(٧) Wustenfeld: Geschichte der Fatimiden Chalifen ص ٢١٤ وما بعدها.
(٨) Religiondes Druzes: de Sacy، جـ ١، ص ٤٠٦ وما بعدها.
(٩) المؤلف ذاته Chrestomathie arabe جـ ١، ص ١١١، ١٩٦ ص ٢٠٤.
(١٠) Histoire des arabes: Huart، جـ ١، ص ٣٤٧.
(١١) A. History of Egypt: S. Lane-Poole ص ١٢٠، ١٣٤. وما بعدها.
(١٢) Memoires Geogr: Quatremere, ص ٣٢٤ وما بعدها.
الشنتناوى [ووكر J.Walker]
سجاح
أم صادر بنت أوس بن حِقّ بن أسامة، أو بنت الحارث بن سويد عُقْفان: متنبئة وعرّافة، وهى واحدة من طائفة من المتنبئين وشيوخ القبائل الذين ظهروا فى بلاد العرب قبيل الردّة، أو إبانها؛ ونستدل من نسبها، الذى اتضح من تاريخها أنه صحيح أن سجاح كانت من بنى تميم، وكانت أمها من بنى تغلب، وهى قبيلة كان فيها كثير من النصارى، وكانت هى نفسها نصرانية، أو قل إنها تعلمت على الأقل الكثير عن النصرانية من أقاربها. ونحن لا نكاد نعرف شيئا عن وحيها ومبادئها، وكانت تلقى رسائلها من منبر بالشعر المنثور، وكان يسير فى ركابها مؤذن وحاجب، وقد أطلقت على اللَّه اسم "رب السحاب"، أو ربما كان هذا الاسم من ضمن الأسماء التى أطلقتها على اللَّه .
وتقدمت سجاح الصفوف فى العام الحادى عشر للهجرة بعد أن توفى النبى ﷺ وتقول رواية من الروايات التى تتحدث عن فعالها إنها برزت فى بنى تغلب، وأنها وفدت من بلاد الجزيرة على رأس شرذمة من أتباعها من ربيعة وتغلب وبنى النمر وبنى شيبان. ووجدت سجاح أن بنى تميم قد انقسموا على أنفسهم بالنظر إلى وفاة الرسول [ ﷺ ]، وما رأوه من احتدام الفتنة بين المرتدين والمسلمين وأولئك الذين كانوا مترددين
стр. 5497
بين الإنتقاض على المدينة والولاء لها. وأفلحت بفضل ما بشرت به من وحيها فى اجتذاب عشيرتى حنظلة (بنى مالك وبنى اليربوع) إلى صفها وجمعتهما تحت رايتها، وصحت نيتها على السير بهما لغزو المدينة، على أن سلطانها على بنى تميم كان فيما يظهر أكبر بكثير مما تلقيه فى روعنا هذه الرواية التى كانت تستهدف إلى الإقلال من نصيب عشيرتى بنى تميم فى الردَّة، ذلك أن سجاح لم تكن بالغريبة على بنى تميم، لأنها كانت فى الواقع من تلك القبيلة كما يستدل على ذلك من خاتمة حياتها، فقد كانت قد كسبت قبل موت الرسول [ ﷺ ] بزمن وجيز على ما يرجح تأييد قبيلتها جميعا، تلك القبيلة التى كان دخولها فى الإسلام فى الغالب أمرا أملته عليها الضرورة، ومن ثم كان من السهل أن يتزعزع إيمانها.
وبدأت جيوش سجاح بالهجوم على بنى رباب استجابة لرؤيا رأتها، بيد أنها منيت بهزيمة منكرة، فلجأت إلى النباح (فى اليمامة) حيث منيت بهزيمة أخرى على يد بنى عمرو، فلم تجد بدًا من أن تعد بالرحيل عن بلاد تميم، وتبعها بنو اليربوع، فقررت أن تنضم إلى المتنبئ مسيلمة، وكان لا يزال مسيطرًا على معظم قبيلة يمامة، حتى تشاركه مصيره أو يبتسم لها الحظ من جديد وقد تلاقيا فى الأمواه، أو فى هجّر، وكان جيش المسلمين يهدد مسيلمة كما كانت القبائل المجاورة تهدد بتقويض سلطانه، ومن ثمّ كان وصول زميلة طامحة يائسة مغلوبة على أمرها على رأس أتباع مسلمين كثيرين بمثابة زيارة محفوفة بالمصاعب، بل خطرة فى الواقع. وليس لدينا وصف موثوق به عن هذا الاجتماع: ففى رواية أن هذين الشخصين العجيبين تفاهما، واعترف كل منهما برسالة الآخر، واتفقا على أن يوحدّا دينيهما ومصالحهما الدنيوية، وتزوجا فعلا، بل أن المتنبئة بقيت مع مسيلمة حتى ساعة وفاته المفجعة. ويحفظ لنا الطبرى تفصيلات عن هذا الزواج تتسم بالفحش، بل هى على الأرجح من نسج الخيال. ولا شك فى أن هذا القران كان أقرب إلى الحلف السياسى منه إلى الشهوانية. وقد
стр. 5498
احتفل بالزواج بحسب قول هذه القصص فى الحديقة المسوّرة نفسها التى لقى فيها مسيلمة حتفه.
وتقول رواية أخرى إن مسيلمة هجر سجاح بعد أن تزوجها فعادت إلى قومها. وثمة رواية ثالثة لا تذكر شيئًا من أمر هذا الزواج، وتقول إن مسيلمة حاول إقناع منافسته وخليفته المنتظرة بمهاجمة المسلمين مؤملًا بذلك أن يتخلص منها، بيد أنها رفضت. فعرض عليها نصف محاصيل اليمامة فى تلك السنة إذا ارتضت الرحيل عن منازله، ولكنها أبت إلّا إذا وعدها بنصف محصول السنة التالية أيضًا فوعدها، فرحلت تحمل الجزء الأول من الغنيمة تاركة ممثليها مع مسيلمة لإنتظار البقية، وعادت إلى قومها، على أنها لم تحصل قط على الجزء الثانى من الثمن، ذلك أن خالدًا كان قد غلب مسيلمة على أمره وذبحه قبل حلول موعد المحصول التالى. ومهما يكن من أمر النتيجة التى انتهت إليها علاقة سجاح بمسيلمة فإن مستقبلها إما أن يكون قد اندمج فى مستقبله أو انقطع بعد حين قصير بسبب صدّه لها، ولم نسمع شيئا أكثر من ذلك عن رسالتها. وقد أجمعت الروايات كلها على أنها عادت إلى قبيلتها التى ولدت بينها وعاشت مغمورة بين أهلها. وفى رواية لابن الكلبى أنها دخلت فى الإسلام عندما انتهى رأى أسرتها إلى الاستقرار فى البصرة التى كانت قد غدت المركز الأكبر لبنى تميم فى عهد بنى أمية، وعاشت مسلمة وماتت مسلمة، ودفنت بعد الصلاة عليها وإقامة ما يقام فى مثل هذه الأحوال من شعائر.
المصادر:
(١) الطبرى (طبعة ده غوى de Goeje)، جـ ١ , ١٩١١ - ١٩٢٠.
(٢) البلاذرى، (طبعة ده غوى de Goeje)، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) كتاب الأغانى، جـ ١٨، ص ١٦٥.
(٤) ابن خلدون: العبر، بولاق ١٢٨٤ هـ، جـ ٢، الملحق، ص ٧٣.
(٥) Skizzen und Vorarb: Wellhausen جـ ٦، ص ١٣ - ١٥.
стр. 5499
(٦) Annali dell'Islam: Gaetani العام الحادى عشر للهجرة الفصل ١٦٠ - ١٦٤ و ١٧٠ - ١٧٣ والعام الثانى عشر للهجرة. الفصل ٩٢ - ٩٣.
(٧) فانى: دابستان، ترجمة shea and Troyer (لندن)، جـ ٣.
صبحى فكَّا [V.Vacca]
السجاوندى
أبو الفضل (وفى روايات أخرى أبو عبد اللَّه أو أبو جعفر) محمد بن طيفور الغزنوى: من القراء، توفى حوالى عام ٥٦٠ هـ (١١٦٤/ ١١٦٥ م)؛ واشتهر بصفة خاصة بمصنفاته التى وضعها فى تجويد القرآن الكريم، ولو أنه عنى أيضًا بتفسير القرآن الكريم والنحو؛ وقد شرع فى وقت مبكر جدًا فى وضع قاعدة للابتداء مصحوبة بعلامات مميزة شتى للوقف فى تلاوة القرآن الكريم ثم استرسل فى بيان هذه القاعدة فى مصنفه الذى كتبه عن هذا الموضوع وعنوانه "كتاب الوقف والابتداء" وقسم أوجه الوقف المحتملة إلى خمسة أنواع، واستحدث علاوة على هذا حرفًا من حروف الهجاء رمزا لكل نوع: ١) وقف لازم (م)؛ ٢) وقف مطلق (ط)؛ ٣) وقف جائز ج)؛ ٤) وقف مجوّز لوجهٍ (ز)؛ ٥) وقف مرخصٌ ضرورة (ص أو ض)؛ وسرعان ما شاعت طريقته موسعة بعض التوسع، ومن ثمَّ نجد فى النسخ الشرقية المتأخرة من القرآن (ما عدا النسخ المغربية) علامات الوقف وقد وضعت إما وفقًا لطريقته أو بطريقة تستند إليها.
المصادر:
(١) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة Flugel، جـ ٣، ص ٣٢٦؛ جـ ٤، ص ٢٨٤، جـ ٥، ص ١٧٠؛ جـ ٧، ص ٨٥٨.
(٢) السيوطى: طبقات المفسرين، طبعة A.Meursinge (ليدن)، رقم ٩٨.
(٣) السيوطى: الإتقان فى علوم القرآن (القاهرة ١٢٨٧)، جـ ١، ص ١٠٥ وما بعدها.
стр. 5500
(٤) traite des pauses dans la lecture de l'Alcoran: S. de Sacy Noticed,un (N.E، ج ٩، ص ١١١ - ١١٦).
(٥) Geschichte des Qorans: Th.Noldeke-Schwally.
(٦) G. A. L.: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٨٧ وما بعدها.
صبحى [باريه R. Paret]
السجاوندى
سراج الدين أبو طاهر محمد بن محمد بن عبد الرشيد، فقيه من الحنفية، لمع نجمه حوالى عام ١٢٠٠ م؛ ومصنفه "كتاب الفرائض" المعروف باسم "الفرائض السراجية" أو "السراجية" فحسب، وهو يبحث فى قانون المواريث، كتاب مشهور كثير الاستعمال، ويعد العمدة فى هذا الموضوع؛ وكان صاحب الترجمة نفسه أول من علق عليه، ثم كثرت منذ ذلك الحين طبعاته وشروحه على يد علماء آخرين حتى يومنا هذا، وكانت بعض هذه الطبعات أيضا باللغتين التركية والفارسية.
المصادر:
(١) حاجى خليفة. كشف الظنون، طبعة Flugel، جـ ١ ص ٢٤٨؛ جـ ٢ ص ٢٠٧ وما بعدها و ٥٦٢؛ جـ ٣، ص ٣٢٥ و ٣٧٦ و ٣٨٤ و ٤٨٢؛ جـ ٤, ص ٣٩٩ - ٤٠٦.
(٢) Ibn Kutlubuga's Tabakat der Hanefitten: G. Flugel Abhandlungen der)، D.M.G جـ ٢، رقم ٣) رقم ١٦٦.
(٣) Les manuscrits arabes de la Zoouyah d'El Hamel: R. Basset، رقم ٣١ (Giornale della Societd Asiatica Halina جـ ١٠، ص ٥٨ - ٦٤).
(٤) Die Classen der hanefitischen sechts. gelehrten: G. Flugel Abhandlungen der phil-hist Classe der Kgl. Sachs Gesellschaft der Wissenschafren)، جـ ٣، ١٨٨١). ص ٣١٨
(٥) G.A.L.: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٧٨.
صبحى [باريه R. Paret]
стр. 5501
السجع
اسم يطلق على طراز بلاغى خاص تستخدم فيه فقرات قصيرة ذات كلمات مقفاة، إلا أنه مع هذا متميز عن الشعر بأنه غير خاضع لقافية واحدة ولا لوزن عام. ولعل السجع أول أسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة. والأمر بيّن فى أن هذا الأسلوب من التعبير استعمله الكهنة فى نبوءاتهم أيام الوثنية، على أن الشواهد التى جاءت فى السيرة لابن هشام لا يمكن أن تكون قد انتهت إلينا سليمة.
ويمكننا أن نسلم دون أن نخشى الزلل بما قاله ابن الكلبى من أن العرب لم يحتفظوا من أشعارهم القديمة إلا بما صنعوه قبيل الإسلام بوقت قصير (كتاب الأصنام، طبعة القاهرة ١٣٣٢ هـ، ص ١٢ - ٥٠) وهذا يؤكد لنا أنهم لم يحتفظوا بشئ من سجعهم القديم، وعلى أية حال، فإنى أعتقد أننا فى حل من التسليم بأن التلبيات المختلفة، والصيحات التى كان يهل بها المشركون فى مزاراتهم الكثيرة، كما سجلها ابن الكلبى (كتاب الأصنام، ص ٨) وغيره، قد وصلت إلينا سليمة، إذ كانت الذاكرة لا تزال واعية والإسلام فى أيامه الأولى.
وقد كانت تلك التلبيات ولا ريب من الطقوس الدينية القديمة الخاصة بالقبائل، وهى أبعد فى القدم من الكلام المسجوع لقس بن ساعدة وغيره من البلغاء الذين عاشوا قبل الإسلام.
وقد قيل إن ضمر بن ضمرة والأقرع بن حابس وغيرهما درجوا على أن يصدروا أحكامهم فى عبارات مسجوعة عندما كانوا يجلسون مجلس القضاء. (الجاحظ فى البيان والتبيين، جـ ١، ص ١١٣، س ٩).
ويروى أن محمدًا، [ ﷺ ]، لام رجلا كان يصطنع السجع فقال له: "أسجعًا كسجع الكهان؟ " (الجاحظ: البيان. جـ ١، ص ١١٢، س ٢٠) كما نهى النبى ﷺ عنه فى الصلاة (البخارى، طبعة جوينبل، جـ ٤، ص ١٩٤، س ٢).
ولقد أولع الكتاب من بعد كالجاحظ والقالى وغيرهما فى وصف الجو
стр. 5502
ونعت الأفراد وغير ذلك فى عبارات مسجوعة جروا على أن يعزوها إلى أعراب مجهولين، ولعل هذه المقطوعات كانت فى الغالب من ابتداع اللغويين يستعينون بها على شرح الكثير من الكلمات الغامضة التى لم يكن من اليسير أن ينتظمها شعر موضوع يخضع لوزن.
وعلى اية حال فقد جنح إلى هذا الأسلوب الشعرى فى أزمنة مبكرة، وبلغ مبلغه من الذيوع فى أدب المقامات لبديع الزمان والحريرى وأضرابهما. ولسوء الحظ فإن هذا الأسلوب وجد سبيله إلى الرسائل. فعلى حين كانت الرسائل الأولى خاصها وعامها خالية من السجع خلوًا غريبا، إذا هى مع تقدم الزمن تتسع للسجع اتساعًا أصبح معه خاصها وعامها مميزًا بمقدار ما يحوى من عبارات مسجوعة لا تحمل غير معان قليلة.
وقد اصبح السجع أعلى مراتب الكتابة للوزير الكاتب، وكان هذا النوع من الأسلوب يسمى "الممزوج" وإن كان الأمر فيه لم يختلف عما كان عليه. وغلب السجع على كثير من فروع الأدب، ولم يسلم منه حتى التواريخ الإخبارية، فقد تميز منها تواريخ باللغة العربية مثل تاريخ اليمينى وكتابات عماد الدين، وأخرى بالفارسية مثل تاريخ وصاف. وقد ضحى الكُتاب فى الحالين بكل شئ فى سبيل تلك السجعات الرنانة.
وهذا الإفراط فى السجع قد يرجع إلى فساد ذوق الفرس الذين كانت لهم الكثرة من الرسائل العربية منذ العهد العباسى. ويبدو أن هذا الداء أخذ ينتشر رويدًا رويدًا نحو الغرب، وكان من الأسباب الكبرى التى حالت بين الذوق الأوروبى واستساغة كثير من الآثار الإسلامية سواء العربية منها أو الفارسية أو التركية أو أى آثار أخرى كتبت بغير ذلك من اللغات التى خضعت لسلطان المسلمين.
المصادر:
(١) الجاحظ: البيان والتبيين، طبعة القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ١١١ - ١١٨.
стр. 5503
(٢) أبو هلال العسكرى: كتاب الصناعتين، طبعة الآستانة. ١٣٢٠ هـ، ص ١٩٩ - ٢٠٣.
(٣) المرزوقى: الأزمنة، طبعة حيدر آباد ١٣٣٢ هـ، ص ١٧٩ وما بعدها.
(٤) المعاجم العربية تحت كلمة سجع.
الإبيارى [كرنكوف F.Krenkow]
سجيل
كلمة من الكلمات القرآنية (سورة هود الآية ٨٣ (١)؛ سورة الحجر، الآية ٧٤؛ سورة الفيل، الآية ٤) اشتقت من الكلمتين الفارسيتين سنك وكل أى الحجر والطين، ومعناهما حجارة كأنها طين متحجر أو محروق. وهذا المعنى يؤيده ما ورد فى القرآن (سورة الذاريات، الآيتان ٣٣، ٣٤: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾). ويزيد المفسرون أن هذه الحجارة قد حرقت فى نار جهنم، ويقولون فى تفسير الآية ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة هود الآية ٨٣ (٢)؛ سورة الذاريات، الآية ٣٤) إن معناها أنه قد نقش على الحجارة أسماء اولئك الذين كتب عليهم أن يعذبوا بها.
وثمة تفسيرات أخرى لكلمة سجيل لا يأخذ بها الجميع، كالقول بأن معناها ما دون أو كتب على العباد (ومن البين أن هذا المعنى مأخوذ من أن السجيل هو كالسجل)، والقول بأنها جهنم أو السماء الدنيا (وتعتبر الكلمة فى هذه الحالة صفة من سجين).
وكذلك جعل لهذه الكلمة ارتباط بالصفات المشتقة من الأصل س ج ل.
المصادر:
(١) lexicon: Lane.
(٢) الطبرى: التفسير، القاهرة ١٣٢٨ هـ، جـ ١٢، ص ٥٧.
(٣) السيوطى: كتاب الإتقان، القاهرة ١٣١٨، جـ ١، ص ١٣٩.
стр. 5504
(٤) Studien uber die Persischen in Klass Arabicch: A. Siddiqi جوتنجن ١٩١٩, ص ٧٣.
(٥) Koranische Untersuchungen: J. Horovitz، برلين ولييسك ١٩٢٦ م، ص ١١.
أما عن القول بأن هذه الحجارة التى أشير إليها فى سورة الفيل، الآية ٤، يقصد بها وباء الجدرى فانظر:
(٦) Annali dell Islam: Caetani جـ ١ المقدمة، ١٤٧.
(٧) La aparicion de la viruela en Arabia: Fernandez y Gonsalez فى Revista de ciencias historicas، جـ ٥، ١٨٨٧ م، ص ٢٠١ - ٢١٦.
خورشيد [فكا V.Vacca]
السحر
إذا عرضنا لتلك المسألة المختلف عليها من مسائل الأدب الشعبى، ألا وهى العلاقة بين السحر والدين، نجد قول ماريت R.R. Marett: " . . . كان عند الإنسان البدائى نظام يتناول خوارق الطبيعة، تستكن فيه نواة كل من السحر والدين اللذين أخذ الناس يفرقون بينهما شيئًا فشيئًا. ويختلف الدين والسحر من حيث مكانتهما فالدين دائما هو الأسمى، وهو العقيدة المسلم بها. على أنه يقوم بين ما هو دينى قطعا وما هو سحرى قطعًا حشد من أصول صفتها غير محددة. مثل "السحر الأبيض"، لا تبلغ مبلغ الدين من حيث اعتراف الناس بها، ولا للقى من الذم ما تلاقية الأشياء التى لا جدال فى أنها من السحر".
(Britannica الطبعة الحادية عشرة، جـ ١٢، ص ٣٠٥، عمود ب) وهذا يصدق تماما على جماهير المسلمين، وعلى من نستطيع أن نسميهم المسلمين السنيين بصفة عامة. ذلك أن الإسلام يقول صراحة بالخوارق. وهو يرى أن ثمة عالمنا المادى، عالم الحواس. وعالما آخر وراءه هو عالم الأرواح. ويمكننا أن نتصل بالعالم الأخير عن طريق السحر أو الدين وما إن نحاول أن نحدد طبيعة عالم الأرواح تحديدًا دقيقا حتى تقوم
стр. 5505
النظريات ويظهر الخلاف بين السحر والدين: فما أصل هذه الأرواح وطبيعتها؟ وكيف تختلف فيما بينها؟ وما المقصود باستقلالها فى العمل؟ وكيف نستطيع الوصول إليها والهيمنة عليها؟ وهل يؤثر اتصالنا بها على هذا النحو فى علاقتنا باللَّه سبحان وتعالى ويعرض للخطر خلاصنا الأبدى؟ ذلك أن كل شئ فى الإسلام، يدور حول اللَّه وعلاقتنا به.
وهكذا نجد أن عالم الأرواح فى جزيرة العرب [قديمًا] كان يتألف بصرف النظر عن الآثار المسيحية واليهودية التى فى هذا الدين، من اللَّه ومن الآلهة القبلية والجن وكان الكهان والسحرة والعرافون والشعراء والمجذوبون صلة الوصل بين الناس وبين هذا العالم. والنظرية بالنسبة لهؤلاء الناس هى أن أرواحا من أجناس شتى "تلابسهم" ملابسة تامة بالمعنى الذى يدل عليه مصطلح "الملابسة" فى مذهب الأرواح Spiritism عند المحدثين. ومن ثم فإن كلمة Magic فى اللغة الإنكليزية من حيث هى مصطلح فى الأدب الشعبى أوسع مدلولا بشكل ظاهر من الكلمة العربية "سحر" إذا استعملت هذه الكلمة بمعناها الأخص. على أن مقتضيات الوضوح بالنسبة لوقائع هذه الحالة تتطلب منا أن نأخذ كلمة سحر بمعناها الأعم، وكثيرًا ما نحا الإسلام هذا النحو بوجه عام. وقد نقل مرتضى الزبيدى فى شرحه للإحياء (جـ ١ ص ٢١٧ فى أسفلها) عن تاج الدين السبكى أنه قال "السحر والكهانة والتنجيم والسيمياء كلها من نفس الوادى" ثم أن الإسلام فى انتشاره خارج جزيرة العرب قد اتصل بشتى الشعوب والبلاد التى فتحها وعرف معتقدات هذه الشعوب والبلاد فيما يتصل بخوارق الطبيعة وفنون السحر والطقوس الدينية. وامتزج كل هذا بالتصورات والمصطلحات القرآنية والعربية، ونشأ من ذلك خليط متنافر أشد التنافر من حيث مفردات اللغة والطقوس الدينية ونظرات المسلمين بل تفكيرهم فى أصول الأشياء. وقد اعترف المسلمون أنفسهم بهذه الحقيقة، وردوا كما سنبين بعد، أنواع السحر
стр. 5506
المختلفة إلى شعوب شتى وقد سار هذا الاختلاط فى اتجاهين: الأول، أن العرب نقلوا معتقدات أهل الجزيرة العربية ومسمياتهم على غير العرب؛ بل على شعوب غير سامية؛ والثانى، هو التأثر تاثرًا عميقًا بمعتقدات أناس غرباء عن الإسلام كلية.
على أن كلمة "سحر" من حيث اشتقاقها الدقيق توحى بالمعنى الضيق للسحر وهو "الفتنة" وتقرر المعاجم أن السحر معناه صرف الشئ عن حقيقته أو صورته إلى شئ آخر مخالف للحقيقة أو هو الخيال المحض. ويطلق على ذلك فى كثير من الأحيان "التخييل" اعتمادًا على الآية ٦٨ (١) من سورة طه، وربما كان هو ما نسميه الآن التنويم المغنطيسى. بيد أن الآخذين بالمذهب العقلى قد حاولوا أن يردوا ذلك إلى مجرد "الخداع" أو "الشعوذة" أو "التخيلات والأخذ بالعيون" بالاستعانة بخفة اليد والقول المنمق. ومن ثم جاء المعنى الذى يوحى ببديع ما نشاهده فى الطبيعة من صنع، مثال ذلك الغذاء فى الجسم (وقد ورد هذا المعنى إلى امرئ القيس نفسه كما ورد فى لسان العرب جـ ٦، ص ٣) (٢) فى أسفلها، على أن المعنى فى هذا الموضع أقرب فى جوهره إلى "الصرف") وجمال البيان كقولك سحر الكلام (الصحاح، مادة سحر؛ مفردات الراغب الإصفهانى، ص ٢٢٤ وما بعدها؛ لسان العرب، جـ ٦، ص ١١ - ١٣؛ Lane ص ١٣١٦ وما بعدها) على أن الإشارات الواردة فى القرآن الكريم أدق تحديدًا من أن تسمح بمثل هذا البحث. وأما من الناحية الدينية فإن الإسلام قد وقف منه موقفًا يطابق موقف الكنيسة الرومانية الحديثة من مذهب الأرواح. ونظرة القرآن الكريم إلى السحر تقوم على عالم الأرواح الخاص بالجن والشياطين، ومن الواضح أن المقصود بذلك الجن الكفار الأشرار. وأهم آية قرآنية بالنسبة لهذا الموضوع كله هى الآية ١٠١ (٣) من سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو
стр. 5507
الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وتركيب هذه الآية جد فضفاض، وثمة عدة مواضع فى ترجمتها غير محققة (١). ونحن نجد أن البيضاوى بالرغم من أسلوبه المحكم قد فسرها فى أكثر من صفحة (البيضاوى، طبعة فليشر Fleischer جـ ١، ص ٧٦، س ٢ - ص ٧٧، س ٧) كما خصها الكشاف للزمخشرى بصفحة ونصف صفحة (طبعة ليز Lees، جـ ١، ص ٩٣ - ٩٥). أما التفاسير الكبرى فقد تناولت هذه الآية بالتفصيل بوصفها القول العمدة فى هذا الموضوع. مثال ذلك الطبرى (التفسير، جـ ١، ص ٣٣٤ - ٣٥٣) وفخر الدين الرازى (مفاتيح، جـ ١، ص ٤٢٧ - ٤٤٠ من طبعة القاهرة سنة ١٣٠٧ هـ). على أن الاتجاه العام لهذه التفاسير بين لا يخطئه أحد، فالشياطين فى قول أصحاب هذه التفاسير، هى الأصل فى السحر. ذلك أنهم كانوا يتسمعون عند أبواب السماء (انظر ما يلى)، ويزيدون على ما يسمعون أكاذيب من عندهم، ويبلغون ذلك إلى الكهان فيصنعون منه كتبًا، يعلمونها للناس ويتلونها. وكان هذا العمل منتشرًا فى زمن سليمان ﵇ انتشارًا عظيما حتى قيل إنه كان أساس علمه وتحكمه فى الطبيعة وفى الجن، بل أن اليهود قالوا إن سليمان لم يكن نبيًا وإنما كان ساحرًا (الرازى ص ٤٢٨)؛ وهذه الآية التى ذكرناها رد عليهم. وقد خبرنا فى غير ذلك من أيات القرآن الكريم (سورة الصافات الآية ٧ (٢)، سورة فصلت، الآية ١١ (٣) سورة الملك، الآية ٤ (٤)؛ سورة الجن،
стр. 5508
الآيتان ٨، ٩) أن الجن كانوا يقعدون (كنا نقعد) بجوار السماء الدنيا ويستمعون (استمع، استرق السمع) هناك إلى الملأ الأعلى، وأنهم كانوا يطردون من مقعدهم بأن تتعقبهم مصابيح (مصابيح، شهاب) زينت بها السماء الدنيا، ولكنها كانت تطلق عليهم رجومًا بمعرفة الملائكة الحفظة (حرص، رصد، حفظ). وكان الشياطين قد جروا على الاستماع على هذا النحو بانتظام، ولكنهم الآن (سورة الجن الآية ٨، ٩) -ومن البين أن المقصود بالآن: منذ أن بُعث محمد [ ﷺ ] رسولا- قد وجدوا الملائكة خاصة واقفين لهم بالمرصاد. (انظر مناقشة ذلك بالتفصيل فى الكشاف ص ١٥٣٥ فى تفسير الآية ٩ من سورة الجن حيث استشهد الزمخشرى بأبيات من شعر القدماء عن أراء العرب فى هذا الشأن أيام الجاهلية). وكان هؤلاء العرب يعرفون مثل هذه الشهب كما كان لهم آراء فيها. على أنه لما ولد محمد [ ﷺ ] كان شأن الملائكة قد ازداد زيادة عظيمة إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون قد استمر إلا مدة قليلة، لأن تاريخ السحر كله من بعد يمثل الجن دائبين على التسمع وعلى إبلاغ ما يسمعون إلى الكهان والسحرة. ثم إن الجن، (سورة سبأ، الآية ١٣) (١) لا يعلمون الغيب، أو قل أنهم على الأقل لا يعلمونه علم اليقين، وإن كان الجن الأشرار يوحون إلى أعداء النبيين ويضلونهم (سورة الأنعام الآية ١١١) (٢) وقد ورد فى القرآن الكريم (سورة الشعراء الآيات من ٢٢٣ - ٢٢٥) (٣) فقرة لها دلالتها تنبئنا كيف تنزل الشياطين على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، وأن الشعراء يتبعهم الغاوون، فهم فى كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون. والمفسرون (البيضاوى، جـ ٢، ص ٦١، س ١٥ - ص ٦٢ س ٧، وقد عرض لذلك الكشاف عرضا أحسن من البيضاوى وأكثر تفصيلا، جـ ٢ ص ١٠١٢ - ١٠١٤)، يربطون ذلك -وقولهم فى هذا بيّن الصواب- بالجن يستمعون إلى حديث الملائكة، ويحرفونه ويخلطونه بالأكاذيب
стр. 5509
ويبلغونه إلى الكهان والمتنبئين والشعراء، وانظر جولدتسيهر عن الشعر يوحى به الجن على هذا النحو (Goldziher: Abhandlungen zur arab. Philologie, جـ ١، ص ١ - ١٢١، وانظر عن هذه الفقرة خاصة، ص ٢٧، تعليق ٢).
ولم ترد كلمة سحر فى القرآن الكريم مرتبطة بسليمان ﵇ إلا فى سورة البقرة (الآية ١٠١)، (١) ولكن ثمة عدة آيات (سورة الأنبياء، الآيتان ٧٨، ٧٩؛ سورة النمل، الآيات من ١٤ - ٤٣ (٢)؛ سورة سبأ، الآيات من ١١ - ١٣ (٣)؛ سورة ص، الآيات من ٢٩ - ٣٩) (٤) تتناول حكمته وعلمه وتحكمه فى العالم؛ ثم أخذ الإسلام فيما بعد يرد السحر المشروع جميعًا، أو قل السحر الأبيض، إلى سليمان. أما الإشارات الأخرى فى القرآن الكريم إلى السحر وما فى معناه فهى متصلة بقصص موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين (٥).
ونحن نجد فى السيرة (ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ١٧١ وما بعدها؛ البيضاوى، طبعة فليشر، جـ ٢، ص ٣٦٨، س ١٥ وما بعدها؛ الكشاف، طبعة ليز، جـ ٢، ص ١٥٤٨) أن المفسرين السلفيين اجتهدوا فى التفريق بين الكاهن والمجنون والشاعر والساحر، وأنهم بلا ريب قد استندوا فى تعريف السحر إلى الآية ١٠١ من سورة البقرة (٦)؛ على أننا نتبين من الاستعمالات القرآنية أن مثل هذا التفريق محال، وأن الكاهن والمجنون والشاعر والساحر كانوا وثيقى الصلة بعضهم ببعض، بحكم كونهم همزة الوصل بين عالم الروح وعالمنا هذا.
ونحن نجد أن المفسرين أمثال الزمخشرى والبيضاوى عندما عرضوا لتفسير آيتين ورد فيهما هذا النص الخاص بالسحر (سورة يونس، الآية ٢ سورة الصافات، الآية ١٥) قد قالوا عن
стр. 5510
يقين وإيمان إن الإشارة فيهما إلى أن الرسول [ ﷺ ] أتى أمورًا خارقة للعادة؛ على أن اتجاه القرآن جميعًا، بل اتجاه الآيتين يدلنا على أن الإشارة إلى الوحى الذى ظن المكيون أنه حاصل من السحر. ويزعم المكيون بحسب الآية الخامسة من سورة الأنبياء أن الوحى هو أضغاث أحلام، زد على ذلك أن ثمة آية فى القرآن تدل على أن الوحى كان فى بعض الأحيان يأتى فيما نسميه نحن الآن "الكلام التلقائى". وقد نُهِىَ النبى [ ﷺ ] فى الآية ١١٤ من سورة طه، والآية ١٦ من سورة القيامة عن تحريك لسانه بالوحى ليعجل به. أى أنه أُمر بأن يستمع له وينصت فإذا انطلق قرأه النبى ﵊ (انظر صحيح البخارى، جـ ٩، ص ١٥٢ وما بعدها، طبعة بولاق ١٣١٥ هـ: كتاب التوحيد) وفى الآية ١٠١ من سورة المائدة حذر الحاضرون والمستمعون للنبى [ ﷺ ] حين ينزل عليه الوحى أن يسألوه فجأة عن أشياء، ويمكن القارئ أن يرجع إلى جملة أحاديث بهذا المعنى فى تفسير الطبرى (جـ ٧، ص ٤٨ - ٥٢) البيضاوى (جـ ١، ص ٢٧٥ فى اعلاها إلى ص ٢٧٦، س ١١) ومن الواضح أن المفسرين من أهل الكلام كالزمخشرى والرازى يكرهون التعرض لهذا الموضوع أما عن الكلام التلقائى فى الإسلام على عهده المتأخر فقد سلم الإسلام تسليما كاملا بهذه الظاهرة ووصفها.
ويتضح لنا من ذلك أن فهم هذه الآيات القرآنية يقتضينا أن نجمع بين المعنى الظاهر لنص القرآن الكريم وما نعرفه عن علم النفس الذى يبحث فى الخوارق. وهذه الظاهرة التى أسلفنا بيانها يمكن أن يتحقق منها فى كثير من الأحيان أى فرد له صلة بحالة من تلك الحالات الكثيرة الشيوع، ونعنى بها حالة "التلقائية" و"الكتابة التلقائية"، ويصدق ذلك تماما على "الكلام التلقائى" وهو أندر هذه الحالات وقوعًا. على أن المفسرين القدماء ميزوا بوضوح بقدر الإمكان بين هذه الظاهرة فيما يتعلق بالنبى [ ﷺ ] والظواهر
стр. 5511
الخاصة بالصلات الأخرى بعالم الروح. وقد فعل هؤلاء المفسرون ذلك بتأكيد نزول الوحى عن طريق جبريل تمييزًا له عن الكلام التلقائى عن طريق روح تلابس المتكلم.
والراجح أن كثيرًا من الإشارات الواردة فى القرآن الكريم، إلى ظاهرة السحر، قد صبغت بذلك الطابع الخفى. ومن ثم فإن السحر هو الفتنة، وهو غير حق، ويُفهم من السنة النبوية أن السحر كان وحيا وثنيًا يأتى من عالم الأرواح، والوسطاء فيه سواء كانوا أرواحًا أو بشرًا قد حرفوه وزادوا عليه وهو بهذه الصورة باطل وقد وردت فى صحيح مسلم (جـ ٨، ص ٢٢٩ - ٢٣١ من طبعة الآستانة ١٣٣٣ هـ، كتاب الزهد، حديث ٧٣) قصة طويلة عن ملك وثنى وساحره، وراهب متقشف وغلام. والمسألة هى أن الوثنية سحر وكفر على نحو ما قال البيضاوى فى تفسير سورة البقرة، الآية ١٠٢ (جـ ١، ص ٧٦، س ٧) من أن السحر معادل للكفر، وهو يدخلهما فى الكهانة.
أما الأحاديث التى تناولت السحر فإن من المستحيل أن نميز منها ما قاله النبى [ ﷺ ] حقًا وما وضع فى المناظرات التى وقعت بين الفرق بعد ذلك. لأن كثيرًا من هذه الأحاديث يتنافى فيما يظهر وما عُرف عن النبى [ ﷺ ] من عظيم الإدراك. ويمكننا أن نحيل القارئ إلى صحيح مسلم (كتاب السلام، جـ ٧، ص ١٣ - ٤١) عن الطب، والرقية المشروعة وغير المشروعة، والسحر، والسم، والشياطين، و"الغيلان، والكهانة أو الطيرة، والفأل، وكلها مجموعة فى صعيد واحد. وقد جاء فى صفحة ٥٩ من الجزء الأول، أنه إذا قال أحد "مطرنا بنوء كذا" فهو بلا شك كافر، وجاء فى الصفحات من ١٣٦ - ١٣٨ أن سبعة الآلاف مسلم الذين سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هم الذين لا يَرقْون ولا يستَرْقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. أما الطب وغيره فقد تناوله صحيح البخارى فى كتاب الطب (جـ ٣، ص ١٢٢ - ١٤٠) كما
стр. 5512
تناول تعبير الرؤيا وغير ذلك فى الجزء التاسع، ص ٢٩ وما بعدها. أما عن رؤيا النبى [ ﷺ ] والرؤيا بصفة عامة فانظر صحيح مسلم، جـ ٧، ص ٥٠ وما بعدها. وهذه الموضوعات جميعًا كانت ولا تزال مرتبطة بالعقلية الإسلامية أوثق ارتباط.
وقد حمل المعتزلة على أساس من العقل والنظر على الأحاديث التى تقول إن محمدًا [ ﷺ ] كان مسحورًا. ذلك أنهم كانوا يرون أن هذا مستحيل فى حق نبى عصمه اللَّه، كما قالوا أيضًا بأن السحر الذى تحدث عنه القرآن فى قصة موسى مثلا ليس إلا "تخيلا"، وأن الملكين اللذين ورد ذكرهما فى الآية ١٠٢ من سورة البقرة، كانا رجلين اسمهما "ملك" وإن هذه الآية يجب أن نفهمها فهما آخر. وقد ذكر ابن قتيبة الرأى المناهض لذلك فساق الأدلة العامة التى جاءت بها كل الكتب المنزلة والأنبياء، وذكر الاعتقاد المجمع عليه فى السحر من شعوب متباينة فيما بينها أشد التباين، وكذلك الشهادة الصريحة الواردة فى القرآن فى سورتى "المعوذتين"، وغير ذلك من أخبار بعينها، وخاصة تلك القصة عن امرأة شخصت إلى بابل لتتعلم السحر من هاروت وماروت، ثم طلبت النبى [ ﷺ ] فى المدينة تائبة فوجدته قد لقى ربه فاعترفت لعائشة وأنبأتها بقصتها كلها. وهذه القصة تبدو فيها عناصر من الأدب الشعبى تتعلق بتحضير السويق بالسحر، وهى تذكرنا بحكاية بدر باسم من حكايات ألف ليلة وليلة وخرافات محمد بن سلمة (The Earlier History the Arabian Nighits فى J.R.A.S يوليه ١٩٢٤ - ص ٣٧٤ - ٣٧٩) وثمة رواية لهذه القصة أكثر تفصيلا وردت فى الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ الموافقة ٩٢٣ م (التفسير، جـ ١، ٣٤٧، س ٢٣ إلى ص ٣٤٨، س ١٠) وكذلك فى الثعلبى المتوفى سنة ٤٢٧ هـ الموافقة ١٠٣٦ م (قصص الأنبياء، ص ٣٠، س ١٦ وما بعدها من طبعة القاهرة
стр. 5513
١٣١٤ هـ) وأورد الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ هـ الموافقة ١٢٠٩ فى كتابه مفاتيح الغيب (جـ ١، ص ٤٣٤، س ١٩ - ٢٨) رواية لهذه القصة ثم إن جميع روايات القصة تختلف فيما بينها اختلافا شديدًا من نواح أخرى. ومن الواضح أن هذه الروايات كانت تتكيف بحسب ما يعرفه كل كاتب عن السحر وبحسب المفهوم الشائع للسحر فى عصره. على أن القصة التى نحن بصددها لم يقبل المحدثون فيما يظهر إدخالها فى الحديث. ذلك أن مسند ابن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ (جـ ٢، ص ١٣٤) هو من دون أصحاب مجموعات الحديث الكبرى القديمة الذى ذكر شيئا عن هاروت وماروت، ولم يشر إلى هذه القصة (رسالة بعث بها إلى الأستاذ فلنسنك).
ونجد فى كتاب الفهرست (كتب بين عامي ٣٧٧ و ٤٠٠ هـ - ٩٨٧ - ١٠١٠ م) طريقة السحر مبسوطة بسطًا مسهبا مؤيدة بتواليف كثيرة فى الموضوع. وأهم فقرة فى هذا الشأن هى التى وردت فى الفن الثانى من المقالة الثامنة (الفهرست، طبعة فلوكل، ص ٣٠٨ وما بعدها). ويتجلى موقف المؤلف محمد بن إسحق من أقواله، ومن البين أنه كان من الشيعة، ومن ثم نلمح فيه على الأقل طابع المعتزلة يقول ابن إسحق: "زعم المعزمون والسحرة جميعا أن الشياطين والجن والأرواح تطيعهم".
فأما المعزمون (ونعنى بهم أصحاب الطريقة المحمودة فى السحر، من كلمة عزيمة أى الرقية؛ وهذه الكلمة لم ترد فى القرآن الكريم ولا الأصل الذى اشتقت منه) ممن ينتحل الشرائع يرون أن ذلك يكون بطاعة اللَّه جل اسمه، والابتهال إليه، والأقسام على الأرواح والشياطين به وترك الشهوات ولزوم العبادات، وأن الجن والشياطين يطيعون إما طاعة للَّه جل اسمه لأجل الأقسام به، وإما مخافة منه ﵎، ولأن فى خاصية أسمائه، تقدست وذكره علا وجل، قمعهم وإذلالهم. فأما السحرة (ويعنى بهم
стр. 5514
أصحاب الطريقة المذمومة فى السحر) فزعمت أنها تستعبد الشياطين بالقرابين والمعاصى وارتكاب المحظورات. . . وللشياطين فى استعمالها رضا، مثل ترك الصلاة والصوم وإباحة الدماء ونكاح المحارم وغير ذلك من الأفعال الشريِّة، والكتب فيه مؤلفة كثيرة موجودة، وزعم الجميع من المعزمين والسحرة أن لهم خواتيم وعزائم ورقى ومنَادل وحِزاب ودَخَن وغير ذلك مما يستعملونه فى علومهم وزعم طائفة من الفلاسفة وعبدة النجوم أنهم يعملون الطلسمات على أرصاد الكواكب لجميع ما يريدونه من الأفعال البديعة، والتهيجات، والعطوف والتسليطات، ولهم نقوش على الحجارة والخرز والفصوص. وهذا. علم فاش ظاهر فى الفلاسفة، وللهند اعتقاد فى ذلك، وأفعال عجيبة، وللصين حيل وسحر من طريقة أخرى، وللهند خاصة علم التوهم (أى التنويم المغناطيسى، انظر J.R.A.S عدد أكتوبر ١٩٢٢ Wahm in Arabic and its Cognates ص ٥١٦) ولها فى ذلك كتب، قد نقل بعضها إلى العربية، وللترك علم من السحر. قال لى من أثق بفضله أنهم يعملون عجائب من هزائم الجيوش، وقتل الأعداء، وعبور المياه، وقطع المسافات البعيدة فى المدة القريبة والطلسمات بأرض مصر والشام كثيرة ظاهرة الأشخاص، غير أن أفعالها قد بطلت لتقادم العهد.
ويرد السحر المشروع، ويطلق عليه الفهرست "الطريقة المحمودة"، إلى سليمان بن داود ﵉ الذى كان أول من استعبد الجن والشياطين واستخدمها. وقيل إن أول من استعبدها على مذاهب الفرس جمشيد (انظر عن جمشيد بوصفه صاحب العلم بالجن ومسخرها؛ الفهرست، ص ١٢، س ٢١ وما بعدها، ص ٢٣٨، س ٢٠ وانظر المزيد من المعلومات عن مكانه فى الأسطورة الفارسية والخلط بينه وبين سليمان ﵇ E.G. Browne بصفة خاصة كتابه Literary History of Persia، جـ ١ ص ١١٤). ومن
стр. 5515
الواضح أنه كان ثمة كتب كثيرة جدًا فى السحر تنسب إلى سليمان بالعبرية ثم بالفارسية نتيجة لهذا الخلط. وقد ذكرت أسماء هذه الكتب فى الفقرة الطويلة المنقولة عن الجَوْبَرى: "كتاب فى كشف الأسرار" الذى ألف فى منتصف القرن السابع الهجرى (Z.D.M.G جـ ٢٠، ص ٤٨٦ وما بعدها فى مقال دى غوى عن الموضوع نفسه " Gaubari's "entdeckte Gehimnise؛ وكذلك Fleischer فى Z.D.M.G جـ ٢١، ص ٢٧٤). وقد طبع جزء صغير من هذا النص فى القاهرة (٣٢ صفحة، من غير تاريخ، مطبعة النجاح) مع حذف المقدمة والتوسع فى الباب الرابع من الفصل الرابع؛ ومن الواضح أن هذا الجزء قد حذف منه أيضًا أشياء أخرى [وثمة أيضًا طبعة كاملة لم يذكر طابعها ولا مكان طبعها، ولكنها مؤرخة فى جمادى الأخرة ١٣٠٢ هـ وانظر أيضًا دراسة هذا الكتاب من الناحية الفنية لا اللغوية، وهى دراسة تعتمد على النص المطبوع وعلى عدة مخطوطات، قام بها Beitr.z. w Gesch. der Naturwissenschaften: E. Wiedmann، جـ ٢٥ ص ٢٠٦ - ٢٣٢] ثم يذكر الفهرست أسماء سبعين عفريتا دخلوا على سليمان ﵇ وأخذ عليهم العهد والميثاق؛ والعهود أسماء اللَّه تعالى وظلت هذه العهود تفعل فعلها العظيم. وثمة كتاب قاهرى صغير لم يؤرخ من ست عشرة صفحة اتخذت فيه هذه العهود حجابًا: "حجاب سبعة العهود السليمانية لسيدنا سليمان بن داود ﵉، وثمة بيان آخر بسبعة ذكر أيضًا، وهو يتصل بأيام الأسبوع السبعة. ويمكن أن نتوسع فى ذلك بالاعتماد على ما ذكره القزوينى (عجائب المخلوقات، طبعة فستنفلد، ص ٣٧١ وما بعدها) وهو أيضًا يجعل الجن مسخرين لسليمان ﵇، وهناك أثبات أخرى وأوصاف أوردها الدميرى (حياة الحيوان، طبعة القاهرة ١٣١٣ جـ ١، ص ١٧٧ - ١٧٨؛ ترجمة Jakyar جـ ١، ص ٤٤٨ - ٤٨٠). ثم يذكر الفهرست أسماء بعض السحرة
стр. 5516
وعناوين كتبهم مبتدئًا بالروم حتى عهده. ويمكن ضبط ذلك والتوسع فى بعض نواحيه بالرجوع إلى ثبت الجوبرى وكل هؤلاء المعزمين بما فيهم أريوس الرومى بن اصطفانوس نفسه قد أكدوا صلتهم بطريقة سليمان ﵇، وكانوا يسيطرون على العفاريت بأخذ المواثيق عليهم. وآخرهم أبو عمر عثمان بن أبى رصاصة كان مقدما فى صناعته، له كتب كثيرة وأعمال حسنة. وقد رآه صاحب الفهرست وشاهده، وقال له يوما: "أنا أنزهك عن التعرض لهذا الشأن فقال: يا سبحان اللَّه نيف وثمانون سنة، لو لم أعلم أن هذا أمر حق لتركته ولكنى لا أشك فى صحته" فقال له ابن اسحق "واللَّه لا أفلحت! " وبيّن أن المقصود بذلك أنه تمنى له ألا يفلح فى سحره.
والسحر غير المشروع (ويسميه الفهرست الطريقة المذمومة) أو طريقة السحرة، ترّد كذلك إلى إبليس عن طريق ابنته بَيْذَخ "وإن لها عرشا على الماء (انظر عرش إبليس على البحر فى صحيح مسلم، طبعة الأستانة، جـ ٨، ص ١٩٠ وعرش اللَّه على الماء فى الآية ٧ من سورة هود، والحديث الوارد فى صحيح البخارى، طبعة بولاق ١٣١٥ هـ جـ ٩، ص ١٢٤) وإن المريد (كأنه المريد فى الصوفية) لهذا الأمر متى فعل لها ما تريد وصل إليها، وأخدمته من يريد، وقضت حوائجه، ولم يحتجب عنها، والذى يفعل لها القرابين من حيوان ناطق وغير ناطق، وأن يدع المفترضات ويستعمل كل ما يقبح فى العقل استعماله" [والراجح أن تفكك هذه العبارة يرجع إلى أن ابن إسحق قد أدمج عدة حقائق ذكرت له]. "وقد قيل أيضا أن بيذخ هو إبليس نفسه، وقال آخر أن بيذخ تجلس على عرشها فيحمل إليها المريد لطاعتها فيسجد لها. . وقال لى إنسان منهم: إنه رآها فى النوم جالسة على هيئتها فى اليقظة، وأنه رأى حولها قوما يشبهون النبط سوادية حفاة مشققى الأعقاب. . وقال (ومن الواضح أنه الشخص الذى أخبر ابن إسحق بذلك) لى رأيت فى جملتهم ابن منذر بنى (؟ ) وهذا رجل من أكابر السحرة قريب العهد. . .، وكان
стр. 5517
يناطق من تحت الطست" (الفهرست، ص ٣١٠، س ١٨). وأخذ ابن اسحق يذكر بعد ذلك اسم كل ساحر متبوعا ببعض كتبه، ومنهم رجل يمنى روى عن الزرقاء الساحرة (الأميرة اليمنية طريفة؟ . .) وآخر هو ابن وحشية وهو يقرر أنه متصل بالسحر الكلدانى القديم، ولا شك أنه كان فى سحره متصلا أيضًا بالنبط. ويقول الفهرست إنه صوفى، كان يدعى أنه ساحر يعمل أعمال الطلسمات. ويلى ذلك فى الفهرست قسم (ص ٣١٢, س ١١ - ١٦) عن الشعبذة. ثم يعود إلى السحر، ويذكر فالشتانس Callicthenes. وبليناس من أهل الطوانة Apollonius of Tyana وأروس, Horus هرمس Hermes, وأرباب السحر فى الهند. أما عن الحيل المذكورة آنفا فيرجع إلى الفن الذى أفرده ابن إسحق للحساب والمهندسين (ص ٢٦٥، س ١٦؛ ص ٢٧١ س ٨). وثمة كتب أخرى فى السحر معظمها لكتاب مجهولين ذكرها الفهرست فى الفن الذى أفرده للكتب المصنفة فى معان شتى (ص ٣١٤ س ٧ - ١٨، ص ٣١٧, س ٨؛ ص ٤١٨، س ٤). وقد جرى الإسلام على نسبة جزء كبير من السحر غير المشروع والتنجيم إلى مذاهب الكلدانيين، ومن ثم فإن الفن الأول من المقالة التاسعة من الفهرست (ص ٣١٨ وما بعدها) الذى يتحدث عن الحرانيّة الكلدانيين الذين عرفوا بالصابئة له أهمية فيما يتعلق بتاريخ السحر، وخاصة الرأس الذى يخبر بما يحدث فى المستقبل (ص ٣٢١، س ١٢ وما بعدها). ويصدق هذا أيضا على المقالة العاشرة فى الكيمياء حيث نجد مرة أخرى كلمة مطولة عن ابن وحشية (ص ٣٥٨) وأصحابه. وقد بين ابن خلدون بحق فى عهد متأخر عن ذلك كثيرًا، أن الشيعية، والصوفية والفلسفة. والتنجيم، والكيمياء، والسحر، كلها تتصل بعضها ببعض (انظر ما جاء فى الفهرست ص ٣٥٤ وما بعدها، عن الأقوال المخللفة فى جابر بن حيان، والأسماء التى أطلقت عليه).
وإذا كان صاحب الفهرست قد شك شكا واضحًا فى إمكان وجود أى ضرب حقيقى من السحر واكتفى بذكر
стр. 5518
شئ عن سير السحرة وكتبهم كما وجدها، فإن الغزالى المتوفى سنة ٥٠٥ هـ (١١١١ م) لم يخامره مثل هذا الشك، ذلك أن عالم الأرواح كان فى نظره حقيقة لا ريب فيها. وهو قد دخل فى كتابه الإحياء فى تفصيلات مسهبة عن الجن والشياطين وأفعالها (Religious Attitude in Islam: Macdonald ص ٢٧٤ وما بعدها) والغزالى فى كتابه المنقذ من الضلال (طبعة القاهرة ١٣٠٣ هـ، ص ٤٦) يذكر المربع السحرى "بدوح" قائلا أن له خواص مجربة، ومن ثم عرف هذا المربع باسمه، وكتب أيضًا فى تفسير الرؤيا (التحبير فى علم التعبير، حلب، مطبعة البهاء، ١٣٢٨ هـ، فى ٣٠ صفحة) وقرر القزوينى فى كتابه "آثار البلاد" (طبعة فستنفلد، ص ٢٧٢) أنه -أى الغزالى- أفاد من كحال مشهور هو الطبسى المتوفى سنة ٨٤٢ هـ (١٠٨٩ م؛ Geschichte der arab Litt, جـ ١، ص ٤٩٦) وذلك فى استحضار الجن، وأنه رآها كالأشباح على الحائط، فلما أراد أن يتحدث معها أجابه الطبسى أن قدرته تقف عند هذا الحد (انظر أيضًا عن هذه الناحية فى الغزالى وتطورها فى الأساطير مقدمة كولدسيهر لكتابة عن ابن تومرت Livre d'lbn touert: الجزائر ١٩٠٣ م، ص ١٥ وما بعدها). وهذا معناه أن فلسفة الغزالى القائمة على المذهب العملى Pragmatism قد أدت به إلى تصديق كل للك الأعمال المؤثرة فى الطبيعة وفى الإنسان لأنه وجد شواهد صحيحة عليها. وقد كان للمربع المعروف باسم "بدوح" أثره، ومن ثم سلم به وبجميع ما يتضمنه. ذلك أن العالم ملئ بالخفايا، وهذا المربع كان جزءًا منها على أنه بوصف كونه فيلسوفًا اخلاقيا لم يجد بدأ من النظر فيمن يزاولون السحر وفى تصنيفهم أنواعا، وقد فعل ذلك مبكرًا فى كتابه الإحياء (طبعة القاهرة ١٣٣٤ هـ، جـ ١، ص ١٥) ٢٦؛ والطبعة التى عليها شرح مرتضى الزبيدى المتوفى سنة ١٢٠٥ الموافقة ١٧٩١ م، جـ ١، ص ١٤٦، ٢١٦ وما بعدها) ففى صفحة ١٥ من هذا الكتاب يتناول الغزالى
стр. 5519
تصنيف العلوم من الناحية الشرعية، فيقول إنها إما ترجع إلى الأنبياء إما لا ترجع إليهم والعلوم التى لا ترجع إليهم يرشد إليها العقل، أو التجربة أو السماع كاللغة، وهى تنقسم إلى ما هو "محمود"، وإلى ما هو "مذموم"، وإلى ما هو "مباح". أما المذموم فكمثل العلمين التوأمين علم السحر والطلسمات، وعلم الشعبذة والتلبيسات. ثم يدخل الغزالى فى تفصيلات أو فى من ذلك فى صفحة ٢٦ ليفسر كيف يكون العلم مذموما، مع أن العلم هو معرفة الشئ على ما هو به وهو من صفات اللَّه تعالى ويجيب عن ذلك بأن العلم لا يذم لعينه وإنما يذم فى حق العباد لأحد أسباب ثلاثة: الأول، أن يكون مؤديًا إلى ضرر ما لصاحبه أو لغيره كعلم السحر. الثانى، أن يكون مضرًا بصاحبه فى غالب الأمر كعلم النجوم، الثالث الخوض فى علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم مثال ذلك علم الكلام أو الطب لغير المتخصص فيهما. ومن الواضح أن هذا هو أساس مذهب المنفعة عند المسلمين، وهو المذهب الذى أثار اهتمامًا كبيرًا لدى باحث كابن خلدون، فوقع فريسة له , (Religious Attitude، ص ١١٩ وما بعدها) ويعتمد هذا المذهب على الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (جـ ٢، ص ١٥٧). ومن ثم فإن السحر، مع أنه حق كما نتبين من القرآن والحديث، فإنه يجب تركه. ثم إن الغزالى يصف السحر أيضا بأنه "يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية فى مطالع النجوم فيُتخذ من للك الجواهر هيكل (انظر Supplement: Dozy، جـ ٢، ص ٧٧٥ ب؛ والظاهر أن كلمة هيكل تدل على أن الأصل فى هذا النوع من السحر يهودى) على صورة الشخص المسحور ويرصد به وقت مخصوص من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين ويحصل من ذلك بحكم إجراء اللَّه تعالى العادة أحوال غريبة فى الشخص المسحور". وشرح مرتضى الزبيدى
стр. 5520
على هذه المسألة جدير بالنظر، ومن الواضح أن مرجعه الأكبر فى ذلك هو فخر الدين الرازى الذى زاد الزبيدى من طابعه الكلامى، إذ نقل شواهد من مؤلفه "الملخص" ومن كتابه "السر المكتوم" وهذان الكتابان ما زالا مخطوطين (Gesch. d, Arab. Litt جـ ١، ص ٥٠٧) كما نقل أيضا من كتاب مسلمة المجريطى (توفى سنة ٣٨ = ١٠٠٧ م؛ Gesch d, Arab Litt جـ ١، ص ٣٤٣) المعروف باسم "غاية (أو نهاية) الحكيم"، وما زال هذا الكتاب أيضا مخطوطا. على أنه مهما يكن من أمر الخطة الصارمة التى استنها الغزالى نفسه بكل ما له من تأثير عظيم، الخطة التى رأى أن يسير عليها الناس فى الحياة لتطهير نفوسهم وصونها واعتمد عليها كل الاعتماد فى تأليف كتابه الإحياء، فإن جماهير المسلمين ربما لم يلتزموا هذه النظرة إلى الحياة. وقد ظل الموقف الذى يتجلى فى الفهرست بأجلى بيان بالنسبة للسحر المشروع والسحر غير المشروع باقيًا على حاله، ومن ثم أمكن السحرة الذين يلتزمون الشرع أن يحتجوا بأن فنهم الذى أخذوه عن سليمان نبى اللَّه ﵇ لا يخالف السنة بل لا يخرج عن حدود التقى. وقد كانت الحدود بين السحر المشروع والسحر غير المشروع وما تزال غامضة أشد الغموض، وهى فى ذلك تماثل الغموض الذى يكتنف موقف الأرواح فى الإسلام الذى يقول إن طائفة منها مؤمنة، كما أن العلاقة بين الشياطين والجن غير محددة، بل نحن نجد كتبا تقول إن حفيدًا لإبليس كان مؤمنًا. زد على ذلك أن المتكلمين قد ألفوا أن موقف الغزالى تكتنفه الصعوبات. فقد بينوا أن ممارسة السحر الذى يقصد به إلى الأغراض الضارة هى وحدها التى يمكن أن نسميها أمرًا مذموما؛ هذا من جهة. وأما من الجهة الأخرى فإن معرفة السحر أمر جوهرى لكل من يريد أن يميز بين أثر السحر وأثر معجزات الأنبياء بل أثر كرامات (. . .) الأولياء (البيضاوى، طبعة فليشر، جـ ١، ص ٧٦؛ الرازى: مفاتيح الغيب، القاهرة ١٣٠٧ هـ، جـ ١، ص ٤٣٤، س ٧ من أسفل الصفحة وما بعدها) والمادة الوحيدة المطبوعة التى لدينا عن موقف
стр. 5521
فخر الدين الرازى (توفى ٦٠٦ هـ = ١٢٠٩) بصرف النظر عن تلك الإشارات المتفرقة التى من قبيل ما ذكرناه لمرتضى الزبيدى آنفا، هى تفسيره للقرآن المعروف بمفاتيح الغيب، وهو يتناول السحر فى هذا التفسير تفصيلا عند كلامه عن الآية ١٠١ من سورة البقرة (١)، وهى الآية العمدة فى موضوع السحر. وكان الرازى متاثرًا بآراء المعتزلة إلى حد بعيد أدى به إلى قبول بعضها، وإن كان قد احتفظ فى النهاية بمذهب أهل السنة مشوبًا بتفلسف المتكلمين، ومطبوعًا بحبه الشديد للأقوال القائمة على التحليل المستندة إلى منهج (Goldziher) فى Der Islam جـ ٣، ص ٢٣٨ وما بعدها، Koranauslegung ص ١٢٣، ٢٠٣ والفهرس تحت كلمة مفاتيح). ويتجلى موقفه الجوهرى من السحر من كلامه عن المرأة التى ذهبت إلى هاروت وماروت فى بابل لتتعلم منهما السحر. فلما خرج منها إيمانها وصعد إلى السماء قالا لها: "ما تريدين شيئا يتصور فى وهمك إلّا كان، (مفاتيح الغيب، جـ ١، ص ٤٣٤ س ٢٦) ونخرج من ذلك بأن السحر فى جوهره عمل نفسى له آثار مادية. فما يتصوره الساحر فى وهمه يحدث. وقد ذكر الرازى فى الصفحات من ١٢٩ إلى ٤٣٤ أن السحر على أنواع: الأول سحر الكلدانيين، وكان يقوم على عبادة الكواكب وما للكواكب من تأثيرات. وزاد على ذلك كلمة فى رأى المعتزلة وردًا على رأيهم فى السحر؛ والثانى سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية أو أصحاب الرقى، ويؤيد هذا النوع ما لنفس الإنسان من أثر على جسمه وعلى أجسام غيره، وضرب الرازى لذلك سبعة أمثلة، كما ناقش إمكان الاتصال بالأرواح السماوية والنفوس الفلكية واستخدام هذه الأرواح فى السحر؛ والثالث هو الاستعانة فى السحر بالأرواح الأرضية أى بالجن. وهذا النوع (انظر ما ذكرناه عن السحر المحمود نقلا عن الفهرست) يعرف بالعزائم وعمل تسخير الجن؛ والرابع، هو التخييل والأخذ بالعيون؛ والخامس، هو الأعمال العجيبة التى تظهر من الآلات، ومن الأفعال التى تتم
стр. 5522
من تلقاء نفسها، ومن مختلف التركيبات العلمية؛ والسادس هو الاستعانة بخواص الأدوية والعطور المزيلة للعقل أو المسكرة، والسابع هو تعليق قلوب ضعفاء العقول بادعاء الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه؛ والثامن، هو السعى بالنميمة والتضريب. أما كلام كشاف اصطلاحات الفنون فى ذلك، وهو مؤلف حديث (ص ٦٤٨ - ٦٥٣) يعتمد على الرازى اعتمادًا كليا أو يكاد، فلم يذكر إلا أربعة الأنواع الأولى من السحر، ويقال أن المعتزلة أنكروها جميعا إلا النوع الرابع. وأما فى طبعة القاهرة لكتاب الرازى (ص ٤٣٤، س ٤ وما بعدها) فيقال أن المعتزلة أنكروا الكل إلا النوع الرابع والخامس والثامن. ونحن نتساءل ترى هل أنكروا النوعين الخامس والسابع؟
ونحن نجد أن ابن خلدون المتوفى فى سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٦ م) قد توسع أكثر وأكثر فى نظرة الرازى النفسية إلى السحر وزادها تبيانا حتى أصبحت تتفق أو تكاد والمذهب النفسى الحديث فى الأفعال التلقائية. ومن ثم فهو أول من تناول بالتفصيل الأساس العقلى للتطلع البلورى " Crystal Gazing" بلغة هى فى جوهرها لغة المحدثين (المقدمة، طبعة كاترمير, Quatremere جـ ١، ص ١٩١ - ١٩٥) ويجب أن نقرن أوصاف ابن خلدون وإيضاحاته فى ذلك ببحث Besterman: a study in the history, distribution, theory and Practice of scrying (لندن، ١٩٢٤ وبحث W.H.Worrel Ink Oil and Mirror Gazing Ceremonies in Modern Egypt (فى J.R.A.S جـ ٣٦، ص ٣٧ - ٥٣). وهكذا نجد أن ابن خلدون قد ذهب إلى أبعد مما ذهب اليه الرازى من حيث النوعين الثانى والثالث من السحر فى تقسيم الرازى. وكان ابن خلدون مسلمًا غيورًا متمسكًا بالقرآن والسنة، ومع ذلك فقد التزم التزامًا تاما ما خبره بنفسه، وعرف صنوفًا شتى من العرافين والسحرة وجربهم وسلم بعملهم، وشاهد فى منامه رؤى تبين له أنها صحيحة، كما كان مؤمنًا بكرامات الأولياء. على أنه لم يعرف قط جنًا أو ملائكةً بأشخاصهم، ولو أنه مضطرًا إلى التسليم بوجود
стр. 5523
الملأ الأعلى وأن لهم تأثيرات روحانية وشيطانية على نفوس البشر. ومن ثم نجده قد أدخل جميع الإشارات القرآنية التى حار عقله فيها أو التى لم يخبر ما تشير إليه من وقائع فى الآيات المتشابهات، وهى ضد الآيات المحكمات، متبعًا فى ذلك تفسيرًا من تفاسير الآية ٧ من سورة آل عمران التى جاء فيها ﴿. . . وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. . .﴾ (ابن خلدون، المقدمة، طبعة Quatremere، جـ ١٣ ص ٤٧)، ونخرج من هذا بأن القوة الجوهرية للسحر تكمن فى نفس الساحر، ذلك أن الساحر غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عليه. وقد يدعم الساحر قوته النفسية بأمداد من القوى الغامضة فى الخارج، سواء كانت من خواص الموجودات أو الأعداد؛ وبغير ذلك من الكائنات الروحانية المتجردة من المادة. ويقول ابن خلدون إن التفرقة عند الفلاسفة بين السحر والطلسمات هو أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين، وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة فى عالم العناصر -أى فى عالمنا (المقدمة طبعة كاترمير، جـ ٣، ص ١٣٢). والظاهر أن ابن خلدون كان بصفة عامة موافقًا على هذه التفرقة بقدر ما كان يستطيع أن يحيط بالوقائع التى عرفها بنفسه (المقدمة طبعة كاترمير، جـ ٣، ص ١٢٩ وما بعدها) على أن ابن خلدون قد رأى أيضا أن أدوات السحر كما هى فى صناعة خط الرمل الذى يعمد صاحبها إلى وضع نقط وخطوط فى الرمل ويكون منها أشكالا يستخرج بها الغيب، ما هى إلا وسيلة لخروج الساحر من حالته الطبيعية وغيبته عن الحس لترجع نفسه إلى عالم الروحانيات. فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب فى شئ وإنما هو ساع فى تنميق كذبه (المقدمة، طبعة كاترمير، جـ ١، ص ٢٠٩). ثم إنه بذلت بعد ذلك محاولة من قبل البونى المتوفى سنة ٦٢٢ هـ (١٢٢٥ م) متبعًا طرائق الغلاة من المتصوفة وأهل التصرف، فقد سعى إلى وضع طريقة للسحر المشروع تقوم على تصرف النفوس الربانية فى عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة
стр. 5524
بالأسرار السارية فى الأكوان، وصنع من هذه الحروف جداول سحرية وطلسمات. وقد عرف هذا العلم بالسيمياء (Suppl. Dozy جـ ١، ص ٧٠٨ ب) شأنه شأن الكبَّالة (١) الخاصة بأسرار الحروف عند اليهود وبذلك النوع من العلم الذى يصنع العجائب مستعينًا بالأسماء الإلهية (انظر The Kabbalah: C.D. Ginsburg, جـ ٢، طبعة لندن ١٩٢٠، ص ١٢٧ وما بعدها)، على أن ابن خلدون كان يرى أن هذا العلم ما هو إلا سحر، لأنه يقرر أنه يستمد تأثيراته من قوى الطبيعة لا من اللَّه، وإن كان يستخدم أسماءه تعالى، ومن ثم يدخل فى باب السحر وهو مذموم، (المقدمة طبعة كاترمير، جـ ٣، ص ١٣٧ وها بعدها، وخاصة ص ١١٣ وما بعدها). وكتاب البونى الكبير "شمس المعارف" (Gesch. der Arab. Litt، جـ ١، ص ٤٩٧ هو العمدة بين جميع الكتب الإسلامية التى لا تحصى والتى درست السحر حتى يومنا هذا. اما المصدران الآخران فى السحر اللذان أشار إليهما ابن خلدون فهما جابر بن حيان ومسلمة المجريطى.
ونستبين من نظرية ابن خلدون أنه لم يجد بدًا من التمييز من الناحيتين الشرعية والنفسية بين عمل السحر وعمل تلك القوى التى فطر عليها الأولياء والأنبياء. ولكن ما الفرق بين نفوس الأنبياء ونفوس الأولياء ونفوس السحرة؟ لقد كان ذلك من الأمور التى يسهل الحكم عليها كما فعل ابن خلدون (المقدمة، طبعة كاترمير، جـ ٣، ٣٤١، ١٤٠) , فإن نفس النبى والولى يسيرها رجل صالح متوخيا أغراضا طيبة، أما نفس الساحر فيسيرها رجل طالح متوخيا أغراضا خبيثة، مع وجود صلة نسب جوهرية بين النفس وبين القوة التى تعينها من الخارج، وكانت هذه هى التفرقة الشرعية القديمة (انظر تفسير البيضاوى للآية ١٠٢، سورة البقرة، جـ ١، ص ٧٦، س ٩). زد على ذلك أن الولى بكراماته والنبى بمعجزاته البينة إنما يأتيان بذلك كله ابتغاء مرضاة اللَّه
стр. 5525
وبعونه تعالى دون أن يلتجئا إلى أى مدد آخر سواء كان روحًا أو قوة من قوى الطبيعة. على أنه كان ثمة طائفة من غلاة المتصوفة يزعمون السيطرة على عالم الطبيعة، وكان هؤلاء على ما يظهر سلالة ذلك الفرع من الأفلاطونيين المحدثين الذين يصنعون العجائب. ثم إنه كان ثمة أيضًا تلك الجمهرة العظيمة من الأولياء الشعبيين، وهم حقا من القائلين بمذهب أن لكل شئ روحًا تحل فيه، وقد دأب هؤلاء تحت ستار الإسلام على التكهن بالمستقبل وصنع العجائب المأثورة عن المعتقدات والطقوس القديمة. وقد أدت نظرية ابن خلدون أيضًا عن النفوس الساحرة إلى عودة الخلط الذى عرف عن جزيرة العرب فى الجاهلية بين الكاهن والنبى، وهكذا ظلت الطريق مفتوحة أمام المسلمين السنيين لدراسة السحر بل ممارسته، وأمام ذلك الخلط الشامل الكامل الذى يوجد اليوم بين السحر المشروع والسحر غير المشروع. وإذا شاء القارئ مزيدًا من التفصيل عن نظرة ابن خلدون إلى الدين والسحر فيمكنه الرجوع إلى مؤلف كاتب هذه المادة Life in Islam & Attitude Religious (المحاضرات من ٢ - ٦). أما عن الأولياء والسحر فى الإسلام فيرجع إلى Les Marabouts: E.Doutte. باريس ١٩٠٠ و Les Aissaoua، شالون ١٩٠٠ أو Magie et Religion dans ,I'Afrique du Nord الجزائر ١٩٠٩ (وهى عمدة الرسائل فى السحر فى الإسلام الحديث)؛ وإلى E. Westermarck: The Moorish conception of holiness, هلسنكفورث ١٩٠٤؛ وإلى T.W.Weir: The Shaikhs of Morcco، إدنبره ١٩٠٤؛ وإلى Emily, Shareefa of Wazan: My life story، لندن ١٩١١. وثمة سبب آخر من الأسباب التى أدت إلى بقاء السحر بين جماهير المسلمين وهو وجود عدة حكايات شعبية تروى كيفًا بطلت طلسمات عظيمة المفعول توارثها الناس، عمل جن من الكفار وتغلبت على سحر سحرة كفار وطلسماتهم. وثمة مثلان جيدان على هذه الحكايات ترجمهما فايل عن مخطوط فى مكتبة كوتا فى طبعته المتأخرة لمؤلفه Tausend and Eine Adventures of Ali and zaher of) Nacht
стр. 5526
Damascus و Adventures of the Fisherman Djauder جـ ٤ من طبعة بون ١٨٩٧، ص ١٩٤ - ٣١٢).
ونجد فى القرآن والسنة، وفى فقه أهل السنة، وفى عقائد المتصوفة بجميع أطوارها التى تمتد إلى النظر الدينى القائم على مذهب وحدة الوجود، وفى الفلسفة والعلم الطبيعى بجميع أنواعه من علم النفس التجريبى تقريبًا إلى نظرات ابن سينا، وفى تعبد البدائيين المستند إلى الاعتقاد بوجود روح تحل فى كل شئ: فى كل هذا نجد ترديدًا للقول بالسحر، وإن كان محفوفًا بالمكاره.
ويمكن أن نستدل على مكانة السحر فى العالم الإسلامى اليوم من دلك المكتبة الصغيرة فى السحر التى جمعها كاتب هذه المادة فى مصر سنة ١٩٠٨ وأخذ ينميها منذ ذاك:
(١) كتاب "شمس المعارف" للبونى (طبع طبعة حجرية من القطع الكبير فى أربعة أجزاء من ٤٤٢ صفحة، كتبها ميرزا حسين الشيرازى، وقد طبعت طبعات أخرى ما بين ١٣٢٢ هـ إلى ١٣٢٤)، وما يزال هذا الكتاب هو العمدة على حد ما قاله لى عالم مصرى أستاذ فى إحدى مدارس المعلمين الحكومية ومن تلاميذ جمال الدين الأفغانى.
(٢) وثمة بحث آخر عظيم الشيوع هو "مفاتيح الغيب" وهو فى سبع رسائل (القاهرة ١٣٣٧ هـ = ١٩٠٩، وعدد صفحاته ٢٣٢) كتبه أحمد موسى الزرقاوى. وقد طبع هذا البحث الذى ألفه ساحر معاصر بفضل عدد عظيم من المساهمين. وهو يتناول موضوع السحر جميعا من فلك وتنجيم إلى خط الرمل والمربعات السحرية، والنظر فى المرايا الشفافة. وقد أخذ المؤلف بالرأى القائل بأن الأرض تدور، وقال إنه هو الرأى الفيثاغورى، وإنه أثبته بادلة من القرآن. والزرقاوى فى هذا وفى غيره يفوق بكثير سيمياء البونى التى تتسم بالطفولة. وعندى أيضا نتيجة للزرقاوى فى سنتها العاشرة (١٣٢٦ هـ = ١٩٠٦ م) وبها ملاحق سحرية وتنجيمية.
стр. 5527
(٣) رسالتان فى السيمياء من المجربات طبعتا معا فى القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ الموافقة ١٩٠٦، وهما "فتح الملك المجيد" لأحمد الديربى المتوفى سنة ١١٥١ هـ (١٧٣٨، Gesch der Arab Litt, جـ ٢، ص ٣٢٣) و"المجربات" لأحمد بن يوسف السنوسى المتوفى سنة ٨٩٢ هـ (١٤٨٦ م، Gesch. d. Litt، جـ ٢، ص ٢٥٢) ولا ريب فى أن الرسالة الأولى كانت عظيمة الرواج لأننى أقتنى منها طبعتين مستقلتين، القاهرة ١٣٢٣، ١٣٢٥ هـ.
(٤) ومن المؤلفات فى السيمياء أيضا: "كتاب العوائد"، القاهرة ١٣٢١ هـ, من تأليف أحمد بن عبد اللطيف الشرجى اليمنى المتوفى سنة ٨١٢ هـ (١٤١٠ م، Gesch. der Arab Litt، جـ ٢، ص ١٩٠) وهو كتاب راج أعظم الرواج فى طبعته الثالثة.
(٥) وثمة كتاب أكثر منفعة وطرافة وأقل حظًا من نغمة التقى المصطنعة هو "شموس الأنوار وكنوز الأسرار" (ومنه طبعتان على الأقل، القاهرة ١٣٢٢، ١٣٢٥ هـ) لمؤلفه ابن الحاج التلمسانى المتوفى سنة ٧٣٧ هـ (١٣٣٦ م، Gesch. der Arab. Litt، جـ ٢، ص ٨٣، وانظر Goldziher فى Z.D.P.V جـ ١٧، ص ١١٥ - ١٢٢).
(٦) كتابان لكاتب يدعى محمدا الرهوى (؟ )، وهما "اللؤلؤ المنظوم فى الطلاسم والنجوم" و"غاية الأمانى فى علوم الروحانى"، القاهرة من غير تاريخ، وكلا الكتابين من نفس الطراز فهما يتناولان فنون السحر. ويذكر الكاتب أسماء أسلافه: الغزالى والبونى ومحيى الدين بن العربى المتوفى سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م، انظر Gesch. der Arab. Litt، جـ ١، ص ٤٤١ وما بعدها، وانظر عن هذه الناحية فى ابن العربى دراسة Kleinere Schrikften بقلم H.S.Nyberg ليدن ١٩١٩) وشهاب الدين القليوبى (Gesch. derArab. Litt، جـ ١، ص ١٠٣؟ ) والشعرانى.
(٧) وثمة ساحر مصرى معاصر له ثلاث رسائل صغيرة وهو يوسف محمد الأوغانستانى؟ (الأفغانى؟ ) الملقب بالهندى من جزيرة شندويل بالصعيد،
стр. 5528
ولكنه يذكر عنوانه بالقاهرة منزل على افندى النقلى رقم ٨ درب الدحديرة، عطفة الشيخ مرشدى تجاه جامع الشعرانى. وهناك يقيم، أو كان يقيم، مستعدا لتعليم فنه وإجازة من يريدون ممارسته بعد اختبارهم والتحقق من كفايتهم. ومؤلفاته هى: "الجوهر الغالى فى خواص المثلث للغزالى" و"الأسرار الربانية فى تسخير الأرواح الروحانية"؛ و"العناية الربانية فى مشاهدة الأرواح الروحانية". والكتاب الأخير هو من دون كتبه الذى ذكرت سنة طبعه وهى سنة ١٣٢٥ هـ الموافقة ١٩٠٧ م. (٨) "كتاب الفيض المتوالى" القاهرة من غير تاريخ، وهو رسالة أخرى فى مربع الغزالى ألفها أحمد الدمنهورى المتوفى سنة ١١٩٢ (١٧٧٨ م، Gesch. der Arab. Lit جـ ٢، ص ٣٧١ تحت عنوان عقد الفرائد).
(٩) محمد إبراهيم القبانى الزقازيقى: "الأسرار الإلهية فى الفرائد والأبواب الروحانية" منوف ١٣٢٣ هـ.
(١٠) الحاج سعدان الرنجى: السر "لربانى فى علوم الروحانى"، منوف من غير تاريخ.
(١١) الحاج سعدون بن الحاج عبد القادر الحناوى: "الفتح الرحمانى فى علوم الروحانى" القاهرة من غير تاريخ.
(١٢) الساحر الشهير بالهدهاد: "بهجة السامعين فى تسخير ملوك الجن أجمعين"، القاهرة من تاريخ، ويزعم هذا الساحر أن كتابه قديم جدًا ألفه ساحر عظيم الشهرة لا يعلم عنه شيئا.
(١٣) الفيلسوف اليونانى الحكيم هرمس: كتاب السبع كواكب السيارة، القاهرة من غير تاريخ، وهو فى التنجيم انظر الفهرست، ص ١٣٩، س ٣ وما بعده ص ٢٦٧ س ١٢ وما بعده ص ٢٥٣ س ٩ وما بعده والتعليقات.
(١٤) أبو معشر [جعفر بن محمد] البلخى: كتاب طالع المولود للرجال والنساء على البروج وطوالعها على ثلاثة وجوه، القاهرة من غير تاريخ
стр. 5529
(انظر كتاب الفهرست، ص ٢٧٧ وفهرسته وتعليقاته، ولم يذكر هذا العنوان فى الفهرست) وفى هذا الكتاب صور عجيبة مأثورة عن كواكب ذلك البروج. وثمة كتاب أخر من هذا القبيل عن أثر طوالع المواليد على البروج فى طبيعة الرجال والنساء وأمزجتهم وحظوظهم، وبه حسبانات رياضية مناسبة للحال، ولا شك أن هذا الكتاب لأبى معشر: "هذا كتاب. . . اليونانى الفيلسوف الشهير بأبى معشر الفلكى الكبير، (القاهرة، مطبعة الحسينية، من غير تاريخ، وفى فهرس بريل Brill، رقم ٨ نسخة من هذا الكتاب [رقم ٣٣] تاريخها، القاهرة ١٢٨٨ هـ)؛ وثمة طبعة أخرى للكتاب تولاها طابع وناشر آخر وفيها الصور نفسها للبروج، والمؤلف يزعم فى صفحة ٢ أنه أورد أشكالا رملية، وإذا صدق فى هذا فإن هذه الأشكال تكون مختلفة تمام الاختلاف عن الأشكال الرملية المألوفة كما يتبين من الكتاب التالى.
(١٥) محمد الزناتى: كتاب الفصل فى أصول علم الرمل، القاهرة من غير تاريخ (انظر عن هذا الكاتب وفنه ابن خلدون: المقدمة، طبعة كاترمير، جـ ١، ص ٢٠٤ - ٢٠٩, ترجمة دى سلان، جـ ١، ص ٢٣٣ - ٢٤١. والتعليق، وانظر أيضًا Alaeddin and the enchanted lamp: J.Payne، ص ١٩٩ - ٢٠١، مجلة. J.R.A.S عدد يناير ١٩٠٦ ص ١٢١. وما بعدها؛ Z.D.M.G جـ ١٨، ص ١٧٧، جـ ٢٥، ص ١٤٠؛ جـ ٣١، ص ٧٦٢) وعلم خط الرمل فى هذا الكتاب على غرار ما نجده عند علماء الغرب المحدثين فى هذا الباب (انظر Principles of Atrologicail geomancy: Franz Hartmann، لندن ١٨٨٩ م).
(١٦) كتاب فى الفأل من غير تاريخ ولا يعلم مؤلفه، وثمة كتيب بسيط جدا فى البخت عنوانه "بختك يا بو بخيت" لمرقس جرجس، ونتيجة لسنة ١٣٢٦ هـ عنوانها "تقويم الأسرار الخفية" وفيها زيادات أكثر تفصيلا عن البخت من وجهة نظر سياسية.
(١٧) جلال الدين السيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ (١٥٠٥ م): "كتاب الرحمة
стр. 5530
فى الطب والحكمة" القاهرة ١٢٣٤ هـ (. Gesch der Arab. Litt جـ ٢، ص ١٥٥، رقم ٢٣٨). وهو كتاب جامع فى السيمياء وطب العوام فى ١٩٥ قسمًا.
(١٨) عبد الرحمن إسماعيل: طب الركة (فى جزءين القاهرة ١٣١٠، ١٣١٢ هـ) وهو معارض لكل ما ذكر من كتب، وبه معلومات أعجب عن خرافات العامة وخاصة فى الطب. والمؤلف خريج مدرسة طب القصر العينى، ويتناول هذه المعلومات باشمئزاز الطبيب المؤهل المزاول للمهنة.
المصادر:
أن مادة كمادة سحر لابد أن تكون مصادرها كثيرة حاشدة، وحسبنا أن نختار منها ما هو جدير بالنظر:
(١) ست مقالات فى السحر وما فى معناه فى Hasting: Dictionary Carra de Vaux: of Religion and Ehtics Alchemy (Muhammedan)، فى جـ ١، ص ٢٨٩ - ٢٩٢ Arabs (Ancient): Nbldeke , جـ ١، ص ٦٥٩ - ٦٧٣؛ Carra de Vaux: (Muhammedan) Charms and Amulets، جـ ٣، ص ٤٧٥ - ٤٦١؛ Gaudefroy - Demombynes and spirits (Muslim) جـ ٤، ص ٦١٥ - ٦١٩؛ D.S. Margoliouth (Muslim)، جـ ٤، ص ٨١٦ - ٦١٨ D.S. Mahic (Arabian and Muslim: Margoliouth، جـ ٨، ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) Gesch der Arab.Litt.: Brockelmann، الأقسام الخاصة Natur-und Ge heimwissenchaften.
(٣) Encylopaedia Bri Magic,tannica: A.H. Frost فى Cquares Lrs الطبعتين الحادية عشرة والسابعة عشرة، ص ٣١٠، ١٣١.
(٤) History ofmagic and Experimental Sciene duringthe first thirteen Centuries of our Era: Lynn Thorndike فى مجلدين، نيويورك ١٩٢٧.
(٥) Arabische Alchemisten: Ruska
(٦) Ufer Geister und: G. v. Vloten فى W.Z.K.M.Damonen، ج ٧، ص ١٦٩ وما بعدها.
(٧) Description des monuments musulmans du cabinet de M. duc de: Reinaud
стр. 5531
Blaces، فى مجلدين، وبه لوحات كثيرة بالتمائم وغيرها، باريس ١٨٢٨؛ وانظر عن التمائم أيضًا:
(٨) Beitrage zur Arabischen Litteratur: C.G. von Murr، إرلانكن ١٨٠٣، ص ٣٢ - ٣٧.
(٩) Hammer-Purgstall: Die Geisterlehre der Moslimen، فينا ١٨٥٢.
(١٠) Der Talisman James Richardson's erklart: Rudolf Krehl، ليبسك ١٨٦٥.
(١١) Description of a silver Amulet: D. B. Macdonald , فى ZA، جـ ٢٦، ص ١٦٧ - ٢٦٩.
(١٢) Some Specimens of Moslem charms: W. A. Stevenson, الجمعية الشرقية لجامعة جلاسجو Studia Semitica et Orientalia، جلاسجو ١٩٢٠، ص ٨٤ - ١١٤.
(١٣) Isl، جـ ١٣، ص ٢٦٠ وما بعدها.
(١٤) ومقالة بقلم Bergstrasser، ص ٢٢٧ وما بعدها.
(١٥) La Sorcellerie au Maroc: Emile Mauchamp، باريس ودوربان إينيه، من غير تاريخ. وانظر عن الأرواح التى تلابس الأجسام فى الإسلام فى الأزمنة الحديثة وكيف تطرد.
(١٦) English woman in Egypt: Sophia poole، لندن ١٨٤٢، الرسائل الرابعة والرابعة عشرة والسابعة عشرة.
(١٧) Two Years'Residence in a Levantine Family: Bayle St. John, لندن ١٨٥٦ الفصل العشرون.
(١٨) Spoken Arabic of Egypt: J.S.Willmore الطبعة الثانية. لندن ١٩٠٥ م، ص ٣٩ - ٣٧٤، مع الاستعمال الخبط فى هذا المقام فيما يتعلق بالجن، انظر سورة البقرة، الآية ٧٢٥ وتفاسير المفسرين لها؛ وانظر أيضا ابن خلدون، المقدمة، طبعة كاترمير، جـ ١، ص ١٩٥؛ والخبط من ثم هو المرادف لكلمة raps فى الأرواح عند الغربيين.
(١٩) ولم اجد بعد ذكرا لصندوق العالم الروحانى يستخدمه فى إظهار الأرواح إلا فى كتاب Magie et: Doutte
стр. 5532
Religion، ص ٣٨٤ وما بعدها. وقد أبلغت فى القاهرة سنة ١٩٠٨ عن واقعة من وقائع الكتابة التلقائية حدثت فى الصعيد. ولم يتفق أن حدث غير ذلك فيما يظهر.
(٢٠) Studien fiber den Inhalt von ١٠٠١ nacht: Rescher فى Islam، جـ ٩، ص ١ - ٢٤.
(٢١) Eine Islamische Apokalypse: Richard Hartmann فى Schriften der Konigsberger gelehrten Gesellachaft، جـ ١، ص ٣.
(٢٢) A. Goodrich - Freer(Mrs Hans The Occult in the nearer East: Spoer وهى سلسلة من المقالات بقلم كاتبة خبيرة بالأدب الشعبى فى مجلة Occult ReView، ١٩٠٥ - ١٩٠٦؛ وكذلك فى FolkLore المجلدات ١٥، ١٧، ٢٢. والمرجع المأثور فى العربية عن الجن هو:
(٢٣) محمد بن عبد اللَّه الشبلى المتوفى سنة ٧٦٩ هـ - (١٣٦٧ م؛ انظر Gesch. der Arab. Lit، جـ ٢، ص ٧٥): آكام المرجان فى أحكام الجان، القاهرة ١٣٢٦.
(٢٤) نظرات فى الموضوع بقلم Noldeke فى Z.D.M.G، جـ ٦٤، ص ٤٣٩ وما بعدها.
(٢٥) O. Rescher فى W.Z.K.M، جـ ٢٨، ص ٢٤١ - ٢٥٢.
(٢٦) وانظر عن تعبير الرؤيا: محمد ابن سيرين المتوفى سنة ١١٠ هـ (٧٢٨ م، انظر Gesch. der Arab. Litt جـ ١، ص ٦٦؛ ابن خلكان، ترجمة دى سلان، جـ ٢، ص ٥٨٦؛ طبعة القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ٤٥٣) وهو أقدم حجة ذكر فى هذا الموضوع.
(٢٧) ومن الكتب التى تنسب إليه كتاب تعبير الرؤيا، ١٣٢٠ هـ، فى ٥٦ صفحة، وكتاب منتخب الكلام فى تفسير الأحلام، وهو رسالة أطول من الأولى بكثير -لم تذكر هاتان الرسالتان فى بروكلمان- على هامش المجلد الأول من الكتاب التالى.
(٢٨) عبد الغنى النابلسى المتوفى سنة ١١٤٣ هـ (٧٣١؛ Gesh der Arab.
стр. 5533
Litt، جـ ٢، ص ٣٤٥، رقم ٢٨: تعطير الأنام فى تعبير المنام، القاهرة ١٣٢٠ هـ، فى مجلدين، ولكن تولى نشره ناشر آخر.
(٢٩) وعلى هامش المجلد الثانى منه الإشارات فى علم العبارات لخليل شاهين الظاهرى المتوفى سنة ٨٧٢ هـ (١٤٦٨ م؛ انظر Gesch. der Arab. Litt, جـ ٢، ص ١٣٥). وانظر عن موضوع تعبير الرؤيا عامة.
(٣٠) On the Moslem Interpretation of Dreams: N. Bland فى J.R.A.S جـ ٦، ص ١٥٣ وما بعدها.
خورشيد [ماكدونالد D.B. Macdonald]
سحنون
" سحنون" عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخى، وقد سمى بسحنون باسم طائر حديد الذهن، ذلك أنه كان سريع النكتة؛ وكان أبوه سعيد جنديًا قدم من القيروان إلى حمص حيث ولد سحنون عام ١٦٠ هـ (٧٧٦/ ٧٧٧ م). والظاهر أن أباه لم يكن ثريًا، على أن سحنون قد نعم بالتتلمذ على خير علماء القيروان وخاصة البهلول بن راشد المتوفى عام ١٨٣ هـ (ابن فرحون ص ١٠٤)؛ وشخص سحنون إلى تونس لاستكمال دراسته فيها فكتب معلمه خطابا إلى على بن زياد المتوفى عام ١٨٣ هـ يوصى به خيرًا، فدأب علىّ، احترامًا منه للبهلول، على أن يذهب إلى بيت سحنون ليلقنه ما تعلمه على مالك، وقد جاء فى رواية لمحمد بن سحنون أن أباه ذهب إلى مصر عام ١٧٨ هـ. ليتلقى العلم على تلاميذ مالك بن أنس، ولقى فى مصر عبد الرحمن بن القاسم وابن وهب وأشهب وكانوا من أبرز أتباع مالك؛ وكان قدومه إلى مصر فى السنة السابقة على موت مالك، وكان سحنون قد حمل معه من القيروان تلك الأجزاء من موطأ مالك التى كان أنس ابن الفرات قد درسها على الإمام مالك وكانت تطرح على بساط البحث بعض المسائل التى تثيرها دراسة الموطأ فى حضرة عبد الرحمن بن القاسم، فكان سحنون يستزيد من المعلومات فيسأل لم لا يرتحل ليسمع مالكًا نفسه، فيجيب بأنه إنما يحول بينه وبين ذلك فقره وعوزه، وكانت صلته بعبد الرحمن ذات
стр. 5534
أثر بعيد فى نشر المذهب المالكى فى الشريعة فى المغرب، وترد معظم المصادر تاريخ رحلة سحنون إلى الشرق حتى عام ١٨٨ هـ، بيد أن هذا خطأ واضح، وكذلك أخطأت الرواية التى تقول إن ذهابه إلى الشرق كان إبان حياة مالك، مع أن مالكا توفى عام ١٧٩ هـ؛ على أن سحنونا نال فيما بعد بغيته فأبعد الرحلة فى الشرق، وأدى فريضة الحج صحبة عبد الرحمن وأشهب وابن وهب، وركب الجمل خلف ابن وهب، ثم زار أيضًا المدينة والشام يأخذ العلم عن أبرز اتباع مالك، وعاد إلى القيروان عام ١٩١ هـ وجعل همه نشر آراء مالك؛ وقال بعض من كتبوا سيرته إنه كان أول من أدخل هذه الأراء فى الغرب، بيد أن عليا بن زياد والبهلول وأسد بن الفرات سبقوه إلى للقين الموطأ أو أجزاء منه على الأقل؛ وشرح سحنون هذه الآراء فى مصنف كبير هو "المدونة" معتمدًا على نص أسد ابن الفرات؛ شارحا إياه بسؤال عبد الرحمن بن القاسم فى كل شاردة وواردة، وهنا تجلت براعة ابن القاسم وسحنون؛ ويسأل سحنون: أهذه النقطة يؤيدها الحديث أو قول مالك؟ فيجيب ابن القاسم: هذا هو ما قاله مالك أو هذا أيى؛ وإنا لنرى أن المدونة قد أفسحت مجالا كبيرًا للأحكام المعتمدة على العقل ولم تبذل فيها محاولة ما لإيراد الأحاديث الصحيحة أو الموضوعة تدعيما لرأى من الأراء الشرعية، ومن ثم فإن المدونة كتاب سهل التناول واضح اللغة، وهو شاهد أمين على لوذعية جامعة وشيخ جامعة؛ وتوفى وهب، وهو أخ غير شقيق لسحنون، فكان ابن أبى جواد الذى سبق سحنونا فى ولاية القضاء، يؤذن للصلاة، فأبى سحنون أن يرددها بعده، لأن ابن ابى جواد كان من المعتزلة؛ وبلغ هذا مسامع الأمير زيادة اللَّه (حكم من سنة ٢٠١ إلى ٢٢٣ هـ) فأمر والى قيروان بأن يجلده ٥٠٠ جلدة؛ وعلم وزيره على بن حميد بما كان من الأمير فأوقف الرسول الذى كان يحمل الأمر وذهب إلى الأمير يسعى لإلغاء العقوبة، وقال للأمير أن البهلول كان قد أوقع عليه عقاب من هذا القبيل (عام ١٨٣ هـ) بأمر من الأمير محمد بن مقاتل، فما كان من زيادة اللَّه إلا أن عفا عن سحنون، وقد حدث فى
стр. 5535
اثناء المدة القصيرة (٢٣١ - ٢٢٣ هـ) التى اغتصب فيها السلطان أحمد بن الأغلب أن استحدث أحمد نظام التحقيق فى بدعة القول بخلق القرآن، فولى سحنون الأدبار من القيروان، ولجأ إلى صومعة صوفى يسمى عبد الرحمن فى قصر زياد؛ وأنفذ أحمد رجلا من رجال البلاط يدعى ابن سلطان للقبض على سحنون لأنه كان يعلم أن ابن سلطان هذا يكره سحنونا، شأنه فى ذلك شأن معظم رجال البلاط، وذلك نظرًا لانتقاده المر لحياة الفسق والفجور التى كانت تسود البلاط، على أن الضغينة التى كان يكنها أحمد لسحنون رققت من قلب ابن سلطان عليه؛ ولكن ابن سلطان خاف على نفسه فحمل سحنونا أسيرًا إلى القيروان، بيد أنهما ما إن أصبحا على مسيرة ميل من المدينة حتى بلغتهما أنباء استعادة محمد بن الأغلب لسلطانه ومقتل أحمد، وكان من نتيجة ذلك أن اطلق سراح سحنون، وكان أول أعمال محمد بن الأغلب عزل القاضى عبد اللَّه بن أبى الجواد، وقد وقع هذا العمل من نفس سحنون موقع الرضا، فهتف قائلا فى حضرة الأمير والقاضى: جزى اللَّه الأمير على تحريره الناس من ظالمهم؛ وعندئذ عرض محمد سنة ٢٣٣ هـ ولاية القضاء على سحنون، إلا أنه ظل عامًا بطوله يرفض قبول المنصب، ثم قبل أخر الأمر فى رمضان عام ٢٣٤ هـ وقال لابنته خديجة بهذه المناسبة: "اليوم ذبح أبوك بغير سكين"، وكان بعض الناس قد اقترح أن يلى القضاء سليمان بن عمران، ولكن الأمير رفض الأخذ بهذا الاقتراح قائلا إنه ما دام سحنون على قيد الحياة فليس أصلح منه للقضاء بين الناس؛ ولم يقبل سحنون عطاء أو مرتبا من الأمير، وإنما كان يوفى نفقاته ونفقات موظفيه من جزية الرءوس التى كانت مفروضة على الكفار، ولكى يتسنى له أن يقضى بين الناس فى هدوء لا يزعجه شئ أمر فشيدت له غرفة تجاور المسجد، ولم يكن يسمح بدخولها إلا للمتقاضين وشهودهم.
كان من أول أعماله أيضًا أن حرّم دخول المسجد على الفرق الضالة جميعًا، وكان سحنون أيضًا أول من نصب إمامًا ثابتًا للمسجد، وأول من عهد بالأموال المرهونة إلى من يوثق بهم من أهل المدينة، فى حين أن هذه