← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

قديما لطغرل بك، إما طواعية أو كرها. وما إن حلت سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١/ ٤٢ م) حتى كان أمير جرجان وطبرستان قد خضعا له، وفتحت خوارزم سنة ٤٣٤ هـ (١٠٤٢/ ٤٣ م)، وتلتها أراض أخرى من بلاد فارس الحديثة، وفى سنة ٤٤٠ هـ (١٠٤٨ م) أخذ لبيارتيس Liparites، زعيم الأبخاز، أسيرا، وشنت غارات على آسية الصغرى، وورد اسم طغرل فى الخطبة فى بغداد فى رمضان سنة ٤٤٧ هـ (ديسمبر ١٠٥٥ م)، وقد خاطبه الخليفة "بملك الشرق والغرب" فى محفل عام سنة ٤٤٩ هـ، وكان الخليفة قد تزوج فى ذلك الوقت ابنة جغرى بك أخى طغرل، وقد اعترفت العراق بأسرها، وكذلك الموصل ودياربكر، بسيادة سلطان السلاجقة، وبلغت فتوحات السلاجقة فى عهد ألب أرسلان إلى نهر سيحون، ثم انتقلت آسية الصغرى كلها تقريبا إلى حكم الترك بعد هزيمة الأرمن والبوزنطيين، وأضيفت إليها الشام آخر الأمر، بل إن عدن واليمن فتحتا عام ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م)، وإن كنا لا نستطيع القول بأن السلاجقة قد حكموا بلاد العرب حكما فعليا؛ وقد كانت وفاة ملك شاه فى ذلك السنة نفسها وما نشب من خلاف بين أبنائه على اعتلاء العرش بعد وفاته، وقيام الحروب الصليبية السبب فى وقف فتوحات السلاجقة. أما فيما يتعلق بالبلاد المفتوحة فإن الولاة الذين خضعوا للغز كانوا فى معظم الحالات يستمرون فى الحكم ويؤدون الجزية، على أنه حدث فى كرمان، ثم فى الشام وآسية الصغرى من بعد، أن قام الأمراء الذين فتحوا تلك البلاد من أنفسهم حكاما استقلوا بأمر أقاليمهم ولم يحفلوا بالسلاجقة العظام، بل إنهم شهروا عليهم الحرب (انظر فيما يلى)، وقد حدث ذلك أيضا فى النواحى النائية الأخرى من الدولة التى أقطعها السلاطين -كما فعل ألب أرسلان سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) - إخوانهم وأقاربهم الآخرين، مع فارق واحد وهو أن هؤلاء لم يفلحوا فى إقامة أسر حاكمة؛ وكان حق الحكم، من وجهة النظر التركية، من نصيب الأسرة

стр. 5637

كلها، وكان لأكبر أفراد الأسرة سنا حق معين بوصفه كبير قومه فى أن يقتضى أقاربه الذكور الطاعة له، على أنه لم يكن من الميسور فى أسرة كاسرة السلاجقة لها فروع عدة أن يسود الانسجام بين أعضائها مدة طويلة، بل لقد حدث فى عهد طغرل بك نفسه أن انتقض عليه ابن أخيه إبراهيم بن إينال، فإن كان جغرى بك وببغو، أخوا طغرل بك ظلا على إخلاصهما له، ولعل السبب فى ذلك أن طغرل لم يعقب ولدا ذكرا، وكان خليفته مكرها على قتال قتلمش ابن أرسلان جد سلاجقة الروم. وقد حدث هذا أيضا فى عهد ملك شاه، فبعد وفاته تميز عهد بركيارق، الذى لم يطل كثيرا، بالقتال المتصل بينه وبين عمه تنش وأخيه محمد، ومن ثم فإن دولة السلاجقة العظام كانت تشتمل فحسب على الولايات الشرقية التى كانت تدخل ضمن بلاد الخلفاء القديمة، فيما عدا كرمان؛ وكان مقر حكمهم فى إصفهان وبغداد، ثم مرو فى عهد سنجر. وكان سنجر قد تنازل لأولاد أخيه محمد عن حكم العراق وفارس وخوزستان والولايات الغربية فى مرو؛ وكان سنجر أيضا آخر السلاجقة العظام، وقد أكره أكثر من مرة بوصفه رأس الأسرة على امتشاق الحسام ليفرض سلطانه فى فض الخلافات التى كانت تنشب بين أولاد أخيه؛ أما فيما عدا هذا فقد كان قانعا بسيادته على خراسان والولايات الشرقية التى على الحدود؛ وإذا شاء القارئ الوقوف على أنباء قتاله مع الغزنويين وأمراء ما وراء النهر والغوريين والغز فليرجع إلى مادة "سنجر"؛ وقد توفى سنجر دون أن يعقب سنة ٥٥٢ هـ (١١٥٨ م) فانتهى بموته فرع السلاجقة العظام. وكان قيام السلاجقة فى نظر المسلمين، معناه غلبة المذهب السنى فى جميع الأراضى التى امتد إليها سلطانهم، على المذاهب الشيعية كانت تمكن لنفسها شيئا فشيئا فى عهد البويهيين والفاطميين؛ صحيح أن البويهيين كانوا قد سمحوا للخلافة العباسية أن تستمر فى البقاء بالاسم فى بغداد، على أنه حدث فى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م) أن عمل البساسيرى على ذكر اسم الخليفة الفاطمى فى

стр. 5638

الخطبة فى العراق أيضًا، وقد أكره القائم بأمر اللَّه العباسى على مغادرة بغداد، وأخذت يد السلب والنهب تعمل بقصره فيها بضعة أيام؛ وكان طغرل بك فى أثناء ذلك على صلات وثيقة بالخليفة، وكان مشغولا فى الوقت نفسه بقتاله مع إبراهيم بن إينال، وما إن أخذ إبراهيم أسيرا ثم قتل حتى أعاد طغرل الخليفة إلى بغداد؛ أما فى الفترة التالية، وعلى الأخص فى السنوات الأخيرة من حكم ملك شاه، فقد كان ثمة خلاف مستحكم بين الخليفة والسلطان؛ على أن هذا الخلاف لم يكن يرجع إلى أسباب دينية بل كان يرجع إلى أسباب شخصية (انظر Houstma فى Journal of indian History جـ ٣، ص ١٤٧، ١٠٦) وكان السلاجقة يعتبرون الخليفة بصفته هذه إمام أهل السنة الذين كان من الواجب على السلاجقة أن يدافعوا عنهم بحد السيف، وقد تذرعوا بالشدة فى القضاة على النشاط الخطير الذى كان يقوم به الإسماعيلية، وأيدوا مصالح فقهاء السنية، ولم يكن الفضل فى ذلك لهم بل لوزرائهم، وعلى الأخص نظام الملك ذلك الرجل العظيم، أما هم أنفسهم فكانوا أبعد الناس عن التعصب للإسلام، كما يتضح من إطلاقهم سراح ليبارتيس الذى تقدم بنا ذكره، ثم إطلاق سراح الإمبراطور البوزنطى رومانوس ديوجينس (Romanus Diogenes)، وكما يتبين أيضًا من معاملتهم لرعاياهم من النصارى؛ ويصدق هذا أيضًا على الثناء الذى وجه إلى بعض السلاطين، مثل ملك شاه لرعايتهم للعلم، ومع أن هؤلاء السلاطين لم يصيبوا شيئا من العلم فقد أوتوا القدرة على تقدير قيمة ما حرموا منه، ومن ثم عهدوا بتسيير دفة الأمور فى دولتهم إلى وزرائهم، وكان وزراؤهم كنظام الملك مثلا يحكمون أحيانا حكما لا يحده قيد؛ أما الطريقة التى كان هؤلاء الوزراء يحكمون بها فقد حدثنا عن ذلك نظام الملك نفسه فى مصنفه "سياست نامه"؛ وأما عن الفنون فإنه لم يبق من عمارة السلاجقة شئ يشهده الخلف إلا القليل جدا، ويستثنى من ذلك مرو وحدها، فقد بقى فيها آثار عظيمة من عهد

стр. 5639

سنجر، وإذا شئنا أن نعمم القول وجب علينا أن نعترف بأن سلاطين السلاجقة قد تمكنوا من هداية الغز الغلاظ القلوب الذين كانوا هم أنفسهم شيوخا لهم، فقد استطاعوا فى شئ كثير من البراعة وبعد النظر أن يستغلوا مزايا الحضارة العربية الفارسية ويصطنعونها لمنفعتهم. ٢ - سلاجقة العراق ١١٤٨ - ١١٩٤؛ توفى محمد سنة ٥١١ هـ (١١١٨ م)، فخلفه ابنه الأكبر محمود، وكان غلاما فى الثالثة عشرة من عمره، وغدا سلطانًا على الدولة بأسرها فيما عدا خراسان والولايات الشمالية الشرقية التى على الحدود، فقد كان يحكمها سنجر أخو محمد كما تقدم بنا القول؛ وحمل لقب السلطان بعده ابنه داود ١١٣١ - ١١٣٢، ثم طغرل الأول سنة ١١٣٤ (وقد أخطأ البندارى فقال إنه اعتلى العرش فى مستهل عام ٥٢٨ = ١١٣٣ م، انظر Recueil de textes etc جـ ٢ ص ١٧٢)، ثم مسعود ١١٥٢، ثم ملك شاه الثانى ١١٥٣، فمحمد الثانى ١١٥٩، فسليمان شاه ١١٦١، ثم أرسلان شاه ١١٧٥. فطغرل الثانى ١١٩٤، وكل هؤلاء السلاطين تقريبا قد اعتلوا العرش وهم بعد أحداث، وقد لقوا حتفهم فى سن مبكرة، وكثيرا ما انتهت حياتهم بالقتل، ومن ثم فمن المتعذر علينا أن نقول عن معظمهم إنهم حكموا فعلا، بل إنهم كانوا مجرد أداة فى يد الأتابكة والأمراء التابعين لهم، وقد نشّئ أولاد محمد الأربعة، وهم محمود وطغرل ومسعود وسليمان، على السنّة التركية القديمة، فقد عهد بكل منهم إلى أمير تركى من الأمراء البارزين كان له بمثابة الأب، ومن ثم عرف بـ "الأتابك"، وكانت النتيجة الطبيعية أن كلا من هؤلاء الأتابكة كان يسعى إلى الفوز للأمير الذى كان فى رعايته بلقب السلطان حتى تزيد بذلك هيبته هو، وانتهى الأمر بأن اتصلت الحروب بين الأخوة وكان يحسمها سنجر إلى حين بتدخله لمصلحة واحد من هؤلاء المطالبين بالعرش وإذا أراد القارئ الوقوف على تفاصيل الحروب فليرجع إلى المواد المختلفة على انفرادها فى دائرة المعارف الإسلامية، ويكفينا فى هذا المقام أن نشير إلى أن الخلفاء

стр. 5640

العباسيين اشتركوا أيضا فى هذه الحروب، وأن اثنين من هؤلاء الخلفاء وهما المسترشد والراشد لقيا حتفهما فيها، وقد حدث هذا فى عهد السلطان الباسل مسعود، إلا أن خلفيته محمد الثانى (لم يحمل ملك شاه الثانى لقب سلطان إلا ثلاثة أشهر فقط)، أكره على فك الحصار عن بغداد سنة ٥٥١ هـ (١١٥٧ م)، وأخذ سلطان الخلفاء يقوى بعد هذا مرة أخرى ولم يصبح السلطان السلجوقى يقيم فى بغداد، بل أصبح يقيم فى همذان، وكان هؤلاء السلاطين بوجه عام إنما يحكمون بالاسم فقط منذ زمن بعيد يرجع إلى عهد محمود، وكان الأمراء الترك العظام يملكون معظم الولايات بوصفها إقطاعيات عسكرية؛ وكان السلاطين يعوزهم المال، كما كانوا يفتقرون إلى العدد اللازم من الجنود ليفرضوا سلطانهم إذا أبى الأتابكة الذين كانوا يتبعونهم فى ذلك الوقت تقديم العون لهم؛ وقد عهد السلاطين أيضا إلى الأتابكة بمحاربة أعدائهم الأجانب، مثل الصليبيين فى الشام، على أن الأتابكة كانوا هم أنفسهم مضطرين دائما إلى النضال مع أعدائهم فى الداخل، وقد أفلح هؤلاء الأمراء فى إقامة أسر وراثية، واستقلوا بأمر أنفسهم واتخذوا لقب أتابك مضافا إليه لقب شاه أو ملك، ونذكر من هؤلاء بنى أرتق فى ماردين وحصن كيفا، والأرمنشاهية فى خلاط، وكانوا قد أفلحوا فعلا فى إقامة الأسر الوراثية فى العهد السابق، أما الأتابكة الأسبقون فنذكر منهم بنى زنكى فى الموصل وغيرها من النواحى، والسلغرية فى فارس وأتابكة أذربيجان، وكان أول هؤلاء الأتابكة، واسمه شمس الدين إلدكز، قد تزوج بأرملة طغرل الأول، فلما مات سليمان شاه سنة ١١٦٢ نادى بابن زوجته أرسلان بن طغرل سلطانًا على أنه لم يخوّله شيئا من النفوذ، ثم اتضح فيما بعد أنه سيصبح مصدر خطر فعمد بهلوان بن إلدكز إلى التخلص منه بأن دس له السم وأسند العرش إلى ابنه القاصر طغرل الثانى (٥٧١ هـ = ١١٧٥ م)، فلما شب عن الطوق ومات بهلوان، سعى إلى فرض

стр. 5641

سلطانه، ولكنه لم يكن كفؤا لقزل أرسلان خليفة بهلوان بالرغم من أنه أوقع الهزيمة بجند الخليفة حليف قزل فى دايمرك ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م) وأسره قزل أرسلان ولكن حريته ردت إليه بعد موت قزل، إلا أنه ما لبث أن قتل فى حرب قامت بينه وبين تكش شاه خورزام (٥٩٠ = ١١٩٤ م) بعد ذلك بوقت قصير. ٣ - سلاجقة كرمان: ١٠٤١ - ١١٨٦، كان جد هذا الفرع من السلاجقة ومنشئ دولتهم قاورد قرده أرسلان بك، أحد أبناء جغرى بك، وكان قاورد قد ذهب إلى كرمان مع قومه الغز حوالى سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م)، واحتل بعد بضع سنوات (٤٤٠ = ١٠٤٨/ ٤٩ م) القصبة بردسير، ثم أشهر حروبا أخرى بدافع من نفسه هو على الشبانكارية وعلى "القف" فى كرمسير (منطقة الساحل الحارة)، بل أصبح اميرا لعمان دون أن يحفل كثيرا بطغرل بك، ولما اعتلى ألب أرسلان أخو طغرل بك عرش السلاجقة، حاول قاورد (٤٥٩ = ١٠٦٧ م) الظهور بمظهر الأمير المستقل برأسه، إلا أنه أذعن لألب أرسلان عندما هرع ألب بشخصه إلى كرمان لإكراهه على الطاعة، وقد ظن عند وفاة ألب أرسلان، أنه هو صاحب الحق فى عرش السلاجقة، ولعل الذى دفعه إلى ذلك أنه كان أكبر أعضاء الأسرة سنا، فقاد جيشه لقتال ملك شاه ولكنه منى بهزيمة نكراء فى جوار همذان، وأخذ أسيرا ثم قتل بعد ذلك خنقا (١٠٧٤ = ١٠٧٤ م)، وسار الفائز فى الحرب أيضا إلى بردسير حيث كان كرمان شاه ومن بعده سلطان شاه، ولدا قاورد، قد توليا الحكم نيابة عن أبيهما، ولكن ملك شاه رجع عن بردسير عندما أظهر سلطان شاه خضوعه له وترك أملاك أبيه فى حوزته، وقد ظل سلطان شاه فى الحكم حتى سنة ٤٧٧ هـ (١٠٨٤ م) وأعقبه توران شاه سنة ١٠٩٧، فإيران شاه سنة ١١٠٠ (١١٠١)، فأرسلان شاه سنة ١١٤٢، فمحمد سنة ١١٨٦؛ وكانت نهاية الأسرة على يد جيش من

стр. 5642

الغز هبطوا البلاد، ذلك أن الغز بعد هزيمة سنجر نزلوا كالطوفان المدمر على ولايات فارس، وكانوا يذهبون إلى حيث كان ضعف السلطان يزين لهم الحصول على غنائم عظيمة، وكانت مهمتهم سهلة فى كرمان، فقد كانت الفوضى قد أتت عليها أو كادت فى عهد آخر السلاجقة، فهزموا توران شاه الذى سار لملاقاتهم، وشرعوا ينهبون فى طول البلاد وعرضها وقتل توران شاه وخلفه محمد شاه، وسرعان ما وجد محمد نفسه مكرها على مغادرة البلاد للاستنجاد بالأمراء المجاورين، إلا أنهم لم ينجدوه؛ ثم أصبح أمير من الغز، يدعى ملك دينار، سيدا على كرمان. ٤ - سلاجقة الشام, ١٠٧٨ - ١١١٧: خضع نصر الحلبى المروانى لألب أرسلان سنة ٤٦٣ هـ (١٠٧٠/ ٧١ م)، ثم غزا جيش من التركمان تحت إمرة أتسز بن أبق (أو أوق) فلسطين، واستولوا على الرملة وبيت المقدس وعلى سائر نواحى فلسطين فيما عدا عسقلان، حيث صمد لهم الفاطميون؛ ثم ولى أتسز وجهه شطر دمشق، بيد أنه لم يستطع الاستيلاء عليها إلا فى سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٦ م) وقد باء بالفشل أيضا فى محاولته غزو مصر فى السنة التالية، ذلك أن القائد الفاطمى بدر الجمالى هزمه شر هزيمة ثم ضيق عليه الخناق فى الشام تضييقا شديدا حتى استنجد أتسز بتتش بن ألب أرسلان، فجاء إلى الشام عام ٤٧٠ هـ وسلمه مدينة دمشق (٤٧١ = ١٠٧٨ م)، وقتل تتش أتسز بعدئذ، وأصبح هو نفسه أمير المدينة، وكذلك باءت بالفشل محاولة بذلت للاستيلاء على حلب، بل أن أمير هذه المدينة مسلم بن قربش العقيلى هاجم تتش فى دمشق (٤٨٥ هـ = ١٠٨٢ م)، وعندما اشتبك مسلم فى القتال مع سليمان سلجوق آسية الصغرى، هرع ملك شاه بنفسه إلى حلب وأقام أقسنقر جد بنى زنكى فيها، أميرا عليها، مما أثار حقد تتش إثارة عظيمة، وكان فى الوقت نفسه قد تخلص من منافسه على تلك

стр. 5643

المدينة فى وقعة جرت فى عين سلم (سَيْلَم) وهى لا تبعد كثيرا عن حلب (٤٧٩ هـ = ١٠٨٦ م)، حيث لقى سليمان حتفه، وإنما استطاع تتش بعد موت ملك شاه (٤٨٥ هـ = ١٠٩٢ م)، أن يشبع طموحه وأن يشرع فى فتوحاته العظيمة، بل أن يدعى بالحق فى عرش السلطنة مناضلا بذلك ابن أخيه بركيارق، حتى منى آخر الأمر بالهزيمة عام ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م)، وسقط فى ميدان المعركة، ثم أصبح ابنه رضوان أمير حلب، وأصبح ابن آخر من أبنائه يقال له دقاق أمير على دمشق (أما الإشارة التى وردت فى أبى المحاسن، طبعة بوبر Popper, جـ ٢، ص ٣٤٤، من أن دقاق هذا هو دقماق فمخطئة)، إلا أن المنية عاجلت دقاق فتوفى سنة ٤٩٧ هـ (١١٠٤ م)، بيد أن السلطان الفعلى كان فى يد وزيره الأتابك طغتكين، الذى أمر بعدئذ بأن تكون الخطبة إلى حين باسم طفل رضيع، ثم باسم أخ لدقاق يسمى أرتاش (وقد ورد فى ابن الأثير باسم بكتاش)، واستقل آخر الأمر بنفسه، وأنشأ دولة بنى بورى. ومات رضوان أمير حلب سنة ٥٠٧ هـ (١١١٤ م) وتبعه ابنه ألب أرسلان، الذى قتله خادمه لؤلؤ بعد وفاة أبيه بمدة وجيزة، وعمل لؤلؤ على أن ينادى بأخيه سلطان شاه سلطانًا على المدينة، ولكنه قتل هو نفسه سنة ٥١١ هـ (١١١٧ م) ثم سلم المدينة إلى إيلغازى أهلها، وهكذا انتهى حكم السلاجقة. ٥ - سلاجقة آسية الصغرى (الروم) ١٠٧٨ - ١٣٠٢: إن جد هذه الدولة ومنشئها هو سليمان بن قتلمش بن أرسلان (إسرائيل) بن سلجوق وكان أبوه قتلمش من أبطال السلاجقة الذين عملوا تحت إمرة طغرك بك، ولكنه انتقض من بعد على ألب أرسلان، وانتهى به الأمر إلى أن سقط فى ميدان المعركة قرب الرى (٤٥٦ هـ = ١٠٦٤ م)؛ وجاء سليمان نفسه إلى آسية الصغرى بعد وقعة ملازكرد الكبرى سنة ١٠٧١ م (منى فيها البوزنطيون "الروم" بهزيمة منكرة ووقع إمبراطورهم فى الأسر

стр. 5644

إبانها) وكان شأنه فى هذا شأن كثير من أمراء الترك الذين كانوا يذهبون إلى آسية الصغرى للقيام بفتوحات جديدة وإقامة مملكة وقد أفلح فى غرضه لأنه كان أميرا من أمراء البيت المالك، ومن ثم نجده أميرا على نيقية حوالى سنة ١٠٧٧ م حين بدا أن الصراع حول العرش البوزنطى قد هيأ له فرصة عظيمة ليلعب دورا بارزا فى الحوادث، ولكن هذا الأمل خاب باعتلاء ألكسيوس كومنينوس (Alexius Comnemus) العرش، فاتجه صوب الشرق وانتزع مدينة أنطاكية من فيلا ريتوس (Philaretus) الأرمنى سنة ٤٧٧ هـ (١٠٨٥ م) ومن ثم وقع القتال بينه وبين مسلم بن قريش، فقهره وانتهى الأمر بوفاة مسلم، ثم وقع القتال بينه وبين تتش مما أدى إلى موته فى السنة التالية (١٠٨٦)، وكان من شأن هذه الأحداث أن أكره ملك شاه على تجشم مشاق السفر إلى حلب ليعمل على استتاب الأمر فيها وفى غيرها من المدن، كأنطاكية والرهاء، وقد أخذ معه فى عودته قلج أرسلان بن سليمان، ولم يعد قلج إلى آسية الصغرى إلا فى عهد بركيارق بعد موت ملك شاه. ونحن لا نجد من المعلومات فى المصادر العربية إلا النزر اليسير عن الأحداث التى وقعت فى تلك الفترة فى آسية الصغرى، ومن هنا يجب علينا أن نعتمد على الأصول البوزنطية والشامية والأرمنية، ولا نستطيع أن نتناولها بالبحث فى هذا المقام؛ وليس هذا موضع الكلام عن تاريخ قلج أرسلان وخلفائه، ومن ثم نحيل القارئ إلى المواد الخاصة بكل منهم، ونكتفى هنا بذكر أسمائهم ومدد حكمهم: قلج أرسلان الأول سنة ١١٠٧ - ملك شاه ومسعود سنة ١١٥٥ - قلج أرسلان الثانى سنة ١١٩٢ (فترة خلو العرش من السلطان، انظر ما يلى) - ركن الدين سليمان الثانى سنة ١٢٠٤ - قلج أرسلان الثالث وغياث الدين كيخسرو الأول ١٢١٠ - عز الدين كيكاوس الأول سنة ١٢١٩ - علاء الدين كيقباد ١٢٣٧ - عز الدين كيخسرو الثانى ١٢٤٥ -

стр. 5645

عز الدين كيكاوس الثانى (ودام حكمه بضع سنوات مع أخويه) سنة ١٢٥٦ - ركن الدين قلج أرسلان الرابع ١٢٦٦ - غياث الدين كيخسرو الثالث سنة ١٢٨٤ - غياث الدين مسعود الثانى وعلاء الدين كيقباد الثالث حتى سنة ٧٠٢ (١٣٠٢ م). وقد عانت دولة هؤلاء السلاجقة كثيرا من تصاريف الدهر، فقد بدأ للأعين أكثر من مرة أن سقوطها وشيك، ولكنها كانت لا تلبث أن تحيا مرة أخرى حتى ذهبت ريحها آخر الأمر بعد أن غزاها المغول، فانهارت انهيارا تاما، وخسر السلاجقة نيقية قصبة سليمان فى الحرب الصليبية الأولى سنة ١٠٩٧، ولم تعد إلى حظيرة السلاجقة قط، وهكذا انتهى حكم الترك فى غرب آسية الصغرى بأسره، ذلك أن البوزنطيين استطاعوا فى عهد أسرة كومنينوس أن يخضعوا هذه المنطقة لسلطانهم، وتمكنوا من أن يحتفظوا بها طوال حكم السلاجقة، وقد عزلت إمارتا أنطاكية والرهاء النصرانيتان السلاجقة الذين كانوا يقيمون فى الجنوب الشرقى عن بقية العالم الإسلامى، وكانت هاتان الإمارتان قد أنشئتا منذ عهد قريب، وكذلك عزلهم قيام مملكة أرمينية الصغرى، وإنما بقى قلب آسية الصغرى وحده تقريبا فى أيدى السلاجقة، على أنهم فى هذا المكان نفسه لم يستأثروا بالحكم فقد كان لهم منافسون خطرون فى شخص الدانشمندية، وقد انتهت هجمة قلج أرسلان صوب الموصل نهاية غير حميدة، ذلك أنه لقى حتفه قبل الأوان، وكان ابنه مسعود هو أول من أفلح فى إقامة دولة فى قونية ثابتة الأركان، وذلك بعد أن قهر أخوته وبسط سلطانه شيئا فشيئا، وواصل خليفته قلج أرسلان الثانى عمله وأكره الدانشمندية على الخضوع لحكمه بالرغم من أن نور الدين القوى الشكيمة كان يظاهرهم، وكذلك لم يفشل فى حروبه مع البوزنطيين، بل أفلح فى أن ينزل بالأمبراطور مانويل (Manuel) ضربة شديدة فى جوار موريو كيفالون Muriokephalon (ممر جردك) سنة ٧٥٢ (١١٧٦ م)، بيد أن السن تقدمت به

стр. 5646

فأصبح ألعوبة فى أيدى أبنائه الكثيرين، فتولى كل منهم حكم ناحية من النواحى، أضف إلى هذا أن الصليبيين غزوا أراضيه، بل استولوا على قونية قصبة بلاده (١١٩٠ م) ثم وافته المنية بعد ذلك بقليل (١١٩٢ م)، وهو فى صحبة ابنه الأصغر غياث الدين كيخسرو وترك مملكته نهبا للفوضى، ذلك أن أبناءه كانوا يتقاتلون فيما بينهم، وانتهى الأمر بأن أفلح أحدهم، وهو ركن الدين سليمان، فى التغلب على أخوته وانتزع أرضروم من السلتقية، ثم وهب هذه المدينة لأخيه طغرل شاه الذى حكمها حتى توفى سنة ١١٢٥ بوصفه أميرا مستقلا برأسه، وجعل السكة تضرب باسمه هو، إلا أن كيقباد الأول خلع جهان شاه بن طغرل شاه عن العرش إبان الحرب التى اشتعلت بين كيقباد وجلال الدين شاه خوارزم، وضمت مملكته إلى أملاك الفائز، وأشهر ركن الدين حربا فاشلة على سكان بلاد الكرج مات بعدها، فخلفه على العرش أخوه غياث الدين، وكان قد ساح كثيرا فى البلاد، واستقر به المقام آخر الأمر بين الروم، وقد حدث هذا قرابة الوقت الذى كانت دولة اللاتين فى سبيلها إلى الظهور ببوزنطة. وقد هيأ له هذا الظرف الفرصة لبسط سلطان السلاجقة، واستولى سنة ١٢٠٧ على ثغر أنطالية الكبير الشأن، واستولى خليفته عز الدين كيقاوس على سينوب أيضا، وهكذا فتحت الدولة التركية أبوابها للتجارة العالمية، فأنشئت العلاقات بينها وبين الجمهوريات التجارية الإيطالية، وعظمت حركة تصدير منتجات الإقليم ذات القيمة، وازدادت التجارة العابرة مع أرمينية الصغرى زيادة عظيمة، وأصبحت "تركية" فى ذلك العهد تعد أغنى بقاع الأرض طرًا، وتعهد أمير نيقية وأطرا بزندة وملوك أرمينية الصغرى فى صقلية بأن يؤدوا الجزية طوعا أو كرها، وسلم بنو أرتق والأيوبيون الذين كانوا يقيمون فى مدن التخوم على الحد الجنوبى الشرقى بسلطان السلاجقة فى سكتهم وفى الخطبة، وتنافس السلاطين وأمراؤهم

стр. 5647

العظام فى إقامة العمائر والمساجد والمدارس والجسور ومحطات القوافل البديعة. وصفوة القول أن دولة السلاجقة مرت بعصر مجيد لم يكن لآسية الصغرى به عهد منذ قرون طويلة. على أن هذا العصر لم يخل من المساوئ، فقد عاش الحكام عيشة بذخ وترف انتهت بضعفهم وتخنثهم حتى أثاروا عليهم سخط الطبقات الدنيا وحنق أهل الورع والتقوى، بل إن كيقاوس الأول وكيقباد الأول، على قدرتهما وعلو همتهما، لم يجدا بدا فى سبيل تحقيق مشروعاتهما العسكرية من الاستعانة بالمرتزقة من الأجانب واليونان والأرمن والعرب، وازداد الاعتماد على هؤلاء المرتزقة عندما اعتلى كيخسرو الثانى التافه الشأن عرش البلاد سنة ١٢٣٧، وكان الطوفان المغولى قد بلغ فى الوقت نفسه حدود آسية الصغرى؛ وسقطت أرزن الروم (أرضروم) ذلك الحصن الواقع على الحدود قبل أن يشرع المغول فى غزوتهم، ومنى الجيش التركى بعد ذلك بهزيمة ساحقة فى كوزاداغ (١٢٤٣)، ومن ثم بت فى مصير الدولة صحيح أن الصلح قد عقد ومنح السلطان مظهرا من مظاهر الاستقلال على أن يؤدى جزية كبيرة، إلا أن ثروة البلاد كانت تثير دائما جشع المغول فتدفعهم إلى غزوات جديدة كانوا يتذرعون فى سبيل القيام بها بوجود صراع بين أولاد كيخسرو على اعتلاء العرش، وانتهى الأمر بأن قسمت الدولة قسمين فى عهد هولاكو، فأصبح عز الدين يحكم الأراضى التى على جانب من نهر قزل إيرمق، فى حين أخذ ركن الدين يحكم الأراضى التى على الجانب الآخر للنهر. فلما عمد عز الدين إلى مفاوضة المماليك المصريين فى السر، وكانوا أعداء المغول الألداء، وضع المغول فى الحال حدا لحكمه وأكره على الالتجاء إلى بوزنطة، وانفرد ركن الدين بالحكم بعد ذلك، ولكن السلطان الفعلى كان فى يد معين الدين سليمان الذى تلقب بلقب يروانه بوصفه عاملا من عمال المغول؛ عندما أضحى ركن الدين مصدر تعب

стр. 5648

له عمل على إقصائه من طريقه سنة ١٢٦٦ حتى يستطع أن يحكم مطلق اليد أكثر من ذى قبل باسم غياث الدين، ابن ركن الدين الرضيع، وأخذ الترك فى الوقت نفسه فى الانتقاض على المغول فى لرندة وفى غيرها من النواحى، ومن ثم استنجد بعض بكوات الترك بيبرس سلطان المماليك، وأشاروا عليه بأن ينفذ حملة إلى آسية الصغرى فيجد أهل البلاد جميعا فى صفه، وذلك إذا قدر له أن يوقع الهزيمة بالجيش المغولى المرابط فى البلاد، ووافق بيبرس على ذلك، وهزم المغول فى وقعة ألبستان الدامية، وتقدم حتى بلغ قيصرية (١٢٧٧) ولكن بروانه هو والسلطان ظلا بعيدين أحدهما عن الآخر ولم يحرك الناس ساكنا، فاضطر بيبرس إلى الرجوع من حيث أتى بسبب افتقاره إلى الزاد، وترك الأمور على حالتها التى كانت عليها من قبل. وقد حدث بعد هذا بقليل أن ظهر أباقا فى آسية الصغرى وانتقم شر انتقام من الترك الذين كانوا فى ظنه قد تآمروا مع المصريين، وكذلك دفع بروانه حياته ثمنا لتوانيه وكسله وأضحى الحكم المغولى بعد ذلك أشد صرامة، وأقر عمال الأموال من قبل المغول الضرائب التى كان يستخدم جلها فى الإنفاق على الجيش المرابط فى البلاد، ولم يبق لسلاطين السلاجقة الذين ضربت أسماؤهم على السكة حتى سنة ٧٠٢ هـ (١٣٠٢ م) نفوذ يذكر، وكان أمراء الترك يثيرون الشغب، وشرهم فى ذلك بنوقره مان وبنو أشراف، إلا أن الأميرين المغوليين كنكقرطاى وكيخاتو سارا إليهم على رأس حملات تأديبية صارمة وأخضعوهم أكثر من مرة، بيد أنهم كانوا يعودون ثانية إلى مكانهم ويقيمون إمارات مستقلة، وانتهى الأمر بأن تقلص سلطان المغول. وهكذا قام على أنقاض دولة السلاجقة اثنتا عشرة أسرة تركمانية (انظر فيما يتصل بها المواد المستقلة من هذه الدائرة)، أما آخر أحفاد أسرة السلاجقة الذين ورد ذكرهم فى التاريخ فنجدهم فى سينوب وربما فى علاية، وقد نفى قلج أرسلان

стр. 5649

ابن لطفى بك، الذى استسلم سنة ٨٧٦ هـ (١٤٧١ - ١٤٧٢ م) للقائد العثمانى كدك أحمد باشا والى استانبول هو وأفراد أسرته جميعا، وأقطعة السلطان "كومولجنة" تيمارا له، ولكنه هرب بعدئذ إلى مصر، ولعله كان يمت بصلة إلى أسرة الحكام الأقدمين. المصادر: انظر عن مصادر تاريخ السلاجق: Prolegomena zu einer Ausgabe der im B.M. zu London uerwahrten Chronik des seldschukischen Reiches: K. Sussheim, ليبسك ١٩١١، ويجدر بنا أن نذكر أول ما نذكر ملخصات التواريخ العامة لابن الأثير؛ سبط بن الجوزى: مرآة الزمان نسخة طبق الأصل طبعة J.R.Jeweth، شيكاغو ١٩٠٧، السنوات ٤٩٥ - ٦٥٤؛ ابن العبرى (أخبار السريان والعرب)؛ أو الفداء؛ ابن خلدون؛ حمد اللَّه المستوفى؛ تأريخ كزيده للقزوينى (نسخة طبق الأصل طبعة E.G Browne، ليدن ولندن ١٩١٠)، وقد أخذ منه Histoire des Seldioukides et des lsmaeliens etc بقلم Defremery فى J. A؛ روضة الصفاء: لميرخواند، وقد أخذ عنها Mirchond's Gesdhichte der Seldschuken طبعة Vulleers كييسن Giesson ١٨٣٨؛ حبيب السير لخواندمير، وهو مطبوع على الحجر، طهران ١٢٧١، وبومباى ١٢٧٣؛ صحائف الأخبار لمنجمم باشى، إستانبول ١٢٨٥؛ وللمؤلف نفسه مصنف بالعربية أوفى وأعم ولكنه مخطوط. تواريخ خاصة: Recueil de textes relatifs a L'histoire des Seldioucides Houtsma، طبعة، ليدن ١٨٨٦ - ١٩٠٢، ويحتوى المجلد الأول منه على تاريخ سلاجقة كرمان لمحمد بن إبراهيم، ويشتمل المجلد الثانى على ملخصات البندارى لمصنف عماد الدين المسمى "نصرة الفترة وعصرة الفطرة"، واشتمل المجلدان الثالث والرابع على الترجمة التركية والنص الفارسى لموجز ابن بيبى فى تاريخ سلاجقة آسية الصغرى؛ راحة الصدور وآيات السرور للراوندى، طبعة محمد إقبال، ليدن

стр. 5650

١٩٢١؛ الغراضة فى الحكايات السلجوقية للحسبنى طبعة K.Sussheim، القاهرة ١٣٢٦ = ١٩٠٨ م ونذكر من التواريخ الإخبارية للأسر المعاصرة المهم منها وهو تاريخ البيهقى إلى آخره، طبعة W.H.Morley، كلكته ١٨٦٢؛ تاريخ يمينى للعتبى، طبعة مولوى مملوك العلى وشبرنكر Sprenger, دلهى ١٧٤٧، ومع شروح من وضع المنبنى، القاهرة ١٢٨٦؛ تاريخ دمشق لابن القلانسى طبعة ١٩٠٨؛ li.F.Amedeoz ليدن زبدة الحلب من تاريخ حلب لكمال الدين، ترجمة فرنسية لجزء منه بقلم. E. Blochet، باريس ١٩٠٩، وأجزاء أخرى فى المجلد الثالث من Histoire orientaux des Croisades؛ كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين لأبى شامة، القاهرة ١٢٨٧ و ١٢٩٢؛ Histoire des Mongols لرشيد الدين، جـ ٢، طبعة E.Bilnchet، ليدن ولندن ١٩١١؛ تاريخ جهانكشا للجوينى، طبعة ميرزا محمد القزوينى، ليدن ولندن ١٩١٢ - ١٩١٦؛ السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزى، ترجمة فرنسية بقلم Quatremere، باريس ١٨٣٧ - ٤٤، وبقلم E.Blochet، باريس ١٩٠٨؛ النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة لأبى المحاسن، طبعة W.Popper (مطبوعات جامعة كاليفورنيا فى فقه اللغات السامية: Universify of Califor nia Publications in Semitic philology، جـ ٢، ١٩٠٩ و ١٩١٠)؛ سير بعض السلاطين والوزراء فى الوفيات لابن خلكان؛ وانظر أيضا سياست نامه لنظام الملك، طبعة Schefer، باريس ١٨٩١، وذيلها، باريس ١٨٩٧. ومن المصنفات ذات الأهمية الخاصة فى تاريخ سلاجقة آسية الصغرى والشام: Chronique de Michel le Syrien، طبعة وترجمة J. B. Chabot، باريس ١٨٩٩ - ١٩١٠؛ Chronique de Matthieu d'Edesse: E. Dulaurier, باريس ١٨٥٨؛ Histoire de la Georgie: M. Brosset؛ وكذلك مؤرخو الصليبيين والدولة البوزنطية: Vincentius Bellovocensis: Speculum Historiale، الكتابان ٣٠ و ٣١.

стр. 5651

السكة والنقوش والفنون: انظر عن سكة السلاجقة الجداول المشهورة التى وضعها Lane-Poole و Dorn وغالب بك وأحمد توحيد وغيرهم؛ وتجد النقوش فى Reise in Kleinasien: M. Sarre، برلين ١٨٩٦؛ Epigraphi arabe de L'Asie Mineure: CL. Huart فى Revue Semit، جـ ٢ و ٣: J. H Loytued: Kania infschriften der seldsch. Bauten, برلين ١٩٠٧، Materiaux pour un corpus inscr. arab: V. Berchem, جـ ٣، القاهرة ١٩١٠ وكثير من المواد المبعثرة بقلم المؤلف نفسه، قيصرية شهرى مبانى إسلامية وكتابلرى لخليل أدهم، استانبول ١٣٣٤. ومواد أخرى بقلمه وقلم أحمد توحيد وغيرهما فى historique Merwa؛ Revue Razva lini starago: Zukovski، سانت بطرسبرغ ١٨٩٤، Denkmaler der persischen BauKunst: Sarre، برلين ١٩١٠. وانظر أيضًا مصنفات H. Saladin و G. Migeon Strzygowski,E.Diezs Woerman, وغيرهم، ومنذ أن أصدر Degnignes مصنفه Histoire genfrale des Huns, des Turcs, des Mogols et des autres Tartares occidentauxetc ١٧٥٦ - ١٧٥٨, (الكتابان ١٠ و ١١)، لم يبحث عالم أوربى بحثًا خاصًا فى تاريخ السلاجقة وإن كانت كتب التاريخ التى ألفها Muir و Weil و A.Muller و d'Ohsson و Howorth و Barthold وغيرهم تشتمل على معلومات كثيرة فى هذا الموضوع. ومما له شأن خاص فى التواريخ المبكرة لهذه الأسرة مقدمة كزمرسكى Kazimirski السابق الإشارة إليها لطبعته لديوان منوجهرى. وانظر فيما يتعلق بسلاجقة كرمان موجز Houtsma (نقلا عن Recueil، جـ ١) فى Z.D.M.G، جـ ٣٩، ص ٣٦٢ - ٤٠٢؛ وانظر فيما يتصل بتاريخ سلاجقة الروم، إلى جانب مصنفات Huart و van Berchem وخليل أدهم وغيرهم: ترك تاريخى لنجيب عاصم، ص ٤٠٥ - ٤٤٥؛ Konia, la ville des derviches tourneurs: Huart، باريس ١٨٩٧؛ المؤلف نفسه: Ies Saints des derviches tourneurs، باريس ١٩١٧ - ١٩٢٢.

стр. 5652

السلام مصدر الفعل سلم، ويستعمل اسما بمعنى "الأمان والعافية والتسليم والتحية" (وانظر فى شأن أقوال فقهاء اللغة العرب الأقدمين: لسان العرب جـ ١٥، ص ١٨١ - ١٨٣، وفى مواضع مختلفة منه). ويرد هذا اللفظ كثيرا فى القرآن الكريم وخاصة فى السور التى تنسب إلى العهدين المكيين الأول والثانى. وأقدم آية ورد فيها لفظ السلام هى الآية الخامسة من سورة القدر حيث قيل فى ليلة القدر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. . وقد ورد أيضا بهذا المعنى فى الآية ٣٣ من سورة ق (١)، والآية ٣٦ من سورة الحجر (٢)، والآية ٦٩ من سورة الأنبياء، والآية ٥٠ من سورة هود (٣). والسلام معناه السلامة فى الدارين. وهو يستعمل بهذا المعنى فى عبارة "دار السلام" أى الجنة (الآية ٢٦ من سورة يونس (٤)؛ والآية ١٢٧ من سورة الأنعام)، ويرد فى الآية ١٨ من سورة المائدة (٥) المدنية التى تخاطب أهل الكتاب العبارة "سبل السلام" أى طرق السلامة من العذاب (انظر سفر أشعيا الإصحاح ٥٤، الآية ٨: دارك شالوم). على أن لفظ "السلام" يغلب استعماله فى القرآن صيغة من صيغ التحية. ومن ثم نجد فى الآية ٩٠ من سورة الواقعة (٦)، وهى من سور العهد المكى الأول، أن من كان من أصحاب اليمين يحييه إخوانه من أصحاب اليمين قائلين "سلام اللَّه" (فى قول البيضاوى؛ وانظر عن التفاسير الأخرى لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٤، ص ٨ وما بعده؛ ) و"سلام" (سورة يس، الآية، الآية ٥٨؛ سورة إبراهيم، الآية ٢٨ (٧)، سورة يونس، الآية ١٠، سورة الأحزاب، الآية ٤٣) (٨) أو "سلام عليكم" (سورة

стр. 5653

النحل، الآية ٣٤؛ (١) سورة الزمر، الآية ٧٣؛ سورة الرعد، الآية ٢٤) هى التحية التى توجه إلى أصحاب النعيم فى الجنة أو عند دخولهم (انظر أيضًا سورة الحجر، الآية ٧٥) (٢). أما "سلاما سلاما" الذى ورد فى الآية ٢٥) (٣) من سورة الواقعة (وقرئ سلامٌ سلامٌ، انظر سورة مريم الآية ٦٣) (٤) فالمفروض أن المقصود به أيضًا النداء باليمن والبركة (انظر التفاسير الأخرى فى البيضاوى). وأولئك الذين على الأعراف ينادون أصحاب الجنة أن سلام عليكم (سورة الأعراف، الآية ٤٤) (٥). و"سلام" هو أيضًا تحية ضيف إبراهيم ورده عليهم (سورة الذاريات، الآية ٢٥، سورة هود، الآية ٧٢ (٦)، وانظر سورة الحجر، الآية ٥٢). وقد ودع إبراهيم أباه الذى هدده بقوله "سلام عليك" (سورة مريم، الآية ٤٨) (٧) وقد أجرى على لسان موسى (سورة طه، الآية ٤٩) (٨) فى خطابه لفرعون عبارة "السلام على من اتبع الهدى" والتفسير الأول الذى أتى به البيضاوى أن السلام هنا معناه سلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين. على أنه لما كانت هذه العبارة ليست ابتداء لقاء أو خطاب فإن تفسيرا آخر يؤثر أن يجعلها جملة تأكيدية، وإن المراد بالسلام فى الآية السلامة من سخط اللَّه وعذابه (انظر البيضاوى فى تفسير هذه الآية، وكذلك لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٣، ص ٧ وما بعدها) وعبارة "سلام عليكم" وردت فى الآية ٥٤ من سورة الأنعام فى مطلع الرسالة التى أمر اللَّه تعالى النبى [ ﷺ ] بأن يبلغها إلى المؤمنين [وهى أن يبلغ سلام اللَّه تعالى إليهم]؛ وفى الآية ٣٢ من سورة النحل "سلام" يتلى على عباد اللَّه المصطفين. ويتردد استعمال كلمة "سلام" بمعنى التبريك فى سورة الصافات حيث يرد فى نهاية كل ذكر لنبى من الأنبياء

стр. 5654

سلام عليه (الآيات ٧٧ (١)، ١٠٩، ١٢٠، ١٣٠، ١٨١ من هذه السورة؛ انظر أيضا سورة مريم، الآيتين ١٥، ٣٤) (٢). وقد تأتى كلمة "سلام" بمعنى التهكم فى الآية ٨٩ من سورة الزخرف عندما يعرض النبى [ ﷺ ] عن الكافرين، و"سلام عليكم" فى الآية ٥٥ من سورة القصص (وقد أورد البيضاوى تفسيرات أخرى لذلك). وربما صدق ذلك أيضا على صيغة "سلاما" (سورة الفرقان، الآية ٦٤) (٣) التى يجيب بها عباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون، ولكن المفسرين يجعلونها بمعنى "تسلما أو براءة". وفى الآية ٢٣ من سورة الحشر (وهى سورة مدنية) يرد "السلام" اسما من أسماء اللَّه، ويفسره البيضاوى بقوله إنه "ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة". (انظر عن التفسيرات الأخرى لهذه الآية، لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢، س ٧ وما بعده، س ٢٠ ما بعده)؛ ومن ثم فإن السلام فى عبارتى "دار السلام" و"سبل السلام" يفسر بأنه اسم من اسماء اللَّه (البيضاوى فى تفسير الآية ١٨ (٤) من سورة المائدة؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢، س ٢ وما بعده)، بل إن ثمة من يقول بأن معناه فى عبارة "السلام عليكم" اللَّه (فخر الدين الرازى: مفاتيح الغيب فى تفسير الآية ٥٤ من سورة الأنعام، طبعة القاهرة ١٢٧٨ هـ، جـ ٣، ص ٥٤، ص ٢١ وما بعده؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢، س ٨ وما بعده)، ومن المستبعد أن يكون المقصود بعبارة "ألقى السلام" التى جاءت فى الآية ٩٦ (٥) من سورة النساء هو التحية؛ وثمة قراءة أخرى (٦) هى "السَلمَ" كما فى العبارة المماثلة التى جاءت فى الآيتين ٩٢، ٩٣ (٧) من سورة النساء، والآيتين ٣٠، ٨٩ (٨) من سورة النحل.

стр. 5655

وقد ورد الفعل "سَلَم" أول ما ورد فى السور المدنية وبخاصة الآية ٥٦ من سورة الأحزاب حيث أوصى بالصلاة والسلام على النبى، وكذلك الآيتين ٢٧، ٦١ من سورة النور. وقد استقر الرأى بين المسلمين فى تاريخ متقدم جدا على أن تحية "السلام" كانت من شرائع الإسلام. على أن ذلك إنما يصدق فى حدود ما أوصى به القرآن الكريم فى سورة من السور المكية المتأخرة وسورتين من السور المدنية من اتباع هذه التحية: فقد أمر النبى [ ﷺ ] فى الآية ٥٤ من سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. .﴾؛ وجاء فى الآية ٢٧ من سورة النور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. . .﴾، وجاء مثل ذلك فى الآية ٦١ من السورة نفسها ﴿. . . فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. . .﴾ (وثمة وصية من قبيل ذلك جاءت فى الآية ١٢ من الإصحاح العاشر من سفر متى، وفى الآية ٥ من الإصحاح العاشر من سفر لوقا)؛ وكذلك فى الآية ٨٨ (١) من سورة النساء حيث استعملت عبارة "حيًا" بصورة أعم، والرأى هنا أيضا أنها فى السلام. على أن كولدسيهر قد بيّن (Z.D.M.G، جـ ٤٦، ص ٢٢ وما بعدها) أن صيغة "سلام" كانت مستعملة بمعنى التحية قبل الإسلام واستشهد فى ذلك بأبيات من الشعر. أما العبارات العبرية والآرامية المرادفة لذلك وهى: "شالوم لكا" و"شلا لاك (لكون) " و"شلاما علاك" والتى ترجع إلى ما جرى به الاستعمال فى التوراة (سفر القضاة، الإصحاح ١٩، الآية ٢٠؛ سفر صموئيل الثانى، الإصحاح ١٨، الآية ٢٨؛ سفر دانيال، الإصحاح ١٠، الآية ١٩، سفر الأيام الأول، الإصحاح ١٢، الآية ١٩) فقد كانت أيضا مستعملة للتحية بين اليهود والنصارى (Gramm d.Jud-Palastin. Aramasch: Dalman, الطبعة الثانية، ليبسك، ١٩٠٥ م، ص ٢٤٤).

стр. 5656

وجاء فى "تلمود برشلمى" أى تلمود أورشليم (شعبيط، جـ ٤، ص ٣٥ ب) أن "شالوم عليكم" كانت هى تحية إسرائيل (انظر أيضًا بشتيًا (١)، سفر متى، الإصحاح ١٠، الآية ١٢، الإصحاح ١٠، الآية ٥؛ الإصحاح ٢٤، الآية ٢٦؛ سفر يوحنا، الإصحاح ٢٠، الآيات ١٩، ٢١، ٢٦؛ Payne Smith: Thes. Syriacus، العمود ١٤٨٩ وما بعده). وثمة عدد كبير جدا من النقوش النبطية تبين إلى ذلك أن لفظ "شَلمْ" يدل على التمنيات الطيبة فى الشمال الغربى لبلاد العرب وفى شبه جزيرة سيناء (G.l.S، جـ ٢، Inscriptions Aramaeae, جـ ١، رقم ٢٨٨ وما بعدها، وقد تكرر هذا اللفظ مرتين فى رقم ٢٤٤، ٣٣٩ وثلاث مرات فى رقم ٣٠٢). ويتردد ذكر اللفظ العربى "سلم" فى نقوش الصفا للدلالة على البركة (انظر Zur Entzifferung der Safa Inschriften: E.Littmann ليبسك ١٩٠١، ص ٤٧، ٥٢ وما بعدها، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٩، ٦١، ٦٤، ٦٦، ٧٠؛ المؤلف نفسه Sremitic Inscriptions , نيويورك - لندن ١٩٠٥، Safaitic Lnscr رقم ٥، ٨، ١٢، ١٥، ٦٩، ١٢٨، ١٣٤). وإذا كان ذلك الشطر من بيت الشعر: "سَلامك ربنا فى كل فجر" الذى استشهد به لسان العرب (جـ ١٥، ص ١٨٣، س ٥ من أسفل) صحيحا، وكانت نسبته إلى أمية بن أبى الصلت صحيحة أيضا، جاز لنا أن نستنتج من ذلك أن صيغة "سلام" كانت تستعمل فى بعض أوساط القائلين بالتوحيد فى شمالى بلاد العرب [قديما]. والمظنون أن هذا الاستعمال الذى تأثرث بالأقوال المسيحية واليهودية، قد جعل للفظ مدلولا خاصا فى منطقة الثقافة الآرامية. أما ما ذهب إليه لدزبارسكى (Ztschr.fur Semitik: Lidzbarski جـ ٢، ص ٨٥ وما بعدها) من أن "سلام" يستعيد الفكرة التى يعبر عنها اللفظ اليونانى (. . .) فأمر لا حاجة بنا إلى مناقشته فى هذا المقام. على أن

стр. 5657

قوله بأن "إسلام" هو مصدر الفعل أسلم وأنه مصوغ من سلام (. . .) (أى يدخل فى حالة سلام) فلا يمكن التوفيق بينه وبين تلك العبارات التى تتردد فى القرآن الكريم مثل "أسلم وجهه للَّه" و"أسلم لرب العالمين" وغيرها من العبارات. وقد كان محمد ﵊ يعلق أهمية دينية كبيرة على صيغة السلام، ذلك أنه كان يعدها تحية يوجهها الملائكة لأصحاب النعيم، ويستخدمها فى موضع التحية المباركة يزجيها إلى الأنبياء الذين جاءوا قبله. وثمة سلام من قبيل ذلك الذى يقال فى التشهد (انظر ما يلى) أو من قبيل السلام الذى تنهى به الصلاة وله نظير فى اليهودية وهو "تِفِلًا" (انظر Zur Entstehunagsgeschichte des islam Gebets u Kultus: E.Mittwoch فى Abh. Pr.AK- W. C.Ph -h-Kl، ١٩١٣ م رقم ٢، ص ٨١)، ولعل هذا السلام كان من أول الأمر سمة جوهرية من سمات الصلاة. (البخارى: كتاب الاستئذان باب ٣؛ كتاب الآذان، باب ١٤٨، ١٥٠) ومع ملاحظة أن اللَّه تعالى نفسه هو السلام (القرآن الكريم سورة الحشر، الآية ٢٣) وقد قرر النبى [ ﷺ ] فى التشهد ما ينبغى أن يقال فيه. وتلاوة السلام تتبع ذلك فى الصيغة التى نذكرها بعد (انظر عن الأحاديث المختلفة فى التشهد: الشافعى: كتاب الأم، القاهرة ١٣٢١ هـ، جـ ٣، ص ١٠٣ وما بعدها، وانظر Goldziher Uber die Eulogien, وغير ذلك فى: Z.D.M.G، جـ ٥٠، ص ١٠٢). وفى شعيرة الصلاة كما قررها الشرع تأتى البركة على اللَّه والسلام على النبى [ ﷺ ] وعلى العبد وعلى الحاضرين وعلى عباد اللَّه الصالحين قبل النطق بالشهادة فى التشهد (السلام عليك أيها النبى ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين) ومن الشعائر المتبعة فى الصلاة ما يقال أيضا فى نهاية التسليمة الأولى التى تتضمن فى صورتها الكاملة أن يلتفت المصلى وهو جالس ناحية اليمين وناحية الشمال

стр. 5658

ويقول فى الحالين "السلام عليكم ورحمة اللَّه" (انظر الباجورى؛ حاشية على شرح ابن القاسم الغزّى على متن أبى شجاع، القاهرة ١٣٢١ هـ، جـ ١، ص ١٦٨، ١٧٠). ولعل تفضيل القرآن الكريم لصيغة السلام واستعمالها فى الصلاة هو الذى كان السبب الأكبر فى أنها سرعان ما أصبحت دون سواها هى "تحية الإسلام" وقد نص القرآن الكريم كما أسلفنا البيان بأن يعقب التصلية السلام على النبى [أى ﵊]. وجاء فى الحديث أن النبى [ ﷺ ] سعى إلى الأخذ بالسلام، ذلك أنه عندما أدخل عمير بن وهب على النبى [ ﷺ ] حياه عمير بتحية الجاهلية "أنعموا صباحا" فقال النبى "قد أكرمنا اللَّه بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام: تحية أهل الجنة" (ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٤٧٢ فى أسفلها، وما بعدها؛ الطبرى؛ طبعة دى غوى، جـ ١، ص ١٣٥٣، ص ١٠، وما بعدها) ويقال أيضا إن أولئك الذين كانوا حول النبى [ ﷺ ] كانوا تواقين إلى الأخذ بهذه التحية. ويروى الواقدى أن عروة بن مسعود الذى رغب بعد إسلامه مباشرة فى أن يهدى أبناء عشيرته فى الطائف إلى الإسلام قد استرعى نظر ثقيف، الذين كانوا يحيون بتحية الجاهلية، إلى تحية أهل الجنة وهى "السلام" (ابن سعد: الطبقات، جـ ٥، ص ٣٦٩: Das Leben. des Mohammed: Sprenger, جـ ٣، ص ٤٨٢؛ Muh.studien: Goldziher، جـ ١، ص ٢٦٤) ويقول ابن إسحق إن المغيرة ابن شعبة قد علّم وفد ثقيف الذى قدم على النبى [ ﷺ ] كيف يحيونه، (ابن هشام، ص ٩١٦، س ٥ وما بعده؛ الطبرى جـ ١، ص ١٢٩٠، س ٩ وما بعده Sprenger؛ كتابه المذكور، جـ ٣، ص ٤٨٥؛ Goldziher: كتابه المذكور). ويقال إن اليهود قد حرّفوا هذه التحية بالنسبة لمحمد [ ﷺ ] فقالوا "السام عليك" فرد عليهم النبى [ ﷺ ] "وعليكم" (البخارى: كتاب الاستئذان، باب ٢٢؛ كتاب الأدب، باب ٣٨؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ٢٠٦). ويروى ابن سعد (الطبقات، جـ ٤، قسم ١، ص ١٦٣، س ١٥) أن أبا ذر كان أول من حيا

стр. 5659

النبى [ ﷺ ] بتحية الإسلام، ونجد فى ابن سعد أيضا (الطبقات، جـ ٤، قسم ١، ص ٨٢، س ٢) "السلام عليكم" فى بداية كتاب وجهه معاوية إلى أبى موسى الأشعرى. وكانت العبارات التى يمكن استعمالها هى "سلام" أو "سلام عليكم (عليك) " أو "السلام عليكم". ويقال إن أم أيمن كانت تحيى النبى [ ﷺ ] بقولها "السلام" فحسب (ابن سعد: الطبقات، جـ ٨، ص ١٦٣، س ٧ وما بعده، س ٩ وما بعده). والصيغة الغالبة فى القرآن هى "سلام عليكم". قد حاول فخر الدين الرازى أن يبين أن "سلام" منكرة هى الصيغة المفضلة، وهى تعبر عن التحية المثلى (كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٥٠٠، س ٣٥ وما بعده؛ جـ ٣، ص ٥١٢، س ١١ وما بعده). وقد تبعه فى ذلك الشافعى، إذ يقال إنه كان يفضل صيغة "سلام عليك" فى التشهد (كتابه المذكور، جـ ٣، ص ٥١٢، س ٣٥)، ولكن الشافعية يجيزون فى التشهد أيضا استعمال صيغة السلام معرفة (الباجورى، كتابه المذكور، جـ ١، ص ١٦٨؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢، س ١٢ وما بعدها) على أن صيغة "السلام عليكم" كانت تستعمل كثيرا فى التحية. وهذه الصيغة غير المحددة قد نص عليها صراحة فى التسليمة (فخر الدين الرازى، كتابه المذكور جـ ٢، ص ٥٠١، س ٥؛ الباجورى: كتابه المذكور، جـ ١، ص ١٧٠؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢، س ١٣ وما بعده) وقد جروا فى رد هذه التحية على القول "وعليكم السلام" (ومن شاء مزيدا من التفصيل فى ذلك فليرجع إلى فخر الدين الرازى: كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٥٠٠، س ٢٩ وما بعده). جـ ٣، ص ٥١٢، س ٢١ وما بعده). ويقول ابن سعد (كتابه المذكور، جـ ٤، قسم ١، ص ١١٥، س ١٩ وما بعده) إن عبد اللَّه بن عمر كان يرد التحية بقوله "سلام عليكم". وجاء فى بعض الأحاديث أن النبى ﵊ قال إن عبارة "عليك السلام" هى تحية الموتى، وأصر على أن التسليم عليه يكون بعبارة "السلام عليكم" (الطبرى، جـ ٣،

стр. 5660

ص ٢٣٩٥؛ ابن الأثير: النهاية فى غريب الحديث والأثر، القاهرة ١٣١١ هـ، جـ ٢، ص ١٧٦ من أسفلها). أما عبارة "عليك السلام" أى إشارة إلى ما جرت به عادة العرب فى المراثى (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٧٧؛ لسان العرب، جـ ١٥، ص ١٨٢). على أن ثمة أحاديث يسلم فيها النبى [ ﷺ ] على الموتى فى المقابر بعبارة تبدأ بالـ "سلام" (الطبرى، جـ ٣، ص ٢٤٠٢، س ١٠ وما بعدها؛ ابن الأثير ولسان العرب فى الموضعين المذكورين آنفا). ويقال أيضا أن عبد اللَّه بن عمر فى عودته من سفر قد سلم على قبرى النبى [ ﷺ ] وأبى بكر وعلى قبر أبيه بقوله "السلام عليك" (ابن سعد الكتاب المذكور، جـ ٤، قسم ١، ص ١١٥، س ٥ وما بعده). وقد زادت صيغة السلام منذ عهد جد مقدم بإضافة عبارة "ورحمة اللَّه" أو "ورحمة اللَّه وبركاته". وقد استعملت الزيادة الأولى فى "التسليمة" والزيادة الثانية فى "التشهد" (انظر فيما أسلفنا بيانه). وبتطبيق ما أمر به القرآن (سورة النساء، آية ٨٨ (١) ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا. . .﴾) فإن من السنة عند رد التحية أن تزيد عليها ورحمة اللَّه وبركاته، وإذا حدث ورددت تحية السلام فحسب فاكتف بزيادة ورحمة اللَّه (البخارى: كتاب الاستئذان، الأبواب ١٦، ١٨، ١٩). وإذا حيى أحد بالتحية المثلثة فيجب عليه أن يرد بمثلها (فخر الدين الرازى، تفسير الآية ٨٨ (٢) من سوة النساء الموضع المذكور جـ ٢، ص ٥٠٢، س ١٤ وما بعده). ويروى لين (Manners and Gustoms: Lane، الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٢٢٩، التعليق) أن التحية المثلثة كانت شائعة جدا فى رد السلام فى مصر (انظر أيضا: L'Arabo parlato in Egitto: Nallino الطبعة الثانية، ميلان، طبعة ١٢١). أما فى مكة فإن هذه التحية نادرة بالمقارنة بمصر، ذلك أن القوم هناك درجوا على رد التحية بقولهم "وعليكم السلام والرحمة أو ورحمة اللَّه أو والإكرام (انظر Mekkanische Sprichworter u. Redensarten: Snouck Hurgronje, لاهاى

стр. 5661

١٨٨٦ م، ص ١١٨). ويظن لندبرك (Etudes sur les dialectes de l'Arabie Meridionale: Landberg، جـ ٢، ص ٧٨٨، التعليق) أن صيغة التحية الطويلة تذكرنا بالرحمة التى يطلبها الراهب (سفر العدد، الإصحاح السادس، الآيات ٢٤ - ٢٦) , واستعمال "عليكم" فى تحية الشخص المفرد تفسر بأن ضمير الجمع الذى يلحق بآخر هذه الكلمة يشمل الملكين أو الروحين الموكلين بهذا الشخص (فخر الدين الرازى، كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٥٠١، س ١٩ وما بعده؛ جـ ٣، ص ٥١٣، س ١٧ وما بعده). ويكثر استعمال صيغة "السلام (عليك، عليكم) " فى ختام الرسائل (مثال ذلك: ابن سعد، الكتاب المذكور، جـ ١، قسم ٢، ص ٧٢، س ١٧، ٢٧، ص ٢٨، س ٢، ٥، ٢٩، ص ٢٩، س ١٣، ٢١) ويستنكر الحريرى (درة الغواص، طبعة ثوربك، ص ٢٠٨، س ٩ وما بعده) استعمال صيغة "سلامٌ" منكّرة فى هذا المقام، وهى الصيغة التى يجب ألا تستعمل إلا فى بداية الرسائل طبقا للاستعمال الأصح، وعبارة "والسلام" ترد أحيانا بمعنى "وهذا هو الختام" (انظر snouck Hurgroje، كتابه المذكور، ص ١٩٢). وقد جرى الأمر عملا بما جاء فى القرآن الكريم (سورة طه، الآية ٤٨) (١) باستعمال صيغة السلام "على من اتبع الهدى" فى تحية غير المسلمين (فخر الدين الرازى: كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٥٠١، س ٢٦ وما بعده؛ جـ ٤، ص ٧٠٦، س ١٩ وما بعده). ونحن نجد هذه الصيغة مثلا فى الكتب التى كان يكتبها النبى [ ﷺ ] (البخارى: كتاب الاستئذان، باب ٢٤؛ ابن سعد، كتابه المذكور، جـ ١، قسم ٢، ص ٢٨، س ١٠ وما بعده، انظر السطر السادس فى هذا الموضع فى أول الكتاب حيث ورد "سلام على من آمن"). وقد جاء فى أوراق البردى التى ترجع إلى سنة ٩١ هـ (٧١٠ م) شاهد قديم على هذا الاستعمال (Papyri Schott-Reinhardt، جـ ١، الذى نشره بيكر C.H.Becker، هيدلبرغ ١٩٠٦،

стр. 5662

جـ ١، رقم ٢٩، جـ ٢، ص ٤٠ وما بعدها؛ جـ ٣، ص ٨٧ وما بعدها؛ جـ ١٠، ص ١١؛ جـ ١١، ص ١٧؛ جـ ١٨، ص ٩) على أن ثمة كتابا كتبه النبى [ ﷺ ] إلى يهود (مَقْنى) ختمه بصيغة "والسلام" (ابن سعد: كتابه المذكور، جـ ١، قسم ٢، ص ٢٨، س ٢٣) وكذلك كتاب أرسله إلى أنصار أيلة (الكتاب المذكور، ص ٢٩، س ١٢ وما بعده). ونلمس فى الحديث أيضا اتجاها إلى عدم إنكار السلام على الكفار وأهل الكتاب على الأقل عند رد التحية (الطبرى: التفسير، جـ ٥، ص ١١١ وما بعدها، فخر الدين الرازى، الموضع نفسه). والسلام يدل أيضا على ابتهالات للصلوات تتلى من بعض المآذن كل يوم جمعة قبل بدء صلاة الجمعة بنصف ساعة تقريبا وقبل الآذان. وهذا الجزء من الشعيرة يعيد تلاوته داخل المسجد قبل البدء فى أداء الفرائض نفر من الناس ذوى الأصوات الرخيمة وهم وقوف على دكة (Uber die Eulogen etc: Goldziher، فى Z.D.M.G، جـ ٥٠ ص ١٠٣ وما بعدها؛ Lane، كتابه المذكور، جـ ١، ص ١١٧). ويتردد أيضا على الدعوات للنبى [ ﷺ ] التى تنشد أثناء شهر رمضان من المآذن بعد منتصف الليل بنصف ساعة تقريبا (Lane كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٢٦٤). أما صيغة التبريك "﵇" التى هى فى رأى مذهب أهل السنة القويم مثل التصلية يجب ألا تقترن إلا بأسماء الأنبياء ولو أنها استعملت استعمالا أوسع من ذلك فى المؤلفات المتقدمة (انظر أيضا البخارى: كتاب الاستئذان، باب ٤٣: "فاطمة عليك السلام") فقد استعملها الشيعة أيضا من غير قيد فى ذكر علىّ وآله (Goldziher: بحثه المذكور آنفا فى Z,D,M,G، جـ ٥٠، ص ١١ وما بعدها؛ فخر الدين الرازى: كتابه المذكور، جـ ٣، ص ١١٥ وما بعدها) ويستخدم أهل السنة فى الهند البريطانية السلامات السبعة التى تستند إلى الآية ٥٨ من سورة يس، والآيات ٧٧ (١) ١٠٩، ١٢٠، ١٣٠ من

стр. 5663

سورة الصافات، والآية ٧٣ من سورة الزمر، والآية ٥ من سورة القدر، استخداما سحريا. ذلك أنهم فى صبيحة عيد "آخر جهار شمبه" يكتبون السلامات السبعة أو يستكتبونها بماء الزعفران أو بالمداد أو بماء الورد على ورقة من أوراق شجرة المانجو أو شجرة التين المقدسة أو الموز. ثم يزيلون الكتابة بالماء ويشربونه آملين أن ينعموا بالسلام والسعادة (Dja'far Sharif islam in India or the Qanun-I: Islam Herklots, الطبعة الجديدة التى قام بها W.Crooke, لندن ١٩٢١، ص ١٨٦ وما بعدها). ومعنى السلام الذى يضرب على السكة (ويختصر أحيانا إلى حرف "س"): "الكامل الوزن أو الكامل" (انظر Das grossherz,Orient. Munzcabinet zu Jena Handb. d. MorgenlMunzkunde: J.G.Stckel)، ليبسك ١٨٤٥ م، جـ ١؛ ص ٤٣ وما بعدها؛ A Manual of Musulman Numismatics: O.Cordington, لندن ١٩٠٤، ص ١٠). المصادر: علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة: (١) ابن عبد ربه: العقد الفريد، بولاق ١٢٩٣، جـ ١، ص ٢٧٦ وما بعدها. (٢) Lane: كتابه المذكور، جـ ١، ص ٢٩٨ وما بعدها. (٣) les dialectes de L'Arabie Meridionale: Landberg، ليدن ١٩٠٥ - ١٩١٣، جـ ٢، ص ٧٧٦ - ٧٨١، ٧٨٦، ٧٨٩. خورشيد [أرندنك C.Van Arendonk] تعليق قدم الكاتب معنى المادة قاصرا، لم يف فيه بحق المنهج اللغوى القديم، ولا بحق المنهج اللغوى الحديث. فأما عدم وفائه بحق المنهج اللغوى القديم فيتبين فى اقتصاره من معنى المادة على: الأمان، والعافية، والتحية، وما يشبه هذا من اليمن، والبركة. . كما يذكر "السلام" اسما للَّه فيقف فيه عند أنه: السلامة من منقص وآفة. وفى حدود هذا المعنى القريب يفسر "دار السلام" و"سبل السلام".

стр. 5664

وهذا الاقتصار على ما أُورد من معان، مع ورود غيرها فى المادة ليس إنصافا للتفكير الإسلامى، ولا وفاء بالمنهج اللغوى عند أهله، فإنهم لا يسوون بين معانى الصيغ المختلفة من المادة الواحدة، بل يخصون كل صيغة بمعنى، فى تفريق دقيق، فلا يستوى عندهم معنى السلامة، والسلم، والسلام. . إلخ، بل يقدرون مالاختلاف المبانى من أثر فى اختلاف المعانى -كما يقولون. وهكذا ترى أن الهزال الذى أخرج به كاتب الدائرة معنى مادة "السلام" قد حرمها من الخصوبة المعنوية، التى عرفتها لها المعاجم اللغوية، والمعاجم القرآنية القديمة نفسها. . من مثل أن السلام ضد الحرب. . وأنه الصلح. . . والبراءة. . . وإن السلام "اسم اللَّه" هو: السلام المطلق، الحق، الذى لا مثنوية فى صفته. وأن اسم السلام للَّه يتحقق فى العبد نفسه، إذ يسلم قلبه من الغش، والحقد، والحسد، وإرادة الشر -الغزالى: المقصد الأسنى فى شرح أسماء اللَّه الحسنى من شرح اسم السلام- ومثل أن السلامة الحقيقية ليست إلا فى الجنة -دار السلام- إذ فيها بقاء بلا فناء؛ وغنى بلا فقر؛ وعز بلا ذل، وصحة بلا سقم -الراغب الأصفهانى: المفردات فى غريب القرآن "مادة سلم"- ومن كل هذا وما إليه ندرك أن المادة فى قول الأقدمين أنفسهم توحى بالكثير من آمال البشرية، التى تهفو إليها حينما تذكر كلمة السلام اليوم. . وأنها لا تحد بتلك المعانى القريبة التى ذكرت هنا من العافية، والبركة، والتحية. . بل إن التفكير الإسلامى يستشعر من كون السلام اسما للَّه، ومن تسمية الجنة دار السلام، ومن هداية القرآن سبل السلام وما إلى ذلك، يستشعر آفاقا فسيحة ومشاعر سامية، ومرامى بعيدة، قد حرمت منها المادة فى عرض الدائرة لمعناها. وأما عدم وفاء الكاتب بالمنهج اللغوى الحديث فلأنه يبحث عن المعنى المادى الأول، والمدلول الحسى الأسبق للمادة، لينتقل منه إلى تدرج معانيها، وتطور مدلولاتها، مستصحبا ما أحسته

стр. 5665

اللغة لمادة "السلام" منذ بدأت فى القديم استعمالها إياها فى الماديات، فيدرك بذلك ما تثيره اللفظة من أحاسيس ومشاعر، فى وجدان أصحاب تلك اللغة، يجدونها قوية نافذة حين ينتقلون من المعنى الحسى إلى الاستعمالات المعنوية ثم التجريدات الذهنية. والنظرة الباحثة عن المعنى الحسى الأول لمادة "السلام" تهدى إلى أن: السلام اسم شجر، ليس بذى شوك، يكون أبدا أخضر، تستظل به الظباء، ولها فى ظله جمال يحدث عنه الشعراء -لسان العرب مادة س ل م-. وإذا ما كان هذا الشجر كما ترى دائم الخضرة ظليلا فهو أصلح للدلالة على الرمز للسلام الحديث من غصن الزيتون، الذى يرمزون به الآن للسلام. وفى هذا المعنى المادى الأول للسلام من الإيحاء الفنى، والإثارة النفسية الطيبة ما حرمت منه المادة، بصورتها التى قدمها بها الكاتب. وبهذا الهزال المعنوى يسلب الكاتب -بقصد أو بغير قصد- ما لمادة السلام من دلالة قوية بعيدة على نظرة الإسلام إلى السلام الإنسانى، ودعوته إليه -مما لا يتسع المقام هنا لبيان شئ منه- وهو ما توليت بيانه فى أحاديث عن القرآن أذيعت منذ تسعة عشر عاما. يحكم الكاتب بأن لفظ السلام يغلب استعماله فى القرآن صيغة تحية، أى أن كل مدلولها هو التحية القولية، وهو حكم لا يصدق إلا على أساس من المعنى الأجرد الذى قصر عليه الكاتب كلمة "السلام". . أما الذين تمثلوا معنى المادة تمثيلا صحيحا فيدركون من معناها ما هو أكثر من مجرد التحية، وهذا الراغب الأصفهانى فى مادة "س ل م" من مفرداته تنظر فى مثل. . "قيلا سلاما سلاما" و"سلام لك" و"قل سلام" و"سلام على نوح". . . و"سلام على موسى وهرون" و"سلام على إبراهيم". . . إلخ فلا يرى فى مثل هذا أنه سلام بالقول والفعل جميعا. وفيه تنبيه من اللَّه تعالى أنه جعلهم بحيث يثنى عليهم ويدعى لهم. . .فهو بهذا المعنى أكثر من صيغة تحية كما يفهم الكاتب، لأنه سلام بالقول والفعل جميعا، وتقدير لدرجتهم، وثناء عليهم، ودعاء لهم. . . إلخ.

стр. 5666

وسترى أثر هذا الفهم القريب لمعنى السلام يظهر فيما يلى حين يشير إلى وروده فيما ليس ابتداء لقاء أو خطاب، والتماسه تفسيرا آخر للسلام. ثم يقرر الكاتب استقرار الرأى بين المسلمين فى تاريخ متقدم جدا عن أن تحية السلام كانت من شرائع الإسلام. ثم يتعب بما يطيل به من أن هذه التحية فى اليهودية، وأن جولدسيهر قد بين أن صيغة سلام كانت مستعملة بمعنى التحية قبل الإسلام، وأن النقوش تدل على هذا. . . إلخ. وقبل التعقيب على هذا كله نضع بين يدى الكاتب عبارة خاصة بهذه الشئون كلها، ولابد أنه قد قرأها حين رجع إلى "لسان العرب" الذى تكررت إشارته إليه، وتلك العبارة هى بنصها: ". . . وكانت العرب فى الجاهلية يحيون بأن يقول أحدهم لصاحبه: "أنعم صباحا، وأبيت اللعن؛ ويقولون سلام عليكم فكأنه علامة "المسالمة، وأنه لا حرب هناك، ثم جاء اللَّه بالإسلام فُقصروا على السلام وأمروا بإفشائه". فالنص -كما نرى- صريح فى أن العرب قبل الإسلام كانوا يحيون بالسلام ويحيون بغيره، ولما جاء الإسلام قصرهم على السلام. . وإذن فالتحية بالسلام لم تكن من عمل الإسلام إلا بقدر القصر عليها والاكتفاء بها. . بل أكثر من ذلك ما نجده فى مراجع رجع الكاتب فى هذه المادة إليها ونص عليها، وهى ترفع التحية بالسلام إلى ما قبل الجاهلية العربية وأقدم منها، فتجعلها تحية البشرية منذ خلق آدم، وذلك ما فى صحيح البخارى أول كتاب الاستئذان -وقد رجع الكاتب إلى هذا الكتاب نفسه- أن السلام تحية آدم وتحية ذريته. وحسبنا من هذا نص اللسان على ما كان من تحية العرب، فما من حاجة مع هذا النص إلى أن يبحث "جولدسيهر" عن شواهد من الشعر أو النثر تثبت أن العرب كانت تحيى فى الجاهلية بالسلام. ولا مجال لما قال الكاتب من استقرار الرأى بين المسلمين فى تاريخ متقدم جدا على أن تحية السلام كانت من شرائع الإسلام. . .! ! فلا استقر رأى. . ولا كان ذلك فى تاريخ متقدم جدا، ولا متأخر.! !

стр. 5667

وكان الكاتب فى غنى عما جهد به من بحث عن وجود التحية بالسلام فى اليهودية أو غيرها وشهادة النقوش. . . إلخ. لأن السلام فى قول المصادر الإسلامية تحية البشرية منذ آدم، وتحية فعلية للعرب فى الجاهلية. . وأنه لواجب علينا أن نشير إلى ما فى منهج الكاتب مما لا نتورع عن أن نسميه خطأ، إذ يذكر ما يدعيه من استقرار الرأى بين المسلمين فى تاريخ متقدم جدا من أن تحية السلام كانت من شرائع الإسلام دون أن يذكر مرجعا واحدا لذلك أو يستدل بدليل ما، مع أنه يكثر من الشواهد والأدلة لنقد هذا ورده! ! والمنهج الصحيح يقضى عليه ألا يدعى بلا دليل، ولا شاهد، مثل هذه الدعوى العريضة. . . وهؤلاء القوم فى تقدمهم وتجددهم أحق الناس برعاية الأصول المنهجية فى التفكير حين يبحثون عن الحقيقة، ويصححون التاريخ. . ولكن. . ولا نزيد عن لكن. . تورعا وترفعا، لنكون أعف لسانا، وأصدق نية، فى طلب الحق والدفاع عنه، فلا نشير إلى ما فى إهمال مثل نص اللسان، والبخارى من دلالة نفسية وعقلية! ! وينكر الكاتب أن يكون الإسلام مصدر أسلم، ويقرر عدم إمكان التوفيق بين هذا وبين ما تردد فى القرآن من مثل أسلم وجهه للَّه، وأسلم لرب العالمين، وغيرها من العبارات. ونلحظ أن القول بأن الإسلام مصدر أسلم، أى دخل فى السلم، هو أحد الأوجه فى رد معنى الإسلام الدينى إلى أصله اللغوى قديما، بل إن هذا الدين قد يسمى السلم والسَلْم -بكسر السين وفتحها- كما ورد فى لسان العرب- ولو ذكرت ما أشرت إليه قبل إجمالا من نظرة الإسلام إلى السلام، واعتباره إياه نعيم الآخرة، وسعادة الدنيا، وتدبره للسلام العالمى لقدرت قرب أخذ معنى الإسلام من السلام، ولما وجدت وجها قويا لإنكار كاتب هذه المادة أن يكون الإسلام مصدر "أسلم" أى دخل فى حالة سلام. . ثم لم تسلم معه بعدم إمكان التوفيق بين الإسلام من السلام، وإسلام الوجه للَّه، والإسلام لرب العالمين؛ لأن السلم والإسلام والسلامة من معنى واحد. وقد قيل إن السلام جمع سلامة -لسان العرب- فإذا ما رددنا المادة إلى

стр. 5668

الخلوص والصفاء والنقاء -وكلها متقاربة- لكان الإسلام عند الإطلاق راجعا إلى أصل المعنى عند التقييد، بإسلام الوجه للَّه، والإسلام لرب العالمين، دون بعد ولا صعوبة. . والمتمرس ببيان تدرج المعانى اللغوية لا يجد صعوبة فى معر هذا الرد للمعانى، بل هو -كما نعرف- يبدؤها من المعنى الحسى المادى الأول متنقلا منه إلى سائر معانيها، حتى يصل إلى المعنى التجريدى الذهنى الصرف، وقد أشرنا إلى ذلك فى التعليق الأول، وأن الكاتب لم يف فى بيان معنى المادة بحق المنهج اللغوى قديما ولا حديثا. وإذا كان الأقدمون عندنا يردون ما اشترك فى أكثر حروفه، بل ما تقاربت مخارج حروفه إلى معان متقاربة، بعدما ردوا ما اتحدت حروفه واختلف ترتيبها إلى معنى واحد، فهل يقال بعد ذلك بعدم إمكان التوفيق بين معانى الصيغ المختلفة أو الاستعمالات المختلفة، من مادة واحدة الحروف واحدة الترتيب! ! أما أنه لو انتبه الكاتب إلى بعض هذه الاعتبارات اللغوية لما أطلق القول هكذا بعدم إمكان التوفيق بين عبارات واستعمالات لمادة واحدة. . . ولعل هذا مما يؤيد ما أسلفنا من أن بيانه لمعنى المادة قد حرمها الخصوبة المعنوية وردها عجفاء هزيلة؛ وأبعد الاستعمال القرآنى لها عن كريم أهدافه، ورقيق مشاعره نحو السلام الإنسانى. أمين الخولى سلامة بن جندل شاعر جاهلى من عشيرة الحارث من بطن سعد الفزر من بنى تميم، وهو معدود من شعراء الجاهلية المجيدين، ولم يبق لنا من شعره إلا قصائد قليلة، ولا شك أن صيته ذاع فى النصف الثانى من القرن السادس الميلادى؛ ذلك أن أبرز ما دُوِّن من سيرته يتناول أخاه أحمر (ويخطئون فى رسم هذا الاسم أحيانا فيكتبونه أحمد)، فقد أسر عمرو ابن كلثوم، شيخ بنى تغلب، أحمر فى الغارة التى شنها فى الجنوب، ولكن أخاه سلامة تشفع له فأطلق عمرو سراحه من غير أن يتقاضى لقاء ذلك فدية (ديوان عمرو، مقدمة القصيدة رقم ٢؛ الأغانى، جـ ٩، ص ١٨٣؛ س ١٨)؛ ولا نستطيع أن نجزم أن هذا خطأ وقعت فيه الرواية العربية؛ على أنه ورد

стр. 5669

فى ديوان سلامة فى التعليقات على القصيدة رقم ٨ (طبعة شيخو) أن هذا الحادث وقع لأحمر مع رجل يقال له صعصعة بن محمود بن عمرو بن مرثد؛ ولعل صعصعة هذا كان من عشيرة عمرو القيسية، وكانوا ينزلون حلفاء على بنى شيبان، أو لعله كان من أسرة مرثد اليمنية المشهورة؛ ويشير سلامة فى أطول قصائده إلى موت النعمان ملك الحيرة الذى وطئته الفيلة بإشارة من برويز ملك الفرس (الديوان، رقم ٣، جـ ٥، ص ٣٩)، ثم إنه ورد فى نقائض جرير والفرزدق قصيدتان لسلامة لم يذكرا فى الديوان، وقد أشاد فيهما بنصر أحرزته منقر فى الجدود، إذ أنزلت الهزيمة ببكر بن وائل، وكانت منقر عشيرة من بطن سعد الفزر أيضا. وهاتان الحادثتان تدلان على أن سلامة كان يعيش فى أواخر القرن السادس تقريبا، ولا يمكننا تعيين تاريخ وفاته، على أنه لم يدرك الإسلام، ولم يذكر أحد من أحفاده فى سير المسلمين الأولين. وقد أخطأ شيخو إذ قال إن سلامة هو الزعيم المشهور سلمى بن جندل بن نهشل، ذلك أن سلمى كان من عشيرة نهشل بن دارم ويمت بصلة القربى لمجاشع جد الفرزدق الشاعر. واشتهر سلامة ببراعته فى وصف الجياد، وقد وصلت إلينا قصائده المجموعة فى مخطوطين قديمين، طبعهما شيخو سنة ١٩٢٠، ولا يحتوى الديوان إلا على تسع قصائد أو قطع منها، ومجموعها ١٣٥ بيتًا من الشعر، أضاف إليها شيخو ٣٦ بيتًا جمعها من مصادر شتى، وأستطيع أنا أن أضيف إليها بيتا واحدًا ورد فى كتاب العين (طبعة بغداد، ص ١٠٨)؛ وليس ثمة سبب يدعونا إلى الشك فى صحة معظم هذه الأشعار، ويتحدث الشاعر فيها عن شبابه الذى ولى ويأسف على أنه لم يكن هاديا له فى كبره، ومثل هذه الأقوال تشيع عادة فى لغة القصائد التى من هذا القبيل، وأنا لا أفسر ذكره اللَّه (رقم ١، جـ ٥، ص ١٢) على أنه حشو أقحم على قصائده بعد مماته، ذلك أننى أعتقد أن ثمة ضربا من التوحيد كان شائعا فى بلاد العرب قبل مجئ النبى [ ﷺ ]، ولو أن الصيغة "الإله" قد تكون هى الصيغة الصحيحة فى الأيام الأولى؛ ويتحدث

стр. 5670

سلامة عن سيوف بصرى والمدائن، ولم يرد ذكر هذه السيوف فى القصائد التى نظمت فى عهود متأخرة على عهده إلا فيما ندر، أو إنها لم تذكر قط، ذلك أنه أصبح من المتعذر الحصول على السيوف من هذين البلدين، أما ذكره الكتابة أو حتى المحابر والرق (رقم ٣، جـ ٥، ص ٢) فليس بالأمر الغريب قط، لأن هذه الأشياء كانت أشيع مما يظن الناس بصفة عامة. وأما فيما عدا هذا فقد انطبع شعره بالطابع المعروف باسم الشعر البدوى؛ وهى تسمية يؤسف لها، إذ أنها توحى بفكرة مخطئة "شاعر"، وذلك أن نص الديوان مزيج من المذهب البصرى (الأصمعى) والكوفى (مذهب أبى عمرو الشيبانى)، ونستطيع التعويل على الشعر الكوفى بوجه عام أكثر مما نستطيع التعويل على الشعر البصرى، على أنه لم يفصل مع الأسف فى هذه الحالة بين ما هو بصرى وما هو كوفى فى النسخ المنقحة فصلا يمكننا من تمييز أى فرق بين المذهبين. ومن الخطأ أن نفترض أنهم جمعوا هذه القصائد، ذلك أن عملهم كان شرح النص الذى انتقل إليهم من الأدباء الأقدمين، وقد خلفت طبعة شيخو (بيروت ١٩٢٠) طبعة إيوار CI.Hurt ١٩١٠)، وقد ضمت طبعة شيخو بين دفتيها كل ما هو معروف عن سلامة. المصادر: (١) المفضليات: طبعة Lyall، رقم ٢٢، النص والترجمة، طبعة القاهرة، جـ ١، ص ٥٤، طبعة ثوربيك Thorbecke، رقم ٢٠. (٢) الأصمعيات، طبعة Ahllwardt، رقم ٥٣ (٣) محمد بن سلام، طبعة هل Hel (ليدن ١٩١٦)، ص ٣٦ (٤) النقائض، طبعة بيفان Bevan، ص ١٤٧ - ١٤٨. (٥) ابن قتيبة. كتاب الشعر، طبعة ده غوى de Goeje، ١٤٧ (٦) شعراء النصرانية Poetes Chretiens طبعة شيخو، ص ٤٨٦ - ٤٩١؛ وقد وردت أشعار سلامة فى معظم الكتب التى تبحث فى الشعر العربى القديم، مثال ذلك لسان العرب فى ٤٠ موضعا

стр. 5671

السلاوى (السلاوى): شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن حمَّاد الناصرى، مؤرخ مراكشى ولد فى الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة ١٢٥٠ هـ (٢٠ أبريل سنة ١٨٣٥ م)، ومات بالمدينة نفسها فى السادس عشر من جمادى الأول سنة ١٣١٥ هـ (١٣ أكتوبر سنة ١٨٩٧ م)، ويرد نسب هذا الكاتب بصفة مباشرة إلى دوحة أحمد ابن ناصر صاحب الطريقة الناصرية المراكشية، الذى دفن فى زاويته فى تامكروت فى بوادى درعة (درا)؛ وقد تلقى السلاوى العلم فى مسقط رأسه، وكان لبلدته فى تلك الأيام بعض الشهرة، فقد كانت مركزا للعلم، وكانت تنافس على نطاق ضيق مدينة فاس قصبة البلاد فى العلم والأدب، وكان أكبر شيخين من شيوخ السلاوى هما محمد بن عبد العزيز محبوبة والقاضى أبا بكر بن محمد عوَّاد. وقد تعمق فى دراسة أدب الدنيا عند العرب دون أن يهمل دراساته الشرعية والكلامية، والتحق أحمد الناصرى السلاوى، وهو فى نحو الأربعين من عمره، بالقسم الشرعى من حكومة الشريفى بوصفه كاتبًا شرعيًا أو ناظرًا على أملاك الدولة، وقد ولىّ فى تلك الحكومة من حين إلى حين مناصب يتفاوت شأنها؛ وجعل مقامه أول الأمر فى الدار البيضاء من سنة ١٢٩٢ إلى سنة ١٢٩٣ هـ (١٨٧٥ - ١٨٧٦)، ثم أقام مرتين فى مراكش، حيث عمل فى الإدارة المالية لبيت السلطان، وأقام بعدئذ فترة ما فى المدينة الجديدة (مازكان) حيث ألحق بخدمة دار المكوس، ثم قضى بعض الوقت فى طنجه وفاس، وعاد إلى مسقط رأسه فى أواخر أيامه حيث كرس نفسه للتعليم، فلما مات دفن فى مقبرة سلا خارج باب المعلقة. وكان الناصرى السلاوى موظفًا من صغار موظفى الحكومة، وكان أيضًا أديبًا ومؤرخا؛ وقد خلف، علاوة على مصنفه فى التاريخ الذى أكسبه بعض الشهرة حتى فى خارج مراكش، مصنفات أخرى كانت تكفى وحدها لجذب الأنظار إليه وتكسبه منزلة محترمة بين أدباء المغرب المحدثين؛ وهذه المصنفات،

стр. 5672

بالإضافة إلى الكتيبات الستة المفصلة فى كتابى: Historiens des Chorfa (ص ٣٥٣، تعليق ١) هى: (١) شرح على الشمقمقية، وهى قصيدة لابن الونّان، وقد أطلق السلاوى على هذا الشرح اسم "زهر الأفنان من حديقة ابن الونّان" (طبع على الحجر فى فاس سنة ١٣١٤ هـ، فى مجلدين). (٢) بحث فى الملل والنحل فى الإسلام، عنوانه تعظيم المنَّة بنصرة السنَّة (مخطوط برباط رقم ٦٦، انظر الفهرس الذى نشرته جـ ١، ص ٢٣). (٣) رسالة فى الأسرة الناصرية التى كان السلاوى من أعضائها اسمها: طلعة المشترى فى النسب الجعفرى (مطبوعة على الحجر فى فاس فى مجلدين) وقد وضع بودان M. Bodin موجزًا فرنسيًا هذه الرسالة (انظر La Zaouia de Tamegrout: M.Bodin , فى Archives Berbees، ١٩١٨) ويعدّ هذا المصنف، الذى أتمه مؤلفه سنة ١٣٠٩ هـ (١٨٨١ م)، تاريخًا صحيحًا لزاوية تامكروت، وفيه معلومات على جانب كبير من الطرافة، عوضت كل ما ورد فى الكتاب من استطرادات حاول بها المؤرخ أن يدلل على صحة نسب أسرته مستعينًا بحجج يرقى إليها بعض الشك. وأعظم مؤلفات أحمد الناصرى السلاوى هو كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، وكان نشره حدثًا لا نظير له فى تدوين التاريخ المغربى؛ ولم يكتب المؤلف أخبارًا محدّدة بل وضع تاريخًا عامًا لبلاده، ورحب المستشرقون الأوربيون به عند نشره، بل لم يطل به الزمن حتى جذب إليه أنظار مؤرخى إفريقية الشمالية، وأصبح من الوثائق التى يرجع إليها كثيرًا، وخاصة أن الترجمة الفرنسية لهذا المؤلف التى نشرت فى Archives Morocaines سرعان ما جعلت الربع الأخير منه، وهو تاريخ الأسرة العلوية، فى متناول غير العرب وسرعان ما سلم الناس بأن هذا السجل التاريخى يشبه جميع آثار عرب المغرب فى كتابة التاريخ. وكتاب السلاوى هذا إنما هو مصنف يقوم على الجمع، وأعظم فضائله أنه يجمع فى رواية

стр. 5673

متصلة أشتاتا من مفيدة التاريخ السياسى مبعثرة فى كتب التاريخ الإخبارى أو كتب الطبقات التى صنفت فى المغرب، على أنه لا مناص لنا من التسليم بأن السلاوى كان أول من حاول من مواطنيه أن يوفى ويستقصى موضوعا لم يتناول أسلافه إلا بعض أجزائه، على أن هذا لم يكن هدفه الأول: فقد بينت فى موضع آخر (المصدر المذكور، ص ٣٥٧ - ٣٦٠) أن نقطة البدء فى جمع كتاب الاستقصا كانت مصنفًا مطولا بعض الشئ عن الأسرة المرينية المراكشية اعتمد بوجه خاص على المؤلفات التاريخية لابن أبى زرع وابن خلدون، وأطلق عليه اسم كشف العرين فى ليوث بنى مرين، وقد مكنته إقامته فى شتى عواصم مراكش من الوصول إلى المصادر التى استقى منها أخبار الأسر الأخرى، ومن ثم فكر فى تصنيف تاريخ كامل لمراكش. وقد فرغ من وضع مصنفه فى الخامس عشر من جمادى الآخرة عام ١٢٩٨ هـ (١٥ مايو عام ١٨٨١ م) قبل أن ينتهى عهد مولاى الحسن السلطان العلوى، وقد أهدى إليه مصنفه هذا، ولكن السلطان كان شحيحًا فى عطائه ومات السلطان، فقرر المؤلف طبع سجله التاريخى فى القاهرة بعد أن بلغ به السنة التى اعتلى فيها العرش السلطان مولاى عبد العزيز، وهكذا ظهر "الاستقصا" فى القاهرة فى أربعة مجلدات عام ١٣١٢ هـ (١٨٩٤ م). ونحيل القارئ على المصنف الذى تقدم بنا ذكره إذا شاء الرجوع إلى المصادر العربية لتاريخ الناصرى السلاوى، وإلى ثبت بالمصنفات التى اقتبس منها بعض العبارات أو نقلها بنصها، وحسبنا فى هذا المقام أن نشير إلى أن هذا الأخبارى كان أول كاتب مراكشى استخدم المصادر الأوربية كما استخدم المصادر العربية، وإنما عرف بأمر تلك المصادر الأوربية مصادفة، وهذه هى: تاريخ الجديدة فى عهد الحكم البرتغالى وعنوانه Memorias para historia da praca de Mazagan بقلم لويس ماريا دوكوتودا ألبوكرك داكونها Luis Maria da Conto de Albuquerque da Cunha، لشبونة ١٨٦٤. و Descripci historica de Marruecos y breve resena de sus dinastias بقلم مانويل كاستلانوس

стр. 5674

Manuel P.Castellanos، سانتياغو ١٨٧٨، أدريهو ليله ١٨٨٤؛ طنجة ١٨٩٨. ولا يختلف السلاوى فى ترتيب تاريخه عن المؤرخين الآخرين من مواطنيه، ولكننا نستبين أحيانا أن حاسة النقد كانت ملكة فيه، ويتملكنا الشعور بأنه مؤرخ بالمصادفة والاتفاق وأن الأدب كانت صناعته، كما أنه يفصح لنا أحيانا أنه كان مستقل الرأى استقلالا عظيما وأنه كان يتميز بشئ من سعة الأفق، وأما أسلوبه فأسلوب واضح مهذب لا يعمد إلى المجاز والسجع إلا فى النادر. والظاهر أن السلاوى كان مثال المؤرخ المراكشى الحديث الذى يكتب فى سهولة ورشاقة عظيمتين. وقد ترجم فومى E.Fumey المجلد الرابع من الطبعة العربية من الاستقصا بعنوان Chronique de la dynastie Alaouie au Maroc, فى Archives Marocaines، باريس ١٩٠٦ - ١٩٠٧، جـ ٩ و ١٠؛ وقد ترجم المجلد الأول فى المجلة نفسها منذ عهد قريب، جـ ٣٠, ٣١، باريس ١٢٩٣ و ١٩٢٥ بقلم جرول وكولان A.Graulle and G.S.Colin المصادر: وضع بروفنسال دراسة وافية فى حياة الناصرى السلاوى وفى مصنفاته. انظر Les Historiens des Chirfa: essai sur la litterature historique et biographique au Maroc du XVIeme au XXeme siecle: E.Levi-Provencal, باريس ١٩٣٢، ص ٣٥٠ - ٣٦٨؛ وقد فصل الكلام عن سيرة هذا المؤلف فى التعليقات. صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal] سلسبيل " سلسبيل": اسم عين فى الجنة ورد ذكرها فى القرآن مرة واحدة فقط فى الآيتان ١٧، ١٨ من سورة الإنسان: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. ويختلف النحاة فى اشتقاق كلمة سلسبيل، فبعضهم يقول إنها من الثلاثى س - ب - ل، على حين يذهب آخرون إلى أنها من الرباعى، وهى

стр. 5675

الاشتقاق الوحيد لهذا الرباعى فيما عدا صيغة التأنيث من الكلمة، وبعض النحاة يفسرونها بأنها هى "ما ينسل فى الحلق" كأن الحروف الأصلية التى فيها هى السين واللام فحسب. أما الاشتقاق "سلسبيلا" كما جاء فى تفسير "سل ربك سبيلا إلى هذه العين (١) " فاشتقاق يستنكرونه قائلين إنه خطأ. وتفسر الكلمة بأنها تدل على الشئ "السهل" أو "اللين" (يقال فى الشراب) الذى "لا خشونة فيه"، وهو "السهل الدخول فى الحلق"، ويوصف به اللبن والماء. وبعض النحويين يقولون إنها اسم علم على العين، ومن ثم فهى غير مصروفة لا تنون، وإن كانت قد نونت فى الآية التى استشهدنا بها لتتفق فى الوزن مع "زنجبيلا". ولكن ثمة نحويين آخرين يجعلونها صفة، ومن ثم فهى مصروفة وتنون. وقد شاع بين الجماعة الإسلامية أنها اسم علم، نستدل على ذلك من الحديث الذى أورده مسلم (كتاب الحيض، رقم ٣٧) حيث جاء فيه إن ثمة عينا فى الجنة يشرب منها المؤمنون اسمها سلسبيل. المصادر: معاجم اللغة هى وتفاسير القرآن صبحى [هيك T.W.Haig] سلطان " سلطان": لقب ظهر أول ما ظهر فى القرن الرابع الهجرى (الحادى عشر الميلادى) بمعنى حاكم قوى أو عاهل مستقل على إقليم من الأقاليم. وقد وردت هذه الكلمة كثيرا فى القرآن الكريم، وقد تلقى الرسل هذا السلطان من اللَّه (انظر مثلا سورة إبراهيم، الآيتين ١٢، ١٣) (٢) والمعاجم (مثل تاج العروس، جـ ٥، ص ١٥٩) تفسر هذه الكلمة بأنها مرادفة لكلمتى حجة وبرهان. وهناك أيضا ست آيات
следующие страницы →