ٥١٩).
وينادى إلى الصلوات المعروفة الأخرى -كصلاة العيدين والصلاة عند الكسوف والخسوف وغيرها- بعبارة واحدة هى "الصلاة جامعة"، ويقال إن هذه العبارات كانت شائعة فى عهد النبى ﷺ (انظر كولدتسيهر. Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl. Gesellsch, جـ ٤٩، ص ٣١٥).
ونجد فى خطط المقريزى (جـ ٢، ص ٢٦٩ وما بعدها) معلومات هامة عن التغيرات التى دخلت على عبارات الأذان فى مختلف الأزمنة والأماكن منذ صدر الإسلام.
ولما كان ذكر الشهادة يتردد فى الأذان، فقد جرى المسلمون على أن
стр. 594
يهمسوا بالأذان فى أذن الطفل اليمنى عند ولادته وفى آذان الناس الذين يقال إن الجن تمسهم (انظر سنوك هر كرونى: كتابه السابق، جـ ٢، ص ١٣٨).
ويسبق الصلاة فى المسجد مباشرة نداء ثان هو "الإقامة" وهو يتضمن نفس عبارات الأذان.
المصادر:
(١) البخارى: صحيحء كتاب الأذان، ترجمة y Houdas و Marcais الفرنسية، جـ ١، ص ٢٠٩ وما بعدها.
(٢) Mishcat-ul-: A. N. Mattews Masahih، جـ ١، ص ١٤١ وما بعدها.
(٣)، Handleiting: Juynboll .
(٤) Tableau general de: d'Ohsson d'Empire Othoman - جـ ١، ص ١٧٥ وما بعدها.
(٥) Souiuiario del dirtto: ١. Guidi alechita di Khalil Ibn Ishaq جـ ١، ص ٥٠ وما بعدها.
(٦) Le Precis de droit . Laoust A o ,d'١ bn Qudama ص ١٨.
(٧) Droit musubnan . er, جـ ١، ص ٦٦ وما بعدها.
[كوينبول]
الأردن *
بالعبرية "ها"يردين" ووردت فى الترجمة اليونانية السبعينية للتوراة، وفى "يوسفوس" Josephus (جـ ٧٠) وفى "بليناس" Pliny إلخ باسم ايارْدانوس واشتقاق هذا اللفظ غامض وذهب البعض إلى أنه مستعار (إيازانواس اسم نهر فى إقريطش) وقد سمى هذا النهر بعد الحروب الصليبية بـ"الشريعة الكبيرة" (الشريعة: مورد
стр. 595
الشاربة) ولا يزال هذا الاسم هو الغالب بين البدو.
١ - يتألف الأردن من اجتماع ثلاثة جداول هى: الحصبانى ونهر بانياس، وبعد تلاقيها بقليل يصل نهر الأردن إلى ناحية الحولة ويجرى فى بحرة الخيط (يقول دالمان Dalaman إن بحرة الحولة ليست إلا مستنقعًا فى الشمال ينبت فيه البردى) ويهبط وادى نهر الأردن بعد ذلك هبوطاً شديداً نحو الجنوب حتى يجرى فى بحيرة طبرية التى ينخفض سطحها عن مستوى البحر المتوسط نحو ٨٦٢ قدماً. ويعرف الوادى بعد ذلك باسم "الغور" ابتداء من الطرف الجنوبى لبحيرة طبرية حتى مرتفع يقع على مسيرة ثلاث ساعات من جنوبى البحر الميت. وهنا يمتاز النهر بصفات تخالف صفات نصفه الأعلى. فهو يجرى فى سهل من الغرين الأبيض البراق كثير المنعطفات يبدو للناظر من عل أنه شريط أخضر ملتو، ذلك لأن ضفاف النهر تكسوها النباتات الكثيفة التى تحجب مجراه. والسهل فيما عدا ذلك خلو من النبات، وتوجد عدة واحات كثيرة الخصب (حدائق الأردن، انظر الطبرى ج ١، ص ١٢٣٢. وانظر مادة "ريحا") عند سفح التلال التى على الشاطئ الغربى للنهر. ويصب الأردن فى البحر الميت (بحر لوط) الذى ينخفض عن سطح البحر نحو ١٢٩٢ قدما، وتبلغ أعمق نقطة فيه ٢٦٠٠ قدم. وليس لهذا البحر أى مخرج فى جنوبه أو غربه، ولم يكن له شئ من هذا فى كل العصور. وتتبخر المياه التى يصبها فيه نهر الأردن ومقدارهاِ ١٣٠٠ مليون جالون يومياً بفعل الحرارة القائظة، ولذلك فإن منسوب مياه هذا البحر باق على حاله رغم التغيرات الفصلية الطفيفة، ومن ثم فإن الحياة مستحيلة فى هذا البحر بسبب بقاء الأملاح والمعادن الذائبة فيه على حالها
مع تبخر المياه. ويسمى المنخفض الواقع جنوبي البحر الميت "العربة" وترتفع الأرض هنا كثيراً، ولكنها تنحدر ثانية إلى مستوى خليج العقبة.
стр. 596
ونذكر هنا فروع نهر الأردن: فهو بعيد خروجه من بحيرة طبرية يلتقى عن شماله بالجدول الهام "الشريعة الصغيرة" أو شريعة المناضرة الذى كان يسمى قديمًا اليرموك، ثم يلتقى أبعد من ذلك جنوباً بنهر الزرقاء (كان يعرف قديمًا باسم يبق) الذى يصب فى الأردن عند الدامية. ويلتقى عن يمينه بنهر جالوت الذى ينبع من عين جالوت ويمر ببيسان وينتهى بالأردن.
ولا يصلح نهر الأردن للملاحة بسبب تياراته وتعدد منعرجاته وكثرة المناطق الضحلة المياه فيه. على أن جملة من هذه المناطق الضحلة كانت حتى فى العصور القديمة مخاضات تصل بين الأراضى الواقعة شرقيه والأراضى الواقعة إلى الغرب منه. فكانت بذلك تصل بين شاطئ البحر المتوسط ومصر من جهة ودمشق من جهة أخرى. وتوجد إلى الشمال من بحيرة طبرية خمس مخاضات وإلى الجنوب منها أربع وخمسون مخاضة، وهى تكثر إلى أقصى حد قبالة بيسان وتذكر هذه المخاضات فى "العهد القديم" "معبر" أو "معبرة" ولسنا نعرف على سبيل الجزم هل اتخذ بنو إسرائيل المعديات لعبورها أم لا، وعلى كل حال فإن هذا لم يثبت بالنص الغامض الوارد فى سفر صموئيل الثانى (الإصحاح ١٩، الآية ١٩). ومن جهة أخرى فإنه من العسير أن تتصور كيف استطاع بنو إسرائيل فى قتالهم مع الآراميين فى الأراضى التى كانت شرق الأردن أن يعبروا بجنودهم وخيولهم وعرباتهم (سفر الملوك الأول، الإصحاح ٢٢، الآية ٣٥) نهر الأردن عن طريق هذه المخاضات، أما كيف فعلوا ذلك (ترى أبا أرماث؟ ) فإننا لم نخبر. وقد كان من الممكن إذا اقتضت الضرورة أن يعبروا النهر سباحة (سفر المكابيم الأول، الإصحاح ٩، الآية ٤٨) ولكن السباحة فى هذا النهر تحتاج إلى مهارة وبأس لشدة تياره. ومن المحقق أنه لم تكن هناك جسور فى ذلك الوقت لأنه لم يبدأ فى تشييدها إلا فى عهد الروم: وللمخاضة الواقعة إلى الجنوب بقليل
стр. 597
من إقليم الحولة شهرة خاصة, لأن طريقًا يبدأ منها فيمر بالقنيطرة وينتهى بدمشق. ولا يؤخذ من الخريطة التى وضعها "طومسن" P. Thomsen) فى Z. D. P. V. ج ١٠، ص ٣٣) أنه كان فى هذا المكان طريق رومانى، ولكن كثيراً ما كان يتردد ذكر هذه المخاضة فى العصور الوسطى باسم Vadum Jacobi (نقل الاسم خطأ من سفر التكوين، الإصحاح الثانى والثلاثون، آية ٢٢) وكان لها أهمية استراتيجية كبيرة فى الحروب الصليبية، فقد هزم عندها نور الدين بلدوين الثالث عام ١١٥٧ م. وابتنى بلدوين الرابع حصناً جنوب المعبر عام ١١٧٨ م. ولكن صلاح الدين أخذه عنوة وخرَّبه فى العام التالى. وقد بنى بعد ذلك جسر ذو ثلاث طاقات من كتل كبيرة من حجر البازلت فى موقع هذه المخاضة نفسها (انظر الصورة المبينة فى z.n.p.v ج ١٣، ص ٧٤). والمعروف أن هذا الجسر كان موجوداً عام ١٤٥٠ م والراجح أنه بنى قبل ذلك بكثير. واسم هذا الجسر وهو "جسر بنات يعقوب" إنما يشير إلى اسم المخاضة اللاتينى Vadum Jacobi, وقد يسترعى هذا الاسم انتباهنا إذا عرفنا أن يعقوب لم تكن له بنات كثيرات.
والراجح أن من أهم الطرق بين دمشق والجهات الواقعة إلى الغرب من نهر الأردن كان دائمًا هو ذلك الطريق المار بـ "فيق" (أو أقيق وربما أفق Aphek؛ انظر سفر الملوك الأول، الإصحاح ٢٠، الايتان ٢٦, ٣٠؛ الإصحاح ١٣، الآية ٢٢) إلى الطرف الجنوبى من بحيرة طبرية، حيث كانت توجد مخاضة تعترض نهر الأردن عند خروجه من تلك البحيرة، وتوجد إلى جنوب هذه المخاضة بقليل أطلال قنطرتين من الحجر هما "أم القناطر" و"جسر السد" ولسنا نعرف شيئًا عن
تاريخهما, ولكن الراجح أن إحداهما هى القنطرة الواقعة إلى جنوب البحيرة التى اْشار إليها المقدسى عند وصفه لبحيرة طبرية والتى قال عنها ياقوت إنها "ذات طاقات كثيرة تزيد على العشرين". ونحن نجد فى عهد متأخر يرجع إلى
стр. 598
القرن الرابع عشر الميلادى رجلا مثل "ده بالدنسل" W.de. Baldensel يقص علينا أنه عبر نهر الأردن فوق قنطرة فى هذا الموضع (Biblical Re-: Robinson searches in Palestine, الطبعة الثانية، ج ٣). وتوجد على قرب وثيق من التقاء اليرموك بالأردن قنطرة تسمى "جسر المجامع" يبدأ منها طريقان أحدهما إلى مكيس والآخر إلى إربل فى سفح تلال قرن صرطبة. ونجد أيضًا إلى الجنوب من ذلك قنطرة أخرى هى جسر الدامية تقوم الآن فوق أرض جافة؛ لأن الأردن شق له هنا مجرى جديداً، وقد بنى هذه القنطرة السلطان العالي الهمة بيبرس المملوكى, عام ١٢٦٦ م كما ابتنى عدة قناطر غيرها فى مواضع أخرى (Rohricht فى AR- chives de L'orient lat, ج ١/ ٢ ص ٣٨٢؛ Clennont Ganneau, فى J.A. السلسلة الثامنة، المجلد ١٠، سنة ١٨٨٧ م، ص ٥١٨). ومن أكثر الجسور استعمالًا الجسر الواقع إلى الشمال من أريحا الذى يؤدي إلى وادى نمرين.
وهناك قليل من التفصيلات التى لها بعض الأهمية فى الأوصاف المختصرة التى ذكرها جغرافيو العرب عن نهر الأردن، فقد ذكر المقدسى أن النهر غير صالح للملاحة، وروى ياقوت عن مصدر قديم أن الأردن على بحيرة طبرية كان يسمى الأردن الكبير، بينما كان يسمى فيما بين طبرية والبحر الميت الأردن الصغير, والراجح أن فى هذا القول خلطاً بين الأردن واليرموك. وذكر أيضًا مزارع قصب السكر التى كان يرويها النهر فى كورة الغور، وذكر الدمشقى الينابيع الحارة القريبة من بحيرة طبرية والمجامع حيث يلتقى اليرموك بالأردن، وقد وصف أيضًا الظاهرة الغريبة التى تشاهد عند مصب هذا النهر، فالأردن يصب ليلا ونهاراً فى البحر الميت دون أن يكون لهذا البحر منفذ تتسرب المياه منه، ومع ذلك فإن مياه البحر لا تزيد شتاء ولا تنقص صيفا. ويقول ابن خرداذ به (المكتبة الجغرافية العربية ج ٦، ص ٢١٩) والجغرافيون الذين نحوا منحاه إن الطريق الرئيسى بين دمشق ومصر
стр. 599
يمر بـ"أفيق" إلى الجنوب من بحيرة طبرية ثم حول طبرية إلى بيسان. على أن الطريق كان فى القرن الرابع عشر الميلادى يخترق جزءًا من عجلون، إذ يهبط المرء من بيسان إلى وادى الأردن حتى يبلغ المجامع، ثم يمر فوق الجسر ليسير فى الطريق إلى أربد. وابتدأ فى القرن الخامس عشر الميلادى استعمال طريق أجنح من ذلك إلى الشمال يتجه إلى الشرق من العاصمة الجديدة "صفد" عابراً نهر الأردن فوق جسر بنات يعقوب ماراً بـ"نعران" وإلـ "قنيطرة" إلى دمشق. وظل هذا
الطريق هو المألوف، وقد عبد أخيراً بعد أن أصلح الطريق الموصل إلى هذا الجسر والآخذ منه.
٢ - كورة الأردن العربية التى تعرف باسم"جند إلأردن" هى عين فلسطين الثانية Palestina Secunda المعروفة فى التقسيم القديم لهذه الأقاليم؛ وتشمل هذه الكورة الجليلين ووادى الأردن والجزء الغربى من الأراضى الواقعة إلى الشرق من الأردن. وقد استولى أبو عبيدة بن الجراح عام ١٤ هـ (٦٣٥ م) على معظم بلاد هذه الكورة. واستولى على بقيتها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وهناك روايات تذهب إلى أن شرحبيل هو الذى فتح هذه البلاد وقد أخذت كلها بحد السيف عدا طبرية التى سلمت فى ظروف شائنة، والراجح أن ذلك كان سببًا فى جعلها عاصمة بدلًا من"بيت شان" skythopolis ونستطيع أن نعرف حدود هذه الكورة من أسماء البلدان التى ذكرها جغرافيو العرب ومؤرخوهم، فقد ذكر البلاذرى: طبرية وبيسان وقدس وعكا وصور وصفورية، وتوجد فى شرقى الأردن: سوسية وأقيق وجرش وبيت رأس والجولان والسواد (؟ ) والبلاد كما يذكرها اليعقوبى هى: طبرية وصور وعكا وقدس وبيسان، وفى شرقى الأردن: فحل وجرش وسواد (؟ ) ويذكر ابن الفقيه: طبرية السامرة (نابلس) وبيسان، وعكا وقدس، وصور وفى شرقى الأردن: فحل وجرش. ويذكرها المقدسى على النحو الآتى: طبرية، وقدس وصور وفرذية، وعكا، واللجون
стр. 600
وكابل وبيسان، وفى شرقى الأردن: أذرعات,. ويوردها الإدريسى على النحو التالى:
طبرية، واللجون، والسامرة (نابلس) وبيسان، وأريحا، وعكا والناصرة، وصور؛ وفى شرقى الأردن: زغار، وعمتا، وهيبس (يابس؟ ) وجدر، وآبل، وسوسية. وفى رواية ياقوت: طبرية، وبيسان وصفورية، وصور وعكا، وفى شرقى الأردن: بيت رأس، وجدر ... إلخ. ويتضح من هذه الروايات المختلفة أن حدود هذه الكورة لم تبق على حال واحدة.
أما فيما يتعلق بخراج كورة الأردن، فقد ذكر مؤلفو العرب الأرقام الآتية (انظر مادة فلسطين"): كان الخراج حوالى نهاية القرن الثامن الميلادى ٩٦ ألف دينار، وفى عهد المأمون ٩٧ ألفًا ويقول ابن خرداذبه وابن الفقيه إنه كان ٣٥٠ ألفاً. ويذكر قدامة أنه كان ١٠٩ آلاف، واليعقوبى أنه كان ١٠٠ ألف، والمقدسى أنه كان ١٧٠ ألف دينار (انظر Z. D. P. V, ج ٧, ص ٢٢٥).
وفى إبان الحروب الصليبية، ألغيت التقسيمات السابقة لهذه الكورة. وأقام خلفاء صلاح الدين بدلها ممالك مختلفة. فكانت أهم ممالك الأردن مملكة "صفد" التى كانت تشمل -علاوة على بلدة عرفت بهذا الاسم نفسه- النواحى الآتية: مرج عيون، واللجون. وجنين، عكا, وصور"، أى جميع البلدان التى إلى الغرب من الأردن. ونجد فى كتاب "المثير" الذى صنفه شهاب الدين المقدسى عام ١٣٥١ م والذى كثيرًا ما نقل الكتَّاب عنه، تقسيمًا آخر يجعل للغور والأراضى التى إلى الغرب من الأردن أهمية كبرى، وهى حوران وعاصمتها طبرية، ونواحى الغور واليرموك وبيسان.
المصادر:
(١) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٩, ١٦١, ١٨٤.
(٢) الإدريسى فى Z. D. P. V., جـ ٨, ص ١٢٠.
(٣) ياقوت: المعجم، جـ ١، ص ٢٠٠.