المصادر:
(١) ابن قتيبة، طبعة فستنفلد، ص ٢٧٠.
(٢) ابن الأنبارى، ص ١٧٣ وما بعدها.
(٣) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٢٦٢.
(٤) Die grammatischen Schulen der Araber: Fugel ص ٧٠ وما بعدها.
(٥) Gesch. d. arab.Litter: Brockelmann, جـ ١، ص ١٠٤.
خورشيد [بروكلمان Brockelmann]
سعيد بن البطريق
هو الاسم العربى ليوتخيوس Eutychius بطريق الإسكندرية من سنة ٣٢١ هـ إلى ٣٢٨ هـ (٩٣٩ - ٩٣٣ م)، ولد فى الفسطاط سنة ٢٦٣ هـ (٨٧٦ م) وألف عدة تصانيف فى الطب والتاريخ، أشهرها التاريخ الإخبارى العربى المسمى "نظم الجوهر" الذى نشره بوكوك Pococke فى أكسفورد سنة ١٦٥٨ - ١٦٥٩، وقد أتم هذا التاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكى. وثمة قطعة من تاريخ لصقلية وردت فى مخطوط مشهور بكمبردج (Handlist of Moham MSS: Browne، ص ١٢٧, رقم ١٧٠)، جرى الناس على نسبتها خطأ ليوتخيوس (Vizantia i Arabi: Vasiliew جـ ١، ص ٧٩ وما بعدها والمصادر التى ذكرها مؤلف الكتاب). وفى هذه المكتبة أيضًا (Browne, الفهرس المذكور آنفا، ص ٢٨١, رقم ١٣١٧) رسالة فى الكلام كتبها سفروس ابن المقفع ردا على يوتخيوس.
المصادر:
(١) ابن أبى أصيبعة، طبعة مولر Muller جـ ٢، ص ٨٦
(٢) Hist. de. La Medicine Arabe: Leclerc, جـ ١، ص ٤٠٥
(٣) Gesch . d. arab.Litteratur: Brockelmann، جـ ١، ص ١٤٨
خورشيد
стр. 5602
سعيد بن زيد
ابن عمرو بن نفيل. . . ابن كعب بن لؤى: من أقدم صحابة النبى [ ﷺ ]. وأمه فاطمة بنت بعجة بنت أمية من بنى خزاعة، ويكنى بأبى الأعور أو أبى ثور. وكان سعيد من أبناء عمومة عمر ابن الخطاب، وكان فى الوقت نفسه صهره، إذ كان متزوجا من أخت عمر كما أن عمر كان متزوجا من أخت سعيد. وقد أسلم قبل أن يدخل النبى محمد [ ﷺ ] بيت زيد بن الأرقم، ويقال إن عمر اعتنق الإسلام بتأثير سعيد وأهل بيته.
وكان أبوه زيد بن عمرو من الحنفية ومن المتعلقين بالتوحيد، طرح عبادة الأوثان وحذر معاصريه من الوثنية واعتقد فى ملة إبراهيم ﵇. ويقال إنه توفى فى العام الذى بنيت فيه الكعبة، ويقال أيضًا إن محمدا [ ﷺ ] شارك فى إقامتها.
وهاجر سعيد إلى المدينة مع المسلمين حيث آخى النبى [ ﷺ ] بينه وبين رافع بن مالك الزرقى أو أبى بن كعب كما فى رواية أخرى.
وعندما بلغ المدينة عودة قافلة قريش من الشام أنفذ سعيد هو وطلحة بن عبيد اللَّه ليتنسما الأخبار، فقابلا القافلة عند الحوراء وأسرعا بالعودة إلى المدينة ليقصا الخبر غير أن النبى [ ﷺ ] كان فى ذلك الوقت فى طريقه إلى بدر، وحدثت وقعة بدر دون أن يشهداها غير أنهما حصلا مع ذلك على نصيبهما من الغنائم. وشهد سعيد جميع الوقائع الأخرى وبرز فى وقعة أجنادين (عام ١٣ هـ) حيث كان على رأس الخيالة، وفى وقعة فحل (عام ١٣ هـ) حيث كان يقود الرجّالة، وفى وقعة اليرموك (عام ١٥ هـ).
وكان سعيد عند وفاة عمر أحد الذين اختاروا عثمان للخلافة ومع ذلك لم يكن راضيا عن حكومته وإن لم ينحاز إلى جانب العلويين.
وتوفى سعيد عام ٥٠ هـ أو عام ٥١ فى العقيق بالقرب من المدينة حيث دفن، ويقال أنه نيف على السبعين. وجاء فى
стр. 5603
رواية أخرى أنه توفى وهو على ولاية الكوفة فى عهد معاوية.
ولم يكن لسعيد قط المكانة الأولى فى شئون الجماعة الإسلامية، وكان موضع التبجيل بسبب سبقه إلى الإسلام، فهو أحد العشرة الذين بشرهم النبى [ ﷺ ] بالجنة (عشرة مبشرة). ويمثل النبى فى بعض الأحيان (مسند أحمد بن حنبل، جـ ١، ص ١٨٧) صاعدا جبل حراء أو أحد مع بعض صحابته. وعندما أخذ الجبل يرتجف قال النبى [ ﷺ ] "اسكن حراء فليس عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد" ثم يأخذ النبى [ ﷺ ] فى تبشير صحابته بالجنة ومن بينهم سعيد الذى يومئ إليه من غير تصريح فى بعض الأحاديث وتذكرنا بعض صيغ هذه الرواية بتجلى عيسى فوق الجبل (إنجيل متى، الأصحاح ١٧).
وسعيد واحد ممن يستجاب دعاؤهم، وشاهد ذلك القصة التى تذهب إلى أن سعيدا دعا على امرأة فعميت وغرقت فى بئر بسبب عماها.
ونجد مسند سعيد -أى الأحاديث التى تروى عنه- فى مسند أحمد بن حنبل (جـ ١، ص ١٧٨ - ١٩٠).
المصادر:
(١) طبقات ابن سعد، طبعة سخاو، القسم الثالث من الجزء الأول، ص ٢٧٥ - ٥٨١.
(٢) ابن حجر: الإصابة، تحت هذه المادة.
(٣) ابن الأثير: أسد الغابة، تحت هذه المادة.
(٤) ابن هشام، طبعة فستنفلد، الفهرس.
(٥) الطبرى، طبعة دى غوى، الفهرس تحت هذه المادة.
(٦) Annali dell' Islam: Caetani الفهرس تحت هذه المادة.
الشنتناوى [فنسنك A.J.Wensinck]
стр. 5604
سعيد بن العاص
ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن مناف بن قصى، والى الكوفة والمدينة. وقد توفى النبى ﵊ وهو فى التاسعة من عمره تقريبا، وقتل أبوه فى وقعة بدر، وكان من المشركين. وكان سعيد أحد أفراد أسرة من أشهر أسر قريش، وقد اشتهر خاصة بجوده وفصاحته. وكان عثمان يبجله ويحترمه ولذلك اختاره من بين الذين عهد إليهم بجمع القرآن الكريم. وفى سنة ٢٩ هـ (٦٤٩ - ٦٥٠ م) أو ٣٠ هـ (٦٥٠ - ٦٥١ م) أقام عثمان سعيدا الشاب الحدث القليل التجربة واليا على الكوفة مكان الوليد ابن عقبة الذى كان قد أثبت أنه رجل صعب المراس يتعذر التفاهم معه. وقام سعيد إبان ولايته بحملات على طبرستان وجرجان، وقضى على الفتنة فيهما، ولكنه أثار عليه أهل الكوفة لنزوعه إلى العدوان، فشكوه للخليفة دون طائل. ودأب سعيد على مسلكه هذا فأسخط الكوفيين مما حمل عشرة من رجالهم ومن بينهم مالك الأشتر صاحب النفوذ والجاه إلى لقاء الخليفة عثمان وسألوه عزل سعيد الذى كان عند ذاك فى حضرة عثمان. على أن عثمان أعرض عن شكواهم، وأمر سعيدا بأن يعود إلى ولايته من فوره، ولم يرض الأشتر عن ذلك، فأسرع بالعودة إلى الكوفة فلقيه رسل الأشتر بعصبة كبيرة وأرغموه على العودة إلى المدينة من فوره. ثم ذهب الأشتر إلى مسجد الكوفة ونادى من للقاء نفسه بأبى موسى الأشعرى واليًا على الكوفة. وأقسم الحاضرون يمين الولاء للخليفة، ثم اتفق على تولية الأشعرى وأيد عثمان ولايته. وظل سعيد بالمدينة، ولما هاجم الثوار الخليفة فى بيته دافع عنه سعيد حتى أثخنته الجراح. وغادر طلحة والزبير وعائشة مكة بعد مقتل عثمان وتوجهوا إلى البصرة لاجتذاب الجند فيها إلى جانبهم، وذهب معهم سعيد بادئ الأمر، ولكنه ما إن بلغ مَرّ
стр. 5605
الظهران، أو ذات عرق فى رواية أخرى، حتى عدل عن صحبتهم إلى أبعد من ذلك لأنه لم يكن يعتقد فى حسن نوايا زعيمى هذه العصبة، طلحة والزبير، وحاول أن يقنع الآخرين بعدم المضى فيما كانو بسبيله. وعارض مروان بن الحكم ادعاءات سعيد، على حين انضم إليه المغيرة بن شعبة وترك هذان الرجلان ومعهم نفر قليل باقى أفراد الجماعة.
واستقر سعيد فى مكة، ولم يشترك فى وقعة الجمل ولا فى وقعة صفين. وتناوب سعيد هو ومروان بن الحكم الولاية على المدينة إبان حكم معاوية. وقد ولى مروان هذا المنصب أولا، ثم جاء دور سعيد، فلما صرف عن منصبه تولى مروان الولاية ثانية. وظل مروان فى الولاية بعض الوقت ثم صرف عن منصبه مرة أخرى وعين مكانه سعيد. وتوفى سعيد فى ضيعته بالعقيق سنة ٥٩ هـ (٦٧٨ - ٦٧٩ هـ) وفى قول أكثر الروايات شيوعا، أو سنة ٥٣ هـ (٦٧٢ - ٦٧٣ م) فى قول روايات أخرى، أو سنة ٥٧ هـ (٦٧٦ - ٦٧٧ م) سنة ٥٨ هـ (٦٧٧ - ٦٧٨ م).
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات، طبعة سخاو، جـ ٥، ص ١٠ وما بعدها.
(٢) النووى، طبعة فستنفلد، ص ٢٨١ وما بعدها.
(٣) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٣٠٩ وما بعدها.
(٤) ابن حجر: جـ ٢، رقم ٥٠٥٨.
(٥) الطبرى، طبعة ده غوى، انظر الفهرس.
(٦) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، ص ١١٩، ١٩٨، ٢٨٠، ٣٢٢، ٣٢٨ وما بعدها، ٣٣٤، ٣٣٦.
(٧) اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ١٥٢, ١٩٠, ١٩٢، ٢٠٧، ٢٦٨، ٢٨٣.
(٨) Shizzen und Vorabeitn: Wellhausen، جـ ٦، ص ١١٨ وما بعدها.
(٩) Caetani Annali dell' Islam انظر الفهرس.
الشنتناوى [تسترشتين K.V.Zettersten]
стр. 5606
سفيان الثورى
أبو عبد اللَّه سفيان بن سعيد (وفى رواية سعد) بن مسروق الثورى الكوفى: فقيه ومحدث وزاهد مشهور من أهل القرن الثانى للهجرة. ويقول كتاب السير بوجه عام أن نسبته الثورى ترد إلى سلف من أسلافه هو ثور بن عبد منات. . ابن إلياس بن مضر (انظر Register zu den genealog. Tabellen d. arab. Stamme u Familien: Wustenfeld، سنة ١٨٥٣، ص ٤٥٢؛ ابن دريد الاشتقاق، طبعة فستنفلد سنة ١٨٥٤، ص ١١٣؛ السمعانى: الأنساب، مجموعة كب التذكارية، جـ ٢، ورقة رقم ٢١٧). ويذكر ابن خلكان (الوفيات، طبعة فستنفلد، رقم ٢٦٥، ترجمة ده سلان، سنة ١٨٤٢ جـ ١، ص ٥٧٦ وما بعدها) أنه ولد ٩٥ أو ٩٦ أو ٩٧ هـ على حين تتفق المصادر الأخرى جميعا على أنه ولد عام ٩٧ هـ (٧١٥ أو ٧١٦) ويجعل كيتانى
(Chonographia Islamica: Caetani جـ ١، ص ٥؛ ١١٨٠، رقم ٢٦) مولده سنة ٩٦ مستندا فى ذلك إلى مخطوط وحيد، وتلقى سفيان دروسه الأولى فى الحديث على والده. وكان عالمًا كوفيا توفى عام ١٢٦ (وفى رواية آخرين عام ١٢٨، انظر Cotoni المصدر السابق ١٠٦٧ رقم ٧٣) وذكرته كتب الطبقات التى سنوردها بعد بأسماء مختلفة سالكة إياه فى عداد شيوخ سفيان. كان سفيان من أهل الورع القدماء الذين أفصحوا عن مقتهم للحكم الجديد بعزوفهم عن المناصب الحكومية فجزوا على أنفسهم سخط رجال البلاط. ويقول ابن سعد فى الطبقات (طبعة zettersepeen، سنة ١٩٠٩، جـ ٦، ص ٢٥٨) إن سفيان قبل فى مناسبة بعض المال والهدايا من أحد الولاة ولكنه أمسك عن ذلك كل الإمساك فيما بعد. وغادر سفيان الكوفة عام ١٥٠ وجاوز هو وكثير غيره حدود العراق ليتحاشى ولاية القضاء (انظر Die Renaissane des Islam: Mez، سنة ١٩٢٢ ص ٢٠٩). وذهب إلى اليمن، وتكسب بالتجارة إذ كان يقدم السلع للتجار لبيعها نظير جعل له، ثم يسوى الحساب معهم
стр. 5607
سنويا، وبذلك بلغت ثروته آخر الأمر حوالى مائتى دينار.
ويذكر ابن قتيبة (كتاب المعارف، طبعة فستنفلد سنة ١٨٥٠، ص ٢٥٠) أن أمواله عند وفاته بلغت ما يقدر بمائة وخمسين دينارًا من السلع. غير أن سفيان لم يكن آمنا على نفسه من اضطهاد رجال البلاط فى بغداد حتى وهو يقيم فى اليمن؛ فقد كانوا يتحرون عنه، فغادرها إلى مكة. وأمر الخليفة أمير مكة محمد بن إبراهيم عام ١٥٨ (وهو العام الذى خلف فيه المهدى المنصور، ومن ثم تختلف المصادر أيهما أصدر هذا الأمر) أن يطلبه "يطلبه" وهذه العبارة هى التى وردت فى معظم المصادر، وفى النووى، تهذيب الأسماء، طبعة فستنفلد ١٨٤٢ - ١٨٤٧, ص ٢٨٧, وابن حجر: تهذيب التهذيب؛ ١٣٢٥ هـ، جـ ٤، ص ١١٤ أن الخليفة المنصور أمر بعض تجار الخشب وكانوا ذاهبين إلى مكة أن يصلبوه (فاصلبوه)؛ ومن المؤكد أن هذا القول من الخليفة ليس مجرد خطأ وقع فيه الناسخ ولكنه يدل على قصة أخرى). على أن الأمير لم ينفذ أمر الخليفة بل حذر سفيان كما يقول ابن سعد (الموضع المذكور) فبادر إلى الاختفاء، فى حين يذكر الطبرى (جـ ٣، ص ٣٨٥ وما بعدها) أن الأمير كان قد سجن سفيان ولكنه عاد فأطلق سراحه. والقصة كلها قد أدخلت عليها فى الروايات المختلفة تفصيلات تهم من يدرس الحياة فى ذلك العهد. ومهما يكن من شئ فإنه يكاد يكون من المؤكد أن سفيان اضطر إلى الاحتماء بالكعبة هربا من مطارديه (ابن سعد، ص ٢٥٩). مع ذلك فإن سفيان قد وجد آخر الأمر أن الظروف فى مكة أصبحت أصعب من أن يطيقها، فرحل عنها إلى البصرة عند يحيى بن سعيد، وهناك أقبل عليه كثير من الفقهاء ليأخذوا عنه الحديث. واضطر أيضًا وهو فى البصرة أن يغير مكان إقامته طلبا للسلامة. وقد أشار عليه حماد بن زيد أن يسالم رجال الحاشية فى بغداد، فبدأ يتفاوض معهم بالمراسلة وكانت النتيجة طيبة، ولكنه مرض وتوفى، قبل أن يرحل إلى بغداد، بالغًا من العمر ٦٤ عاما. وكانت
стр. 5608
وفاته فى شهر شعبان عام ١٦١ الموافق شهر مايو عام ٧٧٨ (عام ١٦٩ فى كتاب الذهبى السيوطى: طبقات الحفاظ طبعة فستنفلد سنة ١٨٣٣، جـ ١، ص ٤٥، رقم ٤٠، ولعل ذلك خطأ وقع فيه من تولى نشر هذا الكتاب على الحجر) ونخرج من ذلك بأن المصادر كافة تجمع على أن سفيان ظل مختفيا عن أصحاب السلطان حتى أدركته المنية. وقد توفى ولده الذى كان يؤثره على كل شئ قبل موته، وبذلك ترك ثروته كلها لأخته وولدها عمار بن محمد ولم يترك شيئًا لأخيه المبارك الذى توفى عام ١٨٠ هـ. ودفن سفيان ليلا كما جاء فى عدة مصادر. وذكر كثير من الجغرافيين قبره بالبصرة، ولم ير سفيان الكوفة مسقط رأسه منذ عام ١٥٠ هـ (انظر ابن حجر، الكتاب المذكور).
وهذا المجمل الذى ذكرناه عن سفيان هو كل ما نستطيع أن نقطع به فى سيرته. غير أن كثيرا من السمات الأسطورية وجدت طريقها إلى قصة حياته بالنظر إلى ما كان له من سلطان عجيب على النفوس، ويجب أن ننظر إلى هذه السمات بعين الشك حتى ولو لم تظهر عليها مسحة الاختراع أو بدت محتملة الوقوع من الناحية التاريخية. وأبين هذه السمات حديثه مع الخليفة المهدى الذى أورده ابن خلكان فى السيرة التى خص بها سفيان نقلا عن كتاب مروج الذهب للمسعودى (جـ ٦ باريس سنة ١٨٧١، ص ٢٥٧). ذلك أن هذا الحديث لا يستند إلى التاريخ، إذ من المحقق أن هذين الرجلين لم يلتقيا قط فى حياتهما، فضلا عن أن ثمة أسبابًا أخرى تدعو إلى عدم الثقة فى هذه الرواية. وسنناقش بعد ما روى عن سيرة سفيان بالنسبة للحركات العقلية المخللفة فى الإسلام، وهى الحركات التى زعمت أن سفيان كان يؤيد ما نادت به، والتى كان لها من ثم مصلحة كل التماس الصفات التى تتطلبها فى حياته.
أما فى ميدان الحديث فقد أثنى عليه الناس فى كل مكان الثناء المستطاب لما
стр. 5609
عرف به من اطلاع واسع عجيب وعلم غزير يرتفع به إلى مقام الثقات الأثبات. وأفضل نقد له ما ذكره الذهبى (ميزان الاعتدال، سنة ١٣٢٥، رقم ٣٢٦٦) فقد قال فيه إنه حجة ثبت.
ويتصف سفيان فى الوقت نفسه بصفات أخرى من الطراز الأول جمعها كولدسيهر Goldziher فى كتابه (Muhamm. Stud، جـ ٢، ص ١٤٢). وهو يوضع فى مرتبة سامية وأن كان قد جرى سفيان على أن يذكر أحاديثه منسوبة إلى رواتها الأثبات مباشرة مع أنه كان إنما يأخذها بطريق غير مباشر من محدثين أقل من هؤلاء حجية (انظر القاموس، تحت هذه المادة (١)، Goldziher: كتابه المذكور، ص ٤٨، والفقرات الواردة فيه نقلًا عن ابن خلدون). ويضعه ابن حجر فى كتابه طبقات المدلسين (القاهرة سنة ١٣٢٢، ص ٩) فى الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، أى من أولئك الذين صفح الأئمة عن تدليسهم لكونهم من الشخصيات البارزة وبسبب قلة هذا التدليس، وهو يقول إن سنده فى الحديث النسائى (Geschichte der arabi schen Litteratur: Brockelmann، جـ ٢، ص ١٩٩) والبخارى. غير أن تدليس سفيان لم يمنع كتاب السير من ذكر قصص فيها مفخرة له. ولقد كان سفيان من أوائل الذين دونوا ذخيرة الأحاديث التى وعتها ذاكرته (انظر تاريخ أبى المحاسن، طبعة Juynboll جـ ١، سنة ١٨٥٥، ص ٣٨٧ وما بعدها؛ حاجى خليفة، طبعة Flugel جـ ١، ص ٨٠ وما بعدها) وقد أورد ابن النديم صاحب الفهرست (طبعة Flugel جـ ١، ص ٢٢٥) على سبيل المثال عددًا من مؤلفاته وهى:
(١) الجامع الكبير (٢) الجامع الصغير (٣) كتاب الفرائض (٤ و ٥) رسالتان لم يذكر موضوعهما.
ولسفيان أيضًا تفسيره للقرآن وهو التفسير الذى استشهد به الثعلبى كما
стр. 5610
يقول حاجى خليفة (رقم ٣٢٤٨). على أن هذه المؤلفات لم تصل إلينا إذ يذكر كثير من كتاب السير أن سفيان عهد وهو على فراش الموت إلى صديق لم يذكر اسمه (انظر الفهرست، جـ ٢، ص ٩٨، تعليق رقم ٣ فى صفحة ٢٢٥) بأن يحرق كتبه، وقد فعل الصديق ما أمره به، والسبب فى ذلك كما يقول حاجى خليفة (جـ ١ ص ١٢٦) هو أن سفيان أحس بتبكيت الضمير على ما أورده فى مصنفاته من أحاديث ضعيفة السند، ونخرج من ذلك بأن ما أخذ عليه من تدليس أشرنا إليه آنفا لم يؤخذ عليه بغير حق فيما يظهر. وأوفى ثبت بشيوخه وتلاميذه هو الذى ذكره ابن حجر (كتابه المذكور، ص ١١١ وما بعدها).
وقد أوردت مؤلفات أخرى من كتب الطبقات الأسماء التى لم ترد فى هذا الثبت.
ويذكر النووى وابن حجر أن خير سند كوفى هو: سفيان عن منصور [ابن المعتمر، انظر النووى ص ٥٧٨] عن إبراهيم [النخعى، انظر النووى، ص ١٣٥] عن علقمة [الراوى، انظر النووى، ص ٤٣٣] عن ابن مسعود.
أما من حيث الفقه فقد كان سفيان صاحب مذهب اختفى فيما بعد (انظر Mez: كتابه المذكور، ص ٢٠٢ وما بعدها) وقد كان من الأتباع المتزمتين لمذهب أهل الحديث. أما فى ميدان علم الكلام فكان من الصفاتية أى من أولئك الذين يرون أن صفات اللَّه الواردة فى القرآن الكريم متحققة بالمعنى الظاهر للفظ، وأنها من خصائص ذاته (انظر الشهرستانى: الملل والنحل، طبعة Cureton جـ ١، ص ٦٥، ١٦٠؛ ترجمة Haabrucher جـ ١، ص ٩٧، ٢٤٢).
وسفيان من أهل السنة، يثبت ذلك -إذا كان الأمر محتاجا إلى إثبات- رأيه فى العقيدة، وهو الرأى الذى أملاه فيما يقال على شعيب بن جرير (انظر الذهبى: تذكرة الحفاظ، جـ ١، حيدر آباد سنة ١٣٣٣ هـ، ص ١٩٣). ويقول فيه بعد كلام عن عدم خلق القرآن، وإن القول والعمل والنية (انظر سهل
стр. 5611
التسترى) هى الصفات التى يتصف بها الإمام وهى قابلة للزيادة والنقصان (انظر Vorlesungen: Goldziher، الطبعة الثانية، سنة ١٩٢٥، ص ٨١) وأن تفضيل علىّ (انظر Arendonk: Van de opkonut uan het Zaidie tische imamaat in Yemen سنة ١٩١٩ الفهرس، تحت مادة saihks) يرجع إلى الشيخين أبى بكر وعمر، وأنه فى الوضوء الأصغر يجوز المسح على الخفين بدلا من القدمين (Goldziher: كتابه المذكور، ص ٣٦٩) وأن تلاوة البسملة بصوت خفيض خير من تلاوتها بصوت جهير (انظر Gold Beitrdge zur Litteratur geschichte der S. i a. S. B. W. A: ziher جـ ٧٨، سنة ١٨٧٤ ص ٤٥١ وما بعدها، ٤٥٧) وأن على المرء أن يعتقد فى القدر، ويصح له أن يصلى الجمعة والعيدين خلف أى إمام، أما فى الأوقات الأخرى فيتعين عليه أن يختار الإمام الذى يثق فى ورعه ويعلم أنه من أهل السنة. وهو يقول أخيرا إن الجهاد باق إلى يوم القيامة (انظر Dict. of Islam: Hughes سنة ١٨٨٥، ص ٢٤٤) وأن على المرء طاعة أولى الأمر سواء اتصفوا بالعدل أو بالجور. ومن اليسير أن نتبين أن أكثر هذه المبادئ تمثل نقاط الخلاف المعروفة بين أهل السنة والشيعة، وقد أخذ فيها كلها بمذهب أهل السنة، ومع ذلك فإن سفيان يوصف بميله إلى الشيعة، فصاحب كتاب طبقات الحفاظ (الموضع المذكور) يذكر من شيوخه الإمام جعفرا الصادق ويذكر ابن قتيبة سفيان فى كتاب المعارف (ص ٣٠١) بين طائفة من الشيعة، ويورد الطبرى (جـ ٣، ص ٢٥١٦) قصة مؤداها أن سفيان كان شيعيًا ولكنه لقى فقيهين فى البصرة فأغرياه بالتحول إلى مذهب أهل السنة. ومهما يكن من شئ فإنه يوصف أيضًا بأنه من الزيدية (انظر الفهرست، ص ١٧٨ Van Arendonk: كتابه المذكور، ص ٢٨٤. والفهرس تحت هذه المادة؛ Corpus Juris di Zaid ibn Ali طبعة Grifini سنة ١٩١٩، ص ١٧٥ تعليق رقم ٣ والفهرس تحت هذه المادة). وهذه الأقوال بلا شك مختلفة من أساسها. ويرى ماسينيون Massignon La Passion d Al-Hallaj) سنة
стр. 5612
١٩٢٢، ص ٧٢) أن أصلها راجع إلى أن تبجيل أناس من أمثال سفيان والشافعى للنبى [ ﷺ ] ينطوى أيضًا على احترامهم لأهل البيت ومن بينهم العلويين بطبيعة الحال، ويبدو لى أن التعليل الذى ذكره (بركستراسر Bergstrasser فى عرضه لفقه زيد بن على Orientalische Literaturzeitung Corpus Juis سنة ١٩٢٢، عمود رقم ١٢٢ وما بعده) أكثر إيضاحا، أعنى أن فقه زيد كان فى حالات كثيرة مطابقا لآراء فقهاء العراق، وقد كان سفيان واحدًا منهم، ولما كان سفيان قد نادى فى كثير من الأحوال بأقوال مماثلة لما جاء فى هذا الفقه (باستثناء أن صاحب الفقه هو الذى أخذ عنه فى واقع الأمر) فإنه يجوز أن ننسبه إلى الزيدية. ولا جدال فى أن هذا يصدق على القول بأنه كان من الشيعة. أما قوله الذى نوهنا به من قبل من أن العمل من الصفات التى يجب أن تتوفر فى الإمام فموجه إلى المرجئة (انظر فى ذلك Vorlesungen: Goldziher ص ٣٥١) حيث جاء فيه نقلا عن ابن سعد كيف أن سفيان قد أبى أن يشترك فى جنازة أحد المرجئة.
وليس من شك فى أن سفيان كان من الزهاد ولا يستطيع كتاب السير فى هذا المقام أيضًا ذكر كثير من القصص التى تدور حوله وخير شاهد على زهده هو أن الصوفية قالوا إنه من أئمتهم الأوائل. وقد خصه فريد الدين العطار فى كتاب "تذكرة الأولياء" (طبعة Nicholson جـ ١ سنة ١٩٠٥ ص ١٨٨ وما بعدها) بمقال يقع فى تسع صفحات تقريبا، ولكنه لا يحوى مع ذلك شيئا خاصا به يميزه عن غيره. وقد لاحظ شيدر Islam) H. H. Schaeder جـ ١٤، ص ١) أن تراجم أهل الورع القدامى الواردة فى كتاب العطار تتصف عامة بأنها صيغت على نمط واحد تقريبا يتجلى فيه الورع المأثور عن المتصوفة. على أن سفيان قد ذكر فى كتاب الفهرست (جـ ١، ص ١٨٣) بين الزهاد لابسى الصوف. واتخذه أبو نصر السراج فى كتاب اللمع (طبعة Nicholson, مجموعة كب التذكارية جـ ٢٢، سنة ١٩١٤، ص ٢٢) شاهدًا على قدم الصوفية. وقد نوقشت أكثر
стр. 5613
من مرة صلة سفيان بالجنيد وإن كان كل منهما لا يعرف الآخر (انظر على سبيل المثال: الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة Nicholson مجموعة كب التذكارية، جـ ١٧، سنة ١٩١١ ص ١٢٨). ومن الواضح أن هذه الصلة هى صلة عقلية فحسب، وإنه من الصعب أن نفهم منها غير دلك عندما يقول أبو المحاسن (كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٢١٣) إن الحلاج قد عرف سفيان (لَقِىَ).
ومع ذلك فلا سبيل إلى الشك فى القصة التى أوردها هذا المؤلف نفسه (جـ ١، ص ٢٤٢) من أن سفيان كان على صلات ودية بالزاهد شيبان الراعى (المتوفى عام ١٥٨) الذى عاش عيشة تعبد ونسك فى لبنان.
وهذه الملاحظات التى تنظر إلى سفيان من زوايا متباينة وتتفق مع التيارات العقلية المختلفة فى التاريخ الإسلامى ليست بطبيعة الحال إلا مقدمة لا تغنى عن رسالة تكتب فيه، وإن الحاجة إلى هذه الرسالة قد تجلت من الأقوال المختلفة المتعددة التى ذكرناها عنه آنفا.
المصادر:
(١) يجب أن نلاحظ قبل كل شئ فيما يختص بالمصادر أن الذهبى فى كتابه تذكرة الحفاظ جـ ١، ص ٩٢ يعتمد على مصنفه التاريخى الكبير الذى درس فيه بالتطويل سفيان. ولم يذكر مع ذلك المجلد الذى ورد فيه هذا البحث بين مخطوطات المجلدات المفردة الواردة فى كتاب Ceschichte der arabischen Litteratur: Brockmann جـ ٢، ص ٤٧, ويشير الذهبى أيضًا إلى كتاب فى مناقب سفيان كتبه ابن الجوزى ولكن هذا الكتاب لم يصل إلينا. وتحوى كتب السير والتاريخ وأسماء الكتب الواردة فى صلب المقال بحوثا خاصة بسفيان قد أفدنا منها فى كتابة هذا المقال.
ففيما يختص بما ظهر منها فى طبعات أوربية يمكن أن يرجع إلى فهارسها تحت مادة سفيان عن الإشارات المتفرقة
стр. 5614
عن حياته وتعاليمه. ويمكن للقارئ أيضًا أن يرجع لقصة اجتماعه بما شاء الله فى تاريخ القفطى، طبعة Lippert, ص ٣٢٧ وما كان من رفضه لمنصب القضاء كما ذكرت فى كتاب الهجويرى المذكور، ص ٩٣، وإلى اجتماعه بالمنصور (ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٣٣٦، جـ ٢، ص ١٠٨). ويمكن الرجوع أيضًا إلى فهارس المصنفات الأوربية فيما يختص بفقرات لم ترد فى هذا المقال. وهناك معلومات أكثر من ذلك فى Die RichLeguug tungen der islamischen Koanaus: Goldziher سنة ١٩٢٠ فى Muh. Stud، جـ ٢، إذ أن العبارة الواردة فى صفحة ٥٨ ليست واردة فى الفهرس: وانظر عنها Development of muslim Theology: D. BMacdonald سنة ١٩٠٣ ص ٩٧ وما بعدها Lit Hist Persia: Browne سنة ١٩٠٩ جـ ١، ص ٢٤٢ - ٤٢٦ (ففى صفحة ٤٣٤ نقل قصة اجتماع سفيان بالحلاج)
الشنتناوى [بلسنر M.Plessner]
السفينة
هى الكلمة العربية المرادفة بوجه عام للكلمة الانجليزية Ship. ومعناها أخص من كلمة مركب التى تدل على أداة النقل بأوسع معانيه. وفى العربية عدد كبير جدًا من الألفاظ الدالة على أنواع السفن المختلفة، على أن معظم هذه الألفاظ مستعار من لغات أخرى. ونلاحظ فى هذا المقام أن اللفظ المستعار يعبر عادة عن الفكرة المميزة لأى نوع معلوم من السفن (انظر Kindermann. كتابه المذكور فى المصادر، ص ١١٢ وما بعدها)؛ بل إن الكلمة الشائعة "سفينة" ليست من أصل عربى (انظر المصدر السابق، ص ١٠٨) على خلاف كلمة "مركب". على أن استعمال هذه الكلمة بمعنى السفينة يدل كما بين فرانكل (Die aram Fremdw: Fraenkel ص ٢١٥) على أن السفر برًا كان هو المفضل.
واستعمال كلمة سفينة وإن كان يبرر القول بأن الملاحة كانت فى الأصل غريبة على العرب فإن هذا القول، كما هو الشأن فى جميع الأحوال المماثلة لا
стр. 5615
يصدق إلا على العهد الأول الذى استعيرت فيه كلمة من قبيل السفينة. وسرعان ما أحس القوم بالفهم لها، ومن ثم لم تصبح فكرة السفينة شيئا غريبا على العرب. والأمر على خلاف ذلك بالنسبة للمسألة التى كثر حولها الجدل وهى: هل كان العرب حقًا فى صدر الإسلام على دراية بالبحر وبالملاحة؟ ولم نصل بعد إلى جواب شاف لهذه المسألة، وقد اكتفى الكتاب بذكر الأسباب المؤيدة لهذا القول والأسباب المعارضة له.
والشئ الذى أثار هذه المسألة فى بادئ الأمر هى الأوصاف التى ذكرها القرآن الكريم عن البحر، فقد تساءل بارتولد [بمنظور المستشرق] بحق (Zeitschrift der Deutschen Morgenandi-chen Gesellschaft: W.Barthold جـ ٨ سنة ١٩٢٩، ص ٣٧ - ٤٣) كيف تأتت للنبى محمد ﷺ هذه الصور الواضحة عن البحر وعواصفه ومن أين استقاها؟ ذلك أنها من أزهى الصور الواردة فى القرآن الكريم (١). ويقول بارتولد: "أن هذه المسألة لها أهمية خاصة، ذلك أن أوصاف البحر كانت من الأمور الغريبة بوجه عام على الشعر العربى، وخاصة الشعر الجاهلى، وإن سيرة النبى [ ﷺ ] لا تدل على أنه قام بأية رحلة بحرية حتى وإن كانت بالقرب من الشاطئ". كما أنها لا تدلنا على أنه زار أى ثغر من الثغور المعروفة فى ذلك الوقت مثل جدة أو شُعَيْبَة أو غزة. وذهب نولدكه فى افتراضه (Isl جـ ٥ سنة ١٩١٤، ص ١٦٣، تعليق رقم ٣) إلى أن محمدًا [ ﷺ ] يجوز أنه زار بشخصه هذه البلاد فى مناسبة من المناسبات عندما كان يتعامل فى تجارة قريش مع الحبشة، إذ إن سورة يونس الآية رقم ٢٣ (٢) وسورة العنكبوت،
стр. 5616
الآية ٦٥، وسورة النور، الآية ٤٠، تبدو لنا وكان النبى [ ﷺ ] قد كابد بشخصه أهوال السفر فى البحر. واستخلص فرانكل (كتابه المذكور ص ٢١١) من القرآن: "أن العرب الأولين كانوا يدركون حق الإدراك أن بلادهم يحف بها البحر من ثلاثة جوانب، وأن ركوب البحر كان عظيم الأهمية على الأقل بالنسبة للبيئات التجارية التى كان ينتسب إليها محمد [ ﷺ ]، وإلا فما كان يتحدث النبى -كما يرى فرانكل- فيما لا يقل عن أربعين آية عن فضل اللَّه فى تسخير البحر للناس.
ولم يقف فرانكل عند هذا الحد بل تحدث عن حركة "التجارة المنتظمة" مع الحبشة التى أشارت إليها الروايات فيما أشارت، فقد ورد ذلك فى روايتين تذهب إحداهما إلى أنه قد استخدمت أخشاب سفينة جنحت عند شعيبة فى بناء الكعبة (الطبرى، جـ ١، ص ١١٣٥) وتذهب الأخرى إلى أن "المهاجرين" الأولين أبحروا على سفينتين تجاريتين كانتا ذاهبتين إلى الحبشة (الطبرى، جـ ١، ص ١١٨٢). أما عن السفينة التى جنحت فقد قيل على وجه اليقين إنها كانت سفينة رومية، وليس فى الرواية الأخرى ما يدل على أن هاتين السفينتين كانتا عربيتين (ويرى لامنس Lammens: La Mecque ص ٢٤٨ = ٣٨٠ أن هاتين السفينتين غير عرببيتين). وتدل جميع الدلائل على أن القول الراجح هو أن هذا الاتصال بين بلاد العرب والشاطئ المقابل لهم كان يقوم به الأحباش، وهو قول قال به أيضا بارتولد (W. Barthold: كتابه المذكور ص ٤٣) لأسباب مختلفة عن ذلك كل الاختلاف. بل إن لامنس (La Mecque: Lammens ص ٢٨٩ = ٣٨٥) يتحدث عما كان للأحباش من سيادة على البحار ولا يجد فى الأخبار المكية أى ذكر لسفينة عربية تاجرت مع مملكة أكسوم، ولو أن حديثه لا يخلو من اعتراضات توجه إليه (المؤلف نفسه: L, Arabie Occidentals ص ١٥). على أن لامنس يعترف بأن الإشارات الكثيرة فى القرآن الكريم والسيرة إلى الملاحة تنم بأن العرب كانوا على دراية وثيقة بالبحر،
стр. 5617
إلا أنه لم يرد قط أن أحدًا من عشيرة محمد ﷺ أو بدويًا من تهامة كان بحارًا، فقد تركت هذه المهنة لغيرهم على شاطئ البحر الأحمر (المؤلف نفسه: La Mecque ص ٢٨٣ - ٣٧٩).
ومن الإشارات إلى الملاحة فى الشعر العربى القديم البيت رقم ١٠٢ من معلقة عمرو ابن كلثوم وهى إشارة هامة بصفة خاصة. فهو يفخر بقومه بنى تغلب قائلا إن سفنهم تغطى وجه البحر، فى حين يسلم كولدسيهر (Z.D.M.G جـ ٤٤، سنة ١٨٩٠، ص ١٦٥ وما بعدها) الذى يأخذ برأى فرانكل بأن هذا البيت عظيم الأهمية بلا شك. ويميل نولدكه (Nnldeke: Funf Moallaqat، جـ ١، ص ٤٩) إلى الرأى القائل "إن بنى تغلب جروا فى بعض الأحيان على السير فى نهر الفرات بالقوارب" وأن ذلك "لا يمكن أن يكون له شأن بركوب البحر بمعناه الصحيح".
وهو يرى أن كلمة "بحر" فى هذا المقام معناها مياه الفرات الفسيح الجنبات. وإنما يدل نص البيت على أننا بصدد شاعر يفخر (انظر أيضًا Jacob: Beduinenleben ص ١٤٩) ويزداد تفاخره أثرًا فى النفوس لأن هذا النوع من النشاط على متن الماء لم يكن معروفا للقبائل الأخرى؛ بل إن من المؤكد أنهم كانوا يخشون الماء. ونحن إذا تغاضينا عن هذا البيت الفريد وجدنا أن كولدسيهر (كتابه المذكور) يبين أن البحر وغيره من أسباب الملاحة كانت تستخدم فى الشعر القديم على سبيل المجاز. فالقافلة فى سيرها مثلا تشبه فى كثير من الأحيان بالسفن تسير فى البحر.
وهذه الصور التى هى فى الغالب لا لون لها ربما تكون قد نشأت على الساحل، ثم تنقلت فى داخل البلاد صيغا محفوظة، وليس من الضرورى أن يكون الشاعر الذى استخدمها على دراية شخصية بالبحر. ويجدر بنا أن نذكر القارئ فى هذا المقام بطبيعة النسيب الذى جمد على أساليب وصور محفوظة.
стр. 5618
أما والإشارات العارضة إلى الملاحة لابد أنها تستند فى الواقع إلى أساس من الأسس -زد على ذلك أننا لا نعلم شيئا عن قيام العرب [قبل الإسلام] بأى مشروع فى البحر على نطاق ما- فإن من الطبيعى أن نقول: "إن العرب قبل الإسلام لم يتوغلوا فى تجارتهم إلى أبعد من سواحل البحر الأحمر والخليج الفارسى" كما ذهب إلى ذلك فستنفلد (Nachrichten d. Gesellschaft Wiss Gottingen: Wustenfeld، سنة ١٨٨٠، ص ١٣٤) ويرى لامنس (La Mecque: Lammens ص ١٨٥ = ٣٨١) أنهم إنما كانوا يصيدون الأسماك على نطاق ضيق جدًا غير بعيد من الشاطئ، ويسلبون فى بعض الأحيان السفن الجانحة (انظر ما تقدم). أما من حيث "الواردات من الخارج" التى كانت تشاهد فى بلاد العرب فى ذلك الوقت فيرى يعقوب (Jacob كتابه المذكور، ص ١٤٩). "أن السفن الأجنبية (وخاصة الحبشية والهندية) كانت على أية حال هى التى تفد على الثغور العربية أكثر من وفود السفن العربية إلى ثغور البلاد الأجنبية، وكانت الواردات تشمل سلعا أجنبية متعددة، فى حين لم يكن لدى بلاد العرب كما يؤكد فريتاغ Freytag (Einleitung ص ٢٧٦ وما بعدها) من المحصولات التى يمكن تصديرها بحرًا إلى البلاد الأجنبية إلا القليل.
على أن هذه الملاحظات تصدق قبل كل شئ على الحجاز وما جاوره من أراض، ولا يمكن أن تنطبق على جميع بلاد العرب بلا جدال، ففى هذا الإقليم بالذات بعض العوامل غير الملائمة للملاحة. وقصة السفينة الجانحة (انظر ما سبق) تبين بوضوح افتقار الجهات المجاورة لمكة إلى الأخشاب، كما أنه ليس على الساحل مرافئ جيدة أو كبيرة، ثم إن بعض المرافئ القديمة مثل Leukekome والجار وشعيبة قد هجرت تماما فيما بعد.
وكان البحر الأحمر مرهوب الجانب لعواصفه وشعابه وخاصة فى الشمال
стр. 5619
(انظر مادة بحر القلزم"؛ Renaissanca: Mez ص ٤٧٦). زد على ذلك أنه ليس ببلاد العرب أنهار صالحة للملاحة تتخذ مجالا للتدرب على الضرب فى البحر.
وليس بعجيب إذن أن حياة البدوى البعيدة عن البحر حالت طويلا بينه وبين الركون إلى اتخاذ الماء أداة للانتقال. ولابد أن يكون هذا الاتجاه قد عاق الرحلات البحرية الإسلامية فى بدايتها، وهو ما اختلف فى الوقت الحاضر. (انظر La mer donsles Traditioas. . .a Rabat et Sale: L, Brunot، باريس سنة ١٩٢٠، ص ١، ٣؛ Narratine of a Year,s Journey: W. G. Palgrave . . . لندن سنة ١٨٦٥، جـ ١، ص ٤٣٠ وقد ورد فى آيات القرآن الكريم جانب عن رهبة البحر كقوله "موج كالجبال" أو "كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج، من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض. ." (سورة هود، الآية ٤٤ (١)؛ سورة النور، الآية ٤٠، وكذلك سورة يونس، الآية (٢٣)(٢)؛ وسورة هود الآية ٤٥ (٣)؛ سورة لقمان، الآية ٣١ (٤)؛ وانظر أيضا القصيدة الفكاهية التى أوردها Noldeke فى Delectus ص ٦٢). ولعل هذا السبب هو الذى حمل المكيين على ترك الملاحة للأجانب (انظر ما سبق). ويضاف إلى ذلك ما كان لدى القوم من شعور بالازدراء لبعض الحرف (انظر Goldziher فى Globus جـ ٦٦ سنة ١٨٩٤، ص ٢٠٣ - ٢٠٥). ومع ذلك فقد كان أزد عمان ملاحين وصيادين، ولكن كان التميميون يعيرونهم بأنهم ملاحون (انظر Skizzen: Wellhausen جـ ٦، ص ٢٥). ولدينا أيضا إشارات إلى النبطيين وإشارات أخرى عابرة إلى الملاحين اليهود (انظر The Diwans of Abid etc: Lyall فى مجموعة كب التذكارية جـ ١٣، سنة ١٩١٣، ص ٨ من المقدمة، ص ٥، ٦).
стр. 5620
وليس بغريب اذن أن تُذكر الأحاديث فيما بعد، بعد أن تبينت فى النهاية قيمة الملاحة فى السلم والحرب، وكلها تبيح بشكل قاطع التجارة بحرًا وتشيد بفضل الاستشهاد فى البحر (انظر Handbook: Wensinck مادتى Barter, Martyr؛ وانظر أيضًا L, Arabie Occ.: Lammens, ص ١٥ وما بعدها). على أن هذا الرأى لم ينتشر إلا بعد زمن طويل، بل إنه فى الوقت الذى كان فيه النبى ﷺ يقطع على قريش سبيل التجارة مع أسواقها فى الشمال، آثر القرشيون القيام بدورة كبيرة عبر الصحراء على المغامرة باتخاذ أى طريق بحرى (LaMecque: Lammens ص ٢٨٥ = ٣٨١) وظل الخلفاء الأولون ممتنعين عن القيام بأى مغامرة فى البحر، فقد تأثر الخليفة عمر أبلغ التأثر من جراء النكبات التى ألمت بالمسلمين فى البحر المتوسط والبحر الأحمر (الطبرى، جـ ١، ص ٢٥٩٥، ٢٨٢٠؛ ويقال إنه منع الملاحة [أو على الأقل منع الملاحة للأغراض الدنيوية] انظر Goldziher فى Z.D.M.G, جـ ٤٤، ص ١٦٥ وما بعدها)، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فعاتب شيخ قبيلة بجيلة عرفجة بن هرثمة الأزدى البارقى الذى كان قد أمره بالإغارة على عمان لأنه نفذ ما أمره به بحرًا على الرغم من أنه نجح فى أداء مهمته (ابن خلدون: العبر، جـ ١، ص ٢١١) على أنه ما انقضت خمس سنوات على وفاة النبى ﷺ (١٥ هـ = ٦٣٧ م) حتى وصل أسطول عربى من عمان إلى تانة بالقرب من بومباى، كما شخصت حملة أخرى إلى خليج ديبل (البلاذرى: فتوح البلدان. ص ٤٣١ وما بعدها). وقد كان معاوية هو منشئ البحرية العربية. فقد أحس بحاجته إلى إنشاء عمارة بحرية تزداد شيئًا فشيئًا إبان حروبه مع الروم، وهى الحروب التى هددت فيها الثغور الفينيقية كثيرا. وكان يلقى فى هذا السبيل مقاومة من الخلفاء فى أثناء ولايته على الشام، ولكن عثمان وافقه على رأيه آخر الأمر.
стр. 5621
وكانت الإسكندرية بصفة خاصة تقدم السفن والملاحين. ويقال إن معاوية قام بإنشاء القواعد البحرية على الشاطئ الفلسطينى أيضا (البلاذرى، ص ١١٧؛ غير أن بعض الكتاب يخالفون هذا القول) وعلى الرغم من خوف العرب من البحر فإنهم تحولوا من الصحراء والجمل إلى البحر والسفينة بسرعة تبعث على الدهشة (انظر Wellhausen فى N. G. W. Gott سنة ١٩٠١، ص ٤١٨). وسرعان ما ظهر من بينهم أمراء بحر شجعان وخاصة بُسر وأبو الأعور.
أما الإلمام بتطور الملاحة العربية بعد ذلك فإنه يبعدنا عن الغاية من هذا المقال، وإن اقتصرنا على الخطوط العريضة لهذا التطور. وأما مسألة: هل كان العرب على دراية بالملاحة فى بداية الإسلام، فإنا نلاحظ فى هذا الشأن ما يلى: من العسير أن نأخذ برأى كولدسيهر (Z.D.M.G جـ ٤٤، ص ١٦٥ وما بعدها) القائل "بأن العرب الأولين كانوا ملمين بالملاحة إلماما تاما" حتى "تملك قلوبهم رعب من البحر بعد ذلك" (من البديهى أن يكون العكس هو القول الذى يؤخذ به). ولعل الحقيقة أن كلا الرأيين كان قائما أحدهما إلى جانب الآخر.
والظاهر أن الرهبة من البحر كانت من خصائص عرب الحجاز، وبمجئ الإسلام أصبحت أحوال هذا الإقليم وآراء أهله هى الأمر المأثور إن صح هذا التعبير، من ثم غدت رهبة البدوى من البحر فى نظر الناس هو الصفة المميزة لغالبية السكان فى شبه الجزيرة العربية قديما. على أن الموقع الجغرافى لبلاد العرب يدعو إلى افتراض قيام حركة تجارية ساحلية قلت أو كثرت منذ أقدم الأزمنة. بل إنا لنجد فى المشرق أن الرواية القائلة بوقوع نشاط كبير فى البحر قد بقيت حتى ظهور الإسلام، ذلك أن المسعودى قد احتفظ فى كتابه مروج الذهب (جـ ١، ص ٣٠٨)، بقصة قديمة تذهب
стр. 5622
إلى أن السفن الصينية كانت فى الأزمنة القديمة تتردد على عمان والبحرين والأبلّة والبصرة، كما أن سفنا من هذه الأقاليم كانت تتاجر مع الصين. ولدينا أيضا أخبار عن أسفار الأزد البحرية (انظر ما تقدم) ثم روايات متأخرة كثيرة عن رحلات جريئة قام بها تجار عمان ومن ثم لا عجب أن تكون الرحلات المتقدمة للمسلمين إلى الهند قد خرجت من هذا الإقليم فى وقت كان يقوم على ولاية الشام فيه والتقدمى لم يجد بدًا من مناهضة رأى الخلفاء الذين عارضوا بعد إنشاء عمارة بحرية إسلامية.
ولم يكتب العرب فيما نعلم تاريخا لرحلاتهم البحرية؛ ولكن الإشارات إلى تلك الملاحة كثيرة بطبيعة الحال فى المصنفات التاريخية الكبرى وفى غيرها من الكتب. وحسبنا أن نتخذ مثالا أو اثنين مهمين من الأوائل: يرى فقهاء اللغة أن بكرة أم الصحابى يزيد بن الحكم كانت أول امرأة عربية تركب البحر (كتاب الأغانى، جـ ١١، ص ١٠٠). وأول مسلم قاد حملة بحرية هو كما جاء فى كتاب الخطط للمقريزى (جـ ٢، ص ١٨٩) العلاء بن الحضرمى الذى حاول غزو اصطخر من البحرين ولم يكتب لهذه المحاولة التوفيق (ويقال إنها كانت فى عام ١٩ هـ = ٦٤٠ م أعنى بعد نزول العرب بومباى، انظر ما سبق).
ويقال إن الحجاج الوالى الأموى كان أول من أنزل إلى الماء سفنا من الخشب المسمر المقير، فى حين كان الخشب قبل ذلك يشد بعضه إلى بعض بالحبال (الجاحظ: الحيوان، ص ٤١، ص ٥٠ وما بعده) وتعرف هذه السفن باسم السفن المخيطة وقد ذكرت فى عهود متأخرة حتى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) على أنها سمة من سمات البحر الأحمر والمحيط الهندى.
وتختلف الأسباب التى تذكر فى تعليل هذا الطراز من بناء السفن، ولا بد أن تكون خرافة جبل المغنطيس لها صلة بهذا الطراز (انظر Mez كتابه المذكور، ص ٤٧٢ وما بعدها؛ Relation: Reinaud
стр. 5623
des voyages، باريس ١٨٤٥ جـ ١، ص ٩١، ١٣٦). ولا تزال تستخدم فى بعض الأماكن إلى اليوم مراكب بدائية ظلت على حالها الأول لا تتغير آلافا من السنين.
المصادر:
يمكن الرجوع فيما يتصل بورود الألفاظ المختلفة للسفينة ومعانيها إلى كتاب Hans Schiff in Arabischen: Kindermann بون (رسالة جامعية) سنة ١٩٣٤ - وليس ثمة تاريخ للسفن والملاحة العربية، أما فيما يختص بالمصادر المتنوعة الشاملة التى يمكن الرجوع إليها فانظر أولا المصادر الملحقة بهذه المادة والمصادر المذكورة فيها. وقد درس هذا الموضوع كثيرا فى مواد دائرة المعارف الإسلامية هذه ومنها مادة شهاب الدين أحمد بن ماجد.
وهناك عرض مختصر لتطور الملاحة العربية (دون ذكر المصادر) فى Seehandel und Seemacht eine hand elsgeschtliche Skizz: E.Speck لبيسك سنة ١٩٠٠، ص ٣٢ وما بعدها؛ Die sance des Islam: A. Mez هيدلبرغ سنة ١٩٢٢، ويبحث فى الملاحة العربية فى الأنهار والبحر فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). وقد كتب حديثا سيد سليمان ندوى كتابا بالأردية عنوانه "أرابون كى جهار رانى" أى الملاحة عند العرب فى Islamic Research Association رقم ٥، بومباى سنة ١٩٣٥.
ولدينا عن الملاحة فى البلاد الإسلامية الأخرى: عن الملاحة الفارسية: هادى حسن: A History of Persin Nauigation لندن سنة ١٩٢٨ (وقد قرظ هذا الكتاب فى المجلة الأسيوية، سنة ١٩٢٩. ص ٤٠٧ - ٤١٠). وانظر أيضًا Radhakumud Mookerji: Indion Shipping لندن نيويورك سنة ١٩١٢.
وليس هناك كتاب بأكمله عن الملاحة التركية وإن كانت هناك دراسات أولية جيدة.
الشنتناوى [كندرمان H.Kindermann]
стр. 5624
السكاكى
أبو بكر يوسف بن أبى بكر بن محمد سراج الدين الخورازمى: ولد السكاكى فيما وراء النهر فى الثانى من جمادى الآخرة سنة ٥٥٥. وكان فى أول أمره صانع معادن، وقد مهر فى حفر السكة ومن ثم لقب بالسكاكى، وكان يصنع أيضا الأقفال الدقيقة. وقد صنع يوما محبرة لها قفل ولم يزد وزن الاثنين على قيراط واحد. وأهدى المحبرة إلى والى الإقليم الذى كان يعيش فيه، ولم يذكر كاتب سيرته اسم هذا الوالى. وقد كوفئ السكاكى على ذلك المكافاة المناسبة، ولكن سرعان ما أقبل رجل على مجلس الوالى فقوبل بمظاهر الإجلال والتعظيم فعجب السكاكى لذلك، فلما سأل عن الرجل قيل له إنه من أهل العلم. ورأى السكاكى أن العلم موضع الإجلال والتعظيم أكثر من الحرفة اليدوية فعزم على أن يصبح هو نفسه فقيها. وكانت دراساته الأولى بعيدة كل البعد عن التوفيق والنجاح، فكان إخفاقه سببا فى فتور همته، ولكنه لما رأى أن الماء إذ يسقط نقطة نقطة سقوطا متداركا ينقب الصخر عاد مرة أخرى إلى دراسته. ولا يعرف عن حياته إلا النزر اليسير، ذلك أننا نجهل أسماء شيوخه وأسماء تلاميذه، وليس من شك فى أن ذلك يعود إلى غزوة المغول لبلاده فى أخريات أيامه. ويعد السكاكى من فقهاء الحنفية. ويذكر من شيوخه فى فقه الحنفية سديد الخياتى ومحمود بن سعيد بن محمود الحارثى، كما يذكر واحد من تلاميذه وهو مختار بن محمود الزاهدى صاحب كتاب الفقه الحنفى المسمى "الكنية". وتوفى السكاكى فى قرية الكندى بالقرب من مدينة ألمالغ (ويذكرها الجغرافيون باسم ألمالق) من أعمال فرغانة سنة ٦٢٦ هـ. وينسب إليه بصفته من الترك بعض الأشعار التركية، ولكن شهرته تقوم على كتابه العربى "مفتاح العلوم" وهو أشمل كتاب فى البلاغة إلى عهده. وعلى الرغم من شهرة هذا الكتاب الفائقة فإن مخطوطاته نادرة، ذلك أن المختصر والشرح الذى وضعه
стр. 5625
القزوينى للقسم الثالث من هذا الكتاب بعنوان "تلخيص المفتاح" قد غلب على الأصل منذ عهد متقدم، وأصبح هو العمدة فى هذا الموضوع، وقد شرحه كثير من الشراح. وهناك سبب آخر حجب كتاب مفتاح العلوم وهو لغته البالغة الصعوبة التى كانت تستغلق أحيانا على الفهم لطول جمله طولا لم تألفه اللغة العربية، ولعل ذلك يرجع إلى تأثير اليونان؛ وقد يكون مرجعه إلى أن السكاكى درس أيضا ترجمات الكتب الفلسفية اليونانية، فقد كان معاصرا لنصير الدين الطوسى الذائع الصيت. ومما له دلالة أيضا أنه كان على قلة ذكره للمراجع يشير فى كثير من الأحيان إلى أقوال الرمانى الذى كان فيما يقال متبحرًا فى نظريات النحو الفلسفية. ومن حسن التوفيق أنه يمكن الحصول على هذا الكتاب فى طبعتين (القاهرة عام ١٣١٧ فى حجم صغير، والقاهرة عام ١٣١٨ فى حجم كبير) وهما وإن كانا قد طبعا من غير تشكيل -والتشكيل لا غنى عنه بالنسبة لهذا الكتاب- فإنهما يتيحان لنا أن ندرس هذا الكتاب. وخطة المؤلف الأصلية تقوم على تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام كبرى: علم تكوين الكلمات وتركيبها، وعلم النحو، وعلم البلاغة. وقد أضاف إليه فروعا أخرى تمت بالصلة لهذا العلم. ويسبق الجزء الخاص بعلم تكوين الكلمات وتركيبها فصل فى علم الأصوات يبين من الناحية النظرية النطق الصحيح للأصوات العربية، على حين يضمن الجزء الخاص بالبلاغة فصولا فى علم البديع. وقد حاول السكاكى تصنيف الموضوعات تصنيفا علميا، إلا أن أقسامه تختلف فى عناوينها كما تختلف فى ترتيبها، فالكتاب الأول مقسم إلى ثلاثة فصول، على حين ينقسم الكتاب الثانى إلى فصول وأبواب عدة لم يرقم ما جاء منها فى نهاية الكتاب. وينقسم الجزء الأكبر من القسم الخاص بالبلاغة إلى قوانين، ثم تنقسم هذه القوانين إلى فنون. ويشتمل الجزء الخاص بالبيان على أصلين وخمسة فصول، كما
стр. 5626
يشتمل فى النهاية على بعض فصول غير مرقمة. وهنا يذكر المؤلف أنه لما وجد أنه يتعين عليه أن يتم الكتاب، وكان القسم الذى يلى ذلك يدخل حقا فى باب البلاغة، فقد أضاف تفصيلات كثيرة فى "الاستدلال" وعرضا مطولا لفن الشعر ضمنه التفصيلات المألوفة فى علم العروض وغير ذلك. وقد بلغ من طول هذا الكتاب وسوء ترتيبه أن أصبح مرجعا مدرسيا لا يسهل تناوله، ومن ثم لم يلبث أن غلب عليه مختصر وشرح القزوينى بعنوان "تلخيص المفتاح"، وغدا هذا التلخيص بشروحه الكثيرة وخاصة شروح التفتازانى بعنوان المطول والمختصر هو الكتاب السائد فى عالم المؤلفات العربية حتى الوقت الحاضر. وكان كتاب "مفتاح العلوم" موضوع شروح كثيرة. ونذكر علاوة على الشروح التى ذكرناها آنفا، شرحا قام به محمود بن مسعود الشيرازى المتوفى عام ٧٢٦ هـ ويتناول القسم الثالث وحده. وثمة شرح آخر لهذا القسم الثالث قام به الجرجانى وأتمه سنة ٨٠٣ هـ.
المصادر:
(١) القرشى: الجواهر المضيئة، حيدرآباد، جـ ٢، ص ٢٢٥.
(٢) ابن قتلبغا، ص ٢٥٠.
(٣) السيوطى: بغية الوعاة، القاهرة ١٣٢٦، ص ٤٢٥.
(٤) محمد باقر: روضة الجنان، طهران سنة ١٣٤٠ وصفحاته غير مرقمة.
(٥) Gesch der arab Lit: Brockelmann, جـ ١، ص ٢٩٤.
(٦) Rhetorik der Araber: Mehren فينا سنة ١٨٥٣.
الشنتناوى [كرنكوف F.Krenkow]
السكرى
الحسن بن الحسين بن عبيد اللَّه أبو سعيد: فقيه لغوى، أخذ العلم على أبى الفضل الرياشى تلميذ الأصمعى، وقد أخطأ بعض الكتاب فقالوا إنه تلقى العلم أيضًا على الأصمعى، إلا أن هذا القول مستحيل لأسباب يكفى منها التسلسل التاريخى فحسب؛ كما أخذ العلم على
стр. 5627
محمد بن حبيب وأبى حاتم السجستانى. ولد السكرى سنة ٢١٢ هـ (٨٢٧ م) وتوفى سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٨ م)؛ وقد صرف كل همه تقريبا إلى جمع الأشعار العربية القديمة وشرحها؛ ولم يبق من دواوين شتى القبائل التى تولى جمعها إلا ديوان الهذليين وهو غير كامل؛ وأغلب الظن أنه استعان بدواوين أخرى فى جمع ديوان الهذليين (انظر D.L.Z: Goldzihet ١٨٩٥ م، ص ١٤٥١)؛ ويتحدث عبد القادر البغدادى فى كتابه "خزانة الأدب" (جـ ٢، ص ٣١٧، ص ٢٥)؛ عن نسخة ظهرت من هذا الديوان سنة ٢٠٠ هجرية، ولا يمكن أن يكون الاستشهاد من شرح السكرى، إذ أن تلك النسخة كانت تحمل شهادة من ابن فارس (المتوفى ٣٩٥ هـ = ١٠٠٥ م)، ولكن لا شك فى أنه كان يشير إلى نسخته هو من الديوان؛ ولدينا إلى جانب طبعات كوسكارتن (Kogegarten) وفلهوزن (Wellhausen) وهل (Hell) لشرح السكرى طبعة أخرى من وضع بيرا كترافج (F.Bayraktarevie: Abu Kebir al-Hudhali la lamiyya publiee auec le commentaire d'al Sukkari, Anecdota Oxoniensia, ١٩٢٣) ولم يبق من مصنفه "أخبار اللصوص" الذى يكثر الناس من الاستشهاد به، إلا ديوان طهمان، وهو من طبع رايت (W.Wright فى Opuscula arabica، ليدن ١٨٥٩، ص ٧٦ - ٩٥)؛ ولم يصل إلينا من دواوين الشعراء المختلفين إلا ديوان امرئ القيس فى مخطوط بليدن: (i ٣٤٧,N;clxiv Leyden Ms Warn ٩٠١ L,S. Catalogus codd. ar. bibl, ac. Lugd (Bat,ed وربما وصل إلينا أيضا شرحه لديوان قيس بن الحطيم (انظر طبعة كوفالسكى، جـ ٣٣)؛ أما نصيبه فى التهذيب الذى وصل إلينا من نقائض أبى عبيدة؛ فلم يجاوز نصيب الناقل عن مؤدبه محمد بن حبيب؛ وقد ورد كتاب بروكلمان (G.A.L، جـ ١، ص ٢٠٨)، استشهادات منقولة من المصنفات الأخرى.
المصادر:
(١) ابن النديم: الفهرست، ص ٧٨، ص ٢٠ - ٢٧.
стр. 5628
(٢) ابن الأنبارى: نزهة الألباء، ص ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٣) ياقوت: إرشاد الأريب، طبعة Die grammatischen Schulen der Araber: Margoliouth, ص ٨٩.
صبحى [بروكلمان C.Brockelmann]
سكينة
بنت الحسين بن على بن أبى طالب، وأمها الشاعرة رباب بنت امرئ القيس بن عدى بن أوس، وهى التى سمت ابنتها سُكينة بضم السين (وتعرف أحيانا اسم سكينة بفتح السين ولكن ورد اسمها فى القاموس بضم السين)؛ واسمها الحقيقى هو أميمة (فى قول ابن الكلبى، وقد نقل عنه ابن سعد وصاحب كتاب الأغانى) أو أمينة بضم الألف، والأرجح آمنة أو أمينة بفتح الألف (كما جاء فى الأغانى). ولا نعرف تاريخ مولدها، ولكنها كانت فتاة صغيرة عندما مات أبوها (ذكر ذلك بصيغة التأكيد كل من الطبرى، جـ ٢، ص ٢٣٢، ص ١٠، وابن الأثير فى حديثه عن مقتل الحسين؛ الكامل جـ ٤، ص ٧٣؛ وقد ذكر هذا المؤلف أن يزيد أمر بأن يساق إلى المدينة تحت حراسة شديدة جميع من بقى على قيد الحياة بعد يوم كربلاء، وكانت سكينة من هؤلاء، وقد ماتت أمها حزنا بعد ذلك بعام، المصدر السابق، جـ ٤، ص ٧٦). واشتهرت سكينة بصفة خاصة بزيجاتها المتعاقبات، وقد اختلفت الروايات فى عددها وترتيبها. وجاء فى كتاب الأغانى أن اقتراح زواجها من ابن عمها حسن ابن الحسن بن على لم يسفر عن شئ، وتزوج حسن هذا بفاطمة أخت سكينة. وأورد ابن قتيبة وابن سعد قوائم بزيجات سكينة، ويختلف ترتيب هذه الزيجات فى القوائم الثلاث الأولى عن القائمتين الأخريين، ويورد صاحب الأغانى ست قوائم متناقضة. ومن الخير فى هذه الظروف أن نقبل الترتيب الأقدم الذى يكاد يتفق عليه ابن قتيبة وابن سعد، وهو الترتيب الذى أخذ به ابن خلكان. ووفقا لهذا الترتيب كان أول أزواجها هو مصعب بن الزبير بن العوام (توفى عام ٧٠ أو ٧١ فى قتال مع عبد الملك بن مروان، انظر ابن
стр. 5629
الأثير، جـ ٤، ص ٢٦٣ وما بعدها). وقد أمهر مصعب سكينة مهرًا كبيرًا عندما زوجها له أخوها على (انظر أبيات الهجاء فى الثعالبى: اللطائف، ص ٥٣)، وأنجبا من هذا الزواج ابنة سمتها سكينة باسم أمها، وتزوجت هذه الفتاة من أخى مصعب وتوفيت فى سن مبكرة. والظاهر أن زوج سكينة الثانى كان عبد اللَّه بن عثمان ابن أخى مصعب ابن الزبير، وقد ولدت له عثمان ويعرف بقرين (وذكر ابن سعد أنها أنجبت منه ولدين آخرين هما حاكم وربيحة) ولم يكن هذا الزواج موفقا فى جميع أيامه كما يقول صاحب كتاب الأغانى. وكان زوجها الثالث فى رواية ابن سعد هو الزبير بن عمرو بن عثمان بن عفان. ويصفه صاحب كتاب الأغانى بأنه كان بخيلًا لا يعتمد عليه، وكان دائم المشاحنة مع سكينة وقد عاشت بعده. وتزوج الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان (توفى عام ٨٦) أخو عمر بن عبد العزيز والى مصر من عام ٧٥ هـ من سكينة المطلقة، ولكنه لم يدخل بها (وليس ثمة ما يدعونا إلى أن نعلق أهمية كبيرة على اختلاف كتاب السير فى هذا الموضوع، فبينما يذكر ابن قتيبة ويتبعه فى ذلك ابن خلكان والصفدى أن الأصبغ هو زوج سكينة الثالث، نجد أن ابن سعد، وكذلك بيت من الشعر ورد فى كتاب الأغانى يجعل من الأصبغ الزوج الرابع لها). ثم إن ابن سعد يذكر أن سكينة تزوجت، بعد زيد ابن عمرو مباشرة، إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، وأنها عاشت معه ثلاثة أشهر. ويقال إنها طلقت منه بأمر هشام بن عبد الملك، وهذا شئ بعيد الاحتمال. ويذكر كل من ابن حجر وابن قتيبة (المعارف) أن إبراهيم توفى عام ٧٦ بالغًا من العمر ٧٥ عامًا، ومن ثم فإن هذا الزواج لا بد أن يكون قد حدث قبل ذلك. ويزيد ابن قتيبة دون أن يذكر المصدر الذى استقى منه، أن سكينة تزوجت من عمرو بن الحاكم ابن حزام. أما ما ذكره صاحب الأغانى من زواج سكينة بابن عمها عبد اللَّه بن الحسن بن على فقول يصح لنا إنكاره. والمتفق عليه بصفة عامة أن سكينة كانت إحدى سيدات عصرها المشهورات. ويصفها كاتب من الكتاب الذين نقل عنهم صاحب الأغانى
стр. 5630
(جـ ١٤) بأنها كانت عفيفة شديدة التأنق ذات هيبة ووقار لم يكن يحول بينها وبين المزاح والتبسط فى الحديث (النكات والقفشات المذكورة فى جـ ١٤، جـ ١٧، ص ٩٤، ٩٧، ١٠١). أما جمال شعرها فكان أمرًا معروفًا وكانت لها طريقة خاصة فى تصفيفه. وقد حرم عمر بن عبد العزيز فيما بعد الأخذ بهذه الطريقة. وكانت سكينة جد فخور لا بجمالها فحسب، بل بنسبها أيضًا (الأغانى، جـ ١٤، ص ١٦٤) وبابنتها التى كانت تحب أن تغمرها بالحلى والجواهر. وقد بدا منها أيضًا ما يدل على شجاعتها إذا أخذنا بما ذكره صاحب الأغانى (جـ ١٤) عن جلدها الذى اظهرته عند استسلامها لجراحة أجريت لها فى عينها. وكانت سكينة أيضا امرأة فطنة حصيفة تهوى الشعر والغناء أورد صاحب الأغانى الكثير من القصص والنوادر عن ذلك). وأمضت سكينة عمرها فى رحاب المدن المقدسة وتوفيت بالمدينة فى يوم الثلاثاء الخامس من شهر ربيع الأول عام ١١٧ هـ (٧ أبريل عام ٧٣٥ م). وأجل دفنها بضع ساعات لأن الوالى أمر بتأخيره حتى يحضر جنازتها.
المصادر:
(١) الطبرى وابن الأثير والأغانى الفهرس.
(٢) ياقوت، الفهرس، والشام، سنة ١٩٢١، ص ٢٢١ وما بعدها.
(٣) ابن قتيبة: المعارف، الفهرس.
(٤) ابن سعد، جـ ٨، ص ٣٤٨.
(٥) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٥، ص ٢٥٢.
(٦) أبو المحاسن، طبعة Juynboll الفهرس.
(٧) الذهبى، طبعة De Jong تحت مادة سكينة.
(٨) ابن خلكان، ترجمة de Slane جـ ١، ص ٥٨١.
(٩) ابن الفقيه: المكتبة الجغرافية العربية، ص ١٨٦.
(١٠) ابن الطقطقى: الفخرى، ترجمة Amar، ص ١٩٧.
(١١) المستطرف، ترجمة Rat جـ ١، ص ٢٠١.
стр. 5631
(١٢) الثعالبى: ملوك فارس. ص ٧٢٧.
(١٣) الثعالبى لطائف المعارف، طبعة De Jong الفهرس.
(١٤) زينب فواز: الدر المنثور، ص ٢٤٤.
(١٥) الشبلنجى: نور الأبصار فى مناقب آل بيت النبى المختار، القاهرة سنة ١٢٩٨ ص ٢٥٩ - ٢٦٣.
(١٦) الصفدى، المكتبة الأهلية بباريس، مخطوط رقم ٢٠٦٤، ورقة رقم ١٥١.
(١٧) Femmes Arabes: Perron.
(١٨) Kulturgesch: Kremer جـ ٢، ص ١٠٠.
(١٩) المجلة الأسيوية، سنة ١٨٣٢، ص ٤٧، ٥٠ سنة ١٨٨٤، ص ١٧٣، رقم ١.
الشنتناوى [ماسيه H.Masse]
السلاجقة
أسرة من الأمراء الترك حكمت أقاليم مترامية الأطراف فى آسية الوسطى والدنيا من القرن الحادى عشر إلى القرن الثالث عشر ومن أهم هذه الأسر: (١) السلاجقة العظام، (٢) سلاجقة العراق (٣) سلاجقة كرمان (٤) سلاجقة الشام (٥) سلاجقة آسية الصغرى (الروم).
التاريخ القديم للأسرة: كان جد هؤلاء الأمراء سلجوق بن دقاق (تقاق)، وقد عرف بـ "تيموريلغ" أى "ذى القوس الحديده"، وكان دقاق هذا من قبيلة غز قنق التى ذكرت أولا فى ثبت هذه القبائل فى ديوان لغات الترك (جـ ١، ص ٥٦) للكاشغرى، وقال عنه ابن الأثير فى كتابه الكامل، طبعة تورنبرغ، (جـ ٩، ص ٣٢٢) ما يأتى: "وكان مقدم الأتراك الغز ومرجعهم إليه لا يخالفون له قولا ولا يتعدون أمرا، فاتفق يوما من الأيام أن ملك الترك الذى يقال له بيغو جمع عساكره وأراد المسير إلى بلاد الإسلام فنهاه تقاق عن ذلك، وطال الخطاب بينهما فيه، فأغلظ له ملك الترك الكلام فلطمه تقاق فشج رأسه، فأحاط به خدم ملك الترك وأرادوا أخذه فمانعهم وقاتلهم واجتمع معه من أصحابه من منعه فتفرقوا عنه ثم صلح الأمر بينهما وأقام عنده". ثم
стр. 5632
ذكرت رواية مشابهة لهذه عن ابنه سلجوق، ولكن خاتمتها تختلف، ذلك أن سلجوق ترك الملك وقومه ودخل بلاد الإسلام ونزل فى جوار "جند" عند مصب نهر سيحون؛ ويقول ماركار (Ostturkische Dialektstudien: Marquar, ص ٤٦) إن اللقب التركى "يبغو" متضمن فى "بيغو"، وتنصرف الإشارة هنا إلى الشيخ الأكبر للغز الكفرة، وهو الذى اعترف أيضا بسيادة خاقان الأويغور، على أنه يبدو لى أن القصة كلها مختلقة بقصد تعليل نزول القنق قرب جند، وسواء كانت هذه القبيلة أو على الأقل شيخها سلجوق، قد دخل فى الإسلام فى هذا الوقت أم لم يدخل فأمر ليس محققا أيضا، فإن كانت الرواية تفترض هذا افتراضا، ولعل دخول هذه القبيلة أو شيخها فى الإسلام لم يحدث إلا بعد أن نشأت الصلات مع أهل جند المسلمين، ويذهب بعض علماء الروس إلى أن السلاجقة دخلوا فى الإسلام بعد أن اعتنقوا المسيحية، وهم يستشهدون فى تأييد ذلك بالأسماء ميكائيل وموسى وإسرائيل التى سمى بها أولادهم، وهى من الأسماء التى وردت فى الكتاب المقدس، كما يستشهدون بملحوظة عابرة وردت فى القزوينى (طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٣٩٤) وبانتشار المسيحية بين الأتراك فى سمريجية، على أن الروايات لا تذكر شيئا مما ذهب إليه هؤلاء العلماء.
وكانت الأحوال السياسية فيما وراء النهر، حيث كان السامانيون والقره خانية الأتراك يتقاتلون فى سبيل السيادة عليها، ملائمة لنمو سلطان سلجوق وقبيلته الغز، وقد اشتركا فى هذا القتال الذى كان دائرا بين الطرفين، وكانا ينضمان عادة إلى صفوف السامانية، إلا أنهما كانا فى الوقت نفسه ينتهزان الفرصة لتحسين أحوالهما ورعاية مصالحهما. ومات سلجوق أثناء ذلك فى جند، وقد بلغ فيما يقال السنة السابعة بعد المائة؛ ونحن نجد أولاده الذين تقدم ذكرهم (وتضيف إليهم بعض الروايات ابنا رابعا هو يونس) لا فى جند بل قرب بخارى، أى فى نور بخارى (ويقال لها الآن نوراتا، وهى شمالى بخارى
стр. 5633
بشرق؛ انظر Turkestan, etc: Barthold، ص ١٢٢ حوالى سنة ٧٥٥ هـ (٩٨٥ م)، على حد قول حمد اللَّه القزوينى فى تاريخ كزيده، (طبعة براون، ص ١٤٣٤) ويبدو أن إسرائيل، وكان اسمه الأصلى أرسلان، قد تبوأ مركز الزعامة بين هؤلاء الأبناء، ونجد اسمه أحيانا متبوعا بلقب بيغو، والأرجح أنه يدل فى هذا المقام أيضا على اللقب يبغو؛ وقد ورد ذكره بهذا الاسم فحسب فى الكرديزى (طبعة بارتولد ص ١٣)، بوصفه أمير الغز الذين عاونوا سنة ١٠٠٣ القائد السامانى المنتصر على قهر القره خانية (انظر Turkeston etc: Barthold، ص ٢٨٣) ونجد له بعد ذلك ذكرا بوصفه حليف على تكين الذى كان قد استولى على مدينة بخارى؛ وقام محمود الغزنوى سنة ٤١٦ هـ (١٠٢٥ م) بحملة إلى ما وراء النهر لخلع تكين عن عرشه ولقى قادرخان القره خانى، وعقد معه اتفاقا فيما يختص بموقفهما المشترك حيال شئون الناحية؛ وأخذ يجمع المعلومات فى هذه الرحلة عن قوة السلاجقة؛ وثمة حكاية مشهورة تقول إن أرسلان عندما سأله الغزنوى عن هذا الأمر أبرز له سهمين وقال له: لو أن هذين السهمين أرسلا إلى قومه لاجتمع منهم مائة ألف رجل، ولو أن القوس أضيف إليهما لاجتمع من الرجال قدر ما يشتهى المرء، فتملك محمودا شئ من القلق، واستشار حاجبه أرسلان جاذب فيما يجب اتخاذه حيال هؤلاء الناس، فنصحه جاذب بأن يقطع إبهام الرجال جميعا حتى لا يستطيعوا من بعد شد القوس أو أن يفرقهم جميعا فى جيحون، بحسب ما يزيده ابن الأثير على هذه الحكاية؛ ورأى محمود أن هذا الفعل بالغ القسوة، بل قد يكون عسير التنفيذ؛ وفضل أن يدعهم يجتازون جيحون ويتفرقون فى البقاع المترامية من خراسان حتى يسهل كبح جماحهم، وأخذ معه أرسلان عند عودته إلى غزنة، وأبقاه أسيرا فى قلعة كالنجار من أعمال ملتان رهينة تكفل له إخلاد السلاجقة إلى الهدوء والسكينة. على أن هذا الفعل لم يحقق الأغراض التى استهدفوها، وظل الغز على شغبهم وفتنتهم بالرغم مما أنزله بهم تاش فراش من عقاب صارم (انظر البيهقى:
стр. 5634
تاريخ طبعة Morley, ص ٥٤٤)، وخرج الغز عن ولاية حكامهم الغزنويين، وشرعوا فى غزو بلاد الإسلام تحت إمرة قوادهم يغمر وقزل وبقا وككتاش وغيرهم، وأنزلت غاراتهم الكثير من التلف بمدن دامغان وسمنان والرى وإصفهان ومراغة وهمذان وغيرها من مدن العراق وأذربيجان. ويطلق البيهقى على هؤلاء الغز اسم الغز العراقيين، ولا يذكر شيئا عن أرسلان فى ذلك الجزء الذى بقى لنا من تاريخه، وهو يفرق أيضا بينهم وبين الغز الذين بقوا فيما وراء النهر، ويصفهم بقوله أنهم قوم طغرل بك (وهذه هى الصيغة الصحيحة حسبما ورد فى الكاشغرى Diwan etc ص ٤٠٠) وداود، وهم أيضا النياليون؛ وطغرل بك ومحمد وجغرى بك داود هم أبناء ميكائيل بن سلجوق، وتقول بعض الوثائق إن ميكائيل هذا قتل فى وقت مبكر فى حرب نشبت بينه وبين الأتراك الكفار؛ أما النياليون فهم قوم إنيال أو ينال وهو خال طغرل بك، ومن ثم فربما كانت القراءة الصائبة "يناليون" صحيح أن إينال لم يرد ذكره إلا فى هذا الموضع، غير أن ابنه إبراهيم ابن اينال معروف جيدا، وقد عاون ولدى أخته فى بادئ الأمر معاونة صادقة، ولم نعلم إلا القليل عن موسى الابن الثالث لسلجوق، ولكن أولاده ناصروا أيضا طغرل بك.
وكان هؤلاء السلجوقيون يقيمون آمنين فى نور بخارى طوال حياة على تكين، على أن المراعى فى تلك الناحية لم تكفهم فأذن لهم هارون بن ألتونتاش أمير خوارزم بشفاعة الوزير أحمد بن محمد بن عبد الصمد أبى نصر، وهو الذى أضحى فيما بعد وزير مسعود الغزنوى، بالإقامة فى إقليم خوارزم فى الشتاء.
على أنه لما مات على تكين سنة ٤٣٥ هـ (١٠٣٤ م) اختلفوا مع أبنائه وخلفائه، لكن هارون بن ألتونتاش سرعان ما قتل بعدئذ، فهاجم شاه ملك، وكان فى ذلك الحين حاكم جند، خوارزم بأمر من مسعود، وأكره أبناء ألتونتاش على الفرار، وكانوا قد جاهروا بالعصيان، وعضدهم فى ذلك السلاجقة، وما عتم السلاجقة وجدوا أنفسهم مكرهين على السعى إلى بلاد
стр. 5635
أخرى يقيمون فيها، ومن ثم أرسلوا التماسا مكتوبا (انظر البيهقى، المصدر المذكور، ص ٥٨٣) إلى أبى الفضل السورى (السوارى) أمير خراسان الذى كانت سمعته قد ساءت لما عمد إليه من ابتزاز الأموال طالبين منه أن يسأل مسعودا أن يقطعهم نسا وفراوة، وكان طغرل وداود وأخ ثالث لهما يدعى يبغو يطلقون على أنفسهم فى تلك الوثيقة المشهورة اسم المحتمين بأمير المؤمنين، ويستطيع القارئ الرجوع إلى رواية البيهقى للوقوف على ما كان من أمر تلك المفاوضات التى لم تنته إلى النتيجة المرجوة وما جرى بعدها من الأحداث، وقد سرد البيهقى أخبارها يوما بعد يوم تقريبا، على أنه لا مناص من أن نلتزم الإيجاز فى هذا المقام وأن نحيل القارئ على الرواية الكاملة التى ذكرها كزيمرسكى (Kazimirski) فى مقدمة طبعته لديوان منوجرى. وصفوة القول أن النتيجة كانت حربا سافرة بين السلاجقة والغزنويين، وقد منى قواد مسعود بالهزيمة تلو الهزيمة، ثم منى مسعود نفسه بهزيمة نكراء فى وقعة دندانقان (رمضان سنة ٤٣١ هـ - مايو سنة ١٠٤٠ م)، وما إن حلت نهاية عام ٤٢٩ هـ (أغسطس ١٠٣٨ م) حتى كان السلاجقة قد استولوا على نيسابور، وذكر اسم طغرل بك فى الخطبة فيها، وجاء رسول من الخليطة يشكو أعمال التخريب التى كان يقوم بها الغز العراقيون وهكذا ثبت حكم السلاجقة العظام وتوطد.
١ - السلاجقة العظام: ١٠٣٨ - ١١٥٧. طغرل بك ١٠٦٣؛ ألب أرسلان ١٠٧٢؛ ملك شاه ١٠٩٢، محمود وبركيارق ١١٠٤؛ ملك شاه الثانى ومحمد ١١١٧؛ سنجر ١١٥٧.
وقد عالجنا فى مواد مستقلة تاريخ هؤلاء الحكام كل على انفراد، فيما عدا محمودا وملك شاه الثانى، فإن اسميهما لم يردا فى الخطبة إلا فترة وجيزة، ونكتفى فى هذا المقام ببعض الملحوظات العامة: ففيما يتصل باتساع رقعة دولة سلجوق، خضع جل الحكام المسلمين من أمراء الولايات الشرقية والوسطى فى الأراضى التى كان يحكمها الخلفاء
стр. 5636
قديما لطغرل بك، إما طواعية أو كرها. وما إن حلت سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١/ ٤٢ م) حتى كان أمير جرجان وطبرستان قد خضعا له، وفتحت خوارزم سنة ٤٣٤ هـ (١٠٤٢/ ٤٣ م)، وتلتها أراض أخرى من بلاد فارس الحديثة، وفى سنة ٤٤٠ هـ (١٠٤٨ م) أخذ لبيارتيس Liparites، زعيم الأبخاز، أسيرا، وشنت غارات على آسية الصغرى، وورد اسم طغرل فى الخطبة فى بغداد فى رمضان سنة ٤٤٧ هـ (ديسمبر ١٠٥٥ م)، وقد خاطبه الخليفة "بملك الشرق والغرب" فى محفل عام سنة ٤٤٩ هـ، وكان الخليفة قد تزوج فى ذلك الوقت ابنة جغرى بك أخى طغرل، وقد اعترفت العراق بأسرها، وكذلك الموصل ودياربكر، بسيادة سلطان السلاجقة، وبلغت فتوحات السلاجقة فى عهد ألب أرسلان إلى نهر سيحون، ثم انتقلت آسية الصغرى كلها تقريبا إلى حكم الترك بعد هزيمة الأرمن والبوزنطيين، وأضيفت إليها الشام آخر الأمر، بل إن عدن واليمن فتحتا عام ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م)، وإن كنا لا نستطيع القول بأن السلاجقة قد حكموا بلاد العرب حكما فعليا؛ وقد كانت وفاة ملك شاه فى ذلك السنة نفسها وما نشب من خلاف بين أبنائه على اعتلاء العرش بعد وفاته، وقيام الحروب الصليبية السبب فى وقف فتوحات السلاجقة.
أما فيما يتعلق بالبلاد المفتوحة فإن الولاة الذين خضعوا للغز كانوا فى معظم الحالات يستمرون فى الحكم ويؤدون الجزية، على أنه حدث فى كرمان، ثم فى الشام وآسية الصغرى من بعد، أن قام الأمراء الذين فتحوا تلك البلاد من أنفسهم حكاما استقلوا بأمر أقاليمهم ولم يحفلوا بالسلاجقة العظام، بل إنهم شهروا عليهم الحرب (انظر فيما يلى)، وقد حدث ذلك أيضا فى النواحى النائية الأخرى من الدولة التى أقطعها السلاطين -كما فعل ألب أرسلان سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) - إخوانهم وأقاربهم الآخرين، مع فارق واحد وهو أن هؤلاء لم يفلحوا فى إقامة أسر حاكمة؛ وكان حق الحكم، من وجهة النظر التركية، من نصيب الأسرة
стр. 5637
كلها، وكان لأكبر أفراد الأسرة سنا حق معين بوصفه كبير قومه فى أن يقتضى أقاربه الذكور الطاعة له، على أنه لم يكن من الميسور فى أسرة كاسرة السلاجقة لها فروع عدة أن يسود الانسجام بين أعضائها مدة طويلة، بل لقد حدث فى عهد طغرل بك نفسه أن انتقض عليه ابن أخيه إبراهيم بن إينال، فإن كان جغرى بك وببغو، أخوا طغرل بك ظلا على إخلاصهما له، ولعل السبب فى ذلك أن طغرل لم يعقب ولدا ذكرا، وكان خليفته مكرها على قتال قتلمش ابن أرسلان جد سلاجقة الروم. وقد حدث هذا أيضا فى عهد ملك شاه، فبعد وفاته تميز عهد بركيارق، الذى لم يطل كثيرا، بالقتال المتصل بينه وبين عمه تنش وأخيه محمد، ومن ثم فإن دولة السلاجقة العظام كانت تشتمل فحسب على الولايات الشرقية التى كانت تدخل ضمن بلاد الخلفاء القديمة، فيما عدا كرمان؛ وكان مقر حكمهم فى إصفهان وبغداد، ثم مرو فى عهد سنجر. وكان سنجر قد تنازل لأولاد أخيه محمد عن حكم العراق وفارس وخوزستان والولايات الغربية فى مرو؛ وكان سنجر أيضا آخر السلاجقة العظام، وقد أكره أكثر من مرة بوصفه رأس الأسرة على امتشاق الحسام ليفرض سلطانه فى فض الخلافات التى كانت تنشب بين أولاد أخيه؛ أما فيما عدا هذا فقد كان قانعا بسيادته على خراسان والولايات الشرقية التى على الحدود؛ وإذا شاء القارئ الوقوف على أنباء قتاله مع الغزنويين وأمراء ما وراء النهر والغوريين والغز فليرجع إلى مادة "سنجر"؛ وقد توفى سنجر دون أن يعقب سنة ٥٥٢ هـ (١١٥٨ م) فانتهى بموته فرع السلاجقة العظام.
وكان قيام السلاجقة فى نظر المسلمين، معناه غلبة المذهب السنى فى جميع الأراضى التى امتد إليها سلطانهم، على المذاهب الشيعية كانت تمكن لنفسها شيئا فشيئا فى عهد البويهيين والفاطميين؛ صحيح أن البويهيين كانوا قد سمحوا للخلافة العباسية أن تستمر فى البقاء بالاسم فى بغداد، على أنه حدث فى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م) أن عمل البساسيرى على ذكر اسم الخليفة الفاطمى فى
стр. 5638
الخطبة فى العراق أيضًا، وقد أكره القائم بأمر اللَّه العباسى على مغادرة بغداد، وأخذت يد السلب والنهب تعمل بقصره فيها بضعة أيام؛ وكان طغرل بك فى أثناء ذلك على صلات وثيقة بالخليفة، وكان مشغولا فى الوقت نفسه بقتاله مع إبراهيم بن إينال، وما إن أخذ إبراهيم أسيرا ثم قتل حتى أعاد طغرل الخليفة إلى بغداد؛ أما فى الفترة التالية، وعلى الأخص فى السنوات الأخيرة من حكم ملك شاه، فقد كان ثمة خلاف مستحكم بين الخليفة والسلطان؛ على أن هذا الخلاف لم يكن يرجع إلى أسباب دينية بل كان يرجع إلى أسباب شخصية (انظر Houstma فى Journal of indian History جـ ٣، ص ١٤٧، ١٠٦) وكان السلاجقة يعتبرون الخليفة بصفته هذه إمام أهل السنة الذين كان من الواجب على السلاجقة أن يدافعوا عنهم بحد السيف، وقد تذرعوا بالشدة فى القضاة على النشاط الخطير الذى كان يقوم به الإسماعيلية، وأيدوا مصالح فقهاء السنية، ولم يكن الفضل فى ذلك لهم بل لوزرائهم، وعلى الأخص نظام الملك ذلك الرجل العظيم، أما هم أنفسهم فكانوا أبعد الناس عن التعصب للإسلام، كما يتضح من إطلاقهم سراح ليبارتيس الذى تقدم بنا ذكره، ثم إطلاق سراح الإمبراطور البوزنطى رومانوس ديوجينس (Romanus Diogenes)، وكما يتبين أيضًا من معاملتهم لرعاياهم من النصارى؛ ويصدق هذا أيضًا على الثناء الذى وجه إلى بعض السلاطين، مثل ملك شاه لرعايتهم للعلم، ومع أن هؤلاء السلاطين لم يصيبوا شيئا من العلم فقد أوتوا القدرة على تقدير قيمة ما حرموا منه، ومن ثم عهدوا بتسيير دفة الأمور فى دولتهم إلى وزرائهم، وكان وزراؤهم كنظام الملك مثلا يحكمون أحيانا حكما لا يحده قيد؛ أما الطريقة التى كان هؤلاء الوزراء يحكمون بها فقد حدثنا عن ذلك نظام الملك نفسه فى مصنفه "سياست نامه"؛ وأما عن الفنون فإنه لم يبق من عمارة السلاجقة شئ يشهده الخلف إلا القليل جدا، ويستثنى من ذلك مرو وحدها، فقد بقى فيها آثار عظيمة من عهد
стр. 5639
سنجر، وإذا شئنا أن نعمم القول وجب علينا أن نعترف بأن سلاطين السلاجقة قد تمكنوا من هداية الغز الغلاظ القلوب الذين كانوا هم أنفسهم شيوخا لهم، فقد استطاعوا فى شئ كثير من البراعة وبعد النظر أن يستغلوا مزايا الحضارة العربية الفارسية ويصطنعونها لمنفعتهم.
٢ - سلاجقة العراق ١١٤٨ - ١١٩٤؛ توفى محمد سنة ٥١١ هـ (١١١٨ م)، فخلفه ابنه الأكبر محمود، وكان غلاما فى الثالثة عشرة من عمره، وغدا سلطانًا على الدولة بأسرها فيما عدا خراسان والولايات الشمالية الشرقية التى على الحدود، فقد كان يحكمها سنجر أخو محمد كما تقدم بنا القول؛ وحمل لقب السلطان بعده ابنه داود ١١٣١ - ١١٣٢، ثم طغرل الأول سنة ١١٣٤ (وقد أخطأ البندارى فقال إنه اعتلى العرش فى مستهل عام ٥٢٨ = ١١٣٣ م، انظر Recueil de textes etc جـ ٢ ص ١٧٢)، ثم مسعود ١١٥٢، ثم ملك شاه الثانى ١١٥٣، فمحمد الثانى ١١٥٩، فسليمان شاه ١١٦١، ثم أرسلان شاه ١١٧٥. فطغرل الثانى ١١٩٤، وكل هؤلاء السلاطين تقريبا قد اعتلوا العرش وهم بعد أحداث، وقد لقوا حتفهم فى سن مبكرة، وكثيرا ما انتهت حياتهم بالقتل، ومن ثم فمن المتعذر علينا أن نقول عن معظمهم إنهم حكموا فعلا، بل إنهم كانوا مجرد أداة فى يد الأتابكة والأمراء التابعين لهم، وقد نشّئ أولاد محمد الأربعة، وهم محمود وطغرل ومسعود وسليمان، على السنّة التركية القديمة، فقد عهد بكل منهم إلى أمير تركى من الأمراء البارزين كان له بمثابة الأب، ومن ثم عرف بـ "الأتابك"، وكانت النتيجة الطبيعية أن كلا من هؤلاء الأتابكة كان يسعى إلى الفوز للأمير الذى كان فى رعايته بلقب السلطان حتى تزيد بذلك هيبته هو، وانتهى الأمر بأن اتصلت الحروب بين الأخوة وكان يحسمها سنجر إلى حين بتدخله لمصلحة واحد من هؤلاء المطالبين بالعرش وإذا أراد القارئ الوقوف على تفاصيل الحروب فليرجع إلى المواد المختلفة على انفرادها فى دائرة المعارف الإسلامية، ويكفينا فى هذا المقام أن نشير إلى أن الخلفاء
стр. 5640
العباسيين اشتركوا أيضا فى هذه الحروب، وأن اثنين من هؤلاء الخلفاء وهما المسترشد والراشد لقيا حتفهما فيها، وقد حدث هذا فى عهد السلطان الباسل مسعود، إلا أن خلفيته محمد الثانى (لم يحمل ملك شاه الثانى لقب سلطان إلا ثلاثة أشهر فقط)، أكره على فك الحصار عن بغداد سنة ٥٥١ هـ (١١٥٧ م)، وأخذ سلطان الخلفاء يقوى بعد هذا مرة أخرى ولم يصبح السلطان السلجوقى يقيم فى بغداد، بل أصبح يقيم فى همذان، وكان هؤلاء السلاطين بوجه عام إنما يحكمون بالاسم فقط منذ زمن بعيد يرجع إلى عهد محمود، وكان الأمراء الترك العظام يملكون معظم الولايات بوصفها إقطاعيات عسكرية؛ وكان السلاطين يعوزهم المال، كما كانوا يفتقرون إلى العدد اللازم من الجنود ليفرضوا سلطانهم إذا أبى الأتابكة الذين كانوا يتبعونهم فى ذلك الوقت تقديم العون لهم؛ وقد عهد السلاطين أيضا إلى الأتابكة بمحاربة أعدائهم الأجانب، مثل الصليبيين فى الشام، على أن الأتابكة كانوا هم أنفسهم مضطرين دائما إلى النضال مع أعدائهم فى الداخل، وقد أفلح هؤلاء الأمراء فى إقامة أسر وراثية، واستقلوا بأمر أنفسهم واتخذوا لقب أتابك مضافا إليه لقب شاه أو ملك، ونذكر من هؤلاء بنى أرتق فى ماردين وحصن كيفا، والأرمنشاهية فى خلاط، وكانوا قد أفلحوا فعلا فى إقامة الأسر الوراثية فى العهد السابق، أما الأتابكة الأسبقون فنذكر منهم بنى زنكى فى الموصل وغيرها من النواحى، والسلغرية فى فارس وأتابكة أذربيجان، وكان أول هؤلاء الأتابكة، واسمه شمس الدين إلدكز، قد تزوج بأرملة طغرل الأول، فلما مات سليمان شاه سنة ١١٦٢ نادى بابن زوجته أرسلان بن طغرل سلطانًا على أنه لم يخوّله شيئا من النفوذ، ثم اتضح فيما بعد أنه سيصبح مصدر خطر فعمد بهلوان بن إلدكز إلى التخلص منه بأن دس له السم وأسند العرش إلى ابنه القاصر طغرل الثانى (٥٧١ هـ = ١١٧٥ م)، فلما شب عن الطوق ومات بهلوان، سعى إلى فرض