امتدادًا كبيرًا إلى ما وراء حدودها الأصلية، ونشأ منها شارع طويل يعج بالتجارة يخترق المدينة بأسرها محاذيًا نهر دجلة، وتكون كلمة سوق بذلك قد مرت بكل أطوار معانيها تقريبًا مبتدئة بمعنى "السوق السنوى". وقد وصف المقريزى بعد ذلك بمائة سنة أو نحوها أسواق القاهرة وسويقاتها وصفا مستفيضًا فى كتابه الخطط (بولاق، سنة ١٢٧٠ هـ، جـ ٢، ص ٩٤ - ١٠٧) كما تحدث أيضًا عن تاريخ هذه الأسواق.
وروايات الرحالة المتقدمين والمحدثين عن الأسواق فى المشرق كثيرة جدًا. وكلمة سوق تستعمل للدلالة على جميع أنواع الأسواق، ولذلك فإننا لا نزال نجد فى الوقت الحاضر جميع هذه الأنواع من السقائف الخشبية البدائية إلى الأسواق الفاخرة التى تملأ نفس المشاهد بالإعجاب (مثال ذلك وصف ابن جبير فى كتاب الرحلات Travels، ص ٢٥٢ لحلب) ولا يزال فى مقدورنا أن نكوّن فكرة عما كانت عليه أسواق بلاد العرب السنوية عندما نشاهد ألوان الحياة فى سهل عرفة وقت الحج. غير أن سوق عكاظ كان فريدًا فى أهميته العامة باعتباره مركز الحياة الاقتصادية والعقلية فى العالم العربى.
المصادر:
لا يسعنا فى هذا المقام إلا الاقتصار على المصادر التى تتصل عن كثب بالإشارات المنوه عنها فى هذه المادة لكثرة المصادر العامة:
(١) شروح الآية ١٩٨ من سورة البقرة.
(٢) Handbook of Early Mohammadan Tradition: Wensinck مادة سوق, وخاصة شروح البخارى، كتاب الحج، باب ١٥٠.
(٣) المعاجم، مادة سوق عكاظ.
(٤) معجم البكري، ص ٦٦٠ وما بعدها.
(٥) معجم البلدان لياقوت، مادتى عكاظ ومربد.
(٦) Die Poat-und Reiserouten des Orients: A. Sprenger، ليبسك سنة ١٨٦٤, ص ١٢٧ وما بعدها.
(٧) المؤلف نفسه: Die alte Geographic Arabiens برن سنة ١٨٧٥ ص ٢٣٣ وما بعدها.
стр. 5917
(٨) المؤلف نفسه: Das Leben und die Lehre des Mohammad برلين سنة ١٨٦٥, جـ ١، ص ٥٤، ١٠٢ - ١٠٧، ١٦٤ وما بعدها، ١٧٨, ٤٠١ وما بعدها.
(٩) Das Leben Muhammeds: Fr.Buhl الترجمة الألمانية بقلم H.HSchaeder ليبسك سنة ١٩٣٠, ص ٤٩ وما بعدها، ١٠٠.
(١٠) Reste arabischen Heidentums: J.Wellhausen برلين سنة ١٩٨٧, ص ٨٨, ٩٢ وما بعدها، ٢١٦, ٢٤٦.
(١١) La cite arabe de Taif a'la veille de l'Hegire: H.Lammens فى M.F.O.B, جـ ٨ سنة ١٩٢٢ , ص ١٩٨, ٢٠٦ وما بعدها, ٢٢٨.
(١٢) المؤلف نفسه La mecque a la veille de l'Hegire، جـ ٩، سنة ١٩٢٤، ص ١٥٣ وما بعدها.
(١٣) المؤلف نفسه: Les Sanctuaires Preislamites dans l'Arabie Occidentale,، جـ ١١، سنة ١٩٢٦, ص ١٢٨؛ ١٤٨, ١٥٠.
(١٤) المؤلف نفسه: L'Arabie Occidentale avant l'Hegire بيروت سنة ١٩٢٨، ص ١٧, ٢٠٠ وما بعدها، ٤٠ وما بعدها.
(١٥) المرزوقى: الأزمنة والأمكنة؛ حيدرآباد، سنة ١٣٣٢, جـ ٢، ص ١٦١ وما بعدها.
(١٦) الألوسى فى مجلة المشرق، جـ ١، سنة ١٨٩٨، ص ٨٦٥ وما بعدها.
(١٧) أحمد أمين: مجلة كلية الآداب بالجامعة المصرية، جـ ١، سنة ١٩٣٣, ص ٤٦ - ٦٧.
(١٨) A.V.Kremer: Culturgeschichte des Orients، فينا ١٨٧٥ - ١٨٧٧، جـ ٢، ص ٥٠ وما بعدها.
(١٩) Baghdad during the Abbasid Caliphate: G.Le Strange أكسفورد، الفهرس مادة سوق.
(٢٠) Die Stadtegrundungen der Araber im Islam: E.Reitemeyer، هيدلبرغ سنة ١٩١٢, ص ٧، ٢٥، ٣٥، ٥٣، ٥٩، ٦٥.
(٢١) Mez A.: Renaissance des Islams هيدلبرغ سنة ١٩٢٢، ص ١٢، ١٣١, ١٥٦, ٣٩٠, ٤٥١ وما بعدها.
الشنتناوى [كندرمان H.Kindermann]
стр. 5918
سوكوتو
أو ساكاتو، اسم بلدة فى الجزء الغربى من بلاد الحوصة على رافد من روافد نهر النيجر يصب فى ضفته اليسرى ويسمى كولبى - ن - سوكوتو، ومعنى هذا الاسم فى لغة الحوصة "نهر سوكوتو"؛ والظاهر أن البلدة لم يكن لها شأن يذكر قبل القرن التاسع عشر. ومهما يكن من شئ فقد كانت أقل شهرة بكثير من مدن الحوصة الأخرى مثل زَنْفَرَة وكوبَر أو تسّاوة، وكاتسينا وزندر وكانو وزكزكَ أوزاريا. وكانت سوكوتو جزءًا من مملكة كوبر التى كانت فى تلك الأيام مثل دول الحوصة الأخرى لا تضم من المسلمين إلا عددًا قليلا جدًا، وجل سكانها من الغرباء. وكان يعيش بين أهل البلاد الوطنيين عدد قليل من جاليات الفلبة يعتمدون فى معاشهم على الزراعة والتجارة كما هو شأنهم اليوم. وأصبحت سوكوتو سنة ١٨٠١ أو سنة ١٨٠٢ قصبة دولة أسسها شيخ تكرورى من فوتاتورو (فى السنغال) ينتمى إلى طائفة التوردبه (ومفرد توردبه توردو)، ويدعى هذا الفاتح عسمانو (عثمان) وكان ابن رجل يقال له محمد فوجو، أى الحكيم أو الفقيه. وكان الشيخ عسمانو قد غادر مسقط رأسه فى طريقه إلى حجِ بيت اللَّه فبلغ كوبر حيث أخذ يبشر بالإسلام سنة ١٨٠١، واستقبل آنئذ وفدًا من الفلبة جاءوا يحتمون به من ملك تساوة الذى كان لبعض الرعاة شكاة منه وكان عسمانو يتلمس ذريعة لإعلان الجهاد، فتولى قضية هؤلاء الناس لأنه كان يعدهم من مواطنيه ذلك أن الفلبة والتكارنة كانوا يتكلمون لغة واحدة وإن كانوا من سلالتين تختلف كل منهما عن الأخرى تمام الاختلاف. وجمع عثمان جيشًا من الأتباع وأشهر الحرب على يونفا ملك تساوة وأوقع به الهزيمة، وواصل عسمانو فتوحاته، ولم يلبث أن أصبح صاحب السلطان على بعض ولايات الحوصة الأخرى (لبتاكو، وكبّى، وياورى, ونوبة، وكورورفْه، وباوتشى، وأدماوة) مكرهًا أهل البلاد على الدخول فى الإسلام، ووضع على رأس كل مملكة أو ولاية حاكما يلقب بلقب "أميرو" وينتخب من بين أفراد
стр. 5919
أسرته أو أبناء طائفته، ومن ثمّ أقيمت لصالح فئة قليلة من أشراف التكارنة من طائفة التوردو، دولة عسكرية الصبغة تكاد تضم جميع الأراضى التى إلى جنوب الصحراء بين مجرى نهر النيجر الشرقى (وقد بلغت فى الغرب أيضًا ليبتاكو) وبينو ولوكونه وتشاد، فيما عدا برنو، ذلك أن عصابات عسمانو كانت قد غزتها هى الأخرى، إلا انها أفلحت فى استرداد استقلالها سنة ١٨١٠. وقد أطلق الاسم العام لدولة سوكوتو على هذه الفتوحات، ذلك أن الشيخ عسمانو كان قد مكّن لنفسه تمكينا فى ورنو، أى فى الجزء الشرقى من سوكوتو، حيث كان يقيم خلفاؤه أيضًا.
وتوفى عسمانو (١٨١٦ أو ١٨١٨) فانقسمت الدولة إلى ثلاث دول متحالفة، دولة كاندو فى الغرب، وتشمل كبّى وياورى ونوبه ولبتاكو؛ ودولة يولا فى الشرق، وتشمل كرورفه وأدماوة؛ ودولة سوكوتو فى الوسط، وتشمل بلاد الحوصة كلها هى وباوتشى، وأصبح عبد اللَّه أخو عسمانو، ملك كاندو، ومودبَّه أداما ملك يولا، وقد نسبت إليه فقَيل أدماوة. وخلف محمد بلّو بن عسمانو أباه على عرش سوكوتو وحكمها من سنة ١٨١٦ أو ١٨١٨ حتى سنة ١٨٣٧.
وشق على محمد بلّو الاحتفاظ بسلطانه، فقد كان أهل البلاد يرتدون عن الإسلام فى كل مكان ويتمردون عليه يؤازرهم الطوارق وسلطان برنو، ومنيت جيوش محمد بلّو بالهزيمة فى عدة مواقع، ثم أفلحت أخيرًا فى تثبيت سلطانه. وكان هذا الأمير جنديًا ضعيفًا، عزوفًا عن الاشتراك بنفسه فى المعارك، على أنه كان كاتبا ممتازا، فقد ألفّ عددًا كبير، من المصنفات بالعربية، شعر، ونثرًا, أحدها مصنف فى تاريخ السودان لا يخلو من قيمة. وكان نصيرًا لرجال الأدب، وقد استقبل المستكشف كلابرتون Clapperton (سنة ١٨٢٨) استقبالا حسنًا، وكان يرقب أعمال قضاته مراقبة دقيقة، حتى أنهم كانوا يخشون تحريه لأموالهم ويخافون لومه وتعنيفه.
وزعم أخو محمد وخليفته أتيكو (١٨٣٧ - ١٨٤٧) أنه مصلح ينادى باتباع الخلق القويم والسنن الحميدة،
стр. 5920
وجلب على نفسه سخط الناس بتحريمه الموسيقى والرقص، على أن تشدده هذا لم يمنع ولاته من ركوب مركب الشطط فى كل شئ والإقدام على السلب والنهب فانتهى ذلك بانتقاض ولايتى كوبر وكاتسينا.
أما فى عهد عليو بن محمد بلوّ (١٨٤٣ - ١٨٦٠) الذى استقبل المستكشفين أوفروك Overweg (١٨٥١) وبارت Barth (١٨٥٢ و ١٨٥٤) فى سوكوتو، فقد اتسع نطاق الاضطرابات والفق، وفقد الملك سلطانه شيئًا فشيئا واغتصبه نفر من أمراء الولايات؛ أما خمسة الملوك الأخيرون من أسرة توردو، وهم أحمدو بن أتيكو (١٨٦٠ - ١٨٦٦)، وعليون -كرامى بن بلوّ (١٨٦٦ - ١٨٨٦٧)، وأحمدو رفايه (١٨٦٧ - ١٨٧٢)، وأبو بكرى (١٨٧٢ - ١٨٧٧)، وموياسو (١٨٧٧ - ١٩٠٤) فقد أثبتوا أنهم أعجز من أن يديروا إدارة حازمة دفة دولة مترامية الأطراف دب فيها سوس الفساد، فلم تلبث أن انهارت سنة ١٩٠٤ بمجرد دخول جيش السير فريدريك لوكار Sir frederick Lugard فى سوكوتو.
ومدينة سوكوتو اليوم جزء من مستعمرة نيجريا البريطانية، على حين أن بقية كوبر وقصبتها تساوة تدخلان فى مستعمرة النيجر الفرنسية.
[ديلافوس Maurice Delafosse]
سومطرة
مساحة سومطرة ٤٤٠ ألف كيلو متر مربع وهى خامس الجزائر الكبرى فى العالم. وتبلغ المسافة بين حديها الشمالى والجنوبى نحو ١٧٥٠ كيلو مترا، وأكبر اتساع لها ٤٠٠ كيلو متر تقريبًا. ويمر خط الاستواء بمنتصف هذه الجزيرة التى تقع بين خطى عرض ٥ ْ ٣٩ َ شمالا و ٥ ْ ٥٧ َ جنوبا. ويمكن الرجوع فيما يختص بتكوين أرضها وتوزيع مياهها وتكوين جبالها وتوزيعها وجغرافيتها وأجناسها البشرية وأحوالها السياسية وإحصائياتها ونظامها الإدارى. . إلخ إلى دوائر المعارف الكبرى وإلى المؤلفات الخاصة، وقد أوردت دائرة المعارف الهولندية ملخصا لها (Dutch Encyclopaedia van Nederlandsch Indie)
стр. 5921
ولذلك فإننا سنقصر هذه المادة على الكلام عن الإسلام فى سومطرة وعن تاريخ دخوله فى هذه الجزيرة واعتناق أهلها الوثنيين له ومميزاتهم الدينية الخاصة. . إلخ.
ويظهر أن الاسم سومطرة كان فى الأصل علمًا على موضع صغير، ثم أصبح يدل فيما بعد على الجزيرة كلها. وسنذكر فى اللمحة التاريخية القصيرة التالية الأسماء المتأخرة. وقد ذكر الإسلام لأول مرة فى سومطرة عام ١٢٩٢ على لسان الرحالة البندقى ماركو بولو Marco Polo الذى يتحدث عن انتشاره فى فرلاق Ferlac (أى برلاق، وفى الآجية بوريولا) وهو اسم معروف حق المعرفة من الحوليات الملاوية. وقد تحقق لنا منذ أن حلت رموز الكتابات التى على شواهد القبور الإسلامية القديمة فى آجية (آجى) Acheh أن مؤسس المملكة الإسلامية. فى سمودره باساى Samudra-Pasai على الشاطئ الشمالى الغربى لآجية قد توفى عام ١٢٩٧. ومن ثم يستبعد أن يكون دخول هذه البلاد فى الإسلام قد حدث فيما بين عامى ١٢٧٠ و ١٢٧٥ م كما نظن. وقد أطلق كتاب العرب فى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين على شمال سومطرة اسم: رمى، والرمنى والرمى، ولمرى؛ ويسميه الإدريسى الرمى (القرن الثانى عشر) والقزوينى: رمنى (القرن الثالث عشر). ويذكر علاوة على ماركوبولو فرلاق Ferlac بلاد بوسمه Bosma وسومره Somara ولمبرى Lambri وفنسور Fansur . . إلخ وذكرت بلاد "سوملتره" Sumoltra فى القرن الرابع عشر فقيل إنها دولة تشتبك فى حرب مع لَمُرى Lamori.
وكان ابن سلطان محمد صاحب سمودره (توفى عام ١٣٢٦) هو سلطان أحمد، ولعله كان لا يزال متربعا على العرش عندما وصل ابن بطوطة عام ١٣٤٥ م إلى تلك البلاد. وفى سنة ١٣٦٥ ذكر التاريخ الإخبارى الجاوى المنظوم نكاركرتا كما Nagarakertgama بلاد إرو Aru وتميانغ Tamiang وبرلاق Perlak، وسمودره Samudra, ولمبرى Lambri، وبارات Barat, وباروس, Barus باعتبارها جميعًا دولا خاضعة
стр. 5922
لإمبراطورية مجابهيت. وفى سنتى ١٤١٦ و ١٤٣٦ وصف كتّاب سر السفير الصينى شنغ هو Cheng Ho بلاد أرو وسمودره ولمبولى. . إلخ. على أنها دول اسلامية. ولا شك أنه كان فى بلاد أرو بحسب سجلات هؤلاء الكتاب حاكم يدعى "سلطان حسين" ولعلنا نستطيع أن نذهب إلى أن الاسم سمودره قد استعمل على وجه التعميم فأصبح يطلق على الجزيرة كلها. وقد سماها نيقولوده كونتى Nicolo de Taprobane Conti أو "جاموتره Sjamutera فى لغة أهل البلاد". وكانت التسمية العربية لكل من جاوة وسومطرة فى العهود المتأخرة هى ياوه، ومن ثم جاء اللفظ جاوة الكبرى وجاوة الصغرى فى المصادر الأوروبية. والأسماء الوطنية الأحدث عهدًا من ذلك هى بولو برشا pulo percha (= مركا Merca من السنسكريتية مارتيا Martya، أى أهل الفناء أو البشر) أو بولو أندلَس Pulo andalas (وهى شجرة معروفة جيدًا). وكان هذا الاسم هو الاسم العربى أندلس ويستعمل كل منهما بدلا من الآخر فى بعض الأحيان. وفقدت سمودرة أهميتها التجارية بعد استيلاء البرتغال على ملقا سنة ١٥١١ وحلت محلها آجيه، وسرعان ما غزت هذه الدولة أهم البلاد فى شمالى سومطرة. وحسبنا أن نسوق الإشارات القصيرة التالية عن دخول آجيه فى الدين الإسلامى ويمكن أن نعد الأخبار الملاوية بوجه عام حجة من الناحية التاريخية. وتذكر أكثر هذه الأخبار جدارة بالتصديق أن أول ملك أسلم هو على مغايت شاه (٩١٣ - ٩٢٨ هـ) فاتح بدر Pedir، وسمودره وغيرهما من البلاد. وفى عهد سلطان على رعايت شاه وفد على آجيه من مكة فقيه أخذ يلقن الناس علم الإلهيات. ومن الثابت أن دخول الإسلام فى آجيه لم يتم على يد مبشرين من العرب. والأرجح أن تجار العرب قد حملوا معهم الإسلام إلى سومطرة فى القرون الأولى للهجرة. والظاهر أن التجارة مع سيلان فى القرن الثانى كانت كلها فى أيديهم، وكان منهم عدد كبير فى بلاد الصين فى القرن الثامن، ومن ثم لا يستبعد أن يكونوا قد أسسوا محلات تجارية فى بعض الجزائر على الشاطئ الغربى
стр. 5923
لسومطرة. على أنه لا يساورنا شك فى أن بعض الفقهاء قد وفدوا على الأرخبيل من جنوبى الهند كما يستدل من بعض خصائص العقيدة والتصوف السائدين الآن فى النواحى الإسلامية لسومطرة. ويكشف الأصل الهندى الجنوبى للصورة التى اتخذها الإسلام فى أندونيسيا عن نفسه بطرق شتى، والشواهد الدينية والأدبية واللغوية على ذلك كثيرة وافرة. ونذكر من الشواهد اللغوية الاسم لباى Labai أى الفقيه وهو اللفظ الهندى الجنوبى لبايكم Labaigem بمعنى التاجر؛ والاسم بيوبارى Biyopari ويرادفه بالسنسكريتيه فيابارى Vyapari ومعناه التاجر. وليس من المحتمل أن يكون الإسلام قد دخل فى أى وقت هذه البلاد عنوة، وما من شك فى أن انتشاره التدريجى فى الجزائر الشرقية كان نتيجة استيطان التجار المسلمين وخاصة الكجراتيين وتزوجهم من نساء الملايو وتحسن حال الوطنيين باعتناقهم دين ذوى النفوذ أو قل إن هذا كله كان على الجملة تغلغلا سلميا. إن الكلمات الدالة على الدين (أكاما Agama) والصوم عند المسلمين (بواسا = أو بافاسا puwasa = upavasa) والمعلم (كورو Quru) والطالب (ساسيان = سسيا sasiyan = cisya) لا تزال مستعملة حتى اليوم. وكانت آجيه فى أوج ازدهارها (القرنين السادس عشر والسابع عشر) أهم دولة إسلامية فى سومطرة، وقد شعر بنفوذها الوثنيون من أهل الجنوب، ولذلك فإن من الراجح أن تكون هداية الوثنيين إلى الإسلام عن طريق الحرب كانت تحدث أحيانًا بين الباتق وغيرهم من الشعوب الوثنية. ومن الحقائق العجيبة أن الباتق Batak الذين ظلوا قرونا يقاومون بعناد دخول الإسلام بين ظهرانيهم قد استجابوا بحماسة فى القرنين التاسع عشر والعشرين للجهود التى بذلت لإدخالهم فى الإسلام، ولذلك نجد الكارو Karo خاصة بل الماندلنغ الباتق Mandeling-Bataks من المسلمين الغيورين.
وقد مهد السبيل للإسلام الموظفون الملاويون الصغار فى الحكومة الهولندية ورغبتهم فى بلوغ المستوى
стр. 5924
الاجتماعى الذى بلغه الكتبة المتعلمون وجامعو الضرائب ثم الحافز الذى أتاحه للدعوة الإسلامية قيام بعثات التبشير المسيحية بين الباتق. ونلاحظ هذا التدرج نفسه على انتشار الإسلام فى جزيرة نياس Nias فنجد أن الوثنية فيها تتهاوى أمام الدينين الساميين الإسلام والمسيحية كما هى الحال بين الباتق. وليس لدينا آية وثائق تاريخية عن دخول الإسلام إلى بلاد مننغكاباو Minangkabau (غربى سومطرة) التى كانت فى الأزمنة المتقدمة مملكة هندوسية. ويمكن أن نفترض أن الدين الجديد قد شق سبيله على طول الطرق التجارية من بدر Padir (بيدى Pidie) إلى بريامن Periaman وغيره من الثغور، ثم صعد من الشاطئ إلى المرتفعات التى فى داخل البلاد. وثمة معلومات قليلة تجعلنا نرجح أن الإسلام لم يدخل بلاد مننغكاباو قبل منتصف القرن السادس عشر. ولا يمكن الاعتماد على الرواية المتواترة التى تقول إن الشيخ إبراهيم، وهو رجل من أهل مننغكاباو درس العقائد الإسلامية فى جاوة قد أدخل فى بلاده عند عودته عن طريق بريامن وتكو Tiku . ومع ذلك فإن فى مقدورنا أن نعد ذلك دليلا على الطريق الذى اتخذه الإسلام فى دخوله إلى هذا القسم من الجزيرة. وظل نجاح الإسلام معلقًا فى الميزان مدة طويلة فى بلاد مننغكاباو التى كانت تستمسك بالنظام الاجتماعى القائم على سلطان الأم وتأخذ بالقوانين الملاوية البدائية فى الوراثة، ولم يكن مفر من قيام منازعات سافرة فى سبيل مقاومة هذه المأثورات المعوجة، وكان أخطر هذه المنازعات حرب بادرى Padri الطويلة الدامية، وقد سميت باسم بادرى Padari أو بدرى Pidari , نسبة إلى رجال من بدر Pedir فى آجيه وليس نسبة إلى ثغر بدره Pedre كما كان يظن من قبل) حاولوا فى منتصف القرن العشرين أن يدخلوا بالقوة الإسلام القويم فى بلادهم وصادفوا مقاومة من غالبية أهل البلاد، زد على ذلك أن فرقة البدرى Padri قد ورطوا الحكومة الهولندية فى حرب دموية طويلة انتهت بهزيمتهم بعد سقوط بنجل Bondjol آخر معاقلهم فى عام ١٨٣٩. وفر عدد كبير من رجال
стр. 5925
مننغكا باو إلى المستعمرات فى المضايق وهى الأماكن القديمة التى كانوا يحتمون بها. ويعد أهل آجيه وأهل مننغكا باو اليوم هم أشد أتباع النبى [ ﷺ ] غيرة وحماسة. والأولون من غلاة أهل السنة، أما الآخرون فيستمسكون بقوانينهم الاجتماعية الوطنية القديمة ويتقبلون شيئًا فشيئا العقائد السنية. وقد انتشر الإسلام فى عهد متأخر بعض التأخر فى بلمبانغ Palembang التى كانت فى وقت من الأوقات البلاد الملاوية المثلى فى ظل الحكم الهندوسى، ولكن أهلها أسلموا جميعًا اليوم شأن غيرهم من سكان البلاد المجاورة وسكان سلطنة سياك Siak على الشاطئ الشرقى. والظاهر أن القسم الجنوبى من سومطرة. ونعنى به نواحى لامبونغ Lampong, قد دخل فى الإسلام على أيدى وعاظ وبعض ذوى النفوذ من أهل بانتن Banten (غربى جاوة) التى تعد الآن من أشد الأقاليم غيرة على هذا الدين فى جزيرة جاوة، وقد دانت هذه الجزيرة كلها تقريبًا للإسلام. ودخول القبائل التى يقل حظها من التمدن عن ذلك فى الدين الإسلامى مثل لوبو Lubu وكوبو Kubu ليس إلا مسألة زمن وحسب فقد بدأ التوغل السلمي لهذا توغطلا بطيئا ولكنه يسير قدمًا سيرًا محتومًا لا مفر منه.
المصادر:
(١) The Achehnese: Suouck Hurgronje (ترجمة كتاب De Atjehers).
(٢) المؤلف نفسه: Mekka .
(٣) The Preaching of Islam: T.W.Arnold
(٤) مادة سومطرة فى Encyclopaedia van Ned. Indie الطبعة الثانية.
(٥) Lan-den yolk van Sumatra: C.Lekkerker Ker، نشرات فى الدوريات الشرقية مثل De Indische Gids,Bijdragen tot de Taal., Land-en Volkenkunde van Ned. Indie, Tijdschrift voor de Taal., Land-en Volkenkude van Ned. lndie, بأقلام Ch.S. van. Ronkel J.P Juynball, Snouck Moquette, Th W.Hurgronje وغيرهم.
[رونكل Ph.S van Ronkel]
стр. 5926
السويس
ميناء فى أطراف مصر على رأس خليج السويس، ويقوم فى سهل رملى مجدب تنهض إلى الغرب منه جبال عتاقة الدكناء. وقد اشتهرت هذه المدينة بحكم ما يكتنفها من ظروف طبيعية باسم "الحجر" والسويس على مسافة ثمانين ميلا إلى الجنوب الشرقى من القاهرة وعلى بعد ميلين إلى الشمال من ميناء إبراهيم، وهو ميناء فى المدخل الجنوبى لقناة السويس على خط عرض ٢٩ ْ ٥٨ َ ٥٩ َ شمالًا، وخط طول ٣٢ َ ٣٥ َ شرقًا، وقد أفادت السويس من وقوعها على القناة (افتتحت القناة سنة ١٨٦٩) فتحولت من قرية إلى مدينة كبيرة، وهى اليوم محافظة من محافظات مصر. وقد شيد القسم الأكبر من المدينة بالطوب اللبن المجفف فى الشمس، وفيها عدد كبير من المساجد. وشيد فى الحى الأوربى مكاتب ومستودعات للبضائع كبيرة. ومدينة السويس محجر صحى للحجاج فى طريقهم إلى مكة.
وتقوم مدينة السويس الحديثة فى موقع عدة مدن قديمة، فقد عثر فيها على آثار مصرية قديمة. وتقوم على ربوة (كوم القلزم) بالقرب من السويس خرائب قلعة Kyvaua التى ترجع إلى عهد البطالمة (Clysma ppraesidium: ويعرفها الجغرافيون العرب باسم القلزم. وقد شيد بطلميوس فيلادلفوس Ptolemy Philadelphus (المتوفى سنة ٢٣٠ قبل الميلاد) قبل ذلك العهد بالقرب من مدينة أرسنوى (Apolvon) Arsinoe التى عرفت فيما بعد باسم كليوباتريس Cleopatris وكانت تقوم هناك فى العهد المسيحى المتقدم محلة يشتغل أهلها من المواطنين بصيد الأسماك وتهريب البضائع خاصة. وازدهرت السويس فى ظل الحكم الإسلامى باستثناء عهد السلاطين المماليك الذى توقفت فيه عن النمو، ثم ازدادت اضمحلالا على أثر كشف طريق رأس الرجاء الصالح. وانتعشت مرة أخرى فى عهد السلطان سليم الأول (١٥١٧ م) بوصفها محطة بحرية، وكانت المياه تجلب إليها فى ذلك العهد من بئر سويس على مسيرة فرسخ وربع على الطريق إلى القاهرة بوساطة قناطر معلقة لا تزال آثارها باقية حتى الآن، على أن المياه كانت كما
стр. 5927
يقول على بك (Travels جـ ٢، ص ٣٠) ضاربة إلى الملوحة، وكانت المياه تحمل إليها أيضًا (حوالى ثمانية أميال) من عيون موسى التى اشتهر أمرها فى القصص (ابن الوردى: Perles des Merveilles فى Notices et Extraits des manuscrits de la Bibliothe que du Roi، جـ ٢، ص ٣١). ويذكر على بك أن ماء هذه العيون يخرج منها كريه الرائحة لا يستساغ مذاقه، على أنه قد حفرت بعد ذلك قناة من المياه العذبة سنة ١٨٦٣ ما بين القاهرة والسويس.
واضمحلت السويس مرة أخرى فى مستهل القرن التاسع عشر (على بك، المصدر السابق، جـ ٢، ص ٢٩). ثم عادت إلى الازدهار عندما اففتح طريق البريد ما بين إنجلترا والهند سنة ١٨٢٧ وازدادت ازدهارًا بعد حفر قناة السويس.
ونجد فى كتاب وصف مصر (Desc de,L'gypte, جـ ١، ص ٨٧) اشتقاقا للاسم سويس. ويذكر ياقوت نقلا عن المهلبى أن حجر المغناطيس يوجد بالقرب من السويس، "وهو حجر يجذب الحديد، وإذا دلك ذلك الحجر بالثوم بطل عمله، فإذا غسل بالخلّ عاد إلى حاله".
وكانت توجد فى وقت من الأوقات قناة قديمة تسمى أمنيس ترايانى Amnis Trajani تربط بين النيل والبحر الأحمر، وهذه القناة أقدم بكثير من العهد الرومانى. وكان طرف من أطرافها ينتهى عند بحر القلزم. وقد أعاد عمرو بن العاص شق هذا الطريق المائى القديم لييسر شحن الحبوب إلى الحرمين مباشرة (The Arab Conquest of Egypt: Butler ص ٣٤٥ وما بعدها). وسرعان ما انسدت هذه القناة مرة أخرى ثم ردت إلى حالها فى عهد المهدى (المتوفى عام ٧٨٠ م). واستولى حسن القرمطى على السويس سنة ٩٧١ هـ. وكانت تجارة جزائر الهند الشرقية تمر بهذه المدينة إبان العصور الوسطى. وتقطع القوافل المسافة بين الفرما (Pelusium) والسويس فى أربعة أيام وبين السويس والقاهرة فى ثلاثة أيام (انظر Edrisii Africa: J. M. Har ص ٤٤٩، ياقوت: المعجم، مادة السويس).
стр. 5928
المصادر:
علاوة على المصادر الواردة فى صلب المادة:
(١) تاريخ الطبرى، طبعة ده غوى، الفهرس.
(٢) المسعودى: مروج الذهب، جـ ١، ص ٢٣٧, ٢٤١؛ جـ ٣، ص ٥٥ وما بعدها؛ جـ ٤ ص ٩٧ وما بعدها.
(٣) عبد اللطيف: Relation de l'Egypt، ص ١٤٢, ١٧٩.
(٤) الهمداني: صفة جزيرة العرب، طبعة موللر Muller, الفهرس.
(٥) ابن إياس: تأريخ مصر، جـ ١، ص ١٥٤, ٢٨٧.
(٦) السيوطى: حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة، جـ ١، ص ٦٨ وما بعدها.
(٧) محمد أمين الخاجى: منجم العمران فى المستدرك على معجم البلدان، القاهرة سنة ١٣٢٥, جـ ٢، ص ٢٥٥ وما بعدها.
(٨) Histoire de l'Egypte de Makrizi: E. Blochet ص ١٥٣ وما بعدها.
(٩) ناصر خسرو: سفرنامه، طبعة Schefer , ص ١٢٢, ١٢٣, ٢٨٥.
(١٠) Memoires Geographiques: Quatremere، ص ١٥١ وما بعدها.
(١١) Geogr. de l'Egypte a l'epoque copte: Amelineau ص ٢٢٧ وما بعدها.
(١٢) Hist. of Egypt: S. Lane-Poole ص ٢٠, ٤١ - ٤٢, ١٠٦, ٣٠٤.
(١٣) Babylon of Egypt: Butler ص ١٢, ٢٤.
(١٤) Description de l'Afrique par Edrisi: Dozy & de Goeje ص ٢٥, ١٦٤.
(١٥) Dict Geogr: Boinet Bey تحت هذه المادة.
(١٦) Itinerarium: Ch.Furer سنة ١٦٢١, ص ٣٤, ٤١.
(١٧) Le port de Suez: G.Joudet سنة ١٩١٩.
(١٨) Egypt: Baedeker.
(١٩) Anciens Canaux . . . de Suez: C.Bourdon سنة ١٩٢٥.
стр. 5929
(٢٠) By Nile and Tigris: Wallis Budge، جـ ١، ص ١٥٢.
(٢١) ابن عبد الحكم: فتوح مصر، طبعة Torrey ص ١٦٤.
(٢٢) المكتبة الجغرافية العربية ص ١٩٦.
الشنتناوى [ووكر J. Walker]
سيبويه
لقب شيخ من أئمة فقهاء النحو على مذهب البصريين، اسمه أبو بشر عمرو ابن عثمان بن قنبر، من موالى قبيلة الحارث بن كعب العربية، ويقول فقهاء اللغة إن سيبويه معناها "رائحة التفاح"، ولكننا لا نستطيع أن نأخذ بهذا التفسير، ذلك أن اللقب سيبويه لم يرد قط أنه ينطق بالباء المضعفة فضلا عن أننا نستطيع بالقياس على كثير من الأسماء الفارسية الأقدم منه عهدًا والتى تتضمن الكاسعة "وى" أن نقرر مع الترجيح الكبير أن هذه الكلمة كانت تنطق "سيبوى" وأنها كانت عبارة تحمل معنى التدليل والإعزاز وتدل على: "التفاحة الصغيرة: Apfelchen"
ويحيط بتاريخ مولد سيبويه وتاريخ وفاته ومكانهما كثير من البلبلة والاضطراب. والظاهر من أوثق الروايات أنه ولد فى البيضاء بناحية شيراز من أعمال فارس، وقدم البصرة فى حداثته، ودرس على شيوخ فقهائها ومن أشهرهم الخليل بن أحمد، وهو رجل لم يقدر الناس أثره فى العلوم العربية حق التقدير إلى اليوم. وتوفى الخليل سنة ١٧٥ هـ (٧٩١ م)، على حين أننا نجد أن أقدم تاريخ ذكر لوفاة سيبويه هو سنة ١٧٧ هـ. ونخلص من هذا إلى القول بجواز أن يكون سيبويه قد حضر على الخليل فى السنوات العشر الأخيرة من حياة الخليل. على أن ابن خلكان وغيره يذكرون جملة تواريخ لوفاة سيبويه. ويجعل ابن قانع وفاته فى تاريخ مبكر يرجع إلى سنة ١٦٦ هـ وهذا مستحيل، ويقول آخرون إنها كانت سنة ١٨٨ أو ١٨٠ هـ، ويزعم ابن الجوزى أنها كانت سنة ١٩٤, ويحدد عمره وقت وفاته بأنه كان ٣٢ عامًا، وهذا التاريخ أيضًا مستحيل إذا قسناه بالتاريخ المعلوم لوفاة الخليل.
стр. 5930
ويحيط بمكان وفاته أيضًا بلبلة واضطراب، على أن خير المصادر تقول إنه توفى بساوة. وذكر الخطيب صاحب تاريخ بغداد عن ابن دريد أن سيبويه مات بشيراز وقبره يقوم فيها. ونحن إذ نعلم أن ابن دريد عاش عدة سنوات فى فارس فضلا عن أنه يعد خير راوية لعلوم البصريين، فإنه يصح لنا أن نذهب دون أن نخشى الزلل إلى أن روايته هى الرواية الصحيحة.
وسيبويه من شيوخ الأئمة فى العلوم العربية، وحسبنا أن كتابه الذى كان ثمرة لقريحة رجل لم يطل به العمر قد لقى مثل هذا الإقبال من الناس عامة، ذلك أن فقهاء العرب قد درجوا دائمًا على التعظيم من شأن الكتب التى ألفها أناس من ذوى السن العالية. وما من ريب فى أن المناظرة التى عقدت بين سيبويه والكسائى فى حضرة الوزير يحيى بن خالد البرمكى المتوفى سنة ١٨٢ هـ عن المسألة الزنبورية قد وقعت بعد وفاة الخليل، وانتصر الكسائى على سيبويه بمراجعة عربى، ولعل الكسائى، عدو سيبويه الذى لا يعرف وازعًا من ضمير، واشترى العربى بالمال، وتلقى سيبويه جائزة سنية من يحيى، ولكنه وجد موجدة عظيمة لما لحقه من هزيمة، وقصد بلده ولم يعد إلى العراق قط، ويقال إنه توفى بها من الغم والكمد.
وقد أودع سيبويه ثمرة دراساته كتابًا كبيرًا فى النحو العربى (قدره أصحاب كتب الطبقات بألف ورقة). ولا يعد هذا الكتاب أكبر مؤلف فى بابه وصل إلينا عن علم البصريين فحسب، بل هو قدأصبح أيضًا، منذ تأليفه، عمدة جميع الدراسات العربية فى النحو، وكان يعرف تشريفًا له بالكتاب وحسب. وقد درس سيبويه كما ذكرنا على الخليل، ولكنه أفاد من دروس يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر، وأبى الخطاب الأخفش. ويقال أيضًا إن الفقيه النحوى أبا زيد الأنصارى قد زعم أنه هو الذى يعنيه سيبويه إذ يقول فى كتابه "حدثنى من نثق به" على أن الرواية المتواترة تقول إن المقصود هو الخليل. ونحن لا يسعنا إلا أن نغلب هذه الرواية على الروايات المفردة التى ساقها كتاب السير بما يخالف ذلك. ومهما يكن من شئ فإن هذه الروايات
стр. 5931
تثبت أن أئمة الفقهاء إنما كانوا حريصين على أن يقترن اسمهم بسيبويه. ثم إنه من الراجح أن سيبويه لم تتح له فرصة تدريس كتابه أو قراءته على تلاميذه، وقد وقعت هذه المهمة على عاتق شيخه الأخفش الذى اضطلع بعد وفاة سيبويه بمراجعة كتابه مراجعة دقيقة. ولم يقتصر الاهتمام بدراسة كتاب سيبويه على البصريين فحسب، بل إننا نعلم أن غير البصريين كانوا يهتمون به كذلك كما تدل حكايته عجيبة رواها الجاحظ: "أهدى الوزير ابن الخياط (١) نسخة من كتاب سيبويه بخط الفرَّاء ومقابلة الكسائى وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ -يعنى نفسه، فقال الوزير هذه أَجل نسخة توجد وأعزها".
وإذا كان سيبويه ينطق العربية بلسان تشوبه عجمة واضحة فإن كتابه كان يعد دائمًا من الكتب العمدة فى العربية الفصيحة. ويتسم أسلوبه شأن المؤلفات العربية الأولى بالإطناب الكثير والحجج المملة المجهدة، على أنه حافل بعدد لا يحصى من الشواهد المستقاة من القرآن، ويشمل نيفا وألف بيت من الشعر القديم، خمسون منها لشعراء مجهولين. وعلى ذلك فإن هذه الأبيات الخمسين يستشهد بها فى كتب النحو التى جاءت بعده اعتمادًا على ما ناله كتاب سيبويه من ثقة عظيمة. وقد وجدت هذه الأبيات شارحا مقتدرًا فى شخص أبى سعيد الحسن السيرافى المتوفى سنة ٣٦٨ هـ وهو الذى تولى على هذا النحو شرح عدد من أشهر آثار مدرسة البصرة. وكثر بعد ذلك عدد الشراح كثرة عظيمة حتى أصبحنا لا نكاد نجد فقيها من الفقهاء من أتباع هذه المدرسة إلا وشرح كتاب سيبويه أو زاد عليه، وحسبنا أن نذكر فى هذا المقام طائفة من أشهر الذين وقفوا جهودهم على شرح هذا الكتاب وتيسيره؛ المبرّد (توفى سنة ٣٨٤ هـ)؛ وعلى بن سليمان الأخفش (توفى سنة ٣١٥ هـ)؛ والرمّانى (توفى سنة ٣٨٤ هـ)؛ وابن السرّاج (توفى سنة ٣١٦ هـ)؛ والزمخشرى (توفى سنة ٥٣٨ م) وابن الحاجب (توفى سنة
стр. 5932
٦٤٦ هـ)، وأبى العلاء المعرى (توفى سنة ٤٤٩) وكثيرين غير هؤلاء؛ وقد بقى أيضًا شرح الأعلم.
وخلف كتاب سيبويه فى المشرق كتب كثيرة فى النحو أوجز منه وأقصر، على حين ظل الكتاب يدرس فى المغرب. ويزعم بعض أصحاب كتب الطبقات أن المكّودى المتوفى سنة ٨٠١ هـ كان آخر من درّسه فى فاس، على أن لدينا من الشواهد المستقاة من النسخ المطبوعة على الحجر ككتب النحو التى ألفها كتاب متأخرون فى فاس، ما يدل على أن كتاب سيبويه كان لا يزال يدرس بشغف فى تاريخ متأخر عن ذلك كثيرًا، وأن نسخًا منه كانت محفوظة فى مكتبات هذه الحاضرة الثقافية للمغرب.
ولدينا من كتاب سيبويه ثلاث نسخ مطبوعة علاوة على قطع منه شرحها علماء أوربيون وترجمة ألمانية. ولعل طبعة القاهرة وعليها شرح السيرافى وشرح الأعلم هى خير هذه الطبعات، ذلك أن طبعة درنبورغ (Le livre de Sibawaihi، باريس ١٨٨٣ وما بعدها)، وطبعة كلكتة سنة ١٨٨٧, والترجمة الألمانية التى قام بها يان (Jahn، برلين ١٨٩٤ م وما بعدها) ليست بريئة من الأخطاء بحال.
المصادر:
(١) الفهرست، ص ٥١.
(٢) ابن خلكان، القاهرة ١٣١٠ هـ جـ ١، ص ٣٨٥.
(٣) الزبيدى: الطبقات.
(٤) الأنبارى: النزهة، ص ٧١ - ٨١.
(٥) السيوطى: بغية الوعاة، القاهرة ٣٢٦ هـ, ص ٣٦٦, وغير ذلك من كتب الطبقات.
(٦) حاجى خليفة: كشف الظنون، الآستانة جـ ٢، ص ٢٨١ - ٢٨٣. وقد أحصى حاجى خليفة كثيرًا من الشروح.
(٧) وكذلك فعل Brockelmann: Gesch. der arab Lit، جـ ١، ص ١٠٠ - ١٠٢.
(٨) Gramm. Schulen: Flugel ص ٤٢ - ٤٥.
خورشيد [كرنكوف F. Krenkov]
стр. 5933
السيد الحميرى
أبو هشام إسماعيل بن محمد بن ربيعة بن مفرِّغ (وفى روايات أخرى ربيعة مفرّغ): شاعر عربى ولد بالبصرة سنة ١٠٥ هـ (٧٢٣ م) من أسرة أباضية ولكنه انضم فى مطلع حياته إلى الشيعة "بفضل اللَّه" على حد قوله مفاخرًا, وأصبح من أتباع الفرقة الكيسانية ولم يكتف كغيره من الكيسانية بقوله بعودة إمامهم محمد بن الحنفية فحسب بل قال أيضًا بالحلول بصورتيه: الاعتقاد فى الرجعة، والتناسخ؛ وادعى أن النبى يونان حل فيه. وقد أدى به موقفه من المسائل الدينية والسياسية إلى الانتقال من البصرة إلى الكوفة، ولكن ذلك لم يمنعه من التقريب بشعره إلى العباسيين بعد أن علا شأنهم، وكانت له حظوة عند المنصور بصفة خاصة، ونظم أيضًا قصائد فى مدح ولاة الأقاليم مثل أبى بجير وإلى الأهواز وكانت الموهبة الشعرية وراثية فى أسرته، وشاهد ذلك أن جده يزيد كان هجّاءً مرهوب الجانب نظم قصائد فى ذم الوالى زياد. وكان السيد الحميرى نفسه شاعرًا مكثرًا حتى قيل إن له نيفًا وألف قصيدة ذاعت بين بنى هاشم، فضلا عن شهرته برشاقة الأسلوب. وقد نهج نهج أبى العتاهية فتحاشى ترصيع أشعاره بالألفاظ الغريبة وصرف همه إلى النظم بأسلوب واضح يفهمه عامة الناس. ويعد هو وأبو العتاهية وبشار أشهر الشعراء المتأخرين، على أن آراءه الخاصة فى السياسة والدين قد حالت دون ذيوع أشعاره، ولا أدل على ذلك من أن ديوانه لم يصل إلينا. وتوفى السيد الحميرى فى واسط سنة ١٧٣ هـ (٧٨٩ م).
المصادر:
(١) أبو الفرج الأصفهانى: كتاب الأغانى، جـ ٨، ص ١ - ٣١ (الطبعة الأولى)، ص ٢ - ٢٩ (الطبعة الثانية).
(٢) ابن شاكر: فوات الوفيات، القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، ص ١١٩.
(٣) الشهرستانى: الملل والنحل، طبعة cureton, ص ١١١.
(٤) عبد القاهر البغدادى الفرق بين الفرق، القاهرة سنة ١٣٢٨ هـ, ص ٣٠.
стр. 5934
(٥) Barbier de Meynard, المجلة الأسيوية، المجموعة السابعة، جـ ٤، ص ١٥٩ - ٢٥٨.
(٦) Muhammed Ibn al Hanafiya: H. Banning إرلانكن سنة ١٩٠٩، ص ٥٠.
(٧) The Heterodoxies of the Shiites: I. Friedlander سنة ١٩٠٩, ص ١٧٩.
الشنتناوى [بروكلمان Brockelmann]
السيرافى
أبو سعيد الحسن بن عبد اللَّه بن المرْزُبان: ولد قبل سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م) فى بلدة سيراف الصغيرة على الخليج الفارسى، وقد ذكر الوزير على بن عيسى أن مولد السيرافى كان سنة ٢٨٠ هـ على وجه التحقيق (ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٣، ص ١٢٣)، وتلقى السيرافى دروسه الأولى فى النحو والفقه فى مسقط رأسه، ولم يكن قد جاوز العشرين من عمره حين عبر البحر إلى عمان حيث صرف همه إلى دراسة المذهب الحنفى, ثم عاد إلى سيراف وقصد منها المعسكر ودرس فيها النحو العربى على المَبْرمان (انظر الزبيدى: الطبقات, رقم ٤٤؛ السيوطى: البغية، ص ٧٤)، ثم شخص إلى بغداد حيث درس بخاصة على أبى بكر بن دريد وأصبح من أخص تلاميذ هذا الفقيه البارز وناشرًا لمصنفاته، على أنه لم يقتصر على الدراسة اللغوية بل أصبح حجة فى جميع فروع العلوم التى كانت تمارس وقتئذ؛ ودرس السيرافى علوم القرآن على أبى بكر بن مجاهد والنحو على أبى بكر بن السرّاج، والحساب على المبرمان، الذى تقدم بنا ذكره، والحديث على أبى بكر بن زياد النيسابورى ومحمد بن أبى الأزهر؛ واشتهر السيرافى بأنه كان من المعتزلة، على أن من العسير أن نتبين ذلك فى كتاباته؛ وقد ظل أكثر من أربعين عامًا يصدر الفتاوى من مسجد الرصافة ببغداد؛ وأقامه قاضى القضاة أبو محمد بن معروف أكثر من مرة نائبا عنه على الجانب الشرقى من مدينة بغداد؛ ودُعِى أيضًا ليتولى منصبا فى ديوان الوزارة, ولكنه رفض هذه الدعوة، ويصفه جل كتاب السير بأنه رجل شديد التقوى يكرس وقته للصلاة والصوم ويرفض
стр. 5935
العطايا من العظماء، ويقال إنه ألف أن ينسخ كل يوم عشرة أوراق من مخطوط ثم يبيعها بعشرة دراهم تكفى لمؤونته، وقد ذكر ياقوت رواية مخالفة لهذه تقول إنه أخذ عليه أنه استعار مخطوطين من اثنين من الوراقين وحمل تلاميذه على استنساخها لشدة خسته أو لفقره المدقع، وقد كتب فى خاتمة المخطوطين المنسوخين أنهما تليا عليه، وبيعت النسختان من بعد بثمن أعلى من ثمن المخطوطين الأصليين بفضل شهرة السيرافى. وكان السيرافى فقيهًا من فقهاء المذهب الحنفى، ومع ذلك فإن رأيه الشخصى كان موضع التقدير العظيم، وقد روى لنا ياقوت خبر الرأى الذى أبداه فى الشراب المسكر؛ ويستفاد من العبارة التى نسبت إليه فى ذلك أن هذا الرأى كان سديدًا فى عرف أى مذهب بالرغم من مخالفته لبعض مبادئ المذهب الحنفى المقررة. واستفاضت شهرة السيرافى فى العلم حتى أصبح يتلقى فى كثير من الأحيان رسائل من الملوك والوزراء من شتى أرجاء العالم الإسلامى؛ وقد بعث إليه الأمير السامانى نوح بن نصر كتابًا يتضمن أكثر من ٤٠٠ سؤال خاطبه فيه بلقب الإمام. ولقد سماه أمير الديلم فى خطاب من هذا القبيل بشيخ الإسلام وتلقى خطابات أخرى من الوزير المصرى ابن خنزابة ومن سواه؛ والمصنف الوحيد الميسور من بين المصنفات العشرة التى نسبها إليه كتاب سيرته وذكروا عناوينها هو شرحه "الكتاب" لسيبويه، على أن هذا الشرح كان ذائعا حتى فى أيام حياته، وقد حسده عليه معاصره أبو على الفارسى الذى كان أيضًا من أئمة الفقهاء البصريين، ولم يكتم هذا الحسد، وقد ظل أبو على هو وأتباعه يحاولون الحصول على نسخة منه ليتسقطوا ما قد يكون فيها من أخطاء ويعلنوها على الناس. واستطاع أبو على سنة ٣٦٨ شراء نسخة بألفى درهم، ولكنه لم يجد فيها ما كان يرجو من أخطاء، وتأخر به الزمن عن لقاء السيرافى، إذ أدركته منيته فى السنة نفسها ببغداد فى اليوم الثانى من رجب ودفن بمقبرة الخيزران؛ ويسند إليه كتاب سيرته، كما تقدم بنا القول، عشرة مصنفات كل منها قائم
стр. 5936
بذاته: (١) شرح على "الكتاب" لسيبويه، طبع فى القاهرة سنة ١٣١٧ واستخدمه يان Jahn فى ترجمة هذا "الكتاب" (برلين ١٨٩٤) (٢) شرح على قصيدة ابن دريد المسماة "المقصورة"؛ (٣) "ألفات القطع والوصل"؛ (٤) "الإقناع فى النحو"، وهو كتاب فى النحو لم يتمه وأتمه ابنه يوسف، وقد جهر يوسف بأن أباه قد يسر علم النحو تيسيرًا كبيرًا بمصنفه هذا؛ (٥) "شواهد سيبويه"، وهى شروح للأبيات التى وردت فى "الكتاب" لسيبويه؛ (٦) "المَدْخَل (المدْخِل؟ ) إلى كتاب سيبويه"؛ (٧) "للوقف والابتداء"، ولعله مصنف فى قراءة القرآن قراءة صحيحة؛ (٨) "صنعة الشعر والبلاغة"، وهو بحث يتناول الطريقة الصحيحة فى كتابة الشعر والنثر؛ (٩) "أخبار النحاة البصريين"، وهو يتضمن سير نحاة مدرسة البصرة أو على الأصح قصصا عنهم مع أخبار عن خلافاتهم الأدبية كما نتبين من الشواهد التى ذكرها ياقوت وغيره من المؤلفين، وقد حفظ هذا الكتاب من الضياع، وفى الآستانة مخطوط جيد منه، ويقول السيوطى إنه استخدم نسخة منه كتبت فى كراسة كبيرة، (١٠) "كتاب جزيرة العرب"، وهو كتاب جغرافى استشهد به ياقوت فى معجمه الخاص بتقويم البلدان؛ ولم يذكر كتاب سيرة السيرافى شرحه على تلك الأبيات من الشعر التى أوردها ابن دريد فى معجمه الكبير "الجمهرة"، أما وقد راجعت مخطوط ليدن كله من هذا المصنف فإن من رأيى أن نحو ثلث المجلدين الثانى والثالث من "الجمهرة" قد استنفده هذا الشرح على أبيات الشعر الكثيرة التى ورد ذكرها فيه (ولا يشتمل المجلد الأول من هذا المخطوط نفسه على هذا الشرح)؛ وقد تحذلق فيه السيرافى فتناول الكلمات كلمة كلمة ولم يشر إلى أصلها التاريخى إلا نادرًا. ومن الواضح أن السيرافى كان فى كثير جدًا من الحالات لا ينى عن سؤال ابن دريد تفسير ما غمض، ويحملك الشرح كله على الاعتقاد بأن نصيب السيرافى فى هذا المصنف لم يزد على هذه التفسيرات الإضافية التى لا تجدها فى المخطوطات الأخرى من الجمهرة، ثم إن بعض الأبيات العادية الواردة فيه قد
стр. 5937
نسبت إلى السيرافى، كما أنه كان موضع سخرية معاصره الكبير أبى الفرج الإصبهانى الذى كان السيرافى قد تشاجر معه.
وتجد تراجم السيرافى فى جميع المصنفات التى كتبت عن حياة النحاة وعلماء الحديث وفقهاء الحنفية؛ وأهم تلك المصنفات: الفهرست، ص ٦٢؛ الأنبارى: نزهة الألبّاء، ص ٣٧٩؛ السيوطى: بغية الوعاة. ص ٢٢١, ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٣، ص ٨٤ - ١٢٥؛ الجواهر المضيعة، طبعة حيدرآباد، جـ ١، ص ١٩٦؛ ابن حجر: لسان الميزان, جـ ٢، ص ٢١٨؛ ابن خلكان، القاهرة ١٣١٠, جـ ١، ص ١٣٠؛ Flugel hanafitischen Klassen der Rechtsgelehreten ص ١٠٧؛ G.A.R.: Brockelmann, جـ ١، ص ١١٣، وغير ذلك من المراجع.
(٢) يوسف بن الحسن السيرافى، ابن السعيد أبو الحسن السيرافى، وقد خلف أباه فى التدريس بعد وفاته وأنجز مصنفه فى النحو المسمى "الإقناع"، ولم تكن له شهرة أبيه، ولكن ذكرت له ثلاثة مصنفات تماثل فى نوعها مصنفات أبيه، وهى: (١) شرح على الأبيات التى ورد ذكرها فى "الكتاب" لسيبويه؛ (٢) شرح على الأبيات التى ورد ذكرها فى "إصلاح المنطق" لابن السكيت؛ (٣) شرح على الأبيات التى وردت فى "غريب المصنف" لأبى عبيد القاسم بن سلام، وكان يقيم ببغداد وتوفى بها فى ربيع الأول سنة ٣٨٥ هـ بالغًا من العمر ٥٥ عامًا (انظر "بغية الوعاة", ص ٢٤١).
صبحى [كرينكوف krenkow]
السيرة
" السيرة" هى الترجمة المأثورة لحياة النبى محمد ﵊؛ ويظهر أن هذه الكلمة قد استعملت أول ما استعملت للدلالة على باب قائم بذاته فى عنوان مؤلف ابن هشام (طبعة فستنفلد ص ٣، س ٤ هذا كتاب سيرة رسول اللَّه). على أن ثمة شاهدًا آخر على استعمالها بمعنى الترجمة لحياة النبى ﵊، فقد وردت بهذا المعنى فى الواقدى (ابن سعد، الطبقات، جـ ٢، قسم ١، ص ١٨: من روى السيرة)، وفى تلميذه ابن سعد (المصدر المذكور، جـ ٣، قسم ٢،
стр. 5938
ص ١٥٢: هؤلاء أعلام بالسيرة والمغازى من غيرهم)، ثم إن كلمة سيرة كانت تستعمل فى تلك الأيام حقًا للدلالة على ترجمة الحياة بصفة عامة، ذلك أننا نعلم بوجود سيرة هى "سيرة معاوية وبنى أمية" لعوانة الكلبى المتوفى سنة ١٤٧ هـ أو ١٥٨ هـ، أو لمنجاب بن الحارث (التميمى المتوفى سنة ٣٢١ هـ؛ الفهرست، ص ٩١، س ١٨).
ومعنى "السيرة" متسلسل من "المسلك" أو "طريقة الحياة" اللذين تدل عليهما هذه الكلمة واللذين يعدان تطورا طبيعيا للأصل س ى ر، أى "سلك" أو "ذهب فى الأرض" (وقد وردت كلمة سيرة فى القرآن، سورة طه، الآية ٢٠) * بمعنى "السنة" أو"الهيئة" ويبدو أن صيغة الجمع "سيَر" هى التى كانت مفضلة فى أول الأمر عند الكلام على ترجمة حياة النبى [ ﷺ ] والراجح أنها أطلقت على الروايات الخاصة بحياته أسوة بـ "سير الملوك" البهلوية (١) الأصل التى كان العرب يعرفونها فى مطلع الإسلام (انظر Geseh. der Perser u, Araber: Noldeke, ص ١٤ - ١٨). والمصطلح "سير" يجئ فى جل الإشارات التى لدينا عن المؤلفات العربية الأولى الخاصة بترجمة حياة النبى [ ﷺ ] مقترنا دائمًا بكلمة المغازى (A. Fischer فى Cesch, Schwally d.Qorans: Noldeke جـ ٢، ص ١٢٢) واقتران هاتين الكلمتين يضئ لنا السبيل فى التعرف على أصل السيرة المركب.
(١) أصل السيرة وطبيعتها
إن فكرة جمع قصة حياة النبى ﷺ من مولده إلى وفاته فى رواية متتابعة محكمة ليست فكرة قديمة فى الجماعة
الإسلامية ولا هى بالفكرة التى جاءت عفو الخاطر. وإذا كان من الطبيعى أن تجتذب فعال منشئ الدين الجديد وأقواله على الفور اهتمام معاصريه وتلصق بذاكرتهم ويزداد هذا الأثر فى نفوس المؤمنين به من أهل الجيل الثانى، وقد انصرف هذا الاهتمام إلى تثبيت سنن العبادة والشريعة المقررة جريًا على تقاليد النبى ﷺ واقتداء به، كما انصرف إلى تخليد ذكر المغازى على غرار ما كان يفعل العرب فى الجاهلية، تلك المغازى التى اشترك فيها المسلمون تحت راية قائدهم الذى كان جل أتباعه ينظرون إليه نظرتهم إلى أمير (٢) * استطاع بفضل حكمته وشجاعته المؤيدين بروح من اللَّه، أن يحرز من آيات النصر أروعها وأعظمها أثرًا فى النفوس، وقد كان الحافز الأول إلى هذا الاهتمام هو الذى دفع القوم، كما نعلم، إلى إقامة السنة فى تلك الصورة المأثورة من الحديث المروى، وهذه الصورة وإن بدت على هيئة مجموعة من المعلومات تتعلق بحياته ﷺ ، فإنها فى الحق تختلف عن ذلك اختلافًا كبيرًا من حيث غرضها وطبيعتها. وكان الحافز الثانى بدوره هو السبب فى اهتمامهم بالقصص التى تتصل بحياة النبى ﷺ فى المدينة وتحفل إلى حد كبير بالمغازى. فليست هذه المغازى إلا استمرارًا أو تطورا لأيام
стр. 5942
العرب (١) وهما يشتركان فى ذلك الأسلوب العذب المرسل على السجية، وفى الجنوح إلى قطع حبل الرواية وتقسيمها إلى عدد من الحوادث مع وفرة الشواهد الشعرية (انظر Islamica, جـ ٢, ١٩٢٦ م ص ٣٠٨ - ٣١٢) ولا يستطيع المرء أن ينكر على مثل هذا النوع من الكتابة الصفة التاريخية، ولكنه يجب أن يُذكر فى هذا الصدد أننا لا نتناول التاريخ موضوعًا فى إطار من التسلسل التأريخى أو مرتبًا وفقا لخطة موضوعة، وإنما نتناول سلسلة من "المذكرات الحربية" نجد فيها التصوير الصادق (وإن غلبت عليه الذاتية فى كثير من الأحوال) والوصف الواقعى لحادثة مقترنا بوصف لحادثة أخرى،
كما قد ينقصه أحيانًا ربط الأحداث بعضها ببعض والنظر إلى مجرى الحوادث نظرة كلية شاملة.
(٢) تصنيف السيرة فى صورتها الأدبية
وأقدم من ألف كتابًا فى سيرة محمد ﷺ ، هو عروة بن الزبير (٢٣ - ٩٤ هـ) الذى استفاضت شهرته فقيهًا ومؤرخا. وقد اشترك هذا الابن من أبناء ذلك الصحابى المشهور اشتراكا ضئيلا فى النشاط الذى أبداه أخواه عبد اللَّه ومصعب، فقد تصافى فى وقت مبكر مع الأمويين المظفرين، واستجاب لرغبة الخليفة عبد الملك، فبعث إليه بعدة تعليقات فسر بها مسائل تتصل بمبدأ الإسلام (الشواهد مذكورة فى الطبرى؛ انظر Annali,Caetani، جـ ١، فهرس المجلدين الأول والثانى، ص ٨، تعليق ٢٢). على أن نشاط عروة فى التراجم لم يقتصر على هذه الرسائل، ذلك أنه ألقى على تلاميذه معلومات جمعها بنفسه جريًا على سنة النقل الشفوى الذى يدعمه الإسناد، تلك السنة التى أصبحت من ثم قوام الطريقة المتبعة فى السيرة وفى الحديث.
وقد اصطنع هذه الطريقة نفسها معاصر لعروة وابن خليفة من الخلفاء، ونعنى به أبان بن عثمان الذى استقر هو أيضًا فى مكة. وقد جمع دروسه عن حياة النبى ﷺ فى كتاب، تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة المتوفى قبل سنة ١٢٥ هـ. وأطلق على هذه الآثار الأدبية الأولى (ويمكن أن نضيف إلى هذين الاسمين اللذين ذكرناهما وشيكا: شرحبيل بن سعد المتوفى سنة ١٢٢ الذى كان أثره فيما يظهر ضئيلا) اسم المغازى، وهى التى ظلت، كما رأينا، من التواليف المأثورة إلى عهد متأخر، فضلا عن أنها تنم (كما يستفاد أيضًا من القطع التى بقيت منها) على أن محتوياتها تتعلق فى جوهرها بحياة النبى ﷺ العامة. وقد اطرد إطلاق هذا الاسم أيضًا على مؤلفات الجيل الثانى والثالث من المؤرخين، نذكر منهم علاوة على عاصم بن عمر بن قتادة المتوفى
стр. 5945
بين سنتى ١١٩ و ١٢٩ هـ اسمى كاتبين يفوقانه ذكرًا، وهما ابن شهاب الزهرى (٥١ - ١٢٤ هـ) وموسى بن عقبة المتوفى سنة ١٤١ هـ اللذان كان لهما أثر مشهود على جميع الروايات المتأخرة.
وقد وصلت إلينا قطعة من مغازى موسى طبعت فى كتاب مستقل نشره سخاو (Sachau فى Sitzungsberichte der preuss Ak. der wiss. zuberlin، ١٩٠٤), ولكن هذه القطعة ليست من الشمول بحيث تمكننا من الحكم على طبيعة هذا المؤلف وترتيبه أو فى ما تتيحه لنا الفقرات الباقية منه فى مؤلفات الكتاب المتأخرين.
وقد ازدهر علم المغازى أيضًا فى ذلك العهد نفسه خارج المدينة (سليمان بن طرخان [٤٤ - ١٤٣ هـ] فى بصرى؛ ومعمر بن راشد [المتوفى سنة ١٥٢] فى صنعاء) ولكن النجاح الذى أحرزته هذه المؤلفات قد أخمله كتاب محمد بن إسحاق (المتوفى سنة ١٥٠ هـ أو ١٥١ هـ) الذى يعد أيضًا ختام تطور الرواية المدنية وفاتحة تصور جديد للسيرة، ذلك أن أسلافه قد نظروا فيما يظهر إلى تاريخ النبى ﷺ نظرتهم إلى ظاهرة قائمة بذاتها وإن كانت عظيمة جليلة؛ أما ابن إسحق فقد كان أول من وضع الإسلام ومنشئه فى نسق التاريخ العام، فهو يرى أن ظهور الإسلام استمرار وتتمة للتاريخ المقدس اليهودى والنصرانى من حيث كونه ينبعث من الخلق الإلهى ومن دعوة الأنبياء السابقين لمحمد ﷺ ، ولكن محمدًا ﷺ يظهر فى الوقت نفسه أمجد ممثل للروح العربية وهو الذى يفتتح. على يديه عهد السيطرة العربية على العالم. وهذا التمييز لكتاب ابن إسحق لا يستمد بطبيعة الحال من وجود أى مذهب واضح ينتهجه، دلك أن كتابه محدود، شأن كتب أسلافه، بما التزمه من جمع مادة أخرى مسندة، ولكن العناوين الشديدة التباين التى تدل على كتابه (مبتدأ الخلق؛ المبدأ وقصص الأنبياء؛ المغازى والمبعث ومبدأ الخلق؛ المغازى والسير؛ السيرة والمبتدأ والمغازى؛ كتاب الخلفاء) تفصح بجلاء عن خطته؛ وسواء كانت هذه العناوين تشير إلى أجزاء مختلفة من مؤلف
стр. 5946
واحد قوامه عرض منتظم النسق للتاريخ العام، أو كانت لا تشير، وهذا أرجح، إلى أسماء كتاب أو عدة كتب نشرها المؤلف نفسه برمتها وإنما هى فى جوهرها تتفق مع طبيعة التأليف العربى فى زمن ابن إسحاق فتدون ما تتلقاه بالرواية الشفهية، فإنها تدل فى صورة موجزة على كل ما بذله ابن إسحاق من جهد فى كتابة التاريخ الذى نشر تلاميذه المختلفون وأذاعوا متفرقين جزءًا أو آخر منه. وهذا يفسر ما نراه فى الوقت الحالى من وجود سيرة لابن إسحاق مستقلة عن سائر كتابه تتمثل فى رواية ابن هشام المشهورة التى يسلم الناس عامة الآن بأنها قد حفظت لنا النص الأولى لابن إسحق كما كان تقريبًا. ولم يحظ بهذا التوفيق الجزءان الآخران من آثاره، وهما "كتاب المبتدأ" و"كتاب الخلفاء" اللذان لم يبق منهما إلا متفرقات اوردها الكتاب المتأخرون وبخاصة الطبرى.
ونخلص من ذلك إلى أن ابن إسحق أراد أن يصنف كتابًا أوسع مدى من المغازى التى صنفها أسلافه. وهذا يبين لنا السبب فى أن استخدام الإسناد فى كتابه قد اضطرب اضطرابًا جعل علماء الحديث ينكرون عليه صفة المحدث الثبت (انظر النصوص التى جمعها فستنفلد، ابن هشام، جـ ٢، المقدمة) وهذا الحكم (وقد أعلن فى حياة ابن إسحاق نفسه، ولم يكن معلنه إلا الفقيه الكبير مالك بن أنس) عظيم الأهمية، فهو يفرق تفرقة واضحة بين الحديث التاريخى والحديث العقيدى الخالص. وغنى عن البيان أننا نجد فى مجاميع الحديث بمعناه الدقيق بحر صحيح البخارى ومسلم وغيرهما، معلومات من الطراز الأول تتعلق بالتراجم (وبخاصة الكتب المقصورة على المغازى والمناقب) ولكن احتواءها على مادة مشتركة بينها وبين التراجم إنما يزيد الفرق بين هذين النوعين من التأليف تأكيدًا على تأكيد.
وقد جمع ابن إسحق مادة وافرة متنوعة فاضطره ذلك إلى التوسع فى مراجعة وقبول عدد من الروايات لا تدعمها الأسانيد دعما كافيًا، بل هو قد عنى بذكر مصدر بعض أخباره ذكرًا لا يتسم دائمًا بالوضوح الكبير. وخالف
стр. 5947
أسلافه فيما يظهر فلم يهمل استخدام الشعر فى تكملة مصادره حتى أخذ عليه أنه جمع عددًا من الأبيات المنحولة، ويمهد لرواية حياة النبى ﷺ بتعليقات وافرة فى الأنساب والشواهد القديمة. وصفوة القول إننا إذا قارنا ابن اسحاق بمن سبقه من الكتاب وجدنا أنه يتصف بصفة المؤرخ الحق وتتمثل فيه الصورة الأخيرة للمزج بين كتابة التراجم على النحو الدينى المأثور عن المحدثين وكتابتها على النحو التاريخى المأثور. وهذا الطابع الأصيل الذاتى الذى يتميز به مؤلف ابن إسحاق هو الذى يفسر العداوة بين مذاهب الرواة ويبرر فى الوقت نفسه النجاح العظيم الذى لقيه على مدى الأجيال، وهو نجاح لم يحمل فحسب ما سبقه من الكتب التى من نوعه وبعض الكتب التى التزمت ما جاء به التزامًا كبيرًا (مثل مغازى أبى يحيى ابن سعيد بن إبان والمتوفى سنة ١٩٤ هـ) بل جعل له أيضا الأثر الحاسم فى تطور السيرة فى المستقبل. وبقيت لنا من سيرة ابن إسحاق، علاوة على رواية ابن هشام لها، نقول لأغلب أجزائها وردت فى كتابى الطبرى الكبيرين التاريخ والتفسير؛ وقد أصبحت سيرة ابن اسحاق بفضل رواية هذين الكاتبين المصدر الأساسى لكتاب التاريخ المتأخرين.
وثمة كاتب آخر واحد يقف إلى جانب ابن إسحق على قدم المساواة أو يكاد، نعنى به محمد بن عمر الواقدى (١٣٠ - ٢٠٧ هـ) الذى وصلت إلينا السيرة التى كتبها عن النبى ﷺ بوسائل ثلاث مختلفة وهى: كتاب المغازى (انظر الترجمة المختصرة التى قام بها فلهوزن، ذلك أننا لا نملك بعد للأسف نسخة كاملة من نص هذا الكتاب) الذى رواه عنه محمد بن شجاع الثلجى (١٨١ - ٢٦١ هـ)؛ ثم السيرة التى قدم بها تلميذه وكاتبه محمد بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ كتابه هو "الطبقات" (ابن سعد، طبعة سخاو، المجلدان الأول والثانى) الذى جاء فيه علاوة على الروايات التى ترد إلى الواقدى روايات أخرى من أصل مختلف؛ ثم كتاب الطبقات نفسه. وخاصة المجلدين الثالث والرابع، فى كل ما يتصل بالصلات بين محمد ﷺ -
стр. 5948
وصحابته وما يتصل بالشأن الذى كان لهؤلاء الصحابة فى تاريخ الإسلام قبل وفاة النبى ﷺ وقد فقدت السيرة بالواقدى هذه الوحدة التى سلكتها فى إطار التاريخ العام وربطتها به وأسبغها عليها ابن إسحق، وإن كان من المقطوع به أن الواقدى قد احتذى أيضًا حذو ابن اسحق فصنف "كتاب التاريخ والمبدأ والمغازى" (الفهرست ص ٩٨ فى آخرها) وهو قريب الشبه فى تأليفه بمجموعة من الرسائل المتفرقة أوسعها تلك الرسائل التى خصصها لحياة النبى ﷺ العامة، وغزواته، ورسالته، والبعوث التى أوفدها أو أوفدت إليه. وإذا وازنا بين ابن اسحق والواقدى وجدنا أنه لا يميل إلى الشعر إلا قليلا، على أنه رزق موهبة عظيمة فى التاريخ, وإليه يرجع، كما نعلم، الفضل فى تناوله تناولا منهجيا، ثم إن الواقدى فى جمعه البيانات الخاصة بالصحابة فى الحديث قد أنشا بفضل ابن سعد الذى رتب المادة التى جمعها أستاذه وزاد عليها، فرعا من فروع البحث مكملا لعلم الحديث نما نموًا عجيبًا، ونعنى به علم الرجال، أى دراسة سيرة المحدثين ونقدهم.
وقد ظلت السيرة بعد الواقدى (ويعد هو وابن إسحق المصدر المنتظم لسلسلة من المؤرخين المتعاقبين تبدأ بالبلاذرى الذى نقل السيرة التى صنفها ابن إسحق برمتها تقريبًا فى كتابه أنساب الأشراف انظر (de Goeje فى Zeitschr der Deutsch Morgenl Ges, جـ ٣٨، ١٨٨٤ م، ص ٣٨٧ - ٣٩٠. بضع قرون لا يتناولها مؤلف من المؤلفات الجليلة الشأن (ونحن لا نعلم نسبيًا إلا القليل عن تلك المؤلفات التى خصصها المدائنى المؤرخ المشهور المتوفى سنة ٢٥٥ هـ للسيرة؛ انظر الفهرس ص ١٠١).
فقد اجتذبت "دلائل النبوة" و"الشمائل" التفات المؤرخين (انظر Die person Muhammads: Andrae ص ٥٧ وما بعدها) وهى فرع انبثق من السيرة لينمو ويزدهر مستقلا بنفسه، على حين ارتدت السيرة التاريخية إلى الكتب الكبيرة فى التاريخ العام، متمثلة بالطبرى ومتأثرة لخطاه بصفة عامة.
стр. 5949
ويشتمل ذلك الفيض الذى يخطئه الحصر من مجموعات تراجم الصحابة فى بعض الأحيان على إشارات تاريخية للسيرة تختلف عن تلك الإشارات المأخوذة من آثار ابن إسحاق والواقدى المشهورة، وبعض هذه الإشارات يرجع إلى أصول أقدم من هذين الكاتبين. وإنا لانزال نفتقر إلى دراسة لكتب من قبيل الاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير والإصابة لابن حجر وغير ذلك من الكتب، تستهدف جمع تلك البيانات وتحقيقها، ذلك أن هذه الدراسة قد تأتى بنتائج ذات قيمة. ومهما يكن من شئ فإن المادة التى بين أيدينا ليست إلا شذرات مبعثرة متفرقة. وأضأل منها تلك البقايا التى يمكن أن نلتمسها فى شروح سيرة ابن هشام، وأشهرها الروض الأنف للسهيلى (٥٠٨ - ٥٨١ هـ؛ انظر Brocelmann: Geach. d. Arab. Lit، جـ ١، ص ١١٥، ٤١٣). أما المصنفات الضخمة التى ترجع إلى تاريخ أحدث من هذا فهى تزودنا بفيض لا يتصوره العقل من التعليقات دأب أصحابها، مدفوعين بغيرتهم العلمية فى استقصاء كل ما ورد فى المصادر التى توصلت إليها أيديهم على حشدها حشدًا. أما من حيث مادتها فإنها لم تأت بجديد على ما ورد فى ابن إسحق والواقدى؛ الأصيلة، أو قل إنها لا تعدو أن تكون رواية من الروايات للقصص المعروفة من قبل. وحسبنا أن نذكر من تلك التصانيف التى قد يقتضينا إيراد ثبت بها إلى إطالة هذا المقال إلى حد غير معقول: عيون الآثار لابن سيد الناس (٦٦١ أو ٦٧١ - ٧٣٤ هـ انظر Brockelmann: Gesch. d. Arab Lit جـ ٢؛ ص ٧١)؛ والمناقب اللدنية للقسطلانى (٨٥١ - ٩٢٣ هـ؛ انظر بروكلمان، جـ ٢، ص ٧٣)؛ والسيرة الشامية لشمس الدين الشامى المتوفى سنة ٩٤٢ هـ أو ٩٧٤ (بروكلمان، جـ ٢، ص ٣٠٤)؛ والسيرة الحلبية لنور الدين الحلبى (٩٧٥ - ١٠٤٤؛ بروكلمان، جـ ٢، ص ٣٠٧)؛ والشرح الذى كتبه على المصنفين الأولين بعنوان "نور النبراس" سبط ابن العجمى المتوفى سنة ٨٤١ هـ (بروكلمان، جـ ٢ ص ٦٧)، وشرح المواهب للزرقانى المتوفى سنة ١١٢٢ هـ (بروكلمان، جـ ٢، ص ٣١٩). أما
стр. 5950
ملخصات السيرة ومنظوماتها التى يفيض بها الأدب العربى، فليس لها بطبيعة الحال قيمة تاريخية.
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة فى صلب المادة:
(١) حاجى خليفة، طبعة فلوكل، جـ ٣، ص ٦٣٤ - ٦٣٦.
(٢) Die arab. Geschichtschreiber: Wustenfeld (Abh. G.W.Gott, ١٨٨٢ م) فى مواضع متفرقة.
(٣) Des Leben u die Lehre des Mohammad: Sprenger برلين ١٨٦٩, جـ ٣، ٥٤ - ٧٧.
(٤) Annali dell' islam: caetani ميلان ١٩٠٥ م، جـ ١.
(٥) Gesch. d.Qoaran: Noldeke-schwally، ليبسك ١٩١٩, جـ ٢، ص ١٢٩ - ١٤٤.
(٦) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ٢، قسم ١، ليدن ١٩٠٩، المقدمة (Hoyovitz) جـ ٣ قسم ١، ليدن ١٩٠٤، المقدمة (سخاو).
(٧) It prof Gebrieli e una inedita dissertazioni di laurea intorno ad una fonte araba della biografia di Maometto: Nallino، رومة ١٩١٨.
(٨) Ancora interno alla primitiva biografia di Maomette: Gabrieli, رومة ١٩١٩ (وهما رسالتان جدليتان تشتملان مع ذلك على مراجع وافية جدًا وبعض الملاحظ المفيدة).
(٩) Mohammad ibn ishaq,Literarhistorische Untersuchungen: J.Fuck, فرانكفورت على الماين، ١٩٢٥ (وهو يشتمل أيضًا على عرض نقدى رائع للتأريخ الأدبى قبل ابن إسحاق).
(١٠) Verzeichniss. d.Arab. Handschriften: Ahlwardt, برلين ١٨٩٧ م، جـ ٩، ص ١١٠ - ١٧٨.
خورشيد [ليفى دلافيدا G.Levi Della Vida]
تعليق
مضى كاتب المادة يكرر ما يقول، ويجلب بخيله مستعديا كبارهم نولدكه وأمثاله، ومستعينا بأوساطهم أمثال "لامنس" الذى يطيب له أن ينعته
стр. 5951
بصفته اللاهوتية فيقول عنه "العالم الجزويتى"، وأن تحليله لأطوار السيرة قد بلغ به المدى".
هذه الاستعانة بالحشد الكبير. . وهذا التكرار الذى جعل الكاتب يعود إلى أيام العرب واحتذاء السيرة لأسلوبها. . واتسام تصويرها بطابع سير القديسين,, وأساطير القصص الدينى فى التوراة والإنجيل والقصص. . . ثم هذا الاستطراد البعيد الآفاق من التعرض لطبيعة رواية الحديث، ومقال كولدسهير الرائع عنها. وهجوم كيتانى المعروف فى هذا الميدان، وإن الإسناد الإسلامى لا يحمل ما يثبت حجيته فى مراحل سنده الأولى. . وأن البناء الكامل للرواية الإسلامية عن حياة النبى [ ﷺ ] فى مرحلتها السابقة على الهجرة -على الأقل- لا سند له بحال، وأن كل حادث، وكل تفصيل تاريخى، ليس إلا نتيجة لتفسير ذاتى لآية من القرآن كل هذا وما إليه من توسيع الميادين. . . وجرأة الدعاوى العامة، نلقاه من الكاتب فى صبر وأناة، مركزين الحديث فى أصول منهجية عليا، تكشف عن مواضع النقد فى منهجه وتناوله جملة، مع الاكتفاء بأمهات الملاحظات عليه. فمنها:
١ - ربط رواية السنة بعامة، وقواعدها فى ذلك ومناهجها برواية السيرة بخاصة، وما فيها من مواضع ضعف الرواية ليثب من ذلك إلى مهاجمة طبيعة رواية الحديث، وسوق ما لدى المستشرق الايطالى كيتانى من قوى الهجوم على الرواية الإسلامية. والكاتب يقول عن ذلك ما جاء فى ص ٤٤٨, ويذكر أيضًا أن الأسطورة حول شخصية النبى [ ﷺ ] وما اجتمع حولها من قصص نسجت على منوال القصص اليهودية، أو المسيحية، وربما الإيرانية أيضًا قد "اتخذت لها القواعد والمناهج على يد مدارس المحدثين فى المدينة. الخ. . كما يقول أن عروة بن الزبير ألقى أيضًا على تلاميذه معلومات. . "جريًا على سنة النقل الشفوى الذى يدعمه الإسناد، تلك السنة التى أصبحت من ثم قوام الطريقة المتبعة فى السيرة وفى الحديث" كما يقول قبل ذلك ما هو تمهيد لهذه التسوية الجريئة بين رواية السيرة للمغازى ورواية السنة العامة
стр. 5952
(ص ٤٤٨) "إن السيرة. . إنما هى مجموعة من الأحاديث" "المروية إلا تختلف فى طريقة تكوينها إختلافا جوهريا عن الأحاديث المسلم بصحتها" وقد قال قبل ذلك (ص ٤٤٨) إن السيرة تنأى نايا بعيدًا عن تمثيل الرواية الصحيحة".
وفى هذه الخطة الواضحة من الكاتب إخلال كبير بالمنهج السليم للبحث يتجلى فى غير جانب من جوانب المنهج:
(أ) إخفاء الحقيقة عن عمد؛ أو على أقل تقدير، الإخلال بواجب الاطلاع على أمور مشهورة سائرة فى هذا المقام، وهو الرجل الذى اطلع على ذلك الحشد الكبير من كتابات قومه قديمًا وحديثًا. . ونستطيع -فى غير تهيب- أن نرجح الأمر الأول وهو إخفاء الحقيقة عن عمد. . ذلك أن هذه التى آثر أن يسميها المغازى، ويقيم على تسميتها تلك ما أقامه أول المادة من جعل الرسول من الأكاسرة، البهلوية، وأمراء العرب فى الجاهلية. . وهذه المغازى التى يحدث عن ازدهارها. . هذه المغازى يقول نقاد الحديث، على لسان الإمام أحمد: "ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازى والملاحم والتفسير" ويقول المحققون من أصحابه: "مراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة" (الزركشى: البرهان فى علوم القرآن جـ ٢: ص ١٥٦، ط سنة ١٩٥٧ - ونقله السيوطى فى الإتقان فى علوم القرآن جـ ٢ ص ٢١٠, ٢١١, ط سنة ١٢٧٨ هـ) وإذا كان الأمر كذلك. وكانت هذه القولة مما لا يخفى مثله الكاتب المطلع. . فلم تركها؟ ! وبنى كل هذا الصرح أو بث كل هذا اللغم ليسوى بين رواية السنة ورواية السيرة، ويهاجم الروايتين، على السواء، فى طبيعتهما، وبنائهما. . إلى آخر ما قال مما لفت إلى أطراف منه. . وسائره مبثوث فى المادة!
وينبغى أن نقدر هنا ما يربط به الكاتب بين السيرة والتفسير أيضًا فى مثل قوله إن كل حادث ترويه السيرة، وكل تفصيل تاريخى مزعوم، ليس إلا نتيجة لتفسير ذاتى لآية من القرآن. الخ. فإذا ما سمعنا القولة السائرة فى عدم أصالة المغازى والتفسير فقد عمد
стр. 5953
الكاتب إلى دعم منهار بمنهار، وأخفى -فيما نرجح- على القارئ انهيار الأصلين عند أصحاب المنهج النقلى فى الإسلام!
(ب) ويتمم هذا الإخفاء للحقيقة عدم رواية الاتهام الإسلامى القديم للسيرة بقوته ووضوحه، فهو مثلا يقول: إن ابن إسحاق أخذ عليه أنه جمع عددًا من الأبيات المنحولة؛ وهى عبارة قصيرة حفيفة لا تمثل فى شئ ما يقوله الأقدمون فى عمل ابن اسحق هذا إذ تسمع فيه عبارة ابن سلام يقول: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه، وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحق بن يسار، مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير (طبقات الشعراء، ص ٩ ط المعارف) وشتان بين العبارتين، عبارة القدامى وعبارة كاتب مادة سيرة -وما أضيع دلالة هذه العبارة الأخيرة عند كاتبنا- فإن أصحاب الأدب والشعر، الذين تظل رواياتهم -مهما يكن التحرى- أقل حرمة من رواية الحديث. . أصحاب هذا الأدب إذا ما قالوا فى قوة إن ابن اسحق أفسد الشعر، وهجنه، وحمل كل غثاء منه، يهزون بهذا القول كل قوة لروايته التى يزعم لها الكاتب أنها جرت على قواعد مدارس المحدثين ومناهجها. . الخ. ما سمعناه من قوله فى الفقرة رقم ١ من هذا.
وإخفاء المشهور، وتوهين المنقول، يهدم أساس كل منهج للبحث، ويذكر بواجب الأمانة العلمية. .
وتنظر فى أخرى من الملاحظات المنهجية فى عمل كاتب مادة "سيرة" بعد ربطه المفتعل بين السيرة والسنة، وإضاعته بذلك للحقيقة، ننظر فنرى:
٢ - تناقض الكاتب فى المادة التى قدمها هو، فبينما تراه يربط هذا الربط الوثيق بين المغازى والسنة ليهاجم ضعف رواية السيرة أصلا، فيهاجم رواية السنة كلها تبعًا. . بينما ينجم ذلك من عمله إذا بك تراه يحدث هو نفسه عن النقد الحديثى وقوته وضجره الشديد برواية السيرة، فتقرأ مثل قوله إن استخدام الإسناد فى كتابه -يعنى ابن إسحاق- قد اضطرب اضطرابًا صدم فقهاء علم الحديث المستمسكين
стр. 5954
بأصول السنة صدمة عنيفة، فأنكروا عليه بالإجماع صفة المحدث المثبت. . فلم يجد ابن إسحق بدًا من هجر التدريس فى المدينة. . ويذكر الكاتب خبر الإمام مالك مع ابن إسحق، ومهاجمته له، ويقول فى هذا الموضع: وهذا الحكم عظيم الأهمية فهو يفرق تفرقة واضحة بين الحديث التاريخى والحديث العقيدى الخالص- وهكذا جرى الحق على لسانه نفسه .. ولم تعد مع قوله هذا حاجة إلى أن نسأله: ففيم إذن هذا العناء فى ربط السيرة، أو المغازى بالسنة، وتعزيز وحدة قواعدهما ومناهجهما، وبناء السيرة على الإسناد الذى هو قوام الطريقة المتبعة فى الحديث، ما دام فقهاء علم الحديث المستمسكون بأصول السنة يحكمون هذا الحكم العظيم الأهمية المفرق بين الحديث التاريخى والحديث العقيدى الخالص تفرقة واضحة. .! ؟ من فمك أدينك. . فى هدوء وهوادة.
ومما هو من المنهج بسبيل:
٣ - أن كاتب المادة يقول عن أصحاب مدرسة المدينة حيث كانت الغيرة الدينية فى المحافظة على ذكر النبى ﷺ تضطرم فى نفوس أهل المدينة -الذين ما بهم التقى عن السبيل الذى كان ينبغى أن تسير فيه حياة النبى [ ﷺ ] مستعينين فى ذلك بشتى التوفيقات الفقهية وبالأصول الدخيلة فلا نجد للحوادث التى رووها سندًا من الرواية التاريخية:
يقول الكاتب هذا؛ مقدرًا العوامل الاعتقادية النفسية وأثرها، فنسمع له ونصغى، لكنا لا نملك إلا أن نذكر حديثه عن العالم الجزويتى "لامنس" فنخشى عليه مثل الذى خشيه هو على علماء المدينة من التقى الذى يميل عن السبيل، والغيرة الدينية المضطرمة فيهم وأثرها فى الاستعانة بالتوفيقات والأصول الدخيلة. . نخشى على "لامنس" ومن "لامنس" مثل هذا الاعتبار النفسى المنهجى، الذى رآه الكاتب قشة فى عين أهل المدينة ولن يراه خشبة فى عين صاحبه الذى لم يغفل هو نفسه عن وصفه بالجزويتى. . إن بصرنا لا يزيغ -فيما أعتقد- لو رأينا هذه الخشبة فى عين الكاتب نفسه، بالمنظار الذى كشف لنا به عن القشة فى عين أهل المدينة. .
стр. 5955
وإن كانت هذه القسة لن تخفى على أعين نقاد الحديث حين عرضوا هذه السيرة للنقد المنهجى. . بل لم تخف على آهل الأدب والشعر المرحين المتبسطين، حين عرضوا نقد عمل صاحب السيرة عند استشهاده به فيها. .
إننا نصغى! ! لهذه التوجيهات النفسية فى الفهم والتقدير، ونقدر سلامة هذه التوجيهات وأهميتها ونحاول أن نأخذ أنفسنا بها. . ثم نأخذ بها أصحابها. . فى مثل هذه التعليقات التى نرجو فيها الصبر والأناة.
أمين الخولى
سيرة عنتر
تعد قصة عنتر بحق مثالا لقصص الفروسية العربية، وتلم هذه السيرة بخمسمائة سنة من تاريخ العرب، وتشمل ذخيرة من الروايات القديمة. وهذه القصة التى ذكرها كتاب الأغانى عن خبر عنتر، وكيف أُلحق، وهو ابن أمَة، ببنى عبس جزاء له على إنقاذه لهم من محنة عظيمة ألمت بهم، تحمل طابع الرواية النامية وإن كانت قد اتسمت بالفعل بسمة الأساطير. على أن سيرة عنتر تسمو كثيرًا على الأسطورة تنمو فى عقل الناس الباطن، فقد رُفع هذا البطل الفرد، بقفزة جامعة من قفزات الخيال، إلى مقام جعله يمثل كل ما هو ئكربى، وأصبح عنتر الجاهلى بطلا من أبطال الإسلام وهكذا غدت القصة مرآة للتقلبات التى مر بها العرب والإسلام فى خمسمائة سنة فهى تصور ثارات القبائل العربية القديمة؛ وإخضاع الجزيرة العربية، وخاصة العراق، للسيطرة الفارسية؛ والانتصارات التى أحرزها الإسلام فى إبان ازدهاره على بلاد فارس؛ ومركز اليهود التاريخى المشهود حتى القرن السابع الميلادى؛ والبلاد التى اقتطعها الإسلام بالفتح من المسيحية، وخاصة فى الشام؛ والحروب المتصلة التى شنها الفرس ثم الشرق الإسلامى على الروم؛ وتقدم الإسلام الظافر فى شمالى إفريقية وفى أوربا. ولا ينكر منكر أيضًا أثر الحروب الصليبية فى هذه السيرة، التى تكثر فيها الشواهد على الصلات بين الشرق والغرب. وقد كتبت القصة بالشعر المنثور السهل ورصعت بعشرة آلاف