ونذكر هنا فروع نهر الأردن: فهو بعيد خروجه من بحيرة طبرية يلتقى عن شماله بالجدول الهام "الشريعة الصغيرة" أو شريعة المناضرة الذى كان يسمى قديمًا اليرموك، ثم يلتقى أبعد من ذلك جنوباً بنهر الزرقاء (كان يعرف قديمًا باسم يبق) الذى يصب فى الأردن عند الدامية. ويلتقى عن يمينه بنهر جالوت الذى ينبع من عين جالوت ويمر ببيسان وينتهى بالأردن.
ولا يصلح نهر الأردن للملاحة بسبب تياراته وتعدد منعرجاته وكثرة المناطق الضحلة المياه فيه. على أن جملة من هذه المناطق الضحلة كانت حتى فى العصور القديمة مخاضات تصل بين الأراضى الواقعة شرقيه والأراضى الواقعة إلى الغرب منه. فكانت بذلك تصل بين شاطئ البحر المتوسط ومصر من جهة ودمشق من جهة أخرى. وتوجد إلى الشمال من بحيرة طبرية خمس مخاضات وإلى الجنوب منها أربع وخمسون مخاضة، وهى تكثر إلى أقصى حد قبالة بيسان وتذكر هذه المخاضات فى "العهد القديم" "معبر" أو "معبرة" ولسنا نعرف على سبيل الجزم هل اتخذ بنو إسرائيل المعديات لعبورها أم لا، وعلى كل حال فإن هذا لم يثبت بالنص الغامض الوارد فى سفر صموئيل الثانى (الإصحاح ١٩، الآية ١٩). ومن جهة أخرى فإنه من العسير أن تتصور كيف استطاع بنو إسرائيل فى قتالهم مع الآراميين فى الأراضى التى كانت شرق الأردن أن يعبروا بجنودهم وخيولهم وعرباتهم (سفر الملوك الأول، الإصحاح ٢٢، الآية ٣٥) نهر الأردن عن طريق هذه المخاضات، أما كيف فعلوا ذلك (ترى أبا أرماث؟ ) فإننا لم نخبر. وقد كان من الممكن إذا اقتضت الضرورة أن يعبروا النهر سباحة (سفر المكابيم الأول، الإصحاح ٩، الآية ٤٨) ولكن السباحة فى هذا النهر تحتاج إلى مهارة وبأس لشدة تياره. ومن المحقق أنه لم تكن هناك جسور فى ذلك الوقت لأنه لم يبدأ فى تشييدها إلا فى عهد الروم: وللمخاضة الواقعة إلى الجنوب بقليل
стр. 597
من إقليم الحولة شهرة خاصة, لأن طريقًا يبدأ منها فيمر بالقنيطرة وينتهى بدمشق. ولا يؤخذ من الخريطة التى وضعها "طومسن" P. Thomsen) فى Z. D. P. V. ج ١٠، ص ٣٣) أنه كان فى هذا المكان طريق رومانى، ولكن كثيراً ما كان يتردد ذكر هذه المخاضة فى العصور الوسطى باسم Vadum Jacobi (نقل الاسم خطأ من سفر التكوين، الإصحاح الثانى والثلاثون، آية ٢٢) وكان لها أهمية استراتيجية كبيرة فى الحروب الصليبية، فقد هزم عندها نور الدين بلدوين الثالث عام ١١٥٧ م. وابتنى بلدوين الرابع حصناً جنوب المعبر عام ١١٧٨ م. ولكن صلاح الدين أخذه عنوة وخرَّبه فى العام التالى. وقد بنى بعد ذلك جسر ذو ثلاث طاقات من كتل كبيرة من حجر البازلت فى موقع هذه المخاضة نفسها (انظر الصورة المبينة فى z.n.p.v ج ١٣، ص ٧٤). والمعروف أن هذا الجسر كان موجوداً عام ١٤٥٠ م والراجح أنه بنى قبل ذلك بكثير. واسم هذا الجسر وهو "جسر بنات يعقوب" إنما يشير إلى اسم المخاضة اللاتينى Vadum Jacobi, وقد يسترعى هذا الاسم انتباهنا إذا عرفنا أن يعقوب لم تكن له بنات كثيرات.
والراجح أن من أهم الطرق بين دمشق والجهات الواقعة إلى الغرب من نهر الأردن كان دائمًا هو ذلك الطريق المار بـ "فيق" (أو أقيق وربما أفق Aphek؛ انظر سفر الملوك الأول، الإصحاح ٢٠، الايتان ٢٦, ٣٠؛ الإصحاح ١٣، الآية ٢٢) إلى الطرف الجنوبى من بحيرة طبرية، حيث كانت توجد مخاضة تعترض نهر الأردن عند خروجه من تلك البحيرة، وتوجد إلى جنوب هذه المخاضة بقليل أطلال قنطرتين من الحجر هما "أم القناطر" و"جسر السد" ولسنا نعرف شيئًا عن
تاريخهما, ولكن الراجح أن إحداهما هى القنطرة الواقعة إلى جنوب البحيرة التى اْشار إليها المقدسى عند وصفه لبحيرة طبرية والتى قال عنها ياقوت إنها "ذات طاقات كثيرة تزيد على العشرين". ونحن نجد فى عهد متأخر يرجع إلى
стр. 598
القرن الرابع عشر الميلادى رجلا مثل "ده بالدنسل" W.de. Baldensel يقص علينا أنه عبر نهر الأردن فوق قنطرة فى هذا الموضع (Biblical Re-: Robinson searches in Palestine, الطبعة الثانية، ج ٣). وتوجد على قرب وثيق من التقاء اليرموك بالأردن قنطرة تسمى "جسر المجامع" يبدأ منها طريقان أحدهما إلى مكيس والآخر إلى إربل فى سفح تلال قرن صرطبة. ونجد أيضًا إلى الجنوب من ذلك قنطرة أخرى هى جسر الدامية تقوم الآن فوق أرض جافة؛ لأن الأردن شق له هنا مجرى جديداً، وقد بنى هذه القنطرة السلطان العالي الهمة بيبرس المملوكى, عام ١٢٦٦ م كما ابتنى عدة قناطر غيرها فى مواضع أخرى (Rohricht فى AR- chives de L'orient lat, ج ١/ ٢ ص ٣٨٢؛ Clennont Ganneau, فى J.A. السلسلة الثامنة، المجلد ١٠، سنة ١٨٨٧ م، ص ٥١٨). ومن أكثر الجسور استعمالًا الجسر الواقع إلى الشمال من أريحا الذى يؤدي إلى وادى نمرين.
وهناك قليل من التفصيلات التى لها بعض الأهمية فى الأوصاف المختصرة التى ذكرها جغرافيو العرب عن نهر الأردن، فقد ذكر المقدسى أن النهر غير صالح للملاحة، وروى ياقوت عن مصدر قديم أن الأردن على بحيرة طبرية كان يسمى الأردن الكبير، بينما كان يسمى فيما بين طبرية والبحر الميت الأردن الصغير, والراجح أن فى هذا القول خلطاً بين الأردن واليرموك. وذكر أيضًا مزارع قصب السكر التى كان يرويها النهر فى كورة الغور، وذكر الدمشقى الينابيع الحارة القريبة من بحيرة طبرية والمجامع حيث يلتقى اليرموك بالأردن، وقد وصف أيضًا الظاهرة الغريبة التى تشاهد عند مصب هذا النهر، فالأردن يصب ليلا ونهاراً فى البحر الميت دون أن يكون لهذا البحر منفذ تتسرب المياه منه، ومع ذلك فإن مياه البحر لا تزيد شتاء ولا تنقص صيفا. ويقول ابن خرداذ به (المكتبة الجغرافية العربية ج ٦، ص ٢١٩) والجغرافيون الذين نحوا منحاه إن الطريق الرئيسى بين دمشق ومصر
стр. 599
يمر بـ"أفيق" إلى الجنوب من بحيرة طبرية ثم حول طبرية إلى بيسان. على أن الطريق كان فى القرن الرابع عشر الميلادى يخترق جزءًا من عجلون، إذ يهبط المرء من بيسان إلى وادى الأردن حتى يبلغ المجامع، ثم يمر فوق الجسر ليسير فى الطريق إلى أربد. وابتدأ فى القرن الخامس عشر الميلادى استعمال طريق أجنح من ذلك إلى الشمال يتجه إلى الشرق من العاصمة الجديدة "صفد" عابراً نهر الأردن فوق جسر بنات يعقوب ماراً بـ"نعران" وإلـ "قنيطرة" إلى دمشق. وظل هذا
الطريق هو المألوف، وقد عبد أخيراً بعد أن أصلح الطريق الموصل إلى هذا الجسر والآخذ منه.
٢ - كورة الأردن العربية التى تعرف باسم"جند إلأردن" هى عين فلسطين الثانية Palestina Secunda المعروفة فى التقسيم القديم لهذه الأقاليم؛ وتشمل هذه الكورة الجليلين ووادى الأردن والجزء الغربى من الأراضى الواقعة إلى الشرق من الأردن. وقد استولى أبو عبيدة بن الجراح عام ١٤ هـ (٦٣٥ م) على معظم بلاد هذه الكورة. واستولى على بقيتها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وهناك روايات تذهب إلى أن شرحبيل هو الذى فتح هذه البلاد وقد أخذت كلها بحد السيف عدا طبرية التى سلمت فى ظروف شائنة، والراجح أن ذلك كان سببًا فى جعلها عاصمة بدلًا من"بيت شان" skythopolis ونستطيع أن نعرف حدود هذه الكورة من أسماء البلدان التى ذكرها جغرافيو العرب ومؤرخوهم، فقد ذكر البلاذرى: طبرية وبيسان وقدس وعكا وصور وصفورية، وتوجد فى شرقى الأردن: سوسية وأقيق وجرش وبيت رأس والجولان والسواد (؟ ) والبلاد كما يذكرها اليعقوبى هى: طبرية وصور وعكا وقدس وبيسان، وفى شرقى الأردن: فحل وجرش وسواد (؟ ) ويذكر ابن الفقيه: طبرية السامرة (نابلس) وبيسان، وعكا وقدس، وصور وفى شرقى الأردن: فحل وجرش. ويذكرها المقدسى على النحو الآتى: طبرية، وقدس وصور وفرذية، وعكا، واللجون
стр. 600
وكابل وبيسان، وفى شرقى الأردن: أذرعات,. ويوردها الإدريسى على النحو التالى:
طبرية، واللجون، والسامرة (نابلس) وبيسان، وأريحا، وعكا والناصرة، وصور؛ وفى شرقى الأردن: زغار، وعمتا، وهيبس (يابس؟ ) وجدر، وآبل، وسوسية. وفى رواية ياقوت: طبرية، وبيسان وصفورية، وصور وعكا، وفى شرقى الأردن: بيت رأس، وجدر ... إلخ. ويتضح من هذه الروايات المختلفة أن حدود هذه الكورة لم تبق على حال واحدة.
أما فيما يتعلق بخراج كورة الأردن، فقد ذكر مؤلفو العرب الأرقام الآتية (انظر مادة فلسطين"): كان الخراج حوالى نهاية القرن الثامن الميلادى ٩٦ ألف دينار، وفى عهد المأمون ٩٧ ألفًا ويقول ابن خرداذبه وابن الفقيه إنه كان ٣٥٠ ألفاً. ويذكر قدامة أنه كان ١٠٩ آلاف، واليعقوبى أنه كان ١٠٠ ألف، والمقدسى أنه كان ١٧٠ ألف دينار (انظر Z. D. P. V, ج ٧, ص ٢٢٥).
وفى إبان الحروب الصليبية، ألغيت التقسيمات السابقة لهذه الكورة. وأقام خلفاء صلاح الدين بدلها ممالك مختلفة. فكانت أهم ممالك الأردن مملكة "صفد" التى كانت تشمل -علاوة على بلدة عرفت بهذا الاسم نفسه- النواحى الآتية: مرج عيون، واللجون. وجنين، عكا, وصور"، أى جميع البلدان التى إلى الغرب من الأردن. ونجد فى كتاب "المثير" الذى صنفه شهاب الدين المقدسى عام ١٣٥١ م والذى كثيرًا ما نقل الكتَّاب عنه، تقسيمًا آخر يجعل للغور والأراضى التى إلى الغرب من الأردن أهمية كبرى، وهى حوران وعاصمتها طبرية، ونواحى الغور واليرموك وبيسان.
المصادر:
(١) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٩, ١٦١, ١٨٤.
(٢) الإدريسى فى Z. D. P. V., جـ ٨, ص ١٢٠.
(٣) ياقوت: المعجم، جـ ١، ص ٢٠٠.
стр. 601
(٤) الدمشقى، طبعة مهرن، ص ١٠٧.
(٥) أبو الفداء، طبعة رينو وده سلان، ص ٤٨.
(٦) البلاذرى، طبعة ده غويه ص ١١٥ وما بعدها، ١٢٦, ١٣١.
(٧) الطبرى طبعة ده غويه، جـ ١، ص ٢٠٩٠, ٢١٠٨.
(٨) اليعقوبى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧, ص ٣٢٧ وما بعدها.
(٩) ابن الفقيه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥,ص ١١٦, ٢٢٦.
(١٠) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣, ص ١٥٤, ١٨٩.
(١١) الإدريسى فى Z. D. P. V., جـ ٨, ص ١٣٩.
(١٢) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ١, ص ٢٠١.
(١٣) ابن خرداذبه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٦, ص ٧٨, ٢٤٦.
(١٤) historical geog-: G.A smith raphy of the Holy Land, لندن سنة ١٩٠٩.
(١٥) Die Landesnatur Pa-: Schwobel lastinas جـ ١، سنة ١٩١٤، ص ٤٥، وما بعدها.
(١٦) Bibilical Researches: Robinson in Palestine, جـ ٣.
(١٧) Der Scholan: Schumacher فى Z. D. P. V جـ ٩، ص ١٦٥ وما بعدها، ٢١٦.
(١٨) الكاتب نفسه: der sudliche ba- san, المجلة المذكورة، جـ ٢٠، ص ٦٥ وما بعدها.
(١٩) Geschichte des Ko-: Rohricht nigreiches Jerusalem ص ٢٨٩, ٣٨٢ وما بعدها, ٣٨٦ وما بعدها.
(٢٠) Die Strasse Von: R. Hartmann nach Kaira Damaskus فى Z. D. M. G. ب ٦٤، ص ٦٦٥ وما بعدها.
(٢١) Palestina unter: R. Hartmann den Arabern, ص ١٤, ١٦.
стр. 602
أردهان
بلدة فى أقصى الشمال الشرقى لتركية، على خط عرض ٤١ ْ ٨ َ شمالا، وخط طول ٤٢ ْ ٤٢ َ شرقًا، وعلى نهر كوروجاى الذى أصبح نهر الكوره (نهر الكُرّ)، وترتفعِ ١٨٠٠ متر فوق سطح البحر، وكانت أردهان فى وقت من الأوقات قصبة سنجق فى إيالة قارص، وقد قضت معاهدة سان استيفانو سنة ١٨٧٨ م بالنزول لروسيا عن البلدة والناحية المحيطة بها هى وقارص: وفى الثالث والعشرين من فبراير سنة ١٩٢١ م نزل عنها مرة أخرى لجورجيا (الكرج)، وظلت من يومها تركية، وهى قصبة قضاء فى ولاية قارص. وقد بلغ عدد سكان البلدة سنة ١٩٤٥ م: ٦١٨٢ نفسًا، والقضاء ٤٩٦٩٩ نفسًا.
المصادر:
(١) حاجى خليفة (كاتب جلبى): جهاننما، ص ٤٠٧.
[خورشيد أتيشنر Fr. Taeschner]
آران (*) (ألبانيا)
الاسم العربى لألبانيا القديمة، وتكتب فى كثير من الأحيان الران (بالاْرمنية ألو نقع)، ويطلق كتَّاب الإغريق المتأخرون أيضًا على هذا القطر اسم أريانيا بدلًا من ألبانيا، وعلى أهله
стр. 603
أريانوى بدلًا من ألبانوى: ويذهب ماركار (Eran.rhahr: Marquart, ص ١١٧) إلى أن هذين الإسمين هما والاسم العربى المتأخر للقطر يمكن إرجاعها إلى الصيغة الفارسية. وكان هذا القطر فى الأصل يشمل فى عهده القديم -الذى
عرف فيه باسم ألبانيا- نفس المنطقة التى كان يشملها أيام أن عرف باسم أرّان، ذلك أنه كان يمتد من الدرنبد فى الشمال الشرقى إلى تفليس فى الغرب، ويدخل فى ذلك نهر الرَّس فى الجنوب والجنوب الغربى (الإصطخرى، طبعة ده غويه، ص ١٩٠).
أما الكتَّاب الذين أتوا بعد ذلك فيقولون إن أران لا تشمل إلا الأرض التى"بين شروان وآذربيجان" (هكذا قال ياقوت، جـ ٢، ص ١٣٢, س ٥) أو "من ضفة الرس إلى الكُرّ بين هذين النهرين" (هكذا قال حمد الله قزوينى فى " Schefer: سياسة نامه، الملحق، ص ٢٢٦). وقد وصف العرب مدينة بتراف Patrav (وتعرف عندهم باسم بَرْذَعة) على نهر تارتار (فى ياقوت، جـ ١، ص ٥٦٠، س ٧: ثرْثُور) غير بعيد مصبه فى نهر الكُرّ، وهى المدينة التى حلت فى القرن السادس الميلادى محل الحاضرة القديمة كعولك (فى بطلميوس: جبلة، وفى بليناس: كبلكلة، وعند العرب: قَبَلَة)، فقالوا إنها قصبة أرّان وأعظم مدينة فى القوقاز بأسرها. وكان سكان ناحية برذعة مازالوا يتكلمون بالأرانع، أى باللغة الألبانية، فى القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادى (الإصطخرى، طبعة ده غويه، ص ١٩٢، س ٢)، ولم يكن المسلمون قد طردوا بعد النصارى الألبان من ألبانيا إلى غير رجعة، فقد ذكر المقدسى (طبعة ده غويه، ص ٣٧٦ س ٦ - ٨) أن معظم سكان مدينة شابَران (وهى الآن خرائب على مسيرة حوالى ١٥ ميلا جنوبى شرقى قوبة الحديثة) ومدينة شكى. وتعرف الآن باسم نوخا) من
стр. 604
المسيحيين. كما أن الكنيسة الألبانية لم تكن قد تنازلت عن المطالبة بالاستقلال عن أمها الكنيسة الأرمنية.
وقد فتحت الران فى عهد عثمان (٦٤٤ - ٦٥٦ م) على يد سلمان بن ربيعة الباهليّ، على أن الخزر انتقموا منها بعد ذلك كثيرًا. وترجع أقدم سكة عربية ضربت فى الران إلى سنة ٩٠ هـ (٧٠٨ - ٧٠٩ م) وضم هذا الإقليم هو وأملاك العرب الأخرى فى القوقاز فى ولاية واحدة، وقد جرت الحال بإطلاق اسم أرمينية على هذه الأقاليم الموحدة، لو أن الولاة كانوا يقيمون فى معظم الأحوال برذعة بوصفها أكبر مدينة فى أرمينية. وكان بيت الملك الألبانى القديم قد انقرض منذ أمد طويل. والظاهر أن بيت مهر كان الفارسى الذى كان قد قام فى هذه البلاد حوالى نهاية القرن السادس الميلادى واعتنق المسيحية بعد ذلك ببضع عشرات من السنين لم يكن يحكم إلا جزء، من أرمينية. ففي العهد العربى كانت منطقة
نفوذ هؤلاء الأمراء الملقبين باللقب الفارسيّ إيرانشاه تتميز عن شروان (ويقول العرب أيضًا شَرْوان، وجرى الفرس بعد ذلك على رسمها شاروان) وهى منطقة نفوذ الشروانشاه أى الأرض التى بين نهر الكُرَ وبحر قزوين)، ويعرف الإير انشاه أيضا بـ "بطريق الران" (اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٥٦٢). وقد قتل "ورز تردت" آخر أمراء بيت مهركان على يد قريب له يعرف باسم نرسه (نرسى عند العرب) سنة ٨٢١ - ٨٢٢ م وحدث فى عهد المعتصم (٨٣٣ - ٨٤٢ م) أن بدد سهل بن سنباط شمل جيش الوالي الأفشين الذى كان قد استولى على الران (اليعقوبى، جـ ٢، ص ٥٧٩؛ البلاذرى، طبعة ده غويه، ص ٢١١). على أن سهلا هذا سرعان ما أدى بعد ذلك خدمة جليلة للحكومة العربية (٢٢٣ هـ = ٨٣٧ - ٨٣٨ م) بتسليمه بابك، وقد كافأه الخليفة على ذلك فثبته فى منصب البطريق (الطبرى، طبعة ده غويه، جـ ٣، ص ١٢٣٢). وجاء فى تاريخ ألبانيا الذى ألفه موسى كلنكتوسعى (انظر الترجمة الروسية لهذا الكتاب بقلم بتكانيان، سانت بطرسبرغ، سنة ٨٦١ م، ص ٢٦٦) أن سهلا قد عين إيرانشاه (بالأرمينية إيرانشاهيك).
стр. 605
ويروى المسعودى (مروج الذهب، جـ ٢، ص ٦٩) أنه حدث فى أيامه أن إيرانشاه محمد بن يزيد أقام نفسه حاكمًا على بلاد شروان بعد وفاة شروانشاه على بن الهيثم، واتخذ لنفسه هذا اللقب. ولما توفى عبد الله ابن هشام أمير الدربند زوج أخت محمد بن يزيد هذا أو زوج ابنته (عبد الله فى نسخة باريس؛ وفى بعض المخطوطات عبد الملك؛ وجاء فى السكة هشام بن محمد حكم دربند سنة ٣٣٠ هـ الموافقة ٩٤١ - ٩٤٢ م) ضم محمد هذه المدينة إلى أملاكه (مروج الذهب، جـ ٢، ص ٥)، وبذلك تكون جميع أجزاء ألبانيا القديمة قد توحدت، ولكن رواية المسعودى هذه لم يؤيدها أى مصدر آخر. فابن حوقل (طبعة ده غويه، ص ٢٥٠, ٢٥٤) يذكر شروانشاه محمد أحمد الأزدى معاصر مرزبان بن محمد وإلى آذربيجان المتوفى عام ٣٤٦ هـ ٩٥٧ - ٩٥٨ م)، ولكنه لا يذكر هذا الرجل فى أى موضع آخر من كتابه، ثم هو لا يقول إلى أى مدى تمتد ولاية الأزدى غربًا.
وظلت أران فى القرون التالية منفصلة عن شروان سياسيًا، وحكمتها أسرة من بيت كردى هو بنو شدَّاد. وكانت قصبتها آنئذ هى كنجة (جنزة، وهى اآن يليساو تيول الحديثة). أما القصبة القديمة برذعة فقد انتقم منها الروس سنة ٣٣٢ هـ (٩٤٣ - ٩٤٤ م) انتقاماً مروعاً لم تفق من جرائره. ويصف ياقوت برذعة فيقول إنها قرية لا شأن لها, ولما دالت دولة بنى شدّاد القليلة الشأن (لم تذكر حتى فى ابن الأثير) ضمت أرّان مباشرة إلى آذربيجان، ولم يقم فيها منذ ذاك بيت يختص بحكمها. واستترك أهل أران شيئًا فشيئا منذ عهد السلاجقة، شأنهم فى ذلك شأن أهل آذربيجان وشروان والدربند. وقد جرت الحال منذ العهد المغولى بإطلاق الاسم التركى قره باغ على الجزء الجنوبى منها. وما وافى هذا العهد حتى كان الاسم أران قد غدا من التراث الأدبى فحسب.
ومن شاء معرفة أران بعد ذلك فليرجع إلى مادة جنزة،
стр. 606
المصادر:
(١) zur: A. Manandian Beitragae albanischen Geschichte، ليبسك ١٨٩٧ م.
(٢) Marquartdes: Eranshahr nach der ographie des Ps. Moses Xorenac' i، برلين سنة ١٩٠١ (abh der kon ges. des wiss zu gottigen phil n.f جـ ٣, رقم ٢) ص ١١٦ وما بعدها.
(٣) ليبسك سنة ١٩٠٣ م، ص ٤٥٧ وما بعدها.
خورشيد [بارثلد W.barthold]
+ أرّان: الاسم الذى جرى إطلاقه فى العصور الإسلامية على ناحية فيما وراء القوقاز بين نهر الكر ونهر الرس. على أنه استخدم فيما قبل الإسلام للدلالة على شرقى ما وراء النهر بأسره (آذربيجان السوفيتية الحالية) أى أبالنيا فى مصطلح القدماء (انظر مقال "البانيا" فى Pauly - Wissowa)؛ وما وافى القرن الخامس عشر الميلادى حتى كان الاسم أرّان قد بطل تردده على ألسنة الناس، ذلك أن هذه المنطقة اندمجت فى آذربيجان.
وأصل الاسم أران، وبالكرجية "رانى" وباليونانية "ألبانوى" وبالأرمنية ألو نقع (أى الشعب)، غير معروف (يجد المرء عند الكتاب القدماء الصيغة أريان، وفى المراجع العربية الـ"ران" وكانت الأرض التى بين هذين النهرين تعد قبل سنة ٣٨٧ م جزءًا من أرمينية يشمل ولايات: أردزخ و"أو تى" و"بعيتكران". ولما قسمت أرمينية بين اليونانيين والساسانيين سنة ٣٨٧ م ضمت الولايتان الأوليان إلى ألبانيا. أران) والثالثة إلى بلاد فارس وهذا سبب من أسباب الخلط فى مدلول أران ذلك أن الأرمن إنما يقولون إن أران هى الأرض التى إلى الشمال من نهر الكُر فحسب.
وما وافى القرن السابع الميلادى حتى كان سكان "أران الكبرى" قد اختلطوا بغيرهم اختلاطا تامًا حتى كان من المتعذر على المرء أن يتحدث عنهم حديث الشعب المتميز على أن
стр. 607
الإصطخرى (ص ١٩٢) وابن حوقل (ص ٣٤٩) يذكران "الرانية" على اعتبار أنها لغة كان لا يزال يتحدث بها الناس فى مدينة برذعة فى القرن العاشر الميلادى.
وقد اصطنع العرب المسميات الرومانية الأرمينية فتوسعوا فيها وجعلوا شرقى ما وراء القوقاز بأسره تابعًا لأرمينية الأولى (ابن خرداذبه، ص ١٢٢؛ البلاذرى، ص ١٩٤). ولما ظهر العرب فى هذا القطر وجدوه مقسمًا بين عدة أمراء صغار كان بعضهم يدين بالولاء للخزر وخاصة بعد سقوط الساسانيين. وقد تنصرت أران بفعل أرمينية، وكانت فى عهد الخلافة الأموية خاضعة بالاسم لحكم أمراء أرمينية الذين كانوا بدورهم خاضعين للعرب. والحق إن أران قد نعمت بقدر كبير من الاستقلال بحكم أنها كانت على التخوم الإسلامية معرضة لغارات الخزر وحكمهم.
والحملات العربية الأولى بقيادة سلمان بن ربيعة وحبيب بن مسلمة فى نهاية خلافة عمر والسنوات الأولى من خلافة عثمان، استطاعت أن تخضع بالاسم ببلقان، وزوجته وقبلة، وشمكور، وهى حواضر أران. ثم قاتل العرب الخزر والأمراء المحليين قتالاً متصلاً (البلاذرى، ص ٢٠٣؛ الطبرى، جـ ١, ص ٢٨٨٩ - ٢٨٩١).
واستتب الحكم العربى فى أران بعد الفتنة العربية الأولى فى خلافة معاوية، ولكن الخزر ظلوا يغيرون على جنوبى جبال القوقاز. وفى خلافة عبد الملك توحدت كنيسة أران المسيحية، التى كانت قد إنضمت إلى الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، ومع الكنيسة الأرمنية بفضل رجال الدين الأرمن وبمعونة العرب وموافقتهم (انظر: J. Muyldermans an Armenia La domination arahe، لوفان سنة ١٩٢٧، ص ١٩٩). أما عن الولاة الأمويين لأرمينية بما فيها أران فانظر البلاذرى (ص ٢٠٥ - ٢٠٩). وفى ولاية مسلمة بن عبد الملك الذى أقامه الخليفة هشام سنة ١٠٧ هـ (٧٢٥ - ٧٢٦) جلبت إلى أران حاميات عربية كبيرة، واتخذت برذعة قاعدة للعمليات الحربية ضد الخزر (انظر عن الحملات التى
стр. 608
شنت على الجزر: The: D. M. Dunlop history of the Jewish Khazars برنستون سنة ١٩٥٤، ص ٦٠ - ٨٧"؛ : f. gabrieli Califfatn di Hisham II, الإسكندرية سنة ١٩٣٥, ص ٧٤ - ٨٤). وحلت الهزيمة الحاطمة بالخزر واستتب حكم العرب تماماً فى ولاية مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وذلك من عام ١١٣ إلى عام ١٢٦ هـ (٧٣١ - ٧٤٤ م).
وفى عهد الحكم الأموى والعباسى فى أران ظلت الدول الأرمنية والأرانية تحتفظ بما يشبه الاستقلال فى ظل العرب، فكانت الضرائب تؤدي بالعملة الإسلامية، ونحن نجد سكة باسم أران على الدراهم العباسية فى وقت متقدم يرجع إلى سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) وكانت دار هذه السكة فى برذعة أو فى ببلقان. وما وافى عام ٢٠٧ هـ (٨٢٢ م) حتى وجدنا عملة تحمل اسم مدينة أران، والظاهر أن هذه السكة قد أهملت على ما يظهر بعد عام ٢٢٦ هـ (٨٤٠). وكان العرب يطلقون على الحاكم المحلى من بيت مهران القديم لقب بطريق أران، وقد اغتيل آخر أفراد هذا البيت وهو ورز تردت سنة ٨٢١ أو ٨٢٢ م. وحدث بعيد ذلك أن بسط أمير شكى- شمالي نهر الكر، ويدعى سهل ابن سنباط- سلطانه على أران بأسرها معلنا استقلاله عن الخلافة، وقد عاد الوفاق بينه وبين العرب بتسليمه بابك المتمرد إليهم بعد أن التجأ هذا إليه. وقد رحل هو وابنه وخليفته بعد ذلك إلى سامرا حوالى عام ٨٥٤ م عندما نفى والى أرمينية الجديد بغا كثير من الأمراء المحليين، وفى هذه الفترة تدخل أمراء شروان ودربند فى أران، ولكن بنى الساج كانوا هم أقوى الحكام نفوذاً فى أران.
وقد عامل حكام أرمينية من بنى الساج السكان المسيحيين لما وراء القوقاز معاملة قاسية بصفة خاصة فى نهاية القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الميلاديين، ولكن الأسر المحلية ظلت تحكم وخاصة شمالى نهر الكر (ابن حوقل، ص (٣٤٨). وحكم مرزبان بن محمد بن مسافر أران كما حكم أذربيجان من سنة ٩٤١ إلى سنة ٩٥٧ م، وكان معظم أمراء أران من أقياله. وفى عهده خرب الروس أرباض برذعة سنة ٩٤٣ م. ثم وقعت أران تحت سلطان بنى شداد أصحاب جَنزة
стр. 609
(كنجة)، وكان أقوى أعضاء هذه الأسرة أبا الأسوار شارون بن فضل بن شداد الذى حكم من عام ٤٤١ إلى عام ٤٥٩ هـ (١٠٤٩ - ١٠٦٧ م). وفى سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٥ م). بعث ألب أرسلان واحدًا من قواده هو سوتكين ليحكم أران خلفًا لدولة بنى شداد واستقرت القبائل التركية وأولها الغز فى أران، وأخذت اللغة التركية تحل محل اللغات الأخرى فى استعمال الناس.
والظاهر أن بلقان حلت محل برذعة فى العصر التركى إذ أصبحت أهم مدن أران، ولكن برذعة خربها المغول سنة ١٢٢١ م. ثم غدت جنزة زعيمة مدن أران. وفى عهد المغول ضمت أران إلى أذربيجان وأصبح وال واحد يلى أمر الولايتين. وازدادت سرعة صبغ البلاد بالصبغة الإسلامية وبالصبغة التركية بعد الغزو المغولى، وأصبحت الأرض التى بين النهرين تسمى قرة باغ. ولما تمت غزوات تيمور الذى فعل الكثير فى سبيل البناء وإصلاح القنوات، لم تعد أران إلا ذكرى فى مخيلة الناس وغدت أمورها داخلة فى تاريخ أذربيجان.
المصادر:
(١) روى موسى الكلنكتواقى باللغة الأرمنية التاريخ الدينى للأراميين (تفليس، سنة ١٩١٢).
(٢) وانظر عن محتوياته: A. Manadian Geschicte Baitrage Zur albanischen, ليبسك سنة ١٨٩٧, ص ٤٨.
(٣) وانظر عن تاريخها قبل الإسلام Eranshahr: J. Marquart, ص ١١٧.
(٤) وانظر عن جغرافيتها: G. Le Strange، ص ١٧٦ - ١٧٩.
(٥) وحدود العالم، ص ٣٩٨ - ٤٠٦.
(٦) وانظر عن تاريخ أران فى صدر الإسلام L' Armemie entre: P J. Laurent By- zance et L' islam، باريس سنة ١٩١٩ م.
(٧) وانظر عن سهل بن سنباط: Bulletin of Caucasica IV: Minorsky فى the -School of Orietal Studies, London In stitution ص ٥٠٤ - ٥٢٩.
(٨) وانظر عن بنى شداد Studies: Minorsky in Caucasian History، لندن سنة ١٩٥٣ م.
(٩) ونجد كثيرًا من التفصيلات عن المسميات والمسائل اللغوية فى مادة أران فى إسلام أنسيكلوبيدياسي، بقلم زكى وليد طوغان.
خورشيد (فراى R, N. Frye)
стр. 610
الأرقم
وهو الأرقم (= أبو عبد الله) بن عبد مناف (ابن أبى الأرقم) بن أسد (أبو جندب) بن عبد الله: صحابى من عشيرة مخزوم، وهى من أغنى عشائر مكة وأكثرها احترامًا، وتنتسب أمه أميمة إلى قبيلة خُزَاعة، وقد اعتنق الإسلام وهو حدث، وكان من أوائل الذين آمنوا؛ ومع أن بنى مخزوم كانوا من أشد الناس عداوة للرسول ﷺ إلا أن ذلك لم يمنع الأرقم من أن يكون من أخلص أنصاره حتى إنه قدَّم داره للنبى ﷺ أيام محنته ليجتمع فيها المسلمون، وفيها وجد النبى ﷺ مكاناً آمناً صالحاً لنشر دعوته. وفى هذا الوقت أخذت الجماعة الإسلامية فى النمو وانضم إليها رجال كثيرون منهم حمزة وعمر. وما إن أسلم عمر حتى ترك النبى ﷺ دار الأرقم، ولم تذكر لنا الروايات على وجه التحقيق تاريخ التجاء النبى ﷺ إلى هذه الدار ولا مدة مكوثه فيها, ولكننا نستطيع القول بأن ذلك كان بين عام ٦١٥ وعام ٦١٧ م. ولم يذكر ابن هشام شيئًا عن دار الأرقم ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد ألم بقصة هذه الدار، وكذلك عرف الطبرى هذه القصة وأرخ بها، ولكنه لم يذكرها قط فى حديثه عن سيرة النبى ﷺ . وقد هاجر الأرقم مع المهاجرين وأقام فى المدينة فى دار من حى بنى زُرَيق يعرف ببيت الأرقم أيضًا. ويقال إن النبى ﷺ هو الذى أقطعه هذه الدار، وقد آخى النبى ﷺ أيضًا بين الأرقم وأبي طلحة (زيد). ويظهر أنه احتفظ، شأن الكثيرين من مهاجرى الصحابة، بحبه واحترامه لعشيرته فى مكة، ولما غنم المؤمنون فى وقعة بدر سيف المرزبان ومتاع بنى عائد المخزومى عرفه الأرقم وطلبه من النبى ﷺ .
وقد شهد الأرقم فى المدينة المشاهد الهامة كلها, ولم يكن له فيما يظهر شأن كبير فى تاريخ النبى ﷺ بعد ذلك. وكان سعد بن أبى وقاص صديقا حميما له.
ومهما يكن من شئ فقد أوصى الأرقم سعداً بالصلاة عليه عند وفاته. وتوفى الأرقم عام ٥٤ أو ٥٥ هـ (٦٧٤ - ٦٧٥ م) بعد أن نيَف على الثمانين ورزق بابنه عثمان من أَمة، وهو جد أسرة كبيرة عاش فرع منها فى الشام.
وقد أصبحت للمدة التى قضاها النبى ﷺ فى بيت الأرقم أهمية
стр. 611
خاصة فى التأريخ الإِسلامى لمعرفة ترتيب السابقين إلى الإسلام لما لهؤلاء السابقين من مكانة وفضل بين المسلمين. وأخذ المؤمنون بعد ذلك يجلون الأرقم ويعظمون داره القائمة على تل الصفا وتعرف عادة بدار الأرقم أو دار الإسلام، وظلت فى حوزة أحفاده الذين جعلوا منها داراً للأسرة إلى زمن الخليفة المنصور الذى أجبرهم على أن يبيعوها إياه لتسكن فيها أسرته. وقد سكنتها مدة من الزمن الخيزران أم هارون الرشيد، ومن ثم أطلق عليها أيضًا "دار الخيزران". وقد رممت البناية المعروفة بدار الأرقم وأعيد بناؤها مراراً، نعرف ذلك من الكتابات المنقوشة هناك، ولا يزال الحجاج يزورونها إلى الآن.
المصادر:
(١) Das Leben and die: Sprenger LEher des Mohmmed .
(٢) Annal dell' Islam: Caetani, الفهرس، انظر هذه المادة.
(٣) على بهجت فى Bull. de. l'inst. . Egypte
السلسلة الخامسة، المجلد الثانى، ص ٦٨ ,١١.
[ركندورف Reckendorf]
+ الأرقم: صحابي قديم للنبى ﷺ اشتهر بالأرقم بن أبى الأرقم، وكنى بأبي عبد الله؛ وكان اسم أَبيه عبد مناف، وينتسب إلى عشيرة مخزوم ذات الجاه فى مكة. ويُختلف فى اسم أُمه، والقول الغالب أنها من قبيلة خُزَاعة أما وقد جعلت وفاة الأرقم سنة ٥٣ هـ (٦٧٣ م) أو سنة ٥٥ هـ (٦٧٥ م) فى سن تربو على الثمانين فلابد أن يكون ولد حوالى عام ٥٩٤ م، وأن يكون قد آمن وهو جدّ حدث لأنه كان من السابقين إلى الإسلام، وتزعم رواية أنه كان فى السابعة حين أسلم، وتقول أخرى أنه كان فى الثانية عشرة.
وقد أتيح للأرقم أن يقدم داره على تل الصفا لتكون فى خدمة النبى ﷺ ولكن الأسباب التى أتاحت له ذلك لم تذكر وربما كانت قد واتته سنة ٦١٤ م. وأصبحت هذه الدار مركزاً للجماعة الجديدة حتى بعد إسلام عمر بن الخطاب. ويكرر ابن سعد أن دخول الداخلين فى الإسلام وغير ذلك من الأحداث وقعت فى دار الأرقم والنبى ﷺ ملازم لها أو قبل دخوله فيها، على أن ابن هشام يسكت عن ذلك،
стр. 612
وهاجر الأرقم إلى المدينة مع النبى ﷺ ، وشهد بدرًا وغيرها من الوقائع الكبرى ولكنه لم يبرز فيها أى تبريز. وظلت داره -التى اشتملت على مسجد أوقبَّة- فى يد الأسرة حتى اشتراها منها الخليفة المنصور، ثم انتقلت إلى الخيزران أم هارون الرشيد، وأصبحت مشهورة بدار الخيزران.
المصادر:
(١) ابن سعد، جـ ٣، قسم ١، ص ١٧٢ - ١٧٤.
(٢) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ١، ص ٥٩.
(٣) ابن حجر: الإصابة، طبعة كلكتة سنة ١٨٥٦ - ١٨٧٣ م، جـ ١، ص ٢٠٥.
(٤) الواقدى (ترجمة J. well- hausen بعنوان Mohammed in madina برلين سنة ١٨٨٢ م، ص ٦٧).
(٥) Chroniken der: F. Wustenfeled Stadt Mekka ١٨٦١ م, جـ ٣، ص ١١٢ - ٤٤٠.
(٦) Annali: Caetani جـ ١، ص ٢٦١ وبه مصادر أخرى.
خورشيد [مونتجمرى وات Montgomery Watt .w]
إرم ذات العماد
لم ترد فى القرآن الكريم إلا فى سورة الفجر، الآية الثامنة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. ويمكن أن تفسر الصلة بين عاد وإرَم فى هذه الآيات على وجوه مختلفة كما فعل المفسرون فى إفاضة: فإذا اعتبرت إرم مقابلة لعاد، فإنه من الواضح أن تعتبر إرم أيضًا اسمًا لنفس القوم من الناس. ويمكن والحالة هذه أن يفهم من العماد معنى قوائم الخيام. ويقول مفسرون آخرون إن العماد إنما تشير إلى الشأن الرفيع الذى كان لقوم إرم, وهو أسلوب فى توكيد هذه الرفعة؛ أما إذا كانت الصلة بين إرم وعاد صلة إضافة، فالراجح أن تكون إرم ذات العماد تعبيرا جغرافيا يدل على مكان الاستيطان، وهذا هو الرأي السائد بين المسلمين. على أن الآراء قد اختلفت اختلافًا كبيرًا فى الشرق والغرب فيما يشير إليه هذا التعبير. ويرى ياقوت أن الرأى الغالب هو أن ذات العماد صفة لدمشق ويقال إن جَيْرون بن سعد بن عاد نزل بها وابتنى مدينة تحليها عمد من الرخام، وقد استغل لوث loth هذه
стр. 613
الرواية فى تدعيم رأيه القائل بأن اسم إرم لا يتصل إلا بالروايات الآرامية.
على أن المسلمين كثيرًا ما يجعلون إرم تشير إلى جنوب بلاد العرب الذى كان قوم عاد ينتسبون إليه أيضا. وكان لعاد ابنان: شدَّاد وشدَيد، فلما مات شديد خلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها. ولما سمع بحديث الجنة ابتنى على مثالها مدينة فى بعض صحارى عدن، وكانت حجارتها من الذهب والفضة وأسوارها محلاة بالحجارة الكريمة ... الخ. ولما أنكر شداد ما دعاه إليه النبى هود وعزم على الخروج إلى مدينته، جاءته صرخة من السماء قضت عليه وعلى قومه وهم على مسيوة يوم من إرم، وغارت تلك المدينة فى جوف الرمل.
وفى الرواية التى ذكرها المسعودى (جـ ٣، ص ٤٢١) لا ينتهى تاريخ هذه المدينة على هذا الوجه المحزن، فقد رغب شداد فى أن يبتنى ما يماثلها فى موضع مدينة الإسكندرية. فلما أسس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية بعد ذلك، وجد فيها آثار بناء عظيم ذى عمد كثيرة من الرخام على أحدها نقش اسم شداد بن عاد بن شداد بن عاد، وأنه شيد هذه المدينة على مثال إرم ذات العماد، ولكن الله أهلكه وحذر كل إنسان من القيام بمثل هذا العمل العظيم. ومن اليسير أن نلاحظ أن هذه الرواية قد أخذت من قصة الإسكندر (Callisthenes Pseudo, طبعة ميلر, جـ ١، ص ٣٣) التى تذهب إلى أنه قد كشف عند تشييده الإسكندرية معبداً فيه مسلات عليها نقش يشير إلى الملك سيسنخيس Sesonkhis الذى حكم المعمورة. يضاف إلى هذا أن التحذير الذى ورد فى النقش الذى يشير إليه المسعودى يتمشى مع قصة الإسكندرية إلى حد بعيد: ومن ثم يجب أن لا ننتظر من هذه الرواية أن تدلنا على موقع إرم. على أنه لا بد أن نلاحظ كذلك أن الطبرى أيضًا فى تفسيره يذكر ذلك الرأى القائل بأن إرم هى عين الإسكندرية. وروى أيضًا أن رجلا يقال له عبد الله بن قلابة كان يطلب جملين ندّا منه فوقف صَدفة على مكان تلك المدينة التى ساخت فى الأرض، فحمل إلى معاوية من خرائبها شيئًا من المسك والكافور واللؤلؤ، ولكن كل هذه الأشياء استحالت ترابا عند تعرضها للهواء. فاستدعى معاوية كعب الْأَحبار وسأله عن خبر هذه المدينة فأجاب كعب على
стр. 614
الفور: إنها إرم ذات العماد، يدخلها فى زمانك رجل صفته كذا؛ وكانت تلك الصفات تنطبق كل الانطباق على عبد الله.
ومما تجدر ملاحظته تلك السخرية التى لم يستطع المسعودى إخفاءها عند روايته هذه القصة (المروج، جـ ٤، ص ٨٨) ويقول علماء الإسلام إن إرم ذات العماد كانت قرب عدن، أو بين صنعاء وحضرموت، أو بين حضرموت وعُمان. ويجب أن نلاحظ أن صيغة إرم من لغة أهل اليمن، فقد ذكر الهمدانى جبلا وبئرا يعرفان بنفس الاسم فى جنوبى بلاد العرب. وهذا الرأي يدفع ما ذهب إليه لوث Loth من وجود صلة بين إرم والآراميين.
وواضح أنه ليس لنا أن نسلّم بما ذهبت إليه الرواية الإسلامية من أن هناك صلة بين قوم إرم (آرم) وإرم ذات العماد.
وتاريخ الكشف عن قبر أسرة عاد بن إرم أورده ميلر فى Akad. Wien .Sitz. ber المجلد ٨٦، ص ١٣٤ وما بعدها).
المصادر:
(١) تفاسير سورة الفجر، الآية ٨.
(٢) المسعودى طبعة باريس، جـ ٢ ص ٤٢١؛ جـ ٣, ص ٢٧١؛ جـ ٤, ص ٨٨.
(٣) الطبرى، جـ ١، ص ٢١٤، ٢٢٠, ٣٣١, ٧٨٤.
(٤) القزوينى: آثار البلاد، طبعة قستنفلد، ص ٩ - ١٠.
(٥) ياقوت: المعجم، مادة إرم.
(٦) الديار بكرى: خميس، القاهرة سنة ١٢٨٣, جـ ١ ص ٧٦.
(٧) الثعلبي: قصص الأنبياء، القاهرة سنة ١٢٩٠ هـ، ص ١٢٥ - ١٣٠.
(٨) الهمداني، طبعة ميلر، انظر الفهرس.
(٩) D. H. muller: .Die Burgen u Schlosser ص ٤١٨.
(١٠) Essai sur: Caussin de Perceval L'histoier. جـ ١، ١٤.
(١١) Leben: Sprenger جـ ١, and lehre Muhammeds ص ٥٠٥ - ٥١٨.
(١٢) Loth فى. Zeitschr.d Deutsch Ges .Morg جـ ٣٥، ص ٦٢٥ وما بعدها.
(١٣) La ville d` Iram: Mlle. groff الجزائر سنة ١٨٩١ م، ص ٥٠ - ٦٤.
[فنسنك A. J. Wensinck]
стр. 615
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«إريتريا - أكدرية»
[الجزء الثالث]
стр. 616
إريتريا
مستعمرة إيطالية يمكننا تقسيم سكانها ثلاثة أقسام: قسم من البدو، وقسم من الحضر، وقسم بين بين. وقد تكون فى القبيلة الواحدة طائفة من البدو وأخرى من الحضر وثالثة بين أولئك وهؤلاء. وتذهب رواية يعتقد الرأي الغالب بصحتها إلى أن أول من استوطن هذا الصقع قبائل ثمان وقدت عليه الواحدة بعد الأخرى، ولكننا لا نعرف شيئًا محدداً موثوقا به عن أصل هذه القبائل أو ترتيب نزوحها، على أنه يتضح من هذه الرواية أن إريتريا كانت آهلة بالسكان دائمًا، وأن هؤلاء السكان كانوا عرضة للتحول من البداوة إلى الحضارة، ومن الرعى إلى الزراعة. هذا فى السلم، أما فى الحرب فإن التحول لا يصدر عن نظام أو تدرج وإنما هو أقرب إلى الفوضى والإضطراب اللذين يظلان عدة قرون، وهكذا تقوم بمرور الزمن مراكز جديدة فى أنحاء جديدة تندمج شيئًا فشيئاً فى الجماعات التى يتفاوت نصيبها من الاستقرار.
ومعظم سكان إريتريا فى الوقت الحالي من الجنس الحامى الذى كان يظهر بأوضح مميزاته وخصائصه أيام الحضارة المصرية القديمة فى بقاع متعددة من المنطقة التى تكوّن الآن هذه المستعمرة الإيطالية. بيد أن هذا النقاء الجنسى تأثر كثيراً بالأسباب والدوافع التى أشرنا إليها. ومهما يكن من شئ فإن عدد القبائل الثمان -كما تذهب
стр. 617
رواية القدماء -قد رفعه علماؤهم إلى عشر قبائل أو خمس عشرة قبيلة أو أكثر. وما من شك فى أن ثمة فروقاً واضحة فى اللغة والعادات بين سكان إريتريا، سواء أكان هؤلاء السكان قد انحدروا من جد واحد أم لم يكونوا.
والعنصر الغالب هم الأحباش الذين يقطنون الهضبة، وهم عين التكرينه الذين يعيشون فى الجانب الآخر من حدود الدولة الإثيوبية. وأحباش هذه المستعمرة لا يكاد عددهم يبلغ ... ر ١١٠ نسمة، ولديهم ثقافة تقوم على نظام أبوى حسن. وجميعهم من الرعاة والمزارعين ويكّونون جماعات مستقرة فى القرى يجاور بعضها بعضًا فى العادة، وهى لذلك صغيرة. ويرجع هذا إلى فقر الأقاليم التى يعيشون فيها. ومتوسط عدد كل جماعة من هذه الجماعات حوالى ١٢٥ نسمة. ويقول دانيللى ومارينيللى إنه على الرغم من غلبة القرى الصغيرة والصغيرة جداً على هذا الإقليم فإن بعضها يكثر سكانه، إذا استثنينا المدن التى يعود ازدهارها إلى الاستعمار الأيطالى. وآيمَّا كان أمر هذه القرى فليس من المحتمل أن يزيد السكان فى إحداها عن ١٠٠٠ نسمة. وأنت تشاهد ما يشابه هذا فى الولايات الحبشية التى تقع فى حدود مستعمرة إريتريا.
وهناك أيضًا جماعتان من المزارعين المستقرين تعيشان فى القرى، هما الكونامة (يبلغ عددها نيفا وثلاثة عشر ألفًا) والدارْيه (سكانها ... ر ٧ نسمة تقريبًا). وتقول الروايات إن هاتين الجماعتين تنتسبان إلى الجنس الحامى، وإنهما من أقدم من استوطنوا هذه المستعمرة، وهم يمتزجون بعض الامتزاج بأهل السودان. ومع أن الأحباش من النصارى فإن الدارْيه والكونامة وثنيون.
أما باقي سكان إريتريا فمعظمهم من البدو والقبائل التى تعيش بالرعى، كما أن أغلبيتهم تدين بالإِسلام، ونخص بالذكر من هؤلاء بنى عامر وهم خليط من أجناس متعددة، وكانوا يعيشون على تربية الماشية، ويقسمون حياتهم بين الجبل والبحر، وهم يتكلمون عادة البضوية، وعددهم حوالى ٤٠ ألف
стр. 618
نسمة. ثم الهَبب وغيرها من القبائل المتحالفة التى تعيش بين بنى عامر والبحر، ويبلغ عدده ٢٤ ألف نسمة. وهم من الرعاة الرحل ويتكلمون بالتكره. ثم قبائل المنسة والمارية والسَبْدرات والتورها والهاسو والدناقل والدهلكى والأنكنه وغيرها. وكل هذه القبائل قديمة أتت فى الأصل من مرتفعات إثيوبية، ولكنها اختلطت بالمصريين واليونان من المستعمرين الذين دخلوا البلاد عن طريق البحر. والبيلانى الذين يقطنون وادى تشرن يكّونون جزءاً هاما من هذه الأقوام، وهم منقسمون إلى أقباط وكثالكة ومسلمين، ولا يعيشون عيشة البداوة التى تحياها القبائل السالفة.
وتجاور قبائل البت تاكويه (٤٠٠٠ نسمة) والبكينه (١٠٠٠ نسمة) والمنسة: قبيلة البيلانى، أما الأساورتة ٩٠٠٠ نسمة) والمنيفرى (٥٠٠٠ نسمة) والهاسو (١٥٠٠ نسمة) فهى قبائل يدوية ترعى الماشية وتهتم بعض الاهتمام بالزراعة وتدين بالإسلام.
وينتسب سكان إقليم دناقل إلى جنس آفار وعددهم ١٣٠٠٠ نسمة فى الأراضى الايطالية واغلب الظن أن يكون هؤلاء السكان قبائل امتزجت بالمستعمرين من اليونان والمصريين، وجلهم من البدو الذين يدينون بالإسلام.
أما الجزائر فليست عامرة بالسكان فى جميع أنحائها، ويبلغ عدد هؤلاء السكان حوالى ٢٥٠٠ نسمة، وقد انحدروا من أصول مختلفة، وهم يعتمدون فى معاشهم على صيد الأسماك واللؤلؤ. ويعيش حوالى ١٠٠٠٠ نسمة من السكان السامى الأصل على شاطئ مَسّاوَة فى قرى متجاورة.
وبلغ سكان عدد مستعمرة إريتريا الإيطالية- وفق تعداد عام ١٩٠٥ م - ٩٤٤ ر ٢٧٤ نسمة ١٧٧ ر ١٥٢ نسمة من المسلمين و ٨٥٣ ر ١٠٢ نسمة من القبط و ٣٦٢ ر ١٢ من الوثنيين و ٢٥٥ ر ٧ من الكثالكة و ٢٩٧ من البروتستانت. ولا تشمل هذه الأرقام السكان البيض ولا جماعات الدناكل الذين يعيشون داخل الحدود التى عينت عام ١٩٠٨ م. وإذا أدخلنا هؤلاء فى حسابنا أصبح عدد
стр. 619
السكان جميعًا ... ر ٢٨٢ نسمة، وليس ... ر ٣٠٠ نسمة أو أكثر كما ذهبت بعض المراجع غير الرسمية التى صدرت قبل هذا الإحصاء.
ولنذكر فيما يلى الأديان التى تتمثل فى هذه المستعمرة، مراعين فى ذلك أهمية كل دين وعدد أتباعه: (١) الإسلام بمذاهبه الأربعة: الحنفى والشافعى والمالكى والحنبلى، (٢) القبطية، (٣) الكاثوليكية، (٤) الإنجيلية والأرثوذكسية، (٥) اليهودية والبوذية. والإِسلام هو أسرع هذه الأديان إلى نفوس الناس وأكثرها انتشاراً.
ويقوم بالحكم فى هذه المستعمرة مأمورون و"مقيمون"، وقد قسمت المستعمرة لهذا الغرض إلى خمس مأموريات تشمل الجزء الأوسط من هذه البلاد، وخمس مقيميات تشمل الأقاليم الواقعة على الحدود.
أما القضاء فى هذه المستعمرة فمرجعه إلى القانون الجنائى الذى صدر به مرسوم ملكى فى ١٤ مايو عام ١٩٠٨. وكان كل فرد يعتبر قبل صدور القانون المدنى من رعايا هذه المستعمرة حتى ولو لم يكن إيطاليا أو تابعًا لدولة معترف بها، وسواء أكان ممن ولدوا فيها أم ممن ينتسبون لأجناسها وقبائلها، وكان يعتبر من رعاياها أيضًا كل فرد من أبناء إفريقية وكل واحد من أهالى أمم البحر الأحمر ممن قاموا بواجباتهم نحو الحكومة أو ممن عاشوا فى هذه المستعمرة عامين متصلين. وكذلك كان شأن كل أجنبى لا ينتسب لأمة لها ما للأوروبيين من حضارة. ويقوم بالقضاء بين الأهلين أولا أمراؤهم ثم جماعات الشيوخ والنبلاء، ثم شيوخ الكوَر والقبائل ثم القضاة والمأمورون والمقيمون الذين ينظرون فيما يرفع إليهم من استئناف احكام القضاة وشيوخ الكوَر والقبائل والأمراء مع استثناء القضايا التى تقع فى اختصاص المحاكم.
وتحاول الحكومة فى هذه المستعمرة أن تزيد من نفوذ الموظفين العاديين مع مراعاة الفروق الدينية والجنسية بين مختلف السكان من غير البيض.
وقد أدخلت القوانين الإيطالية فى هذه المستعمرة مع تعديلها وتغييرها بما
стр. 620
يتفق وحالة البلاد من الوجهة الاقتصادية والقانونية والحياة اليومية والعادات ويعترف القانون الإيطالى -فى حدود- بأهم شعائر الناس الدينية. أما مع المسلمين فهم يطبقون الشرع كما ورد فى القرآن وكما فسره الفقهاء الذين تعترف بهم كل قبيلة مع التوفيق بين روح الشرع وروح التشريع الإيطالى. ويطبق القانون الإيطالى فى الأحوال الجنائية كما يطبق العرف فى الأحوال المدنية: فى البيع والحضانة والعادة وخاصة فيما يتعلق بالمسلمين لاسيما فى أحوال الزواج. ويتمتع المسلمون فى هذه البلاد بحرية تامة فى إقامة شعائر الدين.
المصادر:
(١) Geografia della: A. Mulazzani Colonia Eritrea, فلورنسة.
(٢) La Dancalia set-: D.Odorizzi tentrionale, أسمرة سنة ١٩٠٩.
(٣) Ri-: G.Dainelli and o. Marineli -sultati scientifici di un viaggio nella Colo nia Eritrea سنة ١٩١٢.
(٤) La colonie de: A. Baldacci i'Erythree, بروكسل سنة ١٩١٠.
(٥) G.Dainelli ٠. Marinelli and A. Bibliografia geografica della Co-: Mori Ionia Eritrea سنة ١٨٩١ - ١٩٠٦, فلورنسة سنة ١٩٠٧.
(٦) Ministero degli Affari Esteri: Raccolta di pubblicazioni colonials ital- iane and and Racccolta cartoRrafica, رومة سنة ١٩١١.
[بالداتشى A.Baldacci]
+ إرتيريا: صقع يسكنه عدد لا بأس به من المسلمين، فى شمالى شرق إفريقية مشرف على البحر الأحمر، يرتبط بإثيوبيا منذ سنة ١٩٥٢ م برباط فيدرالى، وقد إندمج اندماجا تامًا فى الأمبراطورية الإثيوبية منذ سنة ١٩٦٢ م.
(١) كوّنت إريتريا بصفة عامة من الناحية الجغرافية والتاريخية والسلالية جزءًا من وحدة أكبر سنتناولها فى مادة "الحبش". وسنركز كلامنا بعدُ بصفة خاصة على تلك السمات والمظاهر الإسلامية التى تنفرد بها
стр. 621
إريتريا بمدلوها الضيق. وقد سمى الإيطاليون سنة ١٨٩٠ م إريتريا بهذا الاسم (نسبة إلى Mare Erythraeum) تعبيراً عن نمو ممتلكاتهم (بدأ سنة ١٨٦٩ م) بشرائهم ثغر أساب على ساحل البحر الأحمر، و"بحر مدر" (أى إقليم البحر) أو"مأرب ملّاش" (أى ما وراء نهر مأرب) الحبشى.
وتشبه إريتريا من الشمال والغرب مثلث الزوايا (وتضم قرابة ... ر ٥٠ ميل مربع من الأراضى المختلفة السمات أشد الاختلاف) على حدود السودان، ويطل شرقيها على البحر الأحمر، ويحد ركنها الجنوبى الشرقى بلاد الصومال الفرنسى حيث يمتد الحد القديم بينها وبين إثيوبيا فى اتجاه شمالى غربى على طول غور دَنقْلىَ ثم يساير خط مأرب -بلسه. وتكوين البلاد الطبيعى تميزه الكتلة الجبلية الوسطى المترامية الأطراف (ارتفاعها ما بين ٦٥٠٠ - ٨٠٠٠ قدم فوق سطح البحر) التى تمتد جنوبا حتى تدخل فى إثيوبيا وتكتنفها سهول قائظة الحرارة من الشرق والغرب والشمال.
(٢) السكان: باستثناء الجَبرت تعيش الأغلبية الغالبة من المسلمين الاريتريين فى تلك الأقاليم الحارة الشَّرقية والغربية والشمالية، ويبلغ عددهم حوالى نصف مليون نسمة من مجموع عدد السكان البالغ قرابة ... ر ١٠٠ ر ١ نسمة يقبض العنصر
المسيحى القائل بالطبيعة الواحدة من بينهم على معظم السلطة السياسية. وعلى حين يتركز النصارى والجبرت فى الهضاب الوسطى المكتظة بالسكان ويتحدثون بالتكرينية فإن الأغلبية الغالبة من المسلمين -سواء أكانوا من المقيمين أم من البدو الظاعنين- يعيشون فى الأغوار المتناثرة السكان ويتكلمون "التكره" والعربية فى نطاق محدود جداً. وهم سلالة البجة أو غيرها من القبائل الكوشية والمهاجرين اليمنيين الأولين. وبنو عامر هم أكبر حلف قبلي، ويبلغ عددهم حوالى ... ر ٦٠ شخص و (٣٠٠٠٠) آخرين فى السودان ويشغلون جزءاً كبيراً من غربى إريتريا، ويديون بالولاء لشيخ أعظم، هو الـ "دكلاك" ويعترفون بالزعامة الدينية للأسرة الميرغنية. وفى
стр. 622
التلال الشمالية يكون الهبب والآدتكلس، والآدتمريام حلف بيت أسكده القبلى، ويقيم الآد شيخ مضاربهم بين الهبب والآدتكس، ويزعمون إنهم سلالة أسرة مكية ولكن معظم هذه الذكريات القبلية لا يمكن إثباتها والبيلان (أو البوكوس) فى منطقة كرن قبيلتان كبيرتان (بيت تركه وبيت تكوه). ويعيش الساهو على طول المنحدر وسفوح التلال المؤدية إلى حلف الدناقل القبلى الذى يعيش فى الغور القاحل المترامى الأطراف وراء ساحل البحر الأحمر، وهو من أشد بقاع العالم حرارة وإمحالا. أما سكان ثغر مصوَّع (وأركيكو وأساب) فمشاع بين الأجناس وتشمل أفراد قبائل من التلال، ودناقل، وسودانيين وعربا، وهنود، وجماعات من أصل تركى، والموحد بينهم هو الإسلام. وكان سكان جزائر دهلك القاحلة القائمة تجاه ساحل مصوع من أوائل أهل شرقى إفريقية للذين دخلوا فى الإسلام، ويكشف كثير من شواهد القبور التى عليها نقوش بالحروف الكوفية عن هذه الصلة الإسلامية القديمة.
(٣) وتاريخ إريتريا متشابك كل التشابك مع تاريخ إثيوبيا وجنوبى جزيرة العرب من ناحية أخرى حتى أصبح من العسير علينا أن نخلص منه بالسمات المتميزة القليلة التى يتسم بها ماضى إريتريا .. وقد استقر مهاجرو جنوبى بلاد العرب على طول ذلك الجزء من الساحل الغربى للبحر الأحمر الذى يعرف الآن بإريتريا. ومن هناك توغلوا بعد فى الداخل وأقاموا مملكة أكسوم التى ترك آثاراً كثيرة جداً فى تربة إريتريا. ثم أصبحت إريتريا من بعد القاعدة التى مدت منها مملكة أكسوم سيادتها على شقة عريضة من ساحل جنوبى غرب جزيرة العرب. وكان هناك أيضًا السبيل الكبير الذى تدفقت منه أسباب الاحتكاك العدائية والثقافية بمروة وحضارتها. وأصبحت إريتريا. بحكم كونها الولاية البحرية التقليدية لإثيوبيا ومنفذها الوحيد إلى البحر، مكان، وثوب يشن منه المسلمون هجومهم الذى أدى إلى نشوب صراع استمر قرونًا، ويتخذ منه البرتغاليون قاعدة للتحرير من هذه السيطرة العربية. وفى القرن العاشر
стр. 623
الهجرى (السادس عشر الميلادى) كانت مصُوَّع وأركيكو القاعدة التى حاول منها الأتراك أن يغزوا الهضبة المسيحية (وهو حادث بقي ماثلاً فى لقب "نائب أركيكو" وممثل السلطان العثمانى). قد حارب المصريون مرارًا فى القرن التاسع عشر الميلادى ليقيموا لأنفسهم موطئ قدم ثابت فى إريتريا حتى أنزل بهم الإمبراطور يوحنا هزيمة حاسمة بالقرب من كورة سنة ١٨٧٦ م وقد شن السير روبرت نابير - Sir Robert Na pier حملته الناجحة على تيودر (سنة ١٨٧٦ - ١٨٦٨ م) من خليج زولا، وكون الإيطاليون جاهدين مستعمرتهم من تلك الأجزاء من الولاية البحرية التى كان الامبراطور منليك الثانى الشوُهَي، على خلاف سلفه يوحنا التكرى، عاجزاً عن القتال فى سبيلها أو غير راغب فيه. وقد أنفذ الايطاليون جيوشهم من إريتريا إلى أثيوبيا مرتين فى أربعين عامًا حتى طردوا منها آخر الأمر أثناء الحرب العالمية الثانية ومن سنة ١٩٤١ م إلى سنة ١٩٥٢ م تولت أمر إرتيريا إدارة بريطانية عسكرية، وهى فترة تجلت أثناءها من أول الأمر الأطماع الإسلامية والمسيحية. وكان ثمة خطة ترمي إلى التخلص من إريتريا بوصفها وحدة سياسية مصطنعة فيدمج غربها الإِسلامي فى السودان والوسط المسيحى فى إثيوبيا، غير أن هذه الخطة انهارت آخر الأمر حين قررت هيئة الأمم المتحدة سنة ١٩٥٠ م جعل إرتيريا وحدة فيدرالية مستقلة استقلالاً ذاتيا تحت سيادة التاج الإثيوبى. وهذه التسوية القلقة أدت شيئًا فشيئًا إلى امتصاص إثيوبيا الكامل لإريتريا، ذلك أن أية ضمانات دستورية كان خليقة أن تعجز عن صيانة كيانها الاقتصادى أو السياسي وتتمتع الأقلية الإسلامية الكبيرة بحرية معقولة من التعبير الدينى والسياسى فى الأمبراطورية المسيحية.
(٤) اللغات: التكرينية والتكري كلتاهما خلفتا الإثيوبية السامية (كعريز) ويتحدث بالأولى جبرت الهضاب، أما اللغة الثانية فهى اللسان الأول للمسلمين فى الأغوار الغربية والشرقية وفى التلال الشمالية. وتعرف التكرى فى مديرية كسلا بالسودان باسم "الخاصية". ولم تدرس بعد دراسة مستفيضة الخلافات اللهجية فى
стр. 624
نطاق التكرى. ولا تستطيع التكرى أن تفاخر بأن لها أدباً مكتوباً، كما أن العربية لها مكانة بين المسلمين والتجار تعوز التكرى. وقد كان القرار الذى اتخذته الحكومة الأريترية سنة ١٩٥٢ م يجعل التكريتية والعربية اللغتين الرسميتين لإريتريا -بالرغم من أن معظم المتحدثين بالتكرى لا يعرفون من العربية إلا القليل، أو قل إنهم لا يعرفونها على الإطلاق- قراراً أملته السياسة وتحقيق الهيبة، ولم يمله الحكم السليم. واللغتان الرئيسيتان غير الساميتين اللتان يتحدث بهما مسلمو إرتيريا هما البدوية والبلينية.
(٥) الدين: لقد كان الإسلام قوة فى إريتريا الحبشة منذ بعث محمد ﷺ بعض أتباعه الأولين ملتجئين إلى النجاشى، وقد حمل الضغط الذى مارسه المسلمون من البحر الأحمر طوال القرون الوسطى، الأحباش على القتال فى سبيل مذهبهم فى النصرانية، على أن الإسلام فى إريتريا وفى إثيوبيا لم يستطع -بالرغم من بلوغ عدد المسلمين فيهما قرابة نصف السكان- أن يخترق الدرع الواقى لمذهب القائلين بالطبيعة الواحدة وتغيير كيانه الجوهرى. بل إن الأمر جرى على عكس هذا، ذلك أن الجَبَرْت كانوا قد هضموا كل الهضم النمط الثقافى واللغوى للحياة الحبشية التقليدية حتى أن عقيدتهم بدت مفارقة لكيان الإسلام. ومع ذلك فإن الإسلام لا يزال يتقدم بين الأقوام الكوشية والنيلية فى مناطق الأغوار، ولكنه لايتقدم خطوة بين أهل الهضاب. والدعوة الإسلامية للناس كافة لها سحر خاص فى جميع تلك الأقاليم التى لم تطبق فيها تطبيقا صادقا الرسالة المتفردة الوطنية لمذهب القائلين بالطبيعة الواحدة المسيحى.
قد رسخت القادرية رسوخاً فى المناطق الساحلية لإريتريا. وخاصة فى مصوغ والأرض المناوحة لساحلها. ولكن أوسع الطرق نفوذا فى إريتريا هى بلا شك الميرغنية أو الختمية، وقاعدتها فى كسلا، وهى سائدة فى الأقاليم الغربية, وخاصة بين بنى عامر والهبب وغيرهما من القبائل الإسلامية. ووفقا للتعداد الإيطالى سنة ١٩٣١ م تبلغ نسبة "المذاهب" فى: ٦٥ % من
стр. 625
المالكية، و ٢٦ % من الحنفية، و ٩ % من الشافعية. ومع أن الشريعة تخضع بصفة عامة للقانون العرفى بين الكثير من القبائل، فإنها لاتزال سائدة فى المناطق الحضرية، وقد شجعت الحكومة الدنيوية، سواء الأوربية أو الإثيوبية، على نمو القانون المدنى الإِسلامى وإقامة محاكم "القضاة".
المصادر:
(١) (reale societa geogr. ital) africa orientali بولونيا سنة ١٩٣٦ م.
(٢) british mil. administration rac- es tribes of Iretrea أسمره سنة ١٩٤٣ م.
(٣) Guide: Chamber of Commerce book of Ethiopia أديس أبابا سنة ١٩٥٤ م.
(٤) chi e? dell' eritrea: أسمرة سنة ١٩٥٢ م.
(٥) di-: C. Conti Rossini principi di ritto consuetudinario dell' Eritrea رومة سنة ١٩١٦ م.
(٦) eritrea فى. inciclopedia italiana
(٧) Guida dell' Africa Orientale ميلانو سنة ١٩٣٨ م.
(٨) A Short History: S.H. Longrigg of Eritera، أوكسفورد سنة ١٩٤٥ م.
(٩) The Ethiopian Em-: N. Marein dire-Federation and laws روتردام سنة ١٩٥٤ م.
(١٠) Desert and for-: L.M. Nesbitt est (Exploratian Danaki of the Danaki مجموعة بنكوين سنة ١٩٥٥.
(١١) Le Popolazioni in-: A.Pollera digene dell' Eritrea بولونيا سنة ١٩٣٥ م.
(١٢) British mili-: Rennel of Rodd tars administration of occupied territories ١٩٤١ - ٧,in Africk, لندن سنة ١٩٤٨ م.
(١٣) Tensa'a Eritrea Ityopyawit (إصلاح اريتريا)، أديس أبابا سنة ١٩٥٢ م.
(١٤) eritrea,: G.K.N. trevaskis ١٩٤١ - ١٩٥٢, لندن سنة ١٩٦٠ م.
(١٥) Islam in: J.S. Trimingham Ethiopia , أوكسفورد سنة ١٩٥٢ م.
(١٦) The Ethiopians: E.Ullendorff, لندن سنة ١٩٦٠ م.
خورشيد [أولنّدوروف E.ullendorff]
стр. 626
الأزهر الشريف (جامع وجامعة)
العصر الفاطمى
كان بمصر قبل الفتح الفاطمى، ثلاثة مساجد جامعة، هى جامع عمرو ابن العاص، الذى أسس سنة ٢١ هـ، وسمى فى عهد إزدهاره "تاج الجوامع" ولما تقادم به العهد، سمى الجامع العتيق. ويقع شمالى حصن بابليون الذى كانت تقيم فيه حامية الروم وقت الفتح الإسلامى.
ولما أصبحت مصر خاضعة للخلافة العباسية، بنى واليها الفضل بن صالح فى سنة ١٦٩ هـ مسجد العسكر بجوار دار الإمارة؛ فأصبح هذا المسجد ثانى المساجد الجامعة فى مصر؛ وظل قائمًا فى مكانه حتى تخربت مدينة العسكر، ونقل أنقاضها بدر الجمالى، وزير الخليفة المستنصر بالله الفاطمى، إلى مدينة القاهرة لتعميرها على أثر الثورة التى أذكى نارها الأتراك. ولما استقل أحمد بن طولون بولاية مصر فى سنة ٢٦٣ هـ، بنى مسجده المعروف باسمه على جبل "يشكر" فى الجهة الجنوبية من القاهرة الحالية، والجهة الشمالية من العسكر. ويرجع السبب فى بنائه إلى ضيق مسجد العسكر بالمصلين من أتباع أحمد ابن طولون وجنده، فضلَا عن حرصه على التقريب إلى الله تعالى.
وكانت هذه المساجد الجامعة الثلاثة، تعد رمزاً لسيادة الإسلام الروحية فى مصر، ومنبراً للدين الجديد؛ فجامع عمرو بن العاص كان يمثل ظهور الإسلام فى مصر، وانضواء تلك البلاد تحت الحكم العربى. وقد اتخذ مقراً للقضاء، يجلس به قاضى القضاة يومين كل أسبوع، ويعقد به ديوان الخراج، وتتلى فيه المنشورات، ثم غدا بعد قليل مركزاً لدراسة الدين الإسلامى واللغة العربية. أما جامع العسكر فإن فى إقامته إلى جانب جامع عمرو، أكبر دليل على نجاح الدعوة العباسية فى مصر، وإنضمام تلك البلاد إلى حوزة العباسيين. كذلك الحال فيما يتعلق بجامع أحمد بن طولون؛ فنستطيع أن نقول: إن إقامته بمدينة القطائع ترجع
стр. 627
إلى الرغبة فى إظهار سلطان الدولة الطولونية وسيادتها.
ولما أسس جوهر الصقلى مدينة القاهرة فى اليوم السابع عشر من شهر شعبان سنة ٣٥٨ هـ، بعد أن إستولى على مدينة مصر (الفسطاط)، رأى ألا يفاجئ المسلمين الذين يدينون بمذهب أهل السنة فى مساجدهم بشعائر المذهب الفاطمى، خشية إثارة حفيظة المصريين عليه؛ ومن ثم عول على بناء مسجد يكون رمزاً لسيادة الفاطميين على مصر، فشرع فى بناء الجامع الأزهر فى الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩ هـ (٩٧٠ م)، وكمل بناؤه فى التاسع من رمضان سنة ٣٦١ هـ (٩٧٢ م). وأقيمت فيه صلاة الجمعة لأول مرة فى اليوم السابع من رمضان من هذه السنة.
سمى الجامع الأزهر فى باديء الأمر بجامع القاهرة، نسبة إلى العاصمة الجديدة التى أنشاها جوهر. وهناك ما يدل على أن هذه التسمية هى التى كانت تغلب عليه طوال العصر الفاطمى؛ ذلك أن معظم مؤرخى هذا العصر، يذكرونه دائمًا باسم جامع القاهرة. أما تسميته بالجامع الأزهر، فيظهر أنها اطلقت عليه فى عصر العزيز بالله الفاطمىَ، بعد إنشاء القصور الفاطمية، التى كان يطلق عليها اسم القصور الزاهرة. وقال آخرون إنما سمى بذلك لما سيكون له من الشأن العظيم، والمكانة "الكبرى" بازدهار العلوم فيه. على أنه ليس ببعيد أن يكون الفاطميون الذين ينتسبون إلى فاطمة بنت الرسول ﷺ سموه الأزهر، إشادة بذكر جدتهم فاطمة الزهراء. وقد استمر هذا الجامع يعرف بهذين الاسمين حتى عصر المقريزى فى أوائل القرن التاسع الهجرى, ثم تقلص الاسم القديم، وغلب عليه اسم الجامع الأزهر.
لم ينشأ الجامع الأزهر فى بداية الأمر ليكون جامعة أو معهداً للدراسة، بل أنشئ ليكون مسجداً للخلافة الفاطمية، ومركزاً لنشر دعوتها. وقد حرص الفاطميون منذ اتخاذهم مصر مقراً لخلافتهم على تنظيم دعوتهم، وتدعيم وسائل نشرها؛ فعينوا لها رئيسا، يعرف بداعى الدعاة، اشترطوا
стр. 628
فيه أن يكون عالمًا بمذاهب أهل البيت. وكان يعاونه اثنا عشر نقيبًا، ونواب فى سائر البلاد. ومن أهم أعماله رياسة الدعوة الإسماعيلية؛ وأخذ العهد على المريدين، إما مباشرة وإما بوساطة نوابه فى مصر، وفى غيرها من البلاد التى ساد فيها المذهب الإسماعيلى؛ والإشراف على محاضرات مجالس الدعوة فى المكان المخصص له بقصر الخليفة وبالجامع الأزهر. وكان يقرأ على الناس مصنفاته، ويتصل به دعاة الإسماعيلية، ويتلقون منه الأوامر، ويقدمون له ما أعدوه للمحاضرة فى أصول المذهب الإسماعيلى.
وكانت مجالس داعى الدعاة تفرد للناس، كل حسب طبقته "فكان لآل على مجلس، وللخاصة وشيوخ الدولة مجلس، ولمن يتصل بالقصور من الخدم وغيرهم مجلس، وللعامة والوافدين على البلد مجلس، وللحرم خواص الخليفة مجلس، وللنساء فى جامع القاهرة، المعروف بالجامع الأزهر، مجلس.
وقد وجه الخليفة المعز لدين الله الدعوة الإسماعيلية توجيهاً علمياً؛ فكان يؤلف الرسائل والمحاضرات التى تتضمن أصول المذهب الإسماعيلى وخصائصه، ويبعث بها إلى قاضى قضاته أبى حنيفة النعمان المغربى، فيلقيها على الناس. يحدثنا هذا القاضى فى كتابه "المجالس والمسايرات" بأنه "لما فتح المعز لدين الله للمؤمنين باب رحمته، وأقبل عليهم بوجه فضله ونعمته، أخرج إلىّ كتابًا من علم الباطن، وأمرنى أن أقرأه عليهم فى كل يوم جمعة فى مجلس فى قصره المعمور بطول بقائه؛ فأكثر اجتماع الناس، وغص بهم المكان، وخرج احتفالهم عن حد السماع، وملأوا المسجد الذى أمر باجتماعهم فيه".
كان لأبى حنيفة النعمان المغربى وأبنائه، وهم جميعاً من رجال القضاء والأدب، الفضل الأكبر فى نشر الثقافة المذهبية، التى تتصل بالدعوة الإسماعيلية. وقد عاصر أبو حنيفة النعمان الفاطميين بالمغرب، وكان مالكى المذهب، ثم تحول إلى المذهب الإسماعيلى، وقدم إلى مصر هو وأبناؤه فى ركب المعز. ويذكر ابن خلكان فى كتابه "وفيات الأعيان" أنه
стр. 629
كان من أهل العلم والفقه والدين؛ وله عدة مصنفات منها: كتاب "المجالس والمسايرات"؛ وهو إلى جانب ما ورد فيه عن تاريخ الخلفاء الفاطميين (المهدي والقائم والمنصور والمعز)، يعد من أهم كتب الدعوة الإسماعيلية؛ إذ استمد مؤلفه مادته من الإِمام المعز؛ ويتميز بسهولة أسلوبه، وانسجام ألفاظه ومعانيه. ومن كتب أبى حنيفة النعمان فى الفقه الإسماعيلى كتاب "دعائم الإسلام، فى ذكر الحلال والحرام، والقضايا والأحكام". وقد استغل النعمان ميوله المذهبية فى تأليف هذا الكتاب، حتى إننا نراه يضيف إلى قواعد الإسلام الخمس: الولاية، وهى حب أهل البيت، والطهارة.
وكان الخلفاء الفاطميون يكتبون لداعى الدعاة عهداً يوضحون فيه الخطة التى يجب عليه أن يحتذيها فى عمله.
وكان يعقوب بن كلس، وزير الخليفة العزيز بالله، من أشهر علماء الدعوة الفاطمية" وله أثر كبير فى نشاط الحياة العقلية فى مصر.
وبلغ من تفوق يعقوب بن كلس فى دراسة الفقه الفاطمى، أنه ألف فيه عدة كتب، منها كتاب فى الفقه، يتضمن ما سمعه من المعز والعزيز" وهو يشمل فقه الإسماعيلية، وكتاب "مختصر الفقه"؛ وهو المعروف بالرسالة الوزيرية. ويحدثنا المقريزى "أن الناس كانوا يفتون بكتابه فى الفقه، كما درس فيه الفقهاء بجامع مصر".
ويرجع إلى الوزير يعقوب بن كلس الفضل فى إسباغ الصفة الجامعية على الأزهر؛ فقد أشار فى سنة ٣٧٨ هـ على الخليفة العزيز بتحويله إلى معهد للدراسة، بعد أن كان مقصوراً على إقامة الصلاة، ونشر الدعوة الفاطمية؛ فاستاذنه فى أن يعين بالأزهر بعض الفقهاء للقراءة والدرس، على أن يعقدوا مجالسهم بهذا الجامع فى كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر؛ فرحب العزيز بذلك، ورتب لهؤلاء الفقهاء -وكان عددهم خمسة وثلاثين- أرزاقاً شهرية؛ وأنشأ لهم داراً للسكنى بجوار الأزهر؛ وخلع عليهم فى يوم عيد الفطر؛ كما أجرى عليهم ابن كلس أيضًا، أرزاقًا من ماله الخاص.
стр. 630
ظهرت فكرة الدراسة بالجامع الأزهر فى أواخر عهد المعز لدين الله الفاطمى"ففي صفر من سنة ٣٦٥ هـ (أكتوبر ٩٧٥ م) جلس قاضى القضاة أبو الحسن على بن النعمان المغربى فى الجامع الأزهر، وأخذ يشرح كتاب "الاقتصار" الذى وضعه أبوه، ويمليه على الناس. ويشمل هذا الكتاب مسائل فقهية، استمدها من أئمة أهل البيت؛ فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر؛ كما أن أخاه أبا عبد الله محمد ابن النعمان جلس فى ربيع الأول من سنة ٨٣٥ هـ بقصر الخليفة لقراءة علوم أهل البيت. ثم توالت حلقات بنى النعمان فى الأزهر بعد ذلك؛ وكانت
دروسا مذهبية.
على أن الجامع الأزهر بدأ يأخذ مكانته فى النهوض بالحياة الثقافية، فى مصر، وبخاصة ما يتعلق بالثقافة المذهبية، التى تتصل بالدعوة الفاطمية، منذ عهد الخليفة العزيز بالله، إلى أن بُنى جامع الحاكم بأمر الله؛ فانتقل إليه الفقهاء لإلقاء دروسهم.
كان نظام الحلقة الدراسية هو
أساس الدراسة فى الأزهر؛ فيجلس الأستاذ ليقرأ درسه فى حلقة من تلاميذه والمستمعين إليه. وتنظم الحلقات طبقا للمواد التى تدرس؛ فيجلس الفقهاء فى المكان المخصص لهم من أروقة الجامع، وأمامهم الطلبة يصغون إليهم.
وتنحصر أساليب التدريس فى الأزهر فى الإملاء والشرح والمناقشة؛ فيملى الأستاذ الموضوعات التى أعدها، ويشرح ما يصعب على الطلبة فهمه، ويجيز لهم المناقشة. وكان بعض الأساتذة يقتصرون أحيانًا على تدريس كتاب يقرأ منه الطلبة، ويتولى الأساتذة الشرح.
وكان الأستاذ لا يقوم بالتدريس فى الجامع الأزهر إلا بعد أن يستأذن من الخليفة أو من ينوب عنه، حتى يُمنع من ليس أهلًا له. وفى بعض الأحيان كان الخلفاء يعينون أساتذة بالجوامع، كما فعل الخليفة العزيز بالله الفاطمى؛ فقد عين بعض الفقهاء بالجامع الأزهر، وأجرى عليهم الأرزاق. وكان داعى الدعاة ونقباؤه أساتذة معينين من قبل الدولة لتدريس المذهب الفاطمى فى
стр. 631
قصر الخلافة، وفى الجامع الأزهر، وغيره من المساجد.
وكان يدرس بالجامع الأزهر إلى جانب المذهب الفاطمى، العلوم النقلية والعقلية، وقد جرت العادة على تدريس العلوم النقلية، التى عبر عنها ابن خلدون بأنها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها؛ وتشمل علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم الكلام، والنحو واللغة. وكانت هذه العلوم تدرس فى الصباح. أما العلوم الأخرى فكانت تدرس بعد العصر، فيذكر القلقشندى أن الفقهاء فى الجامع الأزهر كانوا يتحلقون فيه يوم الجمعة بعد الصلاة، إلى أن تصلى صلاة العصر.
ومن أشهر العلماء الذين درسوا بالأزهر ابن زولاق؛ وهو الحسن بن إبراهيم المتوفى فى سنة ٣٨٧ هـ. وقد ذاعت شهرته لسعة اطلاعه فى التاريخ. وكان صديقا للمعز وابنه العزيز؛ لذلك وقع عليه الاختيار ليقوم بالتدريس فى الجامع الأزهر. ومن تصانيفه: كتاب "فضائل مصر"؛ وكتاب "قضاة مصر"، الذى جعله مؤلفه ذيلاً لكتاب القضاة لأبي عمر الكندي؛ وكتاب سيرة محمد ابن طغج الأخشيد المسماة "العيون الدعج"، التى نقلها ابن سعيد فى كتابه "المغرب فى حلى المغرب".
ومن الكتاب والمؤرخين، الذين كانت لهم صلات علمية بالجامع الأزهر، الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد الله المسبحى، المتوفى سنة ٤٢٠ هـ؛ وهو مصرى المولد والنشأة؛ وكان من أقطاب مصر فى العلم والسياسة والإدارة؛ وأخذ بقسط وافر من العلوم السائدة فى مصر؛ وشغف بتدوين التاريخ ودراسة الأدب؛ وبلغ عدد مصنفاته ثلاثين، منها: كتابه "التاريخ الكبير" المسمى "تاريخ مصر".
ومنهم أيضًا أبو عبد الله القضاعى، الذى ولد بمصر فى أواخر القرن الرابع الهجرى، وتوفى بها فى سنة ٤٥٤ هـ. وقد ألف عدة كتب فى الفقه والتاريخ, نخص بالذكر منها كتاب: "مناقب الإمام الشافعى واخباره", وكتاباً فى خطط مصر، سماه "المختار، فى ذكر الخطط والآثار"، يتضمن تاريخ مصر
стр. 632
والقاهرة. وكان هذا الكتاب عونًا للمقريزى على كتابه "المواعظ والاعتبار، فى ذكر الخطط والآثار".
ومن العلماء الذين كانت لهم صلات بالجامع الأزهر: أبو على محمد بن الحسن بن الهيثم، الذى نشأ بالبصرة، وعنى بدراسة الرياضيات والفلسفة والهندسة، ولم يلبث أن أصبح عالما متقنًا لعلوم كثيرة.
وقد ولاه الخليفة الحاكم بأمر الله بعض الدواوين. ولما توفى الخليفة استوطن ابن الهيثم قبة على باب الجامع الأزهر، واشتغل بالتصنيف والنسخ والإفادة. وكان له خط قاعد فى غاية الصحة. ولم يزل على ذلك إلى أن توفى سنة ٤٣٦ هـ.
ومن معاهد الدراسة بمصر، التى قامت إلى جانب الجامع الأزهر، دار الحكمة التى أسسها الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمى فى سنة ٣٩٥ هـ. وقد أطلق عليها هذه التسمية رمزاً إلى الدعاية الشيعية؛ لأن مجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة. وقد زود الحاكم هذه الدار بمكتبة، عرفت باسم دار العلم، حوت الكثير من الكتب فى سائر العلوم والآداب، من فقه ونحو ولغة، وكيمياء وطب، وسمح لجميع الناس بالتردد عليها.
وكان الطلاب يتلقون فى دار الحكمة، إلى جانب فقه الشيعة، كثيراً من علوم اللغة والفلك والطب والرياضة والفلسفة والمنطق. وهكذا اختلفت مناهج التعليم فى هذا المعهد عن مناهج التعليم فى الجامع الاْزهر؛ إذ كانت تغلب على مناهج الأزهر الصبغة الدينية.
وصفوة القول إن الحركة العلمية فى مصر، فى العصر الفاطمى، سارت بخطى واسعة نحو التقدم والارتقاء؛ فظهرت بها طائفة من الفقهاء والمؤرخين والعلماء والفلاسفة والأدباء، الذين أسهموا فى النهضة الثقافية، التى تجلت فى هذا العصر، وكان للأزهر الفضل الأكبر فيها.
العصر الأيوبى والعصر المملوكى
قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية فى سنة ٥٦٧ هـ. (١١٧١ م)، وأعاد مصر إلى حظيرة
стр. 633
الخلافة العباسية السنِّية. فكان من الطبيعى -وهو فى سبيل قضائه على المذهب الشيعي وإحياء المذهب السنى- أن يمنع الخطبة من الجامع الأزهر. وكان صلاح الدين قد قلد قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعى وظيفة القضاء، فعمل بمقتضى مذهب الإِمام الشافعى؛ وهو أنه لا يجوز إقامة خطبتين للجمعة فى بلد واحد؛ فأبطل إقامة الجمعة بالجامع الأزهر، وأقرها بالجامع الحاكمى، بحجة أنه أوسع رحاباً.
وقد شيد صلاح الدين -تحقيقا لسياسته فى القضاء على المذهب الشيعي- مجموعة من المدارس السنية، ففي سنة ٥٦٦ هـ (١١٧٠ م) أنشأ -وهو وزير للخليفة العاضد الفاطمى- المدرسة الناصرية بجوار مسجد عمرو ابن العاص لتدريس الفقه الشافعى. وفى العام نفسه أنشأ على مقربة منها مدرسة لتدريس الفقه المالكي، عرفت بالمدرسة القمحية، نظراً لما كان يغدق على مدرسيها وطلابها من قمح تغله ضيعتها بالفيوم. وفى سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٦ م) أنشأ صلاح الدين المدرسة الصلاحية بجوار مسجد الإِمام الشافعى لتدريس فقه الشافعية، والمدرسة السيوفية للفقهاء الحنفية. وتوالى إنشاء المدارس فى مصر والقاهرة على أيدى السلاطين والأمراء الأيوبيين، فأنشأ الملك العادل، أخو صلاح الدين، المدرسة العادلية للفقهاء المالكية، وأقام تقى الدين عمر المدرسة التقوية، المعروفة بمنازل العز؛ وأنشأ القاضى الفاضل المدرسة الفاضلية للشافعية والمالكية. وشيد السلطان الكامل، ابن العادل، مدرسة خصصت لتدريس علوم الحديث؛ وأقام السلطان الصالح نجم الدين أيوب المدرسة الصالحية لتدريس المذاهب السنية الاْربعة. وفى هذه المدارس الأيوبية جرى تدريس بعض العلوم المساعدة، مثل النحو والبلاغة وعلم الهيئة، إلى جانب الفقه والحديث والتفسير والقراءات وغيرها من العلوم الشرعية.
وقد نافست هذه المدارس الأيوبية الأزهر منافسة شديدة، واجتذبت إليها العلماء والأساتذة، لوفرة أوقافها، واستئثارها برعاية سلاطين بنى أيوب
стр. 634
وأمرائهم. وكان من أثر ذلك أن مر الأزهر خلال عصر الدولة الأيوبية بمرحلة من الركود، بعد أن كان مركز، مهما للعلوم الدينية وغيرها. على أن قطع خطبة الجمعة من الجامع الأزهر لم يبطل صفته الجامعية؛ فقد ظل محتفظا بصفته معهداً للبحث والدرس. ومن العلماء الذين قصدوه حينذاك عبد اللطيف البغدادي، الذى قدم إلى مصر فى سنة ٥٨٩ هـ (١١٩٣ م) فى عهد السلطان الأيوبى العزيز عثمان بن صلاح الدين، والذى قام بالتدريس فيه بضعة أعوام حتى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م).
ومن العلماء الذين كان لهم نشاط علمى فى الأزهر فى العصر الأيوبى، الشيخ زكى الدين المنذري الشافعى، والشيخ شمس الدين الأيكى، والمحدث سعد الدين بن الحارثيّ الحنبلي، والشيخ شهاب الدين السهروردى، والمؤرخ شمس الدين بن خلكان، صاحب كتاب (وفيات الأعيان)، الذى ألقى بعض دروسه فى الجامع الأزهر، عندما زار القاهرة فى سنة ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م). وتجدر الإشارة إلى أن المصادر التاريخية لم تذكر أن أحد، من سلاطين بنى أيوب عنى بالجامع الأزهر من الناحية المعمارية؛ فلم تتناوله يد الإصلاح والإعمار طيلة حكمهم.
وظل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الخطبة حوالى مائة عام، منذ عهد صلاح الدين الأيوبى وعلى وجه التحديد منذ سنة ٥٦٧ هـ (١١٧١ م)، حتى تم تجديده وأعيدت الخطبة فيه؛ وذلك فى عهد السلطان المملوكى الظاهر بيبرس البندقدارى فى سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ م). فى تلك السنة رأى الأمير عز الدين أيدمر الحلِّى نائب السلطنة -الذى كان مقيماً فى قصره المجاور للجامع الأزهر- أن يتقرب إلى الله بالعمل على تجديد عمارة الأزهر، وإحياء مآثره. وبالإضافة إلى المقصورة التى شيدها الأمير أيدمر الحلى، قام الأمير "بيلبك الخازندار" بإنشاء مقصورة أخرى كبيرة فى الجامع الأزهر، رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإِمام الشافعى، ومحدِّثا لشرح الأحاديث النبوية؛ ورتب
стр. 635
به سبعة قراء لقراءة القرآن الكريم، ومدرساً؛ ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة.
وعندما تم تجديد الجامع الأزهر
تحدث الأمير أيدمر مع السلطان بيبرس فى إعادة الخطبة إليه. وأقيمت صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر فى ١٨ ربيع الأول سنة ٦٦٥ هـ (١٧ ديسمبر ١٢٦٦ م).
واهتم السلطان الظاهر بيبرس بعمارة الأزهر؛ ولاتزال الزخارف الجصية الدقيقة، التى أجراها باقية تعلو المحراب القديم حتى اليوم، وكذلك الكسوة الخشبية التى كانت تغطى طاقيته بزخارفها. كذلك أقام السلطان بيبرس منبراً لم يبق منه إلا لوحته التذكارية المحفوظة بمتحف الجزائر.
وسرعان ما استرد الأزهر مكانته بوصفه مركزاً مهما للدراسات الإسلامية وغيرها، وأصبح مقصداً للطلاوب الذين توافدوا إليه من سائر أنحاء العالم الإسلامى، وبخاصة عندما أصبحت القاهرة قبلة العلماء والفقهاء والطلاب، بعد أن غزا المغول بلاد المشرق الإسلامى، وبعد أن سقطت بغداد فى أيديهم فى سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م)، واضمحلت معاهد العلم فى بلاد الأندلس.
وحدث فى العصر المملوكى امتداد مكانى للأزهر بوصفه جامعًا وجامعة؛ وذلك بإنشاء مدرستين فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى (المدرسة الطيبرسية والمدرسة الأقبغاوية)، ومدرسة ثالثة (المدرسة الجوهرية) فى النصف الأول من القرن التاسع الهجرى. ففي سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م) انتهى الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار، نقيب الجيوش بالديار المصرية فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، من بناء مدرسته التى عرفت بالمدرسة الطيبرسية. وذكر المقريزى فى خططه أن هذه المدرسة كانت من المدارس الملحقة بالجامع الأزهر، وقرر بها الأمير طيبرس درسا للفقهاء الشافعية. وأنشأ بجوارها ميضأة وحوض ماء سبيل ترده الدواب، وتأنق فى رخامها وتذهيب سقوفها.