← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

السلاوى (السلاوى): شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن حمَّاد الناصرى، مؤرخ مراكشى ولد فى الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة ١٢٥٠ هـ (٢٠ أبريل سنة ١٨٣٥ م)، ومات بالمدينة نفسها فى السادس عشر من جمادى الأول سنة ١٣١٥ هـ (١٣ أكتوبر سنة ١٨٩٧ م)، ويرد نسب هذا الكاتب بصفة مباشرة إلى دوحة أحمد ابن ناصر صاحب الطريقة الناصرية المراكشية، الذى دفن فى زاويته فى تامكروت فى بوادى درعة (درا)؛ وقد تلقى السلاوى العلم فى مسقط رأسه، وكان لبلدته فى تلك الأيام بعض الشهرة، فقد كانت مركزا للعلم، وكانت تنافس على نطاق ضيق مدينة فاس قصبة البلاد فى العلم والأدب، وكان أكبر شيخين من شيوخ السلاوى هما محمد بن عبد العزيز محبوبة والقاضى أبا بكر بن محمد عوَّاد. وقد تعمق فى دراسة أدب الدنيا عند العرب دون أن يهمل دراساته الشرعية والكلامية، والتحق أحمد الناصرى السلاوى، وهو فى نحو الأربعين من عمره، بالقسم الشرعى من حكومة الشريفى بوصفه كاتبًا شرعيًا أو ناظرًا على أملاك الدولة، وقد ولىّ فى تلك الحكومة من حين إلى حين مناصب يتفاوت شأنها؛ وجعل مقامه أول الأمر فى الدار البيضاء من سنة ١٢٩٢ إلى سنة ١٢٩٣ هـ (١٨٧٥ - ١٨٧٦)، ثم أقام مرتين فى مراكش، حيث عمل فى الإدارة المالية لبيت السلطان، وأقام بعدئذ فترة ما فى المدينة الجديدة (مازكان) حيث ألحق بخدمة دار المكوس، ثم قضى بعض الوقت فى طنجه وفاس، وعاد إلى مسقط رأسه فى أواخر أيامه حيث كرس نفسه للتعليم، فلما مات دفن فى مقبرة سلا خارج باب المعلقة. وكان الناصرى السلاوى موظفًا من صغار موظفى الحكومة، وكان أيضًا أديبًا ومؤرخا؛ وقد خلف، علاوة على مصنفه فى التاريخ الذى أكسبه بعض الشهرة حتى فى خارج مراكش، مصنفات أخرى كانت تكفى وحدها لجذب الأنظار إليه وتكسبه منزلة محترمة بين أدباء المغرب المحدثين؛ وهذه المصنفات،

стр. 5672

بالإضافة إلى الكتيبات الستة المفصلة فى كتابى: Historiens des Chorfa (ص ٣٥٣، تعليق ١) هى: (١) شرح على الشمقمقية، وهى قصيدة لابن الونّان، وقد أطلق السلاوى على هذا الشرح اسم "زهر الأفنان من حديقة ابن الونّان" (طبع على الحجر فى فاس سنة ١٣١٤ هـ، فى مجلدين). (٢) بحث فى الملل والنحل فى الإسلام، عنوانه تعظيم المنَّة بنصرة السنَّة (مخطوط برباط رقم ٦٦، انظر الفهرس الذى نشرته جـ ١، ص ٢٣). (٣) رسالة فى الأسرة الناصرية التى كان السلاوى من أعضائها اسمها: طلعة المشترى فى النسب الجعفرى (مطبوعة على الحجر فى فاس فى مجلدين) وقد وضع بودان M. Bodin موجزًا فرنسيًا هذه الرسالة (انظر La Zaouia de Tamegrout: M.Bodin , فى Archives Berbees، ١٩١٨) ويعدّ هذا المصنف، الذى أتمه مؤلفه سنة ١٣٠٩ هـ (١٨٨١ م)، تاريخًا صحيحًا لزاوية تامكروت، وفيه معلومات على جانب كبير من الطرافة، عوضت كل ما ورد فى الكتاب من استطرادات حاول بها المؤرخ أن يدلل على صحة نسب أسرته مستعينًا بحجج يرقى إليها بعض الشك. وأعظم مؤلفات أحمد الناصرى السلاوى هو كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، وكان نشره حدثًا لا نظير له فى تدوين التاريخ المغربى؛ ولم يكتب المؤلف أخبارًا محدّدة بل وضع تاريخًا عامًا لبلاده، ورحب المستشرقون الأوربيون به عند نشره، بل لم يطل به الزمن حتى جذب إليه أنظار مؤرخى إفريقية الشمالية، وأصبح من الوثائق التى يرجع إليها كثيرًا، وخاصة أن الترجمة الفرنسية لهذا المؤلف التى نشرت فى Archives Morocaines سرعان ما جعلت الربع الأخير منه، وهو تاريخ الأسرة العلوية، فى متناول غير العرب وسرعان ما سلم الناس بأن هذا السجل التاريخى يشبه جميع آثار عرب المغرب فى كتابة التاريخ. وكتاب السلاوى هذا إنما هو مصنف يقوم على الجمع، وأعظم فضائله أنه يجمع فى رواية

стр. 5673

متصلة أشتاتا من مفيدة التاريخ السياسى مبعثرة فى كتب التاريخ الإخبارى أو كتب الطبقات التى صنفت فى المغرب، على أنه لا مناص لنا من التسليم بأن السلاوى كان أول من حاول من مواطنيه أن يوفى ويستقصى موضوعا لم يتناول أسلافه إلا بعض أجزائه، على أن هذا لم يكن هدفه الأول: فقد بينت فى موضع آخر (المصدر المذكور، ص ٣٥٧ - ٣٦٠) أن نقطة البدء فى جمع كتاب الاستقصا كانت مصنفًا مطولا بعض الشئ عن الأسرة المرينية المراكشية اعتمد بوجه خاص على المؤلفات التاريخية لابن أبى زرع وابن خلدون، وأطلق عليه اسم كشف العرين فى ليوث بنى مرين، وقد مكنته إقامته فى شتى عواصم مراكش من الوصول إلى المصادر التى استقى منها أخبار الأسر الأخرى، ومن ثم فكر فى تصنيف تاريخ كامل لمراكش. وقد فرغ من وضع مصنفه فى الخامس عشر من جمادى الآخرة عام ١٢٩٨ هـ (١٥ مايو عام ١٨٨١ م) قبل أن ينتهى عهد مولاى الحسن السلطان العلوى، وقد أهدى إليه مصنفه هذا، ولكن السلطان كان شحيحًا فى عطائه ومات السلطان، فقرر المؤلف طبع سجله التاريخى فى القاهرة بعد أن بلغ به السنة التى اعتلى فيها العرش السلطان مولاى عبد العزيز، وهكذا ظهر "الاستقصا" فى القاهرة فى أربعة مجلدات عام ١٣١٢ هـ (١٨٩٤ م). ونحيل القارئ على المصنف الذى تقدم بنا ذكره إذا شاء الرجوع إلى المصادر العربية لتاريخ الناصرى السلاوى، وإلى ثبت بالمصنفات التى اقتبس منها بعض العبارات أو نقلها بنصها، وحسبنا فى هذا المقام أن نشير إلى أن هذا الأخبارى كان أول كاتب مراكشى استخدم المصادر الأوربية كما استخدم المصادر العربية، وإنما عرف بأمر تلك المصادر الأوربية مصادفة، وهذه هى: تاريخ الجديدة فى عهد الحكم البرتغالى وعنوانه Memorias para historia da praca de Mazagan بقلم لويس ماريا دوكوتودا ألبوكرك داكونها Luis Maria da Conto de Albuquerque da Cunha، لشبونة ١٨٦٤. و Descripci historica de Marruecos y breve resena de sus dinastias بقلم مانويل كاستلانوس

стр. 5674

Manuel P.Castellanos، سانتياغو ١٨٧٨، أدريهو ليله ١٨٨٤؛ طنجة ١٨٩٨. ولا يختلف السلاوى فى ترتيب تاريخه عن المؤرخين الآخرين من مواطنيه، ولكننا نستبين أحيانا أن حاسة النقد كانت ملكة فيه، ويتملكنا الشعور بأنه مؤرخ بالمصادفة والاتفاق وأن الأدب كانت صناعته، كما أنه يفصح لنا أحيانا أنه كان مستقل الرأى استقلالا عظيما وأنه كان يتميز بشئ من سعة الأفق، وأما أسلوبه فأسلوب واضح مهذب لا يعمد إلى المجاز والسجع إلا فى النادر. والظاهر أن السلاوى كان مثال المؤرخ المراكشى الحديث الذى يكتب فى سهولة ورشاقة عظيمتين. وقد ترجم فومى E.Fumey المجلد الرابع من الطبعة العربية من الاستقصا بعنوان Chronique de la dynastie Alaouie au Maroc, فى Archives Marocaines، باريس ١٩٠٦ - ١٩٠٧، جـ ٩ و ١٠؛ وقد ترجم المجلد الأول فى المجلة نفسها منذ عهد قريب، جـ ٣٠, ٣١، باريس ١٢٩٣ و ١٩٢٥ بقلم جرول وكولان A.Graulle and G.S.Colin المصادر: وضع بروفنسال دراسة وافية فى حياة الناصرى السلاوى وفى مصنفاته. انظر Les Historiens des Chirfa: essai sur la litterature historique et biographique au Maroc du XVIeme au XXeme siecle: E.Levi-Provencal, باريس ١٩٣٢، ص ٣٥٠ - ٣٦٨؛ وقد فصل الكلام عن سيرة هذا المؤلف فى التعليقات. صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal] سلسبيل " سلسبيل": اسم عين فى الجنة ورد ذكرها فى القرآن مرة واحدة فقط فى الآيتان ١٧، ١٨ من سورة الإنسان: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. ويختلف النحاة فى اشتقاق كلمة سلسبيل، فبعضهم يقول إنها من الثلاثى س - ب - ل، على حين يذهب آخرون إلى أنها من الرباعى، وهى

стр. 5675

الاشتقاق الوحيد لهذا الرباعى فيما عدا صيغة التأنيث من الكلمة، وبعض النحاة يفسرونها بأنها هى "ما ينسل فى الحلق" كأن الحروف الأصلية التى فيها هى السين واللام فحسب. أما الاشتقاق "سلسبيلا" كما جاء فى تفسير "سل ربك سبيلا إلى هذه العين (١) " فاشتقاق يستنكرونه قائلين إنه خطأ. وتفسر الكلمة بأنها تدل على الشئ "السهل" أو "اللين" (يقال فى الشراب) الذى "لا خشونة فيه"، وهو "السهل الدخول فى الحلق"، ويوصف به اللبن والماء. وبعض النحويين يقولون إنها اسم علم على العين، ومن ثم فهى غير مصروفة لا تنون، وإن كانت قد نونت فى الآية التى استشهدنا بها لتتفق فى الوزن مع "زنجبيلا". ولكن ثمة نحويين آخرين يجعلونها صفة، ومن ثم فهى مصروفة وتنون. وقد شاع بين الجماعة الإسلامية أنها اسم علم، نستدل على ذلك من الحديث الذى أورده مسلم (كتاب الحيض، رقم ٣٧) حيث جاء فيه إن ثمة عينا فى الجنة يشرب منها المؤمنون اسمها سلسبيل. المصادر: معاجم اللغة هى وتفاسير القرآن صبحى [هيك T.W.Haig] سلطان " سلطان": لقب ظهر أول ما ظهر فى القرن الرابع الهجرى (الحادى عشر الميلادى) بمعنى حاكم قوى أو عاهل مستقل على إقليم من الأقاليم. وقد وردت هذه الكلمة كثيرا فى القرآن الكريم، وقد تلقى الرسل هذا السلطان من اللَّه (انظر مثلا سورة إبراهيم، الآيتين ١٢، ١٣) (٢) والمعاجم (مثل تاج العروس، جـ ٥، ص ١٥٩) تفسر هذه الكلمة بأنها مرادفة لكلمتى حجة وبرهان. وهناك أيضا ست آيات

стр. 5676

قرآنية تدل فيها كلمة سلطان على معنى "القوة" ولكنها دائما هى القوة الروحية (سورة إبراهيم، الآية ٢٦ (١)؛ سورة الحجر، الآية ٤٢؛ سورة النحل، الآيتان ١٠١، ١٠٢ (٢)؛ سورة الإسراء الآية ٦٧ (٣)؛ سورة سبأ الآية ٢٠) (٤). على أن القوة، أو قوة الحكومة، هو المعنى الذى كان يفهم من كلمة سلطان إبان القرون الأولى للإسلام. وليس من شك أن هذه الكلمة ومعناها قد أخذ من الكلمة السريانية "سلطانًا" ومعناها القوة أو من يحسن استعمال القوة، والمعنى الثانى نادر (Thesaurus Syriacus: Payne-Smith عمود ٤١٧٩؛ Beitrage zur semitischen Sprachwissenschaft: Noldeke استراسبورغ سنة ١٩١٠، ص ٣٩) ولعل المعنى القرآنى لهذه الكلمة قد اشتق أيضا من معنى القوة (وقد حاول بعض أصحاب المعاجم تفسيرها بأنها جمع سليط أى زيت الزيتون) وحاول بعضهم من بعد أن يربط بين لقب سلطان ومعنى الجدل، ومن ثم فسر على أنه ذو الحجة (تاج العروس، الموضع المذكور). وتدل كلمة سلطان فى كتب الحديث على معنى القوة فحسب، وهى قوة الحكومة فى الغالب (السلطان هو الوالى الذى ليس عليه وال آخر، الترمذى، جـ ١، ص ٢٩٤) , على أن هذه الكلمة تدل أيضا فى بعض الأحيان على قوة اللَّه المطلقة؛ وفيما يتصل بالبشر فإن أشهر حديث هو "السلطان ظل اللَّه فى الأرض". (انظر Muhammedanische Studien: Goldziher، جـ ٢، ص ٦١، Le sens des expressions ombre de Dieu, Khalife de Dieu فى R. H. R، جـ ٣٠، ص ٣٠، ص ٣٣١ وما بعدها). ويذكر العتبى هذا الحديث فى بداية كتاب "اليمينى" ويقول شارحه المنينى إن الترمذى وغيره قد رجعوا بسند الحديث إلى ابن عمر (شرح اليمينى، القاهرة سنة ١٢٨٦ هـ، ص ٢١). وكان لهذا الحديث فيما بعد شأن فى

стр. 5677

النظريات الخاصة بالسلطنة وإذا تركنا كتب الحديث جانبا فإن المؤلفات العربية حتى نهاية القرن الرابع لا تعرف كلمة سلطان إلا بمعنى قوة الحكومة (نذكر من الأمثلة الكثيرة على ذلك: كتاب البلدان لليعقوبى، وكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم طبعة Torrey ص ١٨٣، وقد جاء فيه أن مقر سلطان إفريقية فى الأزمنة القديمة كان فى قرطاجنة؛ وكتاب ابن حوقل، ص ١٤٣ حيث قيل إن الموصل مقر السلطان وديوان الجزيرة) أو الشخص الذى تمثَّلت فيه فى وقت ما قوة الحكومة تمييزا له من الأمير الذى هو أقرب فى طبيعته إلى هذا اللقب. ونجد هذا المعنى الأخير الذى يعبر عنه فى بعض الأحيان تعبيرا أكمل من ذلك بقولهم "ذو السلطان" فى أوراق البردى المصرية المتقدمة التى ترجع إلى القرن الأول (انظر عن حاكم مصر كتاب Beitrage zur Geschichte Aegyptens: Becker ص ٩٠، تعليق رقم ٦). وكان فى القرون التالية يطلق أحيانا على الخلفاء (أطلق على الخليفة المنصور فى خطبة من الخطب لقب سلطان اللَّه، الطبرى، جـ ٣، ص ٤٢٦). ويطلق على الخليفة الموفق لقب السلطان (الطبرى، جـ ٣، ص ١٨٩٤، وكذلك يطلق هذا اللقب على الخليفة القادر، الطبرى ص ٩٩٧؛ العتبى: كتابه المذكور، ص ٢٦٥). والحق إن هذا العرف الذى جرى بتسمية شخص بالكلمة التى تدل على مقامه لها ما يماثلها فى جميع اللغات (انظر مثلا عن اللغة التركية الرسمية H.Ritter فى Islamica جـ ٢، ص ٤٧٥). بل يلوح لنا أن الصيغة الأشورية "سلتان" كانت تطلق على الحكام الأجانب (وفقا لما ذكره Ravaisse فى Z.D.M.G جـ ٦٣، ص ٣٣٠). وقد ظل معنى القوة وقوة الحكومة باقيا فى المؤلفات العربية إلى وقتنا هذا. وانتقال المعنى من تمثيل للسلطة السياسية غير المشخصة إلى لقب شخص تطور تطورا من العسير أن نتتبع مراحله. وقد ذكر الثقات الذين كتبوا بعد وقوع هذا التطور أقوالا لا يمكن أن نسلم بها على علاتها، مثال ذلك أن ابن خلدون (Prolegomena,

стр. 5678

جـ ٢، ص ٨ فى N.E جـ ١٨) يذكر أن جعفر البرمكى كان يطلق عليه لقب السلطان لأنه كان يشغل أقوى منصب فى الدولة، ثم حصل كبار المغتصبين لسلطة الخليفة من بعد على ألقاب مثل أمير الأمراء والسلطان. وقد سجل هذا الأمر أيضا عن البويهيين (Der Islam Morgen-und Abendland: A.Muller جـ ١، ص ١٦٨) والغزنويين، فقد ذكر ابن الأثير (جـ ٩، ص ٩٢) أن محمودا الغزنوى حصل على لقب سلطان من الخليفة القادر. ولم يؤيد العتبى هذه الرواية، ذلك أنه لم يذكر هذا اللقب عندما عدد الألقاب المختلفة التى خلعها الخليفة على محمود (المصدر المذكور، ص ٣١٧) على أننا فى الحق نلاحظ أن العتبى نفسه يطلق دائما على محمود لقب "السلطان" ويقول فى تفسير ذلك أن محمودا قد أصبح حاكما مستقلا (المصدر المذكور، ص ٣١١). مع ذلك فإن كلمة سلطان لم تكن فى نظر العتبى قد غدت بعد لقبا رسميا، لأنه كان يطلق هذا اللقب نفسه على الخليفة (انظر ما سبق). وأول حاكم غزنوى ظهر هذا اللقب على سكته هو إبراهيم (١٠٥٣ - ١٠٩٩) ويستعمل الفاطميون اللقب سلطان الإسلام (ابن يونس، ليدن، مخطوط) ونجد فى هذا الوقت نفسه أن لقب سلطان الدولة كان مستعملا عند البويهيين فى فارس (سلطان الدولة أبو شجاع ١٠١٢ - ١٠٢٤). وكان يحمل هذا اللقب بعينه الملك الرحيم آخر بنى بويه فى بغداد، وذلك فى الوقت نفسه الذى نلقى فيه المغتصب طغرل بك السلجوقى من الخليفة فى عام ١٠٥١ لقب السلطان ركن الدولة (الراوندى: راحة الصدور، مجموعة كب التذكارية، ص ١٠٥، وانظر أيضا ابن تغرى بردى، طبعة Popper، ص ٢٣٣). وقد كان طغرل بك أيضا أول حاكم مسلم تحمل سكته الكنية، أو قُل اللقب "سلطان" مقرونا بكلمة معظم أى السلطان المعظم (انظر Cat. of Oriental Coins in the Brit. Mus: S.Lane-Poole, جـ ٣، ص ٢٨ وما بعدها). وهذه الحقيقة ترجح لدينا أن يكون السلاجقة هم أول من أصبحت كلمة سلطان تستعمل

стр. 5679

عندهم لقبا يطلق على الحاكم. وكانت مناقب المعظم أمرا اقتضى الارتفاع بهذه الكلمة نهائيا من التنكير الذى يتفاوت مقداره إلى التعريف. ويفسر لنا هذا التطور فى الوقت نفسه لِمَ أصبحت كلمة سلطان بعد ذلك مباشرة أسمى لقب يمكن أن يتحلى به أمير مسلم، فى حين كان يمكن لأى ممثل للسلطة فى القرون السابقة أن يشار إليه بهذا اللقب. وسرعان ما حذفت الصفة "المعظم" التى كانت تلازم هذا اللقب فى اللغة غير الرسمية. ومن هنا أصبحت كلمة سلطان عند السلاجقة لقبا ثابتا للحاكم. ولم تكن تحمل هذا اللقب الأسر الإقليمية السلجوقية، (وقد ظهر بينها مع ذلك الاسم العلم سلطان شاه) ولا الأتابكة من بعدهم، على أنهم كانوا قانعين بالقاب مثل ملك وشاه. ولم يتخذ الخوارزمشاهية هذا اللقب إلا بعد زوال مُلك السلاجقة العظام فى منتصف القرن الثانى عشر. واستطاع الخليفة الناصر أن يستغل ضعف جلال الدين خوارزمشاه، فأبى أن يعترف له بأحقيته فى هذا اللقب (النسوى: سيرة جلال الدين منكبرتى Vie de Djelaleddin Manknbirti طبعة Houdas ص ٢٤٧). وسرعان ما أطلق سلاجقة الروم على أنفسهم أيضا لقب سلطان (على السكة منذ عهد قلج أرسلان الثانى). وأطلق هذا اللقب فى الكتب على صلاح الدين الأيوبى أول الأيوبيين حوالى ذلك الوقت (ابن جبير: الرحلة، طبعة Wright and de Goeje، ص ٤٠) وإن كانت كلمة سلطان لم تظهر قط على سكة الأيوبيين الذين كانت ألقابهم الرسمية تقترن كلها بكلمة الملك. وأصبحت كلمة سلطان فى مؤلفات القرن الثالث لقبا يدل على الاستقلال السياسى المطلق. فابن الأثير (جـ ١١، ص ١٦٩) يتحدث عن بغداد وأرباضها فيقول إنها الأرض التى يحكمها الخليفة دون أن يكون له سلطان عليها. ولسنا نعرف على التحقيق هل كان الخليفة فى آخر عهد العباسيين فى بغداد يعد السلطة الوحيدة التى تستطيع منح لقب سلطان. على أننا نجد أنه ما إن سقطت الخلافة حتى أخذ عدد متزايد من الأمراء المسلمين ينتحلون لأنفسهم هذا اللقب. وكان هذا اللقب فى الاستعمال

стр. 5680

الرسمى يتبعه غالبا صفة مثل الأعظم والعادل. . . إلخ. (أورد كدرنكتون O.Codrington ثبتا كاملا فى A Manual of Musalman Numismatics بهذه الصفات، لندن سنة ١٩٠٤ - س ٨١ - ٨٢) وأسبغ سلاطين مصر خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر أعظم ما يمكن من البهاء والسناء على لقب سلطان، وتبعهم فى ذلك سلاطين آل عثمان. وهكذا أصبح السلاطين حكاما يعترف الناس جميعا بسلطانهم المطلق مما جعل بعض المؤرخين ينصبون أنفسهم لوضع نظريات يبررون بها وجود مثل هؤلاء الحكام الذين لم يكن لهم وجود فى نظرة القدماء للخلافة الإسلامية وهذه النظريات قديمة قدم الماوردى (الذى كتب مؤلفاته فى عهد البويهيين) والذى لم يكن يفهم بعد من السلطان شيئا آخر سوى السلطة الحكومية كما يستدل من عنوان كتابه "الأحكام السلطانية". ويقول الماوردى (طبعة Enger، بون سنة ١٨٥٣، ص ٣٠ - ٣١) إن الخليفة قد يظل فى منصبه وإن سيطر عليه أحد أتباعه بشرط أن تكون أفعال هذا التابع متفقة وأحكام الدين. وقد فعل ذلك العتبى الذى استشهد بالحديث الذى يقول إن السلطان هو ظل اللَّه فى الأرض (انظر ما سبق) والأرجح أنه فعله ليبرر مركز محمود الغزنوى المستقل الذى كان يلقبه على الدوام بلقب السلطان. على أن هذه الإشارة ربما كانت أقرب إلى اللعب بالألفاظ منها إلى النظرية الفقهية. وهناك ثمة آراء للغزالى يُنزل فيها مرتبة "سلاطين زمانه" (Stritschrift des Gazali gegen die Batininjja-Sekte: Goldziher ليدن سنة ١٩١٦، ص ٩٣). ولم توضع نظرية محددة فى هذا الشأن إلا فى عهد سلاطين المماليك بمصر، وقد وصفها خليل الظاهرى (زبدة كشف الممالك، طبعة Ravaisse, ص ٨٩ - ٩٠). وكان المماليك يطلقون على أنفسهم فى نقوشهم لقب "سلطان الإسلام والمسلمين" (انظر Inschrifen our Syrien, Meso. Potamien und Kleinasien: van Rerchem) ثم إننا نجد فى هذا العهد نفسه تقريبا أن ابن عربشاه يقول فى كلامه عن سيرة السلطان جقمق (مجلة الجمعية الآسيوية الملكية سنة

стр. 5681

١٩٠٧، ص ٢٩٥ وما بعدها) أن السلطان خليفة اللَّه على الأرض فى شئون الحكم، فى حين أن العلماء هم ورثة النبى [ ﷺ ] فى أمور الدين. وهذه الرواية مثلها مثل رواية العتبى فيها إشارة تنحو منحى الحديث (فى صيغة أخرى) ثم إننا نجد أخيرا أن السيوطى (حسن المحاضرة، جـ ٢، ص ٩١ وما بعدها) يذكر تعريفا لألقاب السلطان (ذلك الذى فى كنفه ملوك): هو السلطان الأعظم وسلطان السلاطين، وهو أرفع الألقاب. وقد كان فى عهد المماليك فعلا عدد من الحكام المسلمين يطلقون على أنفسهم لقب سلطان. وقد طلب بعضهم الأذن من الخليفة فى القاهرة بحمل هذا اللقب، مما يتمشى ونظرية الظاهرى. ويمكن أن نقول إنه منذ أن بدئ فى استعمال هذا اللقب كان جميع الحكام العظام الذين حملوه من أهل السنة مع استثناء الخوارزمشاهية. [حكام خوارزم] ونخلص من هذا إلى أنه لم يكن من قبيل التوافق المحض أن هذا التطور قد سار جنبا إلى جنب مع النهضة الدينية الإسلامية إبان الحروب الصليبية، فقد أصبح السلاطين العظام فى الوقت نفسه هم حماة الإسلام الذين على مذهب أهل السنة. وقد اتخذ الحكام المغول بعد أن اعتنقوا المذهب السنى هذا اللقب نفسه. وهذا المعنى السنى للقب ملحوظ بصفة خاصة فى السلطنة العثمانية. والظاهر أن بعض السكة التى ضربها أورخان كانت تحمل لقب سلطان (Cat, Or,Coins: S.Lane.Poole جـ ٨، ص ٤١) وإن كان الأمراء العثمانيون الأولون كانوا يعدون بصفة عامة أمراء فحسب (ابن بطوطة جـ ٢، ص ٣٢١). ويقال إن بايزيد الأول كان أول من حصل من الخليفة بالقاهرة على حق تلقيب نفسه بلقب سلطان (G. O. R.: von Hammer جـ ١، ص ٢٣٥). وقد اتخذ محمود الثانى لنفسه بعد الاستيلاء على القسطنطينية لقب "سلطان البرين والبحرين" (G. O. R جـ ١، ص ٨٨) على أن كلمة سلطان لم تكن شائعة فى الامبراطورية العثمانية لقبا على الحاكم شيوع لقب خنكار ولقب بادشاه. ثم أن هذا اللقب كان

стр. 5682

يحتل فى المراسم الرسمية مكانة هامة مثال ذلك صيغة السلطان ابن السلطان. . الخ التى تذكر قبل الحكام. وبعد انتهاء سلطنة المماليك على يد الفاتح سليم الأول أصبح الحكام العثمانيون دون منازع أعظم السلاطين فى الإسلام. وكان يطلق على الصفويين فى فارس لقب شاه، وكان اللقب المناظر له، وهو سلطان شاه، يفصح من ثم عن الخلاف بين أهل السنة والشيعة. صحيح أن الصفويين كانوا من الناحية الرسمية يطلقون على أنفسهم لقب سلطان مثال ذلك ما نجده على سكتهم (Catalogue of the Coins of the Shahs of Persia in the British Museum: R.S.Poole لندن سنة ١٨٨٧، الفهرس، ص ٣١٣، مادة سلطان) إلا أنهم كانوا لا يعرفون إلا بلقب شاه. كانت كلمة سلطان فى تركية لقبا رفيعا على الدوام. وكان يحمل هذا اللقب الأمراء علاوة على الحكام، ويقال إن من الأسباب التى أفقدت إبراهيم باشا الصدر الأعظم، المقرب من سليمان الأول، ما كان له من حظوة أنه اتخذ لنفسه لقب سر عسكر سلطان (G. O. R جـ ٣، ص ١٦٠). وفى عهد عبد الحميد الثانى لم يكن يسمح للزعماء القليلى الشأن الذين عينوا سلاطين فى بلادهم (مثل حضر موت) استخدام هذا اللقب عندما يزورون الآستانة (وهى معلومات أمدنى بها الأستاذ Snouck Hurgronje) وكان لقب سلطان فى تركية يوضع دائما أمام اسم الحاكم أو الأمير مما يدل على الأصل الأجنبى لهذا اللقب. والاستعمال الحقيقى الشائع لهذه الكلمة فى التركية هو استعمالها بمعنى أميرة (انظر مثلا قصة سليمة سلطان فى Hilfrbuch: Jacob جـ ٢، ص ٥٩ واستعمال هذه الكلمة فى الشعر الغزلى؛ ولا مناص لنا من أن نرجع فى هذا إلى ما جرى عليه الترك من وضع كلمة سلطان بعد الاسم عندما يريدون الإشارة إلى أن صاحبته أميرة؛ انظر عالى؛ كنه الأخبار، جـ ٥، ص ١٦). ولهذا السبب نفسه تضاف كلمة سلطان بعد الاسم عندما تطلق على متصوف (انظر ما يلى).

стр. 5683

على أن كلمة سلطان تستعمل فى فارس لقبا للموظفين والولاة (عالى، الكتاب المذكور، Z. D. M. G، جـ ٨٠، ص ٣٠). ويتحدث أوليا جلبى عن سلاطين فارس على اعتبار أنهم من أصاغر الولاة (سياحتنامه، جـ ٢، ص ٢٩٩ - ٣٠٥). والحالة الوحيدة التى للقب فيها الحاكم بلقب سلطان هى حالة قاجار أحمد الأول آخر البيت القاجارى الذى تلقب هذا اللقب عند اعتلائه العرش بعد ثورة سنة ١٩٠٨. واختفى هذا اللقب فى مصر بزوال ملك آخر سلاطين المماليك، ولكنه بعث مرة أخرى مدة قصيرة (١٩١٤ - ١٩٢٢) من عهد السلطان حسين وبداية حكم فؤاد. وعدد الأسر التى كان يحمل حكامها لقب سلطان أو هم يحملونه الآن كبير جدا. ولم يظهر هذا اللقب فى شمالى إفريقية إلا فى عهد متأخر بعض الشئ. وكانت أسرة الشرفاء فى مراكش (منذ النصف الثانى من القرن الثامن عشر) هى أول أسرة اتخذت لقب سلطان. وسلطان لقب يطلق أيضا على شيوخ المتصوفة. ولم تستعمل هذه الكلمة هذا الاستعمال قبل القرن الثالث عشر، وقد انتشرت بصفة خاصة فى آسية الصغرى والدول التى تأثرت بالحضارة العثمانية. ولعل أول تطور طرأ على استعمال الكلمة هو اتخاذها ألقابا مثل سلطان العاشقين الذى خلع على الشاعر المتصوف ابن الفارض، وسلطان العلماء الذى كان يحمله بهاء الدين ولد أبو جلال الدين الرومى. على أن هذه الكنية كانت متأثرة من غير شك فى تطورها بالرأى الذى كثيرا ما عبر عنه فى شعر التصوف، وهو أن المتصوف يبلغ مرتبة الحاكم وقوته فى العالم الروحى. ويمكن تفسير لقب خنكار عن طريق هذا التسلسل نفسه فى الآراء. ويقول أولياجلبى (سياحتنامه جـ ٣، ص ٣٦٧ - ٤٦٨) عند حصر أسماء السلطان محمد الثانى وبايزيد الثالث هى وأسماء اثنين من المتصوفة إنهم كانوا جميعا سلاطين عظاما. وكان هذا هو الأصل فى أسماء مثل دده سلطان وبابا سلطان. وكان الشيخ بدر الدين زعيم الحركة

стр. 5684

الانقلابية الدينية فى آسية الصغرى فى القرن الخامس عشر يطلق عليه مريدوه اسم سلطان. ويرى بابنكر Babinger (Isl، جـ ١١، ص ٧٤) فى هذا إشارة إلى أنه كان يعد حاكما حقيقيا. ويظهر أن لقب سلطان كان يحمله البكتاشية بصفة خاصة، ولم يكن يدل مع ذلك على مرتبة سامية بعينها فى هذه الطائفة، ومن ثم فإن من المحتمل أن بابنكر (المصدر المذكور) قد أصاب كبد الصواب عندما اعتبر هذا اللقب مجرد لفظ يدل على التودد والمحبة " Kosename". المصادر: (١) Geschichte der Chalifen: Weil مانهايم سنة ١٨٤٨، جـ ٢، ص ٣٤٥. (٢) Geschichte der herrschenden Ideen des Islams: A.von Kremer ليبسك سنة ١٨٦٨, ص ٤٢١ وما بعدها. (٣) Turkestan v epokhu mongolskago nashestviya: Barthold سانت بطرسبرغ سنة ١٩٠٠، جـ ٢، ص ٢٨٥. (٤) Miszellen: C.F.Seybold فى Z. M. G، سنة ١٩٠٨، جـ ٦٢، ص ٥٦٣ وما بعدها، وما بعدها. (٥) المؤلف نفسه Nochmals Sultan فى Z.D.M.G، سنة ١٩٠٩، ص ٣٢٩ وما بعدها. (٦) Barthold's Studien uber Kalif and Sultan: C. H. Beckor فى Islam، جـ ٦، وخاصة ص ٣٥٦ وما بعدها. (٧) Die Renaissance des Islams: A.Mez هيدلبرغ سنة ١٩٢٢، ص ١٣٣. (٨) The Caliphate: T.W.Aronld لندن سنة ٢٤ وخاصة ص ٢٠٢ وما بعدها. (٩) Islam und Kalifate: Paul Wittek فى Archiv fur Sozialwissen schaft and Sozialpolitik سنة ١٩٢٥، جـ ٥٣. وخاصة ص ٤١٤ وما بعدها. وليس من المستطاع أن ندرس تاريخ لقب سلطان دراسة كاملة بدون الإفادة من المادة الوافرة فى الكتابات والنقوش، ونحن نأمل أن لا يتأخر طويلا نشر هذه المادة. الشنتناوى [كرامرز J.H.Kramers]

стр. 5685

سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة البويهى: توفى بهاء الدولة فى الخامس من جمادى الآخرة عام ٤٠٣ (٢٢ ديسمبر عام ١٠١٢) بأرَّجان فخلفه ولده سلطان الدولة أميرا على فارس والعراق. وقد نزح لتوه من أرجان إلى شيراز، وأقام أخاه جلال الدولة واليا على البصرة، كما أقام أخاه الآخر أبا الفوارس على كرمان، وقد حرض الجنود الديلم أبا الفوارس على الانتقاض على سلطان الدولة فشخص إلى فارس ودخل شيراز، ولكنه سرعان ما طرد من هذه المدينة واضطر إلى الارتداد إلى كرمان. ثم ذهب إلى خراسان وطلب العون من السلطان محمود بن سبكتكين، وكان وقتذاك فى بست، فوضع محمود تحت تصرفه جيشا ولى عليه الأمير أبا سعيد الطائى. واحتل أبو الفوارس كرمان، ثم وجه اهتمامه إلى فارس، ودخل شيراز، على حين كان سلطان الدولة فى بغداد، ولما عاد سلطان الدولة حدثت وقعة هزم فيها أبو الفوارس، ففر إلى كرمان (٤٠٨ = ١٠١٧/ ١٠١٨ م) أعقابه جنود سلطان الدولة الذين سرعان ما فتحوا هذا الإقليم، على حين التجا أبو الفوارس بادئ الأمر إلى شمس الدولة ابن فخر الدولة ثم إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة. وتم الاتفاق بين الطرفين بعد مفاوضات طويلة عام ٤٠٩ هـ (١٠١٨/ ١٠١٩ م)، وبمقتضاه احتفظ أبو الفوارس بولاية كرمان على أن يدين بالطاعة لأخيه. واختير ابن سهلان فى هذا العام نفسه واليا على العراق. وقد جر ابن سهلان على نفسه مقت الترك الذين اشتكوه إلى سلطان الدولة، فحاول استرضاءهم، واستدعى إليه ابن سهلان، ولكن ابن سهلان لم يذهب إلى مولاه بل فر إلى البطيحة، ولما طلب سلطان الدولة تسليمه أبى عليه ذلك الحسين بن بكر الشرابى صاحب البطيحة. وعند ذلك أنفذ سلطان الدولة جيشا لقتاله. وحلت الهزيمة بالشرابى، وفر ابن سهلان إلى البصرة واحتمى بجلال الدولة. وكان الجنود غير راضين عن سلطان الدولة وأظهروا ميلهم إلى الاعتراف بأخيه مشرف الدولة سلطانًا عليهم، ولذلك اتفق

стр. 5686

الأخوان على أن يتولى مشرف الدولة أمر العراق، على أن لا يلحق أى منهما بخدمته ابن سهلان. بيد أن سلطان الدولة اتخذ ابن سهلان وزيرا له بعد أن ذهب إلى تستر على الرغم من هذا الاتفاق مما أسخط مشرف الدولة، ثم جهز سلطان الدولة جيشا وأمر ابن سهلان بأن يجلى مشرف الدولة عن العراق. وخرج مشرف الدولة لملاقاته، وحلت الهزيمة بابن سهلان، وفر إلى واسط حيث استسلم بعد حصار طويل فى ذى الحجة ٤١١ (أبريل ١٠٢١). ولقب مشرف الدولة بعد هذا الانتصار بلقب التشريف "شاهانشاه" أى ملك الملوك، ثم أسقط فى المحرم من سنة ٤١٢ (مايو عام ١٠٢١) اسم أخيه من الخطبة ووضع اسمه مكانه. وقبض على ابن سهلان فى هذا العام نفسه وسملت عيناه بأمر كل من جلال الدولة ومشرف الدولة. على أنه بالرغم من هزيمة سلطان الدولة فإن فريقا من ديلم الأهواز انحازوا إليه ولذلك أرسل ولده أبا كاليجار إلى هناك للاستيلاء على هذا الإقليم. وعقد الصلح فى عام ٤١٣ هـ (١٠٢٣/ ١٢٠٣ م) وقد نص على أن يتولى سلطان الدولة أمر فارس وكرمان، على حين يحكم مشرف الدولة العراق بأسره. وتوفى سلطان الدولة وفقا للرواية الشائعة فى شيراز فى شوال سنة (ديسمبر ١٠٢٤/ يناير عام ١٠٢٥) وجاء فى رواية أخرى أنه لم يتوف إلا فى شعبان عام ١٤٦ (سبتمبر/ أكتوبر عام ١٠٢٥). المصادر: (١) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ جـ ٩، فى مواضع مختلفة. (٢) تاريخ أبى الفداء طبعة جـ ٣، ص ٢٥، ٤٤٧، ٥١، ٦٣، ٦٥. (٣) ابن خلدون: العبر، جـ ٤، ص ٤٧٠ - ٤٧٤. (٤) حمد اللَّه المستوفى القزوينى: تاريخ كزيده، طبعة Browne جـ ١، ص ٤٣٠ وما بعدها. (٥) Gesch. d. Sultane aus d.Geschl Bukeh nach Mirchond: Wilken فصل ١٣ - ١٤. (٦) Gesh d,Chalifen: Weil جـ ٣، ص ٥٢ - ٥٤.

стр. 5687

(٧) Manuel de Geneologie et de Chronologie: de Zambaur ص ٢١٢ وما بعدها. الشنتناوى [تسترشتين K.V.Zettersteen] سلمان الفارسى من صحابة النبى [ ﷺ ] ومن أشهر الشخصيات التى تحدثت عنها الروايات الإسلامية. وتقول إحدى الروايات التى ترجع أكمل صورة من الصور الكثيرة الباقية منها إلى محمد بن إسحاق إنه كان ابن دهقان قرية جى (أوجيان، انظر ياقوت، جـ ٢، ص ١٧٠) الفارسية بالقرب من إصفهان. وتذهب روايات أخرى إلى أنه نشأ فى أرباض رامهرمز وأنه كان يسمى فى الإيرانية ماهبيه (مابيه) أو روزبيه (انظر Iran.Namenbuch: Justi ص ٢١٧، ٢٧٧). وقد استهوته النصرانية وهو بعد صبى فترك بيت أبيه وتبع راهبا نصرانيا، ثم بلغ الشام بعد أن تتلمذ على شيوخ كثيرين. وهبط من الشام، ويمم لا يلوى على شئ إلى وادى القرى فى أواسط الجزيرة العربية طلجا للرسول الذى شاء اللَّه أن يُحيى دين إبراهيم، وكان آخر شيوخه قد أنبأه وهو على فراش الموت بقرب ظهوره. وقد غدر بدو بنى كلب بسلمان، وهم الذين كانوا أدلائه فى اجتيازه الصحراء، فباعوه بيع الرقيق إلى رجل يهودى، على أنه أتيحت له الفرصة للشخوص إلى يثرب، وما إن بلغها حتى تمت هجرة الرسول [ ﷺ ] وقد شاهد سلمان علامات النبوة التى كان قد أنبأه بها الراهب على محمد فأسلم واشترى حريته من سيده اليهودى، وقد أعانه النبى [ ﷺ ] بكرامة من كراماته على جمع المال اللازم لإعتاقه. ويقترن اسم سلمان بحصار أهل مكة للمدينة، ذلك أنه هو الذى أشار بحفر الخندق الذى استطاع به المسلمون أن يحموا أنفسهم من عدوهم، غير أننا نلاحظ كما بين هوروفنز أن هناك روايات تحدثت عن يوم الخندق لم تذكر شيئا عن تدخل سلمان فى الأمر. ويظن البعض أن تكون تلك القصة قد اخترعت لكى تنسب إلى أحد الفرس هذه الوسيلة من وسائل الدفاع التى تسمى باسم من أصل فارسى. ونفس الخلاف بالنسبة للروايات

стр. 5688

الأخرى الخاصة بأعمال سلمان (نصيبه فى فتح العراق وفارس، وولايته للمدائن وغيرها) لأن جلها أو كلها يرجع إلى عهد المؤرخ سيف بن عمر وهو مؤرخ عرف كتابه بالتحيز والهوى [فى رأى البعض]. وليس من شك فى أن شهرة سلمان تكاد ترجع جميعها إلى أصله الفارسى، فهو المثال الأول للفرس الذين دخلوا فى الإسلام (شأنه فى ذلك شأن بلال الذى يمثل الأحباش وصهيب الذى يمثل الروم) وكان لهم شأن فى تطوره. وقد أصبح سلمان بهذه الصفة البطل القومى لفارس الإسلامية وشخصية من الشخصيات المحبوبة لدى الشعوبية (انظر Muh. Studien: Glodziher، جـ ١، ص ١١٧، ١٣٦، ١٥٣، ٢١٢)، ومما يفسر لنا أكثر الأحاديث التى تتعلق بسلمان ما روى من أن النبى [ ﷺ ] أنبأه بأن الفرس سيصبحون من خيرة الجماعة الإسلامية، وإنه صرح بأن سلمان من أهل البيت [كنوع من التكريم] وأن نصيبه السنوى من بيت المال كان مساو لنصيب الحسن والحسين حفيدى الرسول الخ. والحق أن شخصية سلمان التاريخية من أغمض الشخصيات، ومن العسير أن نسلم بأن أمره يقوم على أنه عبد فارسى من أهل المدينة دخل فى الإسلام. وقد تطورت شخصية سلمان تطورًا عجيبًا لا يقتصر على القول بأنه من مؤسسى مذهب التصوف هو وأهل الصفة (كتاب اللمع، طبعة Nicholson ص ١٣٤ - ١٣٥) بل إن الموضع الذى يقال إن به قبره قد أصبح منذ عهد متقدم جدا مزارًا دينيًا (على أكثر تقدير فى القرن الرابع الهجرى، انظر اليعقوبى: كتاب البلدان، المكتبة الجغرافية العربية جـ ٧، ص ٣٢١) ولا يزال الناس يشيرون إليه فى جوار المدائن القديمة فى المكان الذى عرف بسلمان باك (أى سلمان الطاهر) نسبة إليه بالقرب من ضاحية إسباندر القديمة. وقد جدد السلطان مراد الرابع (١٦٢٣ - ١٦٤٠ م) المسجد الذى به ضريح سلمان، وهو المسجد الذى شاهده بيترو دلافاله Pietro della Valle عام ١٦١٧ وهو فى أقدم صورة

стр. 5689

(Viaggi طبعة Gancia Brighton سنة ١٨٤٣ - جـ ١ ص ٣٩٤) وقد تم تجديد هذا المسجد حديثا (فى عام ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤ - ١٩٠٥) (Herzfeld Sarre Archaol. Reise im Euphrates und Tigrisgebiet جـ ٢، ص ٢٦٢، تعليق رقم ١ على أساس المعلومات التى ذكرها الصحفى العراقى المثقف كاظم الدجيلى؛ وانظر المصدر السابق، ص ٥١ [وهى لمحة طبوغرافية]، ص ٥٨). ويزور قبره كثير من الناس وخاصة الشيعة الذين لا يفوتهم زيارته عند عودتهم من كربلاء (انظر La Perse d' au-Aubin jourd'hui باريس سنة ١٩٠٨ ص ٤٢٦ - ٤٢٨). وتذكر روايات أخرى أن قبر سلمان يوجد بالقرب من إصفهان، حيث قام الدليل على وجود شعائر أتباعه فى القرن السادس، (ياقوت، جـ ٢، ص ١٧٠) وفى جهات أخرى (انظر عن اللد فى فلسطين Etudes d' archeologie orientale: Clermont-Ganneau جـ ٢، ص ١٠٨). وكان لسلمان شأن هام فى تطور "الفتوة" وفى نقابات أهل الحرف، وهو يُبجْل بصفته راعى الحلاقين، ومن هنا جاء الحديث الذى لم يكن معروفا فى الكتب الصحاح القديمة، وهو الحديث الذى يجعل سلمان حلاق النبى (انظر Studien Zu Bast madad at Taufiqu: H. morning، رسالة جامعية، كييل سنة ١٩١٣، ص ٣٣ - ٣٧، ٨٥ - ٩٠ Beitrage zur Kenninis des islamischen Vereinswesens. Turkische Bibliothek جـ ١٦؛ Abhandl. z arab Philol.: Goldziher جـ ٢، ص ٦٦، ٨٣). وهو أيضا أحد الحلقات الأساسية فى سلسلة التصوف عند أهل الطرق المختلفة (Coppoloni De Les ConfreriesMusulmanes: pont et ص ٩١). ومن الطبيعى أن يكون تبجيل الشيعة لسلمان يزيد على تبجيل أهل السنة له. فالشيعة لا تنسب له فحسب جملة أحاديث تمجد عليا وأهل بيته، بل إن الغلاة منهم يجعلون مقامه بعد علىّ مباشرة فى سلسلة الفيوضات الإلهية. وتجعله النصيرية الأقنوم الثالث فى الثالوث الذى يتكون من الأحرف الثلاثة فى الصوفية وهى ع (على) وم (محمد) وس (سلمان) (انظر La Religion des NosoIris: Dussaud ص ٦٢؛ Archiv. fur Religionswissenschaft Goldziher،

стр. 5690

جـ ١٢، ص ٨٨) وقد روى أن وفاة سلمان كانت سنة ٣٥ أو ٣٦ للهجرة، وهى رواية ليس لها آية قيمة -اللهم إلا أن المؤرخ الذى رواها لم يلق بالا إلى نشاطه بعد أن ولى علىّ الخلافة (نهاية عام ٢٥ هـ). [وفى رأى البعض] يقال عنه إنه عمر طويلا. (Abhandl: Goldziher جـ ٢، ص ٦٦) المصادر: نذكر إلى جانب المصادر الواردة فى صلب المقال: (١) ابن هشام، ص ١٣٦ - ١٤٢ = ابن سعد، جـ ٤، قسم ٤، ص ٥٣ - ٣٧ (٢) ابن حنبل: المسند جـ ٥، ص ٤٤١ - ٤٤٤ (٣) الكتاب المنحول للبلخى: كتاب البدء والتاريخ، طبعة Cl. Huart، ص ١١٠ - ١١٣، ٣٤٥، ٦٧٣، ٦٧٧. (٤) ابن سعد، جـ ٤، قسم ١، ص ٥٣ - ٦٧. (٥) الطبرى، طبعة ده غوى، الفهرس تحت هذا الاسم. (٦) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٣٢٨ - ٣٣٢ وغيره من كتب سير الصحابة. (٧) Annali dell' Islam: L. Caetani جـ ٥، ص ٣٩٩ - ٤١٩ (٣٥ هـ فقرة ٥٤١ - ٥٩٨) وفهرس جـ ١ - ٢، ٣، ٥. (٨) المؤلف نفسه Chronographia Islomica: جـ ١؛ ص ٣٨٣ (٣٥ هـ فقرة ٧٣). (٩) Selman du Fars Melanges H. Derenbourg: C. Huart فى باريس ١٩٠٩، ص ٢٩٧ - ٣١٠. (١٠) المؤلف نفسه: Nouvelles recherches sur la legende de Selman Selmaan du Fars de l'Ecole Pratique des Hautes Etudes قسم العلوم الدينية سنة ١٩١٣. (١١) J.Horovitz فى Der Islam سنة ١٩٢٢ جـ ١٢، ص ١٧٨ - ١٨٣. [الشنتناوى ليفى دلافيدا G.Levi Della Vida]

стр. 5691

السلمانية نجد هذا الاسم فى أبى حاتم الرازى المتوفى سنة ٣٢٢ هـ (٩٣٤ م) علما على سلسلة من فرق الشيعة الغلاة الذين بجلوا تبجيلا خاصا الصحابى سلمان الفارسى سواء ترك من بعده خلفاء يحملون رسالته أم لم يترك، وإما بوصفه فيضا من الفيوضات الإلهية يعده بعضهم أرفع مكانة من على (أبو حاتم الرازى: كتاب الزينة، ورقة رقم ٩٠٧). وقد كتب الجراذينى حوالى سنة ٢٢٠ هـ (٨٥٥ م) رسالة خاصة فى الرد عليهم. والسلمانية هو الاسم الظاهرى لطائفة يعرفهم الشيعة الأدرية باسمهم الصحيح وهو السينية أو السلسلية تمييزا لهم من الميمية أو العينية (وحرف السين هنا يرمز إلى سلمان، كما يرمز حرف الميم إلى محمد ﷺ والعين إلى علىّ)، وهذا التمييز لا ينصرف إلى شأنهم التاريخى بقدر ما ينصرف إلى شأنهم الروحى الثابت. والسينية يفضلون الباب المبدع رسول الروح القدس، على خلاف الميمية الذين يفضلون النبى ﷺ صاحب الاسم الظاهر، وعلى خلاف العينية الذين يفضلون الإمام المستتر. وهذه الأنظار الأدرية تجدها مبسوطة بشئ من التفصيل فى بحثى الذى كتبته عن سليمان باك (رقم ٧ Etudes Publ. Soc lraniennes، باريس ١٩٣٤ م، ص ٣٥ - ٣٩). وقد بينت فى هذا البحث كيف ارتبط الخطابية فى الماضى من ناحية عبادتهم لسلمان بالسينية (lvanov، ترجمته لأم الكتاب فى I. R.E ١٩٣٢ م، ص ٤١٩ - ٤٨٢) وكيف يرتبط بالسينية فى الحاضر النصيرية والعلى إلهية على أن ارتباط هذه الفرق بالسينية فى هذا الشأن يتفاوت مقداره. المصادر: البحث المشار إليه آنفا عن سليمان باك، ص ٤٧ - ٥٢. خورشيد [مانسينون Louis Massignon] سلوك مصطلح عند الصوفية يدل على سير الصوفى فى الطريق إلى اللَّه، ويبدأ بدخوله فى الطريق بإرشاد شيخ من

стр. 5692

شيوخ الصوفية وينتهى ببلوغه أسمى المراتب الروحية فى حدود قدرته. ويتضمن السلوك مطلبا يتخذ عن قصد ويسعى إليه السالك سعيا منتظما. ويجب على السالك أن يمضى فى هذا الطريق وأن يتحقق بكل مقام من مقاماته كالذكر، والتوكل، والفقر، والحب، والمعرفة وغير ذلك، قبل أن يتصل باللَّه (أى يصبح "واصلا"). ومن ثم كان السلوك يباين الجذبة. المصادر: (١) نفحات الأنس، كلكته سنة ١٨١٩ ص ٧ وما بعدها. (٢) R.A Nicholson: The Mystics of Islam ص ٢٨ وما بعدها. (٣) E.H.Palmer: Oriental Mysticism ص ٥٦ وما بعدها. الشنتناوى [نيكلسون R.A.Nicholson] سلول إن ثمة قبيلتين عرفتا بهذا الاسم، إحداهما من عرب الجنوب من فرع خزاعة، والأخرى من عرب الشمال، وهى تعد من حلف القبائل الذى عرف باسم الجمع هوازن. وكلتا القبيلتين لم يكن لهما شأن يذكر وإنى لفى شك من أمرهما، وأتساءل أليست هاتان القبيلتان حقا قبيلة واحدة، بدليل أن بعض الأفراد ينسبون حينا إلى هذه القبيلة وحينا إلى تلك. ١ - وقد هاجر فرع خزاعة إلى الحجاز فى تاريخ متقدم حدده نسابة العرب بعد تصدع سد مأرب، ثم تولوا سدانة الكعبة. وقد باع أحد أبناء هذا الفرع، وهو أبو غبشان المحترش بن هليل بن سلول، مفتاح الكعبة إلى قصى بن كنانة، وانتقلت سدانتها إلى قبيلة قريش. وانقسمت قبيلة قريش إلى ثلاث عشائر كبرى: حبشية، وعدى، وهرمز، والراجح أن العشيرة الأخيرة كانت صغيرة جدا بدليل أنه لم يرد ذكر علم واحد من أعلام الرجال ينتمى إليها. وقد انقسمت حبشية إلى عدة أسر هى: هليل، وقميص، وضاطر، وكليب، وغاضرة. وكان المحترش الذى ذكرناه آنفا ينتمى إلى هليل، وكذلك كرز بن علقمة الذى صحب النبى [ ﷺ ] حتى الغار فى هجرته من مكة إلى المدينة، ثم فقد أثره عندما وجد العنكبوت قد عشش على باب الغار. وقد امتد أجل كرز حتى أدرك عهد معاوية، وقد

стр. 5693

استعين بخبرته بخطة هذا الإقليم فى تحديد رقعة الأراضى المقدسة، ولا يزال هذا التحديد قائما إلى اليوم. وكان قبيسة بن ذؤيب من أسرة قمير، وقد ولد قبيسة فى حياة النبى ﷺ وتوفى فى الشام سنة ٨٦ هـ، وكذلك كان مالك بن الهيثم بن عوف، وهو من أكبر دعاة العباسيين ومن أصدقاء أبى مسلم، وقد ترك له أبو مسلم ولاية الجيش عندما شخص إلى الخليفة المنصور ثم قتل. ٢ - أما القبيلة التى انحدرت من هوازن فقد نسبت إلى سلول جدتهم لأمهم ابنة ذهل بن شيبان؛ وكان جدهم لأبيهم مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وقد نزلوا إلى الشرق من مكة، وانقسموا إلى عشر عشائر هى: عمرو، وضبيعة، ونهار، وسهيم، وغاضرة، وأدية، وجابر، ومعاوية، وجنى، ودهى. وكان من عشيرة غاضرة عمران بن حسين صاحب رسول اللَّه ﷺ الذى ولاه عمر بن الخطاب القضاء فى البصرة، والشاعر كثير عزة. وكان من عشيرة عمرو الشاعران عبد اللَّه بن همام والعجير. ونحن إذا وازنا بين أنساب أفراد قبيلة سلول على اختلافهم وجدنا خلافات ليست بالهينة، مثال ذلك أن غاضرة ترد فى سلسلة النسبين، ومن ثم يبدو أن من الحيطة أن نذهب إلى أنه وإن كان النسب العام معروفا فإن التبنى كان أمرًا غير مقطوع بصحته فى معظم الأحوال، مما أعجز قريحة علماء الأنساب الوقادة عن أن ترد هؤلاء الأفراد إلى نسب واحد مشترك. وكانت أكبر الصعوبات فى سبيل ذلك هى بلا شك أن سلول كان اسم امرأة ولم يكن اسم رجل، على الرغم من قول علماء الأنساب "ابن سلول" ونحن نصادف فى هذا المقام حالة مجتمع يقوم على سيادة الأم، وهو أمر غير مألوف فى أنساب القبائل العربية. المصادر: (١) ابن دريد: كتاب الاشتقاق، طبعة فستنفلد، ص ٢٧٦ وما بعدها. (٢) النويرى: نهاية الأرب، طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ٣١٨ وما بعدها و ٣٣٦. (٣) القلقشندى: نهاية الأرب، طبعة بغداد، ص ١٩٩، ٢٤٢٤، ٣١٢، ٣٢٦.

стр. 5694

(٤) العقد الفريد، طبعة القاهرة، ١٣١٦ هـ، جـ ٢، ص ٥٣. (٥) السمعانى: الأنساب، طبعة ماركوليوث، سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٠ ورقة رقم ١٣٠٤. (٦) الأغانى جـ ٩، ص ٩٣، جـ ١٥، ص ٥٣. (٧) أسد الغابة، طبعة القاهرة ١١٨٦ هـ فى مواضع مختلفة. (٨) ابن حجر: التهذيب، طبعة حيدر آباد، فى مواضع مختلفة. (٩) Gen ealogische Tabellen und RRegister: Wustenfeld خورشيد [كرنكوف F.Krenkow] سليح يجمع المؤرخون والنسابة العرب على القول بأن قبيلة أو عشيرة سليح كانت أول من أنشأ من العرب مملكة الشام، وإن كان الأمراء الثلاثة الذين ذكروهم لم ترد أسماؤهم على ما يظهر فى النقوش ولم يذكرها كتاب السريان. والشك يحيط أيضا بصلة هذه القبيلة بالقبائل الأخرى، فبعض الروايات تجعلهم من غسان وبعضها يقول إنهم فرع من قضاعة. ويطلق على أول ملوك سليح اسم النعمان بن عمر بن مالك، ثم جاء من بعده ولده عمر وهو آخر هذا الفرع. ومما يدل على مقدار ما فى هذا القول من حق أن قبيلة سليح يعدون من سلالة عرب الجنوب، وأنهم كانوا نصارى لأنهم كانوا يتلقون الأمر بتوليتهم من أباطرة الروم. ويذكر مؤرخو العرب أنهم جروا على فرض جزية على الرؤوس قدرها ديناران يؤديها جميع رعاياهم. وقد حدث أن جاء أحد عمالهم، ويدعى سبطة ليجبى هذه الجزية من رجل من قبيلة غسان يدعى جزع فكان أن قتله بدل أن يؤدى له الجزية. فأدى ذلك إلى حروب طويلة بين سليح وغسان انتهت بأن مكنت غسان لنفسها فى حكم عرب الشام، وكان الحارث ابن عمرو الملقب بالمحرق، أول حكامها، وقد حرمت سليح بذلك أن تمارس الحكم، إلا أنها ظلت فى الشام على ما يظهر مدة طويلة، ذلك أننا نجد لها ذكرا فى تاريخ متقدم يرجع إلى عام ١٣ هـ بين القبائل العربية التى حاربت فى صفوف الروم جيوش المسلمين الفاتحة. وقد ذكر أيضا أن سليح كانت جزءا من جيش

стр. 5695

الملكة الأسطورية الزباء، ومن المرجح أن آخر ملوك الهترة (الحضر) المسمى ضيزن أو سطرون من هذه القبيلة نفسها، وهو الذى قتله سابور بعد أن دافع طويلا عن عاصمته التى لم يتم الاستيلاء عليها إلا بخيانة ابنته. وذكر الإصفهانى ملكا آخر من ملوك الجزيرة يدعى زياد ابن الهيولة (أو الهبوله) وكان معاصرا للملك الكندى حُجْر بن آكل المرار. وذكر ملوك الجزيرة من هذه القبيلة باسم الجمع الضجاعم، ويذهب نولدكه إلى أنهم ربما كانوا هم سلالة قوم Toxon الذين ذكرهم الروم. ولعلنا نستطيع اعتمادا على ذلك كله أن نجعل عهد ملوكهم حوالى عام ٤٠٠ للميلاد على وجه التقريب. وليس من المتوقع أن نحصل على معلومات دقيقة موثوق بها من المصادر العربية. وما من شك فى أن ما ورد بهذه المصادر له أساس تاريخى، غير أن الأساطير قد طمست إلى حد كبير جميع الحقائق. المصادر: (١) كتاب الأغانى، جـ ١١، ص ١٦١. (٢) ابن قتيبة: كتاب المعارف، طبعة فستنفلد، ص ٥١، طبعة القاهرة، ص ٣٥، ٢١٥. (٣) ابن رشيق: العمدة، جـ ٢، ص ١٧٧. (٤) ابن خلدون: العبر، طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ٢٧٨. (٥) ابن دريد: كتاب الاشتقاق، ص ٣١٤. (٦) الميدانى: الأمثال، طيعة القاهرة سنة ١٣١٠، جـ ١، ص ١٥٦. (٧) القلقشندى: نهاية الأرب، طبعة بغداد، ص ٢٤٧. (٨) حمزة الإصفهانى: تاريخ طبعة Gottwaldt ص ١١٥. (٩) أبو الفداء: تاريخ، طبعة الآستانة، جـ ١، ص ٧٦. (١٠) Genealogische Tabellen, Register: Wustenfeld ص ٤٠٥. (١١) Geschichte der Perser undd Araber: Noldeke ليدن سنة ١٨٧٩، ص ٣٥. (١٢) Die Ghassanidischen Fursten aus dem Hanse Gaffn's(Abh. Pr. Ak. Wiss.١٨٨٧): Noldeke فى مواضع مختلفة.

стр. 5696

سليم الأول تاسع سلاطين آل عثمان، ويعرف فى التاريخ باسم ياوز سلطان سليم؛ وقد حكم من ٩١٨ هـ إلى ٩٢٦ هـ (= ١٥١٢ - ١٥٢٠ م)، وهو من أبناء بايزيد الثانى، ولد عام ٨٧٢ هـ (= ١٤٦٧/ ٦٨ م) أو عام ٨٧٥ هـ (= ١٤٨٠/ ٨١ م) (سجل عثمانى، جـ ٦، ص ٣٨)، وكان فى أواخر عهد أبيه واليا على سنجق طرابزون (أطر ابزندة)؛ وكان بايزيد قد أوصى بالعرش لأحمد أخى سليم، وكان يكبره سنا وإن كان يصغر الأمير قور قود، إلا أن سليما كان يطمع فى العرش لأن الجزء الأكبر من الجيش كان يؤازره. واشتعلت الحرب الأهلية آخر الأمر بين الأخوين على إثر تنصيب سليمان بن سليم واليا على بولى، واحتج أحمد فولى سليمان على سنجق كفه من أعمال القريم، ولحق سليم بعد ذلك بقليل (١٥١٠ م) بابنه فى كفه ورفض أن يطيع بايزيد، وكان قد أمره بالعودة إلى طرابزون، وذهب إلى أدرنة فى مارس سنة ١٥١١ فى جمع من التتر، وطلب أن يلى أمر سنجق الرومللى، ولم يقبل سليم أن يتراجع إلا بعد أن حزم السلطان أمره على تسيير جيش لمقاتلة ابنه، وكان ذلك بعد أن نصب سليم على سنجق سمندره على إثر مفاوضات جرت بتوسط مولانا نور الدين سركورز، على أنه سرعان ما عاد إلى القتال متذرعا بفتنة شاه قلى أو شيطان قلى فى آسية الصغرى، وقد لقى الهزيمة هذه المرة على يد جيش أبيه فى ٣ أغسطس قرب جرلو، فعاد يلود بالقريم ملتجئا إلى حميه خان منكلى كراى، بيد أن الإنكشارية النازلين فى قصبة البلاد كانوا فى صف سليم، فأكرهوا أحمد، وكان قد تقدم صوب الآستانة، على الارتداد (٢١ أغسطس)، وسعى أحمد وقورقود إلى استغلال غياب أخيهما عن البلاد فزاد ذلك من حب الناس له، ومن ثم غادر سليم القريم فى يناير سنة ١٥١٢ وبلغ الآستانة فى أبريل حيث كان الإنكشارية قد جاهروا بمبايعته، وحاول بايزيد أن يدخل معه فى مفاوضات إلا أن مسعاه خاب، وخلع عن العرش فى ٨ صفر سنة ٩١٨ هـ

стр. 5697

(٢٥ أبريل سنة ١٥١٢ م) على يد جمهور كبير من أشياع سليم، ومات بعد شهر من هذا التاريخ فى طريقه إلى ديموتوتقه. واستنفد سليم السنة الأولى من حكمه فى استئصال شأفة أخويه وأولادهما؛ وما إن حل شهر يولية سنة ١٥١٢ م حتى كان قد سار لقتال أحمد وابنه علاء الدين الذى كان قد استولى على بروسة، فأكرههماعلى الفرار ولكنه لم يقبض عليهما. وتحصن أحمد فى أماسية، وفشل سليم فى محاولة بذلها لأخذه على غرة فيها، ولعل هذا الفشل يرجع إلى خيانة الصدر الأعظم مصطفى باشا، ومهما يكن من شئ فقد أعدم مصطفى باشا وحل محله هرسك أحمد باشا، وفى ٢٧ نوفمبر أعدم خمسة من أولاد إخوة السلطان فى بروسه، ونعنى بهم أولاد إخوته المتوفين محمود وعالم شاه وشاهين شاه، ثم قبض آخر الأمر على قورقود، وكان قد فر إلى سنجق تكة، وقتله؛ وكان هذا هو المصير نفسه الذى لقيه أحمد، فإنه بعد أن أحرز عدة انتصارات منى بالهزيمة آخر الأمر، وقبض عليه فى سهل يكى شهر (٢٤ ابريل سنة ١٥١٣). وقد احتفظت الدولة العثمانية بعلاقاتها الودية مع البندقية والمجر وروسيا نتيجة للمفاوضات التى قام بها المبعوثون الذين أنفذتهم هذه الدول إلى الآستانة وأدرنة، ووجدت نزعة سليم الحربية متنفسا لها فى الشرق، حيث كان الشاه إسماعيل قد أسس دولة الصفويين الشيعيين القوية، وكان إسماعيل هذا قد آزر الأمير أحمد وحمى ابنه مراد، وكان له إلى ذلك أشياع كثيرون بين الصوفية فى آسية الصغرى، كما كانت أسرته مدينة بنجاحها إلى قزل باش الأناضول الذين كانوا قد انتقضوا وشيكا على السلطان بايزيد تحت إمرة شاه قلى؛ وأخذ سليم، مدفوعا بكراهيته لإسماعيل أو بغيرته على المذهب السنى، فى اضطهاد الشيعة فى دولته اضطهادًا، وكان مجموع من قتلهم أو ألقى بهم فى غيابة السجون أربعين ألفا، حسبما أجمعت عليه المصادر التركية، ولم يكن بد من

стр. 5698

وقوع الحرب بين الطرفين بعد هذا. وفى ٢٠ مارس سنة ١٥١٤ غادر السلطان أدرنة، وبعد شهر من هذا التاريخ اجتمع الجيش بأسره فى سهل يكى شهر، وكان سليم فى خلال ذلك قد بدأ إعلان الحرب بالرسائل المشهورة التى تبادلها مع الشاه إسماعيل، وهى مجموعة من الرسائل كتبها بأسلوب رفيع وبلهجة مهينة مثيرة (انظر منشآت فريدون بك، جـ ١، ص ٣٧٤ وما بعدها)، وكثيرا ما كانت هذه الرسائل تنتهى بقتل حامليها لتوهم، واتجه سليم فى الوقت نفسه إلى عبيد خان أمير الأزبكيين يحرضه على شن الحرب على الشاه، واجتاز الجيش التركى قونية وقيصرية (حيث لم يبد علاء الدولة من بيت ذى القدر غيرة كبيرة على معاونة الحملة) وسيواس، على حين شخص الأسطول إلى طرابزون مع إدارة المهمات الحربية وبدأ الإنكشارية يتذمرون من طول الحملة بعد أن جاوزوا أرزنجان، إلا أن سليما استرد هيبته بعد أن قتل عددا قليلا منهم، ولم يلتق سليم بجيش الشاه إلا فى سهل جالديران بين بحيرة أرمية وتبريز، وقد قضى الجيش العثمانى على الجيش الفارسى فى هذا الموضع قضاء مبرما فى ٢ رجب سنة ٩٢٠ هـ (٢٣ أغسطس سنة ١٥١٤) وتعلق إسماعيل بأذيال الفرار تاركا حريمه كله فى يد السلطان الظافر، ودخل سليم تبريز فى ٥ سبتمبر، وغادرها فى الثالث عشر منه حاملا معه كنوزا لا حصر لها وبضع مئات من الصناع، ليقضى الشتاء فى قره باغ، إلا أن معارضة الإنكشارية أكرهته على استئناف المسير إلى الأناضول؛ فسلك إليها طريق قارص وبيبرت حيث كان قد ترك فيها بيكلى محمد بك ومعه جيش، وذهب سليم بشخصه إلى مشتاه فى أماسية، أما الإنكشارية الذين كانوا قد أخذوا فى التمرد مرة أخرى لقلة الطعام، فقد أرسلوا إلى الآستانة؛ وكان من نتيجة هذه الاضطرابات أن عزل بيكلى من منصبه وولى مكانه خادم سنان باشا بكلر بك (أكتوبر سنة ١٥١٤ م)، وكان سنجق بك سمندره قد رد المجر على أعقابهم فى هجمة قاموا بها بالقرب من بلغراد.

стр. 5699

وامتازت سنة ١٥١٥ بغزو الأناضول الشرقية وكردستان، ذلك أن سليما الذى كان قد اتخذ لقب الشاه بعد أن عقد له لواء النصر (حسبما يظهر على السكة)، شخص إلى كمخ أو كماخ، فاستولى عليها فى مايو، ثم عاد إلى سيواس، وأنفذ منها الصدر الأعظم الجديد فى حملة على علاء الدولة المسن أمير ذى القدر؛ وكان سليم قبل ذلك، قد ولى على بك، ابن أخى علاء الدولة، على سنجق قيصرية فى خريف سنة ١٥١٤، وقد أوقع على الهزيمة بسليمان ابن علاء الدولة وقتله، وفى ١٢ يونية سنة ١٥١٥ هزم سنان باشا جيش ذى القدر فى سهل كوكسن، وقتل علاء الدولة وقبض على أولاده الأربعة وقتلوا؛ وكان فتح بلاد ذى القدر، بما فيها من حصنى ألبستان ومرعش، من الأسباب التى أدت إلى نشوب الحرب بين سليم وسلطان مصر، وكان قد اعترف به سلطانًا على هذه الأسرة، ثم عاد سليم إلى الآستانة فبلغها فى ١٧ يولية، وكان قد قتل فيها نفرا من كبار عمال الدولة اتهمهم بأنهم أثاروا فتنة الإنكشارية، ومنهم القاضى عسكر والشاعر جعفر جلبى، وفى أغسطس شب حريق هائل دمر جزءا من قصبة البلاد وتبعه قتل أناس آخرين. وبايع بكوات كردستان سليما بعد وقعة جالديران، وكان جل أهل كردستان من السنية؛ وكان أهل ديار بكر وغيرها من المدن قد فتحوا أبواب مدنهم للترك، إلا أن حصون بعض البلاد (مثل ماردين) كانت لا تزال تحتلها الحاميات الفارسية؛ وكان بيكلى محمد، الذى كان قد نصب بكلر بك على ديار بكر، قد عهد إليه الإشراف العسكرى على البلاد، وعين المؤرخ إدريس البدليسى، وكان هو نفسه كرديا، لمعاونته بوصفه مندوبا ساميا للإدارة المدنية؛ على أنه حدث فى مستهل سنة ١٥١٥ أن أنفد القائد الفارسى قره خان لفتح البلاد مرة أخرى، وكان قرة خان أخا استاجلى أوغلى دهالى ديار بكر ولكن بيكلى محمد أكرهه على رفع الحصار عنها فى أكتوبر سنة ١٥١٥؛ وفى مستهل سنة

стр. 5700

١٥١٦ منى قره خان بهزيمة أخرى قرب قوج حصار بين عرفة ونصيبين على يد محمد والبكوات الأكراد، وهى وقعة قتل فيها قره خان نفسه؛ وهكذا وقعت فى يد آل عثمان بلاد خربوت وميافارقين وبدليس وحصن كيفا وديار بكر وعرفة وماردين والجزيرة والأراضى التى تلى ذلك جنوبا حتى الرقة والموصل؛ وقد تم فتح هذه البلاد فى عهد سليمان القانونى. وكان سليم مشغولا فى قصبة ملكة ببناء أسطول جديد ودار جديدة للصناعة تحت إشراف بيرى باشا، فى حين أعاد تنظيم جيش الإنكشارية ليزيد من رقابته على أصحاب الرتب العالية فى هذا الجيش المثير للفتن، وكان ذلك كله إعدادا لحملة جديدة يشنها على فارس؛ وغادر السلطان الآستانة فى ٥ يونية سنة ١٥١٦ م وذهب أولا إلى قونية، وكان سنان باشا الذى عين قائدا عاما، ينتظره فى ألبستان، وكان السلطان قانصوه الغورى، قد أزعجه حينئذ ضم سليم أراضى ذى القمر إلى أملاكه، فغادر قصبة بلاده يوم ١٨ مايو فى جيش كبير مستهدفا مؤازرة الشاه إسماعيل واسترداد مرعش، وعلم سليم بوصول قانصوه إلى حلب (فى أغسطس سنة ١٥١٦) فكان البادئ بإرسال سفراء من قبله، ولم يحسن قانصوه استقبالهم أول الأمر، بيد أنهم عادوا يحملون عرضا بالتوسط فى الحرب التى كانت ناشبة بين السلطان وإسماعيل، ولم يقبل سليم هذا العرض، بل فعل ما يناقض ذلك، إذ أعاد رسولا كان قد أوفده إليه سلطان مصر بعد أن قدر رفاقه، وسار سليم فى نهاية الأمر متخذا طريق عينتاب، واستولى على المدن التى كانت فى طريقة مثل ملطية، ولقى الجيش المصرى فى وقعة دابق شمالى حلب، فقضى على المصريين قضاء مبرما بعد معركة قصيرة الأمد فى ٢٤ أغسطس (انظر فى تاريخ ذلك "الإسلام"، جـ ١٦، ص ٣٨٩، التعليق ٤)؛ وكان السبب فى هزيمة المصريين ما دب بين صفوف جيشهم من شقاق وتفوق الجيش العثمانى عليهم فى المدفعية، وخرّ قانصوه نفسه صريعا بعد المعركة أو فى إبانها؛ وكان سليم قد

стр. 5701

أنفذ يونس باشا فى حملة على خائر بك والى حلب (وكان يلقب بملك الأمراء)؛ فسلم خائر بك المدينة إلى العثمانيين دون أن يضرب ضربة واحدة، وعسكر سليم ثمانية عشر يوما على كوك ميدان قرب حلب، ثم استأنف سيره إلى دمشق متخذا طريق حماة وحمص، وكان البكوات المماليك قد هجروها فى ٢٢ سبتمبر؛ وسلمت مدينة دمشق بالتفاوض الذى تم مع الخائن خائر بك، واحتل هو المدينة فى ٢٦ سبتمبر، وأقام سليم فيها قرابة الشهرين، وأصدر أمره بإقامة عمائر منها مسجد على ضريح محيى الدين بن عربى، وكان المماليك قد بايعوا فى القاهرة فى ٢٢ أكتوبر سلطانهم الجديد طومان باى، فأنفذ إليه سليم رسولين يعرضان عليه الصلح على أن يعترف سلطان مصر بسيادة آل عثمان، وقتل السفيران على كره شديد من طومان باى، مما جعل الاستمرار فى القتال أمرا لا محيص عنه، وغادر الجيش المصرى القاهرة حوالى أواخر أكتوبر تحت إمرة جانبردى الغزالى، ولقى طلائع الجيش العثمانى تحت إمرة سنان باشا قرب غزة ومنى المصريون بالهزيمة، وكان سليم قد رحل عن دمشق فى ديسمبر، وزار بيت المقدس قبل أن يلحق بجيشه فى غزة، واشتبك الجيشان فى وقعة فاصلة فى ٢٢ يناير سنة ١٥١٧ فى الريدانية قرب القاهرة بعد أن اجتاز الجيش العثمانى الصحراء فى ثلاثة عشر يوما، وتعزى الهزيمة التى منى بها المصريون فى هذه الوقعة إلى خيانة جانبردى الغزالى الذى كان يعمل بالاتفاق مع خائر بك الذى كان فى الجيش سليم، ويقال إنهما توسلا بالخديعة إلى شل حركة المدفعية المصرية، وقد اشترك السلطانان فى الموقعة بنفسيهما، وذبح طومان باى الصدر الأعظم سنان معتقدا أنه سليم؛ ونصب يونس باشا مكان سنان؛ وقد تقرر مصير القاهرة بوقعة الريدانية، فإنه بالرغم من أن طومان باى قد أفلح فى الاحتفاظ بالمدينة خمسة أيام بعد ذلك، فقد طرد منها بعد قتال مرير سالت فيه الدماء فى شوارعها؛ وقد تلا ذلك قتل ثمانمائة من بكوات المماليك

стр. 5702

وقيام مذبحة عامة؛ وتم احتلال القاهرة، فأستانف سليم -وكان قد ضرب خيمته فى جزيرة بولاق- قتاله مع طومان باى؛ وكان طومان باى قد ارتد إلى الدلتا وحاول المقاومة مستعينا بالبدو، إلا أنه هزم هزيمة أخرى فى الجيزة فخانه حلفاؤه وسلموه إلى الترك؛ وعامله سليم أول الأمر معاملة كريمة، ولكنه أذعن فى النهاية لإلحاح خائر بك والغزالى فأمر بقتله فى ١٢ أو ١٣ أبريل. واعترف لسليم بأنه سيد مصر بلا منازع وبقى فى القاهرة شهرا، ومن أهم الوفود الكثيرة التى جاءت تعرب له عن ولائها وفد بعث به بركات شريف مكة، ذلك أنه أرسل وفدا على رأسه ابنه نمى محمد، وكان وقتذاك فى الثانية عشرة من عمره، واستقبله السلطان حوالى أواخر مايو، ولم يكن لدى الشريف من الأسباب ما يدعوه إلى موالاة السلاطين المماليك فخضع عن طيب خاطر للسطان العثمانى، وكان السلطان أثناء إقامته فى دمشق قد أعرب عن جزعه على الأماكن المقدسة وأبدى بركات استعداده لذكر اسم السلطان سليم فى الخطبة، وعاد أبو نمى محملا بالهدايا الثمينة، وفى شهر ديسمبر (ذى الحجة سنة ٩٢٣) حملت قافلة الحجيج (صره همايون)، وكان سليم قد بعث بها من دمشق، كسوة للكعبة للمرة الأولى، هدية من السلطان العثمانى؛ وقد حمل سلاطين آل عثمان منذ ذلك الوقت لقب خادم الحرمين الشريفين، وهو لقب (١) أضفى عليهم احتراما كبيرا فى العالمين الإسلامى والمسيحى، إلا أن سليما بالرغم من جزعه على الأماكن المقدسة، قد عنى بأن يحمل معه إلى الآستانة عددا من أعيان الحجاز المقيمين فى القاهرة رهائن. وكان ثمة وفد آخر له شأن يتألف من سفيرين من البندقية جاءا يفاوضانه فى أمر أداء الجزية عن جزيرة قبرص، وهى الجزية التى كانت تؤدى حتى ذلك الحين لسلطان مصر؛ وكان لزاما عليهما إلى جانب هذا أن

стр. 5703

يدفعا عن مدينتهما تهمة معاونة المصريين على العثمانيين، وقد أيد الامتيازات القديمة التى حصلت عليها البندقية فرمان مؤرخ فى ٨ سبتمبر ١٥١٧، على أن ثمة فرمانا مكتوبا بالعربية تعهد به سليم لقنصل البندقية فى الإسكندرية فى تاريخ مبكر يرجع إلى ١٦ فبراير سنة ١٥١٧ بتأييد الامتيازات التى كان ينعم بها أهل البندقية (انظر Ein Firman des Sultans Selim Ifur die V enetianer: B.Mnritz فى Festschrift Sachau، ص ٤٢٢ وما بعدها). ومن آثار القاهرة التى وجه سليم معظم عنايته إليها مقياس النيل المقام فى جزيرة الروضة وكان قد أمر ببناء جوسق فيها كان مقامه المفضل عندما يكون فى القاهرة؛ وحوالى أواخر مايو قام سليم برحلة إلى الإسكندرية لزيارة أسطوله الذى كان قد وصل إليها حينئذ تحت إمرة بيرى باشا، وعاد إلى القاهرة فى ١٢ يونية، وظل فيها ثلاثة أشهر أخرى؛ وغادر المدينة فى ١٠ سبتمبر تاركا خائر بك واليا على مصر (ولكنه كان قد أرسل نساءه وأطفاله رهائن إلى فلبه) وبلغ دمشق فى ٨ أكتوبر؛ وكان السبب الأكبر فى عودته انتشار روح التمرد فى صفوف الجيش. ورحل سليم عن مصر دون أن يتمكن خلال إقامته فيها من إعادة تنظيم الكثير من أمورها. وقد ذكر المؤرخون العثمانيون (رستم باشا) أن "العدالة الحق" قد وجدت سبيلها إليها، إلا أن المساوئ الكثيرة لم تكن قد خفت وطأتها؛ وقد وجد إدريس البدليسى من نفسه الجرأة على أن يوجه نظر السلطان إلى هذه المساوئ فأعاده إلى تركية مع الأسطول، ولم يكن يونس باشا، الصدر الأعظم الجديد، أكثر رضا عن الحملة، وكان السلطان قد عزله عن ولاية مصر، ثم أثار خائر بك شكوك السلطان مما أدى إلى قتله فجأة فى ١٩ سبتمبر فى الصحراء القريبة من غزة، وخلفه بيرى باشا. وقضى سليم الشتاء فى دمشق، واستأنف رحلته فى فبراير سنة ١٥١٨ بعد أن نصب جانبردى الغزالى واليا على الشام، ثم قضى

стр. 5704

شهرين آخرين فى حلب حيث قام منها بيرى باشا بحملة على القزلباش، وعاد سليم إلى الآستانة فى ٢٥ يولية ثم إلى أدرنة فى ٤ أغسطس، وقد عين ابنه سليمان واليا على صاروخان وكان قد حل محله أثناء غيابه. ومن الأعيان الذين أرسلهم سليم من مصر إلى قصبة البلاد رهائن، المتوكل، آخر الخلفاء العباسيين فى بلاط المماليك بالقاهرة وكان قد رافق قانصوه إلى حلب هو وثلاثة من كبار قضاة مصر وألقى فى غيابة السجن بعد واقعة دابق، وعاملهم سليم معاملة كريمة جدا، ثم صحب المتوكل السلطان إلى مصر، حيث كان أبوه وسلفه قد حل محله أثناء غيابه بتقليد من طومان باى، وكان سليم قد سعى فى عدة مناسبات إلى الانتفاع بنفوذ الخليفة فى مفاوضاته مع طومان باى، ولكنه لم يفلح، واضطر المتوكل فى يونية سنة ١٥١٧ إلى مغادرة مصر، ويبدو أنه قد أرسل إلى الآستانة عن طريق البحر، وقيل أن سلوكه فيها حمل السلطان على أن يسجنه فى قلعة "يدى قله" حيث بقى فيها إلى أن توفى سليم، ثم عاد بعد ذلك إلى القاهرة فى تاريخ لا نعرفه الآن على وجه التحقيق، ولم يذكر هذه التفاصيل عن الخليفة المتوكل إلا المؤرخ ابن إياس، ولعله بالغ كثيرا فيما كان له من شأن فى الحملة المصرية، على حين لا يذكر الأخباريون العثمانيون كلمة واحدة عنه، ويجوز لنا أن نخرج من هذا بأن شأن الخلافة العباسية والخليفة العباسى كان قد أصبح هينا جدا فى عهد سليم الأول، وإنما بقى ذلك الشأن لرجال الدين دون سواهم تقريبا، وهذه المصادر المبكرة التى تكاد تتعاصر لا تكفل بأى حال من الأحوال صحة الرواية التى ظهرت بعد ذلك بقرنين ونصف قرن من الزمان، ومؤادها أن المتوكل تنازل رسميا عن الخلافة إلى سليم، ويبدو أن هذه الرواية قد وردت أول ما وردت فى مصنف دوسون (Tableau general de Emrire Othoman: D'Ohsson, باريس ١٧٨٨, جـ ١، ص ٢٣٢ و ٢٧٠) ثم ذكرها من بعد عدد من المؤرخين العثمانيين، ومن ثم صدقها الناس

стр. 5705

جميعا فى تركية. ومن الواضح أن هذه الرواية قصد بها تبرير ادعاء سلاطين آل عثمان الحق فى الخلافة، على أنه ليس ثمة ما يحملنا على أن نعترض بأن دوسون اخترعها كما يقول بارتولد، ذلك أن الرواية تبدو من ككل وجه جديرة بذلك الفاتح العظيم، ولعل الأتراك أنفسهم هم الذين اخترعوها، ومهما يكن من شئ فإن سليما قد لقب بالخليفة حتى قبل غزوه مصر، وقد قال المؤرخون فى عدة مناسبات إن خطبة الخلافة ألقيت باسمه فى أماكن شتى. وقد أثر نجاح سليم تأثيرا بليغا فى العالم المسيحى، وسعى البابا ليو إلى تأليب الامبراطور وملكى فرنسا وإنكلترة للقيام بعمل مشترك ضد الترك، إلا أن علاقات سليم بأوربا ظلت سلمية فى السنوات القليلة التالية، فاستمرت الهدنة مع المجر، وحصل سفير إسبانى على تأييد امتيازات الكنيسة فى قبر المسيح ببيت المقدس، واعترف السلطان أيضا بالخان الجديد على بلاد القريم، وهو أخو زوجته محمد كراى بن منكلى كراى، وأنفذ الصدر الأعظم إلى الحدود الشرقية ليدفع عن الدولة غزوات الفرس، واضطرته الحال خلال هذه المدة إلى إخماد محاولتين جديدتين قام بهما الشيعة ضده، وهما محاولة ابن هنش فى الشام سنة ١٥١٧، وقد أخمدها الوالى الغزالى وبكوات طرابلس، وحماة، ثم محاولة قام بها رجل يسمى شاه ولى (بحسب رواية لطفى باشا) فى ترخل بالقرب من توقاد، ويطلق عليه وعلى أتباعه لقب جلالى وهو اسم نجده فى كثيرًا لدى الشيعة آنئذ، مثال ذلك فتنة قره يزجى وقد أنفذ فرهاد باشا لقتال جلالى هذا، ولكن على شهوار أوغلى، وكان قد عين واليا على بلاد ذى القدر فى سنة ١٥١٦، كان هو الذى هزم جلالى آخر الأمر وقتله سنة ١٥١٨. وغادر سليم أدرنة فى سنة ١٥١٩ ميمما شطر الآستانة حيث كان قد بدئ بتجهيز أسطول عظيم أعد لغزو جزيرة رودس، على أنه توفى فجأة فى اليوم السابع من شوال سنة ٩٢٦ هـ (٢٠

стр. 5706

سبتمبر سنة ١٥٢٠ م) قبل أن يتم هذا التجهيز؛ وكان فى طريقه من قصبة البلاد إلى أدرنة عندما أقعده مرض ظهرت بوادره عليه قبل ذلك ببضعة أيام (وهو قرحة يقال لها "شيربنجه"، وتقول رواية أخرى إن المرض كان هو السرطان)، إلى التوقف قرب جرلو؛ وكان حسن جان أبو المؤرخ سعد الدين موجودا عندما حضرته الوفاة، وقد أخفى الوزراء نبأ موته حتى بلغ السلطان الجديد سليمان الآستانة، ثم ووريت جثته التراب فى التل الذى يقوم فى الناحية الشمالية الغربية من إستانبول، وقد عمل سليمان على تشييد مسجد سليم الأول فى ذلك الموضع وألحق به قبره، وتم تشييد المسجد فى المحرم سنة ٩٢٩ هـ؛ ويشمل المدفن أيضا مقابر أم سليم وبعض بناته وعددا من الأمراء (حافظ حسين الإيوانسرايى: حديقة الجوامع، جـ ١، ص ١٤ وما بعدها). وتسيطر شخصية سليم الأول على كل الأحداث الكبرى التى وقعت فى عهده، وقد لقب بـ "ياوز" بسبب قسوته التى لا ترحم وكثرة من أمر بقتلهم، وهذا اللقب ينم عن الفزع والإعجاب جميعا، على أن الشعور بالإعجاب هو الذى غلب على الناس من ناحيته. وقد خص سليم بسلسلة كاملة من التواريخ عنوانها سليم نامه (انظر Gesch. d. Osm. Reiches, جـ ٢، ص ٧)؛ واتخذه الناس بطلا قوميا (أطلق على إحدى البارجتين الألمانيتين اللتين حصل عليهما الترك سنة ١٩١٤ اسم "ياوز سلطان سليم") وكما أن فتوحاته الواسعة للأراضى الإسلامية قد تمخضت عن الرواية القائلة بانتقال الخليفة كذلك نسبت إليه تلك الفكرة الناضجة، فكرة الجامعة الإسلامية التى تدعو إلى توحيد جميع الأقطار الإسلامية تحت سلطانه، وهكذا بذلت محاولة لتبرير قسوته الظاهرة (انظر على سبيل المثال الرسالة المعروفة باسم "ياوز سلطان سليم واتحاد إسلام سياستى" بقلم يوسف كنعان، وقد طبعت فى الآستانة فى تاريخ مجهول، وإن كان يرجع إلى قيام الثورة)؛ والحق أن الأراضى المفتوحة كانت فى مستهل القرن السادس عشر، قد دخلت

стр. 5707

وشيكا فى طور الاضمحلال وأقفرت البلاد من أهلها، ويرجع ذلك إلى تغيير البرتغاليين طريق التجارة مع جزائر الهند، على أن الفتوحات كان لها مع ذلك شأن عظيم جدا فى توجيه الدولة التركية من الناحيتين الدينية والسياسية، فقد أصبحت تركية منذ ذلك الحين الدولة السنية التى تقابل دولة فارس الشيعية (انظر مثلا القصيدة التى نظمها فى مديحه الشاعر خواجه الإصفهانى فى ALiterary History of Persia in Modern Times: Browne، كمبردجـ ١٩٢٤، ص ٧٨)؛ وقد أخذ نفوذ الشيعة الفرس أيضا ينقاد بلا مراء لنفوذ أهل السنة من العرب (Babinger: Z.D.M.G جـ ٧٦، ص ١٤٣)؛ ثم إن العثمانيين فرضوا بعض شمائلهم وعاداتهم على أهل البلاد التى فتحوها مثال ذلك عادة حلق اللحية (ويصور سليم دائما بغير لحية) والزى وطريقة قص الشعر، على أنهم لم يؤثروا آنئذ تأثيرا كبيرا فى حضارة الشام أو حضارة مصر. وذاع صيت سليم أيضًا فى قرض الشعر، و"ديوانه" كله منظوم بالفارسية، وقد طبع فى الآستانة سنة ١٣٠٦ هـ؛ ثم نشر مرة أخري فى برلين سنة ١٩٠٤ على يد هورن Paul Horn بأمر من الأمبراطور ولهلم الثانى؛ وليس بين الأشعار التركية التى نسبت إليه (تذكره لطيفى، الآستانة ١٣١٤ هـ، ص ٧٥ وما بعدها) وكان سليم مشغوفا منذ أيامه الأولى فى طرابزون بصحبة الشعراء، ومن أشهرهم جعفر جلبى، وقد حمله سليم على الاقتران بزوجة الشاه إسماعيل الذى أسره فى وقعة جالديران وقتله سنة ١٥١٥ (انظر ما تقدم)، ومنهم أيضا آهى وروانى، وقد أهديا ديوانهما "مثنوى وسائل" إلى سليم. ونذكر من أصحاب النفوذ الآخرين فى عهده كمال باشا زاده والمفتى على جمالى أفندى وقد أفتى بشرعية الحرب التى شنت على سلطان مصر السنى، وكان من الرجال القليلين ذوى النفوذ الذين عارضوا فى عدة مناسبات تنفيذ أوامر السلطان القاضية بسفك الدماء.

стр. 5708

المصادر: (١) ealtosmanischen anonymen Chroniken، طبعة iese، برسلاو ١٩٢٢, ص ١٣٠ - ١٣٨. (٢) Die osmanische Chronik des Rustem Pascha: L.Forrer ليبسك ١٩٢٣، ص ٢٨ - ٥٧. (٣) سعد الدين: تاج التواريخ، الآستانة ١٢٨٥ هـ، جـ ٢، ص ٢٢١ - ٤٠٢. (٤) منجم باشى: صحائف الأخبار، الآستانة ١٢٨٥ هـ، جـ ٣، ص ٤٤٧ - ٤٧٥. (٥) حاجى خليفة: جهاننما، الآستانة ١٠٤٥ هـ، ص ٦٨٦ وما بعدها؛ وكتاب التاريخ العثمانيون الآخرون، ولم تطبع بعد التواريخ ذات الشأن التى وضعها إدريس البدليسى ولطفى باشا. (٦) فريدون بك: منشآت سلاطين، الآستانة ١٢٧٤/ ١٢٧٥، جـ ١ (وفى الصفحات من ٣٩٦ - ٤٠٧ تاريخ مفصل للحملة الفارسية). (٧) شرف نامه أو histoire Des Kourdes، طبعة Veliaminof-Zernof، سانت بطرسبرغ، ١٨٦٠ - ١٨٦٢، جـ ٢، ص ١٥٧ وما بعدها. (٨) ابن إياس: بدائع الزهور فى وقائع الدهور، بولاق ١٣١٢ هـ، جـ ٣، ص ٤٠ - ٢٣٦. (٩) Die Chroniken der Stadt Mekka: Wustenfeld، ليبسك ١٨٦، جـ ٤، ص ٣٠٠ وما بعدها (١٠) Hist de l'empire ottoman: von Hammer، باريس ١٨٣٦، جـ ٤، ص ١٠٥ - ٣٦٦. (١١) Geschichte des Osmanische Reiches: Jorge , جـ ٢، كوتا ١٩٠٩، ص ٣٢٢ - ٣٤١. (١٢) Geschichte des Abbasidenchalifats in Egypten: Weil مانهايم ١٨٦٢، جـ ٢، ص ٤١٠ - ٤٣٦ (١٣) Mekka: C. Snouck Hurgronje، لاهاى ١٨٨٨ م، جـ ١، ١٠٢ - ١٠٣.

стр. 5709

(١٤) Barthold's Studien uber Kalif und Sultan: C. H. Becker فى Islam جـ ٦، ص ٣٨٦ - ٤١٢. (١٥) Commentarii delle cose de Turchi: Paulo Giovio، البندقية ١٥٤١، ص ١٨ - ٢٦. (١٦) A History of Ottoman Poetry: Gibb، لندن ١٩٠٢. (١٧) اسماعيل غالب: تقويم مسكوكات عثمانية، الآستانة ١٣٠٧ هـ ص ٧١ - ٨٢. (١٨) Histoire du Commerce du Levant au Moyen-age: Heyd، ليبسك ١٨٨٦. (١٩) عارف: إدرنه شهرنه دائر سلطان سليم خان أول إلى ابن كمال بر مصاحبه سى، وخاقان مشار إليه حقندكى مرثيه مشهورنن تمامى، فى تاريخ عثمانى (ترك أنجمنى مجموعه سى، رقم ٢٢ سليم الثانى السلطان الحادى عشر من سلاطين تركية، وقد حكم من ٩٧٤ - ٩٨٢ هـ (١٥٦٦ - ١٥٧٤ م)، والراجح أنه ولد سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م)، وهو ابن سليمان القانونى من خرّم سلطان (روكسلانه) الذائعة الصيت (ويذكر سجل عثمانى، جـ ١، ص ٣٩ ثلاثة تواريخ مختلفة لمولده)؛ وهو أكبر أولادها الأربعة وهم: سليم وبايزيد وجهانكير (المتوفى سنة ١٥٣٣) ومهرماه (التى تزوجت الصدر الأعظم رستم باشا)؛ وكانت حرم سلطان تؤثر بحبها بايزيد، وأرادت أن يستتب العرش له، فتوسلت بدسائسها ونفوذها على سليمان من قتل ولى العهد مصطفى (٦ أكتوبر سنة ١٥٣٣ فى إركلى)، ثم توفيت السلطانة سنة ٩٦٥ هـ (١٥٥٧/ ٥٨ م) فقامت منافسة بين سليم وبايزيد بلغت أوجها سنة ١٥٥٩ بمناسبة ما أدخل من تغيير على ولاية السنجقين اللذين كانا يليان أمرهما، ذلك أن بايزيد نقل من ولاية قونية إلى أماسية كما نقل سليم من مغنيسا

стр. 5710

(وكان قد وليها سنة ١٥٤٥ م) إلى كوتاهية، ورفض بايزيد أن ينتقل من ولايته وحشد جنوده ويروى المؤرخ عالى أن هذه المشاحنة ترجع إلى دسائس لالا مصطفى باشا، وكان رستم باشا الصدر الأعظم قد عينه فى وظيفة "لالا" هو وسليم سنة ١٥٥٦ بقصد العمل على إسقاط مصطفى لأنه كان من ألد أعدائه؛ وقيل إن مصطفى حمل بايزيد على كتابة بعض الرسائل المهينة إلى سليم مما أدى إلى صدور الأوامر بتغيير ولاية السنجق، وكان عالى نفسه كاتب سر مصطفى باشا، ولذلك يمكن أن نعد أقواله صحيحة. على أن المؤرخ المحدث أحمد رفيق يعتقد أن السلطان نفسه هو الذى أراد التخلص من بايزيد، بمعاونة رستم، إكراما لسليم؛ وقد هزم بايزيد فى ٣٠ مايو سنة ١٥٥٩ فى ساحة قونية، فهرب إلى أماسية ومنها إلى بلاد فارس ملتجئا إلى بلاط الشاه طهماسب. وقبل الشاه، بعد تبادل كثير من الرسائل مع سليمان وسليم، أن يسلم الأمير بايزيد وأولاده الأربعة إلى سليم (حتى لا يحنث بيميته التى أقسمها لبايزيد بأنه لن يسلمه إلى أبيه)، وقد انتهى ذلك بقتل بايزيد فى ٢٥ سبتمبر سنة ١٥٦١، وظل سليم فى سنجقه حتى جاءه يومًا رسول من الصدر الأعظم محمد صوقوللى باشا يحمل إليه نبأ وفاة سليمان (٦ سبتمبر سنة ١٥٦٦) والاستيلاء على زيكت (٨ سبتمبر)، وبلغ سليم قصبة البلاد فى ٢٤ سبمتبر، ولم يكن أحد ينتظر قدومه، ذلك أن موت السلطان كان لا يزال محجوبا عن الناس؛ ثم غادرها بعد يومين إلى بلغراد، وانتظر فيها عودة صوقوللى بصحبة الجيش ومعه جثمان أبيه, وأعلنت وفاة سليمان آخر الأمر فى ٢٤ أكتوبر، ورفض سليم أن يتلقى بيعة الجند، ذلك أنه كان قد وزع عليهم العطايا بمناسبة اعتلائه العرش فرأوا أنها اقل من أن تكفيهم. وعاد سليم وصحبه إلى قصبه البلاد، وكان جثمان سليمان قد حملته من قبلهم فرقة من الحرس ودفن فى الآستانة من غير أى احتفال. وما إن وصل سليم إلى القصبة فى أوائل ديسمبر حتى كان الإنكشارية
следующие страницы →