← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

الصلاة سلخ ذى الحجة سنة ٥٨٧ هـ أخرج الشهاب السهروردى ميتا من الحبس بحلب، فتفرق عنه أصحابه. (ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ ٢، ص ٢٦٣). على أن غير ابن شداد من المؤرخين قد اختلفوا مع ذلك المؤرخ على التاريخ الذى كان فيه مقتل السهروردى: فابن أبى أصيبعة يذكر أن السهروردى قد قتل فى أواخر سنة ٥٨٦ هـ؛ ويتفق الشهرزورى مع ابن أبى أصيبعة على هذه السنة؛ ويذكر ياقوت سنة ٥٨٧ هـ على أنها تاريخ لمقتل السهروردى؛ ويتفق ابن شداد وابن خلكان مع ياقوت على هذه السنة الأخيرة، ولكن ابن خلكان قد زاد على ياقوت ذكر الشهر، واختلف مع ابن شداد فى اسم هذا الشهر: فعلى حين يذكر ابن شداد أن وفاة السهروردى كانت فى يوم الجمعة سلخ ذى الحجة سنة ٥٨٧ هـ، يذكر ابن خلكان أن قتل السهروردى كان فى الخامس من رجب سنة ٥٨٧ هـ. ولعل أرجح هذه التواريخ هو هذا الذى يذكره ابن خلكان؛ وذلك لما كان يمتاز به ابن خلكان من أمانة وتحقيق وتحر للدقة فيما كان يروى أو ينقل، لاسيما فيما يتعلق بضبط الأعلام وتحديد الأيام والأشهر والسنين التى يقع فيها المولد أو الوفاة. وإذا كان ذلك كذلك فقد ترتب عليه أن يكون السهروردى قد لقى مصرعه فى الخامس من شهر رجب سنة ٥٨٧ هـ الموافق للتاسع والعشرين من يوليو سنة ١١٩١ م وأن عمره وقتئذ كان ثمان وثلاثين سنة. ٢ - مصنفات السهروردى للسهروردى كثير من المصنفات فى كثير من الموضوعات الفلسفية والتصوفية والإشراقية. وقد كتب شيخ الإشراق بعض هذه المصنفات بالعربية، وبعضها الآخر بالفارسية، وطائفة ثالثة منها بالعربية ثم ترجمها إلى الفارسية؛ وكلها يؤلف تراثا عقليا وذوقيا له قيمته الكبرى فى تاريخ الحياة الروحية الإسلامية. وقد أشار أكثر الذين ترجموا للسهروردى إلى بعض هذه المصنفات، فذكر بعضهم أسماء بعضها، واختار بعضهم الآخر بعض مقتطفات

стр. 5847

منها، وأثبت فريق ثالث شيئا من محتويات العلوم التى عرضت لها. على أن الشهرزورى يمتاز من بين المؤرخين والمترجمين المتقدمين بأنه هو الذى انفرد بذكر ثبت لعله أن يكون أعم وأشمل لآثار السهروردى المنثورة والمنظومة، إذا قيس إلى ما أورده غيره فى هذا الصدد. وليس أدل على ذلك من أن عده المصنفات التى أثبتها الشهرزورى للسهروردى قد بلغت ثلاثة وأربعين كتابا ورسالة، فضلا عما أثبته من مختارات منثورة ومنظومة تصور أسلوب شيخ الإشراق فى النثر والنظم من ناحية وتبحر عن بعض مذاهبه فى حكمه الإشراق من ناحية أخرى، وتظهرنا على ما اصطنعه فى هذه المذاهب وفى تلك الآثار والمصنفات من رموز وإشارات صوفية، ومصطلحات وعبارات فلسفية، مما يعد بحق قواما لحكمته الإشراقية التى تقوم على أساس من الحكمتين البحثية والذوقية. على أن ثبت الشهرزورى لآثار السهروردى، وإن كان يعد أكمل وأشمل بالقياس إلى ما أورده غيره من المترجمين إيرادا جزئيا، إلا أنه لم يستوعب آثار شيخ الإشراق كلها، وإنما هو قد فاته أن يذكر عن قصد أو عن غير قصد بعض ما خلفه السهروردى من آثار ليست أقل خطرا مما ذكره. ومهما يكن من شئ فقد أتيح لإحصاء آثار السهروردى واستقصائها بعض الباحثين من المستشرقين الذين حاول كل منهم على طريقته وفى حدود ما تيسر له أن يلم بآثار شيخ الإشراق وأن يصنفها ويبين فى بعض الأحيان ما اشتملت عليه من علوم، وما عرض له كل علم من مسائل: فبروكلمان فى كتابه (Geschichteder arabischen Litteratur، وريتر فى مقاله المنشور فى مجلة (١٩٣٧ Der Islam XXIV) تحت عنوان (Die vier Suhrawrdi)، وهنرى كوربان فى مقدمة طبعته التى نشر فيها آثار السهروردى تحت عنوان (Opera-Metaphysica et pystica)؛ وفى بحثه عن العناصر الزرادشتية فى حكمة السهروردى، وهو البحث الذى نشره بالفرنسية سنة ١٩٤٩ تحت

стр. 5848

عنوان (Les motifs Zoroastriens dans La philosophie de Suhrawardi Teheran ١٩٤٩) قد بذل كل منهم فى هذه السبيل جهدا مشكورا، وانتهى من بحثه وتنقيبه عن الأسفار إلى خير النتائج وأطيب الثمرات. على أننى قد حاولت فى بحث لى نشر بمجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة أن ألم بآثار السهروردى إلماما كليا شاملا، وذلك فى ضوء ما ذكره كل من ترجم للسهروردى بصفة عامة، وما أورده كل من الشهرزورى وريتر فى ثبته بصفة خاصة، فرأيت أن أهدى سبيل إلى هذا الإلمام هو الجمع بين تصنيفى الشهرزورى وريتر فى إطار واحد، بحيث يخرج لنا من هذا الجمع تصنيف كلى تبين من خلاله كل ما عسى أن يكون قد خلفه السهروردى من آثار منثورة ومنظومة، وقد آثرت فى هذا التصنيف الكلى أن ألتزم فى ذكر أسماء المصنفات الترتيب الذى أوردها عليه الشهرزورى وأن أضيف إلى اسم كل مصنف ما يكفى للإبانة عن موضوعه من بين البيانات العدة التى وفق إليها ريتر فى بحثه (الدكتور محمد مصطفى حلمى: آثار السهروردى المقتول، تصنيفاتها وخصائصها التصوفية والفلسفية، مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، المجلد الثالث عشر، الجزء الأول، مايو ١٩٥١، ص ١٤٥ - ١٧٨). وحسبنا أن نقف من هذا التصنيف هنا عند القدر الذى يظهرنا على مبلغ ما خلف شيخ الإشراق من آثار باقية وصفحات مشرقة كان ولا يزال لها أثرها الخصب المنتج فى تاريخ الفكر والروح الإسلاميين: ١ - المشارع والمطارحات: وهو يشتمل على العلوم الفلسفية الثلاثة من منطق وطبيعيات والإلاهيات. ٢ - التلويحات: وهو كتاب فى المنطق والطبيعيات والإلاهيات. ٣ - حكمة الإشراق: وهو قسمان: قسم فى المنطق، ويشتمل على مقالات ثلاث، وقسم فى الإلاهيات ويشتمل على مقالات خمس ويعد هذا الكتاب أهم مصنفات السهروردى، وأجمعها لشتات مذهبه، وأدلها على منزعه الإشراقى.

стр. 5849

٤ - اللمحات: وهو مختصر صغير فى العلوم الحكمية الثلاثة من منطق وطبيعيات وإلاهيات. ٥ - الألواح العمادية: وهو كتاب فى العلوم الحكمية ومصطلحاتها. ٦ - الهياكل النورية أو هياكل النور: وهو كتاب يشتمل على أنظار فلسفية وأذواق إشراقية، كتبه السهروردى بالعربية، وترجمه هو نفسه إلى الفارسية. ٧ - المقاومات: وهو مختصر جعله السهروردى من التلويحات بمثابة الذيل أو اللواحق على حد تعبير السهروردى نفسه. ٨ - الرمز المومى: وهو كتاب لم يذكره أحد ممن عرض لآثار السهروردى غير الشهرزورى. ٩ - المبدأ والمعاد: وهو بالفارسية ولم يذكره أحد غير الشهرزورى. ١٠ - بستان القلوب: وهو مختصر فى الحكمة، كتبه السهروردى بالفارسية لجماعة من أصحابه فى إصفهان. ١١ - طوارق الأنوار: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٢ - التنقيحات فى الأصول: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٣ - كلمة التصوف: ذكره الشهرزورى بهذا العنوان، وذكره ريتر باسم (مقامات الصوفية). ١٤ - البارقات الإلاهية: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٥ - النفحات السماوية: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٦ - لوامع الأنوار: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٧ - الرقم القدسى: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٨ - اعتقاد الحكماء: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ١٩ - كتاب الصبر: ذكره الشهرزورى ولم يذكره ريتر. ٢٠ - رسالة العشق: ذكرها الشهرزورى بهذا العنوان وذكرها ريتر باسم (مؤنس العشاق)، وهى بالفارسية.

стр. 5850

٢١ - رسالة در حالة طفولية: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر، وهى بالفارسية. ٢٢ - رسالة المعراج: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر، وهى بالفارسية. ٢٣ - رسالة روزى باجماعت صوفيان: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر، وهى بالفارسية. ٢٤ - رسالة عقل: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر، وهى بالفارسية. ٢٥ - "شرح" رسالة أوازبر جبرئيل: وهو بالفارسية. ٢٦ - رسالة برتونامه: وهى مختصر بالفارسية فى الحكمة، تناول فيها السهروردى شرح بعض الاصطلاحات. ٢٧ - رسالة لغة موران: وهى حكايات رمزية، كتبت بالفارسية. ٢٨ - رسالة غربة الغرببة: ذكرها الشهرزورى هكذا، وذكرها ريتر باسم (الغربة الغريبة)، وهى بقصة رمزية تأثر فيها السهروردى قصة "حى بن يقظان" لابن سينا. ٢٩ - رسالة صفير سيمرغ: وهى بالفارسية. ٣٠ - رسالة الطير: ذكرها الشهرزورى هكذا، وذكرها ريتر باسم "ترجمة رسالة طير"، وهى ترجمة فارسية لرسالة الطير لابن سينا. ٣١ - رسالة تفسير آيات من كتاب اللَّه وخبر عن رسول اللَّه: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر. ٣٢ - رسالة غاية المبتدى: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر. ٣٣ - التسبيحات ودعوات الكواكب: ذكرها الشهرزورى ولم يذكرها ريتر بالاسم، وأكبر الظن أنه عدها ضمن نصوص متفرقة للسهروردى يجمعها اسم واحد هو (الواردات والتقديسات). ٣٤ - أدعية متفرقة: ذكره الشهرزورى. ٣٥ - السراج الوهاج: ذكره الشهرزورى, وشكك فى صحة نسبته إلى السهروردى، وذلك إذ يقول: "والأظهر أنه ليس له".

стр. 5851

٣٦ - الدعوة الشمسية: ذكره إلى الشهرزورى. ٣٧ - الواردات الإلاهية بتحيرات الكواكب وتسبيحاتها: ذكرها الشهرزورى. ٣٨ - مكاتبات إلى الملوك والمشايخ: ذكرها الشهرزورى. ٣٩ - كتب فى السيميا: ذكرها الشهرزورى دون أن يعين أسماءها، ولم يزد غير قوله إنها "تنسب إليه". ٤٠ - الألواح: ذكرها الشهرزورى مرة أخرى على أنها بالفارسية، وكان قد ذكرها قبل ذلك على أنها بالعربية. (انظر رقم ٥). ٤١ - تسبيحات العقول والنفوس والعناصر: ذكرها الشهرزورى. ٤٢ - الهياكل: ذكرها الشهرزورى مرة أخرى على أنها بالفارسية، وكان قد ذكرها قبل ذلك باسم "الهياكل النورية" على أنها بالعربية (انظر رقم ٦). ٤٣ - شرح الإشارات: ذكره الشهرزورى, وهو بالفارسية. ٤٤ - كشف الغطاء لإخوان الصفاء: لم يذكره الشهرزورى وذكره ريتر. ٤٥ - الكلمات الذوقية والنكات الشوقية = رسالة الأبراج: لم يذكرها الشهرزورى, وذكرها ريتر. ٤٦ - رسالة لا عنوان لها: لم يذكرها الشهرزورى وذكرها ريتر، وأشار إلى أن موضوعاتها هى: الجسم والحركات والربوبية والمعاد والوحى والإلهام. ٤٧ - مختصر صغير فى الحكمة: لم يذكره الشهرزورى وذكره ريتر، وأشار إلى أنه يتناول العلوم الحكمية الثلاثة من منطق وطبيعيات وإلاهيات. ٤٨ - طائفة من المنظومات: ذكرها الشهرزورى تفصيلا، وأشار إليها ريتر إجمالا، وذكر أنها وردت فى "معجم الأدباء" لياقوت وفى "نزهة الأرواح" للشهرزورى, وفى (ثلاث رسائل، ص ١٠٣ - ١١٢) لأشبيس وختك (Spies-Khattok Three Treatises, ١٠٣,١١٢)، وذكر ريتر من هذه المنظومات قصيدة السهروردى التى مطلعها:

стр. 5852

ابدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح ولكن الشهرزورى قد أثبت فى هذا الباب منظومات أخرى تتفاوت طولا وقصرا. مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق ليس من شك فى أن آثار السهروردى الكثيرة التى أثبتناها آنفا إن دلت على شئ فهى إنما تدل على ما كان عليه ذلك الحكيم الإشراقى من ثقافة فلسفية واسعة، وحكمة إشراقية رائعة، وعلى ما كان يمتاز به من نظر عقلى دقيق، وذوق صوفى رقيق. وليس من شك أيضا فى أن كتابه الموسوم "حكمة الإشراق" هو المرآة الصادقة التى تتجلى على صفحاتها عناصر مذهبه وخصائص عقله وذوقه: ذلك بأن هذا الكتاب هو أجمع مصنفات السهروردى لمذهبه، وأشملها للعناصر الإشراقية التى يتألف منها هذا المذهب, وأدلها على المعانى الحقيقية التى ينطوى عليها، والمنازع التصوفية والفلسفية التى ينزع إليها. ويتبين هذا كله إذا عرفنا أن كتاب "حكمة الإشراق" ينقسم إلى قسمين: قسم تناول فيه السهروردى المنطق، وجعله من القسم الثانى بمثابة التمهيد، إذ عرض فيه لأمور هى عنده مقدمات لمطالب فى القسم الثانى؛ وقسم خصصه للأنوار الإلاهية. وقد جعل السهروردى عنوان القسم الأول "ضوابط الفكر"، وجعله فى مقالات ثلاث: المقالة الأولى فى المعارف والتعريف، المقالة الثانية فى الحجج ومبادئها، والمقالة الثالثة فى المغالطات وبعض الحكومات بين أحرف إشراقية وبين بعض أحرف مشائية. وجعل السهروردى عنوان القسم الثانى "الأنوار الإلاهية، ونور الأنوار، ومبادئ الوجود وترتيبها"، وجعله فى مقالات خمس: المقالة الأولى فى النور وحقيقته، ونور الأنوار وما يصدر عنه أولا، والمقالة الثانية فى ترتيب الوجود، والمقالة الثالثة فى كيفية فعل نور الأنوار؛ والأنوار القاهرة، وتتميم القول فى الحركات العلوية؛ والمقالة الرابعة فى تقسيم البرازخ وهيئاتها وتركيباتها وبعض قواها، والمقالة الخامسة فى المعاد والنبوات والمنامات.

стр. 5853

على أن شيخ الإشراق، وإن كان مقبلا على الفلسفة وأنظارها، ومعنيا بالمنطق هذه العناية الفائقة التى يظهرنا عليها القسم الأول من كتابه "حكمة الإشراق" وغير هذا الكتاب من كتبه الأخرى التى أحصيناها فيما سبق، فهو قد وقف من أفلاطون موقف المخالف فى بعض المسائل، ووقف من أرسطو وأتباعه من المشائين موقف الناقد المجرح لآرائهم فى بعض المسائل الأخرى: فالمنطق الأرسططاليسى الذى يفرد له السهروردى أقساما خاصة من مصنفاته العدة، لم يسلم من نعيه عليه، ونقده له، بما يبين نقصه وعمقه وعجزه عن أن يضيف إلى معارفنا معرفة جديدة: فالتعريف مثلا، وهو كما وضع قواعده المعلم الأول بالجنس والفصل، ليس أداة منتجة فى طريق المعرفة، ذلك بأن شيخ الإشراق يرى أن الخاصة المميزة للشئ المعرف لا تظهرنا على حقيقة هذا الشئ المعرف فنحن حين نعرف الحصان مثلا نعرفه بأنه حيوان صاهل. فأما الحيوانية فمفهومة لدينا لأننا نعرف حيوانات كثيرة توجد فيها هذه الخاصة؛ وأما الصاهل فأمر ليس مفهوما بعد، لأنه لا يوجد إلا فى الشئ المعرف به وهو الحصان؛ ومن هنا كان تعريف الحصان بأنه حيوان صاهل خلوا من المعنى لدى الشخص الذى لم يكن قد رأى حصانا قط؛ ومن هنا أيضا كان التعريف الأرسططاليسى مبدأ عقيما قليل الجدوى فيما يتعلق بالمعرفة. ولقد لاحظ الدكتور محمد إقبال أن السهروردى فى نظره إلى تعريف أرسطو على هذا الوجه، كان أسبق من أحد المناطقة المعاصرين وهو بوزانكيه Develipment of Metaphysics in Persia: M.Iqbal) Bosanquet ص ١٢٥) وينتهى السهروردى إلى أن التعريف الصحيح هو الذى يحصى فيه كل الخصائص الذاتية التى إذا أخذت جملة لم توجد إلا فى الشئ المعرف، ولو أنها قد توجد فرادى فى أشياء أخرى. على أن نقد السهروردى لمنطق المعلم الأول، ولغير المنطق من العلوم والآراء الفلسفية عند هذا المعلم الأول وعند غيره من الفلاسفة السابقين عليه أو اللاحقين به، لا يعنى أن حكيم الإشراق كان ينكر على المنطق والفلسفة مالهما

стр. 5854

من آثار بعيدة فى تكوين طلاب الحكمة وتثقيفهم: فطالب الحكمة عنده لابد من أن يكون على علم تام بالمنطق والفلسفة والتصوف، ولابد من أن يتعاون فيه العقل والذوق، إذ العقل الذى يروى ويفكر وحده دون أن يكون له مؤيد من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه بحيث ينتفى فيه كل شك وتزول عنه كل شبهة وآية هذا كله فى مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق هى أن هذا المذهب إنما هو فى جملته وتفاصيله جمع أو ازدواج وتزاوج بين الفلسفة والتصوف، أو بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية. وقد عبر الشهرزورى عن ذلك الجمع بين هاتين الحكمتين، وعن منزلة السهروردى فيهما؛ وذلك إذ يقول عنه "جمع بين الحكمتين، أعنى الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل اللَّه ، وراض نفسه بالأذكار المتوالية، والمجاهدات المتتالية، رافضًا عن نفسه التشاغل بالعالم الظلمانى، طالبا بهمته العالية مشاهدة العالم الروحانى، فإذا استقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر بمعرفة نفسه، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فيعلم حينئذ أنه فى المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية. . . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها، وشيد أركانها وعبر عن المعانى الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة. وأتقنها إتقانا لا غاية وراءه. . . " (الشهرزورى: نزهة الأرواح، ص ٢٣٠ - ٢٣١). ولعل أدل ما يدل على أن مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق قد أقيم على دعائم من العقل والذوق معا، هو ما يحدثنا به السهروردى نفسه فى مقدمة كتابه "حكمة الإشراق" من أن ما حصل له لم يحصل بالفكر. بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلب الحجة عليه، حتى لو قطع النظر عن الحجة مثلا، ما كان يشككه فيه مشكك، لأن ما يذكر من علم الأنوار وجميع ما يبتنى عليه، يساعده عليه كل من سلك سبيل اللَّه ؛ وما يحدثنا به أيضا من أن منهجه فى "حكمة الإشراق" هو ذوق إمام الحكمة "أفلاطون" الذى يلقبه

стр. 5855

بصاحب الأيد والنور، وما يعدده بعد هذا من المصادر التى استقى منها حكمته، وأنها كانت هرمس وأنبا ذوقليس وفيثاغورث, وأن هذا هو الأساس الذى تقام عليه قاعدة الإشراق فى النور والظلمة التى كانت طريقة حكماء الفرس مثل جاما سف وفرشا وشتر وبزرجمهر ومن قبلهم، وأن هذه القاعدة ليست قاعدة كفرة المجوس وإلحاد مانى وما يفضى إلى الشرك باللَّه تعالى وتنزه (حكمة الإشراق: طبعة هنرى كوربان، ١٩٥٢، ص ١٠ - ١١). وهاهنا يصطنع السهروردى فى التعبير عن مذهبه فى حكمة الإشراق رموزا خاصة يدل بها على المعانى التى يعنيها مما يسميه علم الأنوار: فهو يأخذ بالتقابل بين النور والظلمة، ويرمز إلى الروحانى بالنورانى، وإلى المادى بالظلمانى، وإلى العقول بالأنوار، وإلى عقول الأفلاك بالأنوار القاهرة، وإلى النفوس بالأنوار المدبرة، وإلى الأجسام بالبرازخ، وإلى اللَّه بنور الأنوار، إلى غير ذلك من الرموز الكثيرة التى حفل بها كثير من مصنفاته ومنظوماته، وكلها يظهرنا فى وضوح وجلاء على أن تسميته لحكمة الإشراق بهذا الاسم أو باسم علم الأنوار، إنما ترجع إلى ذلك التقابل بين النور والظلمة على الوجه الذى لا يخفى وراءه تأليه النور والظلمة على مذهب زرادشت أو مذهب مانى. وإنما كل أولئك عنده رموز يعبر بها عن حقائق وجودية، وعن صلة هذه الحقائق بعضها ببعض، وتأثير بعضها فى بعض، وترتيب بعضها درجات فوق بعض أو دون بعض. ولكى نعرف منزلة حكمة الإشراق السهروردية بين الحكمتين البحثية والذوقية، يحسن أن نقف مع شيخها عند تصنيفه لمراتب الحكماء من ناحية، ومراتب طلاب الحكمة من ناحية أخرى: فالحكماء عند السهروردى مراتب: حكيم إلاهى متوغل فى التأليه عديم البحث. وهو كأكثر الأنبياء والأولياء من الصوفية (١) أمثال أبى يزيد البسطامى، وسهل بن عبد اللَّه التسترى، والحسين ابن منصور الحلاج؛ وحكيم بحاث عديم التأله. وهو كالمشائين من أتباع

стр. 5856

أرسطو فى المتقدمين، وكالفارابى وابن سينا فى المتأخرين؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله والبحث، وهذا هو الحكيم الإشراقى الذى يجمع بين الحكمتين الذوقية والبحثية على نحو السهروردى نفسه؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله متوسط فى البحث؛ وحكيم إلاهى متوغل فى التأله ضعيف فى البحث؛ وحكيم متوغل فى البحث متوسط فى التأله؛ وحكيم متوغل فى البحث ضعيف فى التأله، وليس من شك فى أن أرقى هذه المراتب وأسماها هى مرتبة الحكيم الإلاهى المتوغل فى التأله والبحث جميعا (١) (حكمة الإشراق: ص ١١ - ١٢). وكذلك طلاب الحكمة فهم مراتب أيضا: طالب للتأله والبحث؛ وطالب للتأله فحسب، وطالب للبحث فحسب. وأجود الطلاب هو من غير شك طالب التأله والبحث ومن هنا قال السهروردى إنه كتب كتابه "حكمة الإشراق" لطالبى التأله والبحث؛ أما الباحث الذى لم يتأله، أو الطالب الذى لم يطلب التأله والبحث جميعا، فليس له فى هذا الكتاب نصيب (حكمة الإشراق: ص ١٢). ولقد كانت حياة السهروردى الروحية طالبا للعلم أو حكيما للإشراق، صورة صادقة لطالب التأله والبحث من ناحية، وللحكيم الإلاهى المتوغل فى التأله والبحث معا من ناحية أخرى، وذلك على الوجه الذى بيناه مفصلا فى بحثنا عن حكيم الإشراق وحياته الروحية (الدكتور محمد مصطفى حلمى: حكيم الإشراق وحياته الروحية، مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، المجلد الثانى، ديسمبر سنة ١٩٥٠, ص ٥٩ - ٩١). فإذا أوغلنا مع السهروردى فى أعماق مذهبه الإشراقى، ألفينا هذا المذهب يدور عنده على محور واحد هو النور، وألفينا لهذا النور مراتب هى فى حقيقتها مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها: فالمبدأ الأول لكل وجود هو النور القاهر أو النور الأول لكل المطلق؛

стр. 5857

وحقيقة النور أو ماهيته إنما هى فى ظهوره، وهذا يعنى أن الظهور ليس صفة من الصفات التى تحمل على النور، إذ لو كان ذلك كذلك لترتب عليه ألا يكون للنور فى ذاته ظهور ما، وأن يكون ظاهرا بشئ آخر ظاهر فى ذاته، وهذا محال؛ ومن هنا لم يكن للنور الأول المطلق علة أخرى غير ذاته، وكان كل ما سوى هذا النور الأول المطلق حادثا وممكنا ومفتقرا إليه، بقدر ما هو قديم وواجب وغنى. وقد عبر السهروردى عن حقيقة النور، وذلك إذ يقول: "إن كان فى الوجود ما لا يحتاج إلى تعريفه وشرحه فهو الظاهر، ولا شئ أظهر من النور، فلا شئ أغنى منه عن التعريف" (حكمة الإشراق، ص ١٠٦). وإذا كان ذلك هو النور، فإن الظلمة عند حكيمنا ليست إلا عبارة عن عدم النور فحسب، ومن هنا رأى السهروردى أن الشئ ينقسم إلى نور وضوء فى حقيقة نفسه، وإلى ما ليس بنور وضوء فى حقيقة نفسه (حكمة الإشراق, ١٠٧ - ١٠٨) ولقد أظهرنا السهروردى على حقيقة نور الأنوار من خلال الصفات التى وصفه بها: فنور الأنوار نور محيط، لأنه يحيط بجميع الأنوار لشدة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها للطفه؛ وهو قيوم لقيام الجميع به؛ وهو مقدس لأنه منزه عن جميع صفات النقص؛ وهو الأعظم الأعلى إذ لا أعظم ولا أعلى منة بين الأنوار جميعا؛ وهو قاهر لأنه يقهر ما دونه من الأنوار، وذلك لشدة إشراقه وقوة لمعانه؛ وهو غنى مطلق إذ ليس وراءه شئ يفتقر إليه، ولا دونه شئ يستغنى عنه؛ وهو قبل هذا كله وبعد هذا كله واحد؛ ومن هنا ينتهى السهروردى إلى نور الأنوار بحكم طبيعته وحقيقته وأحديته، إنما هو واجب الوجود بذاته، وما عداه واجب به ومفتقر إليه، ومستمد وجوده منه. وهكذا نتبين أن مذهب السهروردى فى حكمة الإشراق كان بدعا بين الأذواق الصوفية والأنظار الفلسفية كما كان مزاجا من هذه الأنظار وتلك الأذواق خرج منه نسق واحد جديد، أخص خصائصه بين العلوم والفلسفات الإسلامية العمق والطرافة والتجديد. الدكتور محمد مصطفى حلمى.

стр. 5858

السهروردى " السهروردى" عبد القاهر بن عبد اللَّه: ولد سنة ٤٩٠ هـ (١٠٩٧ م)، وتوفى سنة ٥٦٢ هـ (١١٦٨ م)، وهو صوفى وفقيه حنفى المذهب (انظر der Arab.Litteratur: Brockelmann. جـ ١، ص ٤٣٦) سهل بن هارون " سهل بن هارون"، مؤلف وشاعر عربى لمع نجمه فى آخر القرن الثانى ومستهل القرن الثالث للهجرة (= مستهل القرن التاسع للميلاد)، ويقول صاحب الفهرست إنه من أصل فارسى، ولد فى دَستمَيْسان بين البصرة وواسط؛ ويقول الحصرى إنه جاء من ميسان، وهى قريبة جدًا من دستميسان، ويقول أيضا إنه كان يكنى أبا عمر (هامش العقد، جـ ٢، ص ١٩٠). وقد اختلف الرواة فى ذكر اسم جده، فبعضهم يقول إنه رامنوى أو راهيون (وكلاهما فى الفهرست) وبعضهم يقول راهيونى (الجاحظ، كتاب البيان، جـ ١، ص ٢٤؛ انظر أيضا حاشية فان فلوتن Van Vloten على الصفحة ١٠ من طبعته لمصنف الجاحظ: كتاب البخلاء)؛ ثم استقر سهل فى البصرة ويقال إنه نسب إليها (الحصرى)، على أن الفهرست يدعوه الدستميسانى؛ وتنقصنا التفصيلات الدقيقة عن حياته، ولا مناص لنا من أن نعتمد فى ذلك جل الاعتماد على الإشارات التى وردت عنه فى الحكايات وقد ولى سهل بعض المناصب الرفيعة فى ديوان الخليفة، فتجده فى عهد هارون الرشيد كاتب يحيى ابن خالد البرمكى، الذى يقال إنه خلفه فى منصب صاحب الدواوين (ابن بدرون)، ولا نعرف هل احتفظ بهذا النصب الرفيع فى عهد الأمين أم لم يحتفظ، إلا أنه عاد فأصبح موضع التقدير العظيم فى عهد المأمون، وإن كان المأمون لم يوله أول الأمر من التقدير إلا القليل، فما إن كشف عن نزعاته الشعوبية حتى نال الحظوة عند الخليفة، فاستخدمه المأمون هو وبعض رجال الأدب مثل سعيد بن هارون وسَلْم (أو سلمى، انظر الفهرست) فى خزانة الحكمة أو دار الحكمة التى أقامها.

стр. 5859

وكان سهل بن هارون من أنصار الشعوبية المتعصّبين ولا شك أنه نال بفضل ميوله هذه الحظوة لدى يحيى البرمكى الذى يمتدح زهده وعفته فى بعض أبيات من الشعر استشهد بها الناس كثيرًا، وقد أكسبته هذه الميول نفسها الحظوة لدى الخليفة المأمون فيما بعد (انظر القصة التى رواها الحصرى، المصدر المذكور)؛ ويعد سهل، هو وابن المقفع وغيرهما من الكتاب، من أصحاب التواليف الذين واصلوا الرواية الفارسية فى التصانيف العربية؛ وقد ذاع صيت سهل فى عالم التأليف على عهده بفضل نوعين من الإنتاج الأدبى: فقد كتب كتاب ثعلة وعفرى (كذلك ورد اسمه فى الفهرست؛ وتختلف المصادر الأخرى اختلافا كبيرا فى رسم هذين الاسمين)، وهو يقلد فى مؤلفه هذا كتاب الخرافات المشهور كليلة ودمنة ذلك أنه ينطق الحيوان كما أنه يقسمه إلى أبواب على غرار كليلة ودمنة وينقل الحصرى (المصدر المذكور) شواهد قليلة من هذا الكتاب؛ وكان سهل إلى ذلك مشهورا بمدحه البخل والبخلاء، ولم يصل إلينا من مصنفاته إلا "رسالة البخلاء"، وقد وردت فى صلب كتاب العقد الفريد (جـ ٣، ص ٣٣٥ وما بعدها) كما وردت فى صدر كتاب البخلاء للجاحظ؛ ويدافع سهل فى رسالته هذه عن البخل، أو على الأصح يدافع عن الاعتدال الحكيم والاقتصاد، وهو الصورة المعقولة من صور البخل كما يقول الجاحظ؛ والرسالة مهداة إلى أولاد أخى سهل الذين لاموه على بعض ما قال فى مدح البخل؛ والأرجح أن هذه الأقوال وردت فى كتاب ثعلة وعفرى كما توحى بذلك الفقرة التى تقدم بنا ذكرها من كتاب الحصرى؛ وكان سهل (على ما يقول الجاحظ فى كتابه "البخلاء" ص ١١٤) هو وأبو رحمان الثورى أول من خصوا البخل بكتاب، وقد نحا بعض الكتّاب من بعد هذا المنحى, مثل الجاحظ نفسه. ويرى كولدسهير Goldziher فى مدح سهل للبخل حملة شعوبية على تلك الفضيلة القومية التى اشتهر بها العرب وهى الكرم؛ ويقال إنه أراد بذلك أن يظهر مقدرته الأدبية؛ وثمة قصة تقول إن الوزير الحسن بن سهل كان قد تلقى من سهل رسالة فى البخل أهداها إليه،

стр. 5860

فأرسل إليه الحسن يقول إنه وعى هذا الدرس الذى لقنه له، ولذلك لم يرسل إليه ما كان ينتظره من عطاء. وأورد الفهرست ثبتا بمصنفات سهل الأخرى؛ ويذكر الجاحظ (فى كتابه البيان والتبيين، جـ ١، ص ٢٤) ثلاثة من هذه المصنفات وهى كتاب الإخوان (وهو فى الفهرست كتاب أسباسيوس فى اتحاد الإخوان) وكتاب المسائل (ولعله هو نفسه كتاب ديوان الرسائل الذى ورد فى الفهرست) وكتاب المخزومى والهذلية (وقد ورد بالاسم نفسه فى الفهرست)، والظاهر أن الجزء الأكبر من مصنفات سهل كان فى ميدان الأدب. على أن كتاب تدبير الملك والسياسة الذى ورد ذكره فى الفهرست فى آخر القائمة يدل على أن سهلا قد عالج العلوم السياسية أيضا. وكان سهل علاوة على هذا صاحب مكانة فى الشعر كما يدل على ذلك استشهاد المؤلفين المختلفين ببعض قصائده. على أن سهلا، فى رواية الفهرست، لم يخلف أكثر من خمسين صفحة من الشعر، وقد اشتهر سهل بأنه ذكى أريب، والظاهر أنه كانت له شهرة أيضا بأنه ذوّاقة أطعمه (راجع القصة التى ذكرها ابن خلكان). والحق أن ثمة صلة فى الأدب العربى بين البخلاء والأكلة. وكان أعظم معجب بسهل بن هارون وأكبر خلفائه هو معاصره الحدث الجاحظ، ولم يقتصر الجاحظ على إعجابه بسهل بل هو قد نشر بعض الكتب باسمه، ونهج فى مؤلفه "كتاب البخلاء" بأن جعل البخل موضوع هذا الكتاب، وهو يمتدح سهلا باعتباره ممثلا بارعا لفنون الأدب جميعا (كتاب البيان، المصدر المذكور)، ومن المشكوك فيه أنه كان يعرفه شخصيا. وقد ذاع اسم سهل فيما بعد بفضل كتاب ألف ليلة وليلة. المصادر: (١) الفهرست: طبعة، Flugel، ص ١٢٠ إلى آخرها. (٢) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة Flugel, جـ ٥، ص ٢٣٨ وما بعدها.

стр. 5861

(٣) الجاحظ: البيان والتبيين، بولاق ١٣١٣, جـ ١، ص ٣٠؛ جـ ٢، ص ١٥٠. (٤) المؤلف نفسه: كتاب البخلاء، طبعة van Vloten, ليدن ١٩٠٠. (٥) ابن عبد ربه: العقد الفريد، بولاق ١٢٩٣, جـ ٣، ص ٣٣٥ وما بعدها. (٦) الحصرى: زهر الآداب وثمر الألباب (على هامش العقد)، جـ ٢، ص ١٩٠ وما بعدها؛ جـ ٣، ص ١٤٢. (٧) ابن بدرون: شرح قصيدة ابن عبدون، طبعة Dozy، ليدن ١٨٤٦ ص ٢٤٣ وما بعدها. (٨) ابن خلكان: وفيات الأعيان، طبعة Wustenfeld, رقم ٢٢٦، الكراسة ٣ ص ٢٩ وما بعدها. (٩) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧, جـ ١، ص ١٥٩. (١٠) المبرد: الكامل، طبعة Wright، ليبسك ١٨٦٤, ص ٥٢٣. (١١) Mohammedanische Studien: Goldziher، جـ ١، ص ١٤ و ١٦١. (١٢) Silvestre de Sacy فى N.E, جـ ١٠، ص ١٣٩ و ١٦٠ و ١٧٣ وما بعدها و ٢٦٧. (١٣) G.A.L.: Brockelmann، جـ ١، ص ٥١٦. (١٤) Iranian Influevmce on Moslem Literaure, ترجمة للأصل الروسى الذى وضعه M. Inostranzew قام بها G.K Nairman بومباى ١٩١٨, ص ٣٢ و ١٦٩ وما بعدها. صبحى [كرامرز J.H.Kramers] سهل التسترى أبو محمد سهل بن عبد اللَّه بن يونس: متكلم وصوفى من أهل السنة، كتب بالعربية، وولد فى تستر من أعمال الأهواز سنة ٢٠٣ هـ (٨١٨ م) وتوفى فى منفاه بالبصرة سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م).

стр. 5862

وقد أخذ سهل عن شيخه ابن سوار أقوال علماء أهل السنة المتشددين أمثال الثورى وأبى عمرو بن العلاء، وكان فوق ذلك زاهدا لا يحيد قيد أنملة عن قواعد الخلق، كما كان متكلما تزود من العلوم العقلية بزاد وافر. ولا نعرف من حياة سهل التى كانت تتسم فيما يظهر بالهدوء واعتزال الناس إلا حادثة واحدة هى نفيه إلى البصرة إبان فتنة الزبج (حوالى سنة ٢٦١ هـ = ٨٧٤ م) حين أنكر علماء الأهواز قوله بإن التوبة فرض. ولم يكتب سهل شيئا، على أن أقواله الألف التى جمعها ونشرها تلميذه ابن سالم المتوفى سنة ٢٩٧ هـ (٩٠٩ م) تمثل من حيث العقائد وحدة متسقة صلحت لإقامة مذهب من المذهب هو السالمية ومن مذهب سهل استقت السالمية خصائصها وهى: مراقبة الباطن من خلال أعمال العبادة، واصطناع ألفاظ أشبه بالفاظ أرباب العرفان تسلم إلى التوحيد. وأدلة سهل جدلية خالصة (استدلال، أصل، فرع) مثله فى ذلك المتكلمين، على أنه لم يكن بعد قد استعان فى محاجته بالقياس على طريقة الإغريق كما فعل تلميذه القديم الحلاج بعد أن ترك صحبته أما فيما يتعلق بالنفس والبدن فهو يقول إن الإنسان مركب من عناصر أربعة هى الحياة والروح والنور والطين، وأن الروح أعلا من النفس (على خلاف ما يقول فلاسفة اليونان المتأخرون) وأنها تبقى بعد الموت (على خلاف ما يقول المبرد). ويرى سهل أنه ما من آية فى القرآن الكريم إلا ولها أربعة معانى: ظاهر، وباطن، وحدّ، ومُطَّلَع؛ وهو يأخذ بنظرية الإمامية فى الجفر، ويقول إن الأمثال التى يضربها الأنبياء للناس يجب أن تتدبر حتى نتدرج فى سبيل التحقق بحال نفوسهم. وينهج سهل منهج ابن كّرام والأشعرى، فيقول إن جماعة المسلمين تشمل المؤمنين كافة ما داموا يولون

стр. 5863

وجوهم شطر القبلة (وهو مذهب أهل السنة الذى يخالف مذهب المعتزلة والإمامية). وأول ما يعنيه لفظ "الإيمان" هو الإقرار باللسان (القول) والعمل، والنية، واليقين. والذى يعبد اللَّه حق عبادته عليه أولا أن يخضع للحال، وأن يستمسك بأعمال العبادة، ذلك أن: "الحب ليس أن تعمل بطاعة اللَّه، وإنما هو أن تتجنب ما نهى عنه اللَّه" (وقال التسترى أيضا "كما لو كنت ميتا" perinde ac cadaver). وهو مقيد بأن تكون أفعاله اقتداء بالنبى [ ﷺ ] (وهى فكرة أشبه بقول المعتزلة فى "الاكتساب" الذى يخالف القول بالتوكل عند شقيق وابن كرام)، وأن يجعل اللَّه دائما قبلة نيته مع تسليمه بأن التوبة فرض فى كل وقت. وتحليل سهل لمراتب أفعال الإرادة، وهو ذلك التحليل الذى أخذه عن المحاسبى وأخذ به الغزالى، لا يزال هو العمدة فى هذا الشأن. والزاهد، وقد وصل إلى أسمى مراتب الزهد بقطع علائق الدنيا، لابد له من أن يتحقق بعد أعمال العبادة باليقين الذى هو "غيبة بالمذكور عن الذكر"، وفى هذا إشارة إلى مذهب الحلاج فى الاتحاد الصوفى. وفى علوم الآخرة يصطنع سهل فى حكمة أقوالا شبيهة بأقوال أرباب المعرفة ترجع أصولها إلى مذهب الإمامية؛ ومن هذا القبيل عمود النور (عدل مخلوق به)، وهو ضرب من طائفة مجتمعة من العبادات العليا قوامه نفوس جميع الأولياء الذين يختلفون عن غيرهم من عامة الآدميين؛ وفى هذا إشارة إلى النور المحمدى الذى قال به الصوفية المتأخرون. والأولياء وحدهم الذين قدر لهم أن يعرفوا "سر الربوبية "سر الأنا"؛ وفى هذا إشارة إلى فكرة "الهو هو" ومن هذه الفكرة استنبط سهل إمكان عودة الشيطان فى النهاية إلى رحمة اللَّه، وهى فكرة توسع فيها من بعد ابن عربى وعبد الكريم الجيلى. وصيغة الذكر التى نسبها الشيخ السنوسى لسهل (سلسبيل: انظر السهولية) صيغة محدثة.

стр. 5864

المصادر: (١) سهل التسترى: التفسير، طبعة النسائى، القاهرة ١٣٢٦ هـ, وهو تفسير مفتعل. (٢) أبو القاسم الصقلى (الذى كتب فى القيروان سنة ٣٩٠ هـ[٩٩٩ م] , وترك أيضا كتابا عنوانه "صفة الأولياء"): "شرح وبيان لما أشكل من كلام سهل"؛ و"كتاب المعارضة والرد على أهل الفرق من كلام سهل"، مخطوط بمكتبة كوبريللى رقم ٧٢٧. إستانبول. (٣) الهجويرى: كشف المحجوب, ترجمة نيكلسون، لندن ١٩١١, الفهرس تحت مادة سهل. (٤) Al Kushairis Darstellung des Sufitums: R. Hartmann، برلين ١٩١٤ م، الفهرس، تحت مادة سهل. (٥) Essai sur les Origines . . de la mystique musulmane: L. Massignon, باريس ١٩٢٢ م, ص ٢٦٤ - ٢٧٠. (٦) المؤلف نفسه: La passion d'alHallaj، باريس ١٩٢٢, الفهرس، تحت هذه المادة. خورشيد [ماسينيون L. Massignon] السواد هو اسم العراق، وقد ثبت أن الاسم عراق هو كلمة مستعارة من اللغة البهلوية (من اللفظ أيركك بمعنى "الأرض المنخفضة" أو الأرض الجنوبية، الذى ورد فى القطع التورفانية، مع تشبيهه بالأصل عرق الذى يمت لمعناه بصلة؛ انظر: A.Siddiqi: Studien uber die persischen Fremdworter in Klass. Arab، ص ٦٩؛ Isl,: H.H.Schaeder, جـ ١٤، ص ٨ - ٩؛ Zeitschr. f.: J.J.Hess Semitistik, جـ ٢)، إلا أن "السواد" (الأرض السوداء) هو أقدم الأسماء العربية التى تطلق على الأرض الرسوبية على ضفاف دجلة والفرات، وقد أطلق عليها هذا الاسم لما يبدو للعين من تفاوت بينها وبين صحراء العرب (ياقوت. المعجم, جـ ٣, ص ١٧٤, س ١٤ وما بعدها)؛ وقد مر هذا الاسم فى استعماله بتطور ثلاثى: (١) فهو يطابق فى التقسيم السياسى العراق، ومن ثم فهو ولاية سورستان الساسانية (دل إيران شهر) نفسها، وبهذا المعنى يطلقه مؤرخو فتوحات

стр. 5865

العرب على العراق (انظر مثلا البلاذرى: فتوح البلدان؛ ص ٢٤١, س ١)؛ وخاصة مصنفو الرسائل فى الخراج وفى السياسة (انظر أبا يوسف ويحيى بن آدم وقدامه والماوردى، وكذلك ابن خلدون)؛ ويرجع ذلك إلى أن الاسم كان يستعمل رسميا فى النظم الخاصة بمساحة الأراضى والخراج فى عهد عمر ابن الخطاب؛ (٢) وهو يطلق على المنطقة المزروعة فى إقليم من الأقاليم، مثال ذلك سواد العراق وسواد خورستان وسواد الأردن؛ (٣) إذا سبق اسم مدينة كان معناه الحقول المزروعة على نطاق واسع فى أرباضها والتى تروى ريًا منتظما، مثال ذلك سواد البصرة والكوفة وواسط وبغداد وتستر وبخارى ونحوها. المصادر: المصدر الرئيسى فى هذا الموضوع هو Die uberschatzung der Anbuflache Bobyloniens und ihr Ursprung: H. Wagner، فى Nachrichten d. Kgl. G. W. Gott. Phil Hist. Kl، جـ ٧٠, ١٩٠٢؛ ص ٢٢٤ - ٢٩٨)؛ وانظر عن الكلمة من حيث فقه اللغة Ar. Engl. Lexicon: Lane جـ ١، ص ٤، ١٤٦٢ ب؛ وانظر فيما يتعلق بموضوع الخراج الفنى: uber das Budget der Einnahmen unter des Harun el-ras Sid: A. von Kremer فى Verh. d. VII Internat. Orient. Kong. جـ ٢, ١٨٨٨؛ وانظر كذلك La propriete et l'impot foncier Berchem Sous Les premiers Califes: M.Van (١٨٨٦). صبحى [شيدر H. H. Schaeder] سواكن أو سُواكم أو سُواكن: ثغر على الساحل الغربى للبحر الأحمر وعلى خط عرض ١٩ ْ ٥ َ شمالًا، والمدينة مشيدة على جزيرة بيضية صغيرة رائعة المنظر، محيطها نحو ميل وطولها نحو ٣٠٠ ياردة، قبالة البر فى وسط خليج عميق؛ ويمكن الوصول إلى الميناء عن طريق مجاز ضيق طوله أربعة أميال أو خمسة تكتنفه الشعب المرجانية، ويصل سواكن بالقارة الإفريقية ممر طوله نحو ٦٠ ياردة يشرف عليه حصن؛ وفى أول هذا الممر

стр. 5866

مدخل جميل يمكن إغلاقه بباب يبلغ المرء منه ضاحية السكيف التى تقع على البر؛ وأهم العمائر فى هذه المدينة الجزرية عمارتا الكمرك ودواوين الحكومة، وأحسن البيوت مبان بيضاء جميلة من ثلاثة طوابق تذكر المرء بطراز البيوت فى جدّة، ويجدر بنا أن نذكر من المبانى الحديثة بوابة كتشنر، وهى عمارة جميلة شبه مراكشية، وتبدو أكواخ الأهالى البدائية التى لا شكل لها يعرف ضئيلة كئيبة إذا قورنت بهذه العمائر (١)، ويشتمل السوق على حانات أصحابها من اليونانيين، وعلى شارع صغير فيه مقاه ومظلات. أما الأوربيون الذين كانوا ينزلون سواكن فيقيمون بين أكواخ الأهالى البدائية المصنوعة من الغاب فى منازل لا تصلح للسكن بصفة خاصة فى جميع الأحوال؛ وفى المدينة مدرسة واحدة، على أنها من أحسن مدارس السودان جميعا، ويحيط بضاحية الكيف القائمة على البر سور كانت تكتنفه فى وقت من الأوقات ستة حصون، ويحميه من الخارج خط من الخنادق. وسكان الكيف أكثر كثيرًا من أهل سواكن، وفيها سوق تجرى فيها الأعمال التجارية الخاصة بالمدينة وشوارع غير منتظمة يقيم فيها الحدادون وصانعو الجلود؛ ويصنع الحدادون رؤوس الرماح والسكاكين، أما صانعوا الجلود فلهم تجارة نافقة فى التعاويذ، كما يقيم الحلاقون فى تلك الشوارع، ويكثر من التردد عليهم الرجال من الأهالى، وفيها عدد قليل من صيّاغ الفضة يعدّون الحلى التى تحتاج إليها النساء ويصنعون الأساور والخلاخيل والأقراط وحلقات الأنوف؛ وفى خارج الضاحية التى هى أشبه بالواحة الطويلة الضيقة تحيط بها البحيرات الملحة وصحراء شبيهة بالمروج، عيون تكتنفها الحدائق وأشجار النخيل، وهى تزود المدينة بما تحتاج إليه من ماء الشرب؛ ومناخ سواكن ليس صحيًا بالنسبة للأوربيين خاصة، ودرجة الحرارة فيها لا تهبط أبدًا إلى أقل من ٨٦ فهرنهيت حتى فى الشتاء، وتسود الرياح المتقلبة شهرى يونيه وأغسطس، وكثيرًا ما تستحيل عواصف رملية خطرة.

стр. 5867

وسواكن مستعمرة قديمة وإن كان الميناء غير ذى شأن، ولا يمكن دخوله إلا نهارًا بسبب ضيق المجاز والشواطئ المرجانية؛ ويقال، وربما كان هذا الذى يقال هو الحق، إن مدينة Oppidum Succhae التى ذكرها بليناس كانت تقوم فى هذا الموضع؛ وكانت الناحية فى القرون الوسطى من أملاك البجة الذين تنتمى إليهم قبائل الهدندوة والعبابدة والبشارية الحديثة؛ وكان من أثر الصلات القديمة التى قامت بين أهل مكة وسكان ساحل البحر الأحمر فى إفريقية الغربية أن استقر التجار العرب فى سواكن وتصاهروا مع البجة. وقد مكنت سنن البجة التى تقوم على سيادة الأم المولدّين من بلوغ مناصب لها شأنها، ووجد ابن بطوطة فى سواكن سنة ١٣٣٠ م ابن أمير مكة على رأس البجة، وكانت الطبقات العليا من السكان تدين بالإسلام، ويسميهم المقريزى "الحدارب"، وكان ميناء عيذاب، التى تقع على مبعدة من سواكن صوب الشمال، منافسًا خطيرًا لها فى تلك الأيام، ويقول بنت Th.Bent إن عيذاب هى "سواكن القديمة" المعروفة اليوم, وهى على مسيرة ١٢ ميلا شمالى حلايب، وكان للميناء، وهو الآن خرائب وأطلال، شأن عظيم بين سنتى ٤٥٠ و ٧٦٠ هـ، فقد كان مرسى السلع الواردة من الهند وبلاد العرب ومكانًا يلتقى فيه تجار اليمن، كما كان يلتقى فيه الحجاج المصريون والإفريقيون الذين كانوا يقلعون منه إلى جدة؛ وقد كانت سواكن أيضا، وهى على مسيرة سبعة أيام جنوبًا، مرسى للسفن القادمة من جدّة، ومن ثم فلاشك أنه قد قام بين المدينتين تنافس شديد كتب فيه النصر لسواكن آخر الأمر. وقد ظل الهمدانى (المتوفى سنة ٩٤٥ هـ) يعتبرها فى الحبش الوسطى؛ واحتل الأتراك الميناء فى عهد سليم الأول، وكانت تابعة لباشا جدة الذى حكمها عن طريق أحد الأغوات حتى سنة ١٨٦٥ حين أخذتها مصر من تركية بالتنازل أو بالشراء. وأصاب العهد المهدوى (١٨٨٣ - ١٨٩٨ م) سواكن بضربة قاسية، ذلك أن التجارة انقطعت فيها تماما بسبب إغلاق طريق القوافل الهام من سواكن إلى بربر؛ ووضعت سواكن بمقتضى معاهدة ١٦ يوليو سنة ١٨٩٩, التى عقدت بين إنجلترا ومصر

стр. 5868

فى ولاية الحكم الثنائى الإنجليزى المصرى (١) هى والسودان، وتتبع سواكن الآن مديرية البحر الأحمر أكبر المناطق التى تزرع القطن فى السودان. وكان يبلغ أهل سواكن فى ذلك الوقت نحو ١٠.٠٠٠ نسمة، وكانت المدينة فى مظهر ينم عن الإهمال، ويكاد يكون نصف عمائرها أطلالا (٢)، ذلك أن السكان فى كثير من الأحوال لم يعودوا قادرين على الإنفاق على صيانتها، وكذلك كان ميناء بورسودان، الذى أنشئ حديثًا، منافسًا خطيرًا لسواكن، فقد اجتذب قدرًا كبيرًا من التجارة والحركة التى كانت تزخر بها سواكن فى يوم من الأيام؛ وقد استطاعت سواكن، على الرغم من هذه المنافسة، أن تحتفظ بمكانة مرموقة فى عالم التجارة، ولم يتحقق ما توقعه الكثيرون من انتقال التجارة جملة إلى بورسودان. ومع أن سوق الكثير من شركات الجملة والقطاعى أصبحت أقل رواجا مما كانت قبل إنشاء بور سودان، إلا أن أعمالها تسير بنجاح ملحوظ، ولم يتأثر من الكساد التجارى إلا عدد قليل جدًا من الشركات الوطنية، وسوف تحتفظ سواكن بمركزها ولعل السبب الوحيد فى ذلك يرجع إلى تشبث الأهلين بها فى عناد واعتبارهم لها المركز الرئيسى لتجارة مديرية البحر الأحمر، ولا تزال سواكن بما كانت من قبل، النقطة التى يبدأ منها الحجاج رحلتهم إلى جدة، وكانت تجارة الرقيق فى القرن الماضى لا تزال مزدهرة على هذا الطريق نفسه، وكان يحمل نحو ٣٠٠٠ من الرقيق سنويا من سواكن إلى سوق جدة، وهى تجارة لم تستطع الحكومة الإنجليزية القضاء عليها إلا بمشقة عظيمة. وكانت تتصل سواكن ببور سودان بخط فرعى من ملتقى الخطوط الحديدية فى عطبرة، وقد أنشئ خط السكة الحديدية سنة ١٩٠٥، ومشروع الخط الحديدى من سواكن إلى طوكر (٥٦ ميلا)، (والمدينتان تتصلان بطريق للقوافل) وإن ميناء سواكن سيجد حافزًا جديدا يدفعه وكان يُحمل. ويحمل اليوم الصوف الجيد الذى اختصت به طوكر، على مسيرة ٥٦ ميلا جنوب شرقى

стр. 5869

سواكن، على ظهور الجمال إلى ميناء ترنكتات ثم يشحن إلى سواكن فى رحلة تستغرق يومًا ونصف يوم أو يومين. وبمدّ الخطوط الحديدية يفقد طريقا القوافل الكبيران أهميتهما، وهما طريقا كسلا - سواكن (عن طريق طوكر ٢٩٧ ميلا)، وبربر - سواكن (٢٤١ ميلا)، وهما الطريقان اللذان تجتازهما معظم التجارة إلى داخل البلاد فى الوقت الحاضر؛ إلا أن مقدار التجارة سيزداد زيادة عظيمة؛ ويصل سواكن ببور سودان أيضا خط ملاحى غير منتظم علاوة على الخط الحديدى الذى يربطهما، وثمة خط للملاحة أيضا يسير بين سواكن وجدة، وكانت تقطع باخرة الرحلة بينهما كل أسبوعين، أما قوام التجارة والتصدير فهو القطن وزيت السمسم والزبد وجلود الحيوان والشمع والراتينج والسنا المكى والعاج. المصادر: (١) الهمدانى: صفة جزيرة العرب، طبعة D. H. Muller، ليدن ١٨٨٤ - ١٨٩١, ص ٤١. (٢) Edrisii Africa: J. M. Hartmann كوتنكن ١٧٩٦, ص ٨١. (٣) Bibliotheca Orientalis: D, Herbelot, جـ ٤، هال ١٧٩٠، ص ٣٠٦. (٤) ياقوت: المعجم، طبعة Wustcnfeld، جـ ٣، ص ١٨٢. (٥) مراصد الاطلاع، طبعة T.G.J Juynboll, جـ ٢، ليدن ١٨٥٣، ص ٦٤. (٦) Reise von Chartum uber Berber nach Suakin. Z. G. Erd. Berl: G. Sechwein furth, ١٨٦٧, جـ ٢, ص ٣٣ - ٣٦. (٧) Reise nach Sudarabien: H. V. Maltzan، برانسويك ١٨٧٣، ص ٨٣ و ٨٩ و ٩١ و ١١٤. (٨) Voyage au Yemen: A. Deflers باريس ١٨٨٩, ص ٢١ وما بعدها. (١٠) Handbooks prepared under the Direction of the Historical Section of the Foreign Office, No ٩٨, Anglo-Egyptian Sudan، لندن ١٩٢٠ ص ١٢ و ٢٠ و ٦٧ و ٨١ و ٨٤ و ٨٧ و ١٠٠ وما بعدها. (١١) The Sudan in Evolution: Percy F. Martin, لندن ١٩٢١, ص ٤٩٨ - ٥٠٥. صبحى [كرومان Adolf Grohmann]

стр. 5870

السودان (*) وقولنا "بلاد السودان" معناه الصحيح بلاد السود، ومن ثم فإن كلمة السودان المأخوذة من هذا اللفظ تدل على جميع البقاع التى يقطنها السود من قارة إفريقية. وقد جرى العرب وكذلك الأوربيون على قصر هذه التسمية على الجزء الشمالى من تلك الأقطار، أو إطلاقها بصفة أعم على تلك المنطقة شبه الصحراوية من إفريقية التى تغلغل فيها الإسلام. وتقسم هذه المنطقة من الناحية العملية إلى ثلاثة أقسام: (١) السودان الغربى ويشمل حوض نهر السنغال ونهر غمبيا والمجرى الأعلى لنهر فولتا والحوض الأوسط لنهر النيجر. (٢) السودان الأوسط، ويشمل حوض بحيرة تشاد. (٣) السودان الشرقى أو السودان المصرى، ويشمل الحوض الأعلى لنهر النيل فقط. وما يجدر ذكره أن الإنجليز يستعملون كلمة السودان فحسب للدلالة على السودان المصرى، أما الفرنسيون فيطلقون اسم السودان الفرنسى رسميا على مستعمرة من مستعمراتهم كانت لا تنطبق فى الواقع إلا على قسم صغير من المنطقة السودانية الكبيرة التى يحتلونها. وسنتناول السودان فى هذه المادة على اعتبار أنه يشمل جميع الأراضى التى إلى الجنوب من الصحراء الكبرى وصحراء ليبيا، أى من المحيط الأطلسى غربا إلى الحدود الغربية لأثيوبيا شرقا، وتساير حدوده الجنوبية بصفة عامة خط عرض ١٠ شمالا. ومن المرجح أنه كانت تقوم بين السودان وشمالى إفريقية صلات منذ أقدم الأزمان، فقد كان المصريون القدماء يحصلون على العبيد بإنفاذ الحملات على بلاد السودان، وكانت لهم أيضًا صلات تجارية بهذه البلاد. وقد جرت القوافل الخارجة من المستعمرات الفينيقية، وبخاصة من قرطاجنة، على

стр. 5871

أن تشترى من السودان الذهب والعاج والعبيد وتعطيهم نظير ذلك المنسوجات والنحاس والأدوات. وظل هذا الاتصال الذى كان يتم عن طريق النيل أو عبر الصحراء قائمًا فى العهدين اليونانى والرومانى، ثم تولاه العرب بعد أن فتح المسلمون شمالى إفريقية ودخل أهلها فى الإسلام. وما إن انتهى القرن السابع الميلادى حتى كان المسلمون فى مصر وإفريقية والمغرب يؤمون أسواق السودان الكبرى. بل إن بعضهم استقروا فيها وعملوا مراسلين أو وكلاء لمواطنيهم من سكان سواحل البحر المتوسط. على أنه يتضح لنا من أقوال كتاب العرب الذين زودونا بأقدم الإشارات عن بلاد السودان أن هؤلاء المسلمين كانوا يهتمون بالتجارة وأن الإسلام لم يبدأ فى الانتشار بين السودانيين إلا فى القرن الحادى عشر الميلادى. صحيح أن بعض الروايات تذهب إلى أن الفاتح عقبة بن نافع قد بلغ بلاد السودان، إلا أن هذه الروايات موضع شك. ومهما يكن من شئ فإنه لا ينبغى لنا أن نستخلص من ذلك أن هذه الأقطار كانت خالية من الحضارة أو أنه لم يكن بها نظام سياسى بالمعنى المفهوم فى القرن الحادى عشر الميلادى. ذلك أننا نجد إلى جانب الأمراء الذين حكموا أجزاء مختلفة من الأراضى السودانية ودخلوا فى الإسلام منذ القرن الحادى عشر الميلادى، أمراء آخرين لم يدخلوا فى هذا الدين، كما أننا لا نستطيع أن نقول إن الإسلام قد دخل فى جميع البلاد السودانية. والحق أن عددًا من الدول الإسلامية يشمل أهمها وأعظمها شأنًا، قد حكمت حكما حسنا قبل أن يبدأ أهلها فى اعتناق الإسلام، كما أن هذه الدول كانت قد بلغت من قبل سلطانًا ومجدا، وكان هذا السلطان والمجد كبيرين فى بعض الأحيان، ووجدت فيها نظم أقبل عليها حكام المسلمين فيما بعد واصطنعوها راضين، حتى فى تلك الممالك التى كانت على وثنيتها، وهى من قبيل ما تحدث عنه البكرى منذ عدة قرون عند كلامه على مملكة غانة الوثنية. وكان الاعتقاد الذى اعتنقه السودانيون جميعا من قبل ولا زال

стр. 5872

لدى البعض ضربا من القول بحيوية المادة يقوم على عبادة الأجداد وأرواح الطبيعة. وقد تغلغلت المسيحية فى عدة أجزاء أخرى من السودان، ذلك أنها كانت سائدة فى بلاد النوبة منذ القرن الرابع حتى القرن السابع الميلادى، ويقال إن الأمراء الذين اشتهروا بأصولهم البربرية والذين أسسوا مملكة سنغاى كانوا مسيحيين. ولا جدال فى أن الإسلام انتشر فى وقت مبكر جدا فى بلاد النوبة أو بين نوبى حوض النيل. على أنه قد استغرق فيما يظهر وقتا طويلا حتى وصل إلى أقاليم السودان الشرقى التى تبعد بعض البعد عن المجرى الأصلى للنيل، وعندئذ دخل هذا الدين فى هذه الأقاليم حوالى القرن السادس عشر الميلادى فحسب على يد قبائل من أصل عربى شقت طريقها وقتئذ جنوبا بشرق واحتكت بسودانيى هذه المنطقة. وكان الجزء الغربى من السودان هو الذى تأثر أول ما تأثر بتعاليم الإسلام تاثرا عميقا باقيا على الأيام. ولم يبلغ الإسلام هذا الجزء عن طريق العرب بل عن طريق بربر الصحراء الكبرى الذين نهضوا فى ذلك الوقت بحركة المرابطين. وكانت إمبراطورية غانة حينئذ تنمو وتزدهر فى السودان الغربى. وقد تأسست هذه الإمبراطورية فى وقت غير معلوم على يد أمراء يقال إنهم كانوا من الجنس الأبيض، ولو أن أمراءها كانوا وقتذاك من السودانيين من قبيلة سركلّه (إلياس سوننكه، أو واكورة أو ماركا) يعيشون فى كومبى جنوب الجنوب الغربى من والته فى إقليم يعرف باسم وَغَدو أو بغانة، وكانوا يتخذون الألقاب: لونكا، وكيمغا، وغانة. وهذا اللقب الأخير الذى توسع فيه فأصبح يطلق على المدينة أيضًا، هو الذى أطلقه كتاب العرب على مدينة كومبى. وقد مد غانة سلطانه إلى ما وراء حدود مملكته الأصلية فشمل الجزء الأكبر من السودان الغربى، وخاصة مناجم الذهب القائمة على الضفة اليسرى لنهر السنغال الأعلى،

стр. 5873

ومعظم قبائل الصحراء البربرية وخاصة لمتونة وقصبتهم أو دغست التى كانت تقوم فيما يرجح على مسافة ما من الجنوب الغربى لتيشيت. وفى سنة ١٠٤٢ م ترك المصلح البربرى عبد اللَّه بن ياسين الرباط الذى كان يتولى أمره بجزيرة فى مجرى نهر السنغال الأدنى وبدأ يدعو للإسلام بين بربر أدرار وتاكنت وبين سودانيى تكرور (فوتا تورو) أجداد التكارنة الحاليين، وبين عدد غيرهم من الشعوب السودانية تتفاوت تبعيتهم لغانة قوة وضعفا. وكانت دعوته ظافرة بصفة خاصة لأنه توجه بها إلى الجماهير من السود والبيض الذين كانوا يتطلعون إلى الخلاص من نير سركلّه كومبى، وكان هؤلاء حصن الوثنية الحصين. وكان ملك تكرور هو وآل بيته بلاشك أول من دخلوا فى الإسلام من السودانيين، بل هم قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك فزودا الجيش المرابطى بالمحاربين. وسرعان ما أسلم ملك ماندنك أو مالى الذى كان يقيم فى أعالى نهر النيجر، وأسلم أيضًا ملك سنغاى فى إقليم كآو بمجرى النيجر الأوسط فى هذا الوقت، أما أودغست التى ظلت على ولائها لغانة فقد هاجمها عبد اللَّه بن ياسين وفتحها سنة ١٠٥٤ م. وبينما كان يوسف بن تاشفين يغزو مراكش حوالى سنة ١٠٧٦ م على رأس الجيش المرابطى الأكبر ويتهيأ لفتح الأندلس، كان ابن عمه أبو بكر بن عمر اللمتونى على رأس جيش المرابطين الذى وقف على عتبة بلاد السودان، يستولى على كومبى ويضع حدًا لسلطان غانة الذى عمَّر زمنا طويلا. ودخلت غانة فى الإسلام عنوة، واضطر السر كلَّه إلى الإسلام زرافات زرافات، وبدءوا ينشرونه فى الممالك المختلفة التى لا يزالون يحكمونها والتى اغتنمت فرصة سقوط سلطان غانة لإعلان استقلالها بأمر نفسها، مثل ممالك أو أقاليم جاره أو كنيكا، (قرب نيورو الحديثة)، وكومبو (جنوبى كومبى) وسوسو (بين كومبو وبامكو) وجخا، أو جا (غربى ماسينا) وغيرها. وتوفى أبو بكر بن عمر سنة ١٠٨٧ م، غادر بلاد السودان آخر جيوش المرابطين الذى شد أزره، إلا أن

стр. 5874

ذلك لم يحل دون انتشار الإسلام. وقد حدث فى نهاية القرن الحادى عشر الميلادى أن مسلمًا يدعى جُلا كان قد اهتدى إلى الإسلام على يد سركلَّه جخا، حمل هذا الدين الجديد إلى غابات ساحل الذهب الكثيفة حيث كان هو وقومه قد جروا على الشخوص إليها لشراء جوز الكولا. ثم وقف تقدم الإسلام إلى حين؛ وفى سنة ١٢٢٤ م أقيم مركز دينى وتجارى فى والته، وسرعان ما بلغ الإسلام تمبكتو وبخاصة جنَّة. وأصبحت تمبكتو فى القرن التالى قاعدة الإسلام فى السودان الغربى، وكانت إمبراطورية الماندنكو التى ورثت سلطان غانة، فى أوج عزها آنئذ. وفى سنة ١٣٢٥ شيد عاهلها، الذى كان فى ذلك الوقت هو كونكون موسى (واسمه الشائع كانكن موسى) مساجد فى كآو وتمبكتو، بناها له عربى من أسرة غرناطية كان قد استقدمه من مكة. وكانت سقوف هذه المساجد مستوية ومآذنها هرمية، وقد استحدث ذلك فى السودان طرازا معماريا سرعان ما انتشر فى أرجائه. وكان للمجد الذى أضفاه هذا العاهل على الإسلام نصيب فى دعم سلطان كونكون موسى على أقاليم النيجر. وفى عهد خلفه قامت الصلات الدبلوماسية المنتظمة بين السودان ومراكش. واستمر تقدم الإسلام فى الزيادة فى نهاية القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر الميلادى نتيجة للسياسة التى انتهجها أعظم أمراء سنغاى أسكيا محمدو توره. على أنه أصيب بنكسة كبيرة فى السنغال فى منتصف القرن السادس عشر نتيجة لفتح تكرور أو فوتا تورو على يد حشود الفلبة والماندنك القادمة من كولى تنكلَّه، وإقامة مملكة فلبية وثنية فى هذه البلاد دام حكمها من سنة ١٥٥٩ إلى سنة ١٧٧٦ م. وقد أدى فتح سنغاى وتمبكتو على يد حملة مراكشية سنة ١٥٩١، إلى نتيجة لم يتوقعها أحد، ذلك أن هذا الفتح كان نذيرا آخر باضمحلال الدين الإسلامى فى مجرى النيجر الأوسط، وبداية لتدهور تمبكتو التى كانت مركزا دينيا.

стр. 5875

على أننا يجب ألا نذهب فى الظن إلى أن الإسلام قد غلب على جميع السودانيين، ذلك أن جغرافى العرب ومؤرخيهم، والإخباريين من أهل البلاد السودانية، يقولون إن معظم من دخلوا فى الإسلام كانوا من الملوك ووجوه الأعيان. ونحن إذا استثنينا عددا قليلا من القبائل مثل التكارنة، وجدنا أن جماهير العامة ظلوا على وثنيتهم فيما عدا أهل المدن الكبيرة. وكان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين هما القرنين اللذين شهدا أعظم ما أصاب الإسلام من تقدم فى السودان الغربى، وهو تقدم لا يقاس به أى تقدم آخر منذ عهد المرابطين. وكانت النزعة الصوفية التى عرفت بها طائفة تكارنة تورد به (المفرد توردو) فى تكرور العامل الأكبر فى هذه الحركة التى بدأت حوالى ١٧٢٠ م بإقامة نوع من الملكية الدينية فى فوتاجالون، وقويت شوكتها سنة ١٧٧٦ بإنشاء حكومة من هذا القبيل فى فوتاتورو نتيجة للانتصار الذى أحرزه التكارنة المسلمون على الفلبة الذين كانوا لا يزالون على وثنيتهم، مما حمل معظمهم على الدخول فى الإسلام. وقد أسلم وُلُف السنغال الأدنى شيئًا فشيئًا. وسرعان ما قام هداة بين تورد به فوتاتورو وفلبه ماسينا، أولهم عثمانو فوجو التكرورى الذى أعلن الجهاد بين النيجر وبحيرة تشاد، وأدخل فى الإسلام فريقا من الحوصة، وأنشأ إمبراطورية سوتوكو (١٨٠٢ م) وجاء بعده سيكو حمدو بَرى الفلبى الذى مكن الإسلام فى ماسينا وشيد فى هذه البلاد حاضرة سماها حمد الله (١٨١٠ م)؛ ثم ظهر الحاج عمر التكرورى. وقد حج هذا الزعيم الدينى إلى مكة (١٨٢٠) وخلع عليه فى أثناء حجه لقب خليفة التيجانية فى السودان، وبدأ سنة ١٨٣٨ يشن سلسلة من الحملات الدينية والحربية حققت له السيادة على ماندنكك (١٨٤٨)، وكآرته (١٨٥٤ م)، وسيكو (١٨٦١)، ثم ماسينا (١٨٦٢ م). وقد ترك الحاج عمر بعد وفاته سنة ١٧٦٤ إمبراطورية واسعة الأرجاء كان الإسلام فيها أشبه بالدين الرسمى، ولكن هذه الإمبراطورية انهارت أمام الغزو

стр. 5876

الفرنسى (١٨٩٠ - ١٨٩٣ م). وبعد ذلك بقليل، أى فى سنة ١٨٩٨ بذلت محاولة لإقامة إمبراطورية إسلامية أخرى بين نهر السنغال وحوض نهر فولتا الأعلى بدأها الغازى ماندكو سمورى توره، إلا أن هذه المحاولة قضى عليها قضاء مبرما بهزيمة ماندنكو الذى أسرته الجنود الفرنسية. أما فى السودان الأوسط فقد ظهر الإسلام أول ما ظهر فى القرن الحادى عشر الميلادى، فقد أدخل فى كانم فى عهد أومه الذى أطيح بدولته التى ظلت متمسكة بوثنيتها على يد أسرة إسلامية من أهل البلاد سنة ١١٩٤ م، وهى أسرة ماى التى نقلت قصتها إلى برنو فى نهاية القرن الحادى عشر الميلادى. على أن أقدام الإسلام لم تتوطد فى هذه الأصقاع على ضفتى بحيرة تشاد إلا فى هذا القرن، كما أنه لم يبلغ بغرمى إلا فى نهاية القرن التالى على أيام مبنك عبد اللَّه (١٥٦١ - ١٦٠٢ م)، وإنما حدث فى بداية القرن السابع عشر الميلادى أن استطاع الإمام الدينى صالح، ويقال إنه من أصل عربى، أن ينقل الإسلام إلى وادى، ولم تتوطد أقدامه فيها إلا سنة ١٦٣٥ م وما بعدها. وانتشر الإسلام بعد ذلك بمدة طويلة صوب الجنوب بدافع من غيرة المقامر رباح (١٨٧٨ - ١٩٠٠ م). وأما فى السودان الشرقى، فقد ظل أهل النوبة دون سواهم هم السكان المسلمين حتى القرن السادس عشر الميلادى. وفى هذه الأيام أدخل رأس أسرة حاكمة جديدة يدعى سولن سليمان جزءا من دارفور فى الإسلام، وكانت دارفور قد ظلت مثل وادى وكردفان زمنا طويلا خاضعة لحكم أمراء تنجور الكفار الذى يقال بأنهم من أصل آسيوى. وقد غزا خليفة من خلفاء سولن، هو تهراب، كردفان وأدخل كرداجى هذه البلاد فى الإسلام فى القرن الثامن عشر الميلادى. وازداد انتشار الإسلام سرعة فى السودان الشرقى. حوالى نهاية القرن التاسع عشر الميلادى بفضل نفوذ المهدى محمد أحمد الذى ينتسب إلى أسرة نوبية من دنقلة، والذى غزا كردفان، ودارفور، وبحر الغزال وسنار، ثم فتح الخرطوم

стр. 5877

(١٨٨١ - ١٨٨٥ م) وبفضل خليفته عبد اللَّه الذى ينتسب إلى قبيلة من قبائل البقَّارة فى دارفور، وقد مد عبد اللَّه فتوجه إلى مديرية خط الاستواء (١٨٩٢ م) ; ثم أجلاه كتشنر آخر الأمر عن الخرطوم سنة ١٨٩٨ م، ثم لقى مصرعه فى كردفان سنة ١٨٩٩ على يد جيش كان يقوده الكولونيل وينكيت. ويعيش فى السودان عامة فى الوقت الحاضر (١٩٢٥) عدد من السكان يبلغون على وجه التقريب ما بين ٢٥ و ٣٠ مليونا من الأنفس، نصفهم تقريبا من المسلمين والنصف الآخر من القائلين بحيوية المادة. ويسود المسلمون فى المراكز الكبرى، ولكن عددهم يقل نسبيا فى خارج المدن. على أن ثمة قبائل كل أفرادها أو جلهم من المسلمين، وهم من الغرب إلى الشرق: الولف. والتكارنة، والسركله، والجولا، والسنغاى، والكنورى والكانمبو، والتيده أو التوبو، والمابه، والكنجاره، والكلداجى، والنوبة وقليل من قبائل أخرى صغيرة الشأن. وبعض القبائل فيها فريق من الوثنيين مثل الفلبة، والماندنكو أو المالنكه، والسركو أو البوسو، والحوصه، والبغرمى وغيرهم. ونذكر أخيرًا كثيرًا من هذه القبائل التى يدين كل أفرادها أو جلهم بمذهب حيوية المادة مثل: البرير، والجلاء أو الفلوب، والبسارى والكونيكى، والبمبارة، والبوبو، والدوكون أو التومبو، والسامو، والموسى، والكروسنى، واللوبى والدكارى، والسنونو، والبوسة، والكورمانتشه، والبربه، والكمبرى؛ والباوتشى، والمندره. والموسكو، والموندانك، والأقوام الكثيرة الأخرى فى السودان الأوسط والسودان الشرقى التى يدخلها المسلمون فى زمرة الكافرى والكردى، والفرتيت، والجنخيرة إلخ. ولم تحرز اللغة العربية من حيث هى لغة الكلام إلا تقدما قليلا فى السودان. وكل مالها من أثر هى أنها أغنت لهجات مسلمى السودان بالكلمات التى تمت للدين بسبب. وهذه اللهجات شأنها شأن لهجات السودانيين القائلين بحيوية المادة تنتمى جميعا إلى أرومة اللغات الافريقية

стр. 5878

الزنجية على أن اللغة العربية هى لغة الكتابة بالنسبة لمسلمى السودان الذين أصابوا قسطا من التعليم، وقد بقى منذ القرن الخامس عشر أدب سودانى له مقوماته، وكتب هذا الأدب باللغة العربية، وتستخدم بعض قبائل السودان، مثل الفلبة والحوصة على الأقل، حروف الأبجدية العربية فى كتابة لغاتها الوطنية. المصادر: (١) عبد الرحمن السعدى: تاريخ السودان، ترجمة هوداس Houdas، باريس ١٩٠٠ م. (٢) محمود كالى: تاريخ الفنّاح، ترجمة Houdas et Delafosse، باريس ١٩١٣. (٣) تذكرة النسيان، ترجمة هوداس، باريس ١٩٠١ م. (٤) Travels in the Interior of Africa: Mungo Park، لندن ١٧٩٩ م. (٥) Journal d'un voyage a Tomboctono et a Senne dans l'Afrque Centrale: R. Caille, باريس ١٨٣٠، فى ثلاثة مجلدات. (٦) Travels and Discoveries in Northern and Central Africa: H. Barth، (١٨٤٩ - ١٨٥٥) لندن ١٨٥٨ م، فى خمسة مجلدات. (٧) Voyage dans le Soudan occidental: E. Mage (١٨٦٦ - ١٨٦٣), باريس ١٨٦٨. (٨) Du Niger au Golfe de Guinee par le pays de Kong et le Tassi: Binger، باريس ١٨٩٢ فى مجلدين. (٩) Monographie de Toumbouctou: A. Hacquard، باريس ١٩٠٠. (١٠) Monographie de Dienne: Ch. Monteil، توله ١٩٠٣ م. (١١) المؤلف نفسه: Les Khassouke، باريس ١٩٢٥. (١٢) المؤلف نفسه: Les Bambara de Segou et du Kaarta، باريس ١٩٢٤. (١٣) Haut-Senegal Niger: M. Delafoss، باريس ١٩١٣, فى ثلاثة مجلدات.

стр. 5879

(١٤) Chroniques du Fouta Senegalais: M. Delafosse et. H. Gader، باريس ١٩١٣ م. (١٥) Voyage aux sources de Nile, en Nubie et en Abbyssinie pendant les annees ١٧٦٨ a ١٧٧٢: Bruce، ترجمة , Castera، باريس ١٧٩٠ - ١٧٩٢ م. (١٦) Voyages et decouvertes dans le Nord: ney et dans les parties centrales de l'Africque: Denham, Calpperton et Oud ترجمة Eyries et de Larmandiere, باريس ١٨٢٦ م، فى ثلاث مجلدات. (١٧) ابن عمر التونسى: Voyage au Darfour، ترجمة , Perron باريس ١٨٤٥. (١٨) المؤلف نفسه: Voyage au Oua day، ترجمة Perron، باريس ١٨٤٥ م. (١٩) Memorie sur le Soudan: d'Escayrac de Lauture، باريس ١٨٥٥ - ١٨٥٦ م. (٢٠) Sahara und Sudan: G. Nachtigal برلين ١٨٧٩ - ١٨٨٢ م، فى ثلاثة مجلدات. (٢١) Ethiopie Meridionale: J.Barelli، باريس ١٨٩٠ م. (٢٢) Tradizioni storiche raccolte in Abbia: Bricchetti. Robeche، روما ١٨٩١ م. (٢٣) Hausaland: C.H.Robinson، لندن ١٨٩٦ م. (٢٤) Fire and Sword in the Sudan: R.C.Slatin Pacha، ترجمة F.R. Wingate، لندن ١٨٩٧. (٢٥) La chute de l'empire de Rabah: E.Gentil، باريس ١٩٠٢ م. (٢٦) La region du Tchad et du Ouadai: H.Carbou، باريس، فى ١٩١٢, فى مجلدين. (٢٧) The sultanate of Rornu: A. Schultze, ترجمة Benton، لندن ١٩١٣. (٢٨) L'Afrique Equatorial Etancaise: G. Bruel، باريس ١٩٢٨. خورشيد [موريس دلافوس Maurice Delafosse]

стр. 5880

السودان الشرقى: السودان فى قول كتاب العرب فى العصور الوسطى هو الصقع الذى يشمل غربى إفريقية ووسطها إلى الجنوب من الصحراء الكبرى، ولم يطلق هذا الاسم أيضا على البلاد التى فى حوض النيل إلا فى القرن التاسع عشر، وهى البلاد التى فتحتها جنود محمد على ما بين عامى ١٨٢٠ - ١٨٢٢ وعرفت فيما بعد باسم السودان المصرى (وهو السودان المصرى الإنجليزى) (١) وقد حدد الصقع الذى عهد بحكمه إلى محمد على بمقتضى الفرمان الذى منحه له الباب العالى سنة ١٨٤١ بأنه يشمل النوبة، ودارفور وكردفان، وسنار وتوابعها. وقد امتد الحكم المصرى بعد ذلك فشمل بلاد النيل الأعلى وبحر الغزال. والسودان المصرى الإنجليزى يضم أرضًا تبلغ مساحتها حوالى مليون ميل مربع بين خطى عرض ٢ ْ ٣ ْ شمالا. وتختلف الأحوال الطبيعية فيها ما بين صحراء رملية وغابات شبه استوائية كما تتنوع فيها الأجناس البشرية. والنيل هو العامل الذى يوحد هذه البلاد، وهو يجرى فيها مسافة تزيد على ألفى ميل. ويحدد سقوط الأمطار المناطق المناخية المختلفة، ذلك أنه يقسم البلاد إلى عدد من النطاقات الزراعية تمتد من غرب الجنوب الغربى إلى شرق الشمال الشرقى. والمنطقة التى فى أقصى الشمال صحراء بلقع لا تقوم بأود السكان اللهم إلا شريطا ضيقا على ضفاف النيل. وإلى الجنوب من هذه الصحراء سهوب تنمو فيها الشجيرات ويجودها قليل من المطر فى الصيف فتغدو مراعى للجمال والأغنام والماعز وتتيح العيش لسكان ستبدين متبدين تقوم حياتهم على رعى الماشية. ويتزايد سقوط الأمطار الموسمية إلى الجنوب من خط عرض ١٥ ْ، وتتخذ البلاد صفة مناطق السفانا فيجود فيها الرعى وتدر محصولات من الدخن والأذرة. وتنتج الغابات المترامية الأطراف الحافلة بالأشجار الشوكية

стр. 5881

المحزوزة كميات كبيرة من الصمغ العربى. ويكثر سقوط الأمطار فى الأراضى التى إلى الجنوب من خط عرض ١٢ فيصبح بعضها سهولا فسيحة الأرجاء خالية من الشجر يغطيها العشب النامى، وبعضها غابات من قبيل غابات السفانا. وتقوم الغابات الاستوائية على طول ضفاف المجارى المائية فى أقصى الجنوب. وخط عرض ١٢ هو بصفة عامة الحد الفاصل بين السودان الإسلامى والجنوب الوثنى. وثمة فروق لغوية وثقافية بين قبائل الزنوج فى الجنوب تبعث على الدهشة وتقف عقبة كؤودًا فى سبيل تصنيف هذه القبائل تصنيفًا ترتاح له النفس، ذلك أننا نجد فى بعض الأحوال مجموعات لغوية واضحة المعالم، وفى أحوال أخرى يكون انتساب قوم إلى جماعة واحدة قائمًا على الإشتراك فى سمات طبيعية أو ثقافية أو على أساس المنطقة الجغرافية التى يسكنها هؤلاء القوم. وإذا أخذنا برأى إيفانز بريتشارد Evans-Pritchard أمكننا أن نقسم هذه الجماعات إلى الأقسام الآتية: (١) النيليون Nilotes وهم جماعة محددة تمام التحديد، تشمل الدنكة والشلوك والنوير الذين يتحدثون بلغات متصلة بعضها ببعض اتصالا وثيقا ويشتركون فى عناصر ثقافية واحدة. (٢) النيليون الحاميون Nilo-Hamites ويشملون البارى Bari وغيرهم من القبائل الأخرى التى تتحدث بلغة البارى كما يشملون عددا من القبائل تتميز عن البارى لغويا كما تتميز بعضها عن بعض، وهم يقيمون إلى الشرق من النيل. (٣) قبائل هضبة الحجر الحديدى Ironstone Plateau وهى جماعة غير متجانسة من القبائل الصغيرة فى منطقة بحر الغزال. (٤) الأزندى The Azande (٥) قبائل الجبال The Hill tribes جنوبى كردفان ويشار إليها فى كثير من الأحيان باسم قبائل النوبة وهى تنقسم إلى عدد كبير من الجماعات

стр. 5882

الصغيرة تتحدث بلغات مختلفة تنتسب إلى عشر مجموعات لغوية متميزة. (٦) قبائل دار فنج بين المجارى العليا للنيل الأزرق والنيل الأبيض، وتنقسم إلى خمس مجموعات لغوية أو ست. ويتصل الشمال بالجنوب اتصالا وثيقا بفعل الإدارة المشتركة والتجارة، ومع ذلك فإن الإسلام لم يتسم بأية سمة تجنح إلى الانتشار فى المناطق الوثنية. صحيح أن كثيرًا من أفراد القبائل المتفككة الذين من أصل زنجى قد أسلموا، إلا أن الوثنية لم تهاجم هجومًا خطيرًا فى عقر دارها حتى ولا على أطراف المنطقة حيث يقوم الإسلام والوثنية جنبًا إلى جنب، ولم يحدث أن أوغل أحدهما فى الآخر إلا قليلا. وتتألف الجماعات الإسلامية من موظفى الحكومة والتجار وقدامى المحاربين وغيرهم، وهم يقيمون فى المراكز الإدارية والتجارية بالجنوب، ولكنهم لم يقوموا فيما يظهر بأية دعوة قوية للتأثير فى هذه القبائل الوثنية. وفى الشمال قدر كبير من التجانس على خلاف ما نجده من اضطراب سلالى وثقافى فى الجنوب، والفضل فى هذا التجانس راجع إلى الإسلام وغلبة اللغة والثقافة العربية. ويتحدث جميع مسلمى السودان مع استثناء عدد قليل من الأقوام (النوبيون والبجة وبعض القبائل التى من أصل زنجى فى دارفور) اللغة العربية، كما يعتقدون أنهم من أصل عربى على تفاوت حجة كل منهم فى ذلك. وأدت هجرة العرب إلى السودان الشرقى إلى امتزاج المهاجرين بالسكان الأصليين امتزاجا نشأت منه القبائل السودانية الموجودة فى الوقت الحاضر. ويتفاوت نقاء الدم العربى الذى يجرى فى عروقها باختلاف الجماعات، ولا يمكن تقديره بمقياس اللغة وحدها، ومن ثم فإن المصطلح "عرب السودان" ليس له مدلول سلالى واضح، ولكنه يستخدم للدلالة على القبائل التى تتحدث باللغة العربية تمييزًا لها من النوبيين والبجة، ومع ذلك فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا فى هذا الصدد أن

стр. 5883

النوبيين والبجة لم يندمجوا فى القبائل العربية فحسب بل لقد حدث عكس ذلك أيضًا فى بعض الحالات. وقد قسم ماك مايكل Mac Micheal عرب السودان إلى قسمين رئيسيين هما: جماعة الجَعْلييين الدناقلة التى تضم معظم القبائل النهرية كما تضم كثيرًا من أهل كردفان المقيمين. وجماعة الجهنييين الذين يرجعون نسبهم إلى شخص يدعى عبد اللَّه الجهنى، وهم يضمون البقارة وكثيرًا من رعاة الجمال الرحل. وكما أنه يصعب علينا أن نفرق بين العناصر العربية والعناصر الوطنية الإفريقية الأصل من حيث السلالة والنسب كذلك يصعب علينا هذا التفريق من حيث الثقافة والعادات، ذلك أن بعض العادات الواسعة الانتشار الخاصة بالمرأة، وتجنب الاتصال على أية صورة بقريبات الزوجة، واستخدام المقطع (الحامى؟ ) (١) الأخير "أب" لتكوين اسم للأسر والقبائل ينسب إلى الجد الأعلى (رباطاب، علياب. . إلخ) يمكن أن يقال فيها إنها ليست من أصل عربى. على أن البقارة الذين لا يستخدمون المقطع الأخير "أب" قد اكتسبوا بعض السمات الزنجية سواء فى المظهر أو فى المزاج بالنظر إلى صلتهم الوثيقة بقبائل الجنوب السوداء البشرة. ونحن إذا تسامحنا وأدخلنا فى اعتبارنا كل عامل من هذه العوامل فإننا لا نزال نجد ما يبرر القول بأن أهل هذه القبائل عرب لا من الناحية اللغوية فحسب بل لأن المظاهر البارزة لثقافتهم ووعيهم السلالى وتقاليدهم التاريخية، ترجع كلها إلى أصل عربى. وفى نطاق هذه الوحدة اللغوية والدينية تفاوت واسع فى البيئة وأسلوب الحياة. وقد أمكننا أن نميز بينهم الأقسام التالية: (أ) رعاة الإبل الرحل (الأبَّالة) وهم يقطنون السهوب الجافة بين خطى عرض ١٣ ْ ١٨ ْ وتشبه ظروف الحياة فيها الظروف السائدة فى شمالى بلاد العرب تمام الشبه، ومن ثم فإن أسلوب

стр. 5884

حياة هؤلاء الناس وعاداتهم تنبئ عن صلة وثيقة بما جاء وصفه فى الشعر العربى القديم وفى كتب الرحلات الخاصة ببلاد العرب. أما أوجه الخلاف التى لا يمكن مع ذلك إغفالها فيرجع بعضها إلى اختلاط هؤلاء العناصر النوبية والبجَويّة بهؤلاء الأقوام، كما يرجع بعضها الآخر إلى تكيفهم بالبيئة الجديدة. وأبرز هذه القبائل هى قبائل شمالى كردفان (الكبابيش، ودار حامد، وحَمَر)، وقبائل اللحويين وهى ممثلة فى كردفان وكسلا، وقبائل بُطانَة (شُكْريَّة، وبَطاحين) وقبائل مديرية كسلا التى تتحدث بلغة السبجَة، وقبائل بنى عامر على حدود إريترَية، وتتحدث بالتكرى. (ب) رعاة الماشية الرحل (البقّارة). وهم وإن كانوا يردون نسبهم إلى الأصول نفسها التى انحدر منها رعاة الإبل، فإنهم يختلفون عنهم لا فى طريقة الحياة فحسب بل فى مظهرهم الطبيعى ولهجتهم. وهم موزعون فى منطقة واسعة إلى الجنوب من خط عرض ١٣، إذ ينتشرون من النيل الأبيض عبر جنوبى كردفان ودارفور ويتجاوزون حدود السودان المصرى الإنجليزى (١) حتى واداى وبُرنو. وهم يتصلون اتصالا وثيقًا فى مناطق رعيهم الجنوبية بالقبائل الزنجية فى النيل الأعلى وبحر الغزال ويظهر أن دماءهم قد اختلطت بدماء السود اختلاطًا أكثر من غيرهم من عرب السودان. "ورجالهم فى العادة غلاظ الشفاه، فطس الأنوف. . . أما لون البشرة السائد فى كل مكان فهو إلى الدكنة أكثر منه إلى الخفة" (G.D.Lampen) على أنهم قد أفلحوا، على ما يذكر هذا الكاتب نفسه، فى الاحتفاظ باعتزازهم بنسبهم، "والفرد منهم على الرغم من وجود بعض السمات والخصائص الملحوظة يدرك دائمًا ذلك الشبه القوى بين فروع الجنس العربى الكبير إدراكًا يصح معه أن نعد كتاب دوتى (Arabia Deserta: Dought) بمثابة مقدمة عظيمة القيمة تصلح لتناول حالة البقارة". واهتمامهم الرئيسى موجه إلى

стр. 5885

تربية الماشية، وهى تحتل بينهم المكانة البارزة التى للجمل فى حياة عرب الشمال. وهم يربون أيضًا الخيول, كما اشتهروا بأنهم صيادو زراف وفيلة لا يهابون، وقد وجدت نزعتهم الحربية فى الأيام الغابرة متنفسًا لها فى الحملات التى كانوا يشنونها لاقتناص العبيد كما أنهم زودوا الحركة المهدية بكثير من أمراء الجيوش الدراويش. وأهم قبائل البقارة فى السودان المصرى الإنجليزى (من الغرب إلى الشرق) هى أولاد حُمَيْد، والحوازمة، والمسيرية، والحَمَر، والرِزَيْقات والتعايشة. (جـ) سكان القرى المقيمون: لا يمكن التفرقة فى حالات كثيرة بين الرحل وسكان القرى إلا من أسلوبهما فى الحياة، ذلك أن الأصول السلالية والقبلية متماثلة فى كلتا الحالتين، والقبائل التى تعيش بالقرب من النهر شمالى الخرطوم هى الدناقلة الذين يتحدثون بالنوبية، ثم تليها الشائقية والرباطاب والجعليين الذين يتفرع منهم عدد من العشائر. وتقتصر الزراعة على ضفاف النهر، وتتم بوساطة الساقية والشادوف، أو على الشاطئ الأوسط بعد أن ينحسر فيضان النيل، وتزرع المحصولات أيضًا فى السهوب البعيدة عن النهر فى السنوات التى يكثر فيها سقوط المطر، وهو يزود سكان القرى بمناطق رعى موسمية. وتتألف القرى من مساكن قائمة الزوايا مشيدة بالطوب اللبن وليس فيها أية حلية. وقد بعث الدناقلة والجعليين بمستوطنين من الزراع إلى كردفان والنيل الأبيض، وهم بوصفهم من التجار يوجدون فى كل مكان بالسودان. والشائقية لهم ميل للخدمة العسكرية، ومنهم أفراد كثيرون فى فرقة الدفاع السودانية وفى الشرطة. وأهل وسط السودان المقيمون أقل من أهل الشمال تجانسًا. ولا يختلف سكان قرى الجزيرة من الناحية المادية عن أبناء جنسهم الذين يعيشون على ضفاف النهر. ولعل أهل كردفان قد نشأوا من اختلاط مهاجرى الدناقلة بالسكان الوطنيين. والأرومة العربية أقوى فى الشمال، ثم تضعف بالتدريج
следующие страницы →